ظننتك قلبي..... لكن بعض الظن
الفصل التاسع عشر « لا أصدق ....!!»
"الجزء الثاني"
أحيانًا نتمنى ألا نفهم ، أن نترك الأمور على سجيتها يُفهم ما يُفهم و يُترَك ما يُترَك ، أن نتغافل عن الثقوب والأخطاء وأن نبقى على سكوننا بدون أى رد فعل ، كما لو أن رد الفعل سيمحو الضرر الذى سيلحق بنا ...
إدراكنا للحقيقة مُجهد للعقول مؤلم للقلوب ، مؤذى للنفس ... ففي بعض الأحيان نفضل ألا نصدق ...
بيت النجار ( شقة فخري) ...
لمعت عين "حنين" بغيظ مكتوم لم تستطع إظهاره أنقذها من شلال الإهانات التى كانت ستتلقاه طرقات أخرى على باب شقة "صباح" ....
قفزت "حنين" بخفة مبتعدة عن "صباح" ولسانها السليط لتلبي الطارق ظنًا منها أنها بذلك تهرب من ضيق نفس بوجودها إلى جوارها ، لكنها فوجئت بمن يكتم أنفاسها كمن يسحب الهواء من حولها ...
رفعت "حنين" حاجبيها وإتسعت عيناها بذهول قبل أن تفغر فاها قائله ...
- "ريهام" ....!!!!
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
منذ بدأ خلافاتها مع "مأمون" لم تخطي "ريهام" بيت العائلة ، بل ظنت "حنين" أنها تخلصت نهائيًا من وجودها ورؤيتها ، تلك المتعالية التى كادت تسرق كل الأضواء منها ، فما الذى أتى بها إلى هنا اليوم ..
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
بطرف عيناها الواسعتان رمقتها "ريهام" بتقزز لتعبر من جوارها دون الإكتراث حتى بإلقاء السلام عليها ...
خطوات متمايلة متغنجة وهي تدلف نحو الداخل لتميل برأسها فى خيلاء لتتحرك خصلات شعرها العسلية المموجة تكيد بجمالها تلك الواقفة إلى جوار الباب من خلفها ...
شابة تتمتع بحسن طبيعي بيضاء البشرة وفم رفيع وأعين صغيرة لكنها تتمتع بجاذبية شديدة لدلالها وتغنجها الدائم فهي معجبة بحُسنها لدرجة الغرور ، تدرك أن الأبصار تتجه صوبها فور تواجدها بأى محل تنزل به ...
تقدمت نحو "صباح" الجالسة بالصالون لتلقى تحيتها وهي تجلس دون دعوة صاحبة البيت لها ...
- صباح الخير ...
إعدلت "صباح" جسدها المائل بإهتمام بالغ لم تظهره يومًا لغير تلك المرأة ...
- "ريهام" ... !!! إزيك يا حبيبتي ...
ضمت "ريهام" شفتيها الرقيقتين وهي تلقى بنظرة أخيرة على "حنين" كما لو كانت تخبرها أن وجودها ليس مرغوب به لتعود ببصرها الكامل تجاه "صباح" لتجيب تحيتها ...
- كويسة ... اوووى ...
قالتها تكيد بـ"حنين" صاحبة المشكلات والإستفزاز لها حينما كانت تقطن هنا بهذا البيت ..
لم تتحمل "حنين" وجود "ريهام" فحتى مع غيابها إلا أنها تظل الأجمل وسارقة كل الإهتمام رغم المشاكل والقضايا بينها وبين "مأمون" ، هتفت "حنين" بعجالة دون إنتظار ...
- طب أنا حنزل أشوف العيال تحت ... حبقى أجيلك بعدين يا ماما "صباح" ...
خرجت على الفور وهي تسحب الباب من خلفها فقد فشلت مساعيها اليوم وإنتهى أيضًا برؤيتها لغريمتها زوجة "مأمون" السابقة ...
