تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
الفصل 51 — رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الواحد والخمسون
توقفت أمامه أخيرا بعدما قطعت المسافة الفاصلة بينهما بخطوات مترددة، كانت تخشى أن تقترب أكثر فتكتشف أن ما تراه ليس سوى حلم آخر من الأحلام التي كانت تطاردها كل ليلة.
ظلت تحدق فيه طويلا، تتأمل ملامحه التي حفظتها عن ظهر قلب، الملامح نفسها التي كانت تستحضرها كلما أغمضت عينيها في وحدتها، لكنها بدت الآن أكثر قسوة وأكثر بعدا مما كانت تتخيل كانت الدموع تلمع داخل عينيها بينما خرج اسمه من بين شفتيها مرتجفا، محملا بكل الشوق والألم والحنين الذي سكن قلبها طوال تلك الشهور:
"شاهين"
رفع عينيه إليها للحظة واحدة فقط.
لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لتشعرها بأن بينهما عمرًا كاملا من الجراح لم يندمل بعد. نظر إليها بنظرة جامدة يكسوها ذلك الكبرباء القاسي لرجل تلقى طعنة من أكثر شخص أحبه في حياته، ثم تجاوزها وكأنها لم تكن تقف أمامه أصلا، واتجه بخطوات هادئة نحو مقعده قبل أن
يجلس عليه دون أن يلتفت إليها مرة أخرى.
تجمدت رنيم في مكانها لم تستوعب ما حدث في البداية.
كانت تنتظر أي شيء إلا هذا.
كانت تتخيل عشرات السيناريوهات لذلك اللقاء، بعضها سعيد وبعضها مؤلم، لكنها لم تتخيل أبدا أن يعاملها وكأنها غير موجودة شعرت وكأن شيئا حادا انغرس في صدرها دفعة واحدة، وكانت
كل الأشهر التي قضتها تنتظر عودته انهارت فوق رأسها في تلك اللحظة.
انتفضت بخفة عندما شعرت بيد جواهر تربت على ذراعها، كانت جواهر تتابع المشهد كله بحزن واضح، ورأت الانكسار الذي ظهر في عيني رنيم بمجرد أن تجاهلها شاهين، لذلك قالت بصوت خافت
"أمشي يا رنيم "
استدارت إليها ببطء، ثم أعادت النظر نحو شاهين مرة أخرى. كان يجلس في مكانه وكأنه منشغل بما أمامه تماما، ووجودها أو غيابها لا يعني له شيئا، ارتجفت شفتاها وهي تحاول أن تستوعب ما حدث، ثم قالت بصوت مهتز اختلطت فيه الصدمة بالخذلان
شفني ومعبرنيش يا جواهر | أنا كنت متوقعه أنه لما يرجع تاني ليا هيخدني في حضنه
ويعوضني عن أيام الوجع والحرمان"
انقبض قلب جواهر وهي تسمعها كانت تعرف أن رنيم لم تعش يوما واحدا طبيعيا منذ رحيله وكانت تعرف أيضا أن هذا اللقاء كان بالنسبة لها طوق النجاة الذي انتظرته طويلا. لذلك اقتربت
منها أكثر وربتت على ظهرها بحنان قائلة:
مش وقته يا حبيبتي الكلام هنا تعالي نروح يلا."
ظلت رنيم واقفة لثوان أخرى، تنظر إليه نظرة أخيرة مليئة بكل ما عجزت عن قوله، كانت تتمنى أن يرفع رأسه، أن ينظر إليها مرة أخرى، أن يمنحها أي إشارة تخبرها أن كل شيء لم ينته بعد.
لكنه لم يفعل.
وفي النهاية استدارت بصعوبة وتحركت مع جواهر نحو الخارج.
راقب شاهین انعكاس صورتها على الزجاج أمامه وهي تبتعد خطوة بعد أخرى، وما إن تجاوزت باب القاعة حتى شعر بشيء داخله ينتزع بعنف. كان قلبه يصرخ فيه أن ينهض أن يركض
خلفها، أن يناديها باسمها ويضمها إلى صدره كما كان يفعل دائما، لكن شيئا آخر كان يقيده بقسوة.
لقد اشتاق إليها حد الجنون.
اشتاق إلى رائحتها التي كانت تسكن أنفاسه حتى في غيابها، وإلى صوتها الذي كان قادرا على تهدئة كل فوضاه، وإلى عينيها اللتين أسرتاه منذ اللحظة الأولى التي وقعنا فيها عليه، حتى خلال تلك الثواني القليلة التي وقفت فيها أمامه لم يستطع منع نفسه من اختلاس النظر إليهما،
وكأنه يحاول أن يعوض شهورا كاملة من الحرمان.
