الفصل 62 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الحادي وخمسون 51 - بقلم سينابون

المشاهدات
15
كلمة
7,150
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

القطعة التاسعة والعشرون ج1


_محمود البنا ..ودلوقت محمد عيد ..وألوف قبلهم ..وألوف بعدهم ..البلد دي بقت بتتنفس قهر !


تكتبها ريتال على صفحتها الشخصية على الفيسبوك بينما تجلس في صالة الاستقبال في مركز جمعية "رسالة" الذي تتطوع للعمل فيه خيرياً .


تكاد تغلي غضباً وقهراً وهي تستعيد الحادثين الأخيرين ..


الأول لذاك الفتى الذي راح ضحية شهامته وهو يدافع عن إحداهن أمام أحد "البلطجية" الذي توعده بالقتل لينفذ وعيده بعدها ..


العجيب أن الحادث صار قضية رأي عام ..الناس من هنا وهناك ينتفضون ويثورون لجلب حق فتى تم تصوير عملية قتله بالصوت والصورة !!


لكن الغمامة القاتمة لا تزال تهدد بغيث القهر على الجميع ..


النفوذ العتيد قال كلمته ..ولتخرس كل الألسنة !


ومن جديد يبزغ القهر في الحادث الثاني ..


ذاك البائع الجائل الذي أجبره "الكمساري" على القفز منه وهو يسير لأنه لم يكن يملك ثمن التذكرة.. فدفعها بحياته !!


تتأفف بضجر وهي ترفع رأسها تتابع وجهاً من الوجوه البائسة لطفل دخل لتوه كي يسأل عن مساعدة ما ..


ينقبض قلبها بالمزيد من القهر وهي تتأمل هيئته الرثة ..


قدميه الحافيتين ..كعبيه المشققين ..


وسامته الطبيعية دنسها درن العوز وقسوة الناس !!


_صبّح صبّح يا عم الثورجي ..


يكتبها لها سامر برسالة خاصة فتتنهد لتكتب له بانفعال:


_هاطقّ يا سامر ..هاطقّ ..البلد دي خلاص ماعادش يتعاش فيها .


_والكلمتين بتوعك دول اللي هيخلوها يتعاش فيها ؟! صلي ع النبي كده وخفي من الكلام اللي يودي في داهية ده ..عيش نملة تاكل سكر!


يكتبها لها مع "وجه أزرق مرتعب" فتبتسم رغماً عنها لتكتب:


_بذمتك دمك مش محروق زيي؟! عاجبك الحال ده ؟!


_دعي الخلق للخالق يا آنسة .


_مش قادرة يا سامر ..مش قادرة ..حاسة إني هاتخنق لو قعدت في البلد دي سنة كمان .


_الاسطوانة المشروخة إياها ..عايزة أسافر ..انتِ فاكرة السفر ده جنة الله في الأرض مثلاً؟! ..يابنتي احنا مالناش قيمة جوة هيبقى لنا بره ؟!


_بس نعيش ..نتنفس ..احنا هنا بنموت بالحياة .


_روقي كده بس وما تقفليليش اليوم ..ده أنا قلت هتصبحي عليّ بغنوة حلوة من بتوعك .


يرسلها لها مع صورة كفين ملتصقين في وضع الرجاء فتبتسم وهي تكتب له :


_ماشي ..قوللي صحيح ..ياقوت ردت عليك ؟! أنا مارضيتش أعرفها إني عارفة .


فيتردد قليلاً وقد آثر كتمان أمر شعوره بكوْن ياقوت مرتبطة عاطفياً ليكتب :


_سيبيها براحتها أنا مش مستعجل ..وبصراحة مش متحمس .


_سها تاني؟!


ضيقها يتسرب حتى عبر برودة الحروف المكتوبة ..فيتنهد بحرارة ثم يبتسم باستغراب ..


رغم طبيعة عمله التي تفترض أن يفهم دواخل الناس ..لكنه أدرك أنه حقاً لم يكن يفهم نفسه ..


سها ..حلم العمر الطويل الذي طالما كان أسيره ..الآن بعد انقشاع الغمام صار يراه مجرد "وهم" ضلله ..


لكنه لايزال عاجزاً عن إيجاد طريقة "حقيقة" آخر !


ترسل له ريتال المزيد من علامات الاستفهام فيبتسم وهو يكتب لها :


_ما تخافيش على أخوكِ ..أنا فقت خلاص .


ترسل له علامة إعجاب مرفوعة الإبهام فيردها لها بوجه ضاحك تنتقل ضحكته إليها ..


غريبة هذه العلاقة بينهما !


جسر طويل ممدود بين الصداقة والقرابة فتكاد تشعر أنه أقرب لروحها ممن سواه ..


لهذا عادت تكتب له بعد تردد قصير :


_كنت عايزاك تساعدني في حاجة .


_ولا أعرفك !


يكتبها لها مازحاً فترسل له وجهاً غاضباً يليق بعبارتها:


_ده العشم يا جدع .


يضحك مكانه وهو يرى النقاط المتراقصة معلنة عن قرب وصول رسالة طويلة منها ..


لكنه يشعر بوخزة خفية لم يفهم سببها وهو يقرأ رسالتها بعدها :


_جايلي عريس ممتاز ..دكتور في علوم الطاقة الذرية ..ومستقر في كندا هجرة من كام سنة ..بس عمك جميل مش موافق .


_ليه؟!


ترتجف أنامله رغماً عنه وهو يكتبها شاعراٌ بضيق مجهول لتكتب له :


_ما انت عارف ..عايزني أفضل جنبه هنا ..بس أنا بصراحة شايفاها فرصة مش هتتكرر .


_الجواز مش فرصة .


_مادام مفيش حب ..يبقى نشغل عقلنا وناخد الأفضل ..وبصراحة أنا هاموت وأسافر بره البلد دي .


_وعايزة مني إيه يا ستي الطفشانة انتِ؟!


يكتبها ممازحاً ومغالباً هذا الشعور السلبي غير المبرر بداخله لترد :


_كلم بابا ..هو بيثق في رأيك .


_بس أنا كمان مش عايزك تسافري ..مين هيصبح عليّ كل يوم بغنوة حلوة غيرك ؟! مين هيستحمل جناني وأنا بحكيله عن نفسي اللي مش فاهمها ؟! وبعدين مين اللي هشتريله عرايس ؟! ده انتِ خاربة بيتي بيهم !


