_منتظراكم!
قالتها ياقوت بنبرتها المهنية وهي تجلس في غرفتها
بالمركز مخاطبة يامن الذي كان يخبرها عن رغبة ياسمين في الحضور ...
ورغم شعورها بالتحفز من هذه المقابلة بعدما استجد من أمرها مع زين لكن مهنيتها كانت لها الكلمة العليا ...
ولم تكد تغلق الاتصال حتى رن هاتفها برقم غريب لترد...
_ياقوت ...الحقي همسة !
صوت رائد الجزع يصلها فتهتف به بحدة دون وعي:
_هو الجنان في عيلتكم وراثة ؟! إيه اللي انت هببته ده ؟!
صمت لحظة قبل أن يخبرها عما حدث لينهي حديثه بقوله الملهوف:
_أنا اديتها الحقنة اللي طلبتيها مني المرة اللي فاتت ...هديت ونامت .
زفرت بسخط وهي تحاول استعادة صفاء ذهنها لتصمت قليلاً قبل أن تسأله :
_انت خطفتها ليه بالطريقة دي؟!
تنهيدته الحارقة وصلتها عبر الهاتف ليحكي لها ما كان بينه وبين زين بشأنها وشأن همسة ...
وكيف اضطر للكذب لحمايتها هي ...
_كتر خيرك والله ...كويس إنك مش قدامي دلوقت !
هتفت بها موبخة بحدة ليرد بحدة مشابهة :
_انتِ متعرفيش زين زيي ...الحاجة الوحيدة اللي كان ممكن تخلليه يشيلك من دماغه إنه يعرف إنك تخصيني .
_وأهه ما شالنيش!
هتفت بها بانفعال متسرع ليصمت هو قليلاً قبل أن يسألها بحذر:
_هو عمل إيه بالضبط ؟!
صمتت بتردد وهي لا تدري صواب أن تخبره بالحقيقة ليستحثها بقوله :
_زين شاف شعرك واتأكد إني كنت كذاب ...إزاي؟!
_اتجوزنا.
قالتها داحضة أي شبهة في خلقها رغم أنها كرهت نطقها كما لم تكره شيئاً في حياتها ...
صمته الطويل بعدها كان جوابه قبل أن يغمغم بذكاء لا ينقصه :
_ضغط عليكي بحاجة وانتِ اشترطتِ عقد رسمي ...صح؟!
كان دورها لتصمت قليلاً تفكر قبل أن ترد باقتضاب:
_أختي مريضة بداء السرقة ...مرض نفسي ...هو معاه فيديوهات وهددني ببلاغ رسمي .
_ومادام مريضة خايفة من إيه ؟!
سألها باهتمام لتزفر هاتفة بسخط :
_وقتها ما كنتش أعرف لسه الحقيقة...ودلوقت خايفة م الفضايح والشوشرة ...انت أكتر واحد عارف مجتمعنا بيبص للمرض النفسي إزاي .
صمت مشفقاً ليرد بعد فترة :
_أول مااطمن على همسة هنا هاحلهالك ماتقلقيش .
لكنها ردت بعنفوان ردها لحدود مهنيتها:
_ماتشغلش انت بالك ...أنا هاعرف أخلص نفسي ...المهم دلوقت همسة ...الخطوة دي رغم غبائها بس جت في مصلحتها ...فاكر كلامي على إننا نوفق بين العالمين ونقربهم من بعض ؟! احنا بننجح ...همسة بقت هي اللي عايزة تشيل الرباط من على عينيها ...عايزة تتأكد إن انت هو نفس الشخص اللي كانت بتحبه ...لما حطت الدبوسين في إيديك وقفلتهم كانت بتطمن إنك هو نفس الشخص ...يمكن ده اللي حمسها تنطق اسمك خصوصاً بعد ما شافت البيت اللي عملته زي ما حلمتم ...ويمكن كمان ده اللي خلاها تتقبل تسمع صوتك ...بس لسه الشفا مش كامل ...لسه صورتك بتردها للحادثة القديمة ...نصبر شوية ...يمكن في يوم نوصل إنها تتقبل تشوفك زي ما بتسمعك .
تنهد بإرهاق وهو يستمع إليها ليرد برجاء:
_مش هاقدر أعمل حاجة لوحدي ...أرجوكِ تساعديني هنا ...أنا عارف المكان بعيد بس ...
_هاجي طبعاً ...ابعتلي العنوان !
قالتها آمرة ليتنهد بارتياح وهو يمليها ما طلبته قبل أن يقول بتردد :
_هاقوللك حاجة مش عارف هتفرق معاكي واللا لأ...
قطع عبارته بحذر لتهتف هي بانفعال معذورة فيه :
_قول!
_السبب الوحيد اللي يخللي زين يعمل معاكي كده إني حسبتها غلط...انتِ عنده مش مجرد واحدة كان عايز يجيب آخرها ...زين عمره ما كان هيورط نفسه في جواز رسمي عشان نزوة ولا حتى ليلة واحدة ...خصوصاً وهو لسه عنده أمل يرجع لياسمين .
صمتت لحظات تحاول منع عقلها من استيعاب ما يقوله ويصدقه قلبها ...
ليردف هو أخيراً بما أغلق به اتصاله :
_زين بيحبك ...حتى لو هو نفسه مش عارف.
ألقت الهاتف من يدها بعنف لتعود بمقعدها للخلف في حركة عنيفة كادت تسقطها ...
يحبها ؟!!
يحبها؟!!
بئس هذا الحب!!!
صدقت ثمر عندما قالت أن من مثله لا ينظرون لمن مثلهم إلا نظرة واحدة فقط !!
لكن ...لا بأس !
_محدش بيتعلم ببلاش!
قالتها لنفسها معزية قبل أن تتفقد أناملها الموضع الخالي لورقة "العشر جنيهات" !
أخذها !
كما أخذ من "روحها" قطعة لا تظنها ستستردها أبداً بعده !!
دمعت عيناها وهي تستعيد ذكريات تلك الليلة الموحشة لكن طرقات الباب أنقذتها لتتحفز في جلستها وهي تراها تدخل وحدها ...
ياسمين!
==========
وقفت مكانها لتتأمل كلتاهما الأخرى بتفحص ...
ياسمين بزيها الأنيق الذي لم يقلل بروز بطنها من بهائه ...ولا سواد لونه من طغيان فتنتها الرقيقة...
جميلة بما يليق لتخطف قلب رجل مثل يامن ...وعقل رجل مثل زين !
هكذا حدثت ياقوت نفسها بغيرة لم تملكها وحظيت ياسمين -للعجب- بمثلها!!
ياسمين التي تعجبت ذوقها المتدني في ملابسها كما قال يامن ...
لكنها لم تغفل عن فتنة طبيعية تختبئ خلف هذا الإهمال!
فتنة تدعو الله ألا يكون يامن قد انتبه لها مثلها !!
هل هذه هي المرأة التي غيّرته ؟!
فعلت مالم تتمكن هي من فعله !!
_البقاء لله .
قطعت بها ياقوت هذا الصمت المشحون وهي تمد لياسمين يدها مصافحة فابتسمت ياسمين ابتسامة شاحبة وهي تجلس على الكرسي أمام مكتبها لترد بعفوية قبل أن تشبك كفيها لتقول بارتباك:
_أنا طلبت من يامن أقابلك لوحدنا النهارده ...عشان ...
_عشان غيرانة !
قالتها ياقوت مقاطعة لتلتفت نحوها ياسمين بغضب جعل الأولى تبتسم باستطرادها:
_دي أول حاجة جت في بالي لما يامن قاللي إنك عايزة تقابليني ...انتِ مهووسة بيامن من سنين ...أقل شعور ممكن تحسيه بعد اللي حصل هو إنك تغيري من ست دخلت حياته تحت أي مسمى وقدرت تغيّره بالشكل ده ...قلتِ تيجي تشوفيها بنفسك.
التمعت عينا ياسمين وهي تشهد لها في نفسها بالذكاء لكنها قالت ببرود مصطنع:
_هافترض إن معاكي حق ...تفتكري عندي حق في إحساسي واللا لأ؟!
اتسعت ابتسامة ياقوت لتلتمع "العينان الطيبتان" بقوة تأثيرهما مع جوابها:
_احسبيها صح ...يامن مااتغيرش بسببي ...يامن اتغير بسببك انتِ...عشانك انتِ...كل يوم عاشه بعد ما سبتيه كان بيعيشه عشان يرجع لك ...انتِ كنتِ علاج يامن ...أنا بس دوري كان إني عرّفته ده !
تغيرت ملامح ياسمين الباردة لأخرى منفعلة وهي ترمقها بنظرة طويلة قبل أن تتنهد بحرقة لتهتف :
_مش قادرة أصدق ...مش قادرة أرجع معاه زي
الأول ...عارفة إنه اتغير وأشهد بكده بس غصب عني ...مش مسامحة في اللي فات وخايفة...خايفة ما أسامحوش زي بابا الله يرحمه ...الموضوع مش سهل ...أنا فعلاً حاسة إني بحلم ...ماشية بالقصور الذاتي ...لا دي ياسمين اللي أعرفها ولا ده يامن اللي عارفاه ...
