الفصل 53 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم سينابون

المشاهدات
10
كلمة
10,222
وقت القراءة
52 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

النصف الثاني من القطعة التاسعة والعشرين


==========


قبضته ترتفع نحو وجه زين دون مقدمات وغضبه تفضحه كل خلجاته ..


لكن زين يتفاداها بخفة ليمسك معصمه بقوة فتشهق ياقوت بانفعال ثم تندفع نحوهما بصرخة قصيرة تناشدهما التوقف ..


صرخة برّدت الكثير من جنون إسلام الذي تفحصها بنظرة سريعة منحته بعض الطمأنينة ..


ليخلص معصمه بعنف من قبضة زين مشيراً بكفه نحو الخارج مع هتافه الهادر:


_جوز التيران اللي انت حاططهم بره حراسة فيه "تلاتة" زيهم تبعي بيتعاملوا معاهم دلوقت ..هه ؟! تحب نمشيها كده استعراض عضلات ؟!


يعقد زين حاجبيه بغضب وأصوات الالتحام من الخارج تصله بوضوح ..


فيما تهتف ياقوت محاولة تهدئة الوضع:


_اهدا يا إسلام ..زين كان ..


لكن إسلام يصفق الباب خلفه بعنف ليقاطعها هادراً بعنف لم تسمعه منه من قبل :


_كان فاكر إنك زي زمان ..هيجرجرك وراه لأي مكان وهو عارف إن مالكيش حد يقف له .


تغمض ياقوت عينيها بضيق وهي تخشى عواقب هذه المواجهة ..خاصة لو وصل صداها إلى ثمر ..


فيما يكز زين على أسنانه بقوة محاولاً كظم انفعالاته ليقول بنبرته المهيمنة :


_عندي ألف رد على كلامك ده بس مش هاقوله دلوقت .


_أنا ماشفتش في حياتي بجاحة كده .


هتاف إسلام الثائر يوازي فتح ياقوت لعينيها وهي ترمقه بنظرة راجية جعلته يحاول تمالك غيظه للحظات ساد فيها الصمت ثلاثتهم ..


_هي دي بقا الشقة اللي فاكر إنك كسرت فيهت مناخير أختي ؟!


يهتف بها إسلام أخيراً وهو يدور بعينيه في المكان بنظرات مشتعلة مستهجنة ..


لكن زين يمد كفه ليحتوي يد ياقوت بقوة ثم يرفع أنفه هاتفاً بنبرة حاسمة كأنما يمزج كبرياءه هو بعزتها هي:


_دخَلِتْها وهي مراتي ..ولحد آخر لحظة في عمري مش هتبقى لغيري .


يقولها مصححاً كأنه يمنحها المكانة التي كانت وستكون لها ..ونافياً عن نفسه وعنها قبله شبهة أي امتهان .


لكن إسلام يحرر كفها منه بقوة لا تنقصه ثم يجذبها ليضم كتفيها تحت ذراعه ملوحاٌ بكفه الحر في وجه زين وبنفس النبرة المشتعلة :


_مش قرارك لوحدك ..اللي فات كوم ..واللي جاي كوم تاني ..أنا ماكنتش موجود لما اتطاولت عليها واستغليت تعب لجين عشان توصل لغرضك ..لكن دلوقت أنا هنا ..ومفيش حد هيمس شعرة من أختي إلا برضاها ..ورضايا .


يتقدم زين نحوهما خطوة ولغة جسده تفضح جنوناً على وشك الإطاحة بكل شيئ منذراً بانقلاب الوضع لكارثة ..


لكن ياقوت تنقذ الموقف وهي تتحرك لتقف بينهما فتعطي ظهرها لزين وترمق إسلام بنفس النظرة الراجية محاولة تغيير الموضوع مؤقتاً :


_انت عرفت منين إني هنا ؟!


_من الصبح بتصل بسامر موبايله مقفول وبصراحة كنت متوقع حركة غدر ومجهز رجالتي بعد اللي حكيتيهولي عن كلام الحاجة ثمر ..عديت عليكِ في المركز قالوا لي إنك لسه ماشية ..كنت لسه هتصل بيكي لقيت سامر بيكلمني وبيحكيلي اللي حصل .


كتمت ياقوت زفرتها الحانقة لتغطي وجهها بكفيها فيما هتف إسلام وهو يزيحها جانباً ليحدج زين بنظرات حارقة :


_ما فكرتش واحد زي سامر هيقول إيه وهو شايفك ساحبها وراك لحد هنا ؟!


_هيقول تخصني ..زي ما الدنيا كلها المفروض تفهم ده .


يقولها زين بصرامة حاسمة وعيناه تقدحان الشرر ليطلق إسلام صيحة مستهزئة وهو يرد بانفعال بينما يلكزه بقبضته بخفة في صدره :


_حدود علمي إن أختي حالياً حرة ..مش على ذمة حد .


_أنا طلبت إيدها من جدتها وهتوافق .


يقولها زين ببرود مشتعل وهو يرتد بظهره خطوة للخلف محاولاً كظم غضبه ليطلق إسلام صيحة هازئة أخرى ليقول بنبرة أكثر تحدياٌ :


_حدود علمي برضه إنها رفضت.


_رفضت عشان ما تعرفش اللي بيننا .


يهتف بها زين أخيراٌ بنفاد صبر ووجهه يحمر انفعالاً شاعراً بأنه يكاد يفقدها من جديد ..


لكن اليد الطولى تكون لنبرة إسلام التي تزداد بروداٌ وتحدياً :


_رفضت عشان ماتعرفش اللي بينكم ؟!! انت بجد غلبان كده ؟! فاكر الحاجة ثمر لو عرفت اللي بينكم..كله ..هتبص في وشك أصلاً؟!


_إسلام !


تهتف بها ياقوت بحزم راجٍ وهي تشعر أن زين على وشك فقد السيطرة ..


ليس غروراً هذه المرة ..إنما عجزاً وخوفاً !!


ومن مثلها يمكنه فهم شعور كهذا ؟!!


لهذا وجهت نظراتها الراجية نحو أخيها مردفة :


_ممكن نقعد ونتفاهم .


نقل إسلام نظراته المشتعلة بتحديها بينهما للحظات فاستطردت وهي تغمزه خفية :


_ممكن تتكلموا بالراحة من غير شد .


تفحصها إسلام ببصره محاولاً قراءة لغة جسدها ليستشعر أنها تخفي خيراً هذه المرة ..


وأن استجلاب زين لها هنا لم يكن تجبراً بقدر ما كان فرصة لتصحيح وضعهما الخاطئ .


لهذا ارتخت ملامحه نوعاً وهو يتقدم ليجلس بتحفز على كرسي قريب فتحرك زين بدوره ليجلس في مواجهته بنظرته الغريبة بين خوف وتحدّ ..


فيما اختارت هي الجلوس جوار إسلام الذي بادره بسؤاله :


_كلام راجل لراجل ..انت عايز إيه بالظبط ؟!


فالتمعت عينا زين بتحدّ أكبر وهو يسند مرفقيه على ركبتيه قائلاً بنبرة حاسمة :


_قلت اللي عندي للحاجة ثمر ..عايز أتجوزها .


_وأنا مش موافق .


يقولها إسلام ببرود وهو يتحرك ليجلس نفس جلسته هو فيزداد احمرار وجه زين مع تحفز ملامحه وهو ينظر لياقوت نظرة خاصة لكن إسلام بادره بهتافه الثائر:


_بتبص لها هي ليه ؟! هتتجوزك من غير رضايا مثلاً ؟!


هنا انتقلت نظرات ياقوت الراجية لزين تحاول تلجيم هذا الجنون الذي ينضح من كل خلية من جسده ..


فأغمض الأخير عينيه بقوة محاولاً السيطرة على انفعاله بشق الأنفس ليقول أخيراً ببرود مشتعل:


_وانت مش موافق ليه ؟!


_مش مستأمنك على أختي بتاريخك المشرف .


يقولها إسلام وهو يقلب شفتيه يرد له لهجته الباردة بمثلها فتسقط حروفه كالسوط على صدر زين !


كل حرف يبذر مكانه ألف غرس من وجع لايزال صداه طازجاً في وجدانه ..


فيما تكتم ياقوت شهقة انفعالها وهي تدرك أثر هذه الكلمات عليه بعدما اختبرته منه لتوها قبل مجيئ إسلام ..


اسلام الذي وقف أخيراً ليرمقه من علوّ بنظرة متحدية ..


لكن زين كذلك لم يكن بالخصم السهل وهو يتجاوز جرحه الخاص ليرد بنبرة باردة ولازال محافظاٌ على جلسته الثابتة :


_معلوماتي إن تاريخك برضه ما يقلش "شرف" عني !


اتسعت عينا ياقوت بصدمة وهي تدرك أن زين كعهده لن يترك ثغرة تخصها أو تخص أحداً لها إلا وعرفها ..


