(القطعة الثانية)
===========
**قبل عام من الأحداث السابقة **
***************
كان يجلس على مكتبه في غرفة الكشف الخاصة به في عيادته انتظاراً للزائر القادم...
وما إن علم من مساعدته أنها طفلة حتى استخرج من درج مكتبه ذاك القناع الملون برسومه الطفولية -والذي لا يظهر منه سوى عينيه- ليضعه على وجهه ..
طريقة لطيفة تعلمها هناك في انجلترا لإزالة الخوف المعتاد لدى الصغار من طبيب الأسنان.
أجل ...هو كان شديد التفاني في عمله خاصة أن عيادته هنا حديثة الإنشاء ويحتاج لبناء سمعة جيدة لها بعد عودته الوشيكة من لندن...
والتي لم يتجاوز عهدها بضعة أشهر بعد عامين كاملين قضاهما هناك .
فُتح الباب لتدخل منه الصغيرة التي ملأت ضحكاتها المكان فور رؤيته بقناعه المرح ومعها امرأة لم يتبين ملامحها كعهده ...
فآخر ما يلفت نظره في هذا العالم....النساء!
ربما يكون هذا غريباً على رجل بوسامته وشخصيته الجاذبة...
لكنه كان مناسباً لماضيه على أي حال!
جلست الصغيرة على الكرسي الخاص بالكشف وهي تضع كفيها على شفتيها لتداري ضحكاتها فابتسم وهو يسألها بلطف:
_الحلوة بتشتكي من إيه؟!
_ضرس مسوس...ورافضة تخلعه...ومامتها قلبها خفيف مش قادرة عليها.
والإجابة جاءته من المرأة التي اصطحبتها والتي لم تزد في عينيه عن فتاة مراهقة ...
فنظر إليها ليقول بلهجة مهذبة:
_حضرتك تقربيلها إيه؟!
_أنا جارتهم .
قالتها باقتضاب فأومأ برأسه بلا معنى قبل أن يقوم من مكانه ليجلس على كرسيه جوار الصغيرة كي يبدأ عمله الذي أداه كما ينبغي...
صحيح أن الصغيرة كانت مزعجة -نوعاً - لكنه عرف كيف يحتوي دلالها بحزمه تارة وبحنانه تارة أخرى ...
تماماً كما يفعل مع بنات خالته منذ سنوات مارس فيها دور الأخ بجدارة ...
سواء كان قريباً هنا معهن أو بعيداً في انجلترا !
_خلاص يا بطلة...وادي يا ستي الضرس المتعب...قوليله "باي باي"...واستعدي لاستقبال الضرس الجديد .
قالها بمرح وهو يرفع الضرس المخلوع أمام عيني الصغيرة الدامعتين والتي ابتسمت رغم ألمها قبل أن تشيح بوجهها قائلة:
_ماما؟!
فجذبتها الفتاة من كفها لتوقفها برفق ثم قبلت جبينها لتقول لها برقة:
_ماما بره مستنياكي...اخرجي لها...وأنا هاكشف على أسناني أنا كمان .
أومأت الصغيرة برأسها في طاعة لتغادر غرفة الكشف ...
بينما جلست هي مكانها لتلتقي عيناهما فتفاجئه بقولها:
_ممكن دلوقت تقلع "الماسك"!
ارتفع حاجباه بدهشة للحظة من عبارتها وهو ينتبه أنه لايزال يرتدي قناعه الطفولي ...
لكن دهشته لم تكن من كلماتها بل من اللهجة التي نطقتها بها ...
لهجة دافئة حوت حميمية غريبة وكأنها تملك الحق فيما تطلبه ببساطة ...
لكنها امتزجت بلوم غامض لم يفهمه !
حسناً....لا بأس!
لقد اعتاد جرأة النساء خاصة من زبائنه هنا...
يبدو أن لديه هنا واحدة أخرى تظنه صيداً سهلاً وهو يستمتع بهذه اللعبة معهن ...
أجل يستمتع برؤية حيلهن وهو يضحك منهن سراً لأنه خير من يدرك أنه لن يقع في شباك امرأة من جديد ...
لكن ما المشكلة؟!
قليلٌ من تسلية كهذه هو ما يصنع لحياته الباهتة معنى!
لهذا رمقها بنظرة تقييمية هذه المرة ....
شقراء فاتنة قد تسيل لعاب أي رجل غيره...
خصلات شعرها الذهبية التي ظهرت بوضوح خلف حجابها -المنحسر قليلاً- كفيلة باستدعاء جيش من الراغبين فيها لكن ليس هو بالتأكيد...
أمه شقراء وزوجته السابقة كانت كذلك...فما المبهر هنا؟!
بل إن قامتها الضئيلة فقيرة المنحنيات تجعلها للدمية أقرب منها لامرأة !
لولا....
لولا هذه النظرة العميقة في عينيها !
أجل ...لو كان جسدها جسد فتاة مراهقة تتفتح للتو براعم أنوثتها...
فنظرتها نظرة عجوز ثاقبة سقاها الدهر الألم والحكمة بنفس الملعقة!
_أقلعه ليه؟! عينيّه مش كفاية ؟!
قالها ببعض العبث ليجيب على عبارتها مدركاً تأثير نظراته العسلية التي تصنع مع سمرة بشرته مزيجاً رجولياً آسراً على الجنس الآخر كما أخبرته -إحداهن- يوماً !
ثم قام من مكانه ليضع بعض الأدوات في جهاز التعقيم متوقعاً منها المزيد من الدلال والتغنج لفتح حوار يتوقع آخره...
لكنها فاجأته بصمتها التام لبضعة دقائق متجاهلةً عبارته مما أشعره ببعض الحرج قبل أن تقول بلهجتها الغريبة:
_لطيفة قوي حركة "الماسْك" دي ...يا ترى بتعملها عشان الشغل بس واللا عشان بتحب الأطفال؟!
_بكرههم جداً!
قالها بسرعة دون تفكير لكنها لم تبدُ مندهشة ...
بل ابتسمت وهي تقول بثقة من تدرك جيداً ما تتحدث عنه :
_طبيعي!..واحد موسوس نظام زيك أكيد بالنسبة له الأطفال بعفويتهم وفوضاهم كارثة!
اتسعت عيناه بدهشة وهو يراها تتحدث عنه بهذه الخبرة والبساطة وكأنها تعرفه منذ زمن ...
قبل أن تعود ابتسامته الساخرة لشفتيه!
هل هذه هي خطوتها الثانية في خطة الإيقاع به ؟!
أن تتظاهر بأنها تفهمه أكثر مما يبدو؟!
حسناً...فلتلعب هي ...وليستمتع هو بالمشاهدة ...والنتيجة !!
لهذا تنحنح بخفوت ليتجاهل عبارتها تماماً قبل أن يستعيد صوته جديته بسؤاله:
_بتشتكي من حاجة معينة ؟!