بحفاوة غير معتادة أخذت "صباح" ترحب بـ"ريهام" بشدة ...
- ليكِ وحشه والله يا "ريهام" ... بس مش كنتِ تقولي إنك جايه عشان نحضر لك غدا محترم ...
أعادت "ريهام" جذعها للخلف بعنجهية وهي ترفع ساقها فوق الأخرى قبل أن تجيب ...
- وهو أنا غريبة ... أنا صاحبة بيت يا حماتي ...
بسمة مهتزة إحتلت ملامح "صباح" وهى تردد كما لو كانت مجبرة على الترحيب بها ...
- طبعًا يا حبيبتي ... طبعًا ...
دارت "ريهام" بعيناها بداخل الشقة تكشف ما بها متسائله ...
- أمال فين "راويه" و عمي "فخري" ...؟!!
- عمك "فخري" فى الوكالة ... و "راويه" فى البلكونة ... أناديها لك ...؟!!
أنهت عبارتها وهي تدفع بجذعها الثقيل تحاول النهوض من فوق الأريكة ، لكن كف "ريهام" أوقفها قائله بلا إهتمام ...
- لالالالأ ... خليها خليها .... أنا جيالك إنتِ ...
توجست "صباح" من زيارتها لتهتف بترقب ...
- خير ...!!!
أجفلت "ريهام" بعينيها الصغيرتين بتعالي ثم أردفت تطلب ما جائت لأجله بنبرة آمره ...
- عايزة فلوس ... "مأمون" كل ما أكلمه يطنش ... فقلت آجى لك ... أنا عايزة فلوس ... كتير ... الولاد عايزين حاجات ضرورية أوى ... ومش حستنى لما المحكمة تحكم ..
هبت "صباح" تلبي طلبها والذى رفضت مثيلهُ منذ قليل ، لكنها لا تقوى على رفض طلب "ريهام" ...
- بس كدة ... من عيني ... ثواني ورجعالك ...
دلفت لغرفة نومها لتخرج بعد قليل من الوقت تحمل رزمة من الأوراق المالية تأشر بها تجاه "ريهام" ...
- خدي يا حبيبتي ... كله إلا ولاد "مأمون".... وأمهم حبيبة قلبي ...
بسمة متكلفة علت ثغر "ريهام" وهي تضع المال بحقيبتها الحمراء قبل أن تقف إستعدادًا للمغادرة فقد تمت مهمتها ولا داعي لبقائها هنا ...
- طيب ... سلام بقى ...
رغم توجهها لباب الشقة إلا أن "صباح" هتفت مجاملة ...
- ما تخليكِ نتغدى سوا ...
أجابتها "ريهام" بتعجل ..
- لأ ... بعدين ... سلام يا حماتي ...
تنفست "صباح" الصعداء بعد مغادرة "ريهام" فهي الوحيدة التى تحسب لوجودها ولطلباتها ألف حساب ...
إنتبهت لأن الوقت يمر بها وعليها الذهاب للشيخ "كرامه" قبل عودة "فخري" من الوكالة لتدلف لغرفتها لتبدل عبائتها بأخرى لتقضى هذا الأمر بعجالة ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
(نيره إستور) لمستحضرات التجميل ...
جمال الشئ يكمن في بقائه سرًا ، وليس علينا البوح بكل ما يحدث لنا ولا يبقى لأنفسنا حلاوة نخفيها عن الأعين والآذان ...
فلقضاء حواجئنا يجب علينا أن نستعين بالكتمان ، حياتنا الخاصة سميت خاصة لأنها تخُصنا وحدنا لا دخل فى المحيطين بها ...
بجلسة معتادة بين "نيره" و "إسراء" بالمتجر الخاص بـ"نيره" أخذت "نيره" تقص على مسامع صديقتها كل ما حدث بالأمس بالتفصيل بينها وبين "رؤوف" وكيف غضبت منه ومحاولته لإرضائها ...