تنقل بصرها بينهما بحذر وهي تشعر بالتوتر يضخ الأدرينالين في عروقها ضخاً ..


هذا الاثنان من منهما الأخطر؟!


من منهما الأذكى؟!


من منهما الذي سيقصف جبهة صاحبه بأسرع من صاحبه ؟!


النتيجة متعادلة كثيراً كما يبدو ..


خاصة وإسلام يفرك كفيه ببرود ليميل رأسه وكأنما جهز الرد مسبقاً بسرعة بديهة لا تنقصه :


_بالظبط !..بس أنا رجعت عن الطريق ده وتبت ..ولحد ما أثق فيك زي ما أنا واثق في نفسي كده ماعنديش إخوات للجواز .


يكز زين على أسنانه بحركة بدت واضحة رغم فمه المغلق وعيناه تجابهانهما بنظرة حادة ..


ليستطرد إسلام بنفس النبرة الباردة :


_كده انت قلت اللي عندك ..وأنا قلت اللي عندي ..خالصين !


فوقفت ياقوت مكانها وهي تشعر بالتشتت بينهما لترمق زين بالمزيد من نظراتها الراجية التي تسقط برداً وسلاماً على نيران غضبه ..


قمراها "الحُرّان" يناجيانه ألا يسمح لظلمة أن تسرقهما ..ولا لغيْم أن يخفيهما ..


فيجيبها صامتاً أن : لبيكِ!


يبتلع غصة حلقه وهو يقف مكانه أخيراً ليتقدم خطوة نحو إسلام قائلاً بحسم:


_إيه الضمانات اللي عايزها ؟!


لم يكن من اليسير على رجل مثله اعتاد سطوة نفوذه أن يقف موقفاً كهذا وهو يتلقى الرفض كصفعة إهانة ..


بل ويرد بكل هذا البرود ..


لكنها وحدها تستحق أن يفعلها من أجلها !


هي فقط من يستبيح لأجلها أي قربان !!


هذا الذي كانت هي نفسها توقن به وهي ترمقه بنظرة عشق غامرة مدركة أية -خطوط حمراء- لكبريائه يتجاوزها الآن لأجلها ..


نفس الذي وصل لإسلام وهو يرمقه بنظرة متفحصة طويلة صامتاً لدقيقة كاملة ..


قبل أن يرد ببطء:


_اديني وقت أقتنع بيك ..وبعدها اتقدم تاني للحاجة ثمر .


_وقت إيه ؟! هو لسه هيتقدم وانت تقتنع ؟! انجز يا ابني ..أنا سميت ولادنا خلاص .


تهتف بها "العفريتة العابثة"داخلها باستنكار متنمر عجول بزغ فوق ملامح ياقوت بوضوح لكنها ضغطت شفتيها بقوة صاغرة لرغبة أخيها ..


فيما ضيق زين عينيه ليسأله بنبرة فائرة:


_وقت أد إيه يعني ؟!


_لحد ما أقتنع ..أسبوع اتنين ..شهر اتنين ..سنة اتنين ..انت وشطارتك .


يقولها إسلام بنبرته التي مزجت التحدي بالتسلية ليقبض زين كفيه بقوة جواره ..


لكنه فاجأه بقوله :


_موافق .


اتسعت عينا ياقوت بذهول من ردة فعله هذه فيما ارتفع حاجبا إسلام بمزيج من دهشة وإعجاب وكأنما راقه رده ..


لكنه تقدم نحوه خطوة ممعناً في استفزازه :


_ولحد ما أقوللك إني موافق ممنوع عليك تكلمها أو تشوفها ..ولو ده حصل هاعرف ..وساعتها كل كلامنا ده تبله وتشرب مَيته ..من سكات كده ساعتها تعتبر عرضك مرفوض .


فنقل زين بصره بينهما للحظات لتتركز نظراته على عيني ياقوت كأنما يخبرها صامتاً أنه يفعلها فقط لأجلها ..


قبل أن يومئ برأسه إيماءة موافقة خافتة ..


التفتت ياقوت نحو إسلام بنظرة شبه ساخطة تلقاها متجاهلاً بابتسامة كتمها وهو يجذبها من كفها الذي ضغطه براحته بقوة رفيقة ليتحرك بها مغادراً الشقة ..


ولم يكد يفتح الباب حتى سمع صوت زين الصارم خلفه :


_ولحد ما الموافقة توصلني -وهتوصلني ! - مش هاسمح لراجل غيري يقرب منها ..ساعتها مش هابقى مسئول عن رد فعلي !


فالتفت إسلام نحوه بنظرة مستهجنة ساخرة قبل أن يتحرك بياقوت التي كانت ابتسامة امتنانها آخر ما رآه زين قبل أن يصفق إسلام الباب خلفه ليغادرا ..


هنا أطلق زين زفرة ساخطة وهو يرفع وجهه للأعلى بحنق ..


لم يكن ينقصه سوى هذا المستفز كي يقف في وجه طريقه إليها ..


كأنما تنقصه العقبات!!


لكن ..لا بأس !!


هو الآخر يحتاج المزيد من الوقت كي يحصد ثمار توبته ..


كي يشعر أنه جدير بها حقاً !!


أفكاره تنقطع وهو يلمح نظارتها التي نسيتها هناك ..


فتنقلب ملامحه كلها في لحظات ..


عبوسه يستحيل لابتسامة صافية بصفاء عينيها هي ..


يتحرك نحوها بخطوات مندفعة ليتناولها بين أنامله ..


يحركها ببطء وهو يرفعها أمام عينيه يتخيل عينيها الحبيبتان تناجيانه خلفها بهذه الصورة التي تزلزل كيانه ..


فيغمض عينيه بتنهيدة قوية يزفر معها كل خوفه ..


هي له وهو لها مهما طال الطريق!


صوت رنين هاتفه يقاطع أفكاره فيطوي ذراعي النظارة ليقبلها قبلة سريعة امتزجت بابتسامة عاشقة قبل أن يضعها في جيبه بخفة ..


ثم يتحرك نحو هاتفه فيفتح الاتصال لينعقد حاجباه بشدة مع الخبر الصادم الذي تلقاه لتوه من رائد عن وفاة أمه !


======


_مش عايزة أتكلم دلوقت يا إسلام ..سيبني خمس دقايق كده أفوق .


تقولها ياقوت وهي تستقل سيارته جواره لتعود بظهرها للوراء مسندة رأسها للخلف ومردفة بهيام هامس:


_مبسوطة ..مبسوطة ..مبسوطة ..


همساتها تمتزج بابتسامتها مغمضة العينين فيتفحصها بنظرة جانبية ليقول بتهكم :


_هو شكله ظبطلك "الفولت" قبل ما آجي ..افرحي افرحي وأنا اللي كنت جاي دمي محروق وشوية شوية هاصرخ التار واللا العار..


ثم مد أنامله يشد أذنها من فوق وشاحها مردفاً :


_حسابك معايا بعدين ..إزاي توافقي تيجي معاه هنا ؟! هي دي دروسي ليكِ؟!


_آه! ...آه ! انتو كلكم مستلمين وداني ليه النهارده ؟!


تهتف بها بتوجع وهي تبعد وجهها عنه ليهتف باستنكار وقد فهم ما تعنيه :


_كلنا؟! ليه هو كان جايبك هنا يشد ودانك ؟!


جلجلت ضحكتها عالية بصفاء لم يره منها من قبل فابتسم برضا ليسألها أخيراً بجدية وهو يتفحص ملامحها بنفس الاهتمام :


_طيب ..بما إني أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك إني راجل متفتح و"سبور" فعايز أعرف بالظبط قاللك إيه قبل ما آجي .


تنهدت بحرارة هائمة لم تخجل من الشعور بها أمامه وهي تروي له ما استطاعت عن حديثها مع زين ..


جنون غيرته ..تملكه ..اعتذاره غير المنطوق ..


اعتراف حبه الذي ليس يشبهه حب ..


لتختم حديثها بقولها الذي تهدجت حروفه انفعالاً :


_ما كنتش مصدقة رد فعله معاك ..كإني قدام زين تاني ..كنت حاسة إنه بيحارب طبعه عشان خاطري ..كبيرة عندي قوي إنه يمسك نفسه عشاني .


_بس يا ماما ..بس ..هو كان يقدر يفتح بقه والغلط راكبه من ساسه لراسه ؟! قسماً بالله أنا لولا اطمنت عليكِ من نظرة عينك لا كان هيبقى فيها دم الليلة دي!


سخريته المعهودة تمتزج بحمية حقيقية تجعلها تتحرك لتربت على كتفه قائلة بتأثر:


_انتو الاتنين مسكتم نفسكم عشاني ..ما تتصورش إحساسي دلوقت إزاي ..طول العمر ده عايشة بعافر لوحدي ..مستنية الراجل اللي يرفع راسي وراس ستي ثمر قدام الدنيا كلها ..وربنا سبحانه وتعالى عوضني باتنين ..انت وهو !