هزت رأسها نفياً ثم استرخت في مكانها أكثر لتشرد ببصرها في السقف مع قولها:
_لا...مجرد اطمئنان بس.
عاد ليجلس مكانه ثم خلع عنه القناع ليضعه جانباً قبل أن يميل عليها ليبدأ في ممارسة عمله بمهنية تامة متجاهلاً رائحة عطرها التي تجتاحه بهذا القرب ...
لقد تعلم من عشرته لوالدته وبنات خالته أن عطر المرأة يحكي ببساطة حكايتها !
فتارةً هو نفاذٌ ثابت واحدٌ لا يتغير كما تتخيره هانيا واشياً بجديتها وقوتها...
وأخرى هو هادئٌ تكاد لا تتبينه كما تتخيره رانيا منبئاً ببساطتها وضعفها...
وأخرى هو حيويٌّ لعوبٌ متغير كما تتخيره داليا التي لا تكاد تثبت على اختيار واحد في عطورها كعهدها في حياتها كلها ...
وتارة هو صارخٌ باهظ يكاد ينادي الجميع أنا هنا....كما تتخيره أمه...نبيلة...عفواً بل ...بيللا ...."النجمة"!!
لكن هذه "المرأة -الفتاة -العجوز" التي -أمامه- الآن عطرها ملون!
لا يدري كيف يمكن وصف عطر بهذا الوصف لكن هذا ما يشعر به الآن ...
وكأنما رائحته اجتاحته كعاصفة استوائية قبل أن تلفحه شمسٌ حارقة لتلقي به على شاطئ منعش في لحظة واحدة !
عطرها يحكي حكايتها : "أنا سحر الألوان ومكرها...فاحذرني!"
وهو "رجل الأَسوَد"الذي لم يخشَ في حياته ك"خداع الألوان"!!
_كله تمام...واضح إنك مهتمة بأسنانك قوي!
قالها أخيراً بنفس اللهجة العملية وهو يبتعد عنها ليرفع عينيه إليها فتقابله هذه النظرة العاتبة في عينيها ...
نظرة أربكته كثيراً وهو يشعر بها صادقة حارة تلومه على شيء لا يفهمه...
لهذا عاد يتفحص ملامحها باهتمام ليسألها :
_احنا اتقابلنا قبل كده؟!
هيئ إليه أن شفتيها قد حملتا ابتسامة ساخرة مع إجابتها:
_مادام مش فاكر يبقى مش مهم!
عقد حاجبيه بمزيج من دهشة وضيق...
هذه الدمية الغامضة نجحت في لفت انتباهه حقاً !
هو يشعر أنه قد رآها من قبل لكنه لا يذكر أي تفاصيل...
ومن الواضح أنها هي تذكر ...تذكر جيداً!
_شكراً يا دكتور...أنا خلاص اطمنت!
قالتها وهي تقوم من مكانها وقد بدت له عبارتها وكأنها تحمل أكثر من معناها ...
فقام ليقف بدوره متأملاً إياها من جديد ...
قميصها السماوي وسروالها الأبيض يتناغمان مع لون وشاح رأسها الذي حمل اللونين معاً ...
ساعة معصمها ب"ماركتها الشهيرة" التي يعرفها جيداً بحكم عشرته الطويلة لوالدته وقريباته توحي بانتمائها لطبقة معينة...
حذاؤها الرياضي أيضاً كان مميزاً ليس فقط بذوقه لكن بارتفاع ثمنه !
ومن مثله يدرك هذا وهو الذي قضى جمعته السابقة كاملة في التسوق في إحدى المولات الشهيرة مع أربع نساء لا يستهويهن شيء كالثياب و"الموضة"؟!!
بيللا وهانيا و رانيا وداليا...أربع فقط قادرات على ابتلاع ثروة بلد بأكمله !
انقطعت أفكاره عندما توجهت نحو الباب لتغادر فانعقد حاجباه بضيق وهو يشعر بأن ثمة شيء ما خطأ!
هل ستغادر هكذا ببساطة؟!
لماذا شعر إذن بأن لغة جسدها تفضح أكثر من هذا؟!
وكأنما سمعت أفكاره عندما التفتت نحوه وهي تمسك مقبض الباب لتقول بلهجتها الغامضة:
_ما تتعبش نفسك وتحاول تفتكرني دلوقت...ممكن لما نتقابل المرة الجاية .
قالتها ثم غادرت الغرفة لتغلق الباب خلفها دون أن تنتظر رده ،فازداد انعقاد حاجبيه وهو يقول في نفسه:
_المرة الجاية؟! هو لسه فيها مرة جاية؟!
ثم دار حول المكتب ليتصل بمساعدته كي يسألها عن اسم الزائرة السابقة ....
ياسمين ذو الفقار!
الاسم زاده حيرة فوق حيرته فهو لا يذكر أنه قد سمع به من قبل ...
لكن ما صدمه بحق هو ذاك اللقب الذي سبق الاسم ...
"مدام"!
==========
_أنا فرحانة جداً إن أمنية حياتي اتحققت ...أحمد ورامز بقوا أعز أصحاب زيي أنا وانتِ!
قالتها هانيا برضا صبغ نبرتها الرصينة كالعادة بينما تجلس مع صديقتها المقربة غادة في النادي ...
والحقيقة أنها كانت حقاً سعيدة بتقارب زوجيهما ...
فالصديقتان اللتان جمعتهما الحياة صدفة منذ أكثر من أربع سنوات في الجامعة صارتا في علاقة هي للأخوة أقرب من الصداقة!
على الرغم من تضاد صفاتهما نوعاً بطبيعة هانيا التي تميل للعقلانية والمنهج العملي في التفكير على عكس غادة التي تغلب عاطفتها عقلها !
لقد كانت هانيا تخشى أن تفرقهما الظروف ...
خاصةً أن غادة كانت وافدة إلى جامعتهم من بلدتها الأصلية في "بورسعيد" لكن زواج الأخيرة هنا في القاهرة كان المفاجأة الأسعد لكلتيهما.
_أيوة يا ستي...الباشاوات طنشونا وسافروا لوحدهم الاسكندرية...قال إيه حنوا لأيام العزوبية !
قالتها غادة بنبرتها المنطلقة لترد هانيا بقلق:
_أنا بس قلقانة من سواقة رامز ...هايجنني بطبعه المندفع ده في كل حاجة!
ضحكت غادة ضحكة عالية لفتت إليهما بعض أنظار الحضور في النادي لكنها لم تهتم بينما تقول:
_الدنيا لازم تتعاش كده ...باندفاع...العقل ده يا حبيبتي بيقصر العمر ...وبعدين ما تقلقيش ...أحمد معاه وهيلجمه ...انت ما تعرفيش أبو حميد الجامد !
