الفصل 82 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم سينابون

المشاهدات
15
كلمة
7,619
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

القطعة الحادية عشرة


=========


_معقول؟! ده نفس اسمك يا هيثم !


تناول منها هيثم البطاقة ليتفحصها باستنكار لم يلبث أن تحول لعدم تصديق ...


بينما رمقته لجين بنظرة رعب قبل أن تختطف منه البطاقة لتعدو بخطوات راكضة تهبط الدرج ...


حسين سيقتلها ...


بل سيقتلهن جميعاً!!


أجل ...كان هذا هو الاتفاق القديم بينهن وبينه...


ألا يعرف أحد عنهما شيئاً!!!


"ابنه" سيخبره !


"ابنه" الذي في ظروف غير هذه كانت لتفتخر بكونه أخاها !!


دموعها تنهمر على وجنتيها كالسيل وهي تشعر بالقهر أكثر ...


ألا يكفيها اكتشاف ياقوت لعارها ...


والآن ؟!!


_استني !


هتف بها هيثم وهو يلحق بها عدواً ليقف أمامها في مدخل البيت ورد فعلها يغنيه عن الجواب ...


يتفحص ملامحها بعدم تصديق ...


هي تشبه والده حقاً ...لكن ...معقول؟!


_انتِ مين ؟! وبتجري ليه ؟!!


يسألها بحروف مرتجفة لترفع إليه عينيها الغارقتين بين ذعرها وقهرها قبل أن تهز رأسها نفياً لجريمة لا تعرفها ...


فلم يملك أن هتف فيها بألم يمتزج بذهوله :


_انتِ فعلاً بنته ؟!


الكلمة الأخيرة التي بدت في أذنيها غريبة ...مفزعة...متوعدة بعقاب لا تدري كيف ستواجهه ...


ليلحقها بكلمة أخرى :


_أختي!


وشتان بين كلمة وكلمة !!


الكلمة الأخيرة جعلت نظرتها المرتعبة تتفحصه بعينين متسعتين ...


ترتجف شفتاها وهي تتساءل ...


هل ورث من حسين جبروته ؟!


هل يستنكف أن تكون له أختاً مثلها؟!


هل سيؤذيها رغبة منه في إبعادها ؟!!


والجواب جاءها في حروفه المرتجفة بعدها :


_أرجوكي بطلي عياط وردّي ...أنا عايز أعرف الحقيقة .


لكنها تشهق كاتمة بكاءها لتتجاوزه بخطوات راكضة مكنتها من الهروب من عينيه مختفية في زحام الطريق ...


تلفت حوله أخيراً بتشتت وهو لا يفهم ماذا يحدث ...


كيف ظهرت هذه وكيف اختفت ؟!


والده ؟!


هل يخفي حقاً هذا السر؟!!


يشعر بها خلفه فيلتفت ليجد شوشو ...


عيناها الحزينتان ترمقانه بنظرة آسفة مشفقة فيهتف بها بدهشة مستنكرة :


_بتبصيلي كده ليه ؟! انتِ مصدقة ؟! مصدقة إن بابا اللي شفتي بعينك بيحب ماما أد إيه ممكن يكون متجوز من وراها ؟! ومخلف بنت بالعمر ده ؟!!


لم يستطع تصديق السخرية المريرة التي كست وجه شوشو قبل أن تشيح بوجهها لتقول باقتضاب:


_مش محتاجة حيرة...كل حاجة واضحة بس انت محتاج تفتح عينيك.


_قصدك إيه ؟!


يسألها بارتياب لكنها تعطيه ظهرها لتعود لبيتها تاركة إياه تائهاً وسط الطريق !!


ماذا يفعل الآن ؟!


هل يذهب لوالده ويواجهه ؟!


هل يخبر أمه ؟!!


لا...


لن يستطيع فعلها !!


لن يتمكن من هدم البيت الذي طالما تفاخر بقوة ببنيانه!!


إذن ...ما الحل ؟!!


أجل ...ليس هناك سواه ...


إسلام !!


=========


_غادة.


يهتف بها أحمد وهو يفتح لها ذراعيه لتعدو نحوه بلهفة ...


كم اشتاقت هذا العناق!!


تبكي وتضحك ولا تدري أي شعور يتملكها ...


لكنه يقبل رأسها ليمسد على شعرها قبل أن ينظر لعينيها نظرة طويلة عميقة ...


ثم تناول كفها ليفعل أغرب ما توقعته ...


لقد كان يخلع عنها دبلته !


_أحمد !


تهتف بها بارتياع ...باستنكار ...برجاء ...


تحاول منعه وجذب كفها لكن جسدها كله فقد حركته ...


تناظر دبلته المخلوعة في راحته لكنه يبتسم وهو يلوح لها ليبتعد ...


_أحمد !


تعاود نداءها الراجي وهي تحاول الحركة دون جدوى لتلمح طيفه يبتعد وسط الغيوم البيضاء ...


_افرحي يا غادة ...عيشي حياتك بقا ...سيبي لقلبك باب مفتوح يكمل بيه طريقه ...


صوته يدوي من حولها لكنها لا تراه ...


فتعاود نداءه مرة بعد مرة ...


ها هو ذا يعود من خلف الغيوم البيضاء ...


تبتسم وهي تراه يقترب من جديد ...


مهلاً ...


إنه ليس أحمد !


سيف؟!!


سيف يمسك دبلة أحمد في راحته المفرودة ويتقدم بها نحوها !!


أين أحمد ؟!!


_أحمد !


صوت نداءاتها يتوارى خلف صفير غريب تميزه حولها ...


حلقها جاف بشدة ...


تحاول فتح عينيها لتميز أضواء غريبة ...


الرؤية تؤلمها فتعاود إغماضهما ...


_غادة !


الصوت هذه المرة ليس لأحمد ...


إنه صوت سيف !!


تسمعه جوارها لكنها لا تراه !


_افتحي عينيكي ...فوقي ...أبوس إيدك ماتخلينيش أعيش الكابوس ده تاني!


صوته الملهوف الراجي يختلف كثيراً عن تحفظه المعهود معها ...


أين هي؟!!


_مش قادر أعيش نفس التفاصيل مرتين ...كانت نفس المستشفى ...نفس الليلة الباردة ...نفس صوت الشتا ...نفس الخوف والعجز وأنا متكتف مش قادر أعمل حاجة ...هي مشيت وسابتني ...أرجوكِ انتِ ما تسيبينيش !


لا ...ليس حلماً!!


هي تميز صوته حقيقة وسط كل هذا الضباب ...


رغم "التنميل" الذي تشعر به في جسدها كله لكنها تشعر أن ما تسمعه حقيقي...