يبتسم بتأثر مماثل وهو يجذبها ليعانقها بحنان قائلاً بحسم لم تغادره مشاكسته المعهودة :


_بصرف النظر عن إن ذوقك في الرجالة شبه ذوقك في الهدوم و الاتنين عايزين الحرق ..بس اللي قلتيه ده بالظبط هو اللي خلاني أتصرف معاه بالصورة دي ..لازم علاقتكم دلوقت تختلف عن بدايتها ..لازم يتعب وهو بيرفع إيده عايز يوصللك .


لكنها هزت رأسها الذي رفعته نحوه لتقول بيقين:


_صدقني هو حاسس بكده دلوقت ..شفتها في عينيه وأنا أكتر واحدة ممكن تميزها .


_برضه لازم أدوخه شوية .


يقولها بعناد وهو يبعدها ليشغل السيارة تمهيداً للانطلاق بها فتتمتم بخفوت ساخط:


_انت بتعاقبه واللا بتعاقبني أنا؟!


_بتبرطمي بتقولي إيه ؟! عللي صوتك كده .


يهتف بها محذراً بمشاكسة لتمط شفتيها باستياء فيضحك ضحكة عالية ناسبت قوله :


_مش بقوللك واقعة واقعة يعني ؟! أفصلك دلوقت ؟! هافصلك ..


يقولها محذراً ليردف بنبرة خطيرة مصطنعة :


_أنا لو منك أفكر دلوقت في ستك ثمر ..هتقولي لها إيه ؟! البيه عامل فيها رامبو وخطفك انت وسامر اللي طفش م الجوازة!


اتسعت عيناها بصدمة وهي تلتفت نحوه مدركة الورطة التي وقعت فيها ليعاود الضحك عالياً بالمزيد من الشماتة المصطنعة لكنها تمتمت بضيق حقيقي:


_ستي ثمر لو عرفت اللي بيننا هتروح فيها ..ده ما يخصنيش لوحدي ده يخص تعب لجين كمان ..


_خلاص ..مش بيقولوا (إن في المعاريض لمندوحةٌ عن الكذب)!


يقولها ضاغطاً حروفه فتبتسم لهذه المقولة القديمة التي تعني استخدام التورية لتجنب الخط الفاصل بين الحقيقة والكذب ..


_مش لايق عليك الكلام الكبير ده! ..بس معاك حق ..نمشيها مندوحة !


تهتف بها ضاحكة من جديد فيشاركها الضحك مكرراً:


_نمشيها مندوحة!


يقولها وهو ينطلق بالسيارة بسرعة أكبر تاركاً إياها غارقة في بحر أفكارها ..


وفرحتها !


تشعر أن الأيام الصادمة لن تحمل لها قلب عاشقها فحسب بل وفخر العمر كله !


=======


يراقب زين ملامحه التي تدثرت كعهده ب"قناعه المعدني" طوال مراسم الدفن بمزيج من إشفاق وحذر ..


يعلم أن رائد لم ولن يفصح عن عواطفه إلا مع شخص واحد ..


همسة!!


لكنها الآن آخر من يمكن أن يلجأ إليها ..


ليس وهو يشعر أنها شريكته في سوء المصير الذي آلت إليه أمه !


ليس وهو يخشى على وهنها المعهود أن تنتكس من فرط شعورها بالذنب!


ليس وهو يحس أن مجرد بوحه بمشاعره راحة لا يستحقها !


لهذا توجه نحوه وقد وقف أمام القبر الذي أغلق لتوه ليشد على كتفه بقوة ..فيلتفت رائد نحوه بملامحه الجامدة إلا من عينين دامعتين ..


ورجاء صامت !


هذا الذي تفهمه زين وهو يومئ له برأسه قبل أن يتحرك ليصرف الوفد المتجمع حول القبر بكلمات مقتضبة حازمة ويرحل معهم تاركاً له حرية التعبير عن مشاعره وحده ..


ولم يكد يفعل حتى جثا رائد على ركبتيه أمام القبر دافناً وجهه بين كفيه ..


وسامحاً لدموعه بالتحرر!!


لا يكاد يصدق أنها فعلتها!!


بل هو من فعلها!!


كان يعلم أن الماضي لا يزال يحكم قبضته حول عنقها لكنه لم يهتم ..


كل ما فكر فيه هو سعادته !


حقه باقتناص حلم العمر!!


قتلتها حسرة أمسها وطمعه هو في غده !!


يومان كاملان مرّا عليها وهي ميتة في بيتها لا يشعر بها أحد !!


يومان قضاهما هو متنعماً بين ذراعي عروسه !!


فأي جحود !!


الشعور المبدئي بالذنب يغلب الآن أي شعور آخر !


يرفع وجهه أخيراً ليمسحه ثم يتوجه ببصره نحو القبر بنظرات مذهولة ..


يتذكرها في آخر لقاء له بها صبيحة يوم زفافه يرجوها أن ترضى ..


يتذكر وعيدها له أن تفسد عليه ليلته ..


وصدقت!!


لم تفسد عليه ليلته فحسب بل وما بقي من عمره !!


وكيف لا ؟! وقد وصمت تاريخ زفافه برحيلها بهذه الطريقة الموجعة ؟!!


كيف ينسى ؟!


كيف ينسى؟!!


يعود إليه زين أخيراً ليرمقه بنفس النظرات الحائرة بين إشفاق وحذر ..


يعلم أن مصابه عظيم خاصة لشخصية عاطفية مثل رائد تكتم انفعالاتها خلف قناع جامد ..


لكنه -بقلب الأخ- يشفق على همسة أكثر !


همسة التي انهارت تماماً منذ سمعت الخبر وهي تحمل نفسها الذنب!!


هو نفسه يشعر بالأسى لانتهاء حياة المرأة بهذه الطريقة ..


لكنه لا يملك أن يلعن حقدها وسواد روحها الذي لازمها لآخر رحلتها !!


يربت على كتف رائد برفق فيرفع الأخير عينيه إليه بنظرة ذبيحة قبل أن ينهض واقفاً على قدميه ليقول بنبرة جامدة :


_ياللا عشان العزا .


يحاول زين اختراق حصونه طوال الساعات التالية لكنه يعلم أن لا فائدة ..


وأن الجمود الذي يزداد تراكُم ثلوجه فوق ملامحه سيبقى رفيقه لشهور إن لم يكن لسنوات ..


ويشفق عليه من انهياره الذي يوقن أنه لن يسمح لنفسه به إلا وهو وحده ..


يراه وهو يصافح الوجوه المتنوعة في سرادق العزاء -الذي أقامه في حديقة بيته- بوجه بارد ..


وجوهاً تباينت واختلفت إنما جمعها شيئ واحد ..


مزيج العتاب والازدراء!


_اتجوزت يا عريس؟! فرحت بعروستك وخليتها هي تموت بحسرتها !


يهتف بها خاله- الذي وصل لتوه - بحنق عاتب ليحتقن وجه رائد فيما يستطرد الرجل وهو يندفع نحوه مهاجماً :


_ياريت تبقى مبسوط دلوقت ..أهي مشيت وريحتك وريحت الكل !


_مالوش لازمة الكلام ده دلوقت .


يهتف بها زين بصرامة في وجه الرجل الذي ضرب كفيه ببعضهما هاتفاً بحدة :


_علامات آخر الزمان ..قتلها وواقف ياخد عزاها !


_اتفضل معايا لو سمحت .


يقولها زين بنفس الصرامة التي لا تخلو من تهذيب وهو يلاحظ الهمزات الجانبية التي انبعثت من الحضور ..قبل أن يجذب الرجل برفق من ذراعه لينتحي به جانباً محاولاً امتصاص الحقد النابض في كلماته ..


فيما بقي رائد واقفاً مكانه بجمود كأنه لا يرى ولا يشعر بكل ما يحدث ..


وداخل بيت رائد حيث خصص العزاء للنساء لم يكن حال همسة أفضل كثيراً ..


غمزات النساء حولها مع نظراتهن السوداء تكاد تحرقها حرقاً ..


_ماتت بحسرتها لما اتجوز المجنونة !


تسمعها من مكان ما فلا يمكنها تمييز القائلة ..


بل لا يمكنها رفع رأسها !


أَسوَد ..أسود ..أسود ..!


كل ما حولها تلون بالسواد هكذا فجأة وهي التي لم تكد تنهل فرحة بياض أيامها بعد !


_مش هيفرح ..ذنب مامته هيفضل في رقبته طول عمره !


تهتف بها إحدى قريبات سوزان بنشيج باكٍ حانق وهي ترمق همسة بنظرة نارية ..


لترفع إليها الأخيرة وجهاً يمزج الخوف بالذنب بالحزن ..وما أقساه من مزيج !


