تحميل رواية طعنة في بيت العائلة بقلم هاجر سلامة pdf
بقلم هاجر سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
رواية طعنه في بيت العائلة الفصل الاول1 هاجر سلامة تسللت خيوط شمس الصباح باهتة عبر النوافذ الخشبية العتيقة لبيت عائلة "الدسوقي". ذلك المنزل الذي شهد مجد العائلة، وباتت جدرانه اليوم تخفي خلفها شروخاً أعمق من شرور الزمن.رواية طعنه في بيت العائلة الفصل الاول1 هاجر سلامة كانت ياسمينا تقف أمام مرآة غرفتها، تنسق خصلات شعرها الأسود الطويل، وعيناها تلمعان ببريق هادئ. رنّت في أذنيها كلمات خطيبها يوسف بالأمس وهو يلح عليها مجدداً لتتوسط له عند والدها ياسر ليتولى إدارة مصنع الملابس. زفرت بضيق، فقد كان طمعه ي...
رواية طعنة في بيت العائلة الفصل الأول 1 - بقلم هاجر سلامة
رواية طعنه في بيت العائلة الفصل الاول1 هاجر سلامة
تسللت خيوط شمس الصباح باهتة عبر النوافذ الخشبية العتيقة لبيت عائلة "الدسوقي". ذلك المنزل الذي شهد مجد العائلة، وباتت جدرانه اليوم تخفي خلفها شروخاً أعمق من شرور الزمن.رواية طعنه في بيت العائلة الفصل الاول1 هاجر سلامة
كانت ياسمينا تقف أمام مرآة غرفتها، تنسق خصلات شعرها الأسود الطويل، وعيناها تلمعان ببريق هادئ. رنّت في أذنيها كلمات خطيبها يوسف بالأمس وهو يلح عليها مجدداً لتتوسط له عند والدها ياسر ليتولى إدارة مصنع الملابس. زفرت بضيق، فقد كان طمعه يزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، لكنها كانت تتمسك بحبٍّ دام ثلاث سنوات، وفترة خطوبة قاربت على العام.
انقطع حبل أفكارها فجأة بصوت الباب يُفتح بقوة ودون استئذان. التفتت لتجد ابنة عمها سارة تقف على العتبة، ترتدي فستاناً أنيقاً مبالغاً فيه في هذا الصباح الباكر، وعلى وجهها ابتسامة نصر صفراء تخفي وراءها كيداً دفيناً.
دست سارة يدها في حقيبتها وأخرجت بطاقة دعوة مخملية فاخرة، ثم تقدمت خطوات وتبخترت في المشي وهي تضعها على الطاولة أمام ياسمينا.
سارة ..صباح الخير يا ياسمين.. قولت لازم أكون أول واحدة تعزمك بنفسها على أهم يوم في حياتي.
ياسمينا ..صباح النور يا سارة.. خطوبة إيه دي؟ إنتي اتخطبتي
من ورايا ولا إيه؟ ومين سعيد الحظ؟
سارة ..سعيد الحظ ده إنتي عارفاه كويس أوي يا حبيبتي.. افتحي الكارت وانتي تشوفي بنفسك.
امتدت يد ياسمينا نحو البطاقة بوجل غريب، وشعور بالقلق ينبض في عروقها.
فتحت الورقة المصقولة، لتتجمد الدماء في عروقها وهي تقرأ الاسم المكتوب بماء الذهب بجوار اسم سارة: "يوسف ممدوح". اهتزت الأرض تحت قدميها، وشعرت برنين حاد في أذنها كأن جدران الغرفة تنهار فوق رأسها. نظرت إلى سارة غير مصدقة، باحثة عن أي أثر للمزاح، لكن ملامح سارة كانت تنضح بالشماتة والتشفي.
ياسمينا ..إنتي أكيد اتجننتي! يوسف؟ يوسف خطيبي أنا؟ إزاي بتنطقي اسمه أصلاً مع اسمك؟
سارة..خطيبك ده كان زمان يا حبيبتي.. يوسف دلوقتي بقا خطيبي أنا، والشبكة يوم الجمعة الجاية في أكبر قاعة.. وطبعاً مستنياكي إنتي وعمي تيجوا تنورونا.
ياسمينا ..انتي إيه يا شيخة؟ معندكيش دم ولا إحساس؟ ده خطيبي بقاله سنة وبيحبني بقاله تلات سنين! بتاخدي خطيبي يا سارة؟.
سارة ..الحب ده مبيأكلش عيش يا ياسمين.. يوسف جه لغاية بابا وطلب إيدي، وبابا وافق ورسمله مستقبله.. الشغل مبقاش عند عمي ياسر خلاص، الشغل والمستقبل بقوا معانا إحنا.
[لم تحتمل ياسمينا وقاحة الكلمات؛ فرفعت يدها وهوت بصفعة قوية على وجه سارة، دوت في أرجاء الغرفة الصامتة. تراجعت سارة خطوة إلى الخلف، ووضعت يدها على وجنتها المحمرة، لكن ابتسامتها الخبيثة لم تختفِ، بل تحولت إلى نظرة وعيد شريرة]
سارة ..بتضربيني يا ياسمينا؟ ماشي.. والنعمة لأخليكي تشوفي أيام أسود من شعر راسك.. واليومين الجايين هيوريكي مين فينا اللي كسبت في الآخر..
استدارت سارة وخرجت من الغرفة بقوة تضرب قدميها بالأرض، تاركة ياسمينا تنهار على فراشها، والدموع تنفجر من عينيها كشلال هادر. لم تكن تبكي فقط على ضياع حبها، بل على الغدر الذي جاءها من أقرب الناس إليها، وفي عقر دارها.
في الطابق السفلي، في مكتب الحاج "عبده الدسوقي" الذي غاب صاحبه عنه ليتلقى العلاج في مصحة الإدمان، كان اللقاء عاصفاً بين الأخوين. وقف ياسر، الابن الأكبر، بوقاره المعهود وملامحه التي خط فيها الزمن خطوط الحكمة والجد، بينما كان أمامه أخوه الأصغر حمدي، الذي كان الشرر يتطاير من عينيه، مدفوعاً بحقد وسنوات من الحرمان عاشها مع والدته الراحلة بعيداً عن نعيم هذا البيت.
ضرب حمدي بيده على المكتب الخشبي العتيق بصوت تسبب في اهتزاز الأوراق والمحابر
حمدي ..أنا مش هسكت تاني يا ياسر! العمارة دي كلها لازم تتكتب باسمي.. أنا عشت طول عمري في الفقر والتعب مع أمي، وإنت كنت عايش هنا في العز والهنا.. كفاية لحد كدة!..
ياسر ..جرى إيه يا حمدي؟ إنت اتهبلت في عقلك؟ العمارة دي ملك لأبونا اللي مرمي في المصحة بسببه وبسبب قرفك.. والورث مبيتوزعش وصاحبه عايش.. اتقي الله فيا وفي نفسك!
حمدي..أبويا؟ أبويا ده عمري ما شوفت منه حاجة.. المصنع بتاع الملابس ده كمان لازم يدخلي فيه نصيب.. النص بالنص يا ياسر، وإلا هطربقها فوق دماغ الكل!.
ياسر ..المصنع ده خط أحمر يا حمدي! المصنع مكتوب باسم أمي أنا.. وتعبها وشقايا أنا طول السنين اللي فاتت.. وابني أحمد هو اللي هيمسكه ويديره.. ملكش فيه مليم واحد، واعلم اللي تعمله!
احتقن وجه حمدي بالدماء، واقترب من أخيه حتى كادت أنفاسهما تلتقي، وتحدث بنبرة فحيح الأفاعي
حمدي ..ماشي يا ياسر.. طالما قفلتها في وشي وبتستخسر فيا وفي بنتي القرشين، وطالما ابنك هو اللي هياخد كل حاجة.. يبقا متلومش غير نفسك على اللي هيحصل في عيالك.. أنا هحرق قلبك عليهم زي ما حرقت قلبي على حقي!
ياسر..إنت بتهددني يا حمدي؟ في بيتي ووسط ولادي؟ اعلى ما في خيلك اركبه.. أنا مفيش حد يلوي دراعي، والشرع والحق معايا
خرج حمدي من المكتب وعقله يغلي بأفكار انتقامية جهنمية. لم يكد يخرج إلى الممر حتى وجد يوسف ينتظره بقلق؛ كان يوسف الشاب الطماع يفرك يديه ببعضهما البعض، وعيناه تلمعان بالجشع بعد أن تيقن أن ياسمينا لن تحقّق له حلمه بالسلطة في المصنع.
يوسف ..عملت إيه يا عمي حمدي؟ كلمت عمي ياسر في موضوع المصنع والعمارة؟
حمدي..ياسر قفل كل الأبواب يا يوسف، وراسه ألف سيف ما يديك ولا يديني مليم.. بس إحنا مش هنقف نتفرج عليه.. إنت خطوبتك على سارة هتم، وأنا مجهزلك شقة محترمة، وهتكون المدير في الشغل الجديد اللي هعمله.. بس تنفذ كل اللي اتفقنا عليه وتكسر عين بنته وأبوه.
يوسف..أنا معاك يا عمي في أي حاجة.. طالما فيها مصلحتي وفيها الشقة والإدارة، أنا بايع كل حاجة.. وياسمينا دي خلاص صفحة وقفلتها، ومصلحتي أهم من أي حب
يتبع
رواية طعنة في بيت العائلة الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر سلامة
مرت أيام ثقيلة على البيت كأنها دهور. انطوت ياسمينا في غرفتها، ترفض الطعام والشراب، ولم يكن يخفف عنها سوى وجود والدتها وصديق طفولتها خالد، الذي كان يتردد على المنزل باستمرار بحجة زيارة صديقه أحمد، لكن عينه وقلبه لم يكونا يريان سوى ياسمينا منذ الصغر. كان خالد شاباً شهماً، ممتلئاً بالرجولة والمبادئ، ويعمل مهندساً ناجحاً، وكان يكتم حبه احتراماً لخطوبتها.
في ركن الحديقة، كان أحمد، الأخ الأكبر لياسمينا، يجلس وعلامات الغضب والوجوم تسيطر على ملامحه بعد علمه بغدر يوسف وحمدي. وقف أمامه خالد، يضع يده على كتفه محاولاً تهدئته
خالد..اهدى يا أحمد.. الغضب مش هيحل حاجة.. يوسف ده واطي ورخيص، والحمد لله إن حقيقته بانت دلوقتي قبل ما يتجوزها ويظلمها معاه.
احمد..مش قادر يا خالد.. نار قايدة في صدري.. عمي بيحارب أبويا في رزقه ويشغل عيل واطي عشان يكسر أختي؟ أنا مش هسكت، أنا ممكن أروح أطربق الدنيا على دماغهم!
خالد..لأ يا صاحبي.. العقل زينة.. إحنا نرد عليهم بالصح.. أنا بقالي سنين مستني الفرصة دي.. أنا بحب ياسمينا من وإحنا عيال صغيرة، وعمري ما شوفت غيرها ست البنات.. أنا عايز أطلب إيدها منك ومن عمي ياسر رسمي
اتسعت عينا أحمد بذهول تحول سريعاً إلى ابتسامة ارتياح، فقد كان يعلم بأخلاق خالد ونبل أصله
احمد..بتتكلم جد يا خالد؟ إنت صاحب عمري وراجل بجد.. بس تفتكر ياسمينا في حالتها دي هتوافق؟
خالد..أنا مش هضغط عليها.. أنا هقعد معاها وهفهمها إني شاريها ومستعد أستناها العمر كله.. المهم نخرجها من المحنة دي ونقفل الباب في وش يوسف وعمي حمدي
وفي غضون أيام، وبدعم من العائلة لإنقاذ موقف ياسمينا، تقدم خالد رسمياً
ووافقت ياسمينا بعد إلحاح من والدتها لإدراكها أن خالد هو الأمان الحقيقي.
ولم تتوقف الفرحة هنا؛ بل أعلن أحمد خطوبته على ابنة خالته "مريم" التي كانت تبادله مشاعر الإعجاب الصامت منذ فترة طويلة.
تحول البيت إلى خلايا نحل للتجهيز للفرحين، مما أثار جنون حمدي وابنته سارة اللذين رأيا خطتهما في كسر كبرياء ياسر وعائلته تفشل أمام أعينهما.
مرت الأشهر، وتحول الطمع بين يوسف وسارة إلى علاقة مشوهة خالية من أي مشاعر حقيقية.
كان يوسف يضغط على حمدي لتنفيذ وعوده بالشقة الفاخرة والأموال، بينما كانت سارة تطالبه بإثبات حبه بالمال والهدايا.
وفي وسط هذه الأجواء المشحونة، ظهر شخص آخر من الماضي؛ شاب يُدعى "مصطفى"، كان يحب سارة بصدق وتقدم لخطبتها مراراً وتكراراً، لكنها رفضته باحتقار وسخرت من فقره وغدرت بوعودها له لتختار يوسف الطامع.
قرر مصطفى الانتقام لكرامته الجريحة؛ فراح يراقب سارة ويوسف، حتى علم بوجود شقة مفروشة في أطراف المدينة، يلتقيان فيها بعيداً عن أعين العائلة، بحجة ترتيب أمور زواجهما المستقبلي. وفي إحدى الليالي، استغل مصطفى الفرصة، والتقط صوراً لهما، ثم أرسل رسالة نصية مجهولة وهواتف حمدي تحتوي على عنوان الشقة وتفاصيل ما يحدث بداخلها.
كان حمدي يجلس في بيته يراجع بعض الحسابات حينما اهتز هاتفه. فتح الرسالة، وقرأ الكلمات التي نزلت عليه كالصاعقة: "بنتك المصونة اللي حارم نفسك عشانها، في الشقة المفروشة رقم ٤ في عمارة (...) مع خطيبها في وضع ميرضيش ربنا.. روح الحق شرفك يا سيدي".
عمي الضباب عين حمدي، وصعد الدم إلى نافوخه، وتملكه جنون الشرف المهدور. سحب مسد..سه القديم من درج المكتب، وانطلق بسيارته كالمجنون نحو العنوان المكتوب.
اقتحم باب الشقة بقدمه ليجد سارة ويوسف في أوضاع مخلة وغير لائقة بالمرة
حمدي ..يا ولاد الكلب! بتغفلوني وبتضيعوا شرفي في الشقق المفروشة؟ أنا هقتلكوا إنتوا الاتنين وهغسل عاري بدمكوا!
صرخت سارة برعب وهلع، واندفع يوسف بدافع الخوف على حياته، فدفع حمدي بقوة ليسقط الرجل العجوز أرضاً وينطلق المسد..س رصاصة طائشة في الهواء.
استغل يوسف الفوضى وهرول خارجاً من الشقة، تاركاً سارة لمصيرها.
نهض حمدي وعيناه تشعان بالموت، وحاول الإمساك بسارة، لكنها تملصت منه وجرت إلى الشارع وهي تبكي وتصرخ بهستيرية.
لم تنظر سارة خلفها، قطعت الشارع المظلم بسرعة جنونية دون الانتباه للسيارات المسرعة. فجأة، دوت أصوات مكابح سيارة نقل ضخمة، وحاول السائق تفاديها لكن دون جدوى.
صدمتها السيارة بقوة لتطير في الهواء وتسقط على الأرض جسداً بلا حراك، غار..قاً في الد..ماء، تحت أنظار والدها الذي وقف مشلولاً من الصدمة والرعب.
يتبع
رواية طعنة في بيت العائلة الفصل الثالث 3 - بقلم هاجر سلامة
نُقلت سارة إلى المستشفى بين الحياة والموت، وقضت أياماً في غرفة العناية المركزة، بينما كان حمدي يقف خلف الزجاج، مكسوراً، ضائعاً، وقد زالت من قلبه كل مشاعر الأحقاد والشرور ولم يتبقَ سوى حسرة الأب على ابنته الوحيدة.
خرج الطبيب أخيراً، ووجهه يحمل أخباراً قاسية.
حمدي ..يا دكتور.. طمني أرجوك.. بنتي سارة هتعيش؟ هتقف على رجليها تاني؟
الدكتور ..الحمد لله قدرنا ننقذ حياتها.. النزيف وقف، لكن للأسف الصدمة أثرت على النخاع الشوكي بشكل كامل.. سارة حصلها شلل نصفي كامل، ومفيش أمل في علاجها هنا في مصر.
انهار حمدي على ركبتيه، يبكي بحرقة وندم، يتذكر كيف ظلم أخاه، وكيف سعى لتدمير حياة ابنة أخيه، فجاءه العقاب في أعز ما يملك.
في تلك اللحظات العصيبة، ظهر ياسر في رواق المستشفى. تقدم بخطوات ثابتة نحو أخيه الأصغر، ولم يحمل في وجهه أي شماتة، بل كانت عيناه تدمعان حزناً على ابنة أخيه.
وضع ياسر يده على كتف حمدي المرتجف.
ياسر ..قوم يا حمدي.. قوم يا اخويا.. ربنا يسامحك ويسامحنا جميعاً.. إحنا في مصيبة ولازم نقف جنب بعض.
حمدي..سامحني يا ياسر.. أنا ظلمتك وظلمت بنتك.. ربنا عاقبني في سارة، شرفي ضاع وبنتي اتمحت من الدنيا وبقت مشلولة.. أنا بموت يا اخويا!
ياسر..المسامح كريم يا حمدي، وإنت اخويا مهما حصل.. لحمي ودمي.. سارة بنتي زي ما هي بنتك.. أنا سألت وعرفت إن في مستشفى كبيـرة في ألمانيا متخصص في الحالات دي.. أنا حجزت ليها والفلوس كلها عليا، والمصنع خيره كتير.. هتسافر معاها وتعالجها، وأنا معاك ومش هسيبك.
بكى حمدي على صدر أخيه الأكبر، طالباً الصفح، وأدرك في تلك اللحظة أن العائلة والأخ هما السند الوحيد في الدنيا، وأن الطمع والحقد لا يورثان سوى الدمار والخراب.
وفي اليوم التالي، حزم حمدي حقائبه وغادر البلاد متوجهاً إلى ألمانيا برفقة ابنته المشلولة، بينما كان يوسف قد فرّ هارباً خارج البلاد خوفاً من الملاحقة القانونية والفضيحة.
مرت سنتان كاملتان على تلك الأحداث العاصفة.
كانت الأيام كفيلة ببلسمة الجروح وإعادة الدفء إلى بيت عائلة الدسوقي.
حان اليوم المنتظر الذي طال انتظاره؛ اليوم الذي خرج فيه الحاج "عبده الدسوقي" من مصحة علاج الإدمان معافى تماماً، تائباً، وعائداً إلى رشده بكامل صحته وعقله.
تزين بيت العائلة بالأنوار، وعلقت الزينات في كل مكان. امتزجت فرحة عودة الجد بفرحة كبرى؛ حيث تقرر إقامة حفل زفاف جماعي في حديقة المنزل الفسيحة.
ارتدت ياسمينا فستان الزفاف الأبيض الناصع، وكانت تبدو كالأميرات بجوار زوجها خالد الذي كانت عيناه تطير فرحاً وشوقاً، وبجوارها أحمد مع عروسته مريم، وأختهم الصغرى التي تقدم لها صديق الطفولة المقرب وسط أجواء من البهجة.
دخل الحاج عبده الدسوقي إلى الحديقة، يسير بوقار مستنداً على عصاه، وحوله ابنه ياسر وزوجته.
تعالت الزغاريد وانفجرت دموع الفرح. التفت الجد حوله، ورأى أحفاده في أبهى صورهم، لكن ملامحه حملت غصة واضحة وهو يفتقد ابنه الأصغر حمدي وابنته سارة.
جلس الجد مع ياسر في مكان هادئ بعيداً عن صخب المعازيم.«يا ياسر يا ابني.. البيت منور بوجودكوا، وأنا فرحان إني رجعت لوعيي وسط عيالي.. بس فين حمدي؟ وفين بنته سارة؟ ليه مش شايفهم في وسط الفرحة دي؟»
ياسر ..يا بويا.. حمدي مسافر في ألمانيا بقاله سنتين.. سارة تعبت شوية وهو سافر يعالجها هناك.. متقلقش هما بخير وبيسلموا عليك دايماً.
عبده ..مبتعرفش تخبي عليا يا ياسر.. أنا عرفت كل حاجة وأنا في المصحة.. عرفت حمدي عمل إيه وعرفت الطمع وداه لفين والجرائم اللي ارتكبها في حقك وحق عيالك.. أنا زعلان منه أوي ومقهور على اللي عمله في صلة الرحم.
ياسر ..يا بويا.. اللي فات مات.. حمدي ندم وتغير تماماً، وطلب السماح وأنا سامحته من كل قلبي.. هو دلوقتي عايش هناك عشان بنته بس، وربنا غفور رحيم.. بلاش نزعل في يوم زي ده.
مسح الجد دموعه، ودعا لولده ياسر بالبركة لشهامته وطيبة قلبه التي حافظت على ما تبقى من شتات هذه العائلة.
انتقل الجميع إلى صالون البيت الكبير لتهدئة الأنفاس ومشاركة اللحظات العائلية الدافئة.
جلس الحاج عبده الدسوقي في الصدارة، وحوله أحفاده وزوجاتهم، وياسر وزوجته يتبادلون الضحكات. فجأة
أخرج ياسر هاتف الذكي وقام بطلب مكالمة فيديو دولية
اتصل الهاتف لبضع ثوانٍ قبل أن يفتح الخط لتظهر على الشاشة ملامح حمدي. لقد غيرت الغربة والسنوات ملامحه؛ أطلق لحيته الخفيفة، وزالت نظرات الحقد من عينيه ليحل محلها طيبة وسكينة غريبة.
عندما رأى والده الحاج عبده يجلس معافى، انهمرت الدموع من عينيه.
حمدي..أبويا! وحشتني أوي يا غالي.. حمد الله على سلامتك ونورت بيتك ومطرحك وسط عيالك.. سامحني يا بويا على كل اللي عملته، أنا كنت عميان والحمد لله ربنا ردلي بصري.
عبده..مسامحك يا حمدي يا ابني.. المسامح ربنا.. أخوك ياسر حكالي على كل حاجة وعرفت إنك ندمت.. المهم طمني على بنتك سارة؟ عاملة إيه في الغربة وعلاجها وصل لفين؟
ابتسم حمدي ابتسامة واسعة، ووجّه كاميرا الهاتف نحو جهة أخرى في الغرفة.
ظهرت سارة، وكانت ملامحها قد استردت عافيتها ونضارتها، وكانت المفاجأة الكبرى أنها تقف على قدميها، تمسك بمشاية طبية وتتحرك خطوات بطيئة وثابتة نحو الكاميرا، والدموع تلمع في عينيها وهي توجه حديثها لعمها وياسمينا.
سارة ..عمي ياسر.. ياسمينا.. أحمد.. مبروك الفرح يا جماعة.. أنا الحمد لله ربنا شَفاني وبدأت أمشي تاني على رجلي.. لولا وقفتكوا جنبنا وفلوسكوا ودعائكوا أنا مكنتش هقوم من السرير ده أبداً.. سامحيني يا ياسمينا يا أختي.
ياسمينا ..مسامحاكي يا سارة يا حبيبتي.. ألف حمد الله على سلامتك ياقلبي .
أخذ حمدي الهاتف مجدداً، وعيناه تلمعان ببريق من الأمل والفرح المستقبلي.
حمدي ..ومش بس كدة يا بويا أنت وعمي ياسر.. الدكتور الألماني اللي كان بيشرف على حالتها وبيعالجها طول السنتين دول، وشاف صبرها وعزيمتها.. طلب إيدها مني رسمي للجاز بعد ما تتشافى تماماً.. وأنا وافقت وهنرجع مصر قريب عشان نعمل الفرح وسطكوا!
ضجت الغرفة بالتكبير والتهليل، وعمت الفرحة أرجاء بيت العائلة. نظر ياسر إلى والده وإلى شاشة الهاتف، مستشعراً عظمة القضاء والقدر؛ كيف تحول الشر إلى خير، وكيف التأم شمل العائلة بعد التمزق.
أغلقت الرواية صفحاتها على مشهد الأحفاد يلتفون حول الجد، والقلوب صافية، والبيت العتيق يعود منارة للحب والأمان بعد أن انقشعت عنه غيوم الطمع إلى الأبد.