تحميل رواية ثمن العروس بقلم اماني سيد pdf
بقلم اماني سيد
الفصل 4
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ثمن العروس بقلم اماني سيد.
الفصل 4
ظل مختار جالسًا في مكتبه لدقائق طويلة، يحدق في شاشة هاتفه التي انطفأت منذ لحظات.
لم يمد يده إلى فنجان القهوة الذي برد أمامه، ولم يحاول العودة إلى الملفات المكدسة فوق مكتبه.
ظل صامتًا...
ثم فجأة تناول هاتفه وضغط على رقم فؤاد.
لم يطل الانتظار حتى جاءه صوته الهادئ.
ــ أهلًا يا مختار يا ابني.
اعتدل مختار في جلسته وقال باحترام:
ــ مساء الخير يا أستاذ فؤاد.
ــ مساء النور... خير إن شاء الله؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال:
ــ كنت حابب أستأذن حضرتك في حاجة.
ــ اتفضل.
ساد صمت قصير، قبل أن يقول مختار بثبات:
ــ لو مافيش مانع... كنت أتمنى نعجل معاد الجواز.
رفع فؤاد حاجبيه في دهشة، ثم ابتسم.
ــ نعجل؟
ــ أيوه... طالما إحنا متفقين، ومفيش حاجة تمنع، شايف إن مافيش داعي نطول فترة الخطوبة.
ظل فؤاد صامتًا لثوانٍ، ثم قال ضاحكًا:
ــ واضح إنك مستعجل على بنتي.
ابتسم مختار ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.
ــ مستعجل أخلص كل ترتيبات حياتي.
ثم أضاف بنبرة عملية هادئة:
ــ الفترة الجاية هتبقى صعبة جدًا في الشركة، خصوصًا بعد اتفاقنا على الاستثمار، وأنا محتاج أكون متفرغ للشغل بشكل كامل، من غير ما أفضل موزع وقتي بين تجهيزات الجواز ومواعيده.
هز فؤاد رأسه في اقتناع.
ــ عندك حق... وأنا كمان ماليش في الخطوبات الطويلة.
ثم أردف بابتسامة:
ــ خلاص... نتوكل على الله. بعد الخطوبة بشهر نكتب الكتاب ويتم الفرح تكون البنت لحقت جهزت اللى ناقصها وانت تكون جهزت حالك .
ارتسمت على وجه مختار أول ملامح الارتياح منذ ساعات.
ــ أشكرك يا أستاذ فؤاد.
ــ الشكر لله يا ابني... وربنا يتمم لكم على خير.
أنهى مختار المكالمة، وأعاد الهاتف إلى مكانه، ثم جذب أحد الملفات نحوه، وفتحه دون تردد، وكأن قرارًا كان يؤجله منذ فترة، وحُسم أخيرًا.
وبعد أسبوع...
دخلت الدفعة الأولى من استثمارات فؤاد إلى حسابات شركة الشيخ.
ولم تكن مجرد أرقام...
بل كانت بداية مرحلة جديدة.
منذ ذلك اليوم، تغير إيقاع الشركة بالكامل.
أصبح مختار أول من يصل إلى المقر، وآخر من يغادره. يتنقل بين الاجتماعات، ويقضي ساعات داخل المصانع، ويتابع بنفسه أدق التفاصيل، حتى ظن الموظفون أنه لا يعرف معنى الراحة.
وفي أول اجتماع لمجلس الإدارة بعد دخول الاستثمارات، وقف أمام الجميع، وأغلق شاشة العرض بعد انتهاء التقرير المالي، ثم قال بثقة هادئة:
ــ من النهارده... إحنا مش بنفكر إزاي نحافظ على الشركة.
توقف لحظة، ونظر إلى الوجوه الجالسة أمامه.
ــ إحنا بنفكر إزاي نخليها أكبر شركة في السوق.
ساد الصمت داخل القاعة.
ثم أكمل وهو يشير إلى الأرقام الظاهرة أمامهم:
ــ الأستاذ فؤاد ضخ في الشركة ملايين... وأنا مش ناوي أسيبها ملايين.
تبادلت الأنظار نحوه في ترقب.
فقال بثقة لا تقبل الشك:
ــ هدفي أحول الملايين لمليارات دخل الشركة... إلى قيمة حقيقية. والسنين الجاية... اسم شركة الشيخ هيكون في مكان تاني خالص.
في الجهة الأخرى، داخل فيلا آل الشيخ، كانت الاستعدادات تسير بوتيرة لا تهدأ. فمنذ أن تحدد موعد الزفاف، قررت والدة مختار أن تتولى كل شيء بنفسها، وكأنها تعوض سنوات كانت تنتظر فيها تلك اللحظة.
لم تكتفِ بالإشراف على تجهيز الجناح، بل كانت تراجع أدق التفاصيل؛ لون الستائر، نوع المفروشات، أماكن وحدات الإضاءة، وحتى الزهور التي ستزين الشرفة. كانت تريد أن تدخل غزل بيتها لأول مرة فتشعر أنه أُعد لها بمحبة، لا لمجرد أنه بيت الزوجية.
أما سارة، فقد أصبحت ذراع والدتها اليمنى، ترافقها في كل جولة تسوق، وتحمل قائمة طويلة لا تنتهي من الاحتياجات. من أطقم المناشف، إلى أدوات الحمام، إلى أطقم الأكواب والأطباق الخاصة بالجناح، وكلما انتهت من شيء، أضافت والدتها شيئًا آخر.
حتى ملابس مختار الشخصية لم تتركها والدته للصدفة.
كانت تعرف أن ابنها لا يملك الصبر للتجول بين المحلات، ولا يهتم إلا بأن تكون ملابسه عملية وأنيقة، لذلك اعتادت منذ سنوات أن تختار له كل ما يحتاجه بنفسها. هذه المرة أيضًا، اشترت له قمصانًا جديدة، وبدلات للنزهات والسفر، وملابس منزلية، وحتى العطور وربطات العنق، بينما كان هو لا يعلم عن كل ذلك شيئًا، منشغلًا بين اجتماعات الشركة ومشروعاتها الجديدة.
وكانت كلما احتارت هي وسارة في لون قميص، أو تصميم ساعة، أو حتى شكل حذاء، ترسلان في طلب غزل.
في البداية، كانت غزل تشعر بحرج شديد كلما دخلت الفيلا، لكن والدة مختار كانت تستقبلها بحفاوة، وكأنها ابنتها منذ سنوات، ثم تمسك بيدها قائلة بابتسامة:
ــ تعالي يا حبيبتي... قولي رأيك، أصل إحنا هنلبسه، بس اللي هتشوفيه كل يوم إنتِ.
فتبتسم غزل في خجل، وتبدأ في إبداء رأيها بهدوء، فتختار قميصًا بلون هادئ، أو ربطة عنق تناسب إحدى البدلات، أو تشير إلى ساعة تراها أكثر أناقة.
وكانت سارة تمازحها كل مرة قائلة:
ــ خلاص... من النهارده أي حاجة تخص مختار مسؤوليتك.
فتزداد حمرة وجه غزل، وتخفض بصرها بابتسامة خجولة.
لكن أكثر ما كان يلفت انتباهها...
أن مختار لم يحضر أيًا من تلك التجهيزات.
لم تره مرة واحدة يسأل عن لون الجناح، أو يختار قطعة أثاث، أو حتى يرافق والدته في شراء احتياجاته.
وفي إحدى المرات، بينما كانت غزل تساعد سارة في ترتيب بعض المشتريات، قالت والدة مختار، وقد بدا عليها شيء من الحرج:
ــ حقك علينا يا بنتي... أكيد زعلانة إن مختار سايب كل حاجة علينا ومش بيسأل عنك
أسرعت غزل تهز رأسها نافية.
لكن الأم أكملت بحنان:
ــ والله يا حبيبتي مش تجاهل ليكي... ده من يوم ما دخلت استثمارات فؤاد الشركة، وهو مبقاش يعرف الليل من النهار. ساعات بيرجع بعد نص الليل، وساعات يخرج قبل ما نصحى. حتى هدومه الجديدة لحد دلوقتي ماشافهاش.
ابتسمت سارة وهي تؤيد كلام والدتها.
ــ تصدقي؟ امبارح رجع البيت، أكل لقمتين، ونام على الكنبة في المكتب من كتر التعب.
ساد الصمت للحظة.
فخفضت غزل عينيها، وشعرت بشيء من الارتياح يتسلل إلى قلبها.
لم يكن يتجنبها...
ولم يكن يهرب منها كما كانت تظن.كان فقط... غارقًا في عمله.
ورغم أن جزءًا صغيرًا داخلها كان يتمنى لو وجد منها دقيقة يسأل فيها عنها، أو يتصل ليطمئن عليها، إلا أنها أقنعت نفسها أن لكل إنسان طريقته في تحمل المسؤولية.وربما...
كانت هذه طريقته هو.
أن يصنع لها مستقبلًا آمنًا، حتى وإن بدا في الطريق رجلًا لا يلتفت إلا إلى عمله.
حلَّ المساء على فيلا آل الشيخ، وبعد يوم طويل من التسوق ومتابعة تجهيزات الجناح، جلست والدة مختار في صالون الفيلا تحتسي كوبًا من الشاي، بينما ألقت سارة بجسدها على الأريكة المقابلة وهي تزفر بتعب.
ساد بينهما صمت قصير، قبل أن تقلب سارة هاتفها بين يديها، ثم قالت فجأة:
ــ ماما... هو أنا بس اللي حاسة إن مختار بيظلم نفسه... ولا بيظلم غزل كمان؟ انا مش عارفه؟
رفعت الأم رأسها إليها باستغراب.
ــ ليه بتقولي كده؟
تنهدت سارة، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد وقالت:
ــ فاكرة كان عامل إزاي مع ليلى؟
ابتسمت الأم ابتسامة باهتة ولم تجب.
فأكملت سارة:
ــ كان كل يوم لازم يخرجوا... مرة غدا، ومرة عشا، ومرة يتمشوا، ومرة يروحوا السينما. كانت تعرف جدول يومه كله، وهو يعرف هي أكلت إيه وشافت مين وزعلت من إيه. حتى لو كان عنده اجتماع، كان يفضي نفسه عشان يكلمها خمس دقايق.
هزت رأسها بأسى، ثم أضافت:
ــ أما غزل... البنت بقالها أسبوعين مخطوبة، وأقصى حاجة ممكن يعملها إنه يبعتلها صورة عليها وردة مكتوب عليها "صباح الخير"... من الصور اللي إنتِ بتبعتيهالنا كل يوم على جروب العيلة.
لم تستطع الأم منع ابتسامتها.
ــ والله فعلًا.
ضحكت سارة رغم ضيقها.
ــ تخيلي! حتى دي مش بيختارها، بيعمل إعادة إرسال وبس. لا رسالة من عنده، ولا كلمة، ولا حتى يسألها عاملة إيه.
تنهدت الأم وهي تحرك الملعقة داخل كوب الشاي.
ــ عارفة يا سارة...
سكتت لحظة، ثم أكملت بهدوء:
ــ بس أنا شايفة إنك بتقيسي موقفين مختلفين.
نظرت إليها سارة في انتظار.
فقالت الأم:
ــ مختار لما كان مع ليلى... كان بيحب. والحب بيخلي الإنسان يعمل حاجات من غير ما يحس.
ثم أردفت بحزن خفيف:
ــ أما دلوقتي... فهو داخل الجواز بعقله مش بقلبه.
خفضت سارة عينيها، لكنها قالت بإصرار:
ــ حتى لو... غزل مالهاش ذنب.
أومأت الأم في هدوء.
ــ وأنا عمري ما قلت إن ليها ذنب.
ثم ابتسمت ابتسامة دافئة وهي تضيف:
ــ بس شوفيه من يوم الاستثمارات الجديدة دخلت الشركة. الولد بقى يخرج قبل ما نصحى، ويرجع بعد نص الليل. ساعات بأدخل عليه المكتب ألاقيه نايم على الكنبة من غير حتى ما يغير هدومه.
سكتت لحظة، ثم قالت:
ــ حتى وهو هنا... عقله في الشغل.
ظلت سارة صامتة، قبل أن تقول بصوت خافت:
ــ أنا كل ما أشوف غزل وهي بتبتسم لما بنوريها حاجة تخص الجناح... قلبي يوجعني. حاسة إنها مستنية منه أي لفتة... أي اهتمام... حتى مكالمة.
ابتسمت الأم بأسى.
ــ وأنا كمان ملاحظة ده.
ثم أكملت وهي تنظر نحو الدرج المؤدي إلى غرف النوم:
ــ لكن تعرفي أكتر حاجة ريحتني؟
ــ إيه؟
ــ إن غزل عمرها ما اشتكت.
قالت سارة بسرعة:
ــ بالعكس... كل ما أعتذرلها عن انشغاله، تقول لي: "أكيد عنده شغل مهم... ربنا يعينه."
ابتسمت الأم بحنان.
ــ بنت عاقلة.
ثم تنهدت وهي تضيف:
ــ يمكن هي الوحيدة اللي حطاله العذر.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تقول سارة وهي تنظر إلى باب الفيلا:
ــ يا رب... نفسي يجي اليوم اللي يعاملها فيه بنفس اللهفة اللي كان بيعامل بيها ليلى.
هزت الأم رأسها ببطء، ثم قالت بصوت يغلب عليه اليقين:
ــ لا يا سارة...
نظرت إليها ابنتها باستغراب.
فابتسمت الأم وقالت:
ــ أنا مش عايزة يحبها بنفس الطريقة...
أنا عايزة يحبها أكتر.
لأن الحب اللي عاشه زمان كان فيه انبهار... أما اللي بدعيله بيه دلوقتي، فهو حب يعيش ويكبر بعد الجواز، ويخليه يحس بقيمتها قبل ما يحس بجمالها.
نظرت سارة إلى والدتها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تتمتم:
ــ يا رب يسمع منك.
في الجهة الأخرى، كانت فيلا فؤاد تعيش أجواءً مختلفة، يغلب عليها دفء الاستعدادات الأخيرة. داخل غرفة غزل، كانت الحقائب الكبيرة مصطفة على الأرض، بينما انتشرت الملابس بعناية فوق السرير، بعد أن انتهت من كيّها وترتيبها.
كانت غزل تمسك بكل قطعة ملابس، تطويها بعناية، ثم تضع بينها أكياسًا صغيرة من اللافندر حتى تظل رائحتها عطرة، قبل أن تغلق الحقيبة وتنتقل إلى التي تليها.
فتحت الباب دون استئذان شقيقتها الصغرى، ودخلت وهي تحمل كوبًا من العصير، ثم ألقت نظرة سريعة على الغرفة قبل أن تطلق صفيرًا خافتًا.
ــ يا نهار أبيض... إيه ده كله؟
ابتسمت غزل وهي تواصل ترتيب ملابسها.
ــ بجهز الحاجات اللي هتتبعت الفيلا بكرة.
اقتربت شقيقتها، وجلست على طرف السرير، ثم بدأت تفتح الملابس واحدة تلو الأخرى.
أخرجت فستانًا طويلًا بلون البيج، ثم رفعت حاجبها.
ــ هو إيه ده؟
ابتسمت غزل.
ــ فستان.
ضحكت الأخرى.
ــ لا والله؟ كنت فاكراه عباية.
رمقتها غزل بنظرة معاتبة، لكنها لم ترد.
وضعت الفستان جانبًا، ثم أخرجت آخر بلون كحلي واسع، وبعده طقمًا كلاسيكيًا بأكمام طويلة.
هزت رأسها وهي تكتم ضحكتها.
ــ يا بنتي... هو إنتِ ناوية تتجوزي ولا تفتحي جمعية خيرية؟
ابتسمت غزل بخجل.
ــ اللبس عادي يعني.
ــ عادي؟!
رفعت شقيقتها قطعة أخرى وقالت وهي تلوح بها في الهواء:
ــ كله مقفل... كله واسع... كله موديلات قديمة. ده لبس عواجيز يا غزل!
خفضت غزل عينيها وهي ترتب قطعة أخرى داخل الحقيبة.
ــ أنا بحب اللبس الهادي.
قهقهت شقيقتها.
ــ هادي إيه؟ ده لو أمي شافته هترفض تقيسه اصلا تقولك هيكبرنى .
ثم نظرت إليها من أعلى لأسفل وقالت بمشاكسة:
ــ بجد أنا مش عارفة... إنتِ وقعتي مختار الشيخ إزاي!
ابتسمت غزل ابتسامة باهتة، بينما واصلت ترتيب أغراضها في صمت.
أما الأخرى فلم تنتبه لما ارتسم على وجهها، وأكملت ضاحكة:
ــ ما تزعليش مني... بس بجد أنا معرفش بصلك على إيه.
ساد الصمت داخل الغرفة.
توقفت يد غزل للحظة فوق قطعة القماش التي كانت تطويها، لكنها سرعان ما أكملت وكأنها لم تسمع شيئًا.
رفعت شقيقتها كتفيها وقالت وهي تعيد الملابس إلى مكانها:
ــ يعني بصراحة... مختار ده أي بنت كانت تتمنى تبقى مكانك. وسيم، ناجح، غني، وكل البنات كانت بتحلم بيه... وإنتِ حتى ستايلك مختلف عن كل البنات.
ابتسمت غزل ابتسامة هادئة، ثم أغلقت الحقيبة برفق وقالت بصوت منخفض:
ــ يمكن... ربنا هو اللي بعتهولى محدش عارف الاقدار .... الاقدار دى بيدى الله ومحدش بيتجوز مرات حد
نظرت إليها شقيقتها للحظة، لكنها لم تجد ما تقوله.
أما غزل، فانحنت لتغلق سحاب الحقيبة الأخيرة، بينما كانت كلمات أختها تتردد في داخلها.
"أنا معرفش بصلك على إيه."
ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة امتزجت بشيء من الألم.
هي أيضًا...
كانت تسأل نفسها السؤال نفسه منذ اليوم الذي طرق فيه مختار بابهم طالبًا الزواج.
ولم تجد له إجابة... سوى أنها كانت تؤمن أن الأرزاق لا تُقاس بالشكل، وأن ما يأتي به الله، لا يأتي عبثًا.
وقفت شقيقتها عند باب الغرفة، وكأنها تذكرت شيئًا فجأة، ثم استدارت مرة أخرى قبل أن تغادر.
ــ استني... نسيت حاجة.
نظرت إليها غزل باستغراب، بينما اتجهت أختها إلى الدولاب، وأخرجت منه حقيبة ورقية أنيقة كانت تخفيها في الداخل منذ أيام.
اقتربت منها، ثم فتحت إحدى الحقائب الكبيرة التي انتهت غزل من ترتيبها قبل قليل، ووضعت الحقيبة الجديدة بداخلها، قبل أن تغلقها سريعًا.
عقدت غزل حاجبيها وقالت في دهشة:
ــ إيه ده؟
ابتسمت أختها ابتسامة مشاكسة وهي تضغط على سحاب الحقيبة.
ــ ماتفتحيهاش دلوقتي.
ــ أومال إمتى؟
رفعت إصبعها محذرة.
ــ أول ما تروحي فيلا آل الشيخ، وتيجي ترتبي هدومك في دولاب مختار... ابقي افتحيها.
ازدادت حيرة غزل.
ــ وليه السر ده كله؟
ضحكت أختها، ثم قالت وهي تستند إلى الحقيبة:
ــ عارفة إن اللي جوا مش ذوقك... ويمكن لو وريتهولك دلوقتي هترفضيه من غير ما تفكري.
خفضت غزل رأسها وهي تبتسم بخجل.
ــ طالما مش ذوقي... جبتيه ليه؟
اقتربت منها أختها وربتت على كتفها برفق.
ــ لأن مهما كان ذوقك بسيط ومحترم... دي الحاجات اللي المفروض تبقى موجودة في دولاب أي عروسة.
نظرت إليها غزل في صمت.
فابتسمت أختها وأكملت:
ــ مش بقولك تلبسيها كل يوم... ولا تغيري نفسك. بس خليها موجودة... يمكن في يوم تحتاجيها.
ظلت غزل صامتة، بينما كانت عيناها معلقتين بالحقيبة المغلقة.
أما أختها، فاتجهت نحو الباب، ثم التفتت إليها للمرة الأخيرة وقالت بابتسامة واسعة:
ــ وأوعي تفتحيها هنا... وعد؟
هزت غزل رأسها دون اقتناع.
ابتسمت أختها في رضا، ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
وبقيت غزل وحدها...
تنظر إلى الحقيبة الكبيرة التي تخفي بداخلها سرًا صغيرًا، بينما قاومت رغبة ملحة في فتحها ومعرفة ما تحتويه.
لكنها في النهاية...
ابتعدت عنها.
وتركتها كما هي، تنتظر اليوم الذي ستفتحها فيه داخل بيتها الجديد.
لم تكن غزل وحدها من تستعد لذلك اليوم...
ولم يكن مختار وحده الذي انشغل بين تجهيزات الزواج والعمل.
في مكانٍ آخر...
كانت ليلى تستعد هي الأخرى، ولكن لسبب مختلف تمامًا.
وقفت أمام المرآة داخل غرفة نومها، تتصفح عشرات الصور على هاتفها لفساتين أشهر دور الأزياء، بينما كانت مصممة الأزياء تقف إلى جوارها تحمل دفترًا صغيرًا تدون فيه ملاحظاتها.
رفعت ليلى إحدى الصور أمامها، ثم قالت بحزم:
ــ لا... ده اتلبس كتير.
انتقلت إلى صورة أخرى.
ــ وده بسيط زيادة.
ثم توقفت أمام صورة لفستان طويل، ينسدل بانسيابية، مطرز بالكامل بالكريستال، ويكشف عن أناقة مبالغ فيها دون ابتذال.
ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيها.
ــ هو ده.
ابتسمت المصممة قائلة:
ــ هيطلع تحفة على حضرتك.
قالت ليلى وهي لا تزال تحدق في الصورة:
ــ عايزاه يتنفذ بالحرف... ومحدش يلبس زيه.
ــ اعتبريه حصل.
أغلقت ليلى الهاتف، ثم التفتت إليها.
ــ قدامك أسبوع... مهما كلف الأمر.
ــ هيكون جاهز.
خرجت المصممة، وبقيت ليلى وحدها.
اقتربت من المرآة، وأخذت تتأمل انعكاسها طويلًا، ثم رفعت يدها تعدل خصلة من شعرها، وهمست لنفسها بابتسامة واثقة:
ــ ليلة فرحك يا مختار... مستحيل تعدي عادية.
أمسكت هاتفها، وفتحت الصورة الوحيدة التي ما زالت تحتفظ بها له.
ظلت تنظر إليها لثوانٍ، ثم قالت بصوت خافت:
ــ هتشوفني.....وساعتها هتعرف إيه اللي خسرته.
أغلقت الصورة، واتجهت نحو غرفة الملابس، وأخذت تخرج حقيبة يد، وحذاءً، وطقمًا من الألماس، تضع كل قطعة إلى جوار الأخرى، وكأنها ترسم المشهد في خيالها قبل أن يحدث.
لم تكن تخطط لإفساد الزفاف...ولم تكن تنوي افتعال مشكلة.
كانت تريد شيئًا واحدًا فقط...
أن تدخل القاعة، فتتجه إليها الأنظار قبل العروس.
أن يراها مختار فيقف، ولو للحظة، يقارن بينهما.
بين جمالٍ كانت تعرف كيف تبرزه...
وأناقةٍ كانت تنفق عليها بسخاء...
وبين غزل... ببساطتها وهدوئها.
كانت تريد أن تزرع في داخله سؤالًا واحدًا...
"مين فينا كانت تليق بيك أكتر؟... ومين كانت هتشرف اسم مختار الشيخ وسط الناس؟"
كانت تريد أن يظل هذا المشهد يطارده طوال الليل.
أن يجلس إلى جوار غزل...
لكنه لا يرى إلا ليلى.... أن تمتد يده إلى زوجته...
فيتذكر المرأة التي لطالما سكنت قلبه
وأن يقضي ليلته الأولى كلها يفكر في ليلاه .
تفتكروا ليلى هتنجح فى خطتها اللى رسمتها ببراعه؟؟
لجميع الفصول من هنا