_انتِ عارفة إنك شبهها قوي ؟! من أول يوم شفتك فيه وأنا حاسس إن روحها فيكي ...مش عارف ده حقيقي


واللا قلبي اللي كان بيدور على عذر عشان يبرر إنه اتعلق بيكي كده رغم إصراره إنه يقفل بابه بعدها ...يمكن عشان كده هاجمتك قوي أول مرة اتقابلنا هنا ...يمكن عشان كده كنت بهرب من إني أشوفك بعدها ...كنت خايف أعترف لنفسي قبل ما أعترفلك ...إني ...


صوته المتهدج بانفعاله ينقطع في أذنيها المرهفتين لما تسمعه ...


لماذا سكت ؟!!


أين هي؟!


أين علاء وإيناس؟!!


علاء!!


البازار ...الشجار ...الرجل ...المدية المتجهة نحو صدرها !!


وعيها يعود إليها تدريجياً لتشهق شهقة عالية وهي تفتح عينيها فجأة لتلتقي بعينيه الدامعتين المحدقتين فيها ...


قبل أن تراه ينتفض مكانه ليهتف بفرحة أرجفت صوته وأرجفتها هي قبله :


_فاقت ...الحمدلله .


وعبر عينيها نصف المغمضتين تراه يسجد فجأة شكراً في مكانه في تصرف لم تره من قبل ...


لينهض بعدها بسرعة ويفتح باب الغرفة منادياً علاء !


======


يومان مرا بها بعد استردادها لوعيها لتدرك ما حدث في ليلتها ...


إيناس أخبرتها أنهم أنقذوها بمعجزة بعد فقدها الكثير من الدماء ...


لكن سيف تبرع لها بدمه !


الفكرة -على شيوعها - تمنحها شعوراً خاصاً بالحميمية رغم أنها تعلم أنه تصرف منطقي لرجل بشهامته ...


شعوراً تزيده ذكرى ما سمعته منه يومها وهو يظنها لا تزال في غيبوبتها ...


رباه !!


هل من الممكن أنه يح...؟!!


انقطعت أفكارها عندما فتح باب غرفتها في المشفى لتعتدل في جلستها على سريرها وهي تراهم يدخلون جميعاً ...


علاء وإيناس وسيف ...و...إسلام !!!


الأخير الذي بدا شديد الارتباك وكأنما يخجل من وجوده معهم الآن بعدما رفضته ...


كما يخجل من تركهم وحدهم في الظروف ...


لهذا غمغم بنبرة متحشرجة متحاشياً النظر نحوها :


_حمداً لله على سلامتك .


ردت عليه بعفوية مقتضبة وهي تنقل بصرها لإيناس التي لم ترها منذ أفاقت إلا باكية وكأنما ذكرها الحادث بفقدها لابنها ...


_خلاص يا "أنّا" بطلي عياط ...الحمدلله قدر ولطف!


قالتها بصوت لا يزال وهنه يفضحه لكن إيناس لم تجد رداً سوى عناقها الملهوف لها وسط دموعها الجارية ...


_لحد دلوقت مش مصدق إنك عملتيها ...عشاني!


الكلمة الأخيرة تحشرجت في حلق علاء الذي بدت الدموع غريبة على وجهه المرح دوماً ...


لو كان الأمر يحل له لاحتضنها كما تفعل إيناس مستجيباً لفيض شعوره نحوها ...


_أنا بنتك...مش دايماً تقوللي كده ؟!


قالتها غادة ببعض المرح وهي تنظر إليه فوق كتف إيناس التي تضمها ليهز علاء رأسه وهو يمسح طرف عينه بخفة ليجاريها في مرحها بمشاكسته المعهودة :


_كنت هاجيب بنت زي القمر كده منين ؟! ما انتِ شايفة أهه !


قالها مشيراً لإيناس التي جففت دموعها لترد مزاحه بدورها وهي تلتفت نحوه بقولها :


_نعم ! أكونش متجوزة عمر الشريف ومش واخدة بالي؟!


_أهه...أهه...آخر حاجة توعى عليها عمر الشريف !!...ست من العهد البائد تاريخ صلاحيتها خلصان ومجاملين فيه كمان !


_علااااء!


_إيناااااس!!


انطلقت ضحكاتهم جميعاً عالية لتشاركهم فيها غادة ببعض الألم الذي شق صدرها لكنها كتمته وعيناها تنسحبان رغماً عنها للوحيد الصامت هاهنا ...


والذي تنطق عيناه بكل صخب !!


"الحزن الأخرس" في حدقتيه يمتزج الآن بلهفة يراها قلبها وينكرها عقلها ...


متى ولماذا وكيف؟!


تراها كانت تتوهم حديثه الذي سمعته كما كانت تتوهم رؤية أحمد ؟!!


أحمد ؟!


أين دبلته ؟!!


رفعت كفها بسرعة نحو عينيها لترى إصبعها الخالي فترتجف عيناها بنظرة ذعر قرأها الجميع لكن سيف تنحنح بخشونة ليقول دون أن ينظر إليها :


_شالوها قبل العملية ...هاروح أجيبهالك !


قالها وهو يتحرك بخطوات مهرولة مغادراً الغرفة ليعود


علاء وإيناس لمشاكساتهما التي شاركهما فيها إسلام هذه المرة محاولاً تخطي حرج وجوده هنا معها ...


بينما شردت هي ببصرها وهي تستعيد مزيج رؤياها- التي كانت شديدة الشفافية حقاً كأنها عاشتها بروحها - مع حقيقة ما سمعته منه وقتها ...


صوت رنين هاتف إسلام يصدح جوارها فتسمعه يعتذر منهم ليخرج قبل أن تقول إيناس لها بينما تربت على كتفها :


_مش عايزة أسيبك بس هاروح المزرعة أجيب لك شوية حاجات وراجعة.


_هو أنا هاطوّل هنا؟!


تسألها بقلق ليرد علاء بحنانه يطمئنها:


_مش هتخرجي غير لما نطمن عليكي خالص .


ابتسمت له بشرود عبر أفكارها الذي قاطعه دخول ممرضة ما كي تركب لها محلولاً وريدياً قبل أن تطلب من علاء مرافقتها للخارج لبعض إجراءات المشفى فيما بقيت هي وحدها لدقائق التهمها المزيد من شرودها الذي قطعه دخول سيف أخيراً ...


عيناها تتعلقان براحته المفرودة التي تحتضن دبلة أحمد ...


تماماً كما رأته في حلمها!!


لهذا دمعت عيناها رغماً عنها وهي تتناولها منه لتعيدها مكانها في إصبعها قبل أن تغمض عينيها بقوة تناسبت مع خفقان قلبها الجامح ...بينما كان هو غارقاً في تفاصيلها بكليته وهذه الحركة الأخيرة منها تملأه بمزيج من غيرة وإعجاب ...


_انتِ شجاعة قوي.


