تحميل رواية ثمن العروس بقلم اماني سيد pdf
بقلم اماني سيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ثمن العروس بقلم اماني سيد.
الفصل 1
كان لي ابنتان؛ إحداهما آية في الحسن، كأن الجمال قد اجتمع
فيها حتى لم يدع لغيرها نصيبًا، والأخرى لم تؤت من الجمال إلا أقلها. وكم أشفقت على صغيرتي تلك، لا المرأة قد تُدان بملامح لم يكن لها يد في رسمها.
ومضت الأعوام، فإذا بالكبرى يزداد حسنها بهاءً، حتى تقدمت لخطبتها عائلة مرموقة، فانتقلت إلى بيت زوجها مكرمة معززة. أما الأخرى، فقد بقيت إلى جواري، يذبل ربيع عمرها يومًا بعد يوم، بينما تتوالى خيبات الأمل في عينيها كلما عاد خاطب من حيث أتى، أو أعرض آخر قبل أن يسأل عنها.
عندئذٍ أيقنت أن الزمن لا يرحم المترددين، وأن عليَّ أن أصنع لابنتي قدرًا عجز القدر عن أن يهبه لها.
فقررت أن أشتري لها زوجًا.
أخذت أبحث بين العائلات، وأتقلب بين الأخبار، مدركة أن أحدًا لن يقبل بها ما دام الجمال هو أول ما تُوزن به النساء. وبينما أنا كذلك، بلغني أن عائلة الشيخ تمر بأزمة مالية خانقة، أثقلت كاهلها الديون، وكادت تعصف بما بقي لها من كرامة.
وكان لهم ابن يُدعى مختار، يكبر ابنتي بثلاثة أعوام. شاب مستقيم الخلق، لكنه منكسر الخاطر؛ إذ كان قد تقدم لخطبة فتاة أحبها، غير أنها أدارت له ظهرها حين ضاقت به الدنيا، وآثرت رجلًا أوسع مالًا وأيسر حالًا.
ومنذ ذلك اليوم، جعلت أتتبع أخبار تلك الأسرة في صمت، ثم تقربت إليهم رويدًا رويدًا، حتى أصبحت زائرة مألوفة في بيتهم. ولم يكن هدفي إلا مختار، فقد كنت قد اخترته زوجًا لابنتي قبل أن يعلم هو بذلك.
وكنت كلما قصدت منزلهم، اصطحبت ابنتي معي، لعل الأيام تنسج بينهما خيطًا من الألفة. لكنها كانت شديدة الحياء، مطرقة الرأس، لا تكاد ترفع بصرها، وكأنها تخشى أن يفضح الصمت ما يعتمل في قلبها.
ولما رأيت أن الوقت قد حان، بعثت إلى مختار أطلب لقاءه بعيدًا عن أعين الجميع.
قلت له:
انتظرني في الساعة السادسة مساءً، في مقهى النادي... فإن لديَّ عرضًا، إن قبلته، غيَّر مجرى حياتك إلى الأبد
جلس مختار قبالتي، وقد علت وجهه أمارات الحيرة، ثم قال بهدوء:
ــ لقد أخبرتِني أن الأمر عاجل... فما الذي أردتِ الحديث فيه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم قلت:
ــ سأدخل في صلب الموضوع دون مقدمات... أريدك زوجًا لابنتي غزل.
انعقد حاجباه، وحدق إليَّ طويلًا، كأنه لم يصدق ما سمع.
ــ أظنك تمزحين.
ــ لا أمزح أبدًا.
ساد الصمت بيننا لحظات، قبل أن يقول بنبرة متحفظة:
ــ ولماذا أنا تحديدًا؟
ــ لأنني أعرف أخلاقك، وأعرف أنك رجل يعتمد عليه. ولو كنت أبحث عن المال لما جلست معك اليوم.
ــ ولكنك تعلمين ظروفي... لا أملك ما يؤهلني للزواج .
ابتسمت ابتسامة واثقة، وأجبت:
ــ بل هذا هو سبب لقائنا.
رفع بصره إليَّ في صمت.
ــ أعلم حجم الديون التي أثقلت كاهل أسرتكم، وأعلم أن والدك يكاد يفقد كل ما بناه طوال عمره، كما أعلم أن مشروعكم لن يصمد طويلًا إن بقي الحال على ما هو عليه.
تغيرت ملامحه، وقال بلهجة امتزج فيها الانزعاج بالدهشة:
ــ يبدو أنك تعرفين عن حياتنا أكثر مما ينبغي.
ــ حين يتعلق الأمر بمستقبل ابنتي... فلا شيء يمنعني من معرفة الحقيقة.
ثم انحنيت قليلًا إلى الأمام، وقلت بصوت ثابت:
ــ إذا وافقت على الزواج من غزل... فسأتكفل بسداد ديون عائلتك كاملة.
اتسعت عيناه، لكنه بقي صامتًا.:
ــ ولن يتوقف الأمر عند ذلك. سأقنع زوجى بأن يضاعف استثماراته معكم، وستعود تجارتكم أقوى مما كانت عليه، وستسترد عائلتكم مكانتها التي فقدتها ووقتها سترفع رأسك مره اخرى وخاصه امام من تركتك من اجل المال
ظل يحدق في فنجان القهوة أمامه، وكأن الكلمات أثقل من أن يستوعبها.
ــ وهل هذا عرض زواج... أم صفقة؟
ــ سمِّه كما تشاء... لكن النتيجة واحدة. أنت تنقذ أسرتك من الإفلاس، وابنتي تجد الرجل الذي أراه جديرًا بها.
هز رأسه ببطء وقال:
ــ أتريدين الحقيقة؟
ــ بالطبع.
ــ أشعر وكأنك تساومينني على حياتي.
نظرت إليه بثبات، ثم قلت:
ــ بل أمنحك فرصة لن يمنحك إياها أحد. الفتاة التي أحببتها باعتك عندما افتقرت... أما ابنتي فستقف إلى جوارك مهما تبدلت الأحوال.
رفع رأسه ونظر إليَّ نظرة طويلة، ثم قال بصوت خافت:
ــ ولكن... هل سأكون زوجًا لغزل... أم ثمنًا لدينٍ يُسدد؟
ابتسمت ابتسامة غامضة، وأجبت:
ــ ذلك... قرار ستصنعه أنت بنفسك.
ساد بينهما صمت ثقيل، حتى بدا وكأن ضجيج المقهى قد تلاشى، ولم يبقَ سوى صوت أنفاسهما.
ظل مختار محدقًا في فنجان القهوة أمامه، بينما كانت الكلمات التي سمعها تتصارع في رأسه؛ كرامته من جهة، وصورة والده المثقل بالديون من جهة أخرى، ثم تلك الفتاة التي أحبها يومًا، والتي لم تتردد في التخلي عنه حين تبدلت أحواله.
وبعد صمتٍ طال، رفع رأسه ببطء وقال:
ــ وإن وافقت... فهل تلتزمين بكل ما وعدتِ به؟
أجبته بثقة لا يشوبها تردد:
ــ أعطيك كلمةً لن أتراجع عنها. تُسدَّد الديون كاملة، ويضخ زوجى استثمارات جديدة في تجارتكم حتى تعود أقوى مما كانت. لن تكون تلك مجرد وعود، بل عقود موثقة إن شئت.
أغمض عينيه لحظة، ثم أطلق زفرة طويلة، كأنها تحمل ما تبقى من كبريائه.
وقال بصوت خافت:
ــ لم أكن أتخيل يومًا أن يأتي اليوم الذي أبيع فيه حق اختيار شريكة حياتي.
ــ لا أحد يختار الظروف التي يُلقى فيها، يا مختار. نحن لا نفعل سوى البحث عن أقل الخسائر.:
ــ لعلَّك محقة...
وساد الصمت مرة أخرى.
كان يعلم أن رفضه يعني بقاء أسرته غارقة في الديون، وربما انهيار تجارتهم إلى الأبد. أما القبول، فسيعيد إليهم مكانتهم التي سلبتها منهم الأيام.
رفع بصره أخيرًا، وقد بدا الحسم في عينيه.
ــ موافق.
لم يتغير تعبير وجهي، وكأنني كنت أعلم أن هذه الكلمة ستخرج من شفتيه عاجلًا أم آجلًا.
وأضاف وهو يشيح ببصره إلى النافذة:
ــ سأكون كاذبًا إن قلت إنني أفعل هذا من أجل نفسي وحدها. أفعل ذلك أولًا من أجل عائلتي... ومن أجل أبي الذي أنهكته الديون.
ثم سكت لحظة، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة مريرة.
ــ وربما... لأنني أريد أن يأتي يوم ترى فيه من تخلت عني ما أصبحت عليه، فتدرك أنها باعت رجلًا كان يستحق أن تصبر عليه.
نهضت من مقعدي، ومددت يدي إليه قائلة:
ــ إذن... فلنعتبر الأمر اتفاقًا.
صافحني في هدوء، لكنه كان يدرك في قرارة نفسه أن تلك المصافحة لم تكن بداية زواج فحسب... بل كانت بداية حياة جديدة، سيدفع ثمنها قلبه قبل أي شيء آخر.
غادر مختار المقهى بخطوات بطيئة، وما إن استقر خلف مقود سيارته حتى أدار المحرك، غير أنه لم يتحرك. ظل قابضًا على عجلة القيادة، وعيناه معلقتان بالفراغ، وكأن حياته قد انقسمت إلى نصفين؛ نصف انتهى عند تلك الطاولة، ونصف آخر لا يعلم ما الذي ينتظره فيه.
وأخيرًا، انطلقت السيارة تشق الطريق، بينما كانت أفكاره تسبقها بأميال.
تخيل وجه ليلى حين تسمع الخبر.
هل ستتجمد ملامحها دهشة؟
أم ستشعر بالندم لأنها تخلت عنه يوم كان في أمسِّ الحاجة إليها؟
ورأى في خياله الناس يتحدثون عن عودة عائلة الشيخ إلى مكانتها، وعن الديون التي سُددت، والمشروعات التي ازدهرت من جديد.
ابتسم ابتسامة خافتة، وقال في نفسه:
«ستدرك حينها أنها أخطأت... وستعلم أن الرجل الذي تركته لم يكن فقيرًا، وإنما كان يمر بعثرة عابرة.»