هزت ياقوت رأسها بتفهم لتقترب بجذعها من سطح المكتب قائلة :
_شعور طبيعي جداً ...محدش يقدر يلومك عليه ...هتفضلي فترة متحفزة لأي تصرف بيعمله...لأي نظرة ...لأي موقف ممكن يفهمه غلط ...هتفضلي خايفة تآمني تاني فتتجرحي تاني ...بس العلاج هو الوقت ...الأيام هي اللي هترجع تقرب بينكم .
_هو يامن اتعالج فعلاً ؟!
سألتها ياسمين بمزيج من تشكك ورجاء لترد ياقوت بنبرة عملية :
_أنا شايفاه بقى أقرب جداً للطبيعي ...بس الاختبار الحقيقي دايماً بيبقى المواقف .
_يعني لسه ممكن ؟!
_لا ...مااعتقدش إنه هيخاطر إنه يخسرك تاني ...هو حالياً عنده القوة إنه يهزم وساوسه ...بس عايزة الحق؟! أنا خايفة منك انت !
_أنا؟!
قالتها ياسمين بدهشة لترد ياقوت وهي تعود بظهرها للخلف :
_صدمة وفاة والدك هزت معتقداتك شوية ...خلتك تنزلي من برج عالي اسمه ياسمين مابتغلطش وما بتسامحش اللي يغلط ...لكن لسه محتاجة تقفي مع نفسك أكتر ...تعترفي بعيوبها ...غلطها ...وتتقبلي فكرة إن غيرك كمان ممكن يغلط وتسامحيه زي ماانت عايزة تسامحي نفسك ...
عقدت ياسمين حاجبيها بقوة لتطرق ياقوت الحديد ساخناً:
_فكرتي مثلاً وإنتِ بتلومي يامن على إنه اتخلى عنك تلومي نفسك إنك كذبتي ...إنك أصلاً ضعفتِ قدام ...زين ...ده ؟!!
تحشرج صوتها رغماً عنها عندما أتت على ذكر زين لكن ياسمين كانت غافلة عن هذا بشرودها فيما تحكيه لتدفن وجهها بين كفيها مع اعترافها :
_كنت خايفة أقولها ...كنت خايفة أعترف إني في لحظة ضعف نسيت أنا مين ...كنت بصبر نفسي إني فقت في الوقت المناسب وضربته وهربت ...لأن ..لأن ...
عجزت عن إكمال اعترافها لكن ياقوت التقطت منها ماتريد سماعه لتكمله بما يليق:
_لأن ياسمين نفسها ما بتسامحش في الغلط ...يبقى إزاي هي تغلط ؟! هي مثالية بتدي من غير حدود ...نجمة
عالية في السما كل الايدين بتشاور عليها ...ودي كانت المشكلة ...لو كنتِ اعترفتي بالغلط كنتِ سامحتي نفسك وسامحتي غيرك ...بس انتِ قعدتِ طول الوقت تكابري وتقسي ...والصدمة اللي جت بوفاة والدك الله يرحمه هي اللي شالت الغشاوة من على عينيكي .
رفعت إليها ياسمين وجهاً دامعاً لتردف بأسى:
_مات وهو غضبان عليا...مات بعدما أمله خاب فيّ....بعد العمر اللي عشته اثبت له فيه نجاحي...أوريله النجمة اللي بقيتها من غيره ...ينتهي بينا الحال وهو شايفني مكسورة قدامه كده ؟!
لكن ياقوت هزت رأسها لتقول بيقين حقيقي:
_هو مكانش يفرق معاه تبقي نجمة...كان يفرق معاه تبقي بنته وبس ...بنته بكل عيوبها وميزاتها ...بكل مشاعرها الحقيقية اللي مش بتمثلها ...بنته اللي هتكمل حياتها بعده عشان تثبت له إنها نجحت ...مش تحدي واللا عِند ...لا...حب!
لم تملك ياسمين سيل دموعها الذي أغرق وجهها بعدها والذي تفهمته ياقوت للحظات ...
قبل أن تمسح الأولى دموعها لتسألها باهتمام:
_عايزة أكلم زين بس خايفة يامن يفهمني غلط ويرجع لشكوكه...أنهي معاه الموضوع إزاي؟!
تجمدت ملامح ياقوت للحظات أجادت فيها إخفاء شعورها بينما ياسمين تردف شارحة :
_زين مش هيهدا إلا لو عرف اللي حصل ...هيفضل فاكر إني رجعت ليامن غصب وعايز يساعدني أسيبه ...هو معذور ... ميعرفش عن يامن غير اللي أنا قلتهوله عنه .
_كلميني عن زين ...بصراحة...متخافيش الكلام مش هيوصل ليامن .
قالتها ياقوت متعللة بمهنيتها لكنها حقيقة كانت تريد أن تعرف الوجه الآخر لذاك الرجل الذي يختفي خلف عوالم غموضه :
_زين شخص كويس جداً ...ذكي ...مثقف ...قوي ...حمائي قوي للناس اللي يخصوه ...مش هانكر إنه ساعدني في أصعب أوقات حياتي سواء في علاقتي مع رامي أو بعد طلاقي من يامن ...حتى الليلة إياها اللي اتصور فيها الفيديو أنا اللي رحتله برجلي ...ومع ذلك هو اعترف ليامن بالحقيقة اللي تبرأني ...جابلي حقي من رامي ...مش عارفة أقوللك إيه عنه بس هو فعلاً ...
_طيب؟!
قاطعت بها ياقوت عبارتها باستهزاء ساخر لم تملكه ...لتهز ياسمين رأسها نفياً بقولها :
_لا!..ماقدرش أوصفه إنه طيب ...يامن طيب ...لكن زين ....زين حنين بس مش طيب...مش عارفة أشرح لك إزاي ....دايماً كنت بحس إن فيه نقطة سودة جواه مش قادر يتخطاها أو يسيطر عليها ...
ثم ارتبكت لهجتها أكثر لتردف:
_تعرفي مثلاً ...رغم كل المرات اللي اعترفلي فيها إنه بيحبني بس عمري ما حسيت إنه يقصدها ...مش قصدي إنه بيخدعني أو بيكذب عليا ...بس هو نفسه مايعرفش يعني إيه حب ...حب زي اللي بيني وبين يامن مثلاً ...
_ممكن توضحي أكتر؟!
قالتها ياقوت باهتمام لترد ياسمين موضحة :
_زين كان ممشيها معايا بالمسطرة ...تصرفات جنتلمان حقيقي بس من غير روح ...قطر ماشي على قضبان ماتحودش ...أفتكر واحد زي زين يوم ما يحب بجد هيتجنن...هيخرج بره قفص التخطيط وحسابات العقل والمنطق ...
_وحسيتي بده إزاي؟!
_ماكانش بيغير عليّ...مثلاً اليوم اللي يامن جالي فيه ماليزيا واتخانقوا هناك في بيت بابا الله يرحمه ...يومها عيون يامن كانت كلها غيرة ...كنت حاسة إنه عايز ياخدني في حضنه ويخبيني من الدنيا كلها واللي يحصل يحصل ...لكن عيون زين كانت بتفكر وبتحسبها بالعقل زي كل مرة ...ماانكرش إنه وقتها عمل اللي كنت محتاجاه منه بالضبط لما بعد وسابنا لوحدنا ...بس الحب الحقيقي مابيعترفش بحسابات ...حتى لما طلبت منه ماعدناش نتكلم عشان يامن ردني ما ناقشنيش ...زين بيحترمني ...بيحترم تفكيري ...ويمكن شايفني زوجة كويسة ...لكن فيه حاجة جواه مانعاه يحب بجد !
_حاجة زي إيه ؟!
سألتها ياقوت التي استحوذ الحديث على عقلها لترد ياسمين بحيرة :
_يمكن حاجة تخص والدته الله يرحمها ...حاجة تخص همسة ...يمكن شايف إن القلب حساباته دايماً خسرانة فبيحكم عقله ...
ثم ابتسمت ابتسامة واهنة لتردف:
_يعني ...يشبه يامن القديم شوية في الحتة دي ...بس الفرق إن مفتاح قلب زين ماكانش معايا أنا .
شردت ياقوت ببصرها وكلام ياسمين يفتح لها نافذة عريضة من أمل ...
مفتاح قلب زين !!
تراه يكون معها هي؟!!
لكن ذكرى تلك الليلة تعاود صفعها بقسوة !!
_لما أحب أتجوز أتجوز واحدة زي ياسمين ...اللي زيك أصطادها وبس!
يرتعش جسدها فجأة وأحداث الليلة إياها تتوالى تباعاً في رأسها ...
مالك ومفتاح قلبه يا غافلة ؟!!
ستعودين لضلالك القديم ؟!!
_ماقلتليش أعمل إيه ؟!