ورغم ظاهر عبارته المازح لكن غصة حقيقية استحكمت حلقه من فكرة سفرها هذه ..


صحيح أنها طوال الوقت تتشدق برغبتها هذه ..لكن أن تنالها حقاً ..أن تتركه وتغادر لبلد بعيد ..الفكرة نفسها تعتصر قلبه بقبضة خانقة ..


بينما بدت هي مازحة تماماً وهي ترسل له المزيد من الوجوه الضاحكة :


_شغل "الصعبانيات" ده مش لايق عليك ..وبعدين النت مخللي الكوكب كله أوضة وصالة ..لو وعدتك أفضل أصبح عليك بالأغاني من كندا ..وأستحمل جنانك في "الماسنجر" ..توعدني تقنع الحاج ؟!


يظل صامتاً للحظات يرمق الهاتف بعينين قاتمتين خلف زجاج نظارته لتعاود هي الكتابة بنفس المزاح :


_وإلا هاتجوزه وأسافر من وراكم وأجيب لكم العار .


_للدرجة دي عاجبك يعني؟!


يكتبها متعجباً من لهفتها لترد كما توقع:


_هو نفسه مش بطال ..لكن الفرصة يا سامر ..الحلم ..عارف كام باب ممكن يتفتح لي هناك ؟ وقصاده كام باب مقفول هنا ؟!


يزفر بقوة وهو يتيقن من صدق حدسه ..هي لا تريد الزواج بقدر ما تريد السفر !!


_ مش انت أخويا؟!


يبتسم عفوياً لعبارتها فيرد :


_طبعاً !


_طب ما تقابله عشان ضميرك يبقى مستريح وانت بتكلم بابا .


_آمين يا تولا.


يكتبها لها بنفس الضيق المبهم مستعيداً كنية تدليله القديم لها منذ صغرها لترسل له وجهاً مبتسماً مع عبارتها:


_آمين يا "دكترة"! حيث كده بقا حالاً أبعتلك "الاصطباحة"!


تكتبها لترسل له أحد أغاني فرقة "كايروكي " الجديدة فيبتسم بشرود وهو يفكر ..


لماذا يشعر بهذا النفور ؟!


هو كان متقبلاً لمشاعرها الدفينة نحو مروان فلماذا ينقبض قلبه الآن بهذه الصورة مع خاطبها هذا؟!


تراها فكرة سفرها وابتعادها عنه ؟!


أم أن العرض نفسه يبدو له خطراً وهي تغادر نحو مكان غريب مع رجل غريب وحدها ؟!


زفرة قصيرة تغادر حلقه وهو يحك لحيته بأنامله ليغمغم لنفسه بشرود :


_ما تبقاش سمّاوي كده وتكره لها الخير ! مش يمكن فرصة فعلاً ؟! قابله ونشوف!


======


بعض الحب كحقائب زاخرة تعدك بغنى العمر ..


لكن قدرك أن تبقى منسية على أرصفة الانتظار !


بعض الحب كفردوس ناله قلبك دون حول ولا قوة ..


لكن قدرك أن تطردك منه خطيئة !


بعض الحب كاملٌ حد الكفاية ..


ناقصٌ حد الزهد ..


فما حيلتي ولست منكِ بمكتفٍ ولا فيكِ بزاهد ؟!


بعض الحب -مثلكِ- مراوغ كقمر يختبئ خلف غيومه ..


فاعذري من سقط عنقه ألماٌ وقد ملّ النظر !


"هيثم "


=======


مظلة عشقنا كانت مثقوبة ..


فكيف أقف وسط الريح هازئة بالمطر؟!


بيميني غرامي ..وبيساري ذنبي ..


فأين -منك- أشيح بوجهي؟!


جميلة كانت زهرة حبنا إنما ..


قصيرٌ هو عمر الزهور !!


لا تلم نفسك ..


ولا تلمني ..


"مائة"جدار حجب بيننا الصرخات !


"ألف" ستار بيننا أخفى البسمات !


وذنبٌ "واحد" يبقى العمر بيننا ..


طعنة وسط الضلوع !


"شهد"


=======


خلف شاشة الماكينة المخصصة للدفع يجلس هيثم يراقبها بشرود وهي تتحرك بين أروقة المحل الكبير تساعد بعض رواده ..


ابتسامتها الصافية ..ملامحها الملائكية الفاتنة ..حيويتها التي تجعل خطواتها تكاد ترقص على الأرض ..


فيشرد ببصره وهو يتذكر أباه رغماً عنه ..


تدمع عيناه بمزيج من ألم وغضب وهو يعاود النظر نحوها لكنها تغمزه بخفة من بعيد ..


يهطل سيلها برداً وسلاماً على نيرانه فترتجف شفتاه بابتسامة واهنة ..


يحبها !


يحبها هذا الحب الذي لم يعرفه من قبل بهذه القوة !


لقد ظن أنه قد عشق داليا لكنه تجاوزها ببساطة بعدما كان بينهما فلم تترك في قلبه سوى "ندبة وردية" تمتزج بذكريات الصبا ..


لكن شعوره بشهد يختلف ..


يختلف وهو يشعر أنه صار يتنفسها كما تتنفسه !!


يراها تتقدم منه بخطوات حذرة نسبياً وهي تتلفت حولها منتهزة فرصة الخلو النسبي للمحل ..


يحتضنها بعينيه وتعانقه بكل روحها ..


تقترب أكثر لتهمس له بعذوبتها الرائقة :


_عامل إيه يا "روميو"؟!


فيبتسم وهو يميل رأسه هامساً بمراوغة :


_اشمعنا "روميو"؟!


يعلم أنه كان اللقب الذي اختارته له داليا منذ عهد بعيد ..


لهذا تعجب استخدامها هي له ..


لكنه لم يتعجب هذه النظرة المتشحة بالمرارة في عينيها رغم مرح عبارتها الظاهر :


_انت روميو وأنا جولييت ..اخترت لك الاسم ده من زمان .


_انت اللي اخترتيه ؟!


يسألها ببراءة ظاهرة ليدهشه كذبها بعدها:


_أيوة ..انت روميو بتاعي وبس ..عمرك ما حبيت حد قبلي ..ولا هتحب حد بعدي .


يعقد حاجبيه بضيق من شعوره بأن كذبتها هذه ليست الأولى ..