يقولها أخيراً مطرق الرأس بنبرته المتحفظة كعهده وهو يجلس على الكرسي جوار سريرها لتبتسم هي بينما


تلاحظ احمرار أذنيه وأنفه كعادته وهو يردف:


_وقفتي للبلطجي ده يومها ...وأنقذتي عمو علاء ...


ثم غلبته ابتسامة ليستطرد ولايزال يتحاشى النظر نحوها:


_بصراحة مستغرب إنك شبهتي نفسك مرة بالأرنب الخايف ...انتِ فعلاً قوية .


فاتسعت ابتسامتها وهي ترد بشرود :


_ده فرق التجربة ...انت عارف إن دي تاني مرة يتكتب لي فيها عمر جديد ؟!


هز رأسه وهو يتذكر ما حكاه له رامز عنها لتردف هي ببعض المرح:


_واضح إن مكتوب عليا حد من عيلتكم ينقذني ...المرة اللي فاتت رامز والمرة دي انت ...قالولي إنك اتبرعت لي بالدم .


ورغم امتنانه لأنها لم تشر لماضيها مع رامز إلا بالجزء الحسن كما يفترض ب"بنت أصول"...


لكنه لم يملك غيرة خانقة اشتعلت بداخله رغم كونها غير منطقية ...


لكن منذ متى يرتبط شعوره بها بشيئ منطقي؟!!


هو الذي كان كالمجنون عندما سمع عن إصابتها يكاد يراها بعين خياله تلحق بآنجيل وتتركه ...


ساعتها فقط أن شعور قلبه لا يقبل تأويل ...


أنه ...يحبها!


لكن ...ماذا عساه يجدي الاعتراف الآن وبينهما لا تزال العراقيل ...


ذنب آنجيل ...وفاؤها لأحمد...و...إسلام !!


إسلام الذي لا يزال متخبطاً بشعوره نحوها هو الآخر لا يحجمه سوى رفضها هي !!


_شكراً .


تقولها برقتها ذات الدلال الفطري فتنتزعه من شروده ليجد الجرأة أخيراً فيرفع إليها عينيه بقوله المتحشرج:


_أنا اللي بشكرك...إنك خلتيني أقدر أعمل حاجة المرة دي .


اكتسح التأثر ملامحها مع "الحزن الأخرس" الذي عاد يصرخ في حدقتيه ...


تود لو تستنطقه عن حقيقة ما سمعته منه وقتذاك ...


لكنها تدرك أن طبيعته الكتومة المتحفظة لن تمكنها مما تريد ...


_آسفة لو الموضوع فكرك بالجرح القديم .


_وأنا كنت نسيته ؟!


غمغم بها بألم مذنب لتراودها نفسها بكذبة بيضاء تتيقن بها مما سمعته منه :


_"أنّا" قالتلي إن آنجيل كانت هنا برضه في نفس المستشفى.


أومأ برأسه مجيباً لتتسع عيناها بإدراك ...


هي لم تكن تحلم !!


هو حقاً باح بما سمعته منه !!!


_عمري ما هانسى اليوم ده ...سيناريو بيتكرر قدام عيني كل دقيقة ...وشها الشاحب ...شفايفها الزرقا...نفَسها اللي بتاخده بالعافية ...وآخر كلام قالتهولي ...إنها راضية يكون عمرها التمن اللي تدفعه عشان تكفر عن غلطها ...عشان أصدق إنها فعلاً حبتني .


يقولها بصوته المتهدج الذي فاض بمزيج الألم والذنب وعيناه رغم تسلطهما على ملامحها هي لكنها كانت تشعر بقلبها أنه لا يراها هي الآن ...


بل يرى صورة ماضيه ...


عاصفة هوجاء من مشاعر تجتاحها وهي لا تدري كيف تصفها ...


جزء منها يشعر بالسعادة...هذه السعادة عالية النغمة التي لا تملك فيها نبض قلبك ولا ضحكة تطلقها روحك دون صوت ...


سعادة لا يفسرها سوى سبب واحد ...


أنها تحمل له نفس الشعور الذي يحمله نحوها ...


لكنها سعادة غير نقية تلوثها شوائب مشاعر أخرى ...


الخوف من ماضيه ...


الخوف من غدها ...


والذنب الذي يلطخ وفاءها لأحمد !!


"الحي أبقى م الميت"!


طالما كرهت هذه العبارة!


طالما احتقرتها وهي تشعرها أن الوفاء بضاعة رخيصة في هذا الزمان !


فهل سترضخ لها الآن ؟!!


ربما لهذا اسود وجهها فجأة بظلمة شعورها لكن غادة المستحدثة لم تكن لتدع ضعفها يهزمها لهذا حولت الحديث لقولها:


_ما فكرتش تعمل لها حاجة بعد موتها تنفعها ؟! حجة مثلاً ؟! صدقة ؟! مشروع خيري ؟!


كانت عيناه تتسعان باستغراب مع تساؤلاتها لتقرأ فيهما الجواب بالنفي فتردف:


_زي ما توقعت ...الشيطان شاطر يدخللنا من أضعف أبوابنا ...يشغلك بإحساس الذنب عن إنك تعمللها حاجة حقيقية فعلاً تنفعها .


ابتسم ابتسامة إعجاب فاضت في عينيه واخترقت قلبها كقذيفة ...


لماذا يتحدث رجل كهذا؟!


لماذا يحتاج أن يتحدث ؟!


كل مشاعره تصرخ على ملامحه بمنتهى الوضوح!!


عيناه لا تغازلان جمالها بل تتولهان بروحها ...


ربما لهذا لا تجد نظراته منفرة لامرأة بتاريخها ...


ربما لهذا تشعر أنها ...


أنها ....


صعب!


الاعتراف صعب ولو سراً!


_معاكي حق...انتِ ...انتِ...


ارتبكت كلماته بعدها وكأنه لا يجد تكملة للعبارة ليختار ما تبادر له :


_كويسة .


انفلتت منها ضحكة آلمت جرحها وخطفت قلبه هو!!


جعلته يبتسم بخجل لم تعد تستغربه مع استطراده :


_كويسة جداً...بتعرفي ...ت...


ارتباكه يزداد مع اتساع ابتسامته الخجول التي خطفت قلبها هي الأخرى ...


كلاهما خاطف ومخطوف ...


جاذب ومجذوب ...


فلا بادي ...ولا أظلم !!


_أنا شفتك بتسجد شكر لما فقت .


شعرت بالندم فور ما تفوهت بها وكأنما غافلها قلبها ليجريها على لسانها ...


قلبها الذي كان يتقافز فرحاً وهو يرى أثر كلماتها على


ملامحه التي أذابها ارتباكها :


_آه...طبعاً...أكيد...عشان...عشان عمي علاء و"أنّا" كانوا هيموتوا م القلق ...