ثم تنهدت بحرارة لتردف وهي ترفع رأسها للسماء بينما تفتح ذراعيها على اتساعهما غير آبهة بما يترصدها من عيون:
_ياااااه...أنا حاسة إني سعيدة جداً ...عمر الدنيا ما ضحكت لي زي الأيام دي!
قالتها بنبرة تتراقص حروفها طرباً فابتسمت هانيا وهي تراقبها بملامح متفحصة ...
لقد عانت غادة في حياتها كثيراً مع زوج والدتها ...
وزواجها من أحمد هنا بعيداً عن مسقط رأسها كان بمثابة طوق نجاة لها !
غادة لم تكن شديدة الجمال لكنها باهظة الأنوثة !
شيءٌ ما بإطلالتها يجذب إليها الأنظار أينما حلت ...
ربما هذا هو ما جعل أحمد يهيم بها حباً منذ أول لقاء بينهما ويجتهد في وظيفتين معاً كي يستطيع التعجيل بزواجهما!
حكاية وردية لن تصادفها كثيراً في هذا الواقع الذي تعترف هي بشروطه ...
لهذا قبلت الزواج من رامز بطريقة تقليدية ...
"زواج صالونات" كما يسمونه من رجل بوظيفة مرموقة في إحدى شركات الأدوية المعروفة ...
على قدر لا بأس به من الوسامة أضاف إليها -جسده الرياضي- الكثير من الرصيد في نظر النساء العاديات ...وأضاف إليها -خلقه الرفيع- أكبر رصيد في نظرها هي!
لهذا لم تتردد في قبول هذه "الصفقة الرابحة" كما رأتها والتي زادت قيمة في عينيها بعد زواجهما وهي ترى بعينيها كيف يعاملها ...
يحبها؟!
لا تدري!
هو -فقط -يعاملها وكأنها شمسٌ ثانية في كوكب لم يعترف إلا بشمس واحدة!
أجل ...اهتمامه العجيب بها يقارب الهوس !
ربما تجده إحداهن مزية لن تتكرر في عالم الرجال ...
لكنه يسبب لها هي الكثير من الارتباك !
هو أشبه بجواد جامح يريد الانطلاق في ربوع لا متناهية مهما كانت المخاطرة...
وهي قطةٌ حذرة تتشبث مخالب قدميها بالأرض الثابتة تحتها ولا تجيد فنون المغامرة ...
فأي اختلاف!!
على عكس علاقة صديقتها بزوجها واللذان يبدوان نسختين متطابقتين في كل شيء !
لهذا تنهدت بحرارة قبل أن تميل بجذعها للأمام عبر المائدة سائلة صديقتها:
_حبتيه؟!
فاقتربت منها غادة بدورها لترد بهيام:
_بموت فيه...كل حاجة فيه تتحب ...مخلليني طايرة في السما مش ماشية على الأرض!
اتسعت ابتسامة هانيا وهي تشعر بالكثير من الرضا ...
رغم عدم اعترافها بالحب واستماعها لصوت العقل أكثر ...
لكنها تشعر حقاً بأن "طوفان المشاعر" هذا هو ما تحتاجه غادة لتنسى كل ما مر بها من ويلات !
_وانتِ عاملة إيه مع رامز؟!
سألتها غادة بغمزة ماكرة فرفعت هانيا كوب العصير الموضوع أمامها لترتشف منه رشفة قبل أن تقول بجدية تامة:
_معقول...كويس...انسان واضح مستقيم..بيحترمني...هانتظر إيه أكثر من كده ؟!
مطت غادة شفتيها باستياء لتقول مستنكرة:
_يا مغيث! ده كلام واحدة عن جوزها بعد شهر واحد من جوازهم ؟! امال بعد كام سنة هاتقولي إيه ؟!
ابتسمت هانيا وهي تهز رأسها بلا معنى لتردف صديقتها بينما تتلاعب بخصلات شعرها المصبوغة بلون أحمر قاتم جذاب:
_كنت فاكراكي هتتغيري بعد الجواز...تفكّيها شوية كده!
لكن هانيا ردت بنفس الأسلوب الرصين:
_مشكلة رامز إنه متطلب ...زي أي راجل عايز مراته تكون ليه بنسبة مية في المية ...مش قادر يفهم أد إيه شغلي مهم عندي ...عايز يرجع من شغله آخر النهار يلاقي شمع وورد ورومانسية...وأنا يادوبك بلاقي وقت عشان أكمل رسالتي !
_هاقول عليكِ إيه؟! فقرية!!
هتفت بها غادة ضاحكة لتشاركها هانيا الضحك قبل أن تردف الأولى بدلالها الفطري:
_أنا بقى مدلعة أحمد على الآخر...مستعدة أعلمك!
أرفقت عبارتها الأخيرة بغمزة عابثة فاحمر وجه هانيا مع قولها:
_عيب يا بنت!
ضحكت غادة بانطلاق وهي تضم كفيها قبل أن تقول لها بحماستها الفائرة:
_عندي مفاجأة ! مش طول عمرك نفسك أتحجب زيك؟! خلاص يا ستي ...جهزي نفسك عشان ننزل نشتري "طُرَح" و"سكارفات"تليق على هدومي!
_بجد يا غادة؟! أكيد أحمد هو اللي أقنعك!
هتفت بها هانيا بحماس فأومأت صديقتها برأسها قبل أن تمسك إحدى خصلات شعرها لتنظر إليها قائلة بغرور مصطنع:
_حقه يبقى الجمال ده له لوحده !
ضحكت هانيا وهي تشعر برضا حقيقي عن حياة صديقتها التي تتحرك للأحسن كما يبدو ...
لكن هاجساً مزعجاً جعلها تسألها بتردد:
_والدتك بتكلمك؟!
انطفأت ملامح غادة فجأة مع سؤالها مما أشعرها بالندم خاصة مع جوابها المقتضب:
_مرة واحدة من يوم ما اتجوزت...
ثم ابتسمت بمرارة لتردف:
_خلاص ...بورسعيد بقت متحرمة عليّ لآخر يوم في عمري!
امتزجت الخيبة بالإشفاق على وجه هانيا التي تنحنحت بحرج لتقول مغيرة الموضوع:
_طب ياللا بينا نشوف الحاجات اللي عايزة تشتريها ...الحقيني النهارده وأنا فاضية!
لكن ملامح غادة بقيت على شرودها المتألم للحظات قرأت فيها هانيا ما يعتمل في صدرها من ذكريات بائسة...
قبل أن تتغلب صديقتها عليها بصمودها المعهود لتغتصب ابتسامة باهتة على شفتيها وهي تقوم من مكانها لتقول بمرح مصطنع:
_تمام...هو ده الكلام !
قامت هانيا لتقف بدورها وهي تتناول حقيبتها بينما تلملم أشياءها المتناثرة على المائدة ليقاطعها رنين هاتفها ...