لكن خلف ذلك الشوق كله كانت هناك جراح لم تلدنم.
جراح ظل يحملها معه طوال تلك الأشهر يعيد تذكرها كل ليلة، ويقنع نفسه بسببها أن ما حدث
بينهما لم يكن أمرا يمكن تجاوزه بسهولة.
كان جزء منه يريد أن يمنحها فرصة أخرى، بل كان يتوق إلى ذلك أكثر مما يعترف لنفسه، لكن الجزء الآخر ما زال يتألم بصمت، وما زال عاجزا عن نسيان اللحظة التي شعر فيها أن المرأة التي
أحبها أكثر من نفسه كانت السبب في أكثر أوجاعه قسوة.
ولهذا بقي جالسا مكانه. ثابت الملامح أمام الجميع.
بينما كانت الفوضى تلتهم قلبه من الداخل دون رحمة.
بتركيا....
خرجت أروى من العيادة بعد انتهاء جلستها العلاجية، تسير بخطوات هادئة يغلب عليها الإرهاق. كانت تلك الجلسات تستنزفها نفسيا أكثر مما تستنزفها جسديا، ففي كل مرة تضطر إلى فتحأبواب حاولت طويلا إغلاقها، وإلى مواجهة ذكريات تتمنى لو تستطيع اقتلاعها من عقلها وقلبها معا. رفعت رأسها نحو السماء وأخذت نفسا عميقا وهي تتجه إلى سيارتها، تحاول أن تستجمع ما
تبقى لها من طاقة قبل العودة إلى المنزل، لكنها ما إن اقتربت من السيارة حتى توقفت خطواتها فجأة.
كان أحمد يقف أمامها.
تجمدت للحظة وهي تنظر إليه، لم تتوقع رؤيته هنا أبدا مرت عدة ثوان قبل أن تستوعب وجوده بالفعل، ثم قالت باستغراب:
"أحمدا بتعمل أيه هذا؟"
تعلقت عيناه بها كان يحفظ ملامحها عن ظهر قلب ويخشى أن ينساها طوال الأشهر الماضية لم تغب عن تفكيره يوما واحدا، وكان كل لقاء عابر معها يوقظ داخله ذلك الاشتياق المؤلم الذي لم يستطع التخلص منه مهما حاول ابتسم لها ابتسامة خافتة امتزج فيها الحنين بالحب وقال:
"وحشتيني أوي يا أروى"
ارتبكت أروى فوزا، وشعرت بأنفاسها تضطرب دون إرادة منها. ابتلعت ريقها بصعوبة وأبعدت خصلة من شعرها خلف أذنها محاولة إخفاء توترها، ثم قالت بصوت خافت
ط طيب أنا لازم أمشي عن أذنك."
حاولت أن تتجاوزه وتصعد إلى سيارتها قبل أن ينهار ذلك الحاجز الذي بنته حول نفسها طوال الشهور الماضية، لكنها لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى أمسك أحمد بذراعها على عجل وقال: "أروى أستني أرجوكي، أحنا لازم تتكلم "
هبط بصرها مباشرة إلى يده الممسكة بذراعها، فتجمد أحمد في مكانه للحظة، ثم تركها فورا
وقال بسرعة
"مش قصدي حاجه "
أغمضت أروى عينيها للحظة طويلة، وشعرت بوخزة موجعة تعبر قلبها، لم تكن المشكلة في أحمد نفسه، ولم يكن النفور منه، بل كانت المشكلة داخلها هي كانت تشعر أحيانًا وكأنها أصبحت غربية حتى عن نفسها، عاجزة عن تقبل أبسط الأمور التي كانت يوما طبيعية للغاية، فتحت
عينيها أخيرا ونظرت إليه بوجع واضح قبل أن تقول:
"أحمد أنا حتى لمسة أيدك مش متقبلاها، أزاي هقبل أتجوزك؟ أنا بقالي شهور بتعالج ولسه زي ما أنا، والدكتورة قالت قدامي سنين على ما أتعالج من اللي أنا فيه ده، هتقدر تستنى سنين لحد ما أتعالج ؟"
هز رأسه بسرعة وكأنه يرفض حتى فكرة التشكيك في ذلك، لكنه لم يجد فرصة للكلام، فقد
واصلت هي حديثها قبل أن ينطق بحرف واحد
قبل ما تتسرع في الرد وتندم بعد كده، خد وقتك وفكر براحتك ولو حسيت أنك مش هتقدر حقك طبقا وده الطبيعي تشوف واحده سليمه مش معتدي عليها مش مریضه نفسيه، تتجوزها وتجيب منها أطفال سوياً نفسيا، إنما لو هتختارني يبقى قدامك مهمه مش سهله، لأني مش هكون البنت المرحة أم دم خفيفه اللي كانت تضحك وتملى الدنيا كلها بهجه وسعادة، لا هتلاقي واحده كتييه طول الوقت دموعها على خدها، بتخاف من أقل صوت، بتزعل من أقل حاجة
جسم من غير روح، أمشي دلوقتي مش عايزه اسمع ردك حالاً."