انتزعتها بها ياسمين من شرودها لتتنحنح ياقوت بقولها الذي عاد إليه قناع مهنيتها :
_زين ذكي ...ومادام بيحترمك زي ما بتقولي مش هيحاول يخرب حياتك إلا بإذن منك...أعتقد هو هيكتفي إنه يراقبك من بعيد ...لو حس إنك فعلاً سعيدة ممكن يتقبل الخسارة...أما بقى لو ماتقبلهاش وحاول يتدخل ...نصيحتي ماتخسريش ثقة يامن تاني ...خلليه دايماً في الصورة بمنتهى الصراحة ...
ظهر التشكك على وجه ياسمين لكن ابتسامة ياقوت الطيبة حسمت الأمر بقولها:
_ماتخافيش...يامن دلوقت بيثق فيكي أكتر من نفسه...والدليل إنه ماصدقش السكرين المتصور اللي بعتيه !
فابتسمت ياسمين بارتياح أخيراً قائلة :
_يامن كان معاه حق ...انتِ فعلاً شخصية مميزة ...شكراً !
قالتها لتقوم واقفة وتبدأها هي بالمصافحة هذه المرة لتبتسم ياقوت وهي تقف بدورها قبل أن تصحبها نحو الباب الذي كان يامن يقف أمامه ليشرق وجهه عندما رأى ابتسامة ياسمين التي بادرها باحتضان ذراعه لكتفيها في حركة حمائية جعلت ياقوت تبتسم بقولها :
_عندي اقتراح كويس هيساعدكم انتو الاتنين ...
التفت كلاهما نحوها لتعدل وضع نظارتها باستطرادها:
_مشوار للنادي القديم !
ابتسم يامن باستحسان فيما ارتجفت شفتا ياسمين ببعض التردد لكنها حسمته وهي تهز رأسها موافقة قبل أن تغادر معه نحو المركز تلاحقهما نظرات ياقوت الشاردة ...
_كان مالك ومال ده كله ؟! لو الحكاية مشت مظبوط كان زمانك دلوقت بتحتفلي بنجاح علاج حالة تانية عندك ...إيه اللي شبكك وسط الخيوط دي كلها ؟!
تتنهد بحرارة عند الخاطر الأخير لتعود لغرفتها مغلقة بابها خلفها ...
قبل أن تسمع صوت رنين هاتفها ...
_لجين؟! بتعيطي ليه ؟!
هتفت بها بارتياع وهي تسمع صوت بكاء شقيقتها التي حكت لها عما كان بينها وبين هيثم ...
شحبت ملامح ياقوت للحظات وهي تشعر بالرعب مثل شقيقتها لكنها عادت تتماسك لترد بلا مبالاة مصطنعة :
_واحنا مالنا؟! احنا لا جرينا ورا حد ولا كشفنا حقيقة بنستعر منها أصلاً...يتصرف هو وابنه ...مالناش فيه !
_خايفة يبهدلنا ويفضحنا !
هتفت بها لجين وسط بكائها لترد ياقوت بحنان حازم:
_بطلي خيابة ...وماعدتيش تعيطي ...اتغديتي؟!
أجابتها لجين بالنفي لتقول لها بنفس النبرة :
_طب اجهزي عشان هافكّ الكيس وأعزمك ع الغدا النهارده ...كباب وكفتة ماشي؟!
_كباب وكفتة ؟! انتِ في وعيك يا ياقوت؟!
هتفت بها لجين باستنكار قلق لتغتصب ياقوت ضحكة قصيرة وسط كل هذا البؤس قائلة ببساطة :
_بس ما تطمعيش قوي ...هو ربع واحد لنا احنا الاتنين !
_كده اطمنت عليكي .
قالتها لجين وهي تمسح دموعها وقد نجحت ياقوت في تبديد بعض كآبة الأحداث السابقة ...
ياقوت التي صمتت للحظة قبل أن تقول لها بجدية هذه المرة :
_هنروح سوا مشوار بعد الغدا ...الدكتورة زميلتي اللي قلتلك عليها .
كانت قد أخبرتها برغبتها في أن يتولى علاجها شخص آخر سواها فالقاعدة الذهبية التي تعلمتها في عملها أننا أكثر جرأة في الاعتراف بخبايانا أمام الغرباء ...
هذا الذي تقبلته لجين ببعض التجهم الذي امتزج بامتنانها لتعاود سؤالها بقلق:
_والبلاغات اللي قلتي عليها؟!
ردها سؤالها لما ينتظرها من معارك مع زين هذا لتصمت للحظات قبل أن ترد باقتضاب:
_ماتشيليش هم ...ربك يدبرها!
========
_هذا هو عابد الذي حدثتك عنه يا شيخنا !
يقولها الصالح وهو يحيط كتفي صديقه باحتواء بينما يدفعه بين يدي الشيخ في حلقته بالمسجد ...
ليرد الشيخ بوجه بشوش :
_أهلاً بك...نعم الاسم والمسمى به!
ابتسم عابد ببعض الخجل وهو يرى تطلع الوجوه نحوه ...
منذ عودته لماليزيا وهو يشعر برهاب التجمع ...
يظن الناس كلهم يلاحقونه بنظرات إما متهمة وإما ساخرة ...
ربما لهذا أصر الصالح أن يخرجه من عزلته إلى حلقة الشيخ الجليل هذا ...
_اجلس يا عابد ...واسأل ما بدا لك .
يقولها الشيخ وهو يفسح له مكاناً جواره ليجلس هو والصالح الذي ابتدر الشيخ بسؤاله :
_ما الفارق بين الجهاد والإرهاب يا شيخنا ؟!
_الفارق كبير ...الإرهاب جرم يتقصد الأبرياء لكن الجهاد فريضة ضد أعداء الله .
_ولمن نستمع في التفريق بينهما ؟!
يسأله عابد بضيق وذكريات الأيام السابقة تعاود قصف رأسه ليرد الشيخ بتفهم :
_لن أشرح المزيد ...اقرأ يا بني في فقه الجهاد ...اطلب العلم واستفتِ قلبك...لا تجعل مرجعك شيخاً ولا معلماً فكلٌ يؤخذ منه ويرد إلا رسول الله ...نحن فقط نشرح ما التبس من المسائل ...ندلكم على الطريق ...نوضح الخلاف في بعض الأمور ...وقد نتجرأ يوماً للفتوى ما دمنا نملك العلم في المسألة ...لكن العالم حين يتلبسه غروره فيقول كما قال فرعون "ما أريكم إلا ما أرى" فقد ضل وأضل!
ابتسم الصالح برضا وهو يراقب وجه عابد الذي ارتخت قسماته ليقول بأسف:
_كنت أتمنى لو أحضر معكم دروس الحلقة لكنني مسافر إلى مصر .
فاتسعت ابتسامة الشيخ وهو يقول ببشاشة :
_طلب العلم فريضة في كل مكان ...ومصر تشتهر بكبار شيوخها ...مادمت عرفت الطريق فاختر الصحبة يا بني .
هز عابد رأسه موافقاً ليتنحنح الشيخ ويسمي الله ليبدأ في إلقاء درسه الذي دمعت له العيون خشية ...
هذا هو المجلس حيث تحفهم الملائكة وتغشاهم السكينة ويذكرهم الله في من عنده ...
لهذا شعر عابد أنه يرتد لبعض روحه وحديث الشيخ يطبب أسقام ما عاشه من أيام مهلكة ...
حتى إذا ما انتهى الدرس وانفض الجمع أسره الشيخ بوصية أدرك بفطنته أنه يحتاجها قبل سفره :
_يابني ...قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه" وفي موضع آخر "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق"...ولست بحاجة لتذكيرك بالثلاثة الذين ذهبوا يتفقدون عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا عنها كأنهم تقالّوها ...استصغروها ...فقالوا وأين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! ...فقال الأول أما أنا أصوم الدهر ولا أفطر ...وقال الثاني وأنا أقوم الليل ولا أنام ...وقال الثالث وأنا سأعتزل النساء فلما سمعهم النبي صلى الله عليه وسلم قال "أما أنا فأصوم وأفطر...وأقوم وأرقد...وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"...
ثم التقط أنفاسه ليردف:
_التطرف يا بني آفة الدين في كل زمان ومكان...وأظنك من الفطنة أن وعيت الدرس ...
ابتسم عابد لقوله وهو يهز رأسه موافقاً ليربت الصالح على كتفه بعبارته هو الآخر:
_عرفت فالزم!
========
_عم رفعت !
تهتف بها ياسمين بود لحارس النادي القديم الذي التفت نحوها وقد تهللت أساريره قبل أن يلحظ سواد ثيابها ليسألها بقلق:
_خير يا أستاذة !
أخبرته بمصابها ليعزيها قبل أن يلتفت نحو يامن بحنان أبوي ليصافحه بقوة ...
ابتسمت ياسمين بوهن وهي تتأبط ذراع يامن كي يدخلا لكنه سحب ذراعه منها ليحيط كتفيها بذراعه هامساً :
_كده أحسن...وأقرب!
رمقته بنظرة مشتتة وهي تتذكر زيارتهما السابقة هنا كزوجين ...
وزياراتهما الأخرى منذ سنوات بعيدة لم تعد تذكر عددها ...
ورغم أن زيارتهما السابقة تركت أثرها في نفسها حقاً لكنها تشعر أن هذه المرة مختلفة ...
خاصة وهو يضمها سائراً بهذه الطريقة ...