رنين هاتفه أنقذه من فوضى مشاعره فالتقطه بسرعة ليستمع قليلاً قبل أن يغلق الاتصال ليلتفت نحوها بقولٍ حمل في أذنيها حناناً غريباً على طبيعته المتحفظة :


_فيه مفاجأة حلوة ...


رمقته بنظرة متسائلة ليبتسم ابتسامة نقية وهو يقف مكانه ليتوجه نحو باب الغرفة الذي فتحه كاملاً ليطل من خلفه الوجه الحبيب :


_هانيا؟! معقول جيتي؟!


هتفت بها غادة بفرحة كادت تخلع قلبها وهي تحاول النهوض لكن وجعها منعها فيما اندفعت نحوها هانيا تحتضنها متحاشية مكان إصابتها ...


_وحشتيني قوي ...بحمد ربنا إني فكيت الجبس مخصوص عشان أعرف أحضنك .


تهتف بها هانيا عبر فيض دموعها ليهتف رامز خلفها:


_لاحظي إن كلامك جارح ...معاكي واحد بيغير هنا .


ابتسمت غادة وسط دموعها لترمقه بنظرة مرتبكة مع قولها:


_تعبتوا نفسكم ليه ؟!


_ماقدرتش أمسك نفسي لما سيف قاللنا ...حمداً على


سلامتك يا حبيبتي!


_حمداً لله ع السلامة ياغادة .


يقولها رامز بجدية وعيناه تنتقلان بتفحص بينها وبين شقيقه الذي بدا مأخوذاً بها حقاً ليشعر بصدق حدس هانيا عن عاطفة ما تنسج شباكها بينهما ...


خاصة وهو يلمح لمعة عيني شقيقه مأسوراً بالفرحة الناطقة في عيني غادة التي كانت تهتف بانطلاق:


_شكراً يا هانيا إنك جيتي ...شكراً يا رامز عشان سمحتلها ...


_مفيش شكرا يا سيف عشان هو اللي جابنا على ملا وشنا ؟!


يسألها رامز ببعض المكر وهو يرمق شقيقه بنظرة عابثة لتبتسم غادة بخجل جعل هانيا هي الأخرى تقلب بصرها بينهما برضا خفي ...


رغم الرعب الذي عاشته منذ سمعت الخبر لكن شعورها بقلق سيف المبالغ فيه أنبأها أنه يحمل لصديقتها مكانة خاصة حقاً ...


صديقتها التي كانت ملامحها هي الأخرى ترسم لوحة واضحة لمشاعر تجاهد لإخفائها ...


لوحة لم يتبينها رامز وهانيا فحسب ...


بل إسلام الذي كان واقفاً على مقربة منهم يراقب الموقف كله من بدايته وشعور بالغدر يقصف قلبه ...


سيف فعلها ؟!!


========


_كانت حلوة حركة إنك تجيب أخوك وصاحبتها !


قالها إسلام بنبرة غامضة مخاطباً سيف وهو يقود بهما سيارته ليرد الأخير بتحفظ :


_هانيا مااستحملتش بعد ما سمعت الخبر ...هي اللي ...


_مفهوم ...مفهوم ...انت بريئ ما عملتش حاجة!


هتف بها إسلام ببعض العصبية ليلتفت نحوه صديقه هاتفاً بضيق:


_فيه إيه ياابني انت ؟! بتخانق دبان وشك من ساعة ما خرجنا من المستشفى ...عرفنا إنك بتحبها وقلقان عليها !


هنا أوقف إسلام السيارة فجأة لتصدر صريراً مفزعاً جعل سيف يصدر صيحة استنكار قبل أن يهتف الأول بحدة وهو يلتفت نحوه :


_كويس قوي إنك فاكر إني بحبها ...ياصاحبي!


_قصدك إيه ؟!


غمغم بها سيف بارتباك ليهدر فيه إسلام بعنف :


_أنا مش عبيط ولا لسه هاعرفك النهارده ...إيه اللي بينك وبين غادة ؟!


كز سيف على أسنانه بقوة لتتسع عينا إسلام بصدمة وهو يمسك بتلابيبه هاتفاً بعدم تصديق:


_ما بتردش ليه ؟! قول إني بخرّف...إني فهمت غلط ...إنك صاحبي ومش ممكن تبص لواحدة قلتلك إني عايز أتجوزها ...


ثم صرخ فيه بعدها بحدة :


_قول إنك مش ندل!!


دمعت عينا سيف ووجهه الصارخ بانفعالاته يناقض تيبس جسده بين قبضتي صديقه ...


هل يلومه ؟!


إسلام محق!!


هو خانه بل وخان نفسه عندما ...


عندما ماذا ؟!


هل يجرؤ على الاعتراف الآن ؟!!


_إسلام ...أنا ...أنا لسه بحب آنجي.


لا لم يكن كاذباً في عبارته ...


آنجيل ستبقى ندبة بقلبه لن تمحوها امرأة بعدها ...


لكن ...ماذا عن غادة ...


هل يجرؤ أن يعترف بنفس الأريحية أنه "لا يحبها"!!!




_دي الحدوتة اللي لفيت بها دماغ غادة ؟! واحدة أرملة لسه وفية لجوزها ...مين أنسب لها من واحد زيها بنفس ظروفها ؟!!...هو ده المدخل اللي وصلتلها بيه ؟!!


هتف بها إسلام وجحيم غضبه يعميه عن رؤية الحقائق ...


ليهتف به سيف بحدة :


_اخرس ...انت عارف كويس إني مش بتاع مداخل ولا حركات ...ولا ليّ في فيلم الستات ده أصلاً.


ضحكة عصبية ساخرة كانت جواب إسلام الذي أطلق سراحه من بين قبضتيه ليشيح بوجهه للحظات طالت ...


قبل أن يغمغم بتهكم مرير:


_ما هو ده اللي قاهرني...مالقيتش من ستات الدنيا غير دي يا صاحبي؟!


انفرجت شفتا سيف وكأنه على وشك الصراخ بشيئ ما لكنه لم يستطع ...


بماذا يدافع؟!


هو حتى لا يجرؤ على البوح بمشاعره نحوها !!


هي معضلتها الخاصة بها دوماً ...


دوماً يلقاها وهي تخص رجلاً غيره ...


مرة أحمد ...ومرة إسلام...


لكن من قال إنها تخص إسلام؟!


ألم تعلن رفضها له ؟!!


حسناً...هل يجرؤ على قولها له الآن؟!!


_انزل يا سيف ...أنا خلاص فهمت .


يقولها إسلام دون أن ينظر إليه وقد أدرك من صمت صديقه أن ما يخفيه أعظم من أن يقال ...