ولو نظر في قلبها لأدرك أنها لم تكن تشعر بأنها تكذب!


بل بأنها فقط تعيش فوق غمام حلمها الخاص بعيون مفتوحة ..


قبل أن يصفعها القدر ليسقطها فوق صخرة الواقع !


_سايبة شغلك ليه يا شهد ؟!


يقولها الكهل المسئول عن عملها بنظرة صارمة فتتنحنح بارتباك لتعتذر له بسرعة قبل أن تبتعد ..


فيرمقه هيثم بنظرة غاضبة وهو يلاحظ نظرات الرجل غير البريئة نحوها والتي ظلت تلاحقها طوال اليوم ..


نظرات لن يخطئ في تأويل سوء نواياها !


لهذا ما كاد النهار ينتصف وتخف الحركة قليلاً في المحل حتى أشار لها بكفه خفية فتقدمت نحوه لتهمس مبتسمة :


_ركز في شغلك بقا عشان ما تدفعش فرق زي امبارح ..عايزاك تبيض وشي قدام الراجل ده أنا كنت هبوس راسه لما قاللي إنه موافق تشتغل معانا .


_إيه تبوسي راسه دي؟!


يهمس لها بها بحدة فتجفل هامسة بارتباك:


_عادي يا هيثم مش حوار يعني..كلام عادي .


لكن احتقان ملامحه يزداد وهو يهمس لها بينما أصابعه تنقر على اللوح الصلب للطاولة أمامه :


_نظراته ليكِ مش عاجباني ..احنا هنسيب الشغل ده .


_بتهزر؟! انت فاكر إننا هنلاقي شغلانة في محل زي ده بالساهل؟! وبعدين نظرات إيه اللي بتتكلم عنها ..ده أد أبويا !


لم تكد تنتهي منها حتى شحبت ملامحها وهي ترمقه بنفس النظرة المرتعبة التي تثير جنونه في كل مرة يجدها تتفوه بما يمكن أن يثير نهر ذكرياته الراكد ..


لكنه هذه المرة كان يشاطرها نفس الرعب وهو يشعر بهواجسه تكاد تعتصر قلبه ..


فانتفض من مكانه ليهتف بها بانفعال :


_أنا عن نفسي هاخلص "الشفت" ده ومش هاكمل شغل هنا ..لو عايزة تكمللي هنا براحتك .


فترمقه بنظرة مترددة لتتلفت حولها هامسة :


_وطي صوتك بس ..خلاص حاضر ..نسيب الشغل هنا مادام مش مرتاح .


يعقد حاجبيه وهو يشيح بوجهه لتهمّ باسترضائه لكنها تلمح الرجل من بعيد يرمقها بنظرة صارمة فتتحرك مبتعدة لتعود لمكانها ..


فيما ظل هو لساعة كاملة بعدها يحاول السيطرة على مشاعره وهو لا يميز فارقاً بين "غيرة" و"غضب"..


كلاهما حارق ..لاسع ..كاوٍ ..


كلاهما مهلك!


يحاول الانخراط مع الوجوه والشاشة أمامه متناسياً فورة مشاعره لكن التفاتة عابرة نحو مكانها هناك تجعله يحدق فيها بريبة وهو يراها تتحدث إلى ذاك الرجل ..


هل هو شديد القرب منها حقاً أم هي فقط هواجسه ؟!


هل تضاحكه بدلالها المعهود أم أنه فقط يتوهم؟!


الدماء تغلي في عروقه وهو يرى الرجل يشير لها نحو الطابق السفلي المخصص للمخزن فتتوجه إليه وحدها تلاحقها نظراته الجائعة وهو يقف مكانه للحظات ..


قبل أن يلحق بها !


ينتفض مكانه معتذراً للزبون أمامه ثم يطلب من زميله تولي عمله قبل أن يتوجه نحو الطابق السفلي بخطوات حذرة وهو يكذّب كل ما تصرخ به ظنونه ..


الأصوات المكتومة من مكان قريب تثير المزيد من جنونه فيتحرك نحو مصدر الصوت لتتسع عيناه بصدمة وهو يرى الرجل يكمم فمها بينما يعتدي عليها !


لم يدرِ كيف وصل إليه ..


لم يشعر كيف انتزعها من بين ذراعيه ..


لم يدرك كيف أمسك كتفي الرجل بقوة ليديره نحوه فيرفع قبضته في وجهه يهم بلكمه ..


لتتوقف يده في الهواء!!


هاهنا فقط لم يعد يرى ملامح الرجل ..


بل صار يرى فيه وجه حسين ..


أبيه !!


دموع عجز..


غضب..


خزي ..


كلها تتكدس في عينيه فتتهاوى قبضته ببطء يوازي صرخة شهد الخافتة التي تجمدت في أذنيه والرجل يدفعه بقوة ليصرخ بصوت عالٌ قالباً الوضع لصالحه ..


_إيه المسخرة دي؟! عشان كده كنتِ مصممة تشغليه هنا معاكِ ..المهزلة دي مش هنا ..اطلعوا بره انتو الاتنين .


صراخه يستجلب حضور بعض العاملين من الأعلى ليرمقوا المشهد من بعيد بنظرات نهمة نحو شهد وهيثم بين فضول واحتقار ..


لكن الأخير لم يستطع البقاء أطول وهو يخترق الجمع بخطوات هادرة تاركاً إياها خلفه ..


=====


_معلّم واحنا منك نتعلم والله يا حاجة ثمر !


يهتف بها إسلام مع صفير إعجاب طويل وهو يستمع من ياقوت لما حدث عبر الهاتف لترد الأخيرة بانفعال:


_مبسوط قوي؟!


يضحك ضحكة عالية ثم يطلق همهمة مستمتعة ليردف:


_هو ده الشغل ! سعادته فاكر ييجي يقول عايزك نقوم نلفك في ورق سلوفان ونحطك قدام بيته ؟! لازم يتعب عشان يوصللك ويبقى فاهم كويس قيمتك..لازم يحس إن راسك براسه وإنه ممكن يتقبل أو يترفض زيه زي أي حد .


تصمت لعدة لحظات بعدها وهي تحاول التفكير في عواقب ما فعلته ثمر ..


وقبلها فيما جعل زين يندفع هكذا دون مقدمات ليقدم عرضه ..


