تحميل رواية «تدخل عائلي» PDF
بقلم دنيا سعيد فوزي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ تدخل عائلي بقلم دنيا سعيد فوزي.
رواية تدخل عائلي الفصل الأول 1 - بقلم دنيا سعيد فوزي
يطلع مين عُمر دا يعم يعقوب؟
= يطلع إبن عمك.
_ إبن عمي؟
= أيوا يا ست دُنيا.
ابتسمت على جملة ‘ست دُنيا’، حركت راسي بالنفي وقولت: لأ مفيش ست دُنيا، أنا دُنيا عادي.
ابتسملي بإحترام وقال: ميصحش، أنتِ بنت البيه الكبير هنا.
_ الغير شرعية.
= استغفر الله، متقوليش كده.
_ ليه؟ مش دا اللي داير هنا، إن عمران بيه ليه بنت غير شرعية! لمجرد إنه أتجوز أمي وأبوه خلاه يطلقها لإنه اتجوزها في السر على مراته الشرعية!
= لو أنتِ غير شرعية زي ما بتقولي مكنش الحاج داغر طلبك تيجي السرايا الطويلة العريضة دي، هنا كل الموجود شرعيين، كلهم أحفاده ومبيفرقش بينهم.
_ أنت طيب أوي يا عم يعقوب.
= وأنتِ شكلك طيبة أوي يا ست دُنيا ومش قد اللي مستنيكي جوا.
عقدت حواجبي وكنت لسه راحة أسأله يقصد إيه! لقيته سألني هو: بس اشمعنى عُمر يعني اللي سألتي عليه؟
_ إسمه أتذكر كتير أوي من أول ما جيت هنا.
= دا أجدع حد في ولاد عمك.
‘ولاد عمك’ كلمة عمري ما فهمتها ولا حسيتها، شعور العيلة واللمة، وإني أنتمي لحاجة أصلًا! قد إيه الشعور دا مُربك بعد سنين من الوحدة والإنكار والذنب، قطع أفكاري بأكتر جملة غريبة مرت عليا هنا.
: وافقي عليه وسيبي الباقي.
من ساعة ما جيت هنا وأنا مش بعمل حاجة غير إني بتصدم بس! وللمرة التانية يقطع سؤالي اللي كنت لسه هسأله، تدخّل من صوت أنثوي حازم ولكن مع ذلك كان رقيق بشكل!
_ دُنيا.
بصيت ورايا تجاه الصوت بتوهه وخضة، لقيت واحدة…جميلة! في بداية التلاتينات، أنثى مكملة بمعنى الكلمة، لابسة قفطان زادها جمال ورقة، لافة الطرحة على رأسها بس في كام خصلة اعترضوا على الحصار دا واختاروا الحرية، كنت بتأملها بعيون مسحورة بتفاصيل جمالها، وفي الأخر جاوبتها:
= نعم؟
_ جدك طالبك جوا في الأوضة الكبيرة.
‘جدك’ كلمة خلتني عقدت حواجبي وسببتلي ألم في معدتي! أنا؟؟ جدي أنا؟؟؟ عيوني دمعت لكن شكرت نسمة الهوا العالية اللي حلت علينا فجأة وسهلت عليا رمي اللوم عليها، وكأن حتى الطبيعة مصدومة معايا.
وقفت قدام باب المكتب اللي بيطل على الجنينة الخلفية للسرايا، وقبل ما أخبط، أترددت كتير أجري خصوصًا إني أتعودت أهرب! وأول مرة في حياتي أواجه، سمعت كتير إنه راجل مُهيب والكل بيحترمه وبيخاف منه، كذا سؤال طرحهم عقلي….هل هقدر أوجهله كلمة من كم العتاب اللي جوايا! وليه طلبني وأفتكرني النهاردة بالذات؟
أخدت نفس عميق وقررت أحط نفسي في الأمر الواقع، فتحت الباب علطول ولسه ببص عليه، رفع راسه وبصلي بنظرة رجعتني خطوة لورا بدون إرادة مني، عيونه كانت حادة لكنه بدأ يلين وهو بيقول: تعرفي يا بت عمران؟ لو حد غيرك كان طَل عليا الطلة دي بدون استئذان…كنت قطعتله أيده.
بلعت ريقي بصعوبة، كنت عايزة أعتذر…أقول مكنتش أقصد، أقول أي حاجة، بس صوتي من الخوف كان في مكان بعيد ومش قادرة أخرجه!
قام وقف واتحرك ناحيتي بعكازه اللي يشبه راس الأفعى! حتى عكازه ليه هيبة ويخوف، ميل أيده وقال: أشبكي إيدي زي ما بتقولوا عندكم في البندر.
عقدت حواجبي وانفلتت من إيدي إبتسامة على منظره، شاورلي براسه تجاه إيده عشان أنفذ كلامه، استجبت ليه وحطيت ايدي في إيده، دخلنا خطوة وبعدها قفل الباب بالعكاز، جسمي اتنفض من صوت الباب.
_ متخافيش، بقفله بس عشان محدش يسمعنا وتبقي على راحتك وأنتِ بتتكلمي.
مشينا خطوين وسألته: أتكلم في إيه؟
قالي بصوته المُهيب: أقعدي بس على الكنبة وخديني جمبك.
قعدنا أنا وهو، وكل ما أحاول أدي عيوني فرصة تشوف ملامحه أبص للأرض تاني، قد إيه ملامحه كانت حادة لعيوني!
_ احكيلي بقا، أنتِ مين؟
رفعت عيوني لعيونه وسألته بلهفة مقدرتش أخبيها، تشبه لهفة عيل صغير أول مرة ياخد فرصة: هتسمعني بجد؟
بصلي كتير وقال بحنية بعيدة تمامًا عن ملامحه وهيئته: طبعًا، دا أنتِ حفيدتي.
حنيته خلت دموعي تتجمع في عيوني بشفقة على نفسي! طول عمري أسمع عن حنية الجد لأحفاده في الحواديت والروايات ومن زملاتي في المدرسة، أول مرة…أدوقها! الدنيا كانت قاسية عليا أوي، لدرجة إن أي كلمة فيها حنية قادرة تبكيني!
غمضت عيوني وضغطت عليهم في محاولة بائسة لعدم بُكائي، ضغط على إيدي بتشجيع وقالي: سامعك.
أخدت نفس عميق قبل ما أغوص في سرد حكايتي.
_ أنا دُنيا، دُنيا عمران داغر، بس دا على الورق بس، لكن لو على أرض الواقع فأنا دُنيا بنت ثُرية، عندي 20 سنة، اتحرمت إني أكمل تعليمي وأدخل كلية زي بقيت زمايلي عشان أبويا خاف إن دخولي الكلية يخليني زي أمي وواحد من هناك يضحك عليا بكلمتين زي ما هو ضحك عليها وبكده هنحرف أكتر وأوسخ إسمه، وكمان بعت رجالته تراقب بيتنا وتشوف أنا وأمي بنخرج من البيت ولا لأ وينقلوا ليه أخبارنا، كان شايف إنه جايبلنا شقة وبيدينا فلوس ودا كده نصيبنا من الحرية والرفاهية، لما كان بيجي يقعد مع أمي كنت بسمعه بيهنيها وبيهددها إنه ممكن يرميها في الشارع عادي وإن هي اللي محتاجاله، عشان كده لازم تتقبل كل حاجة هو بيعملها حتى لو مش على هواها، كان كاسر عينها يعني، مكنش بيشوفني ولا بيهتم بيا زي بقيت الأبهات، بيجي يحط فلوس على الترابيزة ويمشي تاني، المرة الوحيدة اللي كلمني فيها، قالي إنه مكنش عايزني ولا مرحب بيا وإني في نظره ونظر أهله بنت غير شرعية، ولما قررت أتشجع وأتكلم معاه…قولتله إني زي بنته التانية ولازم يعاملني زي ما كنت بسمع بيعاملها إزاي، قالي إني مينفعش أتقارن ببنته.
انفلتت من بين شفايفي شهقة خلتني وقفت كلام فجأة بعد ما حسيت بخنقة، كنت حاسة بحبل عمال يتلف حوالين رقبتي وكل ما بكمل وبحكي أكتر، بيتلف عليا ويخنقني أكتر، حطيت إيدي على وشي لقيت نفسي بعيط من غير ما أخد بالي، من غير أي صوت!
حاوط إيدي الضعيفة وحطها بين إيديه وقال: مين قال إنك غير شرعية؟ أينعم أبوكِ أتجوز أمك من ورانا، بس هو اتجوزها على سنة الله ورسوله، محدش من ولادي يقدر يخالف الشرع ولا يذنب، أنتِ شرعية ونص كمان، واللي يقولك غير كده خذقي عينيه وأنا في ضهرك.
حنية تاني كانت قادرة تجمع في عيوني دموع بشكل أكبر، بصيتله وسألته بعياط ولا العيلة الصغيرة: أومال ليه؟…ليه خليته يطلقها؟ ويحرم عليها تتجوز بعده.
أتنهد وقال بهدوء وحكمة: أنا محكمتش عليها تتجوز بعده أو لأ، دا كان قرار أبوكِ، لإنه راجل دمه حر ميحبش الحاجة اللي يلمسها غيره ياخدها حتى لو كان مش عايزها، أما بقا خليته يطلقها ليه فعشان مينفعش يا بنتي، مينفعش واحد من ولادي يتجوز من برا العيلة، مينفعش واحد من ولادي يتجوز على بنت من بناتي، مرضهاش عليهم.