أدرك أن سيف بطبيعته الكتومة لن يبوح بالمزيد ...


لكنه لم يخطئ في قراءة ما كان بينه وبين غادة !


_إسلام...ماتفهمش...


_قلت لك إنزل وسيبني دلوقت .


قاطعه بها إسلام بخشونة ليرمقه سيف بنظرة أسف طويلة قبل أن يغادر السيارة ليرحل وعينا صديقه تتابعان ظهره المنصرف بمزيج من غضب وأسى ...


مشاعره كانت تتأرجح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار ...


غضب من فقده لغادة...


صدمة من ميل سيف نحوها ...


غيرة من تفضيلها له عليه هو ...


وخوفٌ من أن يخسر صديقه وعائلة علاء التي يعتبرها عائلته الحقيقية هنا ...


الغريب أن الشعور الأول كان أضعفهما ...بينما كان الأخير أكثرهما طغياناً !!


أجل ...خسارته لغادة كان قد بدأ يتقبلها بعد رفضها القاطع له ...


لكن كابوس فقده لصديقه وعائلته هنا بعد انقطاعه عن عائلته بمصر هو ما يروعه حقاً !!


عائلته التي اختار الابتعاد عنها بعد صدمته في أبيه وخوفه من مواجهة أمه ...


إحساسه الممزق بين أن يبوح فيهدم البيت "السعيد"...


أو يصمت فيتواطأ مع أبيه في ما يفعله خلف الستار !!


وكالعادة ...اختار الأسهل ...أن يهرب!!


صوت رنين هاتفه يقاطع أفكاره فيلتفت نحوه لترتسم على شفتيه ابتسامة تهكم :


_مش وقتك خالص يا هيثم .


يقولها متجاهلاً الرد لكن الرنين يعود مرة تلو مرة فينعقد حاجباه بقلق حقيقي وهو يفتح الاتصال قبل أن يستمع من شقيقه لما يريد قوله ...


_أوبا...انت كمان عرفت ؟!


يقولها بذات التهكم المرير ليهتف هيثم من الجانب الآخر


للاتصال:


_وانت عارف من زمان وساكت؟!


_عايزني أعمل إيه يعني؟! أقول لجيلان هانم اللي طايرة بيه في السما عشان تروح فيها ؟!


قالها بمزيج من غضب وحسرة ليردف بشرود :


_أبوك له بنتين مش بنت واحدة ...سمعته بيكلم واحدة فيهم في التليفون في مرة ...


صيحة هيثم المستنكرة اخترقت شروده ليردف بسخرية :


_خد بقا المفاجأة الأكبر ...بنات الخدامة...شفت ذوق أبوك ؟!


صمت هيثم مصدوماً لدقيقة كاملة يحاول استيعاب الأمر قبل أن يصرخ في شقيقه بانفعال:


_هو ده اللي هامك دلوقت ؟! ذوق أبوك ؟! هنعمل إيه في المصيبة دي ؟!


زفر إسلام بقوة وهو يفتح تابلوه سيارته ليستخرج منه سيجارة أشعلها قبل أن يقول ببرود مشتعل:


_وأنا لو عارف ممكن أعمل إيه كنت سبتكم وجيت هنا ليه ؟!


صمت هيثم مصدوماً والحقائق المتوالية تصفعه بقسوتها ...


إسلام سافر هارباً إذاً!!


هارباً من مواجهة حقيقة أبيه ؟!!


فماذا عنه هو ؟!


هل يصمت متجاهلاً أم يهرب هو الآخر!!


عينا لجين الدامعتين بذعر تقتحم مخيلته من جديد فيشعر بوخزة في قلبه ...


يالله !!


أخته كانت أمامه على بعد خطوات ...


لا تعرفه ولا يعرفها ...


ابنة الخادمة ؟!!


أيهنّ؟!


ياللغباء ...هي تكبره بالكثير من الأعوام لهذا لن يتذكر أمها التي تركت عملها قطعاً بعدما كان ...


_أمهم اسمها إيه ؟!


يسأل إسلام الذي رد باستخفاف وهو ينفث دخان سيجارته :


_معرفش ...ومش عايز أعرف .


_مش عايز تعرف إخواتك ؟! سبت كل حاجة ورا ظهرك ومشيت ؟! ما سألتش نفسك عايشين فين وإزاي ؟! دول دمك ولحمك ومالهمش ذنب في اللي حصل !


هتف بها هيثم باستنكار ذاهل ليصمت إسلام للحظة مأخوذاً بمنطقه قبل أن يقول بضيق:


_ذنبهم في رقبة أبوهم مش رقبتي أنا ...وبعدين م اللي سمعته شكله بيبعتلهم فلوس ومراعيهم !


_مراعيهم ؟! بقوللك أختك قابلتها عامِلة على أدها في معمل تحاليل بتلف ع البيوت تاخد عينات ؟! تفتكر واحدة زي دي مستوى عيشتها إيه ؟!


هتف بها هيثم بانفعال وخز ضمير شقيقه ...


لكنه كالعادة يفضل الهرب ...


_ماتوجعش دماغي يا هيثم ...أنا مش ناقص ...لو قلبك واجعك روح دور عليهم وشوف ممكن تعمللهم إيه .


_هادور عليهم وهلاقيهم يا باشمهندس ...متأسفين ع


الإزعاج .


هتف بها هيثم بحدة قبل أن يغلق الاتصال ليعاود إسلام نفث دخان سيجارته بغضب وصل حد الاختناق ...


أفكاره تشتعل بعدة زوايا كلها حارقة ...


سيف ...غادة ...هيثم...والده...والدته...وأخيراً ...أختاه هاتان!!


هيثم محق لكن ...


ماله ومال ذنب أبيه ؟!!


هل سيصلح العالم ؟!!


هي حياته سيعيشها كيف شاء طولاً وعرضاً ...


فلتذهب همومه كلها للجحيم !!


وبهذا الخاطر الأخير نفث دخان سيجارته للمرة الأخيرة قبل أن يدهسها تماماً في مطفأة قريبة ليجري اتصاله "المنقذ" برفيقة السلوان والأنس ولم يكد يسمع صوتها المغوي حتى هتف بالتركية بلكنته البطيئة العابثة التي تفضلها :


_في المكان المعتاد ...من يصل أولاً يملي شروط الليلة...


ليشتعل جسده بعدها بضحكتها الرقيعة مدركاً أنها ستتركه عمداً يصل أولاً!


======


ظل يدور بالسيارة لساعات بعد مكالمته لإسلام ولا يدري ماذا يفعل ...


الحقيقة التي قُذفت في وجهه فجأة قلبت عالمه رأساً على عقب ...


حتى إسلام لم يمنحه الحل الذي يريده !!


كيف يهرب من هذه الحقيقة ؟!