ابتسامة مترددة ترتسم على شفتيها وهي تتذكر ..


_لا لعيبة ! عرفتِ تجننيه لما رميتِ الحلق وراكِ ومشيتِ ..إيّاكش بس تخلص على خير ونلبس بداله الدبلة بقا!


تهتف بها "العفريتة العابثة" بداخلها فتتنهد بعمق وهي تعترف أنها تعمدت فعلها ليلتها كي تثير جنونه خاصة وهي تعلم عن هوسه بتملكها ..


سعيدة ؟!


لا تدري ..فرحتها ناقصة وهي لا تعلم ماذا سيسفر عنه الغد !!


_سكتّ ليه يا "أبو التوت"؟! كمّل ..إيه اللي حصل بعدها مع الحاجة ثمر؟!


يقاطع بها إسلام شرودها لتزفر بقوة قائلة :


_هي جملة واحدة اللي قالتهالي بعد ما مشي وسابتني بعدها .."دموع بنتي غالية واللي يقدرها هو اللي يستاهلها" .


فيصدر همهمة استحسان ثم يضحك فجأة قائلاً:


_أنا مش صعبان عليا غير "أبو سمرة" السكّرة ..أخينا ده لو لقاه هيعمل منه بوفتيك .


لكنها تتأوه بخفوت قائلة وهي تفرك جبينها بتعب:


_مش عارفة يا إسلام ..مش عارفة ..أول مرة ما أبقاش قادرة أحدد رد فعله هيكون إيه ..بس أعتقد إنه اتغير بعد أزمته الأخرانية ..مش هيتهور .


تقولها وهي تشعر بشعورين متناقضين تماماً ..


أحدهما أن يملك زين زمام جنونه فيحسبها بعقله ويتحين فرصة مناسبة لمعاودة الحديث مع ثمر خاصة وهي تنتوي أن تخبر سامر برفضها لعرضه ..


والثاني أن ..يتهور حقاً !!


أن يشعرها بلذة جنونه وحربه من أجلها كما فعلها مع ياسمين يوماً !!


ألم يعرفها هي في البداية من أجل ذلك؟!


_مش هتقوليلي عمل إيه ليلة فرح همسة وقلبك عليه كده ؟!


ينتزعها بها من شرودها بنبرة أكثر جدية فتشعر بالخزي وهي تمتنع عن الجواب ..


لا تريد أن تحكي عن هذا الأمر بالذات كي لا يتحامل إسلام عليه أكثر ..خاصة وهي تحمل نفسها بعض اللوم في الانسياق وراء عاطفتها دون وعي ليلتها ..


لكنه أصدر همهمة قصيرة وهو يرد بتفهم :


_مش هاضغط عليكِ مادام مش عايزة تقولي ..المهم ..هو ما حاولش يتصل بيكِ من امبارح ؟!


_لأ ..وده الغريب ..أنا قلت أول ما يمشي من هنا هيكلمني أو يبعتلي رسالة ..يزعق ..يهدد ..يستفسر حتى ..بس مفيش ولا أي رد فعل .


تقولها بحيرة خانقة ليعاود سؤالها:


_انتِ هترجعي مصر امتى؟!


_مش عارفة ..لو عليا مش عايزة أرجع دلوقت ..عايزة أفضل في حضن ستي هنا شوية .


_والمركز؟!


_البركة في سامر ..ما أفتكرش هيمانع يشيل شغلي .


_عيني عليك يا أبو سمرة ..يعني ترفضي الجوازة وتدبسيه في الشغل وتلبسيه في حيطة مع زين بتاعك ده ؟! ده انت لو شارياه من "سوق عكاظ" مش هتعملي فيه كده !!


يهتف بها ضاحكاً باستنكار فتضحك رغماً عنها لتقول بحرج:


_سامر مش هيتضايق لو رفضت عرض الجواز ..سامر عامل زي الغرقان اللي بيحاول يتعلق في أي قشّاية ..أنا أو غيري مش هتفرق معاه ..هو مش فاهم هو عايز إيه ..وبصراحة هو يستاهل واحدة تحبه بجد وتعوضه العمر اللي ضيعه من غير تمن ده .


_حكيمة !..حكيمة وبتدّي حقن ..آه والله !


يقولها مقلداً مشهداً كوميدياً في مسرحية شهيرة فتضحك من جديد ضحكة قصيرة تجعله يقول بنبرة أكثر جدية :


_أيوة كده ..عايز أسمع على طول ضحكتك دي ..ما تخافيش من أي حاجة ..أنا في ضهرك .


تبتسم ابتسامة امتنان لم يرها لكنه شعر بها في نبرة صوتها بعدها :


_وانت عامل إيه مع نشوى؟!


_اهه..لا تزال مساعيها الناجحة لتكفير ذنوب العبد لله قائمة ..وأنا صابر غُلب!


يقولها بمسكنة مصطنعة لتطلق ضحكة عالية هاتفة :


_وانت الشهادة لله غلبان قوي .


يشاركها الضحك للحظات قبل أن يقول بجدية :


_حاسس إن عندها حاجة جديدة مخبياها ..بس مش عارف إيه ..الخوف اللي في عنيها بقا بزيادة ..ارتباطها بريما بقا بهوس أكتر ..بتعيط كتير وهي حاضناها حتى وهي نايمة .


_يمكن عشان تعبها الأخراني .


تقولها بتوجس ليرد بنبرة مرتابة :


_ما أفتكرش ..البنت بقت كويسة بس هي اللي بقت مش طبيعية ..مش عايز أبالغ وأقوللك بتتنفض لما تليفونها بيرنّ ..وبصراحة امبارح حاولت أقلب فيه وهي نايمة يمكن أفهم سبب ..بس المفاجأة إني لقيت سجل المكالمات كله ممسوح .


ورغم الريبة التي شاركته فيها لكنها هتفت مؤنبة :


_مش من حقك تعمل كده على فكرة ..هي من حقها تكون لها مساحتها الخاصة .


فيصدر صوتاً هازئاً ليرد :


_الكلام ده هناك ..عند "رضوى الشربيني" وجمعيات حقوق المرأة ! مراتي لازم أعرف عنها كل حاجة .


_مجتمع ذكوري متعفن .


تهتف بها بتهكم ساخر ليرد بضحكة مكتومة فضحت لها قلقه الدفين ..