ابتسمت وهي تلمح اسم "رامز" على الشاشة ففتحت الاتصال قبل أن تتجهم ملامحها فجأة مع هتافها الجزع:
_حادثة؟! حادثة إيه؟!
=========
_متأكدة إنك جاهزة للفرح ؟!
قالها أشرف عبر الهاتف بقلق فابتسمت رانيا وهي تدرك سر قلقه ...
لقد تخطت منذ بضعة أشهر جراحة ليست هينة ...
الواقع أنها لم تجتزها وحدها ...هو شاركها فيها ...
كما شاركها عمرها كله ...
ليكمل صنيعه معها بأن تبرع لها ب"كليته"!!
لقد سمعت كثيراً عن فتيات يتباهين بعشق رجالهن ...
فكيف عن رجل منحها جزءاً من جسده؟!
ورغم أنها رفضت في البداية خوفاً عليه لكنه أصر على هذا حتى رضخت في النهاية ...
ليكتمل شعورها به حقاً أنه "نصفها الآخر"!!
كل يوم يمر عليهما معاً يثبت لها أن قصة حبهما التي بدأت صغاراً ليست ككل الحكايات...
هي ليست قصة حب ...هي قصة عمر!
_إيه ؟! مش عايز تفرح يا "عريس"؟!
قالتها بخجل وهي تتخيلهما معاً في حفل عرسهما الذي تحلم به منذ سنوات ما عادت تعرف عددها ...
ليصلها صوته المتهدج بعاطفته:
_انتِ عارفة كويس إني بنام واقوم أحلم بالليلة دي ...بس أنا خايف عليكي.
_ما تخافش يا حبيبي...أنا بقيت كويسة جداً...ورجعت أمارس حياتي بصورة طبيعية !
قالتها بنبرة مصطبغة باللهفة التي لم تفوتها أذناه العاشقتان ليضحك أخيراً ضحكة قصيرة سبقت قوله العابث:
_العروسة مستعجلة؟!
عضت شفتها السفلى بخجل وهي تراقب احمرار وجهها في مرآتها المقابلة لتصمت للحظات قبل أن تقول لتغير الموضوع:
_الشقة باقي فيها تفاصيل بسيطة...سهل تخلص في خلال شهر بالكتير...عدي عليَّ بكره ونشوف مهندس الديكور هايقول إيه!
_بلاش بكرة...ماما عندها جلسة !
قالها بنبرة مقتضبة نقلت لها حزنه كما في كل مرة يذكر فيها هذا الأمر عن مرض والدته ب"السرطان" والذي اكتشفوه مؤخراً...
هي أكثر من تعلم عن تأثره بهذا الخبر منذ عرفه فحبه لوالدته كان ولا يزال مضرب الأمثال ...
ربما لهذا لم يتردد لحظة في منح رانيا فرصة جديدة للحياة بتبرعه لها ب"كليته" ...
وكأنه يعطيها الشيء الذي لم يستطع إعطاءه لأمه !
هكذا هو أشرف دوماً طاقةٌ من حنان تتسع لتحتوي الجميع ...
ليس هي فقط ...بل أمه وشقيقته كذلك بعد وفاة والده ليتسلم إدارة مصنعه الخاص ب"لعب الأطفال" في هذه السن الصغيرة ...
لكنه أثبت كفاءة لا بأس بها حتى وقف على قدميه أخيراً...
ليأتي مرض أمه فيكون الضربة القاصمة له !
لهذا ازدردت ريقها ببطء لتغمغم بنبرة مواسية:
_معلش يا حبيبي ...ربنا يخفف عنها !
سادهما صمت قصير أدركت خلاله ما يعانيه قبل أن يعود ليقول بصوت متحشرج:
_هي كمان عايزانا نعجل الفرح زيك!
دمعت عيناها لما يقصده بعبارته وهي تتذكر حب المرأة الشديد لها منذ كانت الجيرة تجمعهم في بيتهم القديم قبل أن ينتقلن للعيش هنا في هذا البيت بعد وفاة والديهن ...
حيث جمعهن يامن مع والدته ليلمّ شمل ما بقي من عائلته قبل أن يسافر انجلترا .
ومع هذا بقيت المرأة الطيبة التي أدركت حب ابنها الشديد لها على علاقتها الوثيقة بها حتى تمت خطبتهما منذ عام تقريباً ...
ربما لهذا تريد تعجيل زواجهما ...
لاريب أنها تخاف أن يدركها الموت قبل أن تفرح بابنها ...
لهذا تمتمت بنبرة حنون:
_ربنا يديها طولة العمر...شوف هي عايزة إيه ونعمله...المهم رضاها !
_بحبك!
كلمته التي تسمعها منه كل يوم منذ سنوات تقارب عمريهما ...
لكنه قادرٌ أن يجعلها كل يوم بمذاق مختلف!
ربما لأنها تتلون بأصباغ شعوره دون أن تفقد لونها الخاص...
هو يحبها عندما يحزن...عندما يفرح...عندما يخاف ...عندما يأنس...
يحبها كل يوم كأنه ...أول يوم!
وهي تسمعها منه كل مرة كأنها أول مرة !
لهذا صمتت للحظات تتذوقها قبل أن تردها له بمثلها ...
لكنها تذكرت شيئاً جعلها تقول بتردد:
_يامن كان عايز يفاتحك في حاجة!
صمت قليلاً قبل أن يقول ببعض الضيق:
_موضوع الشقة ...كلمني النهارده الصبح وقاللي...وانا قلت له مفيش مشكلة...هاكتب نُصّها باسمك مقابل المبلغ اللي هو دفعه في تشطيبها...ولو عايز أكتبها كلها مفيش مشكلة.
تنحنحت لتقول بالكثير من الحرج:
_انت مش غريب ...وعارف يامن وطبعه!
تنهد ليجيبها بتفهم :
_عارف ومقدر والله...بس كان نفسي الثقة بيننا تبقى أكبر من تفاهات المواضيع المادية دي!
هزت رأسها وهي توافقه الرأي لكنها كانت عاجزة عن معارضة يامن...
الجميع يعلمون أنه برغم حنانه واحتوائه لهن لكن وسواس الشك الذي يحتل جنباته يمنعه من منح ثقته لأي مخلوق ...
والحقيقة أنه كان معذوراً في هذا مع ظروف نشأته والصدمات التي تعرض لها بعدها ...
لهذا كانت حائرة في موقفها هذا خاصة أنه بعدما فعله أشرف معها في محنة مرضها الأخيرة لم يكن هناك مجال للشك في نواياه .
لكن يامن يرى أنه دفع هذا المال لأجل قريبته وحقها أن يثبت هذا في أوراق رسمية !
_أنا أو انت مش هاتفرق يا حبيبي...بس نريح باله .
قالتها محاولة استرضاءه فضحك ضحكته النقية التي تعشقها ليقول بمرح:
_يا ستي ربنا يريح باله ...وبال بنت خالته...وبال حبيب بنت خالته .
ضحكت أخيراً ضحكة مشبعة بارتياحها وهي تود الآن لو تحتضنه بعمق امتنانها له !
طالما كان أشرف مقدراً لطبيعة شخصيتها الضعيفة التي تجنح دوماً للسلم ولا تجيد المواجهات ...
لهذا كان يحاول دوماً تجنيبها الخوض في هذا إما بتذليل العقبات أو مواجهتها بدلاً منها ...
محظوظةٌ هي به ...
ولو لم يكن غير حبه في حياتها ...فكفى بها نعمة!
لهذا ما كادت تنهي الاتصال معه حتى رفعت كفها بدبلته فيه تقبلها عندما اقتحمت المكان داليا بعاصفة كعادتها...
_سيبك من اللي بتعمليه ده ...وخلليكي في المهم....شوفي جبتلك إيه!
قالتها وهي تغلق الباب خلفها بقدمها لترفع ذراعيها بما يحملانه من أكياس مردفة:
_فرحك قرب وعارفاكي خايبة وكسّوفة ...قلت أنقذ الغلبان اللي صابر من بدري ده !
اتسعت عينا رانيا بترقب وهي تتابع معها ما تستخرجه من الأكياس من متعلقات نسائية شديدة الخصوصية ...
قبل أن تشهق بعنف لتهتف مستنكرة:
_انتِ وقفتِ في محل تشتري حاجات زي دي لوحدك؟!
ضحكت داليا بانطلاق من خجل شقيقتها المناقض تماماً لطبيعتها المتحررة ...
قبل أن تهز رأسها وهي تستخرج من أحد الأكياس ثوباً شديد الأناقة بلون الكشمير رفعته أمام عينيها لتقول بافتتان:
_وده بقى اللي هاحضر بيه فرحك..استني لما تشوفيه عليّ...تحفة !
قالتها ثم خلعت ثيابها بسرعة لترتديه أمام المرآة ...
فتأملتها رانيا بنظرات حنون معجبة وهي تعترف أن الثوب زاد شقيقتها فتنة على فتنتها ...
شعرها الكستنائي القصير الذي بالكاد يلامس كتفيها ويلائم استدارة وجهها ..
عيناها البنيتان المتألقتان بلمعة شقاوة عابثة ...
أنفها المنمنم وشفتاها المكتنزتان بامتلاء ..
ملامح رائعة تمنحها ذاك المزيج المذهل بين براءة الأطفال وفتنة النساء!
كان الثوب شديد التحفظ بأكمامه الطويلة وتصميمه الانسيابي -فكما يبدو أنها راعت ذوق يامن- لكنه كان شديد الجاذبية حقاً ...
لهذا تقدمت نحوها لتحتضنها أمام المرآة قائلة:
_قمر يا حبيبتي ...قمر!
لكن شقيقتها بدت مأخوذة مثلها بشكل الثوب عليها لتشرد قليلاً قبل أن تهمس :
_تفتكري هاعجب يامن؟!
مطت رانيا شفتيها باستياء وهي تدرك مغزى سؤالها لتسحبها من ذراعها فتجلسها جوارها على طرف الفراش قائلة برفق متعقل:
_افهميني كويس يا حبيبتي...انتِ لسه صغيرة...كلنا بنحب يامن بس مش الحب اللي في دماغك...هو بالنسبة لنا السند...الأمان...مش عايزاكي تكبري الموضوع جواكي أكتر من كده .
كانت تدرك أن داليا -بحكم كونها الصغرى بينهن- هي أكثر من تعلقت بيامن لأنها رأت فيه صورة الأب الذي حُرمت من حنانه ..
لهذا تخشى عليها من خيالاتها المراهقة التي تبحث عن الحب في كل رجل تراه !
_لكن أنا بحبه بجد!
هتفت بها داليا بعناد اشتعلت له عيناها المتقدتين فأمالت رانيا رأسها لتسألها بنبرة عاتبة:
_زي ما بتحبي دكتورك في الجامعة ؟! واللا زي ما بتحبي هيثم زميلك؟! واللا يمكن الرجل الغامض بسلامته اللي بيبعتلك رسايل ع الماسنجر من غير ما يقول هو مين؟!
ابتسمت داليا رغماً عنها لتلوح بذراعيها قائلة بحماس:
_كلهم! بحبهم كلهم...أستاذ ياسر ده حاجة كده هيبة ...لما بشوفه بحس إني مخضوضة كده ...بس لما بيبتسم لي بحس الدنيا كلها بتضحكلي...هيثم ده بقى رفيق الكفاح من أيام الابتدائي...لما بكلمه بحس إني بكلم نفسي...بيفهمني قبل ما أقول ولا حرف ...
ثم تناولت هاتفها من جيبها لتنظر لشاشته باحثةً عن رسالة من عاشقها المجهول لتردف :
_لكن النجم الغامض ده بقى مش شاغل بالي قوي...ممكن تكون واحدة صاحبتي عاملاها فيّ فصل...ماهو مش معقول حد يكون قريب كده وواخد باله مني وأنا مش حاسة !
_انتِ سامعة نفسك يا داليا؟! فاهمة كل اللخبطة اللي بتقوليها دي؟!
غمغمت بها رانيا بمزيج من قلق وضيق من مشاعر شقيقتها المتخبطة...
لكن داليا كتفت ساعديها لتقول بنبرة عابثة:
_مادام مابعملش حاجة غلط ماحدش له عندي حاجة ...أديني بتسلى لحد ما اشوف حياتي رايحة على فين !
رمقتها رانيا بنظرة طويلة قلقة وهي تعجز عن مجاراتها في هذا الحديث ...
تخاف أن تثقل عليها في النصيحة فتتوقف عن مصارحتها بما يحدث خلف ظهرها ...
وتخشى في ذات الوقت أن تفرط في التساهل مع ما تسمعه فتظن شقيقتها الأمر هيناً...
وبين هذا وذاك هي عاجزة عن اتخاذ قرار كعهدها !
داليا أكثرهن شططاً عن طريقة يامن شديدة التحفظ معهن ...
بل إنها تعتقد إن غيابه في لندن لعامين هو الذي ترك هذا الأثر على داليا التي كانت أشدهن تعلقاً به قبل سفره ...
لقد كانت تحتاج حزمه الرفيق في هذه المرحلة من حياتها ...
وعودته الآن زادتها تخبطاً لتتغير نظرتها نحوه من الأخ إلى صورة من فارس الأحلام!
لكن نغمة خاصة من هاتف شقيقتها قطعت أفكارها فالتفتت نحو الأخيرة التي فتحته بلهفة تطالع آخر رسالة من "العاشق الغامض":
(كل الأشياء في حياتي فقدت قيمتها بالتقادم...
إلا أنتِ!
كلما مر يومٌ على قلبي يزداد تعلقاً بكِ وكأنكِ سرّه الأصيل!
أنتِ القديمة المتجددة...والعتيقة التي تزيدها الأيام قدسية! )
ورغم أن الكلمات وقعت في نفسها موقعاً خاصاً لكنها أبت الاعتراف بهذا وهي تبتسم بسخرية لتعطي شقيقتها الهاتف هاتفة باستنكار مرح:
_شوفي شوفي الباشا كاتب إيه !! الناس طلعت القمر وده لسه عايش في زمن عبد الحليم وفاتن حمامة !
تناولت رانيا منها الهاتف لتقرأ كلماته بتمعن قبل أن تقول لها بتردد:
_مش عارفة اللي هاقوله صح واللا لأ...بس حاساه صادق قوي!
هزت داليا كتفيها باستهجان مع ردها:
_جو الأفلام ده ما بحبوش...أنا واحدة أحب أشوف بعيني وأمسك بإيدي مش أبني قصور في الهوا...بس عموماً خللينا مستنيين .
_مش هاتردي عليه؟!
سألتها رانيا بتوجس لتغمزها بمكر ناسب قولها:
_أنا بسيب الباب موارب ...كل رسالة منه برد عليها بعلامة استفهام وبس...عشان يعرف إني قراتها بس برضه مااريحوش ...بلاعبه زي ما بيلاعبني!
عقدت رانيا حاجبيها بضيق من أسلوب شقيقتها الذي لا يروق لها بحال ...
لتحتد لهجتها نوعاً وهي تقول لها :
_يامن لو حس بحاجة من كل ده هيكسر الدنيا ...انتِ عارفاه!
فتراقص حاجبا العابثة بمرح لتقول بشقاوتها المعهودة :
_أنا عارفة هو محبكها كده ليه ؟! امال لو ماكانش عاش في انجلترا أكتر من سنتين ...ما تخافيش عليا...احنا نفوت في الحديد يا بنتي!
لم تكد تتم عبارتها حتى رن هاتفها برقم هيثم فوقفت لتقول لها بسرعة :
_ده هيثم...هارد عليه بره عشان ده رغّاي مش عايزة أدوشك!
قالتها وهي تغادر الغرفة بخطوات مندفعة متجاهلة نظرات رانيا المستاءة والتي تنهدت بقلق ناسب همسها:
_ربنا يستر...خايفة عليكي من نفسك يا داليا .
=======
_من فضلك...عايز أقابل الشيف!
قالها يامن وهو يلوح للنادل خفية بورقة نقدية كبيرة فتردد الرجل للحظة قبل أن يقول بارتباك:
_مش عارف هينفع واللا لأ...بس أحاول!
قالها وهو يدس الورقة النقدية في جيبه قبل أن يتوجه نحو الداخل تحت نظرات يامن المتفحصة للمكان ...
المطعم يبدو شديد الأناقة بذوق بسيط يميل للطابع الغربي...
جدرانه بيضاء ناصعة مع ديكورات بسيطة حملت ألوان قوس قزح برقة متناهية...
خاصة مع توزيع الإضاءة الممتاز الذي يجعل المكان ككل مبعثاً لطاقة إيجابية لا ينكرها ...
ورغم أنه يفضل المطاعم الكبيرة التي جربها واعتادها مع طبيعته المتشككة دوماً ....
لكنه استجاب لاقتراح صديقه ذاك الذي هتف به الآن:
_مفيش فايدة فيك... هتفضل موسوس كده ...أنا قلت عيشتك في لندن هتفرق في طبعك الرخم ده...مش معقول كل ما نروح مطعم تبقى عايز تشوف الطباخ!
فالتفت نحوه ليقول مبتسماً:
_من صغري وأنا ماقدرش آكل حاجة إلا لو شفت من إيد مين...تقدر تقول عليَّ معقد ...بس للأسف مش عارف أغير العادة دي...وعموماً دي مش مشكلة ...كل مطعم رُحته كان بيتفهم الموضوع ده والفلوس بتسهل كل حاجة!
ضحك في عبارته الأخيرة فابتسم صديقه وهو يميل عليه عبر المائدة قائلاً:
_ما اظنش هينفع المرة دي...ما اعتقدش جيسي ممكن تقابل حد من زباين المطعم.
فابتسم وهو يغمز صديقه قائلاً بمرحه الماكر:
_شكلك مظبط الشيف وجايبني مصلحة....طب كنت قول بدل ما شكلي يبقى وحش كده...على الأقل كنت ظبطت مقاس "القرطاس"!
قال عبارته الأخيرة وهو يشير بأصابعه نحو رأسه ساخراً ...
لكن صديقه ضحك قبل أن يجيبه:
_لا ...دي ما تتظبطش...دي حتة شيكولاتة كده تبص لها وتحلم من بعيد بس ما تقدرش تمد إيدك!
_يا سلاااااام!
قالها متهكماً وهو يصفق بكفيه في حركة ساخرة لكن صديقه استطرد :
_جيسي صاحبة المكان مش مجرد شيف...بتعمل الموضوع هواية ...بس زي ماانت شايف المطعم نجح جداً في فترة بسيطة...صراحة هي دماغ بنت لذينا...طوب الأرض بيموت فيها...باباها رجل أعمال مستقر في ماليزيا دلوقت ومامتها ماتت من فترة...عايشة لوحدها و...
_خلاص يا عم....هو أنا هاخطبها؟!
هتف بها مقاطعاً "نشرة الأخبار" التي انطلقت من فم صديقه والذي ضحك بعدها ليقول بفخر:
_هيعجبك "السينابون" أنا متأكد ...وهتبقى زبون كمان!
_شرف لينا يا فندم!
رفع يامن رأسه عندما سمع عبارتها...
ليفاجأ بها خلفه فاتسعت عيناه وهو يقف مكانه هاتفاً بدهشة:
_انتِ؟!
لم تبدُ عليها المفاجأة بل حملت عيناها نفس النظرة العاتبة التي لا يفهمها مع مسحة من مرح ناسبت ملامحها الطفولية وقولها:
_على الأقل المرة دي فاكر انت شفتني فين !
عقد حاجبيه بضيق لم يفهم سببه وهو يشيح بوجهه عنها ...
هو لا يحب هذا الشعور بفقدان السيطرة على أمر ما ...
وهذه المرأة تتلاعب به بغموض لا يفهمه!
لهذا عاود الجلوس على كرسيه بغطرسة قائلاً:
_مش فارقة!...الحقيقة أنا مابعرفش آكل في أي مكان إلا لما بشوف مين هيعمللي الأكل ..وأتأكد من نظافته.
لكزه صديقه في خاصرته كي ينبهه لفظاظة أسلوبه ...