عقدت حواجبي وسألته بعيون ملتهبة من البُكا المكتوم: يعني إيه حد من ولادك يتجوز على حد بناتك؟ مش فاهمة!
ابتسم وقالي: بصي يا بنتي، سلو عيلتنا إننا مينفعش نتجوز برا العيلة، لازم الولد ياخد بنت عمه أو بنت عمته أول ما توصل لسن معين، ودا اللي أبويا وجدي اتربوا وربوني عليه، وعشان مبقاش أجبرت البنت إنها تتجوز غصب عنها، فالبنت هي اللي بتختار إبن العم اللي عايزاه وحاسة إنه قريب منها ومناسب ليها… وعشان كده جبتك النهاردة.
_ إيه!!!!!!!
_________________________
_ هو إحنا بنهبب إيه هنا يا يونس؟؟؟
= بيقولوا بنت عمك داغر التانية دي وصلت.
_ عارف بس أنا نفسي حد يتدخل ويلغي أم الحوار دا، بدل ما إحنا عاملين زي بنت البنوت كده وقاعدين مستنين الطلب علينا.
= مش مزعلني يواد يا نوح قد إني سيبت سفريتي وجيت عشان موسم التزاوج بتاع واحدة منهم جه.
سمعنا صوت تالت هل علينا وهو بيقول: جدكم معندوش هزار في الموضوع دا يولاد الخمس نجوم أنتم.
بصيت ورايا أنا و ‘نوح’ لقينا، أوفى واحد فينا للعيلة دي ولجدي بوجه الأخص “عُمر”، قومت حضنته، ابتسم وخدني بالحضن وقال: عصبك نشف يا يونس.
“نوح” قال بتريقه: اسكت بقا ليستعرضلك الكام العضلة اللي لسه مخرجهم.
بصيتله بتريقة وقولت: بس يا عود البقسماط أنت.
رفع لياقة البدلة بتاعه وقال: الراجل مش بعضلاته يا نوح، الراجل بعَصبه الناشف وأخلاقه.
ضحكنا أنا و”عُمر” وبعدها ”عُمر” أخد “نوح” في حضنه وقاله: اليومين اللي هتقعدهم هنا هنختبر عصبك يا إبن الخمس نجوم أنت.
“نوح” عدل هيئته وقال: بلاش إحراج يعني، أنا جاي ألعب قرعة وألبي نداء التزاوج وأمشي.
ضحكنا إحنا التلاتة، وبعدها “عُمر” بص حواليه وسأل: أومال فين المثقف التالت؟
: والله إن خيروني بين الزواج وبين العمل لأخترت السفر وإني أغور من هنا خالص عشان دي مبقتش عيشه بقااا، كل شوية استدعاء عشان أشوف حظي وبختي هيطلع مع مين فيهم! هم مبيتهدوش ليه دول!!!! أقسم بالله لسه متفاجئ إن في بنت عم جديدة!
بصيت لـ “عُمر” وقولتله: هو دا المثقف! دا داخل خناقة في حارة.
_______________________
_ جايبني هنا عشان تضمن إني مش هوسخ إسم العيلة!!!
قولتها بصدمة ممزوجة بإنفعال، رفع إيده وقال: استغفر الله العظيم، أنا جايبك وسط عيلتك وأهلك وناسك.
جاوبته بخنقه ودموع: عيلتي وأهلي وناسي!!! وكنتم فين وأنا مرمية أنا وأمي؟؟؟ كنتم…كنتم فين وإحنا بنتعامل زي الحيوانات من إبنك؟ دلوقتي قلبك صحى وضميرك فاق؟؟ و..وليه قررت تجيبني وترمي أمي؟؟
خبط عكازه في الأرض وقال: أمك متخصنيش، لكن أنتِ شايلة إسمي وإسم إبني وتخصي العيلة دي، وبعدين أنا مرمتش إمك، أمك بيوصلها فلوس تكفيها وتكفي احتياجتها لسنين قدام.
قومت وقفت وقولتله بإنفعال ممزوج بدموع قهر على حالي وحال أمي: وهي دي تبقى حرية!!! أنت عامل زي اللي حابسها في سجن.
قطع كلامي وقال بكبرياء: من دهب.
= بس في الأول والآخر إسمه سجن!! هتعمل إيه بالفلوس وهي محبوسة! ذنبها إيه في كل اللي بيحصلها وأنا كان ذنبي إيه!!
قام وقف وحط إيده على أكتافي: أنتِ ملكيش ذنب في أي حاجة، حتى لو أبوكِ كان غلط في حق نفسه وحق بنت عمه بس أنتِ لأ.
شال إيده وبص في الارض وكأنه مش قادر يعترف: وهي كمان ملهاش ذنب بس هي اللي حظها وقعها في عيلة عُرفها هو أساسها، ومحدش من النساوين يقدر يغير كلمة راجل قالها في العيلة دي.
غمضت عيوني ببُكا ورخيت جسمي، حسيت إني أُنهكت وإني أضعف من إني أكمل المواجهة دي…قررت استسلم، لقيت إيده بتمسح دموعي وهو بيقول بنبرة ثقة: دلوقتي تمسحي دموعك وتيجي معايا أعرفك بأهلك وأعرفهم بيكِ، عايزك تدخلي السرايا براس مرفوعة وتنسي أي حاجة سمعتيها، عايزك تحطي رجل على رجل وتختاري منهم اللي يملى عينك ويليق بيكِ…جاهزة؟
_ لأ!
رواية تدخل عائلي الفصل الثاني 2 - بقلم دنيا سعيد فوزي
أنا مش فاهم يعني إيه البنت هي اللي تختار عريسها!! يعني إيه نقعد كلنا قدامها وهي تختار وتنقي!!! أقنعوني.
قالها “يونس” وهو بيضرب كف في كف، بصيتله بإستغراب وقولت ببساطة: أنت كل مرة بتيجي تستغرب وتقول نفس الكلمتين وتمشي! ما أعمامك اتجوزوا بنفس الطريقة، وولاد عمك اتجوزوا برضو وماشاء الله متهنيين.
أتدخل “نوح” وهو بيقولي: تمام يا عم عُمر، بالنسبة للحُب…إيه الدنيا؟ مفيش مشاعر، مفيش أحاسيس، هي جوازة خبط لزق كده علطول!
جاوبه “سيف” وهو بيقول: أتوقع العِشرة هي اللي بتعمل كده، العِشرة كفيلة تخليك تحب الإنسان اللي معاك بالمواقف والأفعال اللي بيعملها عشانك، إلا إذا هو كان بيحب حد تاني وقتها بقا بيعارض العُرف والبدعة دي، وساعتها….
جاوبنا كلنا في نَفَس واحد بقلة حيلة: بيتحرم من الميراث وبيخرج برا العيلة.
“يونس” قرر يخرج عن صمته وطرح سؤال: حد شافها؟
عم “يعقوب” قطع قعدة العرب بتاعنا وقرر يعجلّنا بلقائها: جدكم مستنيكم يا بشوات في السرايا جوا.
عود البقسماط “يونس” قام وقال بإنشكاح واستعداد: استعنا بالله.
____________________________
_ دلوقتي تمسحي دموعك وتيجي معايا أعرفك بأهلك وأعرفهم بيكِ، عايزك تدخلي السرايا براس مرفوعة وتنسي أي حاجة سمعتيها…جاهزة؟
= لأ!
حاول يقنعني بحِكمة وقال: أنا مش هجوزك غصب ومش هجوزك دلوقتي، أنا عايزهم يعرفوكِ وعايزك تعرفيهم، عايز كلمة غير شرعية دي تتمحي من تاريخك وحياتك للأبد، أنتِ مش أقل منهم هنا، أنتِ حفيدتي.
كنت مترددة، هشوفهم كلهم! و…اللي اسمه أبويا هيكون من ضمنهم!
ضغط على إيدي ضغطة زرعت فيا الدفى والأمان، وقال: أنا معاكِ ومش هسيبك.
مش قادرة أتخيل كم الحنية دي وراها إيه! الشخص لما بيعتاد الجفا والقسوة، بيحس الحنية فخ! ولكن معنديش خيار تاني للأسف لإنه أقنعني إني أروح معاه وأدخل السرايا، أخدت نَفس عميق زي اللي بيستعد لحرب، لكن طول ما أنا ماشية جمبه كان عمال يقويني ويقولي افردي ضهرك، ارفعي راسك…أنتِ حفيدة “داغر”.
أول ما دخلت وخطيت رجلي، أول عين اتعرفت عليها كانت هو…بابا، لكنه خذلني! بعد عينه عني وكأني عار أو ضيف غير مرحب بوجوده، حسيت بغصة في صدري تشبه الخنجر، وبعدها لقيت رجالة وحريم في أعمار مختلفة، متجمعين كلهم أعمارهم كبيرة، منهم المرحب بيا ودي كانت الست الجميلة اللي ندهت عليا، ومنهم اللي كان مجبور على القاعدة ومنهم الغضبان، على الجانب التاني كان في مجموعة شباب قاعدين عينهم عليا، بإستثناء واحد بس، بص بصة وبعدها رجع ضم إيده لصدره من تاني وبص قدامه، العيلة دي كلها عيلتي!!! وأنا محرومة منها كل السنين دي!
“جدي” حَس بغصتي، فقرر ينصرني ويعلي من شأني قصادهم، قال بصوت جهوري: حفيدتي وبنت أخوكم عمران، دُنيا عمران داغر الهاشمي، حفيدة شرعية ليا وللبيت دا.
تلقائي لقيت نفسي برفع راسي، حسيت إن دلوقتي بس ليا مكان انتمي ليه، دلوقتي بس بقى عندي ضهر وسند بحق! عيوني قررت تضعف وتضعفني معاها وتجمع دموع الفرحة الممزوجة بالحزن في نفس الوقت، اللحظة دي حلمت بيها سنين، يا خبر على طعم الإنتماء بعد سنين من الإنكار!
كمل كلامه وهو بيقول: قوم يا عمران سلّم على بنتك وخدها في حضنك ولا أنت محتاج تتعلم إزاي تتعامل مع بناتك!
الصدمة حلت على الكل، لكن أنا صدمتي مختلفة، أنا متحضنتش من أول ما اتولدت! معرفش معنى الكلمة دي إيه ولا إيه شعورها! معرفش أصلًا معنى كلمة أب وحنان الأب!
طبعًا لأن الكل هنا بيحترمه، قام وقف ولبىٰ النداء، وجه وقف قدامي بعبايته اللي زودته ضخامه وهيبه في نظري، مكنتش قادرة أبص في وشه لكنه أجبرني على السلام وقال وهو بيضمني ليه بحضن جاف: نورتي بيت جدك.
مقدرتش أبادله الحضن، ولا حتى ابتسامة ضعيفة، رجعت وقفت جمب جدي من تاني.
_ دلوقتي مش عايز غير أحفادي بس اللي يكونوا موجودين والباقي يتفضل.
قالها وهو بياخدني عشان يقعد على الكرسي الكبير ويقعدني جمبه، وفعلًا الحركة بدأت تنتشر في المكان بعد جملته.
المكان فضى عليا أنا وعدد كبير من الشباب والبنات، أغلب البنات في نفس سني أو أكبر حاجات بسيطة، والشباب حسيتهم أكبر مني بكام سنة، إلا واحد بس اللي حسيته كبير ومسؤول.
_ البنت من أحفادي أول ما توصل سن العشرين لازم ولابد يدخل حياتها راجل، ولإني مأمنش عليكم ولا على ورثكم مع راجل غريب لازم، أزواجكم يكونوا من العيلة، هتلاقي فين حد يخاف عليكِ وعلى أملاكك أكتر من إبن عمك ولا إبن عمتك ولا حتى إبن خالتك؟
الكل كان قاعد ساكت، مُستمع، صاغي، وكأن اللي بيتقال شرع وقانون غير قابل للنقاش فيه، كمل كلامه وقال وهو بيشاور على اتنين: عائشة كتبت كتابها على تميم أول ما تمت العشرين، واتجوزوا وهي 23، ودلوقتي هي عندها 26، حدانا هنا مفيش خطوبة بدون كتب كتاب، تكتبوا الكتاب وتتعرفوا على بعض براحتكم كده كده محدش فيكم هيتجوز غير التاني، وقعت الفاس في الراس خلاص.
بص للشاب وسأله: قولي يا تميم، ندمان؟
جاوب “تميم” بكل رضا وقال: أبدًا يا جدي، دا أنا لحد اللحظة دي ممتن لليوم اللي اختارتني فيه عائشة، نِعم الزوجة والرفيقة.
قاطعه بمشاكسة: خلاص يواد أنشف كده مش هنقول شعر إحنا.
ابتسمنا كلنا على جملته، ورغم استغرابي من اللي عيوني بتشوفه، ووداني بتسمعه لكني كنت مستمتعة فابتسمت معاهم بكل بلاهة.
بص للبنت وسألها: كنتِ راضية عن اختيارك لتميم يا عائشة؟
اكتفت “عائشة” بتحريك راسها وقالت: الحمد لله يا جدي، راضية وشاكرة وحامدة ربنا.
_ طب الحمد لله، وأنت يا سفيان إيه رأيك في جوازك من جنة بعد 5 سنين جواز؟
= الحمد لله يا جدي هي جنة فعلًا إسم على مسمى.
فضل يسأل كل اتنين متجوزين، وكنت في قمة إذبهالي! إزاي دا بيحصل! بنت هي اللي بتشاور وتختار شريك حياتها؟؟؟ طب لو في واحدة لسه مجاش دورها كانت معجبة بواحد واللي عليها الدور اختارته بيحصل إيه! حسيت إني عايزة أضحك من الإحراج ومن اللي الأسئلة الغريبة اللي عقلي بيطرحها ولكن لحسن حظي اتحكمت في أخر دقيقة، لسه برفع عيوني لقيتها عرفت طريقها لعيون سرقوا فضولي أول ما دخلت هنا…عيونه.
_ دُنيا.
قطع تفكيري صوت “جدي” وهو بينده عليا وقال: مين أخد عقلك؟
اتوترت يكون لاحظ نظراتي لكن كمل: متسرحيش يا حبيبتي ومتخافيش لسه أوانك مجاش.
__________________________
القعدة انفضت واللي فهمته من كلام جدي إنها كانت بغرض طمئنت الحفيدة الجديدة، وتعرفيها بالعُرف الخاص بعيلتنا أو بمعنى أصح البدعة، حاولت أسترجع ملامحها، غمضت عيوني في محاولة بائسة مني لإني للأسف مدتنش نفسي حق النظر ليها لفترة وجيزة حتى، وفجأة ملامحها زارتني، كانت صغيرة…صغيرة في كل حاجة حجمًا وشكلًا ومضمونًا…جه في بالي سؤال في اللحظة دي “إزاي واحدة في رقتها وهشاشتها أستحملت لقب الإبنة الغير شرعية طول الوقت دا؟”
قررت اخليني في حالي وأروح الأسطبل أصفي ذهني هناك.
___________________
كنت حاسة إني مفتقدة الهوا من شحنة الطاقة اللي اتعرضتلها النهاردة دي، فخرجت للبلكونة، كان فيها زي قعدة جميلة ومريحة، قررت أملي عيني منها ولكن فجأة اتخضيت من اللي شوفته!
_ أنت مين؟
= يونس…إسمي يونس.
_ وبتعمل إيه هنا؟
= بشم هوا زيك بالظبط.
بص حواليه عشان يتأكد إن مفيش حد حواليه وبعدها قال بهمس: أرجوكِ متختارنيش، أنا لسه صغير على الجواز.
ضحكت للأسف على أسلوبه، ضحكت من قلبي رغم عدم قدرتي على الضحك.
حسيت إنه برفضه ليا أقدر أتكلم معاه على راحتي، فسألته: طب ليه جيت هنا؟
قعد على الكرسي وقال: محدش هنا عنده رفاهية الرفض للأسف، هنا في حرمان من الورث وتنطرد برا العيلة، تكوّن نفسك من أول وجديد وتبدأ من الصفر.
_ امممم.
قالي بمشاكسة وهو بيحط إيده على صدره كنوع من التعزيز: لو تحبي أرشحلك حد أنا في الخدمة.
حسيت إني ارتحت ليه فقعدت قدامه على الكرسي وقولت بفضول: لأ، أنا عايزاك تحكيلي عنهم بس من باب الفضول مش أكتر، كده كده جدي قال إنه مش هيجوزني دلوقتي.
= أكيد طبعًا أنتِ متعرفيناش عشان يجوزك، لازم تعرفينا وتعرفي شخصية كل واحد فينا وعلى أساسه تختاري، أومال إحنا جايين من قفانا ليه؟ وسايبين اللي ورانا واللي قدامنا؟ مهو عشان سيادتك نشربك المعرفة بالمعلقة والشوكة والسكينة والمغرفة كمان لحد ما تطفحي وتقولي شبعت.
_ هو أنا حاسة إنك بتهزقني بطريقة غير مباشرة؟
= إزاي متأكدتيش؟ وبعدين غير مباشرة إيه؟ دا أنا بقولك في وشك تطفحي عايزة وضوح إيه أكتر من كده!
_ نعم!!!
= بهزر أكيد.
_ متهزرش معايا تاني بقا.
= حاضر، حابة نبدأ من مين؟
_ معرفش قول أنت.
= بصي يا ستي، لو عايزة حد عاقل ومسؤول وتسندي عليه وأنتِ مغمضة يبقى عُمر، لكن لو عايزة حد تافه يبـ….
= يبقى أنت؟
_ للدرجادي؟ دا أنا مكملتش ربع ساعة معاكِ! لحقتي تعرفي!
ضحكت وقولتله: لو مكنتش كده مكنتش قعدت معاك أصلًا.
حط رجل على رجل وقال: متحاوليش مش هتاخديني برضو، إن شاء الله على ما يجي دوري تكونوا خلصتوا كلكم واتجوز أنا من برا.
حركت راسي بيأس وأنا بحاول اتحكم في ضحكتي: طيب ممكن تكمل يا أستاذ يونس؟
عدل قعدته وقال: بصي يستي لو عايزة حد مثقف يكلمك في الخلافة والأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويكتبلك أشعار ونصوص وتبقي بطلة روايته…يبقى سيف، أما لو عايزة حد حنين فعلًا حنية خامة وجدع ويفضّلك على نفسه يبقى نوح.