كيف يواجه والده الذي يعتبره مثله الأعلى؟!


كيف يكسر قلب أمه بحقيقة كهذه ؟!


هل يستسلم للصمت السلبي كما فعل شقيقه ؟!


لا ...لن يتخاذل مثله ...


على الأقل سيذهب لذاك المعمل الذي تعمل فيه لجين هذه ليسألها عن المزيد ...


يجب أن يعرف الحقيقة كاملة !!


زفرة ساخطة أطلقها وهو يشعر بحاجته لمن يفضي إليه بهمومه ...


ومن سواها ؟!


شوشو!


أدار مقود السيارة ليتحرك نحو بيتها رغم علمه بتأخر الوقت ...


لكنه فقط يريد رؤيتها ولو من النافذة ...


تحدثه عبر الهاتف بينما يراها واقفة بنافذة غرفتها كما طلبت منه فعلها ذات مرة بزعم أن الوقفة هذه تذكرها ب"روميو وجولييت"!


روميو!


العجيب أنها كانت تدعوه روميو تماماً مثل داليا لكنها كانت تداعبه دوماً بقولها إنها هي "جولييت" خاصته !!


وصل قريباً من مكان سكنها فتناول هاتفه ليتصل بها لكنه وجده مغلقاً!


تباً !!!


كيف نسي أنها مؤخراً تغلقه دوماً ؟!


هل جعلته رؤيتها اليوم يغفل عن تباعدها اللا مسبب عنه ؟!


وصلته رسالة عبر هاتفه تخبره أن هاتفها قد فتح -لتوه- فتهللت أساريره ليعاود الاتصال بها لكنه عاد مغلقاً!!


تباً!


فليرحل من هنا إذن وليبتلع خيبته وحده !!


عاد يشغل السيارة ليبتعد لكنه لمحها تخرج من مدخل البيت ...


هي ؟!


هل يتخيل؟!


تتسع عيناه بانبهار مشوب بالاستنكار وهو يراها ترتدي ثوباً في غاية الأناقة ليس أبداً من طراز ملابسها -المتحفظ- الذي يعرفه ...


عاد يستقر بكرسيه الذي انكمش فيه وهو يراقب تقدمها ليجدها تتجه نحو سيارة سوداء قريبة معتمة النوافذ ...


لا ...لن يسيئ فهمها ...


ليست من هذا الطراز أبداً !!


حاول مد رأسه ليتبين السائق لكنه لم يرَ شيئاً عبر الزجاج المعتم ...


كاد يغادر السيارة ليتوجه نحوها ويسألها عماذا تفعله هنا لولا أن لمح رجلاً يخرج من مدخل بيتها حذراً لكنه عاد يختبئ عندما رأى السيارة السوداء لا تزال واقفة !!


ما الذي يحدث هنا ؟!!


تساؤله لم يدم طويلاً عندما تحركت السيارة السوداء لتغادر الحي بها أمام ناظريه ...


ليميز أخيراً أرقامها ...


والده !!!


إنها سيارة والده !!!


ما الذي تفعله شوشو في سيارة والده ؟!!


هل علم عن أمر لجين اليوم ؟! شوشو أخبرته ؟!


ولماذا تغادر معه في سيارته في هذا الوقت من الليل ؟!


وبهذا الثوب؟!!


هز رأسه بصدمة والجواب المنطقي الوحيد يكاد يزلزل روحه ...


شوشو ووالده ؟!


لهذا تغير حالها ورفضت علاقتها به بعد تدريبها معه في شركته ؟!


لهذا هجرته هو؟!!


أفكاره تنقطع عندما يلمح الرجل المريب يغادر مخبئه فور اطمئنانه لمغادرة السيارة ليتحرك قادماً في مواجهته ...


ملامحه تزداد وضوحاً مع اقترابه ...


هو يعرف هذا الرجل ...


أين رآه من قبل ؟!!


نعم ...هو !


زوج شقيقة داليا الذي رآه في حفل زفافه !!!


أشرف ...أجل ...هو يذكر الاسم جيداً!!


ما الذي يفعله هنا في بيت شوشو ؟!!


والأهم...


ما علاقة والده بهذا كله ؟!


========


من بعيد يراقبها رائد تجلس على كرسيها معصوبة العينين ...


لا يكاد يصدق أنه تجرأ أخيراً وفعلها !!!


ها هو ذا معها في بيتهما الذي صممه خصيصاً لأجلها...


مساحة شاسعة في أرض منعزلة لا تخشى فيها عيون لائمين أو شامتين ...


أسواره "تحميها"...لا "تسجنها"...


حديقته مزروعة ب"الفل" الذي تحبه ...


الغرفة أحادية النافذة استبدلها بما يشبه كوخاً كبيراً مستديراً بنوافذ عديدة واسعة ...


وكلها بلا قضبان !


تحيط بها حديقة واسعة أكبر من حديقة بيت "أبيها"...


أجل ...هو بيت "أبيها" وليس بيت "زين"!


يوماً ما سيجعلها تدخله مرفوعة الرأس تطالب بحقها فيه ليس طمعاً منه بل رغبةً في إحياء روحها هي بنيل ما سلبوه منها ...


أما بيتها الحقيقي فهو هنا ...


بناه من طابقين في الجوار كما حلمت هي به معه دوماً ...


صممه بهذا التصميم الذي رسماه معاً يوماً ...


لكن ينقصه فقط أن يجعلها تراه ...


دون أن يكون هو معها !!


شعر بالخادمة خلفه فالتفت نحوها صامتاً لترمقه بنظرة مشفقة طويلة ...


هذا العشق البائس في عينيه هو ما جعلها تحتمل هذه المخاطرة ...


منذ سمعت منه أنها زوجته وقلبها يخزها لأجل هذه المسكينة ولأجله معها ...


لهذا ما كاد يبلغها بخطته في الفرار حتى نفذتها معه مدركة أنه لن يستطيع فعلها وحده ...


همسة لا يجب أن تسمعه أو تراه ...


لكنها يجب أن "تشعر" به...


معضلة حقيقية لم تكن تفهمها في البداية لكنها الآن تدرك أنه هو علاجها !!


لهذا ابتسمت له ابتسامة مطمئنة فأشار لها بعينيه نحو البيت القريب قبل أن يبتعد هو مختفياً خلف إحدى


الأشجار يراقبهما من بعيد !


وفي مكانها كانت همسة تشعر بهالة حضوره ...


عبر عينيها المعصوبتين تشم رائحة عطره ...


تشعر أنها غادرت مكاناً ورحلت لآخر لكنها لا تهتم ...


يكفيها أنه هو معها !!


رائحته تتباعد ...هل سيرحل؟!!


تشعر بالعصابة تُرفع عن عينيها اللتين أغشاهما ضوء الشمس للحظات ...


الشمس !


كم تحبها!!


عيناها تتسعان بمزيج من دهشة وانبهار وهي تميز روعة المكان حولها ...


النوافذ المزينة بالزهور بدلاً من القضبان ...


الستائر المشرقة بألوان الطيف ...


دهان الجدران الأبيض الناصع الذي تعشقه ...


ترفع عينيها لأعلى ...


لا سقف!


بل فتحة عالية جداً مستديرة باتساع عظيم يجعلها ترى السماء بسحبها البيضاء ...


تضحك ضحكة قصيرة وهي ترمق الخادمة بنظرة سعادة حقيقية ...


قبل أن تعدو لتخرج من "الكوخ"...


لا أبواب مغلقة !!


ضحكاتها تعلو أكثر فيخفق قلب هذا "المختبئ" هناك وعيناه تمتلئان بالدموع ...


آه لو كان بإمكانه الآن أن يجعلها تراه ...


أن يحملها ويعدو بها هو على العشب قبل أن يطارحها الغرام فوقه ...


أن يجعلها تسمعه...


يحكي لها كم ليلة سهرها وهو يرسم هذا "الكوخ" في أوراقه ...


لا يدع صغيرة أو كبيرة يعلم أنها تحبها فيه إلا ووضعها !!


لكنه يعلم أن هذا مستحيل ...


الآن على الأقل!


لهذا ابتلع غصة حلقه وهو يراها تتقافز وتضحك ...وتعدو ...


تعدو حتى تعبت فسقطت أرضاً لتمرغ جسدها في العشب كأنها تستمتع برائحته ...


قبل أن تستلقي على ظهرها تماماً فاردة ذراعيها بطولهما جوارها ،رافعة وجهها للسماء ...


منامتها الوردية تلقي ظلالها على وجهها فيزداد بهاؤه...


شعرها الأسود الطويل يفترش الأرض حولها كشمس أخرى صغيرة ...


قدماها الحافيتان بعدما ألقت عنهما خفيهما تحرك أصابعها بتلذذ فلا تدري كم تعبث بروحه هو حركة بسيطة كهذه !


لو أقسم الآن أن عمره كله لا يساوي لحظة سعادة كهذه التي يشعر بها على محياها لما كذب!


_بصي يمين يا همسة...شوفي البيت ...عايزك تجري عليه ...ادخلي ..ادخلي وشوفيه ...افرحي بيه ...


افرحي يا همسة ...افرحي .


يهمس بها بخفوت ودّ لو يصرخ به وكأنها ستسمعه !


لكنها -للعجب- سمعته !


سمعته بقلبها دون أذنيها ليراها مكانه تلتفت نحو البيت القريب ...


يرتجف قلبه بخفقاته وهو يراها تنتفض بفرحة لتعدو نحو مبناه القريب المطلي بمزيج "الأبيض" و "السماويّ" الذي تحبه ...


يرى الخادمة تتبعها فيتحرك مكانه وكأنه ما عاد قادراً على احتمال المزيد من الاختباء ...


لكنه يغرس قدميه في الأرض غرساً ...


لا ...ليس الآن ...


كفاك أذى لها ...كفاك !


لهذا يعاود التخفي خلف شجرته منتظراً عودتها لعله يقرأ في وجهها ما عجز عن رؤيته بعينيه ...


أما هي فلم تكد تدخل البيت حتى تجمدت مكانها ...


إنه هو ...بيتها ...


بل بيتهما!


تماماً كما رسمته في الأوراق معه ...


الطابق الأول ...


مائدة السفرة و"انتريه" بسيط ...


لا لون "ذهبي" على الإطلاق!


تكره الإطلالة الكلاسيكية في الأثاث!!


تتقدم لتتحسس الكراسي الأنيقة بلونها الفضي الفاتح ...المائدة التي حملت طبقاً فضياً للفاكهة ...


مع مزهرية ل"الفل"!


عيناها تدمعان وهي تتذكر كيف رسمتهما له ...


هكذا ...بالضبط !!


تضحك وسط لمعة دموعها وهي تنظر للخادمة نظرة دهشة فرحة لكنها عاجزة ...


فتردها لها بفيض من الدموع أغرق وجهها رغماً عنها وهي عاجزة عن الشرح !


لكنها -همسة- تلتفت نحو المطبخ القريب الذي دخلته بخطوات راكضة لتتوقف وسطه بانبهار ...


لا تكدس ...لا زحام ...


أدوات بسيطة أنيقة ...


مائدة صغيرة مربعة في المنتصف عليها سلة من البيض الملون قد رسمت عليه كله وجوهٌ تضحك ...


ونافذة !


نافذة واسعة كبيرة تحتل نصف جدار وحدها و تدخل منها خيوط الشمس من الخارج ...


رباه !!


كما رسمته ...كما حلمت به ...بالضبط!


عيناها تدمعان من جديد لتخرج منه عدواً تصعد الدرج نحو الطابق العلوي تفتح الغرف واحدة تلو الأخرى بأنامل مرتجفة وعيناها تقرآن تفاصيل حلمها قطعة قطعة...


غرفة الأطفال بلون الفستق المحايد بين الذكورة


والأنوثة ...


غرفة النوم بلونها الوردي ...


غرفة أخرى خالية تماماً تفترشها فقط سجادة صلاة وحامل مصحف!


وأخيراً حمام كبير بلون سماوي له حوض استحمام دائري تحيطه نافذة زجاجية تتيح إغلاقه ...


هذا الذي أغلقته الآن لترمق الخادمة بنظرة مشتتة ...


قبل أن تتلفت حولها كأنها تبحث عنه !


_عايزة حاجة يا حبيبتي؟!


تسألها المرأة بحنان مغالبة دموع تأثرها بهذه الفرحة الصادقة التي تراها في عينيها ...


لتنفرج شفتا همسة ببطء وكأنها ستتكلم ...


_قولي يا حبيبتي ...قولي عايزة إيه !


تهتف بها الخادمة بأمل محاولة استنطاقها لكنها تعاود إطباق شفتيها المرتجفتين وهي تتلفت حولها بحثاً عنه ...


أو -بالأدق- عن طيف عاشق تشعر به لكنها لم تعد تميز له


ملامح ولا صوتاً !


هو هنا ...رائحته تملأ المكان حولها ...تغرقها بهذه السكينة التي تفتقدها ...


لكن ...أين ؟! أين ؟!!


تطرق برأسها يأساً وهي تتحرك لتغادر الطابق نحو الدرج الذي هبطته لتلقي نظرة أخرى على المكان قبل أن تغادره نحو الحديقة ...


قلبه يعاود ارتجافه وهو يراها قد عادت بوجه بائس مطرق...


ماذا ؟!


ألم يعجبها البيت ؟!!


لا!


ليس بعد كل هذا الجهد !!