لكن هذا لم يشفع لدى المرأة التي هتفت بها بحقد وسط دموعها :


_يارب تخلفي ولد ويسيبك تموتي لوحدك زيها عشان تحسي بعملتك ..منك لله !


هنا تندفع بعض النسوة يهدئن المرأة المنفعلة لكن صوت زين هدر فجأة وسطهن وقد وقف عند الباب :


_ولا كلمة زيادة ..


ترفع إليه همسة عينين مستغيثتين غارقتين بدموعها وهي تشعر بالغربة وسط جمع يكاد يحرقها بنظراته ..


في "بيت الأحلام" الذي ظنت أن لن ترى فيه حزناً أبداً!


ودون وعي تنتفض واقفة لتهرع إليه فيضمها إليه بحنان يناقض الصرامة التي توهجت في نظراته قبل كلماته :


_أنا مقدر المفاجأة والمصيبة والظروف ..بس البيت ده بيت رائد ..ودي مراته ..همسة الفايد ..اللي ما يحترمش البيت وأصحابه يتفضل من غير مطرود !


صمتٌ مطبق يسود المكان بعد عبارته والرؤوس تطرق بمزيج من حزن ورهبة ..


ليسحب هو همسة نحو الخارج ..


وبالتحديد نحو "كوخها الملون" الذي أغلق بابه خلفهما لتنخرط هي في البكاء هاتفة ورأسها على كتفه :


_الحمد لله إنك جيت ..أنا حاسة إني في كابوس ..فين رائد ؟! مش عارفة أكلمه من ساعة اللي حصل ..خلليه ييجي خمس دقايق بس ..عشان خاطري .


لكنه يربت على ظهرها ليرد بحنان مشفق:


_سيبي رائد دلوقت .


_أسيبه ؟!


تهمس بها بارتياع وهي ترفع إليه عينيها ليهز رأسه هاتفاً بتعقل:


_تعالي عندي اليومين دول لحد ما الضغط اللي حواليكم يخف شوية .


لكنها لم تكن تعي شيئاً مما يقول لتتمتم بما بدا كالهذيان وهي تهز رأسها كالمغيبة :


_أسيبه ؟! أسيبه ؟!


هنا رفع زين ذقنها ليثبت عينيها في عينيه قائلاً بحزم رفيق:


_مؤقتاً يا همسة ..كام يوم بس لحد ما الانفعالات كلها تهدا .


_هو قاللك كده ؟!


تهمس بها برعب ليزفر هو بقوة هاتفاً:


_انتِ عارفة رائد في الظروف دي ما بيتكلمش ..بس أنا خايف عليكِ .


_وأنا خايفة عليه ..


تهمس بها بحرارة وهي تبتعد مردفة :


_هاسيبه لمين ؟! وإزاي؟! وأنا حاسة إني أنا السبب؟! هي قالتلي إنها هتفرق بيننا ..وهو قاللي ما أصدقهاش ..معقول؟! معقول المفروض أصدقها ؟! هاسيبه ؟! هيسيبني؟! بعد كل ده ؟!


همساتها تنقطع بفيض دموعها فيعاود زين ضمها وهو يشعر بخوف حقيقي ..


لو كان الأمر يخص دعمه هو لمنحها كل ما يملك ..


لكنه لا يعرف كيف سيتصرف رائد في هذا الموقف ..


همسة لا تزال حديثة العهد بتعافيها ويخشى أن تردها كلمة واحدة ل"نداهة عالمها" القديمة المتجبرة ..


لهذا لا يملك إلا أن يبعد كلاهما عن الآخر ريثما يستعيدا بعض صفائهما !!


_ما تخافيش من أي حاجة ..موقف صعب بس أنا واثق فيكِ إنك هتعديه !


يقولها محاولاً بث قوته إليها لترفع إليه عينين شاردتين للحظات ..


قبل أن تتمتم بمزيج غريب بين حسم ووهن :


_معاه! ..هاعديه معاه !..زي ما اتعودنا العمر كله !


=====


_رائد ..افتح.


تهتف بها همسة بصوت باكٍ أمام الغرفة التي انعزل فيها وحده عقب انتهاء مراسم العزاء مغلقاً بابها خلفه بالمفتاح لكن الصمت القصير يكون جوابه فتعاود طرق الباب بقوة أكبر مردفة :


_عشان خاطري ..عشان خاطري افتح ..


المزيد من الصمت بعدها ثم يفتح هو الباب مطرقاً برأسه هارباً من لقاء عينيها ..قبل أن يعطيها ظهره وهو يشعر أن كل خلية بداخله تئن ألماً ..


لا يريد الكلام ..لا يريد النظر ..لا يريد السمع ..بل ولا يريد الإحساس !


يتمنى في هذه اللحظة لو تملك روحه نفس القناع المعدني الذي يجيد وجهه تصنعه !


تتحرك لتقترب منه هاتفة بوجل بين فيض دموعها :


_انت زعلان مني ؟!


يغمض عينيه بالمزيد من الألم والكلمات كلها تموت على شفتيه ..


فتردف بحرارة وجسدها كله ينتفض بحدة بكائها:


_والله العظيم لو كنت أعرف إن ده هيحصل كنت رضيت أتحرم منك العمر كله .


يبتلع غصة حلقه بصعوبة وهو يبتعد عنها أكثر ..


لأول مرة في عمر هواهما يشعر أنه عاجز عن الاقتراب منها ..


هو الذي لم يعدم حيلة لفعلها عندما كانت لا تستطيع رؤيته ..بل ولا سماعه ..


والآن ..تكون هكذا ملء عينيه ..لكن بينهما ألف حاجز!


لا يلومها ..وربما لا يلوم نفسه ..


لكنه لا يجسر على الاقتراب !


_زين عايزني أروح أقعد معاه اليومين دول لحد انت ما تهدا ..


تغمغم بها بلوعة وهي تشعر بظهره المواجه لها أقسى من كل الجدران المغلقة التي عاشت تهابها !


تتمنى لو يرفض ..لو يصدر ولو همهمة اعتراض ..


لكنه بدا جامداً مكانه كأنه هو الآخر يرى هذا الأفضل ..


لها !


هو عاجز عن احتواء وجعه فماذا عن وجعها هي ؟!


كفه الآن خاوية ..فلتبتعد حتى يسترد بعض قوته كي يمكنه منحها دعمه من جديد !


صمته يطول لدقيقة كاملة مرت عليها ثوانيها كدهر فعادت تهمس برهبة غمرها العتاب:


_أروح ؟!


ظلت تكررها مرة بعد مرة كأنما ترجوه في كل مرة أن يمنعها ولو بإشارة ..


لكن تهدل كتفيه مع إطراقة رأسه منحها الخيار الأقسى الذي جعلها تمد أناملها نحو كتفه لتهتف بحرقة بين دموعها :


_خلاص؟!.. ما عدتش عايزني ؟! ..


ثم ينخفض صوتها أكثر حد الهمس:


_كرهتني؟!


لم تكد تنتهي منها حتى فوجئت به يلتفت نحوها ليجذبها بين ذراعيه بقوة آلمتها كأنه لم يحتمل منها هذا السؤال بالذات ..


رأسه مدفونٌ بين حنايا عنقها وأنفاسه اللاهبة تصلها مشبعة بوجعه ..


كل قناعات قوته تنهار فجأة وهي تسمع صوت بكائه كطفل صغير ضالّ وجد فيها أمانه ..


لم تره يوماً على هذا الحال منذ كانا صغاراً ..


وبالتحديد منذ وفاة والده ..


ليلتها هرب من الجميع ليبكي أمامها هي !!


_أنا آسفة ..حقك عليا ..قل لي أعمل إيه عشانك ..قل لي إيه يرضيك ووالله هاعمله من غير ما أفكر .


تهمس بها بمزيج براءتها وعشقها المذهل فتزداد حدة بكائه وهو يعتصرها أكثر بين ذراعيها مع همسه المتقطع بارتجافه :


_ده بالظبط الكلام اللي طول عمري نفسي أسمعه منها هي ..طول عمري كان نفسي أحس إنها فاهماني ..إني مهم عندها ..إني بره حساباتها القديمة ..كان نفسي ولو مرة واحدة أحس إنها عايزاني مبسوط ..راضي ..إنها حاسة بيا ..فرحتي فرحتها ووجعي وجعها ..لكن دي موتت نفسها يوم فرحي! ..يوم فرحي! ..كأنها لآخر لحظة بتحسسني إن سعادتي مش فارقة معاها ..


تتأوه بحرارة وهي تشعر أن الحمل هذه المرة أكبر منها بل وأكبر منه!


لا تعرف ما الذي يجب عليها فعله ..ولا إن كان حقاً يمكنها فعله ..


لكنها تركت غريزتها تقودها وإن خرجت كلماتها متلعثمة ..بسيطة ..فوضوية ..حارة.. حنون.. قوية.. و صادقة :


_أنا فاهماك ..أنا حاسة بيك ..أنت أهم حد عندي ..انت دنيتي كلها ..


تقولها وتعيدها دون ملل بينما تربت على ظهره حتى هدأت حدة بكائه مع استطراده بألم :


_ليه عملِت كده ؟! مش قادر أتخيل إزاي هانت عليها نفسها ؟! ماتت لوحدها ؟! لوحدها ..يومين بحالهم لوحدها وأنا ما أعرفش ..صورتها مش عايزة تسيبني ..بعاتبها وبتعاتبني ومش قادر أحكم مين فينا اللي ظلم التاني !


يتأوه أخيراً بخفوت فتكتم دموعها وهي تشعر بقسوة معاناته ..


جسده يترنح بها للحظة فتتشبث به مدركة مدى إعيائه لتهتف به برجاء:


_عشان خاطري تعال نام ..انت واقف على رجلك م الصبح .


_أنام؟!


يهمس بها بنبرة غريبة بين استنكار ورجاء فتتحرك به بينما تجذبه برفق نحو الفراش المجاور قائلة :


_حتى لو ما نمتش ..استريح بس ..


ينهار مستلقياً على ظهره على الفراش وكأنما لم يشعر بتعب جسده إلا في هذه اللحظة فقط !


فتستلقي جواره لتضمه إليها بصمت مكتفية بالتربيت على ظهره ..


يشعر بجفنيه يتثاقلان فيغمض عينيه ليهمس لها بعد صمت قصير:


_روحي عند زين اليومين دول .


يقولها وتشبث ذراعيه الراجي بها يناقض قوله فتتفهم أسبابه لكنها تقبل وجنته بقوة لتربت على رأسه هامسة :


_مش بعد ما قربنا هنبعد تاني ..مش بعد كل اللي عشناه سوا ..أنا هافضل معاك زي ما انت فضلت معايا طول العمر ده ..أنا واثقة إن حضنك أأمن مكان ليا زي ما حضني أريح مكان ليك ..مش ..


همساتها تنقطع وهي تشعر بانتظام أنفاسه وتراخي ذراعيه حولها ..


كأنما منحته كلماتها ما كفاه من طمأنينة لينام كما كان يرجو ..


تتنهد أخيراٌ ببعض الارتياح الذي تخلل شعورها العظيم بالذنب وهي تداعب خصلات شعره برفق متمهل لدقائق طالت حتى اطمأنت لاستغراقه التام في النوم ..


هنا منحته قبلة ناعمة على جبينه قبل أن تغادر مكانها لتخرج من الغرفة نحو الحديقة الخارجية كي تتمكن من إجراء هذا الاتصال الذي تحتاجه الآن بضراوة ..


ياقوت!


========


_هيثم !


تهتف بها جيلان بفرحة وهي تجده يدخل عليها البيت الذي فتح بابه بنفسه هذه المرة ليتقدم نحوها ..


تنتفض مكانها لتهرع إليه فيعانقها بقوة لتنساب دموعها غزيرة دون تحكم :


_طولت الغيبة المرة دي قوي يا حبيبي .


فيتحشرج صوته وهو يجد لدموعها نفس الصدى في قلبه :


_خلاص يا ماما ..أنا ..رجعت .


يقول كلمته الأخيرة بنبرة ذات مغزى فترفع وجهها إليه بفرحة عارمة لتنساب أناملها فوق وجنتيه كأنما تريد التيقن من صحة ما تشعر به :


_انت افتكرت؟! رجعت لك الذاكرة ؟!


يتردد للحظة واحدة فقط كأنما يشعر أنه بمجرد البوح بهذا فهو يقطع عنق حبه ويلقي به خلفه ..


لكنه فعلها!


يومئ برأسه إيجاباً فتنطلق ضحكاتها حارة مشعة وهي تعاود ضمه نحو صدرها هاتفة بحروف متلعثمة :


_الحمد لله ..الحمد لله ..كنت خايفة قوي ما ترجعليش ..كنت خايفة أموت لوحدي زي سوزان ..وأخسركم زي ما خسرت كل حاجة في حياتي ..


تقولها وهي تستشعر قسوة ذاك الشعور الذي عضف بها منذ علمت عن وفاة صديقتها المقربة وحدها في بيتها ..


يقولون أنها انتحرت بعدما فقدت أملها في ابنها لكنها تحفظ سوزان جيداً ..


لن تفعلها وهي في عقلها !


لكن ..ربما فقدت عقلها حقاً!


أفقدتها إياه الوحدة ..الخسارة ..الخذلان ..


ومن مثلها يمكنه الشعور بمزيج الأحاسيس اللاذع هذا عندما تجتمع معاً؟!!


_ما تعيطيش يا ماما ..أنا آسف ..أوعدك مش هابعد عنك بعد النهارده .


صوته كان متحشرجاً ..خافتاً ..بالغ الإنهاك كأنما استنزفته الساعات الماضية التي قضاها يجوب الشوارع سيراً على قدميه ..


لا يكاد يفعل شيئاً سوى النظر لموضع خطواته !!


كأنه يكاد يستصرخها أن تدله على الطريق !!


ألا يزال يجهل الطريق حقاً؟!


ألا يزال هناك متسع للحيرة ..للتردد ؟!!


لقد كان يمني نفسه بالعيش مع قلبه في جنة وهمه الخاصة ..


تماماً مثلها هي ..


ولم يعلم كلاهما أن جحيم الواقع هو منهما أقرب ..وأولى!!


كيف يصف شعوره في تلك اللحظة وهو يرى في ذاك الرجل المعتدي عليها صورة أبيه ؟!


كيف يتجاهل ذاك الهاجس الذي عصف به وقتها أنها من شجعته ؟!


أنها استدرجته كما فعلت مع حسين ..


وربما لها هذه المرة "دافع" أيضاٌ!!


السخرية السوداء تظلل الخاطر الأخير له فتلتوي شفتاه بابتسامة بمذاق الدموع ..


ضميره يجلده ..


يذكره أنه تركها وحدها هناك تتلقى لعنات الناس واتهاماتهم الباطلة ..


قلبه يلعنه ..


يستصرخه أنه مزّق كل أستار العشق التي نسجها لها طوال تلك الليالي كي يستر خلفها عورات خطيئتها ..


وحده عقله يناصره ..


يخبره أنهما فشلا في أول اختبار حقيقي وأنها أبداً لن تتخلص من وزر أبيه في عينيه ..


يؤازره وهو يدور به في فلك الحقيقة ..


هو ليس لها ..كما هي ليست له !!


_انت بتعيط يا حبيبي؟!


تهتف بها جيلان بجزع وهي تراقب خيط دموع سقط على جانب عينه ..


ليرتجف جسده وهو يخفي وجهه في تجويف عنقها كأنما يستر ضعفه في حنايا هذا العناق ..


عيناه تتعلقان بباب غرفة مكتب أبيه المغلق فيختض جسده وهو يتخيله سيخرج الآن منه كما اعتاد يشاكسه بمزاحه ويحكي له عن آخر مشاريعه "الخيرية"!!


وهم..


وهم ..


لماذا يستنكرون عليه رغبته في عيش غده في وهم ..


ألم يكن الأمس كله وهماً ؟!


_أنا عارفة انت حاسس بإيه ..طعم الغدر وحش قوي ..لدرجة إنك بتتمنى لو كنت فضلت تعيش مخدوع عمرك كله ..أرحم من إنك تعرف الحقيقة ..


تقولها بصوت ذبيح وهي تضم رأسه بقوة كأنها تمزج عنفوان ضعفه بضعفها ..


بل وتخلط هشاشة قوتها بقوته ..


كلاهما في هذه اللحظة كان توأم صاحبه في الجرح ..


_أخوك ما حسش بينا لأنه فهم من بدري ..فهم إننا عايشين جوه كدبة ..لكن أنا وانت بس اللي خدنا الضربة فجأة فوقعنا على ضهرنا ..


تقولها بمزيج القوة الواهن العجيب هذا لترفع وجهه إليها أخيراً فتهتف بنبرة أعلى وسط نشيج دموعها :


_بس أنا ماربيتكش على الضعف ده ..انت ابني أنا ..ابن جيلان ..


_وابن حسين!


يتمتم بها بمزيج من خزي وألم لكنها تهز وجهه هاتفة بالمزيد من الانفعال كأنها قطة شرسة تدافع عن صغيرها :


_ارمي الماضي ورا ضهرك ..كله ..سافر وسيب البلد دي لو هتفكرك بذنب باباك ..العمر كله لسه قدامك ..وأنا ..أنا معاك .


يهز رأسه بعجز مغمضاً عينيه مع آهة عميقة مشبعة بكل هذا الوجع الذي يصرخ بداخله ..


ليرتجف صوتها من جديد وهي تسأله بنبرة ذات مغزى:


_انت ..هتكمل مع..معاها ..حتى بعد ما الذاكرة رجعتلك ؟!


سؤالها لم يحمل استنكاراٌ بقدر ما حمل خوفها ..لوعتها ..ورجاءها !!


فيفتح عينيه وهو يفهم من تعني ليروعه مزيج مشاعرها المتلاطم على صفحة وجهها ونبرتها القوية ترتعد مع شرود عينيها:


_أنا ما شفتش حسين وهو بيخونني ..بس شفت بناته ..وشفتها هي ..عشان كده غصب عني ..غصب عني مش هاقبلهم ..هم صورة خيانته اللي عاشت حتى لو هو مات ..يمكن إخواتك يكونوا ضحايا ..ويمكن هي كمان تكون معاها حق زي ما بيقولوا وكانت عايزة تنتقم لقريبتها ..بس مش بإيدي ..مش بإيدي ..


انهارت باكية في عبارتها الأخيرة مزيحة قناع قوتها الذي كانت تتوارى خلفه ليضمها إليه بقوة وهو يكتم آهة ملتاعة كادت تغادر حلقه ..


لا يلومها ..لا يلومها وهو يستشعر نفس الإعصار الذي يكتسحه بقوته ..


نفس النار تكويهما معاٌ ..


نار تبدأ وتشتعل وتتوهج بعينين لم يعشق مثلهما في حياته.. ..


ولا ينبغي له إلا أن يكرههما كما لم يفعل في حياته !!


_اطمني يا ماما ..الموضوع ده انتهى!


يقولها بحسم يمتزج بلوعته مدركاً أنه لم يبق أمامه الخيار فتتنهد بارتياح لتقبل وجنتيه ثم تمسح وجهه هاتفة بفرح :


_احنا خلاص لقينا مشتري للبيت ..هنجيب واحد تاني نبدأ بيه حياة تانية ..ما تشيلش هم حاجة ..فاكر لما كنت صغير وكنت تيجي تشتكيلي من حاجة مضايقاك ..كنت بقوللك إيه ؟!


ابتسامة مريرة تداعب شفتيه وهو يتذكر ما تحكي عنه ليجيبها بشرود :


_بكرة هيبقى أحلى.


فتمتزج ضحكتها الانفعالية بدموعها وهي تتيقن من استعادته لذاكرته فتعاود ضمه بقوة هاتفة :


_حمدالله على سلامتك يا حبيبي ..


ثم تبعده عنها هاتفة :


_هاخلليهم يحضروا لنا الأكل ..حتى لو مش جعان ..أنا وحشني قوي إني أكل معاك .


لكنه يتنهد مطرقاً برأسه مع قوله :


_فيه مشوار مهم لازم أروحه الأول..


ترمقه بنظرة متسائلة فيهيأ إليها أن جسده ينتفض كأنما يعاند روحه كي تخرج كلماته :


_هاروح أجيب هدومي وحاجتي من هناك عشان أقفل الباب ده للأبد .


=======


تقف شهد على باب غرفة والدتها تراقب ملامحها النائمة بحنان بائس ..


لقد حاولت قدر استطاعتها تمالك انفعالاتها عقب عودتها للبيت لكن "بوصلة" قلب الأم لا يضل مؤشرها طريق أبنائها !!


لقد شعرت بحالتها وسألتها عن السبب لكنها فعلت ما تجيد القيام به عادة ..


ما يسمونه هم "كذباً" وتسميه هي "غطاء"!


غطاء يقي مثلها البرد الذي ينخر كالسوس في عظام روحها المرتعدة !!


هي لا تكذب ..هي فقط ترسم خطوط اللوحة التي تريد العيش فيها فيصرّ القدر كل مرة أن يمزق لها الورق!


تغادر الغرفة نحو شرفة صالة بيتها البسيط تراقب الشارع المظلم في هذا الوقت من الليل وقلبها يرتعد خوفاً وترقباً ..


أين عساه يكون قد ذهب؟!


هاتفه مغلق!


وكيف تركها هكذا وحدها في موقف بشع كهذا ؟!!


أمعاؤها تتقلص وهي تتذكر ما فعله بها ذاك الحقير في المحل عندما أخبرته برغبتها في ترك العمل فأظهر موافقته ليطلب منها إحضار شيء ما من المخزن ..


ولم تكد تهبط إليه حتى فوجئت به خلفها ي...


تبسط راحتها على شفتيها مقاومة شعورها بالغثيان ومحاولة كتم دموعها ..


لماذا تخلى عنها هيثم؟!


لماذا هرب بهذه الطريقة الغريبة عن طباعه الحمائية نحوها؟!


هل هو غاضبٌ منها لأنه حذرها من ذاك الرجل وطلب منها ترك العمل ؟!


لقد أطاعته دون نقاش وهو رأى بنفسه هجوم الرجل السافر عليها ..


لكنه لم يضربه ..


يده توقفت في وسط الطريق !


لماذا تركها وحدها وسطهم تتلقى لعنات ظلمهم ؟!


لماذا؟! ..لماذا ..لماذا؟!


ألف سؤال يدور بداخلها والإجابة واحدة ..


واضحة ..


لكنها لا تريد تصديقها !


ليس هكذا!!


تعلم أن حبهما لا غد له لكن ليس من العدل أن ينتهي بهذه الطريقة !!


موتٌ رحيم!!


هذا فقط هو ما صارت ترجوه لعلاقتهما!!


تشهق بانفعال وهي تراه يظهر أخيراً عند أول الشارع فتحاول قراءة ملامحه لكنه كان متهدل الكتفين مطرق الرأس متسارع الخطى كأنه يريد الخلاص من شيئ يطارده ..


تلهث بانفعال وهي تبسط راحتها على صدرها لتتحرك نحو باب الشقة فتفتحه لتجده أمامها ..


ملامحه جامدة كأنما قدت من صخر ..


وحدهما عيناه كانتا تصرخان !!


يقترب منها بخطوات بطيئة ..بطيئة ..


لكنها كانت تشعر بكل خطوة كألف واحدة إنما ..للخلف!!


هو لا يدنو ..هو يبتعد ..يتلاشى!!


حاجباه المنعقدان يبدوان لها كجناحي صقر هائج فوق عينين عاصفتين كبركان ..


فتهرب منهما عيناها نحو شفتيه ..


لعله ينطق فيكذّب شعورها هذا الذي يعتصر قلبها ..


لكن شفتيه بقيتا صامتتين ..موحشتين ..مظلمتين كقبر هجره الزائرون!


ولآخر لحظة تقاوم ..


تتشبث بفرشاتها التي ترسم لوحتها الخاصة رغم أنف الظروف ..


ترسم ابتسامة مرتعدة على شفتيها وتحاول التظاهر بالمزاح:


_ما عرفتكش كده ..من امتى يعني عندك الجري نُص الجدعنة ؟!


لكنه وقف قبالتها لا يغير من وضعه شيئاً سوى ضمه لقبضتيه جواره ..


فاقتربت منه خطوة ليشعر بنبضات قلبها الهادرة تكاد تقذف قلبها بين كفيه مع همسها الذي عجزت عن المزيد من التظاهر فيه :


_كنت فين ؟! ومشيت كده ليه ؟!


نظراتها المرتعبة تكاد تقتله فيغمض عينيه هرباً من مشاعره ..


صورة ذاك الرجل ينتهكها تجتاح ذهنه متشحة بطيف أبيه فينتفض جسده مثلها إنما ..غضباٌ !!


_ليه ما حكيتش الحقيقة وقلتلهم إنه كذاب؟! ليه ما دافعتش عني وقلتلهم إني مظلومة ؟!


_أعرف منين إنك مظلومة ؟! واحد زيه هيتجرأ عليكِ ليه في مكان أكل عيشه بالصورة دي إلا لو كنتِ انتِ اللي شجعتيه !


يهتف بها بنبرة ميتة عبر عينيه المغمضتين فتشهق بارتياع وهي تعود للخلف خطوة هاتفة :


_انت بتقول إيه ؟! انت مصدق عني كده ؟!


يالله !!


كم يود الآن لو يفتح عينيه!!


لو يعانق ملامحها للمرة الأخيرة !!


لكنه يخاف وهنه أمامها من جديد ..


يخاف هواجسه وشكوكه ..


يخاف رؤيتها خائنة ..


ويخاف أكثر رؤيتها بريئة !!


صوته الميت لايزال يغرس نصله المزدوج في قلبيهما معاً ونبرته تعلو تدريجياٌ :


_وليه لأ ؟! ..أكيد مش هتعملي كده من غير سبب ..أكيد عندك مبرر زي اللي كان عندك وانتِ بتعملي كده برضه مع ..بابا!


صرخة خافتة تطلقها وهي تعود للخلف أكثر ..


صرخة روح تحتضر!!