يتمشى معها في الممر الطويل المؤدي للملاعب ...
يجلسان معاً تحت شجرة السنديانة التي كان يحبها ...
ويذكّرها- هو -بكل ما كانت ترويه له عن ماضيهما !!
كأنما يسير هو على خطاها بالضبط كي يعيد برمجة قلب لم يعرف سواه عشقاً !!
_سرحتي في إيه ؟!
يسألها وهو يطارد نظراتها الحائرة لتجيبه بشرود :
_حاسة إني كبرت قوي ...مش مصدقة إن كل السنين دي عدت ورجعنا أنا وانت تاني هنا بعد كل اللي حصل .
لكنه ربت على كفها ليقول بحنان :
_أنا بقا ماكنتش هاصدق نهاية تانية غير دي ...
ثم أدخل خصلة نافرة من شعرها تحت حجابها ليردف :
_كل مرة كنتِ بتوحشيني فيها وانتِ بعيد كنت بصبر نفسي بكده...إننا مهما بعدنا هنرجع نقرب .
دمعت عيناها بتأثر لكنها أخفت هذا بإشاحتها لوجهها الذي أعاد هو تقريبه نحوه ليسألها برفق:
_لسه مش عايزة نرجع بيتنا ؟!
_مش مش عايزة...مش قادرة !
هتفت بها بمزيج من حيرة وعجز ليضم كفها بين راحتيه قائلاً بمرح تجاوز به الموقف:
_عجبتك القعدة مع حماتك ؟!
ابتسمت رغماً عنها وهي تطرق برأسها لترد بانفعال:
_أصلاً كل المصطلحات دي مش لايقة على بيللا ...مرة حماتي ومرة الحاجة أم يامن ...كل ده ضمن مسلسل الطرائف والعجائب اللي عايشة فيه من يوم ما رجعت مصر .
ضحك ضحكة عالية أرجفت قلبها ليرد بغمزة عابثة:
_ولسة ياما هتشوف انبهارات !
اتسعت ابتسامتها لتجد نفسها دون وعي تسند رأسها على كتفه لتغيب في شرود طويل قبل أن تهمس فجأة:
_لسه بتحب كريم العراقي؟!
_مممممم ...تعرفي إن السؤال في وقته !
ثم رفع ذقنها نحوه ليحتل نظراتها بعينين عاشقتين تليقان بهمسه :
_دلوعتي خاصمتها...صالحتها ...لما بكت وتوسدت أحضاني ...ألقت عليّ القبض مشتاقاً لها فتحولت عصبيتي لحناني...
هنا ابتعدت هي بوجهها قليلاً لتكمل له هي:
_إن الرجال فوارسٌ لكنما ...لا سلطة تعلو على النسوان !
عاد يضحك ضحكة عالية وقد أعجبته دلالة فعلتها قبل أن يهمس لها مكرراً بدفء حان :
_لا سلطة تعلو على النسوان ...
ثم غمزها ليردف بمكر:
_يعني حافظاها اهه؟! ده أنا قلت كرهتيني وكرهتي كل اللي يفكرك بيا.
ابتسمت وهي تشعر بشيئ غريب في ضحكته وكلامه ...
لم تكن تشعر به سابقاً صادقاً هكذا ...
ضحكته نقية خالصة دون شوائب من هواجس تؤرقه !
ربما لهذا شعرت بنفسها تهدأ قليلاً وهي ترفع عينيها للسماء التي مالت شمسها للغروب ...
السكينة تنتقل منه إليها قبل أن تسمع صوت رنين هاتفه الذي أجابه بقوله :
_جايين ...حاضر ...عاملة إيه ع الغدا؟!
صمت قليلاً ينتظر الرد لتدرك أنه يكلم نبيلة ثم ابتسمت وهي تراه يهتف بجزع وقد امتقع وجهه :
_مسقعة ؟!
كتمت ضحكتها بكفها وهي تربت على كتفه بإشفاق مصطنع قبل أن تراه يغلق الاتصال ليهز رأسه بقوله الآسف:
_كنت عارف إن لازم حاجة وحشة تحصل تبوظ اليوم الجميل ده ...أمي عاملة مسقعة !
عادت تربت على كتفه ضاحكة لترد :
_من "محشي يامن" ل"مسقعة بيللا" ياقلبي لا تحزن !
_نعم؟! بتقارني باكورة إنتاجي م المحشي بمسقعة بيللا؟!
هتف بها باستنكار ضاحك وهو ينهض ليجذبها من كفها فتأوهت ببعض الألم الذي جعله يهتف بقلق حقيقي:
_انتِ كويسة؟! أنا آسف احنا فعلاً مشينا كتير .
قالها ليعاود ضم كتفيها بذراعه بحنان ليغادرا معاً النادي نحو بيت بيللا ...
ولم يكادا يدخلان حتى استقبلتهما رانيا بترحاب ليستأذن منهما يامن للصلاة بينما تهالكت ياسمين جالسة على إحدى الأرائك لتجلس جوارها رانيا متسائلة بإشفاق:
_تعبانة ؟!
رمقتها ياسمين بنظرة متعاطفة وهي تدرك أنها ترى فيها مصيبة فقدها القديمة لجنينها ...
رانيا بالذات تثير فيها مشاعر تعاطفها لأنها تراها أضعف شقيقاتها شأناً ...
أو هكذا كانت تظن حتى سمعت عن جديد أخبارها ومساعدتها لنشوة في المصنع ...
_مفيش أخبار عن أشرف؟!
سألت رانيا باهتمام لتجيبها الأخيرة بعينين دامعتين :
_نشوة بتقوللي إنه بيتصل يكلمها يطمنها عليه بس مش من تليفونه .
_غريبة قوي!
قالتها ياسمين بدهشة لترد رانيا بشرود :
_لا مش غريبة ولا حاجة...أشرف طول عمره اتعود يدي من غير ما ياخد ...لما حس إنه خلاص بقت إيده فاضية مش قادر يدي اضطر يبعد عشان ما يحملناش همه .
_طب عايش فين وإزاي ؟!
سألتها ياسمين لكنها لم تكن تملك إجابة سوى ما تحاول إقناع نفسها به :
_بيقولوا له واحد صاحبه خرج معاه من المستشفى ...ممكن يكون هو اللي قاعد عنده ...بس ...
انقطعت كلماتها عندما سمعتا صوت جرس الباب الذي اندفعت رانيا لتفتحه قبل أن تفاجأ برجل غريب لم تره من قبل ...
_مين حضرتك؟!
لكن الإجابة وصلتها من صرخة ياسمين الفرحة خلفها :
_عابد...حمداً لله ع السلامة !
=======
ضغطت زر الجرس لشقته التي صارت تمثل لها أكبر جحيم تحياه ...
مرة تلو مرة دون رد ...
ترددت قليلاً في الانصراف لكن شيئاً ما بداخلها جعلها تفتح حقيبتها لتستخرج المفتاح الذي كان قد أعطاه لها قبل أن تحسم أمرها لتدخل الشقة وتغلق الباب خلفها ...
شقة أنيقة حقاً لولا ذكرياتها السوداء هنا لاعتبرتها أفضل مكان رأته عيناها ...
لكن شعورها المقيت جعل الاشمئزاز يغطي على كل ما تطاله عيناها ..
الأثاث الفخم بألوانه الفاتحة ...
الستائر والسجاد بالغي الترف ...
وحتى الرائحة العطرية التي تنبعث من مكان ما لكنها تزكم أنفها بعطن ذكرى لن تمحو ذلها الأيام !!
والآن ماذا تفعل ؟!
تنهدت بعمق وهي تحاول استعادة ما روته لها ياسمين اليوم عنه ...
ياسمين التي تبدو وكأنها رأت أفضل وجوهه فيما كان نصيبها هي في الأسوأ...
ترى كم وجهاً يحمل هذا الرجل؟!!
الخاطر الأخير يملؤها قهراً ...غضباً...خزياً...و...غيرة!
غيرة لم تشأ الاعتراف بها وهي تذكر نفسها بعهدها الذي أخذته ...
هي لن تكون "أشواق" أخرى!!
انقطعت أفكارها عندما سمعت صوت مفتاحه يلج في الباب فانتفضت رغماً عنها لكنها التفتت لتواجهه بملامح متنمرة قوية لانت قليلاً عندما رأت وجهه الغارق بإرهاقه رغم الابتسامة المتحدية الشاحبة التي تعمد هو الآخر صبغ شفتيه بها ...
هو الذي ظل واقفاً مكانه يرقبها لدقيقة كاملة بصمت تناطحت فيها العيون بما يليق بهما من تحدٍّ وعناد وغضب...
قبل أن تنتبه هي لما يحمله في كفه ...
كتاب؟!!
هل لهذا علاقة بهمسة ؟!!
_لقيت همسة ؟!