فتتردد قليلاً قبل أن تسأله بحذر:


_انت بتفكر في إيه ؟! قوللي بصراحة .. ممكن يكون ..ناصر ..مثلاً ؟!


الصمت المشحون بذبذبات غضب خفية يسود بينهما للحظات


لكنها ترد بيقين :


_مستحيل ..انت متأكد زيي إن شخصية نشوى مستقيمة مش هتسمح بأي غلط ..السيناريو الوحيد اللي ممكن أتخيله إن يكون هو اللي اتصل بيها عشان يعتذر عن اللي حصل .


_ناصر ما يعملهاش ..أنا عارفه من زمان ..صحيح أنا لو شفته دلوقت ممكن أخنقه ..بس كلمة حق ..هو مش هيحاول يقرب لها بأي صورة طول ما هي مراتي .


يقولها بضيق مكتوم فتتنهد بحرارة لترد :


_جميل ..لو عايز رأيي اصبر عليها شوية وهي من نفسها هتيجي تقوللك ..هي من الناس اللي ما بتستريحش إلا في الوضوح ..وده طبع هيريحك قوي ..عشان كده ..


تقطع حديثها وهي تسمع صوتاً ما على هاتفها يجعلها تبعده لترى الشاشة ثم تقول له بقنوط:


_ده سامر ع "الويتينج" ..اقفل دلوقت لما أشوف عايز إيه ..واوعى تضحك ..


وكأنها أمرته بالعكس !!


ضحكته العالية تملأ أذنيها قبل أن تغلق الاتصال معه فتزفر بضيق ..


ثم تتنحنح بارتباك وجل وهي تفتح الاتصال مع سامر:


_خير يا سامر ؟!


_كل خير يا "شجرة الدر"! نجلاء شاورت على صورتك وهزت راسها لما سألتها عايزاها .


الحماس في صوته يربكها قليلاً فلا تفهم لأول وهلة ما يحكي عنه وسط فوضى مشاعرها الأخيرة ..


قبل أن تتذكر اسم "الحالة المشتركة" التي يعملان عليها فتصدر آهة واهنة ليكمل هو حديثه المنفعل:


_مش مصدق التطور السريع ده .


_البركة فيك يا أينشتاين ..انت اللي شخصت صح .


_بلاش تواضع يا دكتورة ..انتِ اللي حطيتِ الخطة .


يقولها بسماحته المعهودة فتبتسم لتقول بودّ:


_كان عندي حق لما قلت شغلنا سوا هيبقى مكسب .


_شغلنا ..بس؟!


ولأول مرة تشعر أنها لا تفهم نبرته ..


مزيج غريب من ضيق وارتياح!


وكأنه يدفعها لنطق ما تتلكأ في النطق به ..


لكنها تجاهلت الأمر مؤقتاً ريثما تلتقي به في المركز ..


_صعبتها عليّ يا دكتور ..ده أنا كنت عايزة أستأذنك تشيل انت الشغل لحد ما أرتاح هنا شوية ..بس كده هاضطر أرجع .


تقولها بضيق مكتوم ليرد بنفس الانفعال الحماسي:


_لا معلش ..تعالي شوفي الحالة دي بس ما صدقنا ..ولما تخف هنرتاح كلنا .


_حاضر!


تقولها باستسلام وهي تغلق معه الاتصال بتنهيدة حارقة ..


هل تجرؤ على الاعتراف أنها تخشى العودة للعاصمة ؟!


تخشى مواجهة زين الذي لا تعلم ردة فعله خاصة مع صمته المريب هذا !


_ده دكتور سامر؟!


تسمعها بصوت ثمر من خلفها فتلتفت نحوها لتومئ برأسها إيجاباً وهي تخبرها بنص مكالمته لتبتسم ثمر وهي تتقدم منها لتربت على كتفها قائلة :


_وانتِ خايفة تسافري؟!


فانحنت ياقوت لتحيط كتفي جدتها بكفيها بينما تخفي وجهها في صدرها وصمتها يفضح الجواب ..


ليصلها صوت ثمر الهادئ:


_ما تخافيش يا "بنت قلبي" ..حاسة إن الخير جاي .


فترفع إليها ياقوت عينين مرتابتين لتتسع ابتسامة ثمر مع قولها :


_هو نجح في الامتحان الأولاني لما احترم البيت اللي هو فيه وما زودش في الكلام بعد اللي قلتهوله ..يمكن لو كنت شفت في عينيه نظرة غرور كنت خفت عليكِ منه ..لكن هو عينيه كانت خايفة ..غيرته عليكِ كانت بتصرخ حتى وهو ساكت ..حمقته ما كانتش عشان "البيه" اترفض ..كانت عشان خايف يخسرك ..ناقص بس امتحانه التاني ..


ترمقها ياقوت بنظرة متسائلة لكن ابتسامتها تتشح بالكثير من الغموض وهي تعاود التربيت على كتفها قائلة :


_سيبيها لوقتها ..شوفي انتِ شغلك والناس اللي ربنا رايد يكتب لها الشفا على إيديكِ .


=======


تغادر المركز عصراً وهي تشعر بالاستغراب ..


سامر اختفى فجأة وهاتفه مغلق !!


أخبروها أنه قد خرج صباحاً من المركز ولم يعد من حينها وهو الذي تعجبته مع حماسه الذي أبداه لحضورها كي تتابع الحالة !


الحالة التي احتلت تركيزها كاملاً منذ الصباح وهي تحاول التواصل معها فتنجح مرة وتفشل مرات ..


لا يزال الطريق طويلاً كما يبدو وليس كما يظن سامر بحماسه الانفعالي المعهود ..


تتوجه نحو موقف الحافلات كي تستقل واحدة نحو شقتها ..


سيارة أجرة ؟! لماذا؟! علامَ التكلفة ؟!


ألا يكفي أنها استنزفت الكثير من مدخراتها في "حملة التطهير العرقية" التي قام بها إسلام على ملابسها ؟!


أفكارها تنقطع بشهقة خافتة وهي تشعر بالسيارة التي اقتربت منها بسرعة مجنونة لترتد عفوياً بظهرها للخلف قبل أن تميز ماهيتها ..


الزجاج المعتم ينحسر ليبدو منه وجه زين الجامد :


_اركبي .


نظرة واحدة صارمة منه لم تمكنها من فهم تعابيره قبل أن يشيح بوجهه للأمام ..