دفعت "إسراء" خصلة شعرها الصفراء المصبوغة للخلف بتفكير قبل أن تجيب صديقتها ...
- حلو جدًا ... بس إوعي إللي حصل ده يخليكِ تسمعي الكلام ومتروحيش الشركة عنده تاني ... لأن هو ده إللي هو عاوزه ... عمل الزعلة دى مخصوص عشان تخافي تروحي له هناك تاني ...
كالمغيبة تمامًا أردفت "نيره" بإقتناع فقد أصبحت الآن كالقطة الوديعة التى تنصت لكل ما تقوله "إسراء" بينما تعترض كل ما يقوله "رؤوف" طيلة الوقت ...
- معاكِ حق ... هو كدة حيتطمن ... لأ ... أنا لازم أروح ... عشان يبقى عامل لي حساب فى كل مكان ...
- برافو عليكِ ... خليكِ واعية كدة ...
دارت "إسراء" بعيناها الجاحظتان قبل أن تتردد في سؤالها ...
- بس إنتِ مقولتيليش ... أمه وأبوه أخبارهم إيه معاكِ ؟!! ... الناس دى لازم تكسبيها ...
إمتعضت "نيره" قليلًا فهي ليست ذات شخصية مُحبة إجتماعيًا لتردف بثقل ...
- عمو "خالد" مشغول فى الشركة إللي بيشتغل فيها ... وطنط "منار" ما بين المستشفى والبيت ... بصراحة أنا مش ببقى عارفه أقول إيه يخليهم يحبوني ... ( ثم لوت فمها بإستياء مستكملة ) ... كفاية عليهم حبيبتهم "غدير" ... واكله عقلهم بصورة غريبة ...
أجابتها "إسراء" بتحفيز ...
- لأ ... لازم تبقى زيها وأكتر ... لازم يحبوكِ أكتر منها ...
- طيب قوليلي أعمل إيه ..؟!
تفكرت "إسراء" قليلًا ثم أجابتها ...
- نفكر ...
❈-❈-❈
شركة بيكو للأدوية ...
سيكون الإنتظار غايتي إلى أن يقسم الله لنا أن نلتقى ، فقربه يعنى لي الحياة والحياة هي هو فقط ...
بقلب مضطرب وأحاسيس مربكة دلفت "مودة" بخطوات متباطئة لداخل الشركة تبحث عن وجه وحيد تكتفي به من الدنيا كلها ...
كقطة وديعة أخذت تطالع الأجواء من حولها ببعض المكاتب وأرفف الأدوية وبعض الشحنات المغلقة لعقاقير أخري ، موظفون هنا وهناك وجوه عديدة ليس بهم وجه من تأمل رؤيته ...
نجمة لامعة وسط ليل طويل وقفت بتشتت لبعض الوقت دون إدراك إلى أين تتجه ...
تقدم نحوها شاب متوسط الطول وقد ملأت إحدى إبتساماته المتصيدة لتلك الحسناء قائلًا بلباقة ...
- تحت أمرك يا آنسه ...
تطلعت "مودة" بوجهه فليس هو من تقصده لكن ربما يساعدها للوصول إليه ، أجابته بهدوء ..
- لو سمحت كنت عايزة الدكتور "رؤوف دويدار" ...
سنحت له فرصة حديث مع فتاة جميلة ليجيبها الشاب بتساؤل مازح ..
- "رؤوف" ... !! مكنتش أعرف إن له معارف حلوين كدة ...
هي ليست ساذجة لتدرك أن هذا الشاب يتغزل بها ، نظرت له مطولًا بصمت لتجعله يضطرب من نظرتها التى أشعرته بحقارة تصرفه ليتنحنح مستطردًا ...
- إحم ... أسف ... "رؤوف" فى المكتب بتاعه .. إتفضلي من هنا ...