يشير بيده خفية للخادمة التي فهمت مراده فعادت بها نحو "الكوخ" حيث جلست هي على كرسيها تراقب الحديقة بشرود عبر النافذة ...


قبل أن تشعر بها تخرج لتتركها وحدها ...لكن ليس طويلاً !


فلم يكد هو يسمع بردة فعلها بعد دخول البيت حتى أمر الخادمة أن تعاود عصب عينيها ...


هو يحتاج أن يراها عن قرب !


سيموت قهراً لو لم يفعل!!


يقترب منها بخطوات وجلة ليجلس على ركبتيه أمامها ...


يطبق شفتيه بقوة مذكراً نفسه كي لا يضعف ...


لكنه يتناول كفيها ليرفعهما نحو وجنتيه ...


_أنا هنا يا حبيبتي ...جنبك ...قدامك...حواليكي ...أنا عارف إنك حاسة بيا ...بس لسه مش مسامحة...أعمل إيه بس عشان ترجعيلي؟! خدي عمري كله بس اديني ساعة واحدة نرجع فيها زي زمان ...ساعة واحدة !


تصرخ بها روحه -دون صوت- ليشعر بأناملها تتحسس


ملامحه كأنها تتعرف عليه ...


دموعها تسقط كخيط رفيع خلف العصابة فيمسحها بأنامله صامتاً قبل أن يجدها فجأة تحرر كفيها منه لتحاول رفع العصابة عن عينيها !!!


_لأ...أرجوكِ...لأ.


يهتف بها بصوت مسموع رغماً عنه وهو يقبض على كفيها بكفيه يمنعها ...


قبل أن يضع كفه على شفتيه بندم متوقعاً ردة فعلها برعب...


لكنها لم تفعل شيئاً!


أزاح كفه عن شفتيه اللتين انفرجتا بدهشة وهو يراقب سكون ملامحها ...


لم تتأثر ككل مرة عندما سماع صوته !!


أم تراه هو يتوهم ؟!!


عيناه تدمعان من فرط انفعاله ليجدها تضع كفيها في جيبي منامتها قبل أن تستخرج منهما ما جعله يفهم قليلاً ...


"الدبوسان المعدنيان"!!


رباه !


ياقوت كانت على حق عندما طلبت منه أن يبقيهما معها!!


غص حلقه بهدير انفعاله وهو يراها تمد أناملها تبحث عن كفيه اللذين مدهما هو نحوها ليجدها تغلقهما بقوة على "الدبوسين" قبل أن تحتضنهما بأناملها بقوة ...


_رائد!


هل همست بها حقاً؟!!


هل سمعها تناديه من جديد ؟!!


خيط من الدموع يسيل على وجنته هو هذه المرة وهو يسمعها تهمس باسمه من جديد ليفقد كامل سيطرته وهو يجذبها بين ذراعيه ...


يحتضن رأسها بذراعيه وكأنها أثمن كنوزه !


لا لم يكن عناقاً!


بل كان يرد لروحه "بعض روحه"!


كان يعيد لقلبه "جزءاً من قلبه"...


بل كان يستعيد نفسه ليمنحها لها من جديد في عقد لا تنتهي صلاحيته ...


هي له وهو لها ...حتى آخر رمق!!


يمسد شعرها بأنامله وهو يشعر بأنفاسها اللاهثة تردد اسمه بلا انقطاع ...


كظمآن أفطر بعد طول عطش ...


متى يرتوي؟!!


نداءاتها تعذبه بتضرعها ...وبعجزه !


يريد أن يسكب في أذنيها كل الكلام الذي ادخره لها طوال هذه السنوات ...


لكن ...


ماذا لو ؟!!


_رائد!


نداؤها الأخير حسم الأمر وهي تبسط معه كفها على صدره الذي انتفض خافقه بلمستها ...


لم يعد يستطع ...


يعتصرها بين ضلوعه وهو يهمس باسمها في أذنيها برهبة ...


ولم يكد يطمئن لسكونها حتى انفلتت منه آهة قوية جعلته يشدد ضغط ذراعيه حولها دون وعي ...


قبل أن يهطل سيل البوح فيغرقهما معاً:


_انتِ سامعاني بجد واللا أنا بحلم ؟! سامعاني يا همسة ؟! قابلة صوتي مش كارهاه ؟! قولي أيوة ...قولي ...


تهمس له بما أراد وهي تشعر أن "الطيف العاشق" لا يزال


بلا ملامح لكنها تسمع صوته ...


صوته الذي تميزه ...وتعشقه !


يهز رأسه بعدم تصديق وهو يبتعد بوجهه يتأمل ملامحها عبر العصابة بشغف ...


قبل أن يعاود إخفاء وجهه في عنقها هامساً بألم:


_أقوللك إيه ؟! راح فين الكلام ؟! أقوللك آسف؟! سامحيني؟! أقوللك لسه بحبك ...كل يوم بحبك أكتر ...بتوحشيني أكتر ؟! أقوللك السنين اللي فاتت عدت عليا إزاي ؟! أحكيلك تفاصيل الوجع يوم بيوم ؟! واللا أحكيلك عن فرحتي دلوقت وانتِ في حضني؟! بتكلم وبتسمعيني؟! عن لهفتي أشوف عينيكي وهي بتجري على بيتنا ؟! حلمنا ؟! حققته يا همسة ...زي ما رسمتيه بالضبط ...بس اتحرمت أشوف أول فرحتك بيه زي ما حرمتك زمان فرحتنا ...لسه ما كفرتش عن ذنبي ؟! لسه محتاجة تعذبيني وتلوميني؟! وفيت الدين يا همسة...والله وفيته وزيادة !


تشعر بدمعه يلامس رقبتها وجيدها فتحترق به وله ...


لا تفهم عما يتحدث لكنها تشعر بحرارة مشاعره ...


عمّ يعتذر؟!


هل يخطئ قلب أحب بهذا الصدق؟!!


ودون وعي وجدت نفسها تهمس بها كأنها تنطقها منذ أعوام ...


كأنها ولدت تقولها :


_بحبك!


همسها يقصف قلبه ليشهق بانفعال وهو يبتعد بوجهه لا يكاد يصدق ...


قبل أن تنكب شفتاه على وجهها تغرقانه باعترافه هو


الآخر ...


سيموت ...سيموت الآن من فرط جنون خفقاته !!


لكن ...ليرَ عينيها أولاً...


مادامت تقبلت صوته فلماذا لا ...؟!!


لم يفكر للحظة وهو يمد أنامله يزيح عصابة عينيها ...


عيناه تحطان كطير ملهوف على عينين اشتاقهما كالجنة !!!


لكن الصرخة الهائلة التي أطلقتها عادت تقذفهما معاً في الجحيم !!


=========

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...