لكنها لم تبدُ نافرة من أسلوبه ، بل عقدت ساعديها أمام صدرها لتقول بلهجة عملية:
_أنا الشيف هنا...لو كنت نلت رضا حضرتك تقدر تطلب الأوردر...ولو ما عجبتكش فالمطعم له بابين مش باب واحد!
قالتها ثم غادرته بخطوات واثقة متغافلة عن نظرات بعض زوار المطعم الذين كانوا منجذبين لمظهرها شديد الجاذبية ...
بينما كتم صديقه ضحكاته للحظات قبل أن يقول له معاتباً:
_تستاهل...مش هتبطل الدبش اللي بتحدفه ده ؟! حد يقول كده ؟!
رمقه بنظرة غاضبة وقد احمرت أذناه انفعالاً مع هتافه:
_أنا كده ...وإن كان عاجبك...وما تكبرهاش في دماغي أخرج بجد !
لكن صديقه ربت على ركبته ليقول مهدئاً :
_خلاص يا كبير ...روق كده...واضح إنكم معرفة قديمة !
_ولا معرفة ولا بتاع...كانت عندي الصبح في العيادة مع بنت صغيرة..وشكلها كده بترسم !
قالها بلهجته المتعالية وهو يعبث بأنامله في شعره لكن صديقه أجابه بجدية تامة:
_جيسي ما ترسمش...انت ماتعرفش كام واحد عايزين يخطبوها بس هي رافضة الموضوع تماماً ...عيشتها لوحدها خللتها بجد ب"ميت" راجل.
_يخطبوها؟! هي مش متجوزة؟!
قالها بتشتت وهو يسترجع ما ذكرته مساعدته عنها صباحاً ليجيبه صديقه:
_كانت! ومش مهم تعرف القصة !
كاد يسأله بفضول عنها لكن غروره منعه فقال بلا مبالاة مصطنعة:
_معاك حق...مش مهم!
لم يكد يتم عبارته حتى اقترب منهما النادل ليسألهما عما يطلبانه فبادر صديقه بالطلب قبل أن يقول له:
_سيبني أنا أختار لك مادام أول مرة .
هز كتفيه وهو يدور بعينيه في المكان باحثاً عنها لكنه شعر أنها لن تظهر ثانية ...
فعاد ببصره نحو المائدة يتأمل هذه المفارش البيضاء التي زينت بغرزة "الكانافا" الشهيرة بألوان الطيف كذلك لتحمل رسماً مميزاً لحرف الياء بالعربية وقد التف طرفه ليصنع شكل "القلب الشهير"!
فابتسم ساخراً من نرجسيتها -كما رآها وقتها- وظنونه تصور له أنها عاشقةٌ لنفسها بصورة مغالية كي تحمل كل مفارش المائدة ذاك النقش بأول حرف من اسمها !
_عاجباك المفارش؟! جيسي بتصممهم بإيدها ...تخيل!
قالها صديقه وهو يلاحظ تفحصه الشديد لها فاتسعت ابتسامته الساخرة لتليق بقوله:
_ده فَضا بقى!
قالها وهو يحاول التظاهر بتأمل قائمة الطعام والتي لم تحوِ سوى "السينابون" فقط لكن بأنواع عديدة ...
قبل أن ينشغل ذهنه بقصة طلاقها هذه ...
لا يكاد يصدق أن هذه القامة القصيرة والجسد النحيف ذا الملامح الطفولية قد دخل عالم الزواج المعقد بل ...وخرج منه!
ثم ما الذي يدفع رجلاً عاقلاً ليطلق امرأة بهذه المميزات ؟!
جميلة ...ذكية....ناجحة...وعلى قدر كبير من الثراء...
إلا لو كان في سلوكها -مثلاً- ما يشين ؟!
عقد حاجبيه بقوة عند الخاطر الأخير وهو يتذكر حوارهما معاً في عيادته محاولاً صبغته بسوء ظنه حتى اطمأن قلبه لسابق فكرته -السوداء-عنها!
لو كانت تحدث جميع الرجال بهذه الطريقة التي حدثته بها -والتي تمزج غموضها بعفويتها- فلاريب أن تاريخها زاخرٌ بالكثير من المعجبين...
تاريخها فقط؟!
ربما ...حاضرها كذلك!!
امرأة لعوب تستغل فتنتها وذكاءها للتراقص على مسارح الخطيئة!
انقطعت أفكاره المصطبغة بطبيعته المتشككة عندما وصل النادل بما طلبه صديقه فامتدت أنامله لقطعة الحلوى بالكراميل خاصته يتذوقها وهو يترقب لأي عيب ينتقدها به ...
لكن الحقيقة أنها كانت حقاً شهية حتى أنه التهمها كاملة تحت نظرات صديقه الراضية التي ختمها بقوله:
_مش قلتلك هتعجبك؟! هتبقى إدمان وبكرة أفكرك!
=========
_هتحضر معانا الحفلة يا يامن؟!
هتفت بها داليا بدلال وهي تتعلق بعنقه فرمقتها نبيلة بنظرة مستاءة وهي تتوقع رده:
_مين "معانا" دول؟! نبيلة عايزة تحضر هي حرة ماليش فيه...لكن انتم لأ...وأظن دي مش أول مرة نتكلم فيها في الموضوع ده !
قالها بحزم وهو يزيح ذراعي بنت خالته عن عنقه ليردف بنبرته الخشنة :
_وقلت ستين مرة قبل كده انك كبرتي على جو الأحضان والدلع ده...المرة الجاية هاحرجك بجد يا داليا!
رمقته الفتاة بنظرة غاضبة ثم هرولت إلى غرفتها لتغلق بابها خلفها بعنف فالتفتت نحوه أمه لتقول بعتاب:
_مفيش فايدة فيك...مصمم تعمل فجوة بيني وبين البنات...خلاص هيروحوا النار يعني لو حضروا معايا الحفلة!
_ياريت بلاش نتكلم في الموضوع ده عشان مانتخانقش!
هتف بها ببرود لم يخدعها فاقتربت منه لتحتضن كتفيه بكفيها قائلة :
_مش كده يا يامن ...أنا مقدرة خوفك عليهم ...لكن انت محبكها قوي!
فابتسم ساخراً ليرد بغضب هذه المرة:
_صحيح...محبكها كتير...إيه يعني حفلة فيها رقص وغنا وخمرة للصبح...بسيطة...ليه أقفلها في وشهم كده...مش يمكن مُخرج عظيم يكتشف واحدة فيهم هناك ويخلليها نجمة كبيرة زيك...وبالمرة يعيد أمجادك ويرجعوا الناس يفتكروكي!
_اخرس !
هتفت بها بحدة لتردف بصوت عالٍ بينما تشير لصدرها بغرور ناسب قولها:
_أنا سبت التمثيل عشانك ...وممكن أرجع في أي وقت بإشارة من صباعي ...لكن أنا عارفة دماغك ..ما تستغلش ده !