كانت كلماتها تخرج بصعوبة شديدة، وكأن كل حرف منها ينتزع جزءا من قلبها، لم تكن تحاول إبعاده لأنها لا تريده، بل لأنها تخاف عليه تخاف أن يتعلق بها أكثر ثم يكتشف لاحقا أن الطريق معها أصعب بكثير مما يتخيل كانت تريد أن تمنحه فرصة حقيقية للاختيار، بعيدا عن تأثير
عاطفته الحالية أو شفقته أو رغبته في إنقاذها.
أنهت كلامها سريعا قبل أن تضعف أكثر من ذلك، ثم فتحت باب السيارة وصعدت إلى الداخل
وأغلقته خلفها.
جلست خلف المقود تحدق أمامها بصمت، بينما كانت عيناها تراقبان أحمد من خلف الزجاج دون أن يلاحظ، ورغم كل الكلمات القاسية التي قالتها منذ قليل، كانت تتمنى من أعماق قلبها أن يختارها. كانت تتمنى أن يتمسك بها رغم كل شيء، أن يمد يده إليها ويقودها خارج تلك العتمة
التي تعيش فيها، أن يقنعها بأن ما انكسر داخلها ما زال قابلا للشفاء.
لكنها لم تكن تملك الشجاعة لتطلب ذلك منه.
ولم تكن تملك الأنانية الكافية لتطالبه بالانتظار.
لذلك أبعدت نظرها عنه أخيرا، واعتدلت في جلستها، ثم أدارت السيارة وتحركت بها بسرعة
كبيرة، تحاول الهروب من المكان كله قبل أن تخونها دموعها.
ظل أحمد واقفا في مكانه يتابع السيارة بعينيه حتى اختفت تماما من أمام ناظريه بقي
للحظات طويلة يحدق في الطريق الذي سلكته، ثم أطلق زفرة عميقة وهز رأسه برفض تام
وكانه يرد على كل مخاوفها دفعة واحدة.
وقال بصوت خافت لكنه كان مليئا باليقين
"مستحيل أختار غيرك يا أروى، أنتي الضحكه الجميله، حتى لما فقدتي جزء منها، هتفضلي أجمل ما عيني شافت بحبك ومش هتكوني غير ليا أنا"
وبعد أن قالها شعر براحة غربية تسللت إلى قلبه، حسم الأمر مع نفسه للمرة الأخيرة. لم يعد
بحاجة إلى التفكير أو إعادة الحسابات، فقد كان يعرف جيدا ما يريده منذ زمن طويل.
استدار بعدها واتجه إلى سيارته، صعد إليها وأدار المحرك، ثم انطلق من المكان وهو أكثر تمسكا بها من أي وقت مضى.
عند جواهر.....
عادت جواهر إلى الفيلا بعد يوم طويل أثقل أعصابها أكثر مما أتعب جسدها. كانت ما تزال تفكر
في رنيم وما آلت إليه حالتها بعد لقائها بشاهين، ولم تستطع طوال الطريق أن تتخلص من
صورتها وهي تقف مكسورة أمام الرجل الذي انتظرته أشهرا كاملة. حاولت إقناعها بالعودة معها. أو على الأقل الا تبقى وحدها في تلك الحالة، لكن رقيم أصرت على الذهاب إلى منزلها، كانت تريد أن تعيش وجعها بعيدا عن أعين الجميع.