سألته دون مقدمات بنبرة محايدة فسار بضع خطوات ليتهالك جالساً على أحد المقاعد الوثيرة مسنداً رأسه إلى ظهره قبل أن يخاطبها بعينين نصف مغمضتين :
_أول مرة أروح الشركة ما ألاقيش رائد ...الدنيا ملخبطة وهتاخد وقت على ما ألاقي بديل ...أول مرة أروح البيت ما ألاقيش همسة...حضنها الدافي أول ما تشوفني ...ابتسامتها الحزينة...كلامي معاها اللي ماببقاش مستنيله رد ...بس عارف إنه مهم عندها زي ما هو مهم عندي .
عباراته كانت تحمل جواباً غير مباشر لسؤالها بالنفي ...
ورغم شعورها ب-كراهيته- لكنها لم تملك شيئاً من التعاطف نما بداخلها نحوه ...
هو رجلٌ اهتزت أركان عالمه فجأة ليفقد كل من يهمونه !!
_شعور قاسي فعلاً ...شغلك اتلخبط...همسة اختفت...وكمان ياسمين رجعت ليامن ...كل رهاناتك فجأة بقت خسرانة .
ورغم أنها تعمدت أن تكسو نبرتها بالشماتة لكن شعوره هو ب-طيبة خفية- تداريها خلف هذا جعله يغمض عينيه تماماً في محاولة بائسة للاسترخاء قبل أن يردف ببطء :
_الشغل أمره سهل يتظبط...همسة هلاقيها ...أما ياسمين ...
صمت قليلاً بعدها ليخفق قلبها بجنون ترقبه منتظراً ما سيقوله ...
_فعلاً رهان خسران...شفتها النهارده مع جوزها ...كانت بتبتسم ابتسامة ماشفتهاش على وشها قبل كده ...هي فعلاً مبسوطة معاه .
_شفتها فين ؟!
تسأله بترقب لكنه لا يرد مكتفياً بنفس الابتسامة الجانبية التي تمزج المكر بالألم ...
مزيج غريب ...صحيح؟!!
ربما لهذا قررت طرق باب -إنسانيته- التي لا تزال تراها رغم كل شيئ ...
فاقتربت منه وهي تشعر أن جلسته هكذا بائساً مغمض العينين أشد وطأة على قلبها من حضوره المهيب الطاغي ...
هي تكرهه...وتريد أن تكرهه ...
لكن لعله يرضى أن يمنحها حريتها على أي حال بعد مستجدات الأمور ...
_طيب ...دلوقت ياسمين رجعت ليامن برضاها وفقدت أملك فيها ...وهمسة مختفية مع رائد ...وأختي سهل قوي أثبت إنها مريضة وإن اللي بيحصل غصب عنها ...يعني ببساطة مفيش أي سبب يخلليك مورطني معاك كده ...أنا لولا خوفي من الفضايح والشوشرة كنت ...
هنا فتح عينيه فجأة بنظرة مشتعلة أجبرتها أن تبتلع باقي عبارتها ...
ولو نظرت بقلبه لأدركت أي -رهبة- كانت تجتاحه وقتها !!!
ربما لأنه أدرك أنها على حق !
لو كان يستبقيها لأجل ياسمين أو همسة فلم يعد له بها حاجة ...
ولو كان يريدها كطريدة فهي لم تعد تناسب هذا الدور ...
لماذا لا يطلق سراحها فحسب؟!
لماذا يشعر وكأنه صار مقيداً بها دون مسمى؟!
لماذا لا يستطيع تصنيف مشاعره هذه المرة بل -والأسوأ- الاعتراف بها ؟!!
ربما لهذا خرجت كلماته هادرة متخبطة :
_انتِ السبب في إنه قدر يخطف همسة من ورايا ...لو كنتِ عرفتيني حكاية الجواز دي كنت عملت احتياطاتي من بدري ...ودلوقت خلاص سلمتي إنها مش هترجعلي وهتفضل معاه ؟! همسة هترجع وهتفضلي معايا لحد ما تعالجيها !
احمر وجهها بانفعاله لتقترب منه خطوة أخرى هاتفة بحدة مماثلة :
_انت بتلومني على إيه ؟! واجبي كدكتورة أحافظ على أسرار شغلي ...أعمل اللي فيه مصلحة الحالة وبس ...انت مجبتنيش جاسوسة تحطني في بيتك عشان أنقللك اللي بيحصل من وراك ...بس اللي زيك فاكر الدنيا كلها زيه ماشيين بالمؤامرات والخطط !
نظرته الطويلة لها بعدها أربكتها وهي تشعر أن بداخله كلاماً أكبر من أن يقال ...
التعب الذي كانت تصرخ به كل خلية من جسده...
الألم الذي كانت تنبض به ملامحه ..
والحيرة الغريبة على "العينين الماكرتين"...
كل هذا جعلها تشيح بوجهها عنه لتصمت بدورها قبل أن تسمعه يقول فجأة :
_قريتي الكتاب ده قبل كده ؟!
التفتت نحو الكتاب الذي يمسكه منذ دخل لينعقد حاجباها أكثر ...
"ترنيمة سلام"...
سمعت عنه الكثير من المديح لكنها لم تقرؤه قبلاً !
_لا.
_كويس ...تعالي اقريهولي.
بنبرته المهيمنة يقولها مدركاً ما سيثيره فيها من سخط لتشتعل عيناها بنظرة كادت تحرقه مكانه !!!
هذا الرجل مريض!!
عن أي شيئ يتحدث ؟!!
تترك عملها ومذاكرتها لأجل أن تكون تسليته ؟!
لكن ...
ماذا لو تعاملت معه حقاً على أنه مريض؟!
ماذا لو تخطت حاجز كراهيته هذا لتصلح هذا العطب في تفكيره ؟!!
ذكاؤها لم يخذلها في التعامل مع أي حالة من قبل ...
فلماذا لا تستخدمه الآن ؟!!
أخذت نفساً عميقاً وهي تحاول تحليل شخصيته في ضوء الأحداث السابقة معه محاولة التخفي خلف درع مهنيتها وتنحية شعورها الخاص ب"كراهيته"...
هذا رجل يجيد نصب الشباك ...لكنه يتقبل الهزيمة...
والدليل "ياسمين"!
عظيم!
هذا رجل لا يريدها هي -كامرأة- غصباً ...
وإلا كان قد نالها وهي فاقدة الوعي بين ذراعيه هنا ...
ربما هو فقط يريد "إغواءها"' كي يسيطر عليها طوعاٌ ولا يدري مع من يتعامل هاهنا ...
جيد !
هذا رجل لم يحب في حياته كلها كما يبدو إلا أمه وهمسة ...
شخصية كهذه تحمل عاطفة كبيرة بداخلها ربما لو أمكنها استغلالها لجعلته يطلق سراحها بصمت دون فضائح قد تمسها هي أو شقيقتها ...
رائع!!
لكنه كذلك رجل عنيد وهزيمة هؤلاء لا تكون إلا بمزيج "محترف" من الطاعة والتمرد ...
مزيج تجيد هي كثيراً طبخه !!!
لهذا تقدمت خطوة أخرى لتلتمع عيناها بنظرة لم يفهمها مع كلمتها الوحيدة :
_حاضر.
الشك يملأ عينيه من موافقتها السريعة غير المتوقعة ...
لكنه كان أكثر إنهاكاً من أن يسأل عن المزيد ...
لهذا ما كادت تتحرك لتتناول منه الكتاب كي تجلس جواره حتى فاجأها بأن جذبها ليجلسها قسراً بين ساقيه محيطاً إياها بذراعيه وظهرها يقابل وجهه ...
قبل أن يميل ليسند ذقنه على كتفها هامساً:
_نستفيد بقى من صلاحيات الوضع الجديد ك"مراتي"...من يوم ما سمعت صوتك وانت بتقري لهمسة وأنا في بالي صورتك وانتِ بتقريلي لوحدي كده ...بالضبط !
التفتت نحوه بوجهها بعينين مشتعلتين وارتجاف خفقاتها يفضح تأثرها بمفاجأته ...
لكنه مد أنامله ينزع عنها نظارتها مع استطراده :
_قلت تتقلع أول ما نتقابل...ياريت تكوني بتعرفي تقري من غير النظارة.
احمر وجهها بانفعاله ليتحول "القمران السجينان" لشعلتين من نار!!!
تكز على أسنانها بقوة تكاد تحطمهم وهي تحاول تذكير نفسها بأفكارها السابقة ...
مريض آخر أمام ذكاء طبيبة !!
عنادها لن يزيده إلا عناداً ...
الصبر ...
مزيج محترف من الطاعة والتمرد !!
لهذا هدأ جسدها -نوعاً- وهي تعاود النظر للكتاب بين كفيها قبل أن تأخذ عدة أنفاس متلاحقة لتفتحه ...
تبدأ القراءة بصوت تعمدت أن يكون هادئاً واثقاً لا يشي بهذه الانفعالات التي تعصف بها ...
هذا هو العناق "الثاني" لهما...
لكنها تشعر به أشد وطأة على نفسها من الأول...
ربما لأنه يغمرها بجسده أكثر ...
ربما لأنها تشعر أن "الصدر الصلب" هذه المرة يواجه ظهرها هي الذي طالما ظنته بلا سند !!
وربما لأنها تستشعر أن خلف هالة التجبر والعناد خاصته هذه يختفي الكثير من الألم ...