لم تكترث ببشاعة اتهامه ..بطغيان ادعائه ..بقسوة ظلمه ..


كل هذا لم يكن شيئاً أمام القدم التي سحقت قصر رمالها لتجعله هباء منثوراٌ !!


ها هي ذي النهاية التي طالما عاشت تتوقعها كي لا تفاجأ بقسوتها ..


لكنها تجدها هاهنا أكثر قسوة ..أكثر بطشاٌ ..أكثر وجعاٌ !!


والسؤال يحمل الجواب في باطنه ..


وكلاهما لا يعني لها سوى حكم إعدام :


_انت ..افتكرت؟!


هنا لم يستطع إغماض عينيه أكثر ففتحهما لتبدو دموع غضبه الحبيسة بينما يتقدم نحوها هاتفاٌ بحدة أججها مزيج غضبه وعجزه :


_أيوة افتكرت كل حاجة ..افتكرت الوش البريئ اللي خدعتيني بيه وانتِ بتلفي من ورايا عشان توقعي أبويا ..نفس الوش اللي شفتك بيه قدام الراجل التاني في المحل ..عايزاني أصدقك تاني إزاي ؟! آآمن لك تاني إزاي ؟! وانتِ أرخص عندك حاجة نفسك!


كلماته لم تكن مجرد حروف بل سياط ألهبت روحها وقلبها ..


تكاد تستصرخه أن يتوقف ..أن يتفهم ..


لكن دفاعاتها ماتت على شفتيها لتدثرها بالمزيد من الدموع ..


_شهد!


النداء الواهن رغم خفوته يمتزج بلوعة مرتاعة فتلتفت نحو والدتها التي وقفت مستندة على باب غرفتها ترمقهما بنظرة مصعوقة ..


جسدها المريض لا يحتمل وقفتها فتترنح مكانها وهي تشير لها بسبابة مرتجفة :


_معناه إيه اللي بيقوله ده ؟! انت ..انت ..


كلمات المرأة تتحشرج في حلقها فيتجمد هيثم مكانه وهو يشعر -لتوه- بحجم الكارثة المنتظرة ..


فيما تندفع نحوها شهد لتسند جسدها هاتفة بارتياع وسط شهقات دموعها :


_هافهمك ..والله العظيم هافهمك ..الحكاية مش ..


لكن حروفها تنقطع والمرأة تطلق أنّة ألم ممسكة بصدرها فيفيق هيثم من جموده ليهرع إليها كي يسندها معها هي ..


يحاول البحث عن كلمات تهون ما سمعته ولو كذباً لكنها تسقط مكانها بين ذراعيهما !


======


_صحيتوا امتى؟!


تهتف بها نشوى بصوت لم يغادره نعاسه وهي تناظر xxxxب الساعة التي لم تتجاوز السادسة بعد ..


فيما كان إسلام يجلس مع ريما على مائدة السفرة لتندفع الأخيرة نحوها حاملة "غنيمتها" هاتفة :


_شفتي يا مامي ؟! بابا عمللي عروسة المولد .


ترمق المجسم الورقي في يد ابنتها بنظرة غريبة لتغتصب ابتسامة بدت شديدة التكلف ثم تقول بصوت متحشرج:


_حلوة قوي ..قلتيله شكراً ؟!


ثم تلتفت نحوه لتسأله باستغراب:


_لحقت عملتها امتى دي؟!


فابتسم وهو يشير لحاسوبه المحمول قائلاً:


_مطبق من بالليل ع اليوتيوب ..بس النتيجة تستاهل ..الفنان فنان برضه .


يقولها مشيراً لنفسه بإعجاب فترتجف ابتسامتها بعاطفة حقيقية نحوه صار يميز شعاعها وسط هذا الظلام الذي يحوط مشاعرها ..


_الحقي البسي هدومك على بال ما أعمل السندوتشات ..الباص زمانه جاي .


تقولها نشوى مخاطبة صغيرتها التي لوحت بالمجسم الورقي في يدها هاتفة :


_هاوريها لأصحابي ..هاقوللهم بقا عندي بابا بيعمللي حاجات حلوة .


عبارة الصغيرة كانت عفوية تماماً لكنها جعلت عينيها هي تدمعان وهي تنحني نحوها لتضمها بقوة وقد بدت من معاناة ملامحها أنها تكتم بكاءها ..


يتفحصها ببصره للدقائق القادمة بقلق رغم مرحه الظاهري مع ريما التي ارتدت ملابسها لتمنحها هي حقيبتها ..


ثم تمشط لها شعرها بخفة فيصطحبها هو نحو الخارج كي تلحق بحافلة المدرسة ..


تراقبهما نشوى عبر الشرفة الواسعة لتدمع عيناها من جديد وهي ترى ريما تحتضنه بقوة قبل أن تلوح ب"العروسة الورقية" لزميلاتها في الحافلة التي صعدت إليها لتختفي عن ناظريها ..


قلبها يخفق بمزيج من الامتنان والذنب كعهدها معه ..


لكنها الآن تضيف لهذا المزيج مكوناً آخر ..


الخوف!


الخوف أن تفقده وتفقد نفسها الجديدة التي بدأت لتوها تعشقها معه ..


أفكارها تنقطع وهي تلاحظ أن وقفته مع مشرفة الحافلة قد طالت بينما الأخيرة تضحك وتتمايل في وقفتها بدلال أثار غيظها ..


ما بالها هذه ؟!


ألم ترَ رجالاً من قبل ؟!


وهو؟!!


لماذا يقف هكذا مستجيباً لها ؟!


لماذا لا يتركها ويصعد ؟!


غيرة حارقة تخطف نبضاتها وهي تستطيل على أطراف أصابعها فيكاد نصفها العلوي كله يتدلى من السور كأنما ستقفز نحوهما كي تقتلع عيني تلك المستفزة ..


وعينيه هو قبلها !!


هو الذي صعد أخيراً لتتلقاه بعاصفتها :


_كانت بتقوللك إيه وبتضحكوا كده ؟!


فارتفع حاجباه ليقول متسلياً:


_مش فاكر !


_هتستعبط ؟!


تقولها وقد وصلت إليه لتلكمه بخفة في كتفه فيتأوه بمبالغة هاتفاٌ :


_آه ! خلاص افتكرت ! كانت بتسألني أنا أقرب إيه لريما؟!


_وقلتلها إيه ؟!


تسأله بتشكك ليهز كتفيه متعمداً استفزازها :


_حطي نفسك مكاني ..واحدة صاروخ كده بتسألني السؤال ده هارد أقول إيه ..


ورغم أن لهجته كانت تفضح رغبته الظاهرة في مشاكستها لكنها عقدت حاجبيها بقوة وهي تشعر بسخونة قوية في جسدها كله مع استطراده :


_شفتي حلوة إزاي ؟! شفتي لون شعرها البنفسجي ده ؟! أول مرة أشوف لون الصبغة دي في مصر ..وكمان لدغة في الراء ..شفتيهاش وهي بتقول "ويما" ..طالعة منها زي "السكوّ"..


يقولها محرفاً حرف الراء ل"واو" مقلداً لكنة المرأة لتزداد ملامحها احتقاناً ..


فيزيد هو الجرعة مضيفاً:


_درجة الروج كمان لايقة قوي مع ..


تنقطع عبارته فجأة وهو يجدها دون مقدمات تندفع نحوه لتلصق شفتيها بشفتيه بينما ذراعاها يتعلقان بعنقه بقوة عاصرة !


لا ..لم تكن قبلة بقدر ما شعر بها إثبات ملكية برد فعل عصبي عنيف!


يرتد للخلف مجفلاً للحظة وهو يتشبث بها قبل أن يرد لها بضاعتها بكرم ..


أناملها تمنحه "شارة تعريفه" على عنقه فيخفق قلبه بعنف أكبر هذه المرة وهو يشعر باستجابتها هذه المرة مختلفة ..


كأنما تستمد منه صك ملكيتها له ..


كأنما تنتزع منه اعترافاً أنه لها وحدها ..


كأنما تصهر بلهيب عاطفته كل غيرتها ..


خوفها ..


تخبطها !!


كل ما فيها غريب ..مميز ..


حتى ردود فعلها على حماقاته تشعره دوماً أنها -في جانب خفي- كابنتها مجرد طفلة !!


يقرأ خوفها الصامت بقلب صار يحفظ دواخلها فيضمها نحوه في عناق قوي كأنما يمنحها اعتذاراً غير منطوق عن تعمده استفزازها ..


رغم إن ردة فعلها راقته ..راقته كثيراٌ !!


ترفع إليه أخيراً عينين دامعتين ..غامضتين ..عاتبتين ..


ومعتذرتين !


فيمنحها أروع ابتساماته ..


أنامله تتخلل خصلات شعرها وعيناه العابثتان تمزجان حنانه بمشاكسته :


_أحلى صباح ده واللا إيه ؟!