قطع كلامنا دخول بنت يُعتبر في سني أو أكبر بسنتين لكنها كانت حُرة جميلة! شعرها قصير ولابسة كاجوال وملامحها نفس حدية ملامح جدي وأبويا، بصت لـ “يونس” وسألته: عُمر فين يا يونس؟
حسيت إني غيرانه، معرفش من هيئتها الحُرة ولا من نطقها لإسم “عُمر” الإسم اللي لفتني فيهم!
بصتلي بإستغراب وبعدها قالت: أنتِ مين؟؟
“يونس” قرر يتدخل ويرحمني من صعوبة الجواب: دي دُنيا يا روح…أختك.
= إيه؟!!!
رواية تدخل عائلي الفصل الثالث 3 - بقلم دنيا سعيد فوزي
عم يعقوب الفرسة اللي كانت تعبانة فين؟!!
= جالها دكتور إمبارح ركبلها كام محلول كده والحمد لله بتتحسن.
_ طيب هدخل أشوفها وأنت روح ريح جسمك شوية، لسه الليلة طويلة النهاردة.
ابتسم وسألني: شوفتها؟
حركت راسي بالموافقة واكتفيت بإن دا رد كافي، سألني تاني: وإيه رأيك فيها؟
حسيتها جملة مهينة أوي للبنت! فاتحمقت وأنا بقول: يعني إيه، إيه رأيي فيها!! هي بضاعة يعم يعقوب وهنعينها؟ وبعدين الرأي مش رأيي وأنت عارف وفي الأول والآخر أنا معرفهاش ومعرفش جت علينا من أنهي مكان، أنا داخل أشوف مُهرة، عن إذنك.
دخلت جوا وأنا حرفيًا بكلم نفسي، البنت اللي شبه حباية الكاجو دي جت شقلبت الدُنيا!! الموضوع مكنش بياخد وقت وكانت العروسة بتختار عريسها المناسب مننا والليلة بتنفض، أما دي…فشكلها هتاخد من طاقة كل واحد فينا شوية.
اطمنت على مُهرة وأكّلت بقيت الأحصنة وفجأة سمعت صوت همس بدأت أقرب تجاه الصوت أكتر لقيته صوت عياط!!! خرجت برا وأنا ماشي ورا الصوت لقيت طفلة قاعدة على قومة قش ودافنه راسه في رجليها وعمالة تعيط!!!
حمحمت قولت يمكن تاخد بالها ولكن لا حياة في مَن تنادي! قررت أتدخل بقا.
_ يا أنسة.
وقفت عياط ورفعت راسها…طلعت هي!!! ويا الله على دي ملامح ممزوجة بالحَمار والبُكا، جفونها الملتهبة من البُكا زادتها فتنة وجمال، أخدت نفس وحاولت أبعد عيني عن تفاصيل ملامحها وأنا بسألها: مالك؟ بتعيطي ليه؟ حد ضايقك جوا؟
مسحت دموعها وقالت بإنفعال ضعيف:هو مفيش خصوصية هنا خالص! هو كل ما أروح في حته في السرايا دي يطلعلي واحد منكم! الواحد ميعرفش يفك عن نفسه شوية!
قد إيه كانت حلوة وهي ساكتة! وهي ساكتة بس، بصيتلها بإستغراب وأنا بقولها: أنتِ كده بتفكي يعني؟
جاوبتني بلماضة وهي بتمسح دموعها وبتبعد وشها عني: دا لو مش هضايق حضرتك يعني.
قررت أنسحب بهدوء، فرفعت كتفي بلامبالاة وقولت: تمام، زي ما تحبي.
أول ما اديتها ضهري وخطيت خطوة لقيتها بتوقفني بسؤالها: مين روح؟
عقدت ملامحي ولفيت ليها وأنا بقول: أختك.
قربت منها بهدوء: دا السبب اللي مخليكِ بتعيطي؟
بصتلي بنظرة فيها مسحة عتاب لاستهزائي بسبب عياطها، فقررت أنزل أقعد جمبها على القش وقولت: والدموع دي بقا حيرة ولا غيرة!
بصتلي فجأة وضيقت عيونها زي القطة اللي على إستعداد للخربشة: غيرة!
= امممم.
_ وهغير منها ليه؟؟
= قوليلي أنتِ؟
_ أنا مش غيرانة.
= لأ غيرانة.
بصيت في عيونها لقيتها بتضيق عيونها أكتر وبتقول بغيظ أكبر: بقولك لأ!
جاوبتها بثقة وابتسامة خفية بان أثرها على شفايفي: وأنا بقولك أيوا.
_ أنت عايز تخليني غيرانة بالعافية!!!
= كان عندك خيار تاني ومسكتي في الغيرة.
بصت قدامها وسكتت شوية وبعدها قالت بنبرة حزن: أنا عندي عشرين سنة، 5 سنين منهم بيتقالي أنتِ مش هي، والـ 15الباقيين بتقارن بيها وإنها أفضل مني في كل حاجة، كان ذكري لإسمها جريمة بعقاب وكأني وسخت الإسم أو وسختها هي، كان بيأكلني كرهي ليها بالمعلقة.
قالت أخر جملة بإبتسامة جانبية وراها ألم كبير دفين جواها، سألتها وأنا بتابع الدمعة اللي نازلة من عنيها بخط مستقيم: هي قالتلك حاجة؟
_ لأ، بس عاملتني بتعالي كأني مشبهش أكون أخت ليها.
= لا طبعًا، جدي عززك هنا ورَد اعتبارك وكرامتك، يكفي إن صوته علا على عمي عمران إبنه الكبير قدامنا كلنا وكان لأجلك، متزعليش هي روح كده…دايمًا عندها تعالي تجاه أي حاجة غير مألوفة بالنسبالها بس لما تعرفيها هتحبيها.
_ هي ليه متجوزتش لحد دلوقتي؟ ولا أوانها مجاش؟
= روح ماسكة شغلنا اللي في القاهرة وبتنزل هنا في الأجازات أو وقت استدعاء جدي، بنت قوية وحرة محدش يقدر ياخد منها كلمة بدون راضاها وتقف في وش أتخن تخين، عشان كده جدي سايبها على راحتها.
_ هي البنت الوحيدة؟
= هي الوحيدة اللي كان عندها شغف العلم والمعرفة.
كنت بتكلم وأنا متقصد أشوف ملامح وشها، وكل ما كنت بمدح روح أكتر كل ما ملامحها بتتغير وبتتشد أكتر، واثق إنها كرهتها أضعاف دلوقتي زي ما واثق إن كرهها لروح هي ملهاش ذنب فيه، هي فعلًا شربته في كاسات من عمي، حاولت أديها ثقة في نفسها وأبعد الضوء عن روح شوية.
_ أنتِ كمان يا دُنيا تقدري تبقي قوية.
= إزاي؟
قالتهالي بلهفة زي العيلة الصغيرة اللي اتشعبطت في لعبة، فإبتسمت وقولتلها: بإنك تقولي لجدك إنك عايزة تكملي تعليمك وتدخلي كلية، وبكده علامك هيبقى سلاحك.
عيونها لمعت بأمل من تاني وقالتلي: تفتكر؟
حركت راسي بثقة، لقيتها ابتسمت وكأنها شافت طريقها فعلًا، مسحت دموعها وقامت من على القش، بدأت تشيل الكام قشاية اللي اتعلقوا فيها من رقتها وكل دا تحت نظراتي، رفعت راسها وقالتلي وهي بترفع صابعها في وشي بتهديد لذيذ: أوعى تقول لحد إني عيط، أنا مبحبش أعيط قدام حد بس أنت اللي اقتحمت مكاني.
قومت أنا كمان وقولتلها وأنا بشيل أثر القش: دا مكاني، أنتِ اللي اقتحمتيه وأزعجتي الأحصنة بتاعي.
سألتني بدلع غير مقصود، أو يمكن أنا اللي بقالي كتير مختلطش بالجنس الأخر: وأزعجتك؟
حركت راسي بالنفي بدون إرادة مني وكأني مسحور، ابتسمت ومشيت وبعدها لفت سألتني: أنت مين؟
_ عُمر.
جاوبتني بتنهيدة وإذبهال: عُمر!!!
____________________
_ بابا.
= تعالي يا روح، أدخلي.
كان قاعد بيحسب أرقام الشغل ودخل العمال، قلع النضارة وفتح ليا إيده، ابتسمت وجريت عليه، ضمني ليه وكعادته شم ريحتي وهو بيقول: ريحة أمك فيكِ يا روح، سبحان الله مهما كبرتي وروحتي وجيتي هتفضل فيكِ برضو.
ابتسمت وأنا بترحم عليها بحنين: ربنا يرحمها ويبارك في عمرك يا حبيبي.
قعدت على المكتب وأنا ببص في عيونه وبقول: بنتك التانية جت.
رجع لبس النضارة وفتح الملفات اللي قدامه وقال بعدم اهتمام: جدك اللي طلب حضورها.
= ليه؟
_ عشان شايلة إسمي وإسمه وليها حق في العيلة دي.
= وأنت ليه مش مبسوط بوجودها؟
_ لا مبسوط ولا زعلان، اللي ليه حق ياخده وخلاص.
= بس دي بنتك حتة منك وشايلة إسمك زي ما بتقول.
_ جت غلطة مش أكتر.
= لا يا عمران بيه دي مش غلطة، الغلطة هي إنك اتجوزت على أمي الله يرحمها اللي ماتت بقهرتها من فعلتك…ودي الناتج، يعني في الأول والأخر أنت المسؤول، ودي شيلتك والمفروض تتقبلها.
قلع النضارة وبص ليا وقال بإختصار وكبرياء بيجري في دم عيلة الهاشمي: وأنا مرمتش شيلتي، هي عندك تحت….روحي غيري هدومك يا روح أكيد أنتِ تعبانة من السفر.
كان بينا نظرات متبادلة، نظرتي كانت مليانة تحدي متداري وراه عتاب خفي ونظرته كان فيها جمود وكأنه بيقول محدش يقدر يجبرني على حاجة.
نزلت من على المكتب وقولت: لأ متخافش عليا، أنا متعودة على السفر، خاف على نفسك يا عمران بيه أنت بتكبر وأنت مش واخد بالك.
= تقصدي إني أعمل حساب لأخرتي؟
لفيت ليه وقولتله بغمزة وابتسامة: طول عمرك بتفك الشفرة يا والدي.
__________________________
_ نوح لازم تقعد معاها والله لذيذة.
= أنت بتخلع يالا وعايز تلبسهالي.
_ يجماعة ادوني فرصة أكشفلكم نفسي، مش معقول دايمًا كده كشفني!
= بس يا يونس روح تابع الشغل مع روح ووافق على الإيميلات المركونة دي.
_ طب يبني مهو لازم تقعد معاها عشان لو ليك نصيب فيها، طب تصدق وتؤمن بإيه؟
= لا إله إلا الله.
_ محمد رسول الله.
= يسيدي عليه أفضل الصلاة والسلام، نختم البقرة طيب؟
_ لا كنت هقولك يعني إنها لايقة عليك، تخيل كده دُنيا ونوح، والله دا إحنا نجيب دبلتين بقا ونبارك.
= دا أنا اللي هجيب أجلك دلوقتي لو سمعتك بتقول قولت الكلام دا قدام حد يا زفت.
فجأة لمحتها جاية من بعيد، حسيت إنها فرصة مناسبة للإنسحاب عشان تتعرف على “نوح”، فقولتله: تصدق أنا فعلًا لازم أقوم أشوف اللي ورايا دلوقتي، وأنت كمان شوف اللي وراك.
= لا أنا مسلّم كل الإيميلات والشغل بيتنفذ من العمال.
_ لا أنا قصدي اللي وراك حرفيًا، اللي وراك بجد.
بص وراه وبعدها ندهت عليها: دُنيا.
بصتلي وابتسمت وهي بتسألني بملامحها، شاورتلها تيجي، وطبعًا كنت بتشتم بأسوأ الألفاظ ولكن كان لازم ابتسم لدُنيا وأعمل عبيط عشان تطمن وتيجي.
: في حاجة يا يونس؟
_ نوح يا ستي، عايز يتعرف عليكِ.
“نوح” بصلي وسبلي في سره وبعدها قال وهو بيبصلها: هو يونس بيحب يهزر، أنتِ لسه متعرفيهوش أوي.
بصتلي وقالت ببساطة: لا مهو أنا عرفت إنه تافه هو اعترفلي.
”نوح” ضحك ضحكة عالية لحد ما تقريبًا عيونه دمعت من الضحك، بصتيلها وقولتلها: لا يا ماما هي مش معلومة عامة هي! دي حاجة بينا بس، طب والله لأنا ماشي.
“نوح” وقف ضحك وقالي: ولااا أنت بتتلكك يالااا ولاااا خد.
_________________
بصيت للرحيل “يونس” وقولت: حركة بايخة أوي منه.
_ أخدتي بالك؟
حركت راسي بالموافقة، شاورلي على كرسي من كراسي الجنينة وقال: اتفضلي أقعدي، متقفيش.
ابتسمت وقولتله وأنا بقعد: أكيد أنت نوح.
بصلي بإستغراب وقال: عرفتي منين؟
_ باين عليك، حساك نوح كده.
= يعني مش يونس اللي قالك؟
_ هو أداني إشارة أعرفك بيها.
= وإيه هي بقا؟
_ الهدوء والحنية.
= هو قالك كده؟
_ أها.
= كتر خيره والله أول مرة يعمل في حقي حاجة عدله، دايمًا بيلبسني في المشاكل ويخلع هو.
_ أنتم أخوات؟
= للأسف.
_ مين أخو مين هنا؟
= أنا ونوح أخوات ولاد عمك منصور، سيف وسفيان أخوات ولاد عمك جابر، تميم وعُمر أخوات ولاد عمك راضي.
_ وبالنسبة للبنات؟
بدأ يسردلي ويحكيلي إسم وقصة كل واحدة فيهم، وإزاي أتجوزت والطريقة اللي اختارت بيها جوزها، قعد يضحكني شوية وشوية تانية يفهمني حاجات مكنتش واضحة بالنسبالي في العيلة دي، كان هادي حتى في ضحكه.
_ كده تقريبًا متعرفتيش على سيف.
= لأ، بس حاسة إنه عميق.
_ فعلًا هو عميق وجميل بس برضو متتسرعيش وخدي وقتك.
= أنت مش حابب تتجوز زي أخوك؟
_ محدش مش عايز يتجوز، لإن محدش بيكره الونس، الفكرة في الوقت والشخص.
= بمعنى؟
_ بمعنى إن في مننا اللي مستعد يشيل المسؤولية ويدخل شخص حياته يكمل معاه الباقي من عمره دلوقتي، وفي اللي لأ، وكذلك في اللي عنده إستعداد يدخلك أنتِ تحديدًا حياته وفي اللي لأ برضو، ودا مش عيب فيكِ إطلاقًا، أنتِ أنثى جميلة ورقيقة، لكن كل واحد وذوقه.
= أنت طلعت نوح فعلًا.
ضحك وسألني: يعني إيه نوح فعلًا!!
ابتسمت وقولتله: يعني طلعت زي ما كنت متخيلاك.
حط إيده على صدره زي حركة “يونس” وقال بإحترام: الله يعزك يستي، هستأذنك بقا أدخل جوا عشان في شغل لازم يتم.
= أكيد أتفضل.
مشي وسابني، وفجأة هلت نسمة هوا حاوطتني، غمضت عيوني واستسلمت للمستها الناعمة، فتحت عيوني وبصيت حواليا لقيت الليل بدأ يسيطر على المكان، الأنوار بدأت تشتغل والأصوات ورايا بدأت تعلى والخيل بدأ يعلن حماسه.
ابتسمت وقولت: حكايتي هتبدأ هنا وهتكمل هنا.
_ دُنيا.
بصيت ورايا لقيت شاب باين من ملامحه إنه “سيف”، للأسف ضحكت لإني حسيت نفسي في فيلم كده رضا، ضحك على ضحكتي وسألني: في إيه؟
قولتله وأنا بضحك: لا مفيش، بس يعني كل شوية يطلعلي واحد فيكم.
_ تسمحيلي أقعد؟
= أكيد، أتفضل.
قعد وقالي: أتوقع هتلاقينا كلنا حواليكِ بس دا مش لأجل النيل بيكِ، لأجل إن كلنا في بيت واحد.
_ وأنت بتعمل إيه هنا بقا؟
= والله جدي قالي روح لدُنيا وشوية وهاتها وأدخلوا.
_ ليه؟
= أكيد باين إنه عايزنا نتعرف على بعض يعني بس بطريقة غير مباشرة
_ ليه كلكم غير مباشرين كده!
= لأن كلنا أذكياء، وبنفهم اللي قدامنا بيرمي لإيه بالظبط، حتى أنتِ كمان هتلاقيكي كده، أنتِ كمان فيكي عرق عيلة الهاشمي.
_ معتقدش إني زيكم.
= بالعكس أنتِ تلقائيًا هتلاقي نفسك بتتصرفي زينا، بتتكلمي زينا، بتفكري زينا، أنتِ بس عشان كنتِ طول الفترة اللي فاتت بتقنعي نفسك إنك مش مننا، فعقلك صدق، أديله بقا فرصة من دلوقتي يصدق إنك مننا والباقي هيجي لوحده.
ابتسمت ليه وقولتله وأنا بفتكر كلام “يونس” عليه إنه مثقف وعنده فلسفة: معاك حق…أنت سيف.
= عرفتي منين؟
_ أنت الوحيد هنا اللي لسه متعرفتش عليه.
= يشرفني أكيد.
_ وأنا كمان اتشرفت بيك.
= قوليلي إيه اهتماماتك أو هواياتك؟
_ بحب أقرأ كتير بصراحة وكذلك الرسم والتظليل.
= واو! بتقرأي لمين؟
بدأنا نتكلم عن الروايات والاقتباسات المعروفة بكل شغف وكأننا بنعلي على بعض في المعرفة، وبدأ يعرض عليا كذا حاجة كتبها وكنت مبهورة بسلاسة كتباته، وكنت مستمتعة أكتر بقد إيه هو شخص واعي ومدرك لأكتر من حاجة وأكتر من مجال، نهينا كلامنا بإبتسامة وضحكة خفيفة وبعدها جاله استدعاء شغل من جوا، استأذن ومشي.
أخدت نَفس عميق وبدأت أقارن ما بينهم كنوع من التسلية، “يونس” خفيف الظل، أبيضاني، وشعره أسمر، جسمه متوسطة وكذلك طوله متوسط، كنت بتكلم معاه على طبيعتي لإني واثقة إني مش هتفهم غلط، أما “نوح” فهو برضو أبيضاني بس أشقر، عيونه طيبه، جسمه ضعيف شوية عن “يونس” لكن قعدته مريحة أكتر، أما “سيف” فهو قمحاوي، رياضي، هادي، شعره أسمر وعيونه غامقة راسيه، تحسه طول ما هو قاعد بيقيم اللي حواليه، متقدرش تحدد هو بيهزر ولا بيتكلم جد، قعدته كلها فضول إني أكشف ورقه أكتر وأكتر لإنه دايمًا عنده معلومة وجواب، أما “عُمر” فهو مزيج منهم كلهم، قمحاوي وأشقر ودا اللي مخليه ملفت، رياضي وطويل، عيونه حاده لكنها لما بتلين بتبقى حنينة وجميلة بشكل! حسيت معاه إني طفلة بتستعيد طفولتها، وهو الحامي اللي بيراضيني وبيوجهني للصح.
فغمضت عيوني وسندت براسي على ضهر الكرسي وقولت: يا ترى نصيبي فين؟
رواية تدخل عائلي الفصل الرابع 4 - بقلم دنيا سعيد فوزي
دُنيا هتنام في أوضة روح.
جملة قالها “جدي” وسط القعدة، بصيت لـ “روح” لقيتها بتكمل أكلها عادي وكله عينه في طبقه، وكأن اللي قاله دا فرمان غير قابل للنقاش والتعبير عنه.
خلصنا أكل ودخلت المطبخ معاهم، لقيته كبير وواسع، كان في حريم كتير جوا وكلهم لبسهم بسيط لكن لايق عليهم، عيني كانت بتدور على الحورية الجميلة المميزة اللي شوفتها أول ما جيت، بس مكنتش موجودة للأسف.
_ بتدوري على حد؟
سؤال طرحته عليا واحدة من الموجودين، فحركت راسي بالنفي، لقيتها كملت بإستنتاج: يبقى بتدوري على جميلة.
سألتها بفضول: مين جميلة؟
_ دي مرات مراد النعماني.
نطقت الإسم بإستغراب، لإن “نوح” وهو بيعرفني عن العيلة دي مذكرش الإسم دا، فبصيت ليها ورجعت سألتها: مين مراد النعماني؟
قالتلي بهمس: دا أول واحد عصا قانون جدي داغر، ووقف في وشه وقاله لأ، هتجوز اللي عايزها ومن وقتها وإسمه مش بيتذكر هنا بإسم عيلة الهاشمي، وبيتنده بإسم عيلة أبوه.
افتكرت جملة “يونس” وهو بيقول “مفيش رفاهية الرفض للأسف، بتنطرد برا العيلة دي وتكون نفسك من أول وجديد وتبدأ من الصفر”
رجعت سألتها تاني بعد ما حسيت كل المعلومات دخلت في بعضها: أنا مش فاهمة حاجة!!!
أخدتني من إيدي وهي بتقول: أنا هقولك.
طلعت بيا على أوضة بسيطة من أوض السرايا وقفلت الباب، قعدت على السرير وشاورتلي، روحت قعدت جمبها وبدأت تحكيلي: مراد دا إبن عمتك مُنى يعني منسوب لعيلة أبوه اللي هم عيلة النعماني، بس هنا جدي بيخلي إبن بنته كمان يمشي بقانونه عشان يضمن إن ورث بنات العيلة دي كلها مياخدوش راجل غريب، لكن هو قرر يتجوز بنت عمه، جميلة النعماني ودي في نظر جدي بنت عيلة تانية.
_ طيب ولما عارض؟
= اتحرم من حقه وورثه هنا.
_ هو ليِه ورث؟
= أكيد، جدي كاتب لكل واحد فينا نصيبه عشان لو لا قدر الله حصله حاجة كل واحد يبقى عارف هياخد إيه بالظبط.
_ وليه جميلة هنا؟
= عشان مراد بعد ما اتحرم من دخول البيت دا من 6 سنين، كوّن إسمه، رجع طلب الرضا من جدي.
_ ليه؟
= عشان جدي جه عليه فترة وتعب وكان حداد على البيت كله وقت موت الست نعمة مرات أبوكِ، لأنها كانت غالية عليه أوي.
وقتها صابتني غصة وجعت قلبي، كان شعور يشبه الغيرة، وسألت نفسي ليه هي تتكرم حتى بعد موتها وأمي تترمي وتتحبس وهي عايشة! ليه هم أخدوا حاجات وعملوها ملكية خاصة بيهم رغم إنها حقنا إحنا كمان!
رجعتني تاني لأرض الواقع وهي بتقول: المهم، هو رجع طلب منه العفو والسماح وفضل يبوس إيده عشان يرضى عنه، جدي طلب منه يجيب مراته ويجي هنا، ومن وقتها وجميلة هي المشرفة وست البيت دا بعد موت الست نعمة، وبقت حبيبة جدي كمان.
_ طب ومراد فين؟
= مراد في القاهرة، ملوش إنه يجي دلوقتي غير على فرحك، لإنه خلاص نال حظه.
“فرحك”! كلمة ولدت جوايا الرعب، حسيت قد إيه أنا صغيرة على الكلمة دي، وحسيت قد إيه فروع العيلة دي كتيرة ومبتخلصش، كل ما أقول خلاص بدأت أعرفهم، أطلع مسكت إبرة في كوم قش!
_________________
_ مش متضايقة إنها هتنام معاكِ في أوضتك يا روح؟
بصيت لجدي وقولتله: لأ يا جدي، كلامك سيف على رقبتي.
ابتسم ورفعلي إيده أبوسها، ابتسمت وقربت منه وانحيت على إيده بوستها، بعدها نزلت على الأرض وسندت راسي على رجله وأنا بتخلى عن كل ذرة كبرياء رسمتها على وشي النهاردة، بدأ يمشي إيده على شعري، غمضت عيوني واستسلمت للحظة الهادية دي.
_ لو الحِمل تقيل قوليلي وأنا أرجعك هنا وسطنا من تاني.
ابتسمت وأنا لسه مغمضة ومستسلمة للمسات إيده: قدها يا جدي.
_ قدها وقدود يا حبيبة جدك، أومال أنا معتمد عليكي ليه وسايبك على راحتك ليه؟
فتحت عيوني فجأة، لإني فهمته! عيبنا إننا هنا بنفهم بعض كويس وللأسف توقعت سؤاله.
_ مش ناوية تختاري مع أختك؟
ابتسمت لإني جبتها صح في دماغي، رفعت راسي ليه وسألته: تفتكر مين المناسب ليا يا جدي فيهم؟
قالي بدون تفكير: سيف.
_ توقعتك هتقول عُمر!
= أنتِ وعُمر الاتنين بتحبوا القيادة ودماغكم ناشفة، مينفعش أنتم الاتنين تكونوا في علاقة سوا، أخركم علاقة عائلية أو تتقابلوا في الشغل، لكن سيف قوي يليق بيكِ ك روح البنت اللي محدش يقدر عليها ولا يخليها تخضع بسهولة، وفي نفس الوقت عنده الوعي والإدراك الكافي إنه يمتص غضبك وانفعالك بفلسفته ودماغه الكبيرة.
سرحت في كلامه وبدأت أشوف الصورة بشكل مختلف، “سيف” كلامي معاه محدود لكنه الحل الوحيد قدامي، لأني مهما ماطلت…لا مفر من قرار جدي.
____________________
قررت أطلع الأوضة وأهرب من أفكاري ومخاوفي بالنوم، كان مرهق بشكل استنزفني، طول ما أنا ماشية كنت مبهورة بالتصميم بتاع البيت، حتى البيت يشبههم، عميق وكله غموض.
دخلت أوضة “روح” اللي المفروض هبقى شريكة فيها، شغلت النور وبصيت حواليا، كانت هادية ومعزولة عن باقي الأوض، كانت مميزة شبهها، خرجت البلكونة عشان أشم هوا، لقيت أوضتها بتطل على الأسطبل، دققت بعيوني أكتر لقيت “عُمر” واقف بكل شجاعة بيروض الخيل، تقريبًا لمح ضوء الأوضة عشان كده ثبت الخيل مكانه واتحكم فيه باللجام ووقف بص تجاهي، رفع إيده كتحية، تلقائي إيدي اترفعت وبادلته التحية وبعدها سمعت صوت الباب بيتقفل!
بصيت ورايا لقيت “روح” بتبصلي بنفس نظرة التعالي، أخدت نفس عميق وبصيت لجهة مخالفة، للأسف طاقتي خلصت النهاردة.
_ تعرفي يا دُنيا إن بينا حاجة مشتركة؟
كنت حاسة إني سامعة “عمران” أبويا، نفس ضيق عيونه، نفس كبرياءه وهدوءه، ركزت في ملامحها ووقفتها الواثقة فحسيت قد إيه كفتها رابحة، هي اتربت وسط عيلة سندتها ووقفتها على رجليها لحد ما بقت كده، وأنا اتعلمت الهروب لإني كبرت على إن أبويا دايمًا بيهرب مني ومن أمي، فجاوبتها وأنا ببص في عيونها.
_ إن بيجمعنا نفس إسم الأب.
= ونفس الكره ليِه.
_ كره!!
= أتجوز أمك في السر على أمي، ودا سبب موتها، يعني هو سبب حرماني منها الباقي من عمري.
_ يكفي إنه كان معززها وهي عايشة، لكن أمي من أول ما دخل حياتها وهي بتتعرض لمعاملة الأحصنة هنا متقبلش بيها وتقدر ترفع صوتها وتعترض عليها عادي بس هي لأ، ومع ذلك كانت راضية وصابرة عشاني.
رسمت ابتسامة جانبية على وشها وقالت بإستهزاء: عشانك ولا عشان الفلوس؟
رفعت صابعي في وشها بإنفعال: إياكِ، إلا أمي.
بصت لصابعي ورجعت بصت لعيوني تاني وقالت: روحي غيري هدومك وارتاحي يا دُنيا، واضح إن أعصابك تعبانة من طول اليوم عليكِ.
_ أنا أعصابي مش تعبانة، أنتِ بس اللي محتاجة تنقي كلامك وأنتِ بتتكلمي معايا.
فتحت الدولاب وخرجتلي منه بيجامة مريحة وقدمتهالي وهي بتشاور على الحمام اللي في الأوضة.
_ معتقدش إنك جايبة حاجة معاكِ…أتفضلي.
بصيت للمبادرة بتاعها دي لفترة وأنا مش قادرة أحدد شخصيتها، هل هي إنسانة كويسة ولا لأ! هل أكرهها ولا هي هتبقى أختي فعلًا!
كنت لسه هاخد اللبس منها، ثبتت إيديها وقالت: بلاش تختاري عُمر.
عرفت عيوني ليها بنفس نظرة الغيرة اللي قابلتها بيها أول مرة: ليه؟؟
_ غيري هدومك وتعالي هستناكِ.
_____________________
_ كلنا كده شوفناها أعتقد.
كنا قاعدين برا في القعدة العربي بتاعنا، وقاطع الصمت التام دا صوت “يونس” وهو بيلعب بالعصاية في قلب الرمل، بصينا لبعض واكتفينا بالصمت، لكن “نوح” قرر يتجاوب معاه.
_ بسيطة وهادية بس ضعيفة.
بصيتله وأنا بقول بتريقة: وأنت عايزها معاك تشيلها طوب ورمل ولا إيه، ما طبيعي البنت تكون رقيقة.
بصلي وقال: براحة يا عم عُمر أنا مقصدش كده أكيد، أقصد إنها هشة وخام.
اختصر ”سيف” كلامه وقال: أنثى يعني.
بصينا كلنا ليه، فاضطر يوضح بفلسفته: يجماعة مهي دي طبيعة الأنثى ودا الطبيعي أصلًا، إنها تكون ضعيفة وهي جمبك، عشان تبقى أنت مصدر الأمان وملجأ الحماية ليها، فهي أصلًا بكده هتعلي ثقتك في نفسك في كل مرة هتبقى تايهة فيها وأنت اللي هتحل ليها مشكلتها وكل دا بدون قصد منها.
عدل قعدته وبدأ يشرح بتوسع أكتر: يعني أنا مثلًا روح على قد ما أنا معجب بدماغها وتفكيرها وأسلوبها بس عمري ما أحبها تختارني شريك، لأنها هتعند وتحب تفرض رأيها في كتير من المواقف ودا لأنها كبرت إن طلباتها مُجابة، فهتاخد وقت على ما تخضع وتسيب دور القيادة، لكن دُنيا قطة هادية اه ممكن تخربش بس مكان ما هتحطها وهتطبطب على راسها هتستكين وتتمسح فيك.
وقتها افتكرتها وهي بتعيط وتظهر ضعفها بكل سلاسة قدامي، وافتكرت برضو عيونها اللي لمعت تاني لما اقترحت عليها حل وكأني قدملتها شيء ذهبي!
حركنا راسنا بإعجاب واقتناع، لكن “يونس” كان عنده رأي تاني: بس أنا محبش دُنيا تختارني.
“نوح” اعترض بتريقة وابتسامة جانبية: وليه بقا إن شاء الله؟ يبني المفروض نسألها هي عن رأيها مش العكس، اتلهي.
رفع اكتافه ببساطة وقال: عادي، أذواق…وهي مش ذوقي المفضل بصراحة، اه روحها خفيفة بس مش عايز أكون معاها في علاقة تكمل لباقي عمري.
حبيت أسألهم كلهم بعد ما “يونس” سلط الضوء على النقطة دي: حد فيكم مش عايز دُنيا تاني؟
“نوح” قال بهدوء: البنت جميلة وعفوية ومعتقدش إن هيبقى في قُربها شقاء يعني ولو على إنها ضعيفة شوية، فعادي يعني كله في إيد الراجل بعدين.
”سيف” رفع إيده وقال: وأنا معنديش مانع أكون الراجل دا، عندنا اهتمامات مشتركة، الحياة معاها هتبقى لذيذة يعني.
جه وقت جوابي، لقيتهم كلهم بيبصولي: إيه؟؟ عادي يعني، معنديش مشكلة معاها…البنت لذيذة وكويسة.
بصيت لشُعلة النار اللي كانت قدام، مكنتش عايز أعشم نفسي بيها عشان محسش إني انخذلت قدام نفسي بعدين لما أسمعها بتنطق إسم راجل تاني.
“يونس” قرر كالعادة يتولى قيادة الانحراف عن الموضوع وقال: حد كلم مراد؟
ابتسمت وقولت: برنس مراد دا، عمل اللي في دماغه وخد البنت اللي بيحبها ورجع تاني خد رضا جدي، املاكه رجعتله ومراته بقت ست البيت….خمسة عليه والله.
“نوح” خرج الفون وقال: تعالوا نكلمه.
“سيف” بص للساعة وقال: الساعة 1 بالليل!!!
قولتله وأنا بفرد ضهري وبحط إيدي ورا راسي: وهو من أمتى وإحنا بيفرق معانا الشكليات دي.
ضحكوا كلهم وبدأ كل واحد فيهم يعمل زيي، “يونس” فتح الاسبيكر لقينا صوت “مراد” طالع:
: لسه فاكرين تكلموني يا شوية أندال ولا العروسة الجديدة كلت دماغكم.
“يونس” أتدخل وقال: قاعدين ولا أجدعها بنت بنوت، الخجل والكسوف واكل مننا حتة، ناقص بس نغطي راسنا عشان جدك ينبسط من أداءنا.
ضحكنا كلنا ولا السكرانين، وكأن الهوا سطلنا فعلًا.
قال بضحك وشماتة: الحمد لله الذي عافانا والله.
“نوح” اتدخل وقال: فوق يالاااا متستعبطش، أنت لولا أبوك وقف جمبك مكنتش هتعرف تعمل حاجة، إحنا مش عارفين ناخد الخطوة عشان ملناش خيار تاني للأسف.
: اه والله دي حقيقة، بس برضو عيشت في أيام سودة زي المنبوذ بسبب نسبي للعيلة دي وجدكم وقف عقبة في حياتي في أكتر من حاجة وكأنه كان حالف يعلمني الأدب، كنت كل ما أقول لحد من التجار إسمي يرفض يتعامل معايا، لحد ما يأست بقا وروحت طلبت المساعدة من أبويا وهو قام بالواجب.
“سيف” أتدخل وقال: المهم النتيجة يحبيب أخوك، إسمك بقا مستقل دلوقتي وبقيت منافس لينا في السوق.
: الحمد لله، وحشتوني والله، أومال عُمر فين؟
جاوبته وأنا ببص للسما مسحور بشكل النجوم: موجود يقلبي.
: إيه يا عم عُمر! أنت مطول في العزوبية ولا إيه؟
جاوبته بتريقة: باين عليا إني خلاص قربت أعنس يعني! أنا قاعد مؤدب مستني اللي هتختارني أهو، الله يسامحه جدك والله على اللي عامله فينا دا، ولا الولاية.
صوت ضحكنا بقا عالي بينافس صوت الهوا، كنا بالظبط في الهم اللي يضحك….اللي يضحك أوي.
____________________
_ ليه مش عايزاني اختار عُمر؟
= عشان أنتِ مش حِمل غضبه ولا حِمل غلطة تعمليها معاه، الغلطة مع عُمر بفورة.
_ ولا عشان أنتِ عايزاه يا روح؟ ما تخلينا نتكلم بوضوح وتبطلي تزوقي الكلام!
حسيت قد إيه هي مندفعة وغبية مش بس ضعيفة! فقولتلها بتحذير وبرود: اتعلمي لما اللي قدامك يضايقك، تاخدي نفس عميق وتفكري قبل ما تتكلمي، عشان تقدري تستفزيه صح، متخليش كلامك يتحسب عليكِ، خليه يتحسب ليكِ.
فضلت تبصلي بدون رد لكن الغضب كان باين في عيونها، فقومت وقولتلها قبل ما أطفي النور: أنا مش مستفيدة حاجة من اختيارك أو عدمه لعُمر، هو قدامي من أول ما اتولدت، لو عايزاه مكنتش سيبته قدامك لحد دلوقتي.
طفيت النور وقعدت على الكنبة أخلص كام حاجة في الشغل قبل النوم، بصيت عليها بعد فترة بطرف عيني لقيتها كل شوية تتحرك رغم إن هيئتها توحي إنها مستسلمة للنوم، حركت راسي بيأس وكملت شغلي، سمعت صوتها وهي بتتكلم وبتقاوم شيء.
قربت عليها بهدوء عشان أسمع لقيتها بتقول: بكرهكم…بكرهكم كلكم.
اتنفست بصوت عالي وقولت: قال يعني كنت متوقعة شيء تاني من واحدة عاشت منبوذة طول عمرها!
_________________________
بدأنا يوم جديد، كان جوايا شغف إني أبقى زي “روح” أو على الأقل أكسب بعض صفاتها، بعد كلامي معاها أتأكدت إنها فعلًا زي ما “عُمر” قالي، شخصيتها قوية، وقتها كنت غيرانه وحاسة بالضعف، فقررت أسمع كلام “عُمر” وأطالب إني أكمل تعليمي، يمكن دا يكون سلاحي.
نزلت من الأوضة بعد ما غيرت هدومي بحاجة مناسبة من لبس “روح” اللي صحيت ملقتهاش جمبي ومهتمش كتير أعرف السبب، لإني كنت صاحية محددة هدفي.
لقيت قدامي الحورية الجميلة “جميلة” قاعدة تشرب القهوة، كانت ست بمعنى الكلمة، قاعدة رافعة راسها، وشعرها الغجري مجدول ولابسة قفطان جميل بشكل!
نزلت على السلم ببطئ بعد ما شوفتها، لفت راسها وهي بترفع طرحتها، وأول ما شافتني ابتسمت: تعالي يا صغيرة يا حلوة، قهوتك إيه؟
ابتسمتلها وقولت: زيادة.
شاورتلي جمبها وهي بتقول: اممم أكيد مسكرة تشبهك.
قعدت جمبها وقولت بإبتسامة: أكيد مش هاجي جمبك حاجة.
_ أنتِ مميزة يا دُنيا، جمالك مميز وجديد ومختلف في العيلة دي.
ابتسمت على كلامها وحسيت قد إيه هي فعلًا “جميلة” إسم على مُسمى، بدأت تجهز القهوة على السبرتاية وسألتني: عرفتي هتختاري مين؟
_ هو موضوع مهم أوي كده؟
قلّبت القهوة وهي بتسألني: هو إيه اللي مهم؟!
_ موضوع اختياري؟؟
= إحنا كلنا هنا عشان الموضوع دا يا دُنيا، جدي مش بيتهاون بخصوص الأمر دا، بس هو سايبك على راحتك على ما تاخدي علينا، لكن متفكريش إنه هيلغيه، هتختاري يعني هتختاري.
_ أنتِ مرات مراد؟
قدمتلي القهوة وهي بتقول: أكيد نوسة اللي قالتلك، البت دي ما بتصدق تاخد فرصة وتتكلم.
أخدت منها القهوة وسألتها بإبتسامة: هي كانت عسولة وأنا اللي كان عندي فضول مش هي اللي قالت، بس هي تطلع مين نوسة؟
حطت رجل على رجل وقعدت بغنجهة: متحاوليش تدافعي عنها هو أنا يعني مش عرفاها؟ ودي يستي بنت الست سماح الله يرحمها اللي كانت المسؤولة عن نضافة البيت هنا من صغر جدك، بنتها اتربت هنا في السرايا زيها زي احفاد البيت دا، ودلوقتي هي تعتبر دراعي اليمين، بتساعدني وأقرب واحدة ليا في البيت هنا.
_ أنتِ بقالك قد إيه في البيت هنا؟
= 3 سنين.
_ طيب وتعرفي الشباب هنا؟
= أكيد، مراد كان بيحكيلي عنهم.
_ مين في رأيك يليق بيا؟
= عُمر.
_ ليه عُمر؟
= أولًا عُمر أكبرهم هنا، عُمر مش سهل واحدة تلفته ولا تلتفت ليه لأنه من صغره كان معتمد على نفسه ملهي في حياته وبس فمعرفش معنى الحنية أوي وكبر على قسوة متبلش ريق أي واحدة، ثانيًا عُمر راجل تقدري تقفي بيه قدام أي حد حتى جدي لأن ليه غلاوة خاصة عنده، راجل تسندي عليه وأنتِ مغمضة يقف قدام الريح لأجلك.
كملت وكأنها بترفع التهمة من عليها: طبعًا كلهم رجالة يُعتمد عليهم، بس المميز في عُمر إنه شربها في كاسات من صغره.
_ وسيف؟
= الباقي كلهم ساكنين في القاهرة بييجوا وقت الإستدعاء بس، عاشوا وشافوا ستات أكيد قد عينيهم…معرفش هل حبوا ولا لأ، لكن عُمر هتبقي سيدة قلبه الأولى، ويا حظك لو دوقتي حنية راجل عارف يعني إيه حنية، بيقولوا فاقد الشيء يُعطيه ببذخ.
نهت اخر كام جملة وكأنها بتلحنها، كنت بشرب القهوة وقاعدة بسمعها، أول مَن لفت انتباهي كان “عُمر” وأول مَن عجبني السَمع عنه كان برضو “عُمر”، ابتسمت وحطيت فنجان القهوة وقومت بشغف وأنا بقولها: شكرًا يا جميلة…جدي فين؟
_ في مكتبه عملتله القهوة وسيبته لوحده هناك.
= هشوفه.
قولتها وخرجت برا البيت، سمعتها بتقولي: براحة يا زينة…خدي وقتك.
كنت محددة اختياري بس وأنا راحة المكتب لمحت “روح” واقفة مع “عُمر” بيتناقشوا بكل أريحية وبينهم ابتسامات متبادلة، قربت منهم بدون ما ياخدوا بالهم، حاولت اسمعهم.
لقيته بيقول بشبه إنفعال: مش عايزها، والله بعد اللي قولتيه دا لو هقف في وش جدي أعملها ولا إني أبصلها يا روح.
ابتسمت وقالتله: برافو عليك، أنا قولت انبهك برضو عشان تبقى عارف اللي مستنيك، لأنها مطلعتش سهلة زي ما إحنا متخيلنيها.
جاوبها بإستغراب: بس إزاي دي فيها براءة خداعة!
دلوقتي بس عرفت هي ليه قالتلي بلاش “عُمر” طلعت زي “عمران” أبوها، خبيثه بمية وش ولون لحد ما تنال مرادها!! كان زيها بيفضل يهدي أمي وياكل بعقلها حلاوة لحد ما يعمل اللي عايزه، بس أنا مش أمي! مشيت وروحت لمكتب جدي وأنا حاسة الغضب مسيطر عليا، كنت بتنفس بصوت عالي، وكأنها طريقة للتنفيس عن غضبي بدون بُكا.
فتحت المكتب تاني بدون استئذان! رفع راسه بيأس وقال: يا بنت عمران الباب اتعمل للدق عليه يا حبيبتي مش في حرب إحنا.
دخلت ووقفت قدام المكتب وقولتله بلمعة دموع في عيوني: أنا عايزة أكمل تعليمي يا جدي وأدخل الكلية.
بص في عيوني وقال: مين قالك الكلمتين دول؟
قولتله وأنا بحاول اتحكم في انفعالي: مش مهم، المهم إني عايزة أكمل، أنا أول مرة أطلب منك طلب…أرجوك متخذلنيش.
حسيت إني بتذل وأنا بطلب أبسط حقوقي ولكن مش مهم الطريقة، المهم النتيجة، حرك راسه بالنفي وقال: ومش هتكون أخر مرة، موافق بس بشرط.
_ إيه الشرط؟
= تختاري عريسك دلوقتي، نكتب الكتاب والناس كلها تعرف إن حفيدتي أتجوزت، وخديه وروحوا القاهرة وهشرط عليه علامك.
_ موافقة.
مفكرتش كتير، كنت مجروحة من حاجة مش قادرة أحددها، ولكن مش هقدر أكمل في مقارنتي بـ “روح”بيني وبين نفسي كده كتير، كنت عايزة أهرب، مش هتفرق اختار مين المهم أمشي من هنا.
روحنا السرايا، و “جدي” جمع العيلة كلها في الأوضة الكبيرة للسرايا ووقفني جمبه وقال وهو بيخبط عكازه في الأرض: دُنيا عمران داغر حفيدتي قررت إنها تختار شريكها دلوقتي وقرارها هيتنفذ على رقبة الكل.
بصلي وحرك راسه بمعنى اختاري وأعلني، الصمت والتوتر حل على المكان، كنت مرعوبة وحاسة برهبة وخوف بياكلوا معدتي، ليه أختار أنا؟ طب هل هحسن الإختيار؟ هل هيكون كويس معايا ولا هبقى زي أمي؟ هل في علاقة سوية أصلًا وفيها حنية؟ ولا كل العلاقات زي علاقة أمي الفاشلة!! كذا سؤال كانوا بيتغذوا عليا وبيفرضوا سيطرهم على تفكيري.
_ دُنيا.
“جدي” نبهني بصوته الجهوري، فقولت بدون تفكير: يونس.