قلبها يخفق باضطراب معهود وهي تتلفت حولها ..


لقد توقعت مواجهة قريبة لكنها لم تنتظرها بهذه السرعة ..


كيف عرف أنها حضرت اليوم ؟!


هل يراقبها ؟!


لا تستبعد شيئاً كهذا !


تحسم ارتباكها لتستقل السيارة جواره فتجده يغلق زجاجها وأبوابها أوتوماتيكياً لينطلق بها بسرعة فيذكرها برهبة موقف قديم يشبه هذا بينهما ..


يتأرجح شعورها بين غضب وإشفاق على وجهه الذي بدا لها بهذا القرب شديد الغضب ..شديد الأسى ..وشديد الإنهاك ..


فتفرك كفيها وهي تشعر ببعض الذنب نحوه ..


فلتخبره أنها سترفض عرض سامر ولتنهِ الأمر !


_أنا ..


تقولها بارتباك ليقاطعها بصرامة دون أن ينظر إليها :


_ما تتكلميش لحد ما نوصل .


_نوصل فين؟!


تسأله بتوجس ليلتفت نحوها بنظرة صاعقة ناسبت هديره الصارم:


_قلت ما تتكلميش .


تكاد تصرخ باعتراض متنمر لكن هذه النظرة في عينيه تخرسها ..


لم تكن تخافه لكنها كانت تخاف هاتين العينين ..


تخافهما وهما تكتسحانها باقتدار ..


تناجيانها بضراعة ..


وتعاتبانها بقسوة !


حلقها يجف رغماً عنها فتحاول ازدراد ريقها بتوتر وهي تشيح بوجهها ..


حدسها يخبرها أنه سيذهب بها لشقتهما القديمة ..


مزيج من هوس شعوره بتملكها مع رغبته بتذكيرها بعهدهما القديم ..


لهذا لم تتعجب وقوفه أخيراً بالسيارة في نفس المكان الذي توقعته !


يترجل منها قبلها ثم يفتح لها بابها ليمسك معصمها بقوة وهو يتحرك بها نحو الأعلى ..


إعصارٌ جارف من مشاعر تكتسحها وشريط ذكرياتها بهذا المكان يمر بخاطرها من البداية للنهاية ..


تتذكر أول مرة دخلتها ليطعنها هو بفعلته ..


وآخر مرة دخلتها لتطعنه هي بفعلتها ..


وبينهما كل هذا الرصيد من المشاعر التي لم تعرفها في حياتها إلا معه ..


تسحب معصمها منه أخيراً وهي تقف معه أمام باب الشقة لترفع عينيها إليه بنظرة مزجت توجسها برجائها ..


لكنه يقابلها بتوهج "سراجي الشمس" في عينيه بهذا الغضب المكتوم قبل أن يفتح الباب ليدخلها ببعض العنف ويغلقه خلفه !


تشهق بانفعال وهي تدلف إلى الداخل فلم يكونا وحدهما!!


فهناك كان سامر الذي هب واقفاً مكانه وهو يهتف بها بانفعال:


_هم خطفوكِ انتِ كمان ؟!


وجهها يحمر بمزيج من غضب وحرج وهي تميز رجلي حراسة زين اللذين وقفا جوار سامر يرمقان الجميع بنظرات باردة ..


_هو إيه اللي بيحصل بالظبط ؟!


يسأل سامر لاهثاً بانفعال وهو يناظر زين بقلق وقد تعرف إليه ..


ليقترب منه زين وهو يمسك مرفق ياقوت بقوة فيقف بها أمامه مباشرة ..


لهجته باردة ..صارمة ..مشتعلة كألف سوط من نار:


_مش قبل ما تخطب واحدة تتأكد الأول إنها ماتخصش حد تاني ؟!


ثم يلتفت نحو ياقوت بنفس النظرة العاصفة رغم برود لهجته :


_قوليله أنا عندك إيه .


_زين لما يحب بجد هيتجنن !


تكاد تسمعها بصوت ياسمين من الماضي لكن هذا لم يشفع لهذه الثورة المندلعة بوجدانها ..


خفقاتها تتجاوز حد الجنون وهي تشعر بأنها تكاد تفقد وعيها حرجاً ..


ولو في أقصى توقعاتها تطرفاً لم تتخيله سيقدم على هذا الجنون !


الصدمة تخرسها للحظات فيرجها زين رجاً وهو يكاد يعتصر مرفقها بين أنامله :


_قوليله .


الغضب في ملامحها الآن يصارع احتقان قسماته هو فيكاد الهواء بينهما يشتعل ..


لكن سامر يقاطع الحرب الصامتة هذه بقوله :


_مفيش داعي ..أنا فهمت كل حاجة لما شفتك معاها في المركز المرة اللي فاتت ..وعرفت الرد على طلبي .


تعض ياقوت شفتها بقوة وهي تطرق برأسها الذي يكاد ينفجر غضباً ..


فيصلها استطراد سامر :


_مفيش كلام يتقال خلاص .


يقولها وهو ينقل بصره بينهما بخبرته لتلتوي شفتاه بشبه ابتسامة ..


لم يكن يشعر بالخوف المتوقع في موقف كهذا ..


لكنه كان يشعر بالإثارة من مراقبة "العشق الأهوج الغريب" في ملامح هذيْن الاثنين!!


"شجرة الدر" عاشقة !


ولا يبدو أنه عشق عادي !!


لم يتصور يوماً أن لها هذا الوجه المتوهج خلف واجهتها العملية البسيطة المعهودة ..


لكن معشوقها كذلك لا يبدو أقل منها عاطفة ..


عشقه يبدو هائجاً في عينيه الغاضبتين ..


كم يتوق لمعرفة القصة كاملة ..


هذا حقه على الأقل بعدما جفت دماؤه في عروقه طيلة الساعات السابقة التي قضاها هنا !!


فليؤجل هذا لما بعد فيبدو من النظرات المشتعلة التي يتبادلها هذين العاشقين أمامه أنهما بحاجة لحديث منفرد طويل ..


هذا لو لم يقتل أحدهما الآخر أولاً!!!


_عظيم ..مادام كده يبقى حضرتك اتفضل ..افتكر الرسالة وصلت !


يقولها زين بنبرته المحتقنة بغضبه المكتوم وهو يشير بكفه نحو الباب ..