ما إن دخلت الفيلا حتى ألقت حقيبتها جانبًا وأخذت تبحث بعينيها عن جواد. كان أول شخص ترغب في الحديث معه عندما تنقلها الأفكار، وأول ملجأ تلجأ إليه كلما شعرت أن الدنيا تضيق من حولها. نظرت إلى الصالة فلم تجده، فتحركت بخطوات هادئة نحو غرفة المكتب، توقفت أمام الباب وطرقت عليه بخفة قبل أن تفتحه.
وجدته جالسا خلف مكتبه الخشبي مندمجا في بعض الأوراق أمامه، لكن ما إن رفع رأسه ورآها حتى ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة التي كانت كفيلة دائما بإذابة أي ضيق يسكن قلبها. اقتربت منه، ففتح ذراعيه على الفور وأشار إليها بعينيه أن تأتى إليه، لم تحتج إلى دعوة ثانية فقد اعتادت أن تجد مكانها الطبيعي بين ذراعيه اقتربت منه وجلست على ساقه، فحاوطها بذراعه وقربها منه أكثر وقال:
"وحشتيني يا جوهرتي "
ابتسمت رغم كل ما كان يثقل قلبها، واقتربت منه ووضعت قبلة صغيرة على خده قبل أن تبتعد
قليلا وهي تقول:
وانت وحشتني يا قلب جوهرتك، جيت أمتى؟"
أسند ظهرها إلى صدره براحة وقال:
لسه من شوية، وأنتي يا روحي أيه أخرك كده؟"
اختفت الابتسامة تدريجيا من وجهها، وتنهدت بحزن واضح قبل أن تقول بصوت مختنق "النهاردة كان عندنا شغل بره، اجتماع خاص بمناقصة في الهيئة العامة للمشروعات، وأول مرة يظهر شاهين بعد اللى حصل يوم فرحنا، بس للأسف قابل رنيم بطريقه مش حلوة تجاهلها خالص، وهي إنهارت بعد اللي حصل ده، أنا صعباته عليا أوي رنيم اتعذبت أوي الشهور اللي فاتت دي، ولما شافته فرحت أنه أخيراً ظهر بس فرحتها مكملتش وطلع أنه قاصد يبعد عنها الفترة دي علشان يعذبها."
ساد الصمت لثوان بينما كان جواد يستمع إليها باهتمام. كان يعلم جيدا مقدار حب رنيم لشاهين كما كان يدرك حجم الجرح الذي يحمله شاهين بداخله. لذلك مرر يده على شعر جواهر بحنو وقال:
"رغم أني مش يتفق معاه الشخص ده، ومن أول ما اتقابلنا وكل واحد فينا مش طايق الثاني بس هو معاه حق يزعل، يعني هو كان ناوي يسلم أمه الشرطة، وكمان ضربها رصاصه لما كانت ناويه تقتلها، وعرض نفسه للخطر كل ده علشان عايز يحميها من الدنيا كلها، وفي الآخر تفاجئه أنها اتجوزت أنا لو مكانه كنت فرغة سلاحي كله في راسها ، ده مش ليه يحق يبعد عنها، ده حقه يفرسها ويتجوز واحده غيرها."
اتسعت عينا جواهر بصدمة حقيقية، واستقامت قليلا في جلستها فوق ساقه وهي تنظر إليه وكأنه قال شيئا غير معقول، ثم قالت:
"أنت أتجننت يا جواد؟ انت مؤيد اللي شاهين عملوا واللي بيعملوا في رنيم ده؟" هز راسه مؤكدا وقال بهدوء
ام مؤيده، أنا راجل زيه، وحاسس باللي هو حاسس بي دلوقتي دي طحنت رجولته يا بنتي " ضغطت على أسنانها بغضب وهي تشعر أن كلماته تزيد من انحيازها لرنيم، فقالت بانفعال: "آه ما أنت ذكوري زيه لازم تنحاز ليه بس لعلمك بقى، هو كمان غلطان، علشان كان مداري عليها أنه متجوز قبل كده وكمان عنده بنتين، ورغم كده هي سامحته واديته فرصه علشان بتحبه يعني هو كده مطحنش قلبها ؟ المفروض تدافع عنها من تيجي عليها."
تنهد جواد بضيق وهو يدرك أن هذا النقاش لن ينتهي إذا استمر بالطريقة نفسها. كان يرى الأمر من زاوية مختلفة، وهي تراه من زاوية أخرى، وفي النهاية كلاهما يدافع عن الشخص الذي يحبه. لذلك ضمها إلى صدره بقوة أكبر وكأنه يريد أن يوقف اندفاعها قبل أن يتحول الأمر إلى
مشادة حقيقية، ثم قال بنيرة هادئة
"خلاص يا قلبي بقى مش عايزين تنكد على بعضنا علشانهم هما ربنا يصلح حالهم، ولو ليهم نصيب لبعض ربنا هيصلح أمورهم وهتتحل، يلا يا جوهرتي، قومي غيري هدومك، وبلغيهم يحضروا الغدا هموت من الجوع."