أشار نحو أحد الإتجاهات بتعقل لتتخذ "مودة" طريقها نحو المكتب الذى أشار إليه ليتبعها بدافع الفضول لمعرفة هوية تلك الحسناء ذات الشخصية المتفردة ...
طرقت "مودة" باب المكتب لتسمع صوته الحماسي من الداخل يرحب بالزائر ...
- إتفضل ... إتفضل ...
دلفت "مودة" وقد تغيرت نظرتها الجدية لأخرى متشوقة للغاية ، فهو دقات القلب وحنينها ...
- صباح الخير ...
إنتفض "رؤوف" بحماس مهللًا فور رؤيتها ليتقدم مرحبًا بقدومها ...
- "مودة" ... أهلًا أهلًا نورتي ... تعالي إدخلي ...
تقدمت بهدوء تتأمل تفاصيل ملامحه التى تعشقها وتذوب بعذوبته و لطافته ..
- أنا جيت فى المعاد زى ما "غدير" قالت لي ...
تمسك "رؤوف" بظهر أحد المقاعد الجلدية يطالبها بالجلوس ...
- طب مش نقعد الأول ونرتاح كدة وبعدين نتكلم فى الشغل ... هو ينفع الجميل يفضل واقف على الباب ...
كم تعشق إسلوبه الساحر وضحكته المشرقة ، نظرت بتعمق لوجهه المرحب وهى تبتسم بخفة لتجد نفسها لا إراديًا تجلس حيث أشار دون إثناء عيناها عنه ...
- شكرًا ...
إلتف "رؤوف" تجاه صديقه الذى مازال واقفًا بالباب يتابع إستقبال "رؤوف" لزائرته الحسناء ..
- مالك يا "حمدي" ... واقف زى العمود كدة ليه ...؟؟!!! ما تدخل ..
كانت تلك إشارة لمشاركتهم جلستهم ليتجه صوب المقعد المقابل لـ"مودة" متأملًا بصمت وجهها الطفولي الساحر وبراءة عيناها السوداوتين ...
- أوى أوى ...
بدأ "رؤوف" بتعريف بعضهما البعض ...
- ده بقى "حمدي الكاتب" زميلنا هنا فى الشركة ... دى بقى "مودة" ... أخت "غدير" مرات "عيسى" ... حتشتغل معانا من النهاردة ...
هلل "حمدي" بإستحسان وحماس شديد ..
- هو ده الكلام ... نورتي الشركة يا آنسة "مودة" ...
لم تستساغ "مودة" طريقة هذا الرجل لكنها أومأت بخفة مجاملة له ...
- شكرًا ...
أحضر "رؤوف" إحدى عُلب العصير ثم مد يده تجاه "مودة" التى ترددت لقبولها فهي لا تحب أى من المأكولات و المشروبات الغريبة خاصة تلك المعلبة ، لكنها أول شئ يقدمه لها فحتى لو لم تتناوله ستأخذه من يده ...
- إتفضلي يا "مودة" ... دى حلاوة أول يوم .. تخيلي بقى لو كل يوم معانا ...
تمنت أن تهتف بسعادة (يا ليت) لكنها إكتفت بإبتسامة خجولة ..
خجلها وبسمتها العذبة سرقا قلب "حمدي" الذى كان يترصد بردود أفعالها الرقيقة بينما أخذ "رؤوف" بإيضاح عملها وما يتطلب منها ، كادت أن تحلق بسعادة لقربها منه وإختصاصها بحديث حتى لو عن العمل ..
كل تفاصيلك لها بعيوني مكان ، سيكون قربي غايتي ولا أريد سوى هذا القرب ...
هل يمكن أن يحلق المرء وهو ساكن دون حراك ، هل يمكن أن يحلق ومازالت قدميه تطأ الأرض ...
يكفيني إحساس السعادة هذا فلا أريد شيئًا بعد ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
شقة عهد ...