فيتردد سامر للحظات وهو يشعر ببعض القلق على ياقوت ..


هل من الصواب أن يتركها هنا وحدها ؟!


لكنها رفعت رأسها نحوه بعينين عاصفتين هاتفة بلهاث غاضب:


_أنا آسفة يا دكتور على كل ده..اتفضل انت كفاية اللي حصل .


فتنفرج شفتاه وهو يشير نحو الباب ليرمقها بنظرة متسائلة تردها بابتسامة مشتعلة وهي تنتزع مرفقها من زين لتكتف ساعديها هاتفة:


_ما تخافش عليّ ..اطمن ..كله تمام .


لم تكد تنتهي منها حتى فوجئت بزين يقف حائلاً بينهما فلم ترَ نظرته الصارمة لسامر الذي تلفت حوله بتردد حسمه سريعاً وهو يتحرك ليغادر ..


هنا أشار زين لحارسيه إشارة خاصة ليخرجا بدورهما ولم يكادا يفعلان ليتركاهما وحدهما حتى هتفت به بثورة عارمة :


_مفيش فايدة فيك ..مش هتغيّر أسلوبك ده ؟! كل اللي يهمك تثبت ملكيتك ليّ من غير اعتبار لا لكرامتي ولا لسمعتي !


لكنه يقترب منها حتى يكاد يلاصقها ..


يحني رأسه نحوها وبحاجبين منعقدين حروفه تشتعل بثورة لا تقل عن ثورتها :


_عايزاني أعمل إيه بعد اللي جدتك قالته ؟! أقعد أتفرج وحد غيري بيقرب منك ؟! انتِ فاكرة إن ليكِ حق الاختيار ؟!


_وما أختارش ليه ؟! حقي أحسبها بعقلي قبل قلبي ..


تهتف بها بنفس النبرة الهادرة لتردف وهي تشير نحوه بسبابتها:


_لما أحب أتجوز أتجوز واحد زي سامر ..اللي زيك ..


لكنها لم تستطع إكمال عبارتها إلا بصرخة قصيرة وهي تشعر ببرودة الحائط تصفع ظهرها فجأة لتدرك أنه قد دفعها ..


قبل أن تكمم قبضته شفتيها تمنعها المزيد وسراجا الذهب في عينيه يتوهجان بلهب مخيف هذه المرة ..


_أنا عارف إنك بتقولي كده عشان ترديلي اللي قلته زمان عن ياسمين ..بس اوعي ..اوعي تفكري حتى مجرد تفكير تحطيني مع أي راجل في أي كفة ..في أي ظروف ..ولأي سبب.


تشعر برهبة حقيقية وهي تميز الجنون المشتعل في حدقتيه مع ارتجاف جسده ..


فتدمع عيناها بعجز يغلب ثورتها ..


خاصة عندما نزع قبضته عن شفتيها ليردف بنبرة متهدجة :


_أنا هنا ..وهنا ..


يشير ب"هنا" الأولى نحو صدغها وبالثانية نحو موضع قلبها ..


ثم يفعل بنفسه المثل مردفاً :


_زي ما أنتِ هنا ..وهنا !


تكتم شهقة انفعال كادت تغادر شفتيها وهي تشعر بصدرها يعلو ويهبط كمن تعدو في سباق ..


سراجا الذهب في عينيه يشتعلان بحريق هائل من غيرة ينذرها بألا تلاعب هذا الوتر الخطير يوماً أبداً !!


تغمض عينيها بعجز عن احتمال المزيد من سياط غضبه فتشعر بأنامله تزيح عنها نظارتها ببعض العنف لتلقيها جانباً ثم تمتد نحو وشاحها ليلحقه بها ..


تفتح عينيها بنظرة ارتياع وهي تشعر به يحاصرها حصاراً أقوى بكثير من حصار الجسد ..


عيناه ترمقان أذنيها بنظرة خيبة غريبة قبل أن تجده يتناول "قرط الياقوت" من جيب قميصه ليلبسها إياه بحركة سريعة أوجعتها ..


ثم يشد أذنيها معاً بقوة بين قبضتيه ليقرب وجهها نحوه هامساً بنبرة غريبة جداً بين تهديد ورجاء:


_مش هتقلعيه تاني ..أبداً !


شفتاها ترتجفان بقوة وهي تشعر أنها تكاد تتهاوى بين ذراعيه ..


كل ذرة بداخلها تلعن كل هذا الذي يفعله ..!


كل ذرة بداخلها تعشق كل هذا الذي يفعله ..!


هو مجنون ..وهي أشد جنوناً ..


فكم يليق كلاهما بصاحبه !!


لايزال يشد أذنيها بقوة قبضتيه وأنفاسه تمتزج بأنفاسها مع همسه المشتعل:


_كنتِ بتفكري في إيه وانتِ بتقلعيه وترميه وراكي ؟! هه ؟! كنتِ عايزاني أفهم إيه ؟! إنك خلاص مش ليّ؟!


فتتشوش نظراتها بغيمة من دموعها وهي ترد بهمس يشبه همسه :


_يوم ما لبستهولي قلت لي إنه بدل اعتذار مش قادر تقدمه ..طول الوقت ده كنت قابلاه ومستنية اعتذارك الصح ..لكن بعد اللي عملته ليلتها ..حسيت إن اعتذارك زي مشاعرك زي الحلق ..كلهم لازم يفضلوا مستخبيين ..في الضلمة ..وأنا مش بتاعة ضلمة يا بيه ..


دموعها تهزمها في عبارتها الأخيرة فتشعر بقبضتيه تشتدان حول أذنيها لتهتف بانفعال أكبر :


_زي ما دفنت العشرة جنيه هادفن أي حاجة تحسسني بضعفي ..هارميها تحت رجلي كأني ما شفتهاش .


_أنا اللي دفنت العشرة جنيه ..مش انتِ!


يهمس بها بانفعال ثائر لتتسع عيناها وهي تفهم عبارته بمعناها الحقيقي ..


ليس بظاهر"المنّة" بل بكل ما صرخت به حروفه من احتواء ..


من انتماء ..


من تلاشٍ لكل ما يفصل بينهما فلا هي ولا هو ..بل هو كيان واحد يضمهما معاٌ !!


كأنه يصرخ بها دون كلمات وبكل ما أوتي من قوة أن جرحها هو جرحه وشفاؤه الوحيد لديه !