غير أن تلك الابتسامة ما لبثت أن تلاشت.
فقد حضرت غزل إلى ذهنه.
لم يكن يعرف عنها إلا القليل؛ فتاة قليلة الكلام، شديدة الخجل، يكسو وجهها حزن دائم، ولم يسبق أن رآها ترفع بصرها إلى أحد.
وتنهد في ضيق وهو يطرق بأصابعه على المقود.
«وكيف سأعيش مع امرأة لا أشعر نحوها بشيء؟»
حاول أن يستحضر في ذاكرته ملامحها، فلم يجد ما يلفت انتباهه سوى ذلك الوجه الهادئ الذي كان يراه خاليًا من البهجة، حتى إنه أقنع نفسه بأنها فتاة مملة، وأن الحياة معها لن تكون سوى أيام متشابهة لا روح فيها.
وأردف في نفسه بمرارة:
«كنت أحلم بزوجة أبادلها الحب والضحك... فإذا بي أبدأ حياتي مع امرأة لا يجمعني بها سوى اتفاق أبرمه المال.»
ثم هز رأسه، وكأنه يوبخ نفسه على كثرة التفكير.
«لا بأس... إنه زواج، وليس قصة عشق. سأؤدي واجبي واكون زوج فقط .»
لكن قلبه لم يكن مقتنعًا بما يقوله عقله.
كان يشعر، في أعماقه، أنه لم يربح شيئًا... بل استبدل خسارةً بخسارة أخرى، وإن كانت أقل قسوة.
او اكثر قسوة لا يعلم
ظل مختار يقود سيارته بلا وجهة محددة، بينما كانت الأسئلة تتزاحم في رأسه، حتى طغى سؤال واحد على كل ما عداه.
ماذا لو عادت ليلى؟
ماذا لو وقفت أمامه بعد أشهر، أو ربما بعد سنوات، وقد تبدلت أحواله، وعادت عائلته إلى مكانتها، وعاد هو الرجل الذي كانت تحلم به؟
تخيلها تطرق باب مكتبه، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الندم، ثم تقول بصوت خافت:
«لقد أخطأت... سامحني.»
تسللت إلى شفتيه ابتسامة باهتة.
كم تمنى أن يرى ذلك المشهد يومًا.
أن يراها تدرك أنها باعت حبًا صادقًا بثمنٍ بخس، وأن المال الذي ركضت خلفه لم يمنحها الرجل الذي منحها قلبه يومًا.
لكن الابتسامة سرعان ما تلاشت.
فقد تذكر شيئًا آخر...
سيكون متزوجًا.
غزل ستكون زوجته.
عقدٌ شرعي، وبيت يجمعهما، وامرأة لا ذنب لها في شيء سوى أنها جاءت إلى حياته في الوقت الخطأ.
قبض على المقود بقوة، وهمس لنفسه:
«وماذا سأفعل إن عادت فعلًا؟»
أأطردها من حياتي كما طردتني من حياتها؟
أأشفي كبريائي برؤية الدموع في عينيها؟
أم سأكتشف أن القلب الذي أحبها يومًا لم يمت بعد؟
تنهد طويلًا، ثم هز رأسه كمن يحاول الفرار من أفكاره.
«لا... لقد انتهى كل شيء.»
رددها أكثر من مرة، لكنه لم يشعر أنه يصدقها.
كان يدرك أن الإنسان قد يغفر الإهانة، وقد ينسى الفقر، لكنه لا ينسى حبه الأول بسهولة.
لجميع الفصول من هنا
الفصل الثاني
توقفت سيارة مختار أمام الفيلا الكبيرة التي طالما كانت عنوانًا لمكانة عائلة الشيخ.
ترجل منها ببطء، ورفع بصره إلى الواجهة المهيبة، ثم تنهد.
لطالما عاد إلى هذا البيت وهو يشعر بالفخر... أما الليلة، فقد عاد وهو يشعر أنه ترك جزءًا من كرامته على طاولة ذلك المقهى.
دفع الباب ودخل.
كان والده يجلس في الصالون يتصفح بعض الأوراق الخاصة بالشركة، بينما احتست والدته القهوة مع شقيقته سارة.
ما إن رأوه حتى ابتسمت أمه قائلة:
ــ حمد لله على السلامة يا حبيبي... اتأخرت النهارده.
خلع سترته بهدوء وقال:
ــ محتاج أكلمكم في موضوع مهم.
نظر إليه والده باستغراب.
ــ خير؟
جلس مختار أمامهم، ثم قال دون مقدمات:
ــ أنا قررت أتجوز.
ارتسمت الابتسامة على وجه والدته.
ــ أخيرًا... ربنا يتمملك على خير. مين البنت؟
رفع رأسه وقال بهدوء:
ــ غزل... بنت مدام نوال.
اختفت الابتسامة فورًا.
ونظرت إليه سارة وكأنها لم تسمع جيدًا.
أما والده فقال بعد لحظات من الصمت:
ــ غزل؟
ــ أيوه.
قالت سارة وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
ــ مستحيل... أنت بتهزر.
ابتسم مختار ابتسامة باهتة.
ــ لا... بتكلم بجد.
قالت والدته في حيرة:
ــ يا ابني... إحنا مش بنعيب في البنت، ربنا يشهد إنها محترمة ومؤدبة... لكن أنت طول عمرك مختلف.
وأضافت وهي تنظر إليه:
ــ حتى وإنت طفل، كنت شبه اسمك... مختار. مابتقبلش أي حاجة إلا بعد ما تختارها بنفسك، وعلى مزاجك. عمرك ما رضيت بحاجة لمجرد إنها متاحة.
أكمل والده حديثها:
ــ كنت دايمًا تقول إن شريكة حياتك لازم تكون البنت اللي قلبك اختارها... إيه اللي حصل؟
ظل مختار صامتًا للحظات، ثم قال:
ــ مدام نوال قابلتني النهارده.
قطب والده حاجبيه.
ــ ليه؟
ــ عرضت عليا أتجوز غزل.
قالت سارة بدهشة:
ــ هي اللي عرضت الجواز؟
ــ أيوه.
سأل الأب بترقب:
ــ وبعدها؟
أخذ مختار نفسًا عميقًا.
ــ قالت إنها هتسدد كل الديون اللي علينا.
ساد الصمت.
وأضاف:
ــ وهتخلي جوزها يدخل معانا شريك ويضخ استثمارات جديدة في الشركة... بحيث نرجع أقوى من الأول.
نظر الأب إلى ابنه طويلًا، ثم قال بصوت هادئ:
ــ يعني... اشترت موافقتك.
أطرق مختار رأسه.
ــ تقريبًا.
قالت الأم بسرعة:
ــ وإنت رفضت... صح؟
رفع عينيه إليها، وقال بهدوء:
ــ لا... وافقت.
شهقت سارة.
أما والده فظل صامتًا للحظات، ثم نهض من مكانه واتجه إلى النافذة.
وقال دون أن يلتفت:
ــ تعرف أكتر حاجة وجعتني؟
صمت مختار.
ــ إن ابني وصل لمرحلة يحس إن عليه يبيع اختياره علشان ينقذ شركتنا.
اقترب مختار من والده وقال:
ــ يا بابا... حضرتك بنفسك شايف الوضع. كل يوم بنكسب معركة ونخسر اتنين. البنوك بتضغط، والدائنين مستنيين، ولو الوضع فضل كده... هنخسر كل اللي بنيناه.
استدار الأب إليه وقال بحزم:
ــ صحيح إحنا في أزمة... لكن لسه واقفين على رجلينا.
ثم نظر في عينيه مباشرة.
ــ الفيلا دي لسه بيتنا... والشركة لسه باسمنا... واسم عيلة الشيخ لسه له احترامه. أنا مش هسمح إن كل ده يتبني على تضحية بابني.
ابتسم مختار بمرارة.
ــ ولو رفضت... ممكن مايفضلش لا فيلا ولا شركة.
ساد الصمت.
ثم قال بصوت منخفض:
ــ أنا مش بعمل كده عشان الفلوس... أنا بعمله عشان ما أشوفش اليوم اللي حضرتك تخسر فيه تعب عمرك.
ظل الأب ينظر إليه طويلًا...
ولأول مرة، لم يجد ردًا
أما الأم، فكانت تنظر إلى ابنها وقلبها يتمزق بين فخرها به... وخوفها من أن يبدأ حياته مع امرأة لم يخترها قلبه، بل اختارتها الظروف.
حلّ الصمت في أرجاء الفيلا، قبل أن يقطعه مختار وهو ينظر إلى والده بثبات:
ــ يا بابا... في طلب واحد بس.
رفع والده عينيه إليه.
ــ اتفضل.
ــ بكرة الصبح اتصل بالأستاذ فؤاد... والد غزل.
نظر إليه الجميع.
ــ وقوله إننا عايزين نحدد معاد ونروح نتقدم رسمي.
عقدت والدته حاجبيها وقالت:
ــ بالسرعة دي
ــ أيوه... كل ما الموضوع يخلص بدري يكون أفضل.
ثم أضاف بنبرة جادة:
ــ وفي حاجة تانية.
ــ إيه هي؟
ــ محدش يتكلم في الموضوع ده قدام أي حد... لا قريب ولا بعيد.
استغربت سارة وقالت:
ــ ليه؟
تنهد مختار وقال:
ــ لأني مش عايز الكلام يسبقنا. لما نروح رسمي ويبقى فيه اتفاق بين العيلتين... ساعتها الناس تعرف. إنما دلوقتي، كلمة واحدة ممكن تعمل لغط إحنا في غنى عنه. وغير كده محدش يتكلم فى الاتفاق لانه هيتم بسريه تانه
هز والده رأسه موافقًا.
ــ عندك حق.
ثم نظر إلى زوجته وابنته قائلاً:
ــ من النهارده... الموضوع ده يفضل بينا وبس.
أومأتا برأسيهما في صمت.
أما مختار فاستدار متجهًا إلى غرفته، وقبل أن يصعد الدرج قال بهدوء:
ــ لو سمحت يا بابا... حاول يكون الميعاد أقرب وقت ممكن.
ــ حاضر.
صعد مختار إلى غرفته، بينما بقي والده ينظر إلى أثره طويلًا.
كان يشعر أن ابنه يحاول إنهاء الأمر بسرعة... وكأنه يخشى أن يمنحه الزمن فرصة للتراجع.
