أمسكت بالهاتف بتوترٍ وضيق، تضغط عليه بكفّها وكأنها توشك على تهشيمه. استبدّ بها الغيظ من عدم استجابة الطرف الآخر لرسائلها المتكررة؛ ألا يكفي أنه خذلها ولم يأتِ لنجدتها.
تركها تواجه مصيرها وحيدة، والآن وهي في أمسّ الحاجة لدعمه، لا تجد منه إلا الصمت.
— نادرة!
انتفضت بحدة وشهقت بجذعٍ وهي تلتف نحو صاحب الصوت الأجش، فدارت الهاتف خلف طيات فستانها بسرعة، تطالعه بتوترٍ امتزج بدهشةٍ سرعان ما تحولت إلى غضبٍ عارم صبّته في وجهه:
— أنتَ إيه اللي دخلك هِنه؟ دي أوضتي!
كان يوسف غارقاً في نشوته، يطالعها بشرودٍ وكأنه لا يصدق؛ “الحلم المستحيل” قد تحقق في غفلةٍ من الزمن، وأصبحت نادرة “زوجته”. أفاق من سكرته على صيحتها الغاضبة، فزفر بهدوء يحاول كبح انفعاله واحتواء ثورتها، مراعياً ما تمر به من ضغوط. فتنحنح قائلاً بصوتٍ هادئ ورزين:
— أولاً باب أوضتك كان مفتوح، والدار مِرشقة بالخلق بره في الصالة، وإحنا دلوك واجفين هنا في البلكونة. ثانياً وده الأهم.. إحنا اتكتب كتابنا يا نادرة، يعني بجيتي مرتي على سنة الله ورسوله، والباب اللي دخلته دلوك فتحته قدام أبوكي وأهلك كلهم، مش من وراهم
نكست رأسها بخزيٍ لم يفلح في مواراة قهرها من هذا الوضع الذي فُرض عليها. هو بالفعل أصبح زوجها أمام الله والعباد، ومن حقه ولوج غرفتها حتى وإن كان عقدهما لا يزال حبراً على ورق. هذا الرجل الذي يسكن بيته قبالة بيت والدها، وابن عمومتها الذي لم تعرفه يوماً وتتحدث معه أو تختلط بأهله؛ فهي “مدللة أبيها” كما يلقبها الجميع، التي تسكن برجها العاجي، بعيدة عن صراعات العائلة وعلاقاتها المتشعبة، . وبصوتٍ خفيض يحمل في نبرته الندم، قالت:
— معلش… أنا بس اتفاجأت.
وقع اعتذارها على أذن يوسف فكاد قلبه ينخلع من مكانه؛ لم يتوقع أن تلين نبرتها بهذه السرعة. ظل يتأملها بولهٍ لم يعد يقوى على إخفائه، وهي تقف أمامه بفستانها ابيض الذي يشبه فستان الزفاف في لونه، جعلها تبدو كأنها انشقت من ضياء القمر. كان القماش يلتف حول جسدها برقّة، يبرز خجلها الذي صبغ وجنتيها بحمرةٍ طبيعية، وشعرها الذي تناثرت بعض خصلاته فوق كتفيها في فوضى محببة، مما جعلها في نظره أجمل من كل تخيلاته التي سكنت أحلامه لسنوات
كان يطالعها من فرق طوله الفارع، فهي لا تكاد تصل إلى منتصف صدره. غرق في تفاصيل وجهها المستدير بنعومة جلود الأطفال، ولون عينيها الفريد الذي يحير الناظر؛ فلا هو بالعسليّ الصرف ولا بالبنيّ القاتم، بل مزيجٌ ساحر بينهما. أما ثغرها الصغير.. فآهٍ من جماله الذي يغوي العقل، وبشرتها الحنطية التي تميل بسمرةٍ جذابة جعلت رغبته في التهامها وتحقيق حلم السنين تشتعل في صدره. ليتها تعلم فقط
بنصف ما يحمله قلبه، لآمنت أن زواجهما لم يكن يوماً مجرد “تدبير” من والدها، بل هو قدرٌ سعى إليه بكل كيانه.
— أنت هتفضل باصص لي كده وساكت؟! للمرة الثانية، تنتشله من شروده، فتنحنح يوازن نفسه، محاولاً استعادة وقاره المفقود أمام سحرها، وقال بصوتٍ حاول جعله ثابتاً:
— كتب الكتاب خلص، وانتي فريتي (هربتي) على أوضتك، وأنا ملحقتش أبارك لكِ. تقدم نحوها خطوة واحدة، فتراجعت هي للخلف بجزعٍ، وقفزت إلى مخيلتها فوراً الصورة التقليدية لكل عروسين؛ العناق الذي طالما حلمت به.. ولكن مع “شخص آخر”. قبل أن يتمم خاطرها المرير رسم ملامح ذلك الغائب، دويّ صوت الهاتف بشكل مفاجئ. رفعت الجهاز بلهفة لا إرادية، تبحث بعينيها عن الرقم الذي انتظرته طويلاً، غافلة تماماً عن “الصقر” الواقف أمامها. التقط يوسف الرقم بنظرته الحادة قبل أن تخفيه، وسألها بنبرةٍ تحولت فجأة من الولَه إلى حدة التوجس:
— أنتِ بيتصل عليكي رقم دولي؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!