هو لا يعانقها إذلالاً ولا غريزة...
هو يعانقها احتياجاً !!
بينما كان شعوره هو يختلف كثيراً عن شعورها ...
صوتها الذي يحمل في أذنيه وقعاً خاصاً كان يخترقه كثيراً هذه المرة ...
هذه المرأة لن تكف عن إدهاشه !!
تصرفاتها كلها استثنائية !!!
ربما لو كانت امرأة أخرى في مكانها لثارت وصرخت ...أو ربما حاولت إغواءه ...
لكنها لا تفعل هذا ولا ذاك ...
بل تبدو وكأنها تحرك قطعها على- رقعة الشطرنج -بينهما كي تحقق هدفاً لا يعلمه ...
طاعتها هذه مربكة ...
مستفزة ...
فليحرك قطعة أخرى من قطعه هو الآخر لعله يفهم ...
_لحد دلوقت ما اتأسفتلكيش ع اللي حصل ...عارف إن واحدة زيك مش هتسامح فيه بسهولة.
يقولها بنبرته الرخيمة وهو يمد أنامله ليزيح حجابها عن شعرها فامتد كفها بسرعة يقبض على كفه من الخلف بحزم تمنعه المزيد ...
لتقطع قراءتها وتقول صارمة دون أن تلتفت :
_خالص ! مش هتسامح فيه خالص!
فالتوت شفتاه بابتسامة إعجاب لم ترها ليردف بعدها بنفس النبرة وهو يسند ذقنه على كتفها :
_برغم إني احترت في قرايتك كتير ...بس فيه حاجة واحدة مطمناني ...حاجة ماافتكرش حد عرفك واختلف عليها ...عارفة إيه ؟!
تيبست مكانها وهي تخشى أن تلتفت فتواجهه بهذا القرب ...
لكنه هو من جذب ذقنها نحوه ليتشح بدفء "القمرين السجينين" من هذا القرب الخطير مجيباً تساؤله بنفسه :
_طيبتك !
لحظة واحدة التقت فيها عيناها ب"سراجين " في عينيه !!
لحظة واحدة لم تره فيها صياداً اقتنص بهجة أول حب ...أول عناق ...أول لمسة لرجل !!
لحظة واحدة أخرجته بها بعيداً عن إطار الزمان والمكان ...
لحظة واحدة ضبطت فيها نفسها متلبسة تطارد سراب حلمها البعيد من جديد ...وكأنها لم تتعلم!!
لم تتعلم !!
الخاطر الأخير يصفعها ليعيدها لذروة تنمرها وهي تشيح بوجهها عنه بعيداً ...
ستخرج من هذه الورطة !!
لن تسمح له أن ينتصر عليها !!!
ستعيد له شباكه خاوية ...
وربما تكون "هدية الطيّبة" له قبل أن تغادر حياته هي أن تشفي سقم روحه هذا أولاً ...
ستعامله ك"مريض" يحتاج العلاج....ك"وغد" يستوجب الحذر ...
لكنه لن يكون أبداً ك"حلم" ترجوه التحقق!!
لهذا دمعت عيناها بلا سبب -رأته - وهي تعاود القراءة بصوت عالٍ لعلها تشتت انتباهه ...
وقد أفلحت !
أو هكذا -هيئ إليها- وهي تشعر بتراخي أنفاسه جوارها لدقائق طالت ...
دقائق أغمض فيها هو عينيه يستلذ بهذا الصوت الآسر ...
لا ...لم يكن أرق صوت أنثوي سمعه ...
ولا أدفأهن رنة...
ولا أشدهن إغواء!!
لكنه كان يشبه ...ماذا؟!
هو -للعجب- لا يشبه أي شيئ!!
هو مزيجٌ من حنان أمه...ورقّة همسة...وقوة...من؟!
هو لا يذكر أنه قابل امرأة في حياته بهذه القوة تصلح أن تكون نداً له ...
حتى ياسمين!!
هذه المرأة حقاً خارقة...
كيف تكون هنا ..في بيته.. يكاد يعتقلها بين ذراعيه ...ومع هذا يشعر أنه هو "المأسور" لا هي!!
هو"السجين" بمشاعر لا يمكنه توصيفها وهي "الحرة" المحلقة في سماء كبرياء لا تعرف حدوداً ولا قيوداً...
متعَبٌ هو لأقصى حد...
ومريحة هي لأقوى درجة ...
فمن يلومه لو ...؟!!
من جديد يحاول تحريك "قطع الشطرنج" بحركة مباغتة لعله يفقده اتزانها ...ولم يحسب أن يفقد هو اتزانه...
شفتاه تترنحان بتمهل على جانب وجنتها وذقنها فتعاود التيبس بين ذراعيه لتقطع قراءتها دون أن تلتفت ...
قلبها يعاود جنون قفزاته بغضب يتملك منها ...
اهدئي يا ياقوت ...
هو لايريدك غصباً ...لو أرادها لفعلها من زمن !
هو يريد إغواءك ...يظنك سترضخين !!
_لو مش هتسمع أبطل قراية .
بأقصى ما لديها من برود تقولها وجسدها المتخشب يؤازرها في دعواها ...
لكنه لا يزال يحرك القطع كما يرتضيه عقله :
_بسمع بوداني مش بشفايفي!
همساته تزيد غضبها أكثر لتعاود القراءة بصوت أعلى وكأنها لا تهتم ...
هو صراع قوة ...فلينهزم الأضعف!!
لكنه كذلك لم يكن خصماً هيناً وخبرته الهائلة تواجه ضعف أنوثتها لعاطفة كهذه ...
صوتها يرتعش رويداً ورويداً والحروف تتلاشى من أمام عينيها ...
من اليسار يأتيها صوت مداعب...
ماذا لو كان هذا زواجاً حقيقياً؟! ماذا لو استجاب القدر ليمنحكِ الرجل الذي تمناه قلبك ؟! ماذا لو تستسلمين؟! لو تذوبين في عاطفة كهذه تمنيتها بكل جوارحك ؟!
الخواطر هذه تسلمها لخدر لذيذ فتنكمش رغماً عنها بين ذراعيه أكثر ...
لكن صوتاً آخر من اليمين يأتيها مؤنباً...
هل فكرت "أشواق" مثلك هكذا عندما زلت قدمها ؟! هل قاومت حقاً بما يكفي؟! هل ورثتِ عنها ضعفها كما ورثتِ إثمها ؟! فلترثي مصيرها إذن!!
والخواطر هذه تجعلها تسقط الكتاب من يدها ...تضم قبضتها التي وجهتها بعنف نحو ساقه لكنه لم يبدُ وكأنه شعر بها ...
وبين الجانبين ممزقةٌ هي لم تملك سوى فيض من دموع أغرق وجنتيها لتنبعث منها أنةٌ قوية جعلته يتجمد فجأة ...
قبل أن يديرها بين ذراعيه ليتملك وجهها بكفيه وعيناه لا تقلان شتاتاً عن عينيها ...
نظرته تحمل غضباً ...ألماً ...اعتذاراً ...ورجاء ...
معانٍ وصلتها كلها صادقة لتقصف قلبها قصفاً لكن ماذا يكون "قلبها" هذا أمام سلطان كبريائها ؟!!
_بتعيطي ليه ؟!
يهمس بها متحشرجة خافتة لتجيبه بكل عنفوانها :
_عشان بكرهك !
الصمت الثقيل يجثم عليهما بعدها وهو يمسح دموعها بإبهاميه للحظات طالت قبل أن يهمس لها أخيراً بيقين ثابت:
_لا...عشان بتحبيني !
عيناها تتسعان بارتياع مع كلماته فتحاول الابتعاد بوجهها لكنه يتمسك به برقة أكبر ليقترب هو منها غارساً نظراته في عينيها :
_فاكرة إنك لوحدك اللي بتعرفي تقري الناس ؟! أنا فاهم كويس أنا إيه بالنسبة لك ...أنا الحلم اللي اتمنيتيه بالضبط ...مش م النهاردة ولا امبارح ...من أول مرة شفتيني فيها .
_كنت!
تقولها كأنها تبصقها في وجهه قبل أن تدفعه فجأة لتهب واقفة بينما تردف بمزيج دموعها وقوتها الآسر:
_مش هانكر إنك فعلاً كنت الحلم اللي شفته فجأة بيناديني ...الراجل اللي يرفع راسي وراس ثمر ...اللي يخللي حسين يندم وهو شايف بنت الخدامة بتاخد واحد راسه براسه ...لكن الحلم بقى كابوس ...انت ...انت...
سبابتها ترتعش بشدة وهي تشير نحوه بينما تشرف عليه من علوّ يناسب مكانتها الآن :
_انت دوقتني الذل اللي عمري في حياتي ما دقته ...كل اللي الدنيا عملته فيّ ما كسرش فيّ حاجة زي اللي انت كسرتها ...
عيناه ترتجفان بنظرة وجع حقيقية لكنه يسارع بإغماضهما ليخفي مشاعره خلف جمود وجهه بينما هي تردف بنفس العزة :
_بس اللي زيي ما بيقعش...يمكن الضربة تدوخه بس ما بتموتوش ...لكن أنا هاطلع أحسن منك...وعد مني قبل ما أخرج من حياتك أرجع لك أختك ...ويمكن أرجعلك نفسك كمان ...بس ما تطمعش في أكتر من كده !