لكنها تطرق برأسها لتبتعد شاعرة بالخزي -المعهود- من نفسها ..


ها هي ذي تفقد السيطرة على انفعالاتها يوماٌ بعد يوم ..وساعة بعد ساعة ..


كسيارة فسدت مكابحها لتنحدر من حافة الهاوية !!


بعض الخشونة تتسلل لنبرتها اللاهثة وهي تهتف دون تفكير بأقرب ما خطر في بالها :


_البس دبلة .


_نعم؟!


يقولها باستنكار فتزفر بقوة محاولة السيطرة على هذه القبضة العاصرة لقلبها ..


تبتعد عنه لتعطيها ظهرها متمالكة مشاعرها المشتتة بهتافها العصبي:


_إيه الغريب؟! البس دبلة عشان الناس تعرف إنك متجوز ..عشان محدش يستغرب علاقتك بريما ..عشان مش كل واحدة مستحلية نفسها تقف تتدلع معاك ..


_وانتِ متضايقة كده ليه ؟!


يقولها بنبرة عادت إليها مشاكستها وهو يقف قبالتها مقتنصاً نظراتها المتأرجحة بين عاطفتها وانفعالها ..


لتلوح بكفيها مستعيدة طبيعتها "الشوكية"وهاتفة بعصبية :


_عشان عندي دم !..عشان مش طبيعي أسيب ست غيري تبص لواحد المفروض إنه جوزي .


لكنه يحيط خصرها بكفيه هامساً:


_سمي الحاجات بأساميها يا "شِرِس" ..


تعقد حاجبيها بتساؤل فيغمزها مردفاً:


_اسمها "غيرانة" !


تتأفف بضيق وهي تزيح كفيه عن خصرها لكنه يعاود التشبث به محتكراً نظراتها بقوله الذي ازداد دفؤه رغم اتشاحه بعبثيته المعهودة :


_قوليها ورايا ..سهلة جداً ..غيرانة عليك ..مش طايقة واحدة غيري تبص لك ..عشان انت مش جوزي وبس ..انت ..انت إيه ؟! كمللي انتِ ناصحة وهتعرفيها لوحدك !


وجهها يزداد اقتراباً لوجهها مع كل كلمة ينطقها حتى يكاد جبينه يلاصق جبينها في كلمته الأخيرة ..


ترتجف خلاياها بدغدغة لذيذة وهي تنساق خلف لحن يعزفه لها باقتدار خبير ..


لكنها تنتزع نفسها من هذا كله شاعرة بذات القبضة العاصرة تخنق قلبها أكثر .. لتبتعد أخيراً فتهتف وهي تتحاشى لقاء نظراته :


_انت صاحي رايق ..أنا هاروح أحضر الفطار عشان ورايا شغل كتير في المصنع النهارده .


تقولها وهي تتفلت من بين ذراعيه فيهتف بها بمكر:


_والدبلة ؟!


_براحتك .


تقولها بفظاظة لا تتعمدها وهي تعطيه ظهرها لتبتعد لكنه يتحرك بسرعة ليعيق طريقها فيقف قبالتها قائلاً بنبرته المشاكسة :


_أنا هالبس دبلة بس مش هالبسك دبلتي دلوقت ..عارفة ليه ؟!


السؤال الأخير يمزج عاطفته بخيبته بأمله في مزيج عجيب لا يليق إلا بغرابة علاقة كهذه ..


فترده بنظرة حملت كل هذا المزيج إنما بإضافتها هي الخاصة ..


الاعتذار مع وجع الذنب !!


وكالعادة تمارس ما تجيده في الهروب فتتجاهل سؤاله مجبورة لتتحرك نحو المطبخ تاركة إياه خلفها ..


تحاول الانشغال بتحضير الإفطار والهروب من أفكارها لكن ..


قدمت السبت مع الحد مقدما..


وحاسبت ع المشاريب ودفعت التمن ..


ولا عنب الشام طايله ولا بلح اليمن ..


الكلمات الغريبة على أذنيها تنبعث فجأة بصوتٍ عالٍ من الخارج وبلحن صاخب راقص فتبتسم رغماً عنها وهي تركز في معانيها قبل أن تسمعه يدندن معها بصوت عالٍ ..


صوته يقترب مع اقترابه وهو يدخل إليها أخيراً مخفياً كفيه خلف ظهره كمن يداري مفاجأة :


دلعتك أد ما دلعتك وزيادة ..


وشربت المر عشان خاطرك وزيادة ..


وبحبك وانت بتتقل وبتتمادى ..


تلتفت نحوه فيعلو صوته وهو يميل رأسه متصنعاً الاندماج ومكملاً :


_راضيني ..راضيني ..حبيبي راضيني..


فتتحول ابتسامتها لضحكة قصيرة مختنقة كأنما تقاوم بها انفعالاً عصبياً تداريه غير قادرة على تحمل المزيد ..


ليرفع كفه أخيراً بمفاجأته نحوها :


_عروستك! ..عملتهالك من بالليل وقلت هاخلليها مفاجأة أديهالك في نص اليوم تخفف توتر الشغل ..بس مادام طلعتِ غيّارة كده اتفضليها دلوقت..بدل ما تحقدي على ريما !


ملامحها تتجمد للحظات وهي تناظر المجسم الورقي الذي صنع شبيهه لابنتها إنما -باختلاف- فسره بقوله :


_بس معلش فيه فرق !..عروستك "كيرفي" ..وعملت فستانها بمواصفاتي المزاجية المطابقة لأعلى معايير الانحراف .


يغمزها بها بمكر فتنتبه لثوب العروس الذي كان مكشوفاً كثيراً عن ثوب عروس ابنتها المحتشم !!


كان يتوقع رداً فظاً على وقاحته كعهدها معه ..


لكنه فوجئ بها تطيل النظر لما في يده طويلاً وجسدها يرتعد ارتعادة خفيفة كأنما ذهبت في عالم آخر ..


قبل أن تدمع عيناها فتغمضهما بقوة لتكتف ساعديها كأنها تمنح نفسها دعماً لم يكفها على الأغلب ..


فهمست بخفوت وبصوت يكاد لا يسمع :


_احضنني!


عقد حاجبيه للحظة وهو يهيأ إليه أنها لم تتفوه بها ..


لكن لغة جسدها كانت تصرخ بها بصخب عبر صمتها المريب هذا !


يعانقها بقوة وهو يخفي وجهها في صدره فيفاجأ بانهيارها الباكي هائجاً دون مقدمات :


_قوللي إن كل حاجة هتبقى كويسة ..قوللي إنك هتفضل معانا ..


يعقد حاجبيه بقوة محاولاٌ احتواء انفعالاتها غير المفهومة ودموعها تكوي قلبه كياٌ !


يكاد يقسم أنها تخفي ما يقصم ظهر احتمالها ولهذا تنهار فجأة لأتفه سبب !


لتستمر همساتها الباكية :


_قول إني ما عدتش هخاف ..قول إني من حقي أفرح .


_مش لما تقوليلي انت الأول؟!


يهمس بها بحزم حنون غريب على مرحه المعهود فترفع إليه وجهها المبلل بالدموع بنظرة متسائلة مرتعبة ..


ليضع ما بيده جانباً ثم يمسح دموعها بأنامله وعيناه تتفحصان ملامحها باهتمام مردفاً:


_مخبية إيه ؟!


تنفرج شفتاها والمزيد من الخوف يحفر أخاديده على وجهها ..


لكن هذا لم يساوِ شيئاً أمام الرعب الذي تملكها مع صوت رنين هاتفها الذي صدح فجأة من الخارج ..


لكنها حاولت تمالك نفسها وهي تتحرر من ذراعيه لتندفع نحو الهاتف مغادرة المطبخ ..


لكنها لم تكد تتناوله حتى فوجئت به يلحق بها لينتزعه منها بنظرة صارمة وبحركة خاطفة !


شهقتها المكتومة توازي نظرتها المرتعبة وهي تراه يفتح الاتصال على الرقم الذي لم يكن مسجلاً باسم ..


_صباح الخير يا عروسة ..ياريت ما أكونش أزعجتك في وقت زي ده ..


الصوت الحقير المتهكم يصلها في مكانها فتحاول انتزاع الهاتف من إسلام لكنه يضع سبابته على فمه محذراً بنظرة صارمة لتنكمش على نفسها برعب ليواصل الصوت الكريه بث سمومه بمفاجأته الصاعقة :


_هساعدك تفكري كويس مادام اليومين اللي فاتوا ما كفوكيش ..ريما حبيبة بابا معايا دلوقت وطالعين ع المطار ..هتسافر معايا معززة مكرمة لحد ما المبلغ اللي اتفقنا عليه يتحط في حسابي ..غير كده تنسي خالص إن ليكِ بنت .


=======


انتهى الفصل التاسع والعشرون

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...