_انتِ عارفة إنك لسة في عدتك؟!


بنفس الهمس المشتعل يهز بها وجهها بين قبضتيه لتتسع عيناها في ارتياع قبل أن تغمضهما بقوة ..


تعلم أن لها -شرعاً- ما يسمى ب"عدة احترازية" استوجبها حدوث الخلوة بينهما وإن لم تمكنه من نفسها ..


لكنها كانت تتمنى لو لم ينتبه هو لمثل هذا!


_أنا ممكن بكلمة واحدة ..كلمة واحدة ..أرجعك وأرجع اللي بيننا زي الأول ..ومفيش قوة على الأرض هتمنعني عنك ..


جسدها يرتجف بترقب مع كل كلمة تقصف روحها بدلالتها ولايزال همسه المشتعل يفجر ألغامه بين ربوع روحها بينما يردف :


_هنا ..هنا في نفس المكان اللي نمتِ فيه في حضني وانتِ مطمنة ..نفس المكان اللي اعترفتيلي فيه بوجع سنين ما قلتيهوش لحد قبلي ..نفس المكان اللي دمي ساح فيه وانتِ شايفة فيّ صورة ما قدرتيش تنسيها إلا بيّ أنا ..كلمة واحدة أقولها ومش مانعني عنها غير حاجة واحدة بس ..إنك تستاهلي بداية جديدة في النور المرة دي ..بداية كل اللي كان مأخرني عنها إني ..إني ..


كلماته تنقطع بفيض انفعاله الجارف وقبضتيه تتحولان لكلابتين من فولاذ ناري حول أذنيها ..


فتكتم تأوهات ألمها لكنها تعجز عن منع المزيد من فيض دموعها وهي تشعر بهذه المواجهة أقسى المواجهات التي مرت عليهما معاً ..


تحس بجبينه يلاصق جبينها دون أن تتخلى قبضتاه عن أذنيها ..


فكأنما تنتقل لوعته منه إليها ..


تشعر بجسده ينتفض أمامها وكأنما يغالب كلاماً لا يريد البوح به ..


همسه المشتعل يخفت كثيراً ..يكاد لا يسمَع..


وبنبرة متعَبة ..مستنزفة ..راجية ..يهمس أخيراً:


_افهميها من غير كلام يا ياقوت ..لأني عمري ما هاقدر أقولها .


كبرياؤه لم يقف حاجزاً بينهما هذه المرة وهي تفهم كلماته كما أرادها حتى مع عجزه عن الاعتراف بخزيه ..


تتذكر يوم أخبرها عن كوابيسه بتلك المرأة التي تخفيها عنه خلف ظهرها ..


هو يستكثرها على نفسه بعد دنس خطيئته !


ياللمفارقة!


الآن تنقلب الأدوار!!


الآن يصير "جبلها" هو الأعلى بينما يقف هو على قمة جبله يرفع إليها رأسه باشتهاء!!


الآن يعترف -دون كلمات- أن عشقها هزم غروره !!


ورويداً رويداٌ تنزاح غشاوة "عقدتها القديمة"عن عينيها فتفهم سبب كل هذا الخوف الذي يملأه ..


أنه لا يجد نفسه جديراً بها بعدما جلدته سابق خطاياه !


يبتعد بوجهه أخيراً ليتأمل عينيها بهذا القرب ..


"قمراها السجينان" أخيراً ..


أخيراٌ يتحرران ..!!


يدوران في فلك دُرّيّ يبدأ وينتهي في سماء حدقتيه !!


لم يرَ عينيها يوماً بهذا الصفاء ..بهذا التألق ..وبهذا الحنان..


كأنما تغلق رموشها على قلبه فتعصمه من كل ما يوجعه !


أنامله المرتجفة تنحسر عن أذنيها لتطوف بوجنتيها وحديث العيون بينهما يغني عن الكلام ..


قبل أن يبعدها لتشعر ببعض الخيبة لكنها تفاجأ به يضمها في عناق قوي يوازي قوة جميع أشباهه السابقة مجتمعة ..


العناق الثامن عشر ..


بنكهة "الانتماء"..


بمذاق الهويّة التي صار يجدها كلاهما في صاحبه !


وبهذا "الإعلان" بالغ الصخب ..بالغ الكتمان ..أنه لها ..وهي له !


تشعر به يرفع ذقنها نحوه فتضطرب خفقاتها أكثر وهي ترى عينيه معلقتين بشفتيها ..


لكنه يغالب نفسه بعذاب بزغ بين نظراته وهو يبعدها عنه لينتقل العذاب لحروفه التي تأرجحت بين كبت وحزم:


_كل اللي حققته في حياتي في كفة ..وانتِ في كفة ..يوم ما أرفع إيدي في إيدك قدام الناس ساعتها بس هاعترف إني وصلت لأغلى حلم اتمنيته ..أنا مالقيتش معاكي حب ..أنا معاكي لقيت نفسي ..ومستحيل بعدها أضيعكم .


لا تزال اعترافات رجل مثله بالحب تبهرها!


تزلزلها وهي لا تجد لها شبيهاً في كل ما عرفته عن حكايا العاشقين!


ربما لأنه لا يتشبث ب"تقليدية" الكلمة بل بسحر رونقها المتجدد مع كل اعتراف ..


_أفتكر دلوقت مفيش سبب يخللي جدتك ترفض ..هتروحي النهارده وتكلميها ..


يقولها وهو يتناول وشاحها ليلفه حول وجهها ..


قمرا عيناها يتنفسان حريتهما بعبير قربه ووعده ..


وسراجا الشمس في عينيه يقسمان أمامها ألا شروق ولا غروب بعد اليوم إلا في سماء غرامها ...


يقترب بوجهه أكثر ليعانق ملامحها بنظراته ثم يزدرد ريقه ببصعوبة وهو يقاوم توقه الجارف إليها ..


يقبل رأسها بعمق كأنه يمنحها المزيد من اعتذاراته غير المنطوقة فتسبل جفنيها بخجل معلنة قبولها دون شرط ..


لكن صوت رنين جرس الباب المفاجئ يجفلها فتلتفت نحوه بتساؤل ..


لينعقد حاجباه وهو يتقدم فيفتحه ولم يكد يفعل حتى ازداد انعقاد حاجبيه وهو يميز هوية الطارق الغاضب ..


إسلام !


========

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...