فالتمعت عيناه بغضب أسود مع قوله:
_عشاني؟! لا والله ؟! أنا آسف إني ما قدرتش تضحيتك العظيمة دي... يمكن عشان ما كنتش محتاجها...أيوة ما كنتش محتاجها...أنا عشت عشرين سنة من غير أم ... ما كانتش هتفرق لو كنت كملت عمري كله كده!
_انت ...انت نسخة من أبوك...نفس القسوة والقلب الأسود.
قالتها بنبرة متحشرجة واشية بقرب بكائها وهي تخفض ذراعيها عنه لتدفعه بعنف...
فكز على أسنانه بقوة ثم تحرك مبتعداً عنها ليعطيها ظهره قبل أن يقول بصوت عاد إليه بروده:
_ما منعتكيش تعيشي حياتك زي ما أنت عايزة ...عشان كده استقليت بحياتي في بيت لوحدي بعيد عنكم ...لكن مش هاسمحلك تضيعي تعبي مع البنات...هم أمانة في رقبتي ومش هاخللي حاجة في الدنيا تمنعني أوصل بيهم لبر الأمان.
_ما بقوش صغيرين عشان تفرض عليهم تحكماتك...واحدة اتجوزت والاتنين التانيين قربوا ...واللي بتحرمهم منه دلوقت بكره عنيهم هتزغلل عليه.
هتفت بها بسخط ليلتفت نحوها بقوله الساخر:
_تبقي ما تعرفيش بنات أختك كويس...مش أنا لوحدي اللي كرهت أسلوب حياتك...هم كمان كانوا شايفين آخرة طريقك العظيم إيه...مااظنش واحدة فيهم بعد كده تتمنى تبقى زيك ...يا نجمة!
_انت قليل الأدب وما اتربتش!
صرخت بها بعجز وهي تخفي وجهها بين كفيها فاقترب منها ليهتف بغضب :
_معلش...أمي ما كانتش فاضية تربيني وهي بتتصور في حضن كل راجل شوية!
صفعتها القوية على وجنته أنهت الموقف بأسوأ ما يكون ...
قبل أن تتركه لتندفع نحو غرفتها وصوت شهقاتها الباكية يقع على صدره كجلد السياط!!
زفر بقوة وهو يتحسس وجنته ثم اندفع ليخرج من بيتها نحو سيارته التي استقلها ليذهب إلى بقعته المفضلة في ذاك المكان الجبلي المنعزل ...
لماذا سمح لبركانه الخامد طوال هذه السنوات أن ينفجر الآن فجأة ؟!
طالما كان يتباهى بقدرته على كظم غيظه أمامها -هي بالذات- وإلا فعل ما سيندم عليه طوال عمره ...
لهذا ترك لها حياتها تعيشها كما تشاء دون أن يطلب منها شيئاً...
حتى اعتزالها التمثيل كان قرارها هي الحر الذي لم يكن له أي دخل فيه ...
بل إنه حتى لم يظهر رضاه عنه!
ربما لأنه كان قد تأخر ...
تأخر كثيراً لو تعلم !!
ربما غضبه اليوم منبعه خوفه على بنات خالته وبالذات داليا الصغيرة ...
يخاف أن يجرها انبهارها الساذج بذاك الجو كي تخطو خطوات خالتها ...
هن الثلاثة يعتبرهن حصاد عمره ولن يسمح بأن ينجرفن في ذاك التيار!
كان قد وصل لبقعته النائية المرجوة فخرج من سيارته ليستند على مقدمتها متطلعاً للسماء بشرود ...
شعور بالذنب يسكن صدره كعهده في كل مرة يجرح فيها أحدهم لكنها طبيعته الخشنة التي لا يملك لها دفعاً...
الغريب أنها تتناقض مع الانطباع الأولي الذي تعطيه ملامحه بالمرح لكنه اعتاد هذا التقلب بينهما ....
تماماً كما اعتاد كل تناقضات حياته!!
منذ شب عن الطوق ليجد نفسه ابن "بيلّلا" نجمة السينما و "عبد الرحيم حمدي" أحد أعيان قرية كبيرة من قرى الدلتا...
تزوج والده من النجمة الشهيرة التي خلبت لبه ليشترط عليها اعتزالها للفن...
لكن "بيللا" أو نبيلة لم تحتمل أكثر من عامين قبل أن تطلب منه الطلاق لتعاود مسيرتها الفنية ...
تاركة إياه لأبيه الذي ترك قريته اتقاء للقيل والقال ليهاجر به إلى القاهرة كي يتوه به في زحامها عن نسبه لوالدته...
رباه والده بحزم شديد كما يفترض لرجلٍ في نشأته وطبيعة شخصه ...
ليكون الدرس الأول الذي تعلمه أن الرجال لا يقهرهم إلا العشق !
هذا الدرس الذي نسيه -هو- مرة ...
مرة واحدة ...أقسم أن تكون الأخيرة !
بعدما أذاقه الزمن مرارة -خبرته الخاصة- وهو لايزال في مقتبل حياته ...
ليتلقى صفعة الغدر على وجه كبرياءٍ أقسم ألا تمسه بعدها امرأة !
هنا تنهد بحرارة ليصرف عن نفسه مرارة الذكرى ...
وأفكاره تعاود التركز حول أمه التي لم تظهر في حياته إلا بعد وفاة والده وهو في العشرين من عمره !
جزء بداخله استقبلها بعطش طفل لحنان أم افتقدها طوال هذا العمر...
لكن جزءاً آخر مطعوناً في رجولته لايزال ينفر منها حتى بعد اعتزالها لهذه المهنة منذ عدة سنوات ...
يحبها؟!
بالتأكيد هو يفعل...
وإلا لما اهتم بها وببنات شقيقتها هذا الاهتمام المغالي ...
لكنه كان يود لو يشعر أنها هي ...تحبه!!
هي -ثمرته المحرمة- التي قضى سنوات طفولته ومراهقته يراقبها خلسةً عبر الشاشات لا يكاد يصدق أنها بكل هذا القرب...
وبكل هذا البعد!!
جميلة !!
هكذا كان يراها في صورها و....
قبيحة ...بل منفرة!!
هكذا كان يراها بعين ظنونه التي غذتها هواجس والده الحاقدة عليها ...
لكنه بين هذا وذاك ...
لم يستطع أن يبتعد عندما وجدها تقترب على استحياء من عالمه !
ربما يفسر هذا تناقض تصرفاته الشديد معها ....
وحرصه الأشد على بنات خالته اللاتي صار يعتبرهن كل عائلته !
انقطعت أفكاره برنين هاتفه فزفر باختناق...
قبل أن يتناوله ليفتح الاتصال مع قوله:
_أيوة يا رانيا...مش راجع الليلة دي...
لكنه ما كاد يستمع قليلاً حتى هتف بجزع:
_إيه؟! مالها؟!
=======
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!