زفرت جواهر بضيق لكنها أدركت أنه محق في شيء واحد على الأقل، وهو أن الجدال لن يغير شيئا من واقع رنيم أو شاهين. لذلك أومأت برأسها قائلة:
"ماشي "
وما إن همت بالنهوض حتى مال برأسه نحوها ووضع قبلة سريعة على شفتيها وقال بحب صادق
" بعشقك يا مجنونه"
لم تستطع منع الابتسامة من الظهور على وجهها هذه المرة، فأومات له برأسها بابتسامة صغيرة
ونهضت من فوق ساقه، ثم اتجهت نحو الباب وخرجت من الغرفة وأغلقته خلفها. ظل جواد يراقب الباب للحظات بعد رحيلها، وعلى شفتيه ابتسامة دافئة لا إرادية. كانت قادرة دائما على إشعال الحياة داخل أي مكان تدخله، حتى عندما تكون غاضبة أو متذمرة. تنهد بحب وهو يفكر فيها، ثم عاد بجسده إلى الأمام وأعاد نظره إلى الأوراق أمامه، محاولا استكمال عمله. لكن ابتسامتها وصوتها بقيا يرافقانه طوال الوقت.
بتركيا....
عاد غريب إلى المنزل مع اقتراب المساء، وبعد يوم طويل من العمل والاجتماعات التي لم تتوقف منذ انتقاله إلى تركيا، ما إن أوقف سيارته أمام المنزل وترجل منها حتى لمح أروى تهبط من سيارتها في التوقيت نفسه تقريبا توقفت عيناه عليها لثوان طويلة، يراقب ملامحها التي تغيرت كثيرا خلال الشهور الأخيرة. كانت أفضل مما كانت عليه في البداية، لكنه كان يعرف جيدا أن الهدوء الظاهر على وجهها لا يعني أن الحرب انتهت داخلها، بل يعني فقط أنها أصبحت
أكثر قدرة على إخفائها.
اقترب منها وقبل رأسها بحنو أبوي خالص وقال:
"كنتي فين كده يا قلب بابي؟"
تنهدت بحزن خافت وقالت:
كنت في الجلسه يا بابي"
ابتسم لها بحب، محاولا أن يزرع داخلها بعض الأمل الذي بدأ يتسلل إليها ببطء خلال الفترة
الأخيرة، ثم قال بتساؤل:
وعاملة ايه دلوقتي يا حبيبتي؟"
أجابته بصوت مختنق
عادي يا بابي لسه كل حاجه زي ما هي بس اديني بسمع كلامكم وبروح الجلسات وخلاص " شعر بوخزة ألم وهو يسمع تلك النبرة المستسلمة التي لم يعتدها منها يوما. كانت أروى قديما تقاوم الدنيا كلها بعنادها وضحكتها، أما الآن فأصبحت تنفذ ما يطلب منها وكأنها تؤدي واجبا لا
أكثر أحاطها بذراعه وتحدث بنيرة أبوية دافئة:
لازم يكون عندنا دافع علشان تكمل علشانه يا حبيبتي، وأحنا لسه في أول الطريق، وعلى مهلنا خالص مش مستعجلين، أنتى لسه صغيرة، وقدامك وقت تتعالجي فيه، وبالمناسبه أحمد كلمني،
وعايز يجي يتقدم ويلبس دبل ايه رأيك؟"
زفرت بضيق وقالت بصوت مختنق
لسه مقابلتي دلوقتي وأنا أديته وقت يفكر."
ابتسم غريب ابتسامة خفيفة وقال:
بس هو كلمني بعد ما قابلك وعايزك وشاريكي يا أروى."
رفعت عينيها إليه بسرعة، ولمعت داخلهما سعادة حقيقية غابت طويلا عن وجهها، ثم قالت بعدم تصديق:
بجد يا بابي ؟ يعني هو كلمك بعد مقابلتنا مش قبلها ؟ "
اوما برأسه مؤكدا وقال:
"أيوه يا حبيبة بابي ها أيه رأيك؟"
ظلت تنظر إليه لثوان طويلة، وكأنها تفكر في شيء أبعد بكثير من أحمد ومن الزواج نفسه، ثم
قالت فجأة
بابي أنا عايزة أرجع مصر."