في صباح اليوم التالي...
كان الأستاذ فؤاد يجلس في مكتبه يتصفح بعض ملفات الشركة، حين رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فوجد رقمًا لا يعرفه.
ضغط زر الإجابة وقال بهدوء:
ــ السلام عليكم.
جاءه صوت رجل وقور:
ــ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... مع حضرتك الحاج الشيخ عبد الرحمن والد مختار.
ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة.
ــ أهلًا وسهلًا... تشرفنا.
قال الشيخ عبد الرحمن بعد كلمات الترحيب:
ــ الحقيقة أنا بتصل بحضرتك في أمر يخص أولادنا.
أجابه فؤاد وكأنه كان ينتظر تلك المكالمة:
ــ اتفضل.
قال الشيخ بهدوء:
ــ ابني مختار أبلغني برغبته في التقدم رسمي لابنتكم غزل... وإذا كان عند حضرتك قبول، أحب أحدد معاد أجي فيه أنا والأسرة نزوركم.
ساد صمت قصير...
ثم قال فؤاد بابتسامة هادئة
ــ ده يشرفنا يا حاج عبد الرحمن.
تنفس الشيخ براحة، وأكمل:
ــ يبقى حضرتك تحدد اليوم المناسب.
فكر فؤاد للحظات، ثم قال:
ــ ما رأيك في مساء الخميس؟ بعد المغرب إن شاء الله.
ابتسم الشيخ.
ــ مناسب جدًا.
ــ إذن نتشرف بزيارتكم الخميس الساعة السابعة.
ــ بإذن الله نكون عندكم في الموعد.
تبادلا كلمات الود، ثم أنهيا المكالمة.
وما إن وضع فؤاد الهاتف من يده، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا.
لقد بدأت الخطوة الأولى...
وبدأ العد التنازلي لليلةٍ ستغيّر حياة مختار وغزل إلى الأبد.
ما إن أنهى فؤاد المكالمة، حتى نهض من مقعده وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم تظهر منذ سنوات.
فتح باب مكتبه ونادى بصوت مرتفع، تغلبت عليه الفرحة:
ــ نوال!... يا نوال.
خرجت نوال من غرفتها مسرعة، وقد بدت على وجهها علامات القلق.
ــ خير يا فؤاد... حصل حاجة؟
ابتسم وهو يلوح بهاتفه.
ــ حصل... وأخيرًا حصل.
اقتربت منه وهي تتظاهر بعدم الفهم.
ــ خير... فهمني.
قال وهو يكاد لا يخفي سعادته:
ــ والد مختار كان لسه مكلمني.
توقفت نوال لحظة، ثم عقدت حاجبيها وكأنها فوجئت بالاسم.
ــ والد مختار؟
ــ أيوه... اتصل يطلب إيد غزل رسمي.
وضعت نوال يدها على فمها، ومثلت الصدمة بإتقان.
ــ بجد؟
ــ والله... وحددنا معاد الخميس بعد المغرب. هييجوا البيت يتقدموا رسمي.
ابتسمت نوال ابتسامة واسعة، ثم اقتربت منه وكأنها لا تكاد تصدق.
ــ أخيرًا... ربنا يتمم لها على خير.
ثم قالت وهي تتنهد:
ــ والله يا فؤاد فرحت من قلبي... البنت تستحق تفرح.
نظر إليها فؤاد مبتسمًا.
ــ شوفتي؟ كنت دايمًا أقولك إن ربنا هيعوضها.
أومأت برأسها، بينما كانت تخفي في داخلها ارتياحًا من نجاح خطتها كما رسمتها تمامًا.
قال فؤاد بحماس:
ــ استني... هروح أقول لغزل بنفسي.
واستدار متجهًا نحو الدرج.
لكن نوال أسرعت خلفه وأمسكت بذراعه برفق.
ــ استنى يا فؤاد.
التفت إليها مستغربًا.
ــ أستنى ليه؟
ابتسمت بهدوء وقالت:
ــ البنت قلبها حساس... وخجولة جدًا.
ظل ينظر إليها دون أن يفهم.
فأكملت:
ــ الخبر ده مش سهل عليها. لو دخلت عليها فجأة وقلت لها إن في عريس جاي يتقدم لها، ممكن تتوتر أو تخاف واحنا لسه برصوا ماتفقناش على حاجه
ثم أردفت بابتسامة هادئة:
ــ سيبني أنا أمهد لها الأول... أكلمها بهدوء، وأطمنها، وبعدها نبقى نقولها كل التفاصيل.
فكر فؤاد قليلًا، ثم هز رأسه موافقًا.
ــ عندك حق... إنتِ أدرى بطبيعة البنات.
ربتت نوال على ذراعه وهي تبتسم.
ــ متقلقش... هخليها تستقبل الخبر وهي فرحانة.
ابتسم فؤاد في رضا، ثم عاد إلى الصالون وهو لا يزال يعيش فرحة أن ابنته، التي طالما خاف عليها من الوحدة، سيطرق بابها أخيرًا رجل جاء يطلبها بالحلال.
أما نوال...
فوقفت مكانها للحظات، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفية.
وهمست لنفسها:
"لا... لازم أكون أنا أول واحدة أكلم غزل... لأن في حاجات كتير لازم تعرفها... وحاجات أكتر لازم متعرفهاش.
ثم ذهبت بعد ذلك وجلست بجانبه
جلس فؤاد على الأريكة وهو لا يزال يفكر في المكالمة، ثم رفع بصره إلى نوال وقال:
ــ في حاجة شاغلة بالي.
التفتت إليه وهي تتظاهر بعدم معرفة ما يدور في ذهنه.
ــ إيه هيه
قال وهو يعقد أصابعه أمامه:
ــ أنا أعرف إن عيلة الشيخ اسم كبير... لكن سمعت إن تجارتهم داخلة في أزمة.
جلست نوال قبالته وقالت بهدوء:
ــ صحيح... عندهم تعثر الفترة دي، لكن فيه فرق كبير بين اللي بيتعثر... واللي بيقع.
نظر إليها باهتمام.
فأكملت:
ــ الناس دي ليها أصل، وليها اسم في السوق بقاله سنين. يمكن الظروف ضيقت عليهم، لكن عندهم سمعة وخبرة وعلاقات، والحاجات دي عمرها ما بتضيع بسهولة وفى لحظه ممكن حد يثتثمر معاهك ويرجعوا اقوى من الاول
هز فؤاد رأسه وهو يستمع إليها.
فقالت بثقة:
ــ صدقني... لو لقوا حد يسندهم في الوقت المناسب، هيرجعوا أقوى من الأول.
ظل صامتًا للحظات، ثم قال:
ــ وأنا مالي بكل ده؟
ابتسمت نوال ابتسامة هادئة وقالت:
ــ ليك... وليك مصلحة كمان.
رفع حاجبيه مستغربًا.
ــ إزاي؟
اقتربت منه قليلًا وقالت:
ــ لما تروح لهم، متخليش الموضوع مجرد جواز بنتنا.
ــ أمال؟
ــ اعرض عليهم إنك تساعدهم في أزمتهم... وإنك مستعد تدخل معاهم باستثمارات جديدة.
نظر إليها متعجبًا.
ــ أروح أقولهم كده من أول قعدة؟
قالت بابتسامة واثقة .
ــ وليه لأ؟
ثم أردفت:
ــ أنت راجل أعمال، وهم رجال أعمال. الكلام ده هيكون طبيعي جدًا بينكم.
صمت قليلًا، فأكملت وهي تختار كلماتها بعناية:
ــ فكر فيها... لو وقفوا على رجليهم تاني، وكبرت تجارتهم، وإنت شريك معاهم... هتكسب مرتين.
ــ مرتين ؟
ــ أيوه.
رفعت إصبعها الأول .
ــ أولًا... استثمار ناجح مع ناس ليهم اسم وخبرة.
ثم رفعت الإصبع الثاني.
ــ وثانيًا... غزل هتدخل بيتهم وهي حاسة إن أبوها كان سبب في وقفة العيلة كلها، وده هيخلي مكانتها عندهم مختلفة.
ظل فؤاد يفكر فيما قالته.
كانت كلماتها منطقية.
فهو لم يكن ينوي أن يترك ابنته تدخل بيتًا يعيش أزمة مالية دون أن يطمئن على مستقبلها، وإذا كان تدخله سيحمي استثماره في زواج ابنته، ويحقق له مكاسب في الوقت نفسه... فلمَ لا؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ــ الحقيقة... فكرتك ذكية.
ابتسمت نوال وهي تخفي ارتياحها.
فأكمل:
ــ أنا أصلًا كنت ناوي أساعدهم بشكل أو بآخر... لكن بالشكل اللي قولتيه هيبقى أفضل.
قالت بهدوء:
ــ بالضبط... خليها تبقى شراكة، مش مجرد مساعدة.
هز رأسه موافقًا.
ــ خلاص... يوم الخميس، بعد ما نخلص كلام الجواز، هفتح معاهم الموضوع بنفسي.
ابتسمت نوال في رضا، بينما كانت تخفي داخلها ابتسامة أخرى...
فكل خطوة كانت تسير كما خططت لها منذ البداية.
ولم يكن فؤاد يعلم أن القرار الذي ظن أنه خرج من قناعته الكاملة...
كانت نوال قد غرسته في عقله، كلمةً بعد أخرى، حتى ظن أنه فكرته هو.
مرَّت الأيام الثلاثة ثقيلة على مختار.
لم يكن منشغلًا بتجهيزات الخطبة، ولا يفكر في البدلة التي سيرتديها، ولا حتى في الفتاة التي سيذهب ليطلب يدها.
كان منشغلًا بشخصٍ آخر...
ليلى
جلس في مكتبه بعدما انتهى من بعض الأعمال، ثم فتح هاتفه دون وعي.
دخل إلى صفحتها.
وجدها تبتسم في صورها كعادتها، تنشر يومياتها، تخرج مع صديقاتها، وتعلق على منشورات الآخرين وكأن شيئًا لم يحدث.
وكأنها لم تترك خلفها رجلًا كان يحلم أن يكمل عمره معها.
ظل يحدق في الصورة طويلًا.
ثم انتقل إلى صورة أخرى...
وأخرى...
ضحكاتها.
رحلاتها.
تعليقاتها المرحة.
وكأنها محَت سنوات حبهما من ذاكرتها في أيام قليلة.
ضغط على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
وهمس بمرارة:
ــ يعني... قدرتي تتخطي كل حاجة بالسهولة دي؟
ألقى الهاتف على المكتب بعنف، ثم نهض يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا.
كان يتذكر كل كلمة وعدته بها.
كل مرة قالت فيها:
"أنا معاك في السراء والضراء."
ثم كانت أول من هرب حين جاءت الضراء.
وقف أمام النافذة، وعيناه تشتعلان غضبًا.
وقال بصوت خرج من أعماقه:
ــ أقسم بالله... لأندمك.
لأخليكي تشوفي بنفسك إنك خسرتي راجل عمره ما يتعوض .
هتعرفي قيمتي... بس بعد ما يبقى فات الأوان.
رن هاتفه في تلك اللحظة.
نظر إلى الشاشة.
كان والده.
أغلق عينيه للحظة، ثم أجاب.
ــ أيوه يا بابا
ــ إحنا اتحركنا... مستنيينك تحت.
نظر مختار إلى ساعته.
لقد جاء موعد زيارة آل الشيخ إلى منزل غزل.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم التقط سترته وغادر مكتبه.
في تمام السابعة مساءً...
توقفت سيارات عائلة الشيخ أمام فيلا فؤاد.
كان المنزل مضاءً بأناقة، وقد وقف فؤاد عند الباب في انتظار ضيوفه.
ما إن ترجل الشيخ عبد الرحمن حتى صافحه فؤاد بحرارة وقال:
ــ أهلًا وسهلًا... نورتوا البيت.
ابتسم الشيخ عبد الرحمن ورد:
ــ ده نور أصحابه يا أستاذ فؤاد.
ثم صافح مختار الذي بادل السلام باحترام، قبل أن يدعوهم فؤاد إلى الداخل.
في الداخل..
كانت نوال تستقبل والدة مختار وشقيقته، بينما جلس الرجال في الصالون الواسع يتبادلون عبارات الترحيب.
وبعد دقائق...
دخلت غزل بخطوات هادئة.
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بلون عاجي، لا يحمل أي تكلف، وقد أسدلت شعرها خلف كتفيها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالأرض من شدة خجلها.
لم تجرؤ على رفع رأسها
أما مختار...
فاكتفى بنظرة عابرة إليها، ثم أشاح ببصره سريعًا.
كان قلبه لا يزال عالقًا بصورة ليلى التي رآها قبل قليل.
انتظر الجميع حتى قُدمت القهوة.
ثم اعتدل الشيخ عبد الرحمن في جلسته، ونظر إلى فؤاد باحترام وقال:
ــ بسم الله الرحمن الرحيم...
إحنا النهارده جايين بيتكم، وإحنا عارفين أصل العيلة اللي قدامنا، وعارفين إن النسب شرف قبل ما يكون مصاهرة.
ثم أشار إلى مختار الجالس إلى جواره.
ــ وجينا نطلب من حضرتك إيد الآنسة غزل لابننا مختار... على سنة الله ورسوله.
ساد الصالون صمت مهيب...
واتجهت جميع الأنظار إلى فؤاد، في انتظار كلمته.
ما إن أنهى الشيخ عبد الرحمن كلماته قائلًا:
ــ وجينا نطلب من حضرتك إيد الآنسة غزل لابننا مختار... على سنة الله ورسوله.
ساد الصالون صمتٌ عميق.
وفي تلك اللحظة...
رفعت غزل رأسها لأول مرة منذ جلست.
كانت الكلمة الأخيرة فقط هي التي ظلت تتردد داخل رأسها...
"مختار."
اتسعت عيناها فجأة، وحدقت في الشاب الجالس أمامها، وكأنها تراه لأول مرة.
لا..
بل كأنها لم تصدق أنه هو.
اختفت الأصوات من حولها.
لم تعد تسمع حديث الرجال، ولا ابتسامات النساء، ولا حتى دقات قلبها.
كل ما كانت تراه...
وجه مختار.
الشاب الذي كانت تراقبه من بعيد كلما جاء مع أسرته إلى منزلهم.
الشاب الذي كانت تخفض رأسها كلما شعرت أنه يقترب، خوفًا من أن يقرأ أحد ما أخفته سنوات داخل قلبها.
كانت تظنه بعيدًا عنها...
بعيدًا إلى درجة أن مجرد التفكير فيه كان يبدو ضربًا من الخيال.
فهو الشاب الذي كانت الفتيات يتمنين نظرةً منه.
أما هي.
فلم تجرؤ يومًا حتى على رفع عينيها إليه.
ولذلك..
حين سمعت اسمه يطلب يدها، شعرت وكأن عقلها يرفض تصديق ما حدث.
همست داخلها في ذهول:
"مختار... هو؟"
"هو جاي علشاني أنا؟"
رفعت بصرها إليه مرة أخرى.
في اللحظة نفسها...
التقت عيناه بعينيها
لثانية واحدة فقط.
ثم أشاح مختار ببصره سريعًا.
أما غزل..
فظلت تنظر إليه، وكأنها تخشى أن يختفي إذا أغمضت عينيها.
انتبهت نوال إلى شرود ابنتها، فابتسمت في رضا، بينما ظن الجميع أن صدمة غزل سببها الخجل.
ولم يكن أحد يعلم...
أن الفتاة التي بدت عاجزة عن الكلام...
كانت منذ سنوات تخفي حبًا صامتًا لذلك الرجل.
حبًا دفنته في قلبها لأنها كانت تؤمن أن فتاةً مثلها...
لن تكون يومًا ضمن خيارات رجلٍ مثل مختار.
أما الآن...
فقد جلس أمامها يطلب يدها.
وكان الأمر أكبر من أن يستوعبه قلبها في لحظة واحدة.
تفتكروا رد فعل غزل لما تعرف إن كل اللى بيحصل ده تمثيلية من ماماتها هيكون رد فعلها ايه ؟؟
غيرت السرد اهو خليته سىد فصحى حوار عامى عشان تناسب الذوقين
لجميع الفصول من هنا
الفصل 3
كانت الكلمات تتردد في رأسها كصدى بعيد...
"نطلب إيد الآنسة غزل لابننا مختار..."
هل سمعت جيدًا؟
أم أن قلبها صنع لها حلمًا جديدًا، كما كان يفعل كلما رآه؟
شعرت بأن أنفاسها تثقل، وأن أصابعها ترتجف فوق فنجان القهوة حتى خافت أن يلاحظ أحد ارتباكها.
كم مرة وقفت خلف نافذة غرفتها تراه يزور أحد الجيران ؟
وكم مرة اختلست إليه نظرة سريعة، ثم هربت بعينيها قبل أن يلتفت إليها؟
كانت تحفظ تفاصيله كلها...
هدوءه.. طريقته في الكلام...احترامه للكبير قبل الصغير...
حتى ابتسامته النادرة، كانت تشعر أنها قادرة على تغيير يومها كله.
لكنها كانت دائمًا تردد لنفسها:
"انسي يا غزل... الراجل ده من عالم، وإنتِ من عالم تانى انظرى لحالك فى المرآه رجل كمختار عندما ينظر ..سينظر لاجمل الفتيات
لم تسمح لنفسها يومًا أن تحلم به.
كانت تعتبر مجرد الإعجاب به خطيئة صغيرة، تخفيها داخل قلبها، ثم تستغفر الله كلما سرحت بخيالها.
أما الآن...
فهو يجلس أمامها.وسط عائلته وعائلتها يطلبها زوجةً له.
رفعت عينيها إليه مرة أخرى، علّها تجد في ملامحه ما يؤكد لها أن ما يحدث حقيقة.
لكنها فوجئت ببروده.
لم ترَ في عينيه تلك اللمعة التي طالما تخيلتها في أحلامها.كان هادئًا...هادئًا أكثر مما ينبغي.
حتى نظرته إليها لم تستمر سوى لحظة، قبل أن يشيح بوجهه.
تسللت إلى قلبها رعشة خفية.
لماذا يبدو وكأنه لا يشعر بشيء؟
هل هو خجول؟
أم أن الرجال فعلًا لا يُظهرون مشاعرهم في مثل هذه المواقف؟
حاولت أن تطرد تلك الأسئلة سريعًا.
وقالت داخلها وهي تبتسم ابتسامة صغيرة لم يلاحظها أحد:
"مش مهم... المهم إنه اختارني أنا."
ولأول مرة منذ سنوات...
شعرت أن الله ربما كان يدخر لها هذا اليوم، ليعوّض قلبًا أحب في صمت... وانتظر دون أن يطلب شيئًا.
لكنها لم تكن تعلم...
أن الحقيقة، حين تنكشف، ستكون كفيلة بأن تحطم ذلك الحلم الذي بدأت للتو تلمس أطرافه.
ساد الصالون هدوءٌ ، قبل أن يبتسم فؤاد ابتسامة هادئة وينظر إلى الشيخ عبد الرحمن قائلاً:
ــ يشرفنا النسب مع عيلة الشيخ... وإحنا موافقين، وربنا يجعلها خطوة مباركة.
ارتسمت ابتسامة ارتياح على وجه الشيخ عبد الرحمن، بينما تمتم:
ــ الحمد لله... ربنا يتمم على خير.
ابتسمت والدة مختار، ونظرت إلى غزل بحنان، بينما أطرقت الفتاة رأسها مرة أخرى، وقد احمر وجهها خجلًا.
قال الشيخ عبد الرحمن بعد لحظات:
ــ إحنا أهل، ومافيش بينا إلا كل خير... ولو حضرتك عندك أي طلب أو شرط يخص بنتك، ياريت تقوله من دلوقتي.
ابتسم فؤاد وهو ينظر إلى غزل، ثم قال بصوت هادئ:
ــ والله يا حاج عبد الرحمن... أنا معنديش طلبات بالمعنى المعروف.
توقف لحظة، ثم أكمل وهو يوجه حديثه إلى مختار هذه المرة:
ــ كل اللي بطلبه إن بنتي تعيش مكرمة وسعيدة... وأشوفها بعد الجواز مبتضحكش أقل مما بتضحك وهي في بيتي.
نظر مختار إليه بثبات، ثم قال باحترام:
ــ أوعد حضرتك إنها هتكون في عيني قبل ما تكون في بيتي.
ابتسم فؤاد في رضا، بينما قال الشيخ عبد الرحمن:
ــ ده عهد علينا كلنا... وغزل من النهارده بنتنا قبل ما تكون مرات ابني.
ساد جو من الألفة داخل المجلس، ثم قالت والدة مختار مبتسمة:
ــ يبقى نتفق على الخطوبة.
ردت نوال بهدوء:
ــ إن شاء الله.
التفت الشيخ عبد الرحمن إلى فؤاد.
ــ إيه رأي حضرتك نخلي الخطوبة آخر الأسبوع الجاي؟ فرصة العيلتين يلحقوا يجهزوا.
فكر فؤاد قليلًا، ثم قال:
ــ مناسب جدًا.
وأضافت والدة مختار:
ــ ونحدد كمان يوم ننزل فيه نشتري الشبكة والذهب، وغزل تختار اللي يعجبها براحتها.
ابتسم فؤاد وهو ينظر إلى ابنته.
ــ اللي يريحكم... أهم حاجة البنت تكون مبسوطة.
أخذ الجميع يتبادل الحديث حول تفاصيل الخطوبة والموعد المناسب، حتى استقرت الآراء على أن يكون شراء الذهب بعد يومين، على أن تُقام الخطوبة في نهاية الأسبوع وسط الأهل والمقربين فقط.
وبعد أن انتهى الحديث عن ترتيبات الزواج...
تنحنح فؤاد قليلًا، ثم نظر إلى الشيخ عبد الرحمن وقال بابتسامة عملية:
ــ بالمناسبة... كنت عايز أفتح مع حضرتك موضوع بعيد عن الجواز.
نظر إليه الشيخ باهتمام.
ــ اتفضل.
ــ سمعت إن الشركة مرت بظروف صعبة الفترة اللي فاتت.
ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة.
ــ الحمد لله على كل حال... دي تجارة، يوم ليك ويوم عليك.
هز فؤاد رأسه موافقًا، ثم قال:
ــ وأنا مؤمن إن الشركات الكبيرة ممكن تتعثر... لكنها لو لقت الدعم المناسب بترجع أقوى من الأول.
نظر إليه الشيخ باستغراب بسيط.
فأكمل فؤاد بثقة:
ــ الحقيقة... أنا مهتم أدخل معاكم كشريك باستثمارات جديدة، لو ده يناسب خططكم.
ساد الصمت للحظات.
نظر الشيخ عبد الرحمن إلى ابنه، ثم عاد ببصره إلى فؤاد، وقد ارتسمت على وجهه راحة واضحة لم يستطع إخفاءها.
وقال بصوت يحمل امتنانًا صادقًا:
ــ الحقيقة... عرض كريم جدًا.
ثم أردف:
ــ مش علشان الفلوس... لكن لأنك بتقول الكلام ده وإحنا لسه بنتعارف، وده يدل على ثقة كبيرة.
ابتسم فؤاد وقال:
ــ أنا باستثمر في الناس قبل ما باستثمر في الشركات... وأنا واثق إن اسم عيلة الشيخ يستحق الثقة.
شعر عبد الرحمن وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره، وقال وهو يصافحه بحرارة:
ــ بإذن الله هنقعد بعد الخطوبة وندرس كل التفاصيل، وإن شاء الله تكون بداية خير للطرفين.
بينما انشغل الرجال بالحديث عن المشاريع ورأس المال وخطط التوسع...
كانت نوال قد التفتت إلى والدة مختار بابتسامة وقالت:
ــ ما تيجوا نتفرج على الجنينة شوية ونسيب الولاد يتعرفوا على بعض.
وافقت الأم على الفور، وخرج الجميع إلى الحديقة الواسعة، بينما بقي مختار وغزل وحدهما في ركن الصالون.
ساد بينهما صمت ثقيل...
صمت لم يعرف أيٌّ منهما كيف يكسره.
كانت غزل تشبك أصابعها في توتر، وقلبها يخفق بعنف، بينما كان مختار ينظر إلى فنجان القهوة أمامه أكثر مما ينظر إليها.
كانت تلك أول مرة يجلسان فيها وجهًا لوجه...
وأول حديث بين قلبين، أحدهما أحب في صمت... والآخر جاءه الحب متأخرًا، بعد أن أغلق قلبه بيده.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ بدت أطول من حقيقتها.
كانت غزل تخفض بصرها إلى كفيها، تعقد أصابعها وتفكها في توتر واضح، بينما كان مختار يبحث عن الكلمات المناسبة.
لم يشأ أن يبدأ حياته معها بكذبة...
ولم يشأ في الوقت نفسه أن يجرح فتاة لم ترتكب أي ذنب.
تنحنح بخفة، ثم قال بصوت هادئ:
ــ ممكن أتكلم معاكِ بصراحة؟
رفعت غزل عينيها إليه سريعًا، ثم أومأت برأسها في خجل.
قال وهو يضم كفيه أمامه:
ــ أول حاجة... أحب أقولك إن أنا مقدر الموقف اللي إحنا فيه دلوقتي. وأكيد بالنسبة لك كل اللي بيحصل حصل بسرعة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تجد ما تقوله.
أكمل مختار بعد لحظة صمت:
ــ وعشان كده... مش حابب يكون بينا أي حاجة مبنية على أوهام
شعرت غزل بانقباض خفيف في قلبها.
وتابع وهو ينظر إليها باحترام:
ــ أنا معرفكيش معرفة حقيقية... لكن من كل مرة شفتك فيها، كنت دايمًا باخد عنك انطباع إنك بنت محترمة، هادئة، ومتربية.
ارتبكت غزل أكثر، واحمر وجهها خجلًا.
ثم قال بنبرة صادقة:
ــ علشان كده... أتمنى عمرك ما تحسي إن ليَّ عندك أي مشاعر سلبية. بالعكس... أنا داخل الجواز ده وأنا شايل ليكي كل احترام وتقدير.
شعرت غزل بشيء من الطمأنينة، لكن قلبها ظل ينتظر الكلمة التي كانت تتمناها.
تردد مختار قليلًا...
ثم قال بصعوبة:
ــ بس... في حاجة لازم تكوني عارفاها.
تعلقت عيناها بعينيه.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:
ــ أنا مش هقدر أوعدك بحاجة مش بإيدي.
ساد الصمت.
وأضاف بصوت منخفض:
ــ القلب... مش بيتأمر.
اهتز قلب غزل بعنف، لكنها تماسكت حتى لا يظهر شيء على وجهها.
أكمل مختار، وعيناه تحملان صدقًا واضحًا:
ــ مش هقولك إني بحبك... ولا هقولك إني هحبك بعد شهر أو سنة... لأن الوعد ده لو طلع كذب هيكون ظلم ليكي بس أوعدك انى احاول وانى اسعدك
ازدادت غصة غزل، لكنها كانت تنظر إليه في هدوء.
أما هو فقال بثبات:
ــ لكن أقدر أوعدك بحاجة أنا مسؤول عنها.
سكت لحظة، ثم قال:
ــ أوعدك إنك هتلاقي مني احترام... وتقدير... ومعاملة تليق بيكي وبأهلك.
نظر إليها مباشرة لأول مرة منذ جلسا معًا.
ــ أوعدك إني عمري ما أهينك... ولا أقلل منك... ولا أخليكي تندمي إنك وافقتي عليا.
ابتسم ابتسامة باهتة، وأردف:
ــ ويمكن... مع الأيام، ربنا يكتب بينا مودة ورحمة، وده أهم من أي كلام بيتقال قبل الجواز.
كانت غزل تستمع إليه وقلبها يعتصر ألمًا.
هي الفتاة التي عاشت سنوات تتمنى أن تسمع منه كلمة حب واحدة...
فإذا به يخبرها، بكل صدق، أنه لا يملكها.
ورغم ذلك...لم تشعر بالإهانة. بل رأت في صدقه شيئًا نادرًا.
كان يستطيع أن يخدعها بكلمات جميلة، لكنه اختار أن يصارحها منذ البداية.
ابتلعت غصتها، ثم رفعت إليه نظرة هادئة وقالت بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
ــ يكفيني... إن حضرتك كنت صادق معايا.
تفاجأ مختار من ردها.
فابتسمت ابتسامة رقيقة، وأضافت:
ــ وأنا مؤمنة إن الاحترام... لو كان حقيقي... بيكون بداية كويسة لأي حياة.
نظر إليها مختار في صمت.
ولأول مرة منذ دخوله هذا المنزل...
شعر أن الفتاة الجالسة أمامه، رغم هدوئها الشديد، تملك قلبًا أكبر بكثير مما توقع.
انتهى اللقاء بعد أن تبادل الجميع عبارات الود والدعوات بأن يتم الله الأمر على خير.
وقف مختار يصافح فؤاد باحترام، ثم ألقى نظرة خاطفة على غزل.
كانت لا تزال واقفة بجوار والدتها، تودعهم بابتسامتها الهادئة.
اكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، فبادلته ابتسامة خجولة، قبل أن تخفض بصرها مرة أخرى.
غادرت عائلة الشيخ الفيلا، بينما ظل فؤاد ونوال يقفان عند الباب حتى ابتعدت السيارات.
داخل السيارة...
جلس الشيخ عبد الرحمن في المقعد الأمامي، بينما جلست زوجته إلى جوار سارة في الخلف، وكان مختار يقود السيارة في هدوء.
ساد الصمت لدقائق.
حتى قالت والدة مختار وهي تزفر براحة:
ــ البنت مؤدبة جدًا.
هز الشيخ عبد الرحمن رأسه موافقًا.
ــ باين عليها بنت أصول.
ابتسمت سارة وهي تتذكر خجل غزل.
ــ حتى كلامها قليل... وحسيتها محترمة أوي.
ظل مختار صامتًا، وعيناه مثبتتين على الطريق.
نظرت إليه والدته عبر المرآة، ثم قالت برفق:
ــ يا مختار...
ــ نعم يا أمي؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ــ غزل متربية... وهادية... وبنت ناس.
أومأ برأسه.
ــ عارف.
ترددت قليلًا، ثم قالت وهي تتنهد:
ــ يا ريتها كانت حلوة.
ساد الصمت داخل السيارة.
التفت إليها الشيخ عبد الرحمن بنظرة عتاب خفيفة.
ــ يا أم مختار...
قالت بسرعة:
ــ أنا مش بقصد أجرحها، والله البنت ما يتقالش عليها كلمة وحشة... لكن الأم بتتمنى لابنها كل حاجة كاملة.
ظل مختار صامتًا، ولم يعلق.
فوضعت والدته يدها على كتفه برفق وقالت:
ــ اسمع مني يا ابني...
الجمال بيتعود عليه الإنسان بعد فترة... لكن الأخلاق هي اللي بتعيش.
ثم أضافت بصوت يحمل رجاء الأم:
ــ حاول... حاول تديها فرصة.
تنفس مختار ببطء.
ــ هحاول.
ابتسمت وقالت:
ــ لا... مش هتحاول تعاشرها وبس.
سكتت لحظة، ثم قالت بحنان:
ــ حاول تحبها.
أطرق مختار بصره للحظة، قبل أن يعيد نظره إلى الطريق.
وقال بصوت هادئ، امتزج فيه الصدق بالألم:
ــ والله يا أمي... لو الحب بيتقرر، كنت عملت كده من أول يوم.
ساد الصمت.
ثم أكمل بعد لحظة:
ــ أنا وعدتها بالاحترام... ووعدي مش هكسره.
أما الحب...فصمت قليلًا، ثم قال وهو يبتسم ابتسامة باهتة:
ــ ده رزق من عند ربنا... ومحدش يقدر يجبر قلبه عليه.
تنهدت والدته، وأسندت رأسها إلى المقعد.
كانت تدرك أن ابنها لا يكذب.
وكانت تدعو الله في سرها أن يأتي يوم، ينظر فيه مختار إلى زوجته بعين القلب... لا بعين الواجب وحدها
بعد مرور أسبوع...
لم يعد خبر خطبة مختار وغزل حبيس العائلتين.
فقد انتشر بين رجال الأعمال، ثم بين الأقارب، حتى أصبح حديث الجميع.
"مختار الشيخ أخيرًا اتخطب."
"العروسة بنت الأستاذ فؤاد."
"والخطوبة آخر الأسبوع."
وكان من الطبيعي...أن يصل الخبر إلى ليلى.
كانت تجلس في مكتبها تراجع بعض الملفات، حين دخلت إحدى زميلاتها بابتسامة عريضة.
ــ مبروك يا ليلى.
رفعت ليلى رأسها باستغراب.
ــ مبروك على إيه؟
ابتسمت زميلتها وهي تقول:
ــ أصل كنت فاكرة إنك تعرفي... مختار خطب.
تجمدت يد ليلى فوق الورقة التي تحملها.
ــ خطب؟
ــ أيوه... على بنت اسمها غزل، بنت رجل الأعمال فؤاد.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة.
ــ بجد؟
ــ أيوه... بيقولوا الخطوبة آخر الأسبوع.
هزت ليلى رأسها في هدوء، وكأن الأمر لا يعنيها.
ــ ربنا يتممله على خير.
وغادرت زميلتها.
أما ليلى...فظلت تحدق في الفراغ لثوانٍ.
ثم ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة.
ــ بسرعة كده يا مختار؟
فتحت هاتفها، وبحثت عن اسمه بين جهات الاتصال.
توقفت إصبعها فوق اسمه للحظة...
ثم ضغطت زر الاتصال.
في تلك اللحظة...
كان مختار قد انتهى من أحد الاجتماعات، وجلس وحده في مكتبه يحتسي قهوته.
رن هاتفه نظر إلى الشاشة.
*****ليلى ❤️***
ظل يحدق في الاسم بضع ثوانٍ، ثم أجاب بصوت هادئ.
ــ ألو.
جاءه صوتها يحمل ابتسامة مصطنعة.
ــ إزيك يا مختار؟
ــ الحمد لله.
ــ ألف مبروك.
ــ الله يبارك فيكِى
ضحكت بخفة، ثم قالت:
ــ سمعت إنك خطبت.
ــ أيوه.
ــ والله فرحتلك... بجد.
عرف مختار تلك النبرة جيدًا...
كانت دائمًا تسبق كلماتها الجارحة.
فساد الصمت بينهما.
ثم قالت وهي تتصنع العفوية:
ــ بس بصراحة... استغربت.
ــ من إيه؟
ــ من إنك لقيت بديل بسرعة أوي.
ابتسم مختار ابتسامة باهتة.
ــ دي قسمة ونصيب.
قالت بسخرية واضحة:
ــ ولا يمكن الظروف هي اللي حكمت؟
ظل صامتًا.
فأكملت وهي تضغط على كلماته القديمة:
ــ كنت دايمًا تقول إنك مش ممكن ترتبط غير باللي تخطف قلبك... واضح إن الكلام ده كان بيتغير بسرعة.
قبض مختار على الهاتف، لكنه حافظ على هدوئه.
ــ عندك حاجة تانية؟
ضحكت ضحكة قصيرة.
ــ الحقيقة... سمعت كمان إن البنت مش بالجمال اللي كنت بتحلم بيه .
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة شماتة:
ــ بقى مختار الشيخ... اللي كان بيختار كل حاجة بعناية... رضي بأي حد عشان ينسى؟
لم يرد.
فقالت بثقة:
ــ واضح إنك خسرت مرتين...لا عرفت تحافظ على اللي بتحبها...
ولا عرفت تحقق المواصفات اللي كنت راسمها.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال مختار بصوت هادئ، لكنه حاسم:
ــ خلصتي؟
توقفت ليلى عن الكلام.
فأكمل:
ــ ربنا يسعدك في حياتك يا ليلى... زي ما أتمنى يسعدني في حياتي.
ثم أردف بهدوء:
ــ وأظن إن مابقاش فيه سبب يخلي بينا أي مكالمات بعد النهارده.
وقبل أن تنطق بحرف...
أنهى الاتصال.
أنزل الهاتف ببطء فوق مكتبه.
وأغمض عينيه للحظة.
لم يكن أكثر ما آلمه كلماتها...بل أنها، بعد كل ما كان بينهما، لم تتصل لتطمئن أو تبارك.
اتصلت فقط...
لتتأكد أن الجرح الذي تركته في قلبه ما زال قادرًا على النزف.
هل كلام ليلى ووصفها لغزل بقله الجمال هيأثر فى علاقه مختار بغزل وتخليه ينفر منها ؟؟ ولا هيكون حافز لمختار إنه ياكل السوق بمجرد رجوعه ولا الاتنين ؟؟؟؟
لجميع الفصول من هنا
الفصل 4
ظل مختار جالسًا في مكتبه لدقائق طويلة، يحدق في شاشة هاتفه التي انطفأت منذ لحظات.
لم يمد يده إلى فنجان القهوة الذي برد أمامه، ولم يحاول العودة إلى الملفات المكدسة فوق مكتبه.
ظل صامتًا...
ثم فجأة تناول هاتفه وضغط على رقم فؤاد.
لم يطل الانتظار حتى جاءه صوته الهادئ.
ــ أهلًا يا مختار يا ابني.
اعتدل مختار في جلسته وقال باحترام:
ــ مساء الخير يا أستاذ فؤاد.
ــ مساء النور... خير إن شاء الله؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال:
ــ كنت حابب أستأذن حضرتك في حاجة.
ــ اتفضل.
ساد صمت قصير، قبل أن يقول مختار بثبات:
ــ لو مافيش مانع... كنت أتمنى نعجل معاد الجواز.
رفع فؤاد حاجبيه في دهشة، ثم ابتسم.
ــ نعجل؟
ــ أيوه... طالما إحنا متفقين، ومفيش حاجة تمنع، شايف إن مافيش داعي نطول فترة الخطوبة.
ظل فؤاد صامتًا لثوانٍ، ثم قال ضاحكًا:
ــ واضح إنك مستعجل على بنتي.
ابتسم مختار ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.
ــ مستعجل أخلص كل ترتيبات حياتي.
ثم أضاف بنبرة عملية هادئة:
ــ الفترة الجاية هتبقى صعبة جدًا في الشركة، خصوصًا بعد اتفاقنا على الاستثمار، وأنا محتاج أكون متفرغ للشغل بشكل كامل، من غير ما أفضل موزع وقتي بين تجهيزات الجواز ومواعيده.
هز فؤاد رأسه في اقتناع.
ــ عندك حق... وأنا كمان ماليش في الخطوبات الطويلة.
ثم أردف بابتسامة:
ــ خلاص... نتوكل على الله. بعد الخطوبة بشهر نكتب الكتاب ويتم الفرح تكون البنت لحقت جهزت اللى ناقصها وانت تكون جهزت حالك .
ارتسمت على وجه مختار أول ملامح الارتياح منذ ساعات.
ــ أشكرك يا أستاذ فؤاد.
ــ الشكر لله يا ابني... وربنا يتمم لكم على خير.
أنهى مختار المكالمة، وأعاد الهاتف إلى مكانه، ثم جذب أحد الملفات نحوه، وفتحه دون تردد، وكأن قرارًا كان يؤجله منذ فترة، وحُسم أخيرًا.
وبعد أسبوع...
دخلت الدفعة الأولى من استثمارات فؤاد إلى حسابات شركة الشيخ.
ولم تكن مجرد أرقام...
بل كانت بداية مرحلة جديدة.
منذ ذلك اليوم، تغير إيقاع الشركة بالكامل.
أصبح مختار أول من يصل إلى المقر، وآخر من يغادره. يتنقل بين الاجتماعات، ويقضي ساعات داخل المصانع، ويتابع بنفسه أدق التفاصيل، حتى ظن الموظفون أنه لا يعرف معنى الراحة.
وفي أول اجتماع لمجلس الإدارة بعد دخول الاستثمارات، وقف أمام الجميع، وأغلق شاشة العرض بعد انتهاء التقرير المالي، ثم قال بثقة هادئة:
ــ من النهارده... إحنا مش بنفكر إزاي نحافظ على الشركة.
توقف لحظة، ونظر إلى الوجوه الجالسة أمامه.
ــ إحنا بنفكر إزاي نخليها أكبر شركة في السوق.
ساد الصمت داخل القاعة.
ثم أكمل وهو يشير إلى الأرقام الظاهرة أمامهم:
ــ الأستاذ فؤاد ضخ في الشركة ملايين... وأنا مش ناوي أسيبها ملايين.
تبادلت الأنظار نحوه في ترقب.
فقال بثقة لا تقبل الشك:
ــ هدفي أحول الملايين لمليارات دخل الشركة... إلى قيمة حقيقية. والسنين الجاية... اسم شركة الشيخ هيكون في مكان تاني خالص.
في الجهة الأخرى، داخل فيلا آل الشيخ، كانت الاستعدادات تسير بوتيرة لا تهدأ. فمنذ أن تحدد موعد الزفاف، قررت والدة مختار أن تتولى كل شيء بنفسها، وكأنها تعوض سنوات كانت تنتظر فيها تلك اللحظة.
لم تكتفِ بالإشراف على تجهيز الجناح، بل كانت تراجع أدق التفاصيل؛ لون الستائر، نوع المفروشات، أماكن وحدات الإضاءة، وحتى الزهور التي ستزين الشرفة. كانت تريد أن تدخل غزل بيتها لأول مرة فتشعر أنه أُعد لها بمحبة، لا لمجرد أنه بيت الزوجية.
أما سارة، فقد أصبحت ذراع والدتها اليمنى، ترافقها في كل جولة تسوق، وتحمل قائمة طويلة لا تنتهي من الاحتياجات. من أطقم المناشف، إلى أدوات الحمام، إلى أطقم الأكواب والأطباق الخاصة بالجناح، وكلما انتهت من شيء، أضافت والدتها شيئًا آخر.
حتى ملابس مختار الشخصية لم تتركها والدته للصدفة.
كانت تعرف أن ابنها لا يملك الصبر للتجول بين المحلات، ولا يهتم إلا بأن تكون ملابسه عملية وأنيقة، لذلك اعتادت منذ سنوات أن تختار له كل ما يحتاجه بنفسها. هذه المرة أيضًا، اشترت له قمصانًا جديدة، وبدلات للنزهات والسفر، وملابس منزلية، وحتى العطور وربطات العنق، بينما كان هو لا يعلم عن كل ذلك شيئًا، منشغلًا بين اجتماعات الشركة ومشروعاتها الجديدة.
وكانت كلما احتارت هي وسارة في لون قميص، أو تصميم ساعة، أو حتى شكل حذاء، ترسلان في طلب غزل.
في البداية، كانت غزل تشعر بحرج شديد كلما دخلت الفيلا، لكن والدة مختار كانت تستقبلها بحفاوة، وكأنها ابنتها منذ سنوات، ثم تمسك بيدها قائلة بابتسامة:
ــ تعالي يا حبيبتي... قولي رأيك، أصل إحنا هنلبسه، بس اللي هتشوفيه كل يوم إنتِ.
فتبتسم غزل في خجل، وتبدأ في إبداء رأيها بهدوء، فتختار قميصًا بلون هادئ، أو ربطة عنق تناسب إحدى البدلات، أو تشير إلى ساعة تراها أكثر أناقة.
وكانت سارة تمازحها كل مرة قائلة:
ــ خلاص... من النهارده أي حاجة تخص مختار مسؤوليتك.
فتزداد حمرة وجه غزل، وتخفض بصرها بابتسامة خجولة.
لكن أكثر ما كان يلفت انتباهها...
أن مختار لم يحضر أيًا من تلك التجهيزات.
لم تره مرة واحدة يسأل عن لون الجناح، أو يختار قطعة أثاث، أو حتى يرافق والدته في شراء احتياجاته.
وفي إحدى المرات، بينما كانت غزل تساعد سارة في ترتيب بعض المشتريات، قالت والدة مختار، وقد بدا عليها شيء من الحرج:
ــ حقك علينا يا بنتي... أكيد زعلانة إن مختار سايب كل حاجة علينا ومش بيسأل عنك
أسرعت غزل تهز رأسها نافية.
لكن الأم أكملت بحنان:
ــ والله يا حبيبتي مش تجاهل ليكي... ده من يوم ما دخلت استثمارات فؤاد الشركة، وهو مبقاش يعرف الليل من النهار. ساعات بيرجع بعد نص الليل، وساعات يخرج قبل ما نصحى. حتى هدومه الجديدة لحد دلوقتي ماشافهاش.
ابتسمت سارة وهي تؤيد كلام والدتها.
ــ تصدقي؟ امبارح رجع البيت، أكل لقمتين، ونام على الكنبة في المكتب من كتر التعب.
ساد الصمت للحظة.
فخفضت غزل عينيها، وشعرت بشيء من الارتياح يتسلل إلى قلبها.
لم يكن يتجنبها...
ولم يكن يهرب منها كما كانت تظن.كان فقط... غارقًا في عمله.
ورغم أن جزءًا صغيرًا داخلها كان يتمنى لو وجد منها دقيقة يسأل فيها عنها، أو يتصل ليطمئن عليها، إلا أنها أقنعت نفسها أن لكل إنسان طريقته في تحمل المسؤولية.وربما...
كانت هذه طريقته هو.
أن يصنع لها مستقبلًا آمنًا، حتى وإن بدا في الطريق رجلًا لا يلتفت إلا إلى عمله.
حلَّ المساء على فيلا آل الشيخ، وبعد يوم طويل من التسوق ومتابعة تجهيزات الجناح، جلست والدة مختار في صالون الفيلا تحتسي كوبًا من الشاي، بينما ألقت سارة بجسدها على الأريكة المقابلة وهي تزفر بتعب.
ساد بينهما صمت قصير، قبل أن تقلب سارة هاتفها بين يديها، ثم قالت فجأة:
ــ ماما... هو أنا بس اللي حاسة إن مختار بيظلم نفسه... ولا بيظلم غزل كمان؟ انا مش عارفه؟
رفعت الأم رأسها إليها باستغراب.
ــ ليه بتقولي كده؟
تنهدت سارة، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد وقالت:
ــ فاكرة كان عامل إزاي مع ليلى؟
ابتسمت الأم ابتسامة باهتة ولم تجب.
فأكملت سارة:
ــ كان كل يوم لازم يخرجوا... مرة غدا، ومرة عشا، ومرة يتمشوا، ومرة يروحوا السينما. كانت تعرف جدول يومه كله، وهو يعرف هي أكلت إيه وشافت مين وزعلت من إيه. حتى لو كان عنده اجتماع، كان يفضي نفسه عشان يكلمها خمس دقايق.
هزت رأسها بأسى، ثم أضافت:
ــ أما غزل... البنت بقالها أسبوعين مخطوبة، وأقصى حاجة ممكن يعملها إنه يبعتلها صورة عليها وردة مكتوب عليها "صباح الخير"... من الصور اللي إنتِ بتبعتيهالنا كل يوم على جروب العيلة.
لم تستطع الأم منع ابتسامتها.
ــ والله فعلًا.
ضحكت سارة رغم ضيقها.
ــ تخيلي! حتى دي مش بيختارها، بيعمل إعادة إرسال وبس. لا رسالة من عنده، ولا كلمة، ولا حتى يسألها عاملة إيه.
تنهدت الأم وهي تحرك الملعقة داخل كوب الشاي.
ــ عارفة يا سارة...
سكتت لحظة، ثم أكملت بهدوء:
ــ بس أنا شايفة إنك بتقيسي موقفين مختلفين.
نظرت إليها سارة في انتظار.
فقالت الأم:
ــ مختار لما كان مع ليلى... كان بيحب. والحب بيخلي الإنسان يعمل حاجات من غير ما يحس.
ثم أردفت بحزن خفيف:
ــ أما دلوقتي... فهو داخل الجواز بعقله مش بقلبه.
خفضت سارة عينيها، لكنها قالت بإصرار:
ــ حتى لو... غزل مالهاش ذنب.
أومأت الأم في هدوء.
ــ وأنا عمري ما قلت إن ليها ذنب.
ثم ابتسمت ابتسامة دافئة وهي تضيف:
ــ بس شوفيه من يوم الاستثمارات الجديدة دخلت الشركة. الولد بقى يخرج قبل ما نصحى، ويرجع بعد نص الليل. ساعات بأدخل عليه المكتب ألاقيه نايم على الكنبة من غير حتى ما يغير هدومه.
سكتت لحظة، ثم قالت:
ــ حتى وهو هنا... عقله في الشغل.
ظلت سارة صامتة، قبل أن تقول بصوت خافت:
ــ أنا كل ما أشوف غزل وهي بتبتسم لما بنوريها حاجة تخص الجناح... قلبي يوجعني. حاسة إنها مستنية منه أي لفتة... أي اهتمام... حتى مكالمة.
ابتسمت الأم بأسى.
ــ وأنا كمان ملاحظة ده.
ثم أكملت وهي تنظر نحو الدرج المؤدي إلى غرف النوم:
ــ لكن تعرفي أكتر حاجة ريحتني؟
ــ إيه؟
ــ إن غزل عمرها ما اشتكت.
قالت سارة بسرعة:
ــ بالعكس... كل ما أعتذرلها عن انشغاله، تقول لي: "أكيد عنده شغل مهم... ربنا يعينه."
ابتسمت الأم بحنان.
ــ بنت عاقلة.
ثم تنهدت وهي تضيف:
ــ يمكن هي الوحيدة اللي حطاله العذر.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تقول سارة وهي تنظر إلى باب الفيلا:
ــ يا رب... نفسي يجي اليوم اللي يعاملها فيه بنفس اللهفة اللي كان بيعامل بيها ليلى.
هزت الأم رأسها ببطء، ثم قالت بصوت يغلب عليه اليقين:
ــ لا يا سارة...
نظرت إليها ابنتها باستغراب.
فابتسمت الأم وقالت:
ــ أنا مش عايزة يحبها بنفس الطريقة...
أنا عايزة يحبها أكتر.
لأن الحب اللي عاشه زمان كان فيه انبهار... أما اللي بدعيله بيه دلوقتي، فهو حب يعيش ويكبر بعد الجواز، ويخليه يحس بقيمتها قبل ما يحس بجمالها.
نظرت سارة إلى والدتها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تتمتم:
ــ يا رب يسمع منك.
في الجهة الأخرى، كانت فيلا فؤاد تعيش أجواءً مختلفة، يغلب عليها دفء الاستعدادات الأخيرة. داخل غرفة غزل، كانت الحقائب الكبيرة مصطفة على الأرض، بينما انتشرت الملابس بعناية فوق السرير، بعد أن انتهت من كيّها وترتيبها.
كانت غزل تمسك بكل قطعة ملابس، تطويها بعناية، ثم تضع بينها أكياسًا صغيرة من اللافندر حتى تظل رائحتها عطرة، قبل أن تغلق الحقيبة وتنتقل إلى التي تليها.
فتحت الباب دون استئذان شقيقتها الصغرى، ودخلت وهي تحمل كوبًا من العصير، ثم ألقت نظرة سريعة على الغرفة قبل أن تطلق صفيرًا خافتًا.
ــ يا نهار أبيض... إيه ده كله؟
ابتسمت غزل وهي تواصل ترتيب ملابسها.
ــ بجهز الحاجات اللي هتتبعت الفيلا بكرة.
اقتربت شقيقتها، وجلست على طرف السرير، ثم بدأت تفتح الملابس واحدة تلو الأخرى.
أخرجت فستانًا طويلًا بلون البيج، ثم رفعت حاجبها.
ــ هو إيه ده؟
ابتسمت غزل.
ــ فستان.
ضحكت الأخرى.
ــ لا والله؟ كنت فاكراه عباية.
رمقتها غزل بنظرة معاتبة، لكنها لم ترد.
وضعت الفستان جانبًا، ثم أخرجت آخر بلون كحلي واسع، وبعده طقمًا كلاسيكيًا بأكمام طويلة.
هزت رأسها وهي تكتم ضحكتها.
ــ يا بنتي... هو إنتِ ناوية تتجوزي ولا تفتحي جمعية خيرية؟
ابتسمت غزل بخجل.
ــ اللبس عادي يعني.
ــ عادي؟!
رفعت شقيقتها قطعة أخرى وقالت وهي تلوح بها في الهواء:
ــ كله مقفل... كله واسع... كله موديلات قديمة. ده لبس عواجيز يا غزل!
خفضت غزل عينيها وهي ترتب قطعة أخرى داخل الحقيبة.
ــ أنا بحب اللبس الهادي.
قهقهت شقيقتها.
ــ هادي إيه؟ ده لو أمي شافته هترفض تقيسه اصلا تقولك هيكبرنى .
ثم نظرت إليها من أعلى لأسفل وقالت بمشاكسة:
ــ بجد أنا مش عارفة... إنتِ وقعتي مختار الشيخ إزاي!
ابتسمت غزل ابتسامة باهتة، بينما واصلت ترتيب أغراضها في صمت.
أما الأخرى فلم تنتبه لما ارتسم على وجهها، وأكملت ضاحكة:
ــ ما تزعليش مني... بس بجد أنا معرفش بصلك على إيه.
ساد الصمت داخل الغرفة.
توقفت يد غزل للحظة فوق قطعة القماش التي كانت تطويها، لكنها سرعان ما أكملت وكأنها لم تسمع شيئًا.
رفعت شقيقتها كتفيها وقالت وهي تعيد الملابس إلى مكانها:
ــ يعني بصراحة... مختار ده أي بنت كانت تتمنى تبقى مكانك. وسيم، ناجح، غني، وكل البنات كانت بتحلم بيه... وإنتِ حتى ستايلك مختلف عن كل البنات.
ابتسمت غزل ابتسامة هادئة، ثم أغلقت الحقيبة برفق وقالت بصوت منخفض:
ــ يمكن... ربنا هو اللي بعتهولى محدش عارف الاقدار .... الاقدار دى بيدى الله ومحدش بيتجوز مرات حد
نظرت إليها شقيقتها للحظة، لكنها لم تجد ما تقوله.
أما غزل، فانحنت لتغلق سحاب الحقيبة الأخيرة، بينما كانت كلمات أختها تتردد في داخلها.
"أنا معرفش بصلك على إيه."
ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة امتزجت بشيء من الألم.
هي أيضًا...
كانت تسأل نفسها السؤال نفسه منذ اليوم الذي طرق فيه مختار بابهم طالبًا الزواج.
ولم تجد له إجابة... سوى أنها كانت تؤمن أن الأرزاق لا تُقاس بالشكل، وأن ما يأتي به الله، لا يأتي عبثًا.
وقفت شقيقتها عند باب الغرفة، وكأنها تذكرت شيئًا فجأة، ثم استدارت مرة أخرى قبل أن تغادر.
ــ استني... نسيت حاجة.
نظرت إليها غزل باستغراب، بينما اتجهت أختها إلى الدولاب، وأخرجت منه حقيبة ورقية أنيقة كانت تخفيها في الداخل منذ أيام.
اقتربت منها، ثم فتحت إحدى الحقائب الكبيرة التي انتهت غزل من ترتيبها قبل قليل، ووضعت الحقيبة الجديدة بداخلها، قبل أن تغلقها سريعًا.
عقدت غزل حاجبيها وقالت في دهشة:
ــ إيه ده؟
ابتسمت أختها ابتسامة مشاكسة وهي تضغط على سحاب الحقيبة.
ــ ماتفتحيهاش دلوقتي.
ــ أومال إمتى؟
رفعت إصبعها محذرة.
ــ أول ما تروحي فيلا آل الشيخ، وتيجي ترتبي هدومك في دولاب مختار... ابقي افتحيها.
ازدادت حيرة غزل.
ــ وليه السر ده كله؟
ضحكت أختها، ثم قالت وهي تستند إلى الحقيبة:
ــ عارفة إن اللي جوا مش ذوقك... ويمكن لو وريتهولك دلوقتي هترفضيه من غير ما تفكري.
خفضت غزل رأسها وهي تبتسم بخجل.
ــ طالما مش ذوقي... جبتيه ليه؟
اقتربت منها أختها وربتت على كتفها برفق.
ــ لأن مهما كان ذوقك بسيط ومحترم... دي الحاجات اللي المفروض تبقى موجودة في دولاب أي عروسة.
نظرت إليها غزل في صمت.
فابتسمت أختها وأكملت:
ــ مش بقولك تلبسيها كل يوم... ولا تغيري نفسك. بس خليها موجودة... يمكن في يوم تحتاجيها.
ظلت غزل صامتة، بينما كانت عيناها معلقتين بالحقيبة المغلقة.
أما أختها، فاتجهت نحو الباب، ثم التفتت إليها للمرة الأخيرة وقالت بابتسامة واسعة:
ــ وأوعي تفتحيها هنا... وعد؟
هزت غزل رأسها دون اقتناع.
ابتسمت أختها في رضا، ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
وبقيت غزل وحدها...
تنظر إلى الحقيبة الكبيرة التي تخفي بداخلها سرًا صغيرًا، بينما قاومت رغبة ملحة في فتحها ومعرفة ما تحتويه.
لكنها في النهاية...
ابتعدت عنها.
وتركتها كما هي، تنتظر اليوم الذي ستفتحها فيه داخل بيتها الجديد.
لم تكن غزل وحدها من تستعد لذلك اليوم...
ولم يكن مختار وحده الذي انشغل بين تجهيزات الزواج والعمل.
في مكانٍ آخر...
كانت ليلى تستعد هي الأخرى، ولكن لسبب مختلف تمامًا.
وقفت أمام المرآة داخل غرفة نومها، تتصفح عشرات الصور على هاتفها لفساتين أشهر دور الأزياء، بينما كانت مصممة الأزياء تقف إلى جوارها تحمل دفترًا صغيرًا تدون فيه ملاحظاتها.
رفعت ليلى إحدى الصور أمامها، ثم قالت بحزم:
ــ لا... ده اتلبس كتير.
انتقلت إلى صورة أخرى.
ــ وده بسيط زيادة.
ثم توقفت أمام صورة لفستان طويل، ينسدل بانسيابية، مطرز بالكامل بالكريستال، ويكشف عن أناقة مبالغ فيها دون ابتذال.
ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيها.
ــ هو ده.
ابتسمت المصممة قائلة:
ــ هيطلع تحفة على حضرتك.
قالت ليلى وهي لا تزال تحدق في الصورة:
ــ عايزاه يتنفذ بالحرف... ومحدش يلبس زيه.
ــ اعتبريه حصل.
أغلقت ليلى الهاتف، ثم التفتت إليها.
ــ قدامك أسبوع... مهما كلف الأمر.
ــ هيكون جاهز.
خرجت المصممة، وبقيت ليلى وحدها.
اقتربت من المرآة، وأخذت تتأمل انعكاسها طويلًا، ثم رفعت يدها تعدل خصلة من شعرها، وهمست لنفسها بابتسامة واثقة:
ــ ليلة فرحك يا مختار... مستحيل تعدي عادية.
أمسكت هاتفها، وفتحت الصورة الوحيدة التي ما زالت تحتفظ بها له.
ظلت تنظر إليها لثوانٍ، ثم قالت بصوت خافت:
ــ هتشوفني.....وساعتها هتعرف إيه اللي خسرته.
أغلقت الصورة، واتجهت نحو غرفة الملابس، وأخذت تخرج حقيبة يد، وحذاءً، وطقمًا من الألماس، تضع كل قطعة إلى جوار الأخرى، وكأنها ترسم المشهد في خيالها قبل أن يحدث.
لم تكن تخطط لإفساد الزفاف...ولم تكن تنوي افتعال مشكلة.
كانت تريد شيئًا واحدًا فقط...
أن تدخل القاعة، فتتجه إليها الأنظار قبل العروس.
أن يراها مختار فيقف، ولو للحظة، يقارن بينهما.
بين جمالٍ كانت تعرف كيف تبرزه...
وأناقةٍ كانت تنفق عليها بسخاء...
وبين غزل... ببساطتها وهدوئها.
كانت تريد أن تزرع في داخله سؤالًا واحدًا...
"مين فينا كانت تليق بيك أكتر؟... ومين كانت هتشرف اسم مختار الشيخ وسط الناس؟"
كانت تريد أن يظل هذا المشهد يطارده طوال الليل.
أن يجلس إلى جوار غزل...
لكنه لا يرى إلا ليلى.... أن تمتد يده إلى زوجته...
فيتذكر المرأة التي لطالما سكنت قلبه
وأن يقضي ليلته الأولى كلها يفكر في ليلاه .
تفتكروا ليلى هتنجح فى خطتها اللى رسمتها ببراعه؟؟
لجميع الفصول من هنا