الساعة التاسعة صباحاً في المدرج
فتح الباب بعـ..نف، ودخل غازي بخطوات رزينة كانت بترن في سكون القاعة زي دقات الساعة اللي بتعلن وقت الحساب. ملامح وشه كانت مشدودة ، وعينيه السودا كانت بتلمع ببرود مرعب وهو بيقف قدام السبورة. سند إيده على المكتب وبص للطلبة بنظرة انذار خلت الكل يحبس أنفاسه.
غازي بصوت رخيم وجامد: كله موجود.. ولا فيه حد لسه بيتمشى برا؟
مسح المدرج بعينه في ثانية واحدة، واكتشف إن فيه أماكن لسه فاضية. في لحظة، هدوءه ده اتحول لعاصفة.. ضر..ب بإيده على الترابيزة بكل قوته، لدرجة إن القلم اللي كان عليها طار في الهوا.
غازي بزئير هز الحيطان: هو أنا مش قولت مفيش غياب في محاضرتي؟! اللي مجاش يعتبر نفسه شايل المادة من دلوقتي.. والكلام ده مش للي غابوا بس، ده ليكم كلكم عشان تعرفوا إن كلمتي سيف على رقبة الكل!
في اللحظة دي، سمعوا صوت خبط مهزوز على الباب. دخلت مجموعة شباب، باين عليهم الرعب، بس كان فيه وسطهم واحد أو اتنين ملامحهم فيها لامبالاة. غازي رفع حواجبه بسخرية، وسقف بإيديه الاتنين ببطء وهو بيضحك ضحكة صفرا مسموعة في القاعة كلها.
غازي بتهكم: الله الله.. هي وكالة من غير بواب ولا ايه؟ طب ما أنتم حلوين أهو ومبتخافوش.. اقف أنت وهووو
الشباب لفت ضهرها ببطء، وبلعوا ريقهم وهما شايفين الوحش واقف قدامهم.
غازي بنبرة حادة: شاطرين في كـ .سر الكلام.. أعجبتوني الصراحة. اعتبروا نفسكم سقطتو خلاص، ويلا.. براا.
وسط الرعب ده، صبا اتكلمت بصوت مرعوش بس فيه براءة خلت غازي يركز معاها:
صبا: يا دكتور غصب عني والله.. الطريق كان واقف والـ..
غازي رفع راسه وبص لها بسخرية تامة، وكأنه شايف نكتة قدامه:
غازي: بطلوا حجج وكدب.. كلامي خلص يا أستاذة. اطلعي برا أنتي والشباب الصايعين دول!
واحد من الشباب دمه غلي، وبص لغازي بتحدي وهو بيقول بغضب:
الشاب: بقولك إيه.. اتكلم معاها عدل، إحنا مش عبيد عندك الواد لسه مكملش جملته، والقاعة كلها اتكتكت من الرعب.. النفس اتـ.قطع، وكل العيون اتجهت لـ غازي اللي ملامحه اتغيرت في ثانية من السخرية لجمود مرعب، كأن الوحش اللي جواه بدأ يصحى.
غازي سكت لثواني.. سكت خالص، وهدوءه ده كان أخطر من زعيقه. قرب من الشاب بخطوات رزينا وواثقة، وصوت خبط جزمته الفخمة على أرضية المدرج كان ليه رنة زي دقات الساعة اللي بتعلن وقت الإعداـ.م.
وقف قدامه بالظبط، فرق الطول والهيبة كان لصالح غازي طبعاً. غازي ميل براسه شوية وهمس بصوت واطي بس فيه فحيح أفاعي يخلي الواحد ركبه تخبط في بعضها:
غازي بصوت هادي ومرعب:
“عبيد؟.. تؤ تؤ، أنت كبرت الموضوع أوي يا شاطر. العبيد ليهم تمن، لكن أنت وأمثالك.. ملكمش تمن في سوق الرجاله.
الشاب بدأ يتهته وصوته يرعش:
أنا.. أنا قصدي إن الأسلوب..
غازي قا..طعه وحط إيده على كتف الشاب وضغط بقوة خلت الواد يميل:
الأسلوب اللي مش عاجبك ده، هو اللي هيخليك تخرج من هنا مش بس شايل المادة.. لا، ده أنت هتشيل أحلامك كلها في كـ.فن. وعشان كلمة اتكلم معاها عدل دي..
بص غازي لـ صبا اللي كانت واقفة بتترعش، ورجع بص للواد تاني وقال بابتسامة صفرا:
هتطلع برا دلوقتي، ورجلك متخطيش عتبة الجامعة دي تاني.. مش بس مدرجي. وأي محاولة منك إنك تفتح بوقك تاني، هخليك تنسى أصلاً إزاي كنت بتتكلم.. مفهوم يا بطل؟
غازي زعق فجأة بصوت زلزل القاعة:
براااااا!! الكل برااااا!!
الشباب خدوا بعضهم وجريوا على برا، وصبا خرجت وهي بتعيط ومنهارة من الموقف. غازي وقف مكانه، عدل ياقة قميصه الأسود ببرود، وبص للطلبة اللي قاعدين وقال بنبرة مفيهاش أي رحمة:
نفتح المحاضرة.. وأي حد هيفكر يرمش من غير إذن، يلحق زمايله تمم!!
صبا بعياط وقهر: أنت السبب يا زياد.. اسكت خالص بقى!
زياد بضحكة استهزاء: يا صبا فكيها، أنتِ فاكرة هنسقط بجد؟ ده راجل بؤ على الفاضي وكلام وبس.. اهدي وتعالي نشرب حاجة.
زياد قرب منها وحاول يشدها عليه، بس صبا زقته بضيق وقرف:
صبا: أنا ميت مرة قولتلك مبحبش الحركات دي! اظبط كدة يا زياد.. أنا رايحة لدكتور غازي أعتذر وأعرف غلطي، عايز تيجي تعالي، مش عايز أنت حر، كل واحد أدرى بمصلحته.
صبا سابت زياد وراحت لمكتب غازي بقلب بيدق. لسه بترفع إيدها تخبط، الباب اتفتح فجأة. وقف غازي بهيبته، بص لها ببرود واستغراب:
غازي: نعم! في حاجة تانية غير اللي حصلت في المدرج؟
صبا بلعت ريقها، تاهت في عيونه لحظة وسرحت في ذكريات قديمة بتنهش في قلبها، وقالت بوجع:
صبا: هو أنت ليه بتعمل معايا كدة؟ معقولة مش فاكرني خالص؟!
ابتسم غازي بسخرية قاسية:
غازي: بعمل إيه مش فاهم؟ وبعدين هو إحنا كان ما بينا حاجة قبل كدة عشان أفتكرك؟
دموع صبا نزلت غصب عنها، مسحتها بسرعة وقالت بصوت مكـ..سور:
صبا: لا.. مكنش فيه. أنا آسفة.. عن إذنك.
جريت من قدامه وهي بتعيط، وغازي فضل واقف مكانه، ملامحه اتصلبت وهو بيبص لأثرها باستغراب وقال في دماغه: دي مجرد طالبة.. ليه محسساني إني شفت الوش ده قبل كدة؟
فيلا غازي الليل دخل، وغازي كان في حالة تانية خالص. قاعد وسط الضلمة، بيشرب بشراهة كأنه بيحاول يغرق صور قديمة بتطارد خياله. الباب خبط، فتح وهو ماسك الكوبايه، بص للبنت الواقفة باستحقار وضحك بسكر:
غازي: خشي يا حلوة.. ده أنتِ هتدلعي دلع متمناهوش واحدة تانية.
شاور لها على الأوضة ببرود، دخلت البنت بمياعة، وغازي رمى الكوبايه على الأرض فأتفتت لمية حتة، ودخل وراها وهو بيقفل الباب بعـ..نف.
بعد فترة، اتفتح الباب فجأة. البنت خرجت بتجري بانهيار، هدومها متبهدله وعلامات الضر..ب والجروح مغطية جسمها وبتنز..ف من كل حتة. كانت بتصرخ بصوت مكتوم وهي بتهرب من الوحش اللي جوه.
غازي قام من على السرير، مشيته كانت مهزوزة من كتر الشرب، بس عيونه كانت حمراء زي الد..م. بص لأثر البنت بجمود، ومسك صورة قديمة كانت محطوطة على الكومودينو، قلبها على وشها وقال بصوت مبحوح ومرعب:
غازي: كلكم خاينين.. والوجع هو اللغة الوحيدة اللي تفهموها.
وقع على السرير وهو غايب عن الوعي تماماً، وصورة صبا وهي دموعها بتنزل قدامه بدأت تظهر قدام عينه وسط ضباب السكر، فغمض عينه بقوة وهو بيلعن اليوم اللي شافها فيه.
الهدوء اتكـ..سر مرة واحدة بصوت تكـ..سير الباب. شوية شباب مسـ..لحين دخلوا الفيلا زي القضا المستعجل. غازي فتح عينه بالعافية، جسمه كان تقيل من كتر الشرب بس عقله لسه صاحي. قام سحل نفسه للحمام، قفل الباب بالمفتاح، وفتح الماية الساقعة على وشة عشان يفوق الوحش اللي جواه. لبس هدومه بسرعة، وأول ما كـ..سروا باب الحمام، انقض عليهم؛ ضربهم واحد واحد بغل،
وسحب سلا..حه وطلع يجري برا الفيلا.
وهو بيجري في الضلمة، رصا..صة غدر جت في ضهره. صرخ صرخة مكتومة، ونفسه بدأ يـتق&طع من التعب والوجع. لمح أتوبيس جاي من بعيد، وقف قدامه وبحركة يائسة ركب واختفى جوه قبل ما حد يلمحه وأثناء وهو بيخش.
انصدم غازي لما لقى صبا قاعدة قدام عينه. راح قعد جنبها وهو بينهج، وصبا كانت بتبص له باستغراب ورعب، مش فاهمة لقاها إزاي بالسهولة دي. غازي بصلها وعيونه فيها حزم ووجع:
غازي: “حضـ..نيني بسرعة.. وغطي وشي!”
صبا بتوتر وخوف: أنا مش فاهمة حاجة.. أنت إزاي هنا؟!
غازي بنهجان ووجع: مش وقته.. أنا معرفش إنك هنا أصلاً.. انجزييي!
صبا غصب عنها سمعت كلامه ودارت وشه، بس فجأة شهقت بخوف لما حست بد..مه بيغرق إيديها. بلعت ريقها وبصت قدامها برعب لما شافت شباب شكلهم غريب وقفوا الأتوبيس ودخلوا يدوروا على غازي. واحد منهم شك فيها وقرب بغل:
الراجل: وريني كدة شكل الراجل اللي جنبك ده!
صبا بدموع وصوت مرعوش: مش هينفع.. ده تعبان ولسه جايين من المستشفى.. حضرتك مين وعايز إيه؟!
الراجل مسمعش منها، وقرب يشد غازي بعنـ..ف، بس غازي رغم إصابته انتفض زي الأسد وزقه ونازل فيه ضر..ب، والناس بدأت تصوت من الرعب. صبا حاولت تهرب من وسطهم، بس الراجل قفشها من دراعها وجنزها، غازي بصله وعيونه بتطلع شرار:
غازي بزئير: سيبها يا روح أمك! ملكش دعوة بيها.. أنا معرفهاش أصلاً عشان تهددني بيها!
الراجل بضحكة صفرا: ما أنت لو مكنتش تعرفها، مكنتش استخبيت في حضنها زي العيال!
غازي جز على سنانه ودمه غلي، طلع سلا ..حه وبكل قوته خبط الراجل على دماغه وقعه مكانه غرقان في د..مه. في لحظة الفوضى دي، السواق من كتر الرعب والضر..ب اللي شافه فقد السيطرة على الأتوبيس، ولف بيهم لفة جامدة في ملف خطر وهو بيصرخ صرخة هزت المدرعات اللي برا.
الأتوبيس مال بجنـ.ون، والكاوتشات صرخت على الأسفلت صرخة المو..ت. غازي في اللحظة دي مشافش قدامه غير صبا اللي بتعيط قدامه، سحبها لحضـ..نه بكل قوته ودـفن راسها في صدـ.ره وهو بيتمتم بكلمات : متخافيش ..
كأنه بيحميها بضلوعه من اللي جاي.
وفجأة.. الأتوبيس اتقلب.
صوت تكـ..سير الإزاز كان زي طلقات الرصا..ص، وجسم الأتوبيس وهو بيخبط في الأرض وبيتدحرج كان بيعمل صوت زلزال. صبا صرخت صرخة واحدة وانقطعت، والدنيا اسودت في عين غازي وهو بيحس بجسمه بيتخبط يمين وشمال، بس إيده كانت لسه كلبش حوالين صبا اللي مش فاهم هو بيحميها ليه، بس رافض يسيبها حتى وهو بيفقد الوعي.
سكت كل صوت.. ومفضلش غير صوت تنقيط بنزين وريحة شياط وتراب مالي المكان.
وسط السكون المرعب ده، بدأت إيد غازي تتحرك ببطء من تحت الحطام. فتح عينه بالعافية، الد..م كان مغطي وشه وداخل في عينيه، وضهره كان بيتحرق من الوجع. بص جنب منه بلهفة ووجع: يا انسه يا انسه ردي عليا! انتي كويسه!!
مردتش.. كانت غايبة عن الوعي ووشها شاحب زي الأمو..ات.
غازي استجمع قوته اللي فاضلة، وزق حتة حديد كبيرة كانت حابسة رجليهم، وخرج يزحف وهو بيجر جسمه وصبا وراه. وقف في نص الطريق المقطوع وقعد علي الارض وحاول يفوق صبا لحد لما فاقت وبصت عليه بروئيه مغشوشه وابتسمت :
غغغاازي انت وحشتني مسبنيش تاني زي زمان!!!
غازي وهو بينهج من الوجع وصدمه :
انتي مين!! .. وليه صورتك محفوره في ذكرياتي ، بس اللي حسه ان قلبي بيكرهك بيكرهك اوي اول لما اشوف صورتك، أو اشوفك في الحقيقه ابعدي عني انتي مش قدي ابعدي أنا قلبي ده ميعرفش غير القذاره والوسـ.ا.خه بس
بص في عينيها بنظرة فيها حيره ووجع ..
لسه هيقوم ويسيبها واحد صوب عليه سلا..حه ولمس دماغه من ورا وغازي حس بيه ولف ضهره مره واحده واتصدم من اللي شافه وووو
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!