يفتح عينيه ببطء وهو يشعر أن هذا الحوار استنزف قوته تماماً ...
استهلكه كما لم تفعل به أحداث الساعات السابقة كلها ...
لكن ...منذ متى يظهر هو ضعفه ؟!!
لهذا قام واقفاً بدوره يواجهها بعينين لا تقلان عنها تحدياً :
_موضوع خروجك من حياتي ده قراري مش قرارك .
ورغم أن عبارته أحنقتها لكنها عقدت ساعديها أمام صدرها لتهتف بنفس العزة :
_لو كنت عايزني غصب كنت خدت اللي انت عايزه من زمان ...انفض إيدك مني يا "بيه"...الرهان المرة دي مش لايق عليك...لا هو قيمتك...ولا انت قيمته !
قالت عبارتها الأخيرة بنوع من الاحتقار وهي تعدل وضع حجابها لتغطي كامل شعرها ثم انحنت تلتقط نظارتها لترتديها قبل أن تتحرك نحو الباب لكنه لحق بها ليمسك ذراعها بقوة فعاد لقاء العيون لكن أكثر وهناً هذه المرة بعدما استنزف كلاهما هذا المشهد الكارثي ...
ألمه أمام ألمها ...
ضعفه أمام ضعفها ...
حيرته أمام حيرتها ...
صورة في مرآة "الماضي"...كم تشبه الأصل وكم تناقضه !!
لهذا ارتجفت شفتاه رغماً عنه وعيناه تحطان رحالها على عينيها في صمت مشحون ...
قبل أن يقول بصوت متحشرج:
_رائد هيكلمك ...أنا واثق من كده ...ده لو مكنش كلمك فعلاً .
أشاحت بوجهها دون رد لم يكن هو ينتظره مع استطراده :
_مش هاقوللك تعملي إيه ...اعمللي اللي يرضي ضميرك ...همسة أمانتك وأنا عارف إنك مش هتضيعيها .
امتلأت عيناها بالدموع رغماً عنها لكنها أزاحته عن طريقها ببعض العنف قبل أن تخرج صافقة الباب خلفها ...
الباب الذي ظل هو يرمقه بنظرة طويلة قبل أن يعود ليلتقط الكتاب الذي كانت تمسكه ليقلبه بين يديه للحظات سبقت تهالكه على الأريكة بعدها ليسلمه الإرهاق لنوم طويل ...
نوم كانت هي بطلة أحلامه بلا منازع ...
ياقوت ...!
طريدة اقتنصت صيادها !
=========
وقفت نبيلة جوار فراشها تراقب وجهها النائم بعينين دامعتين ...
اليوم عقد قرانها على مروان !!
العفريتة الصغيرة ستتزوج أخيراً !!
آخر بنات شقيقتها الراحلة ...
حان الوقت أن تطمئن عليها!!
ازدادت كثافة الدموع في عينيها وهي تذكر وقفة كهذه ليلة كادت تتعرض لانتهاك بسبب ذاك المخرج الوغد ورفيقه ...
ليلة تركت ندبتها في قلبها وقتها ولا تزال ...
ربما هي ما فتح لها طريق الرجوع ل"عائلة" تتقبلها ك"أم"
لا ك"نجمة"!
الطريق الذي تسيره الآن عدواً وكأنما تفرغ فيه اشتياق الماضي كله ...
بل وكأنما تخشى أن يقف عداد العمر فجأة دون أن تروي نهَم هذا الشعور!!
_اصحي يا داليا .
تهتف بها بحنان وهي تجلس جوارها على طرف الفراش لتصدر داليا همهمة اعتراض جعلت نبيلة تهتف باستنكار:
_يابنتي قومي ...النهارده كتب كتابك...أنا مش عارفة
جالك نوم إزاي أساساً؟!
انتفضت داليا فجأة لتمسح وجهها وهي تدور بعينيها في الغرفة قبل أن تقفز فجأة لتغادر الفراش هاتفة بصوت لم يغادره نعاسه :
_سبتيني نايمة لحد دلوقت ليه ؟! لسه قدامي بلاوي .
ضحكت نبيلة وهي تقف بدورها لتحتضنها قائلة :
_صباح الخير يا شعنونة ...ربنا يعينك يا مروان على ما بلاك ....
ثم قرصت وجنتها لتسألها بعتاب:
_برضه لسه ما بترديش على تليفوناته ؟!
_تؤ.
قالتها داليا بحركة كتفيها وعيناها تلتمعان بدلال جعل نبيلة تقول لها محذرة :
_خدي بالك ...الرجالة خلقها ضيق ...هيزهق .
لكن داليا تنهدت بحرارة لتقول بشرود :
_مش مروان...لو كان ممكن يزهق كان زهق من زمان .
_لو كان حبيبك عسل !
عادت تقولها خالتها محذرة لتضحك داليا ضحكة عالية وهي تلم خصلات شعرها المشعث هاتفة بميوعة :
_اللي يلاقي دلع ومايتدلعش يروح النار .
ابتسمت نبيلة بحنان وهي تحتضن وجهها بكفيها قائلة بحنان :
_لولا ظروف ياسمين كنت مليت البيت زغاريد ...ماتعرفيش أد إيه فرحانة...طايرة م الفرح !
_كل ده عشاني؟!
قالتها داليا بغرور مصطنع لترد لها نبيلة بضاعتها بقولها الذي عاد إليه كبرياء النجمة :
_لا ...عشان الفستان الأسود اللي ماكانش راضي يدخل فيّ ...قسته امبارح وطلع مظبوط !
_أوووووه ...الأسود بتاع ...؟!
هتفت بها داليا بانبهار لترد نبيلة باعتزاز :
_هو!
ضحكت داليا بمرح وهي تعطيها ظهرها لتغادر الغرفة بثرثرتها المعهودة :
_مش عارفة خسيتي إزاي مع جهودك المطبخية رفيعة المستوى اليومين دول ...بس يستحسن تشوفي شال للفستان عشان يامن ما يطربقش الليلة على دماغنا ...عايزة أتجوز ماتضيعوش مستقبلي .
كان صوتها يتباعد مع مغادرتها لكن ابتسامة نبيلة كانت تتسع مع كلماتها ...
لم تكن في حاجة لنصيحة داليا فمنذ تقاربت علاقتها مع يامن وهي تحرص أن تكون ثيابها أكثر انضباطاً كي لا تثير حفيظته ...
تعلم أنه لن يحدثها في أمر كهذا صراحة لكنها صارت تريد رؤيته راضياً وهو الذي عليه حاله منذ عادت إليه ياسمين ...
_صباح الخير يا بيللا .
انقطعت أفكارها بتحية هانيا التي تبيت ليلتها هنا منذ
الأمس بعد عودتها من تركيا لتلتفت نحوها نبيلة هاتفة بلهفة :
_صباح النور ...ياللا عشان ورانا حاجات كتير ...هانزل أخلص شوية مشاوير وانتِ خلليكي مع داليا ...
قالتها وهي تتحرك لتجذب حقيبتها فهتفت هانيا خلفها :
_داليا صحيت ؟!
والإجابة جاءتها في المنشفة التي قذفتها داليا لتصطدم بوجهها مع هتاف الأخيرة الضاحك :
_النهارده فرحي يا جدعان ...لازم كله يبقى تمام ...
قالتها وهي تحرك جسدها بحركات راقصة جعلت نبيلة تطلق ضحكة عالية بينما هتفت هانيا باستنكار:
_ما تقفي على بعضك يا بنت....إيه ده ؟!
لكن نبيلة احتضنت داليا لتقبل جبينها قائلة باعتزاز :
_تربيتي!
قبلتها داليا بعمق قبل أن تخرج لسانها لشقيقتها مغيظة فعادت نبيلة تضحك قبل أن تغادر البيت لقضاء شأنها ...
وما كادت تفعل حتى توجهت هانيا نحو المطبخ لتعد لنفسها القهوة...
سمعت داليا تتنحنح من خلفها فالتفتت نحوها لتشد شعرها بحركة خفيفة جعلت الأخيرة تتأوه دلالاً لتبتسم هانيا قائلة بحنان :
_مبروك يا داليا ...يارب تعقلي بقى .
_لو عقلت أموت حضرتك !
قالتها داليا بشقاوتها المعهودة قبل أن تحك رأسها لتسألها ببعض الحرج:
_كنت عايزة أسألك على حاجة بحكم كونك أختي الكبيرة المتجوزة -حالياً- يعني ...بس مكسوفة ...
_مكسوفة؟! وال"أبديت" ده عملتيه امتى؟!
قالتها هانيا باستنكار وهي تعطيها ظهرها لتصب القهوة فتحركت داليا لتسألها بخجل تمكن منها رغماً عنها :
_أصلها حاجة تكسف ...
_مممممم؟!
سألتها هانيا وهي ترتشف رشفة من قهوتها لتتنحنح داليا وتسألها باهتمام لم يخلُ من خجل:
_بتتدلعي على أبيه رامز إزاي عشان يعمللك اللي انتِ عايزاه ؟!
_يااااا زين ما اخترتِ!
هتف بها رامز الذي كان واقفاً على باب المطبخ لتشهق
داليا بخجل قبل أن تخرج من المطبخ عدواً وهي تغطي وجهها ...
فيما سعلت هانيا برشفة القهوة التي توقفت في حلقها لينفجر رامز ضاحكاً وهو يقترب منها ليربت على ظهرها مردفاً بمرح:
_اجمد يا وحش.
ظلت هانيا تسعل للحظات وهي تدفعه بكفها فناولها كوب ماء شربت منه لتهدأ قليلاً وسط ضحكاته العالية التي سبقت قوله :
_ياربي ! مش هنساها أبداً ...داليا بتاخد خبرتها من "بسطويسي"...
ثم كوّر كفيه حول شفتيه في وضع النداء ليردف بتحذير مصطنع:
_إلى مروان القاطن بدير النحاس ...لا تقرب هذه العائلة...الزواج فيه "دبشٌ" قاتل!!
كتمت هانيا ضحكاتها بكفها بينما وضعت الآخر على شفتيه لتهتف باستنكار:
_هتفضحنا ...اسكت ...اسكت !
لكنه قبل أناملها أمام شفتيه ليجذبها بين ذراعيه هامساً بنبرة عابثة :
_لسانك اتلسع؟!
_رامز!
هتفت بها باستنكار وهي تدفعه لتنظر نحو الخارج مردفة بعتاب:
_احنا مش في بيتنا ...لم الدور شوية .
مط شفتيه باستياء ليقول وهو يغلق باب المطبخ :
_طب اعمليلي شاي .
رمقته بنظرة متشككة لتقول ملوحة بسبابتها:
_افتح الباب!
_لا.
قالها وحاجباه يتراقصان بمشاكسة فزفرت بسخط مصطنع وهي تعطيه ظهرها لتعد له الشاي شاعرة به يقترب من ظهرها ...
_إيدي سقعانة !
يقولها بمسكنة مصطنعة لترد ببرود دون أن تنظر إليه :
_كوباية الشاي هتدفيها ..آه...
انقطعت عبارتها بشهقتها وهي تجده يضع كفيه قسراً في جيبي بلوزتها هي الأماميين ليلصق ظهرها به هامساً :
_بجامتي مالهاش جيوب .
_رامز!
تهمس بها باستنكار وهي تحاول إخراج كفيه العابثين من جيبيها لكنه يرد هامساً في أذنيها ببراءة مصطنعة :
_إيه ؟! مارضيتش أحطهم في جيوب البنطلون !
احترقت وجنتاها خجلاً وهي عاجزة عن الاستدارة نحوه بهذا الوضع فاكتفت بنظرتها الموبخة :
_انت مالكش فرامل ؟!...ده أنا قلت هتتغير واحنا مش في بيتنا .
_عذراً يا أخ بسطويسي ...شاب أرعن طائش تحركه غرائزه !
قالها مازحاً وهو يرفع أحد حاجبيه فابتسمت رغماً عنها وهي تدير رأسها لتصب له الشاي هاتفة :
_اتفضل شيل إيدك وخد الشاي!
_أمري لله !
قالها وهو يخرج كفيه من جيبيها ليتناول منها كوب الشاي الذي ارتشف منه رشفة قائلاً:
_تسلم الأيادي .
بينما سارعت هي تفتح الباب لتجد يامن في وجهها يقول ببشاشة :
_صباح الخير .
فازداد احمرار وجنتيها وهي ترد تحيته بارتباك بينما تلفت هو حوله ليسألها باهتمام :
_رانيا فين مش في أوضتها؟!
_صحيت من بدري راحت المصنع لنشوة ...هترجع ع المعاد ...أعمللك قهوة ؟!
_أنا هاعملله !
قالتها ياسمين التي ظهرت من خلفه ليلتفت نحوها بابتسامة حانية رغم مزاحه الساخر:
_يعني أخيراً هتحني عليّ وتدخلي المطبخ؟!
غمزت هانيا رامز لينسحبا تاركين لهما المزيد من الخصوصية بينما دخلت ياسمين المطبخ في جواب غير منطوق لسؤاله ليلحق هو بها مستمتعاً بذكرى الأيام الخوالي التي كانت تعد له فيها إفطاره ...
_وحشتني قهوتك .
قالها وهو يجلس على المائدة جوارها لكنها لم تلتفت نحوه وقد غابت في شرودها بعدما بدأت في إعداد القهوة ليسألها باهتمام:
_بتفكري في عابد ؟!
التفتت نحوه لتومئ برأسها إيجاباً قبل أن تقول بتأثر:
_لما شفته كإني قدام واحد مختلف ...شفت إزاي ماكانش عايز يسيبني من حضنه أول ما شافني؟!
_بلاش السيرة اللي تنرفز دي؟! أنا عارف إنه أخوكِ بس دمي فار لما شفتكم !
هتف بها بضيق حقيقي جعلها تبتسم وهي تقترب منه لتشير حولها قائلة :
_بتغير من أخ واحد وانت عندك مستعمرة ستات بحالها هنا؟!
_مابحضنش حد فيهم !
بعناد يقولها لتقترب منه أكثر قبل أن تنحني لتواجه وجهه بوجهها هامسة أمام عينيه :
_هو الحضن بالإيدين وبس؟! كل نظرة حنينة حضن...كل موقف احتواء حضن ...كل كلمة بتزعق فيها من خوفك عليهم حضن.
فابتسم بتأثر وهو يجذبها ليجلسها على ساقيه متخللاً شعرها بأنامله هامساً:
_أول مرة أحس إنك ممكن تغيري منهم !
لكنها أسندت رأسها على صدره لتهمس مغمضة العينين:
_فيه فرق بين اللي تحسه واللي تقدر تعبر عنه ...زمان مكنتش أقدر أقوللك لأني كنت حاسة إنه مش من حقي أغير عليك ...حاجة وسط حاجات كتير اتعودت أدفن إحساسي بيها ...
فرفع ذقنها نحوه لتفتح عينيها مع سؤاله :
_ودلوقت؟!
_دلوقت حاسة إنك بتحبني ...خلاص بقا من حقي أصرخ وأقول غيرانة ...من حقي أغلط وأقوللك سامحني وأنا عارفة إنك هتسامحني ...من حقي أخاصمك وأبعد وأنا عارفة إنك هتصالحني ...من حقي آخد زي ما بدي ...من حقي أحبك حب صح مش زي بتاع زمان .
ضمها بين ذراعيه أكثر ليهمس بدفء:
_كل حاجة فيّ من حقك...من قبل ما تطلبيها .
أغمضت عينيها على صورته ليصلها صوته بعدها يتنحنح مردفاً باهتمام :
_أنا فكرت أكلم عمي يستضيف عابد شوية في البلد ...
فتحت عينيها فجأة مصدومة بالاقتراح ليستطرد هو بحماس:
_فكري فيها كده هتلاقيها مفيدة من كل الزوايا ...أولاً هيريح أعصابه بعد اللي شافه ...ثانياً لو فيه فعلاً خطر عليه فهو متداري هناك ...ثالثاً هو قال إنه عايز يكمل دراسة علوم شرعية وانتِ عارفة إن بيت عمي لازق في بيت الشيخ "......" اللي الناس بتجيله من آخر الدنيا تتعلم ...وأفتكر إن عمي هيرحب بالفكرة جداً .
لكنها هزت رأسها لتقول بعدم اقتناع:
_بس انت عارف المستوى اللي كان عابد عايش فيه في ماليزيا ...تفتكر هيبقى مرتاح وهو عايش في قرية صغيرة من غير أي رفاهيات ؟!
فقرص أنفها مداعباً ليقول بثقة:
_هو محتاج الجو ده صدقيني ...محتاج يفصل ويرجع للطبيعة شوية ...وعموماً لو ماعجبوش الوضع يرجع ...أنا هاعرض عليه الموضوع لما أشوفه في كتب الكتاب !
ابتسمت وهي تومئ برأسها موافقة لتنساب على شفتيها رغماً عنها :
_شكراً يا طيب !
جلجلت ضحكته عالية بعدها بما أطرب قلبها وهو يضمها بشدة نحو صدره قائلاً باشتياق مسها بصدقه:
_والله زمااااان !
ثم مال على بطنها يقبله ليبسط كفه عليه هامساً كأنه يحدث ابنته :
_سامعة يا يمنى؟! أول مرة تسمعيها انتِ دي ...بس زمان ماكانتش بتبطل تقولها !
فاتسعت ابتسامتها وهي تريح كفها على كفه المبسوط على بطنها شاعرة براحة غامرة في هذا الوضع ...
راحة قطعها فوران القهوة التي سالت على الموقد لتشهق بارتياع وهي تحاول النهوض هاتفة :
_القهوة فارت!
لكنه يتشبث بها ليمنعها القيام هامساً أمام شفتيها بلهفة عاشقة :
_بلاها قهوة ...خللينا في النوتيللا!
=======
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!