لم تكن لحظة غضب بل كان تراكم من الكتمان ، إهتزاز وإرتجاف وأصوات صاخبة تمامًا كبركان ثائر بداخل نفسها ...
لكن آن الأوان لأن تهدأ وتخرج ما أخفته بقلبها فاليوم يوم الإعتراف ...
صمت لاح بين كلاهما بعد إنهيار "وعد" وإنتظار "عهد" لفهم كل شيء ، فرصة للهدوء سمحت بها "عهد" أخيرًا حتى تستطيع فهم ما سبب قرار "وعد" الأعمى ...
بعد أن هدأت نفسها قليلًا نظرت "وعد" تجاه تلك العينان العسليتان اللاتى تحدقان بها تتوق لإدراك ما يثور بداخلها ...
لأول مرة منذ سنوات طويلة "عهد" تستمع بإنصات دون إنفعال ودون غضب ...
جلست بهدوء تنتظر صافرة البدء وعيناها معلقتان بأختها المنهارة تمامًا ...
ضمت "وعد" شفتيها المرتعشتان قائله ...
- خليكِ جنبي يا "عهد" ... أنا ماليش غيرك ...
لم يرهف قلبها لها الآن ؟!! أليست هي القوية !!! ، ألهذه الدرجة تغيرت دون أن تدري ؟؟ هي من تتعامل بالصواب والخطأ وإعمال العقل ، أصبح قلبها يرهف لبعض المشاعر والشفقة ...!!!
تهدج صدرها ببطء وهي تومئ بخفة شديدة ربما تخشى أن يلاحَظ لينها الذى لم تعتاده ، لكن أختها تستحق ذلك ، تستحق أن تشعر ببعض الأمان ، هنا أردفت "عهد" بيقين تام ...
- أنا معاكِ فى أي حاجة حتعمليها ... بس فهميني ... لما إنتِ خلصتي من البني آدم ده وربنا فكك منه ... بتعملي فى نفسك ليه كدة ... إنتِ غاوية عذاب وتعب ...؟!!!
إستطردت "وعد" توضح الأمر من بقية الجوانب لها حتى تتفهم لم إتخذت هذا القرار ...
- ساعة ما "عاطف" وقع .. أنا خوفت أوى ... حسيت إن قلبي وقع معاه ... أنا فاكره اليوم ده كأنه إمبارح ... مش من خمس شهور ...
تذكرت "وعد" المشهد كاملًا أمام مرآها كما لو كانت تعيش تلك المأساة مرة أخرى ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
فلاش باك ...
﴿ إختل توازن "عاطف" ليسقط من فوق درجات السلم يتخبط هنا وهناك حتى إختفى عن أعينها وقفت مذهولة متيبسة دون حراك كما لو أنها أصبحت تمثال من صخر ، إرتعد جسدها فزعًا لكن دون حركة ...
لم تفق من شتاتها إلا بسماعها صرخات من "عتاب" بالأسفل لتحرك ساقيها المتيبستان تهبط درجات السلم بتخوف وتشتت ...
مالت "عتاب" على أخيها الساكن بلا روح وهي تصارخ ببكاء يهز جوف "وعد" الفزعة ...
- أااااااه يا أخويا ... اااه ... يا حبيبي يا "عاطف" ... اااه يا "عاطف" ...
صرخاتها كانت كفيلة بإيقاظ الغافلين حولهم لتقف "قسمت" أسفل الدرجات تنظر بهلع نحو ولدها الساكن وإبنتها الصارخة لتفهم ما حدث على الفور ، فقد مات "عاطف" ولدها البِكر وأحب أبنائها لقلبها ..
لم تقوى على التقدم أو الإبتعاد كما لو أن الزمن توقف هنا ، ما تراه حقيقة بعينيها يصعب عليها تصديقه ، فإن تحملت وفاة زوجها لا تقوى على تحمل فقدان إبنها الغالي ...
سقطت "قسمت" أرضًا فقد إنهارت حصونها القوية معلنة الإستسلام والهزيمة ...
رفعت "عتاب" رأسها نحو "وعد" التى تتطلع نحو "عاطف" بصدمة وقد بُهت لونها الأبيض حتى كادت تشبه الأموات ، صرخت بها "عتاب" بكلماتها القاسية الجارحة ووجه متعنت متوعد لها ...
- قتلتيه ...!!! قتلتي أخويا ...
سُحِب الهواء من رئتي "وعد" وإرتجف جسدها الضعيف لتتسند بالجدار الذى يجاورها لتتهاوى جالسة وقد إتسعت خضراوتيها بغير تصديق ، حركت رأسها بعنف تنفى تصديقها لما حدث لتشاهق بالبكاء وقد إرتعد جسدها بقوة تخفى بكفيها هول ما تراه بأعينها ...
قبعت "عتاب" و "وعد" إلى جوار "عاطف" بينما مازالت "قسمت" ملقاة أرضًا لا تدري عن الواقع شيئًا ...
خطوات رزينة تقدمت نحوهم ليطل "محب" بوجه مقتضب دون فهم ...
- إيه إللي حصل ...؟؟! ماله "عاطف" ...؟؟؟
بوجه برئ تمامًا رفعت "عتاب" رأسها لتظهر دموعها الغزيرة التى غطت وجنتيها النحيلتان قائله بحسرة ...
- أخوك مات ... ماااات يا "محب" ...
لم تكتفي بحديثها المشؤوم بل إستطرت مستكملة إتهامها لـ"وعد" ...
- هي إللي موتته ... هي اللي زقته من فوق السلم ...
قلب "وعد" الضعيف لا يتحمل رؤيته بهذه البشاعة فكيف ستتحمل فكرة أنها السبب بفقدانه حياته ، رفعت "وعد" رأسها تجاه "محب" تود لو تنفى ما حدث وأن ليس لها علاقة لكنها لا تقدر ، شهقاتها اليائسة كانت إجابة عما حدث ...
أسرع "محب" تجاه "عاطف" محاولًا إسعافه فربما مازال هناك أمل لكن قدر الله قد نفذ ليشيح بوجهه الحزين المتجهم فخلال شهور قليلة فقد أبيه وأخيه فما أقسى مصابه وأصعب فراقهم ...
حاولت "وعد" أخيرًا النطق فقد تلاشت منها الكلمات وجف حلقها تمامًا ...
- والله ما ... أقصد .. غصب عني ... هو ... هو .. كان بيخنـ .. بيخنقني .. بعدته عني ... وقع ... والله ما قصدت ... ووو ... والله ما قصدت ...
تركت "عتاب" رأس "عاطف" لتهب تجاه "وعد" تعنفها بقسوة وهى ترجها من بين يديها كعصفور مرتعد ...
- لأ تقصدي ... إنتِ لا بقيتي طايقاه ولا عايزاه ... هو ياما إشتكالي منك ... إنتِ كنتِ عايزة تخلصي منه ... إنتِ زقتيه بالقصد ... إنتِ قتلتيه يا مجرمة ... أنا حبلغ الشرطة ... لازم تتسجني ... لازم تدفعي تمن إللي عملتيه فى أخويا ...
تشتتها بين "عتاب" و"عاطف" الملقى أرضًا جعلها تنتحب بقوة فما تقوله "عتاب" سيجعلها تُحاسَب على جريمة لم تقصدها ، ستخسر حياتها وإبنها ...
لاح صوت جهوري غير معتاد أخرس كلتاهما حين صدح صوت "محب" بنبرة مغايرة تمامًا لما إعتادوه منه ...
- خلاص ... إنتهى ... إطلعي شقتك يا "وعد" ... وإنتِ خدي أمك إللي واقعه في الأرض دى ودخليها جوه ... وعلى الله أسمع الكلام ده تاني ... أخويا وقع قضاء وقدر ... لا حد زقه ... ولا حد وقعه ... الكلام منهي .. مفيش شرطة ولا بلاغات ... أخويا مات قضاء وقدر ...
حدجهما بنظرات قوية لازعة تلجمت لها ألسنة كلاهما لتصعد "وعد" راكضة نحو شقتها بينما حاولت "عتاب" حمل والدتها بصعوبة نحو الداخل تاركين الأمر لـ "محب" ...
ليلة عصيبة إنتهت بهدوء لم تتوقعه "وعد" وقضى الأمر بأنه حادث قضاء الله وقدره ولم يوجه لـ"وعد" أى إتهام كما قال "محب" ...﴾
عادت "وعد" لواقعها برفقة "عهد" التى كانت تنتظر مرة أخرى إجابة عن تساؤلها الذى لم تجيبه "وعد" ...
- أيوة ... برضه أنا مش فاهمة ... "عاطف" الله يرحمه مات من خمس شهور ... والحكاية خلصت قضاء وقدر زى ما قولتي ومحدش إتهمك بحاجة ... إنتِ ليه برضه مكملة فى بيتهم ... وليه حتعملي المصيبة اللي عاوزه تعمليها دى ....؟؟!!!
نكست "وعد" عينيها لتجيبها بصوتها الناعم الحزين ...
- يمكن وقتها محدش إتهمني بحاجة وده عشان "زين" طبعًا ... عشان ميخسرش أبوه وأمه مرة واحدة .. لكن كان دايمًا الإتهام بإني أنا إللي قتلته .. والتهديد إنهم حيبلغوا الشرطة عني ...
بفراسة إستطاعت "عهد" فهم كيف دار الأمر بعد ذلك لتعقب هي متخيلة بقية الأحداث ببراعة إندهشت لها "وعد" على الفور ...
- اااه ... فهمت ... يبقى عشان خوفك على "زين" هم إستغلوا النقطة دي و بقوا يهددوكِ يا إما تمشي على مزاجهم وتعملي إللي يقولوا لك عليه ... يا إما يبلغوا عنك ... صح ... بس يا ترى مين فيهم إللي أجبرك ... حماتك ؟!! ... لأ ... حماتك من يوم ما "عاطف" مات وهي فى دنيا غير الدنيا ومش حاسة باللي حواليها ... "محب" ..؟؟! لأ مظنش برضه لأن دي مش دماغه ... يبقى مفيش غيرها الحقودة الغلاوية "عتاب" ... هي إللي هددتك صح ...؟؟!
أومأت "وعد" بالإيجاب بإندهاش من ذكاء وفراسة أختها مجيبة إياها بإستكانة ..
- أيوة .. مظبوط ..
وقفت "عهد" ليظهر طولها وهى تشد من تشدقها للأعلى قائله بجدية ...
- بس أنا مش عاوزاكِ تخافي .. مهما حصل ... سيبي لهم الدنيا كلها وتعالي أقعدي هنا ... أنا قادرة أحميكِ ..
إضطرب تنفس "وعد" ولاحت علامات التخوف على ملامحها الرقيقة لتردف مجبرة ...
- مش حينفع يا "عهد" .. أنا الأسلم لـ"زين" إني أوافق على إللي قالولي عليه ...
جذبتها "عهد" من مرفقها لتفيقها من غفلتها ...
- متخافيش ... مش لازم توافقي ... مش حيقدروا يعملوا حاجة ...
سكنت "وعد" بعينيها بترجي ...
- إللي أنا عاوزاه إن إنتِ بس متزعليش مني ... أنا مش عاوزاهم ياخدوا "زين" مني ... أنا عشان خاطره أعمل أى حاجة ...
هتفت بها "عهد" بإشفاق لكن نبرتها كانت جافة للغاية ...
- عشان إبنك ... ترمي روحك فى النار ... عشان إبنك ... تتجوزي "محب" ...!!!!!!
الفصل العشرون من هنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!