عقد حاجبيه بعدم فهم وقال:
ليه يا حبيبتي ؟ مال ده بده؟ أحنا خلاص نقلنا حياتنا وشغلنا هنا."
هزت رأسها بالرفض وقالت:
"لا يا بابي حياتنا متنفعش هنا حياتنا وكل اللي بنحبهم في مصر مش في تركيا، أخويا جواد و خالوا تامر، وخالتوا سميه و جواهر ورنيم كل دول لينا في مصر، إنما هنا لينا مين ؟" تأملها غريب بصمت كانت كلماتها بسيطة، لكنها أصابت شيئا داخله كان يحاول تجاهله منذ شهور هو أيضا كان يشعر بالغربة رغم كل محاولاته للتأقلم. حاول أن يقنع نفسه أن البـ البداية الجديدة هنا ستكون أفضل للجميع، لكن الحقيقة أن جزءا من قلبه ظل معلقا هناك . في الشوار التي عرفها، وفي الوجوه التي أحبها، وفي الذكريات التي هرب منها دون أن يستطيع التخلص منها. أخيرا . قال بهدوء:
"ربنا يسهل يا حبيبتي، يلا ادخلي غيري هدومك على ما أشوف مامي وصلت ولا لسه؟"
أومأت برأسها ودلفت إلى الداخل.
ظل غريب واقفا للحظات يتابعها حتى اختفت عن ناظريه، ثم تنهد بحزن قبل أن يدخل هو
الآخر إلى في المنزل. بحث عن ترنيم في الصالة فلم يجدها، فصعد إلى الطابق العلوي واتجه نحو غرفتهما، ما إن فتح الباب حتى وجدها جالسة على الأريكة تتحدث عبر الهاتف.
عندما رأته قالت بصوت مختنق
ماشي يا سميه هقفل أنا دلوقتي، علشان غريب وصل"
أغلقت الخط، ثم نظرت إليه نظرة لم تعجبه على الإطلاق. كان يعرفها جيدا كما تعرفه، ولذلك
النقط فوزا أن شيئا ما يضايقها، قالت بضيق:
"هنزل أحضر الغدل"
ثم تحركت نحو الباب كانت لا تريد البقاء معه دقيقة إضافية، لكن غريب أمسك ذراعها سريعا وأوقفها قبل أن تغادر، ثم نظر إليها باستغراب وقال:
"مالك يا ترنيم؟"
أبعدت عينيها عنه وقالت بصوت مختنق
"مافيش "
زفر بضيق وقال بنقاد صبر:
"ما تقولى فيه أيه؟"
هذه المرة سحبت ذراعها من يده والتفتت اليه بغضب لم تحاول اخفاءه
فيه أني زهقت خلاص وجبت أخري، أنت وعدتني أننا هنقعد شهر ولا اثنين وبعد كده هنرجع تاني مصر، بس اللي أنا شيفاه أن يقالنا شهور هنا، واستقريت في شغلك وشكلك ناوي تعيشنا هنا على طول."
أغلق عينيه للحظة، لم يكن مستعد لهذه المواجهة ولكن لابد منها، ثم قال بهدوء متعب:
"أيوه يا ترنيم، ناوي أننا نعيش هنا على طول، مش قادر أرجع البلد اللي بنتي أعتدى عليها فيها، مش قادر أرجع البلد اللي شوفت فيها كسرت بنتي مصر بالنسبالي ذكرى سودا هتفضل عايشه جوه قلبي"
اشتعلت عينا ترنيم فوزا، لم تكن غاضبة منه بقدر ما كانت غاضبة من الفكرة نفسها، الفكرة التي شعرت أنها تسليهم حياتهم القديمة وكل ما أحبوه يوما.
قالت بغضب شديد
مصر دلوقتي ذكرى سودا؟ نسبت كل الأيام اللي عشناها حلوه فيها، نسبت أنها البلد اللي أتعرفنا فيها، نسيت أنها البلد اللي هربت ليها لما كانت المافيا بتهدتك، نسيت أنك أترميت في حضنها كتير أوي لما كنت محتاج ليها دلوقتي مصر بقت وحشه، وتركيا هي الحلوة عندك ؟" جلس على الأربكة ونظر إليها بضيق وقال:
" يعني أنا بكلمك على وجع بنتي، وأنتي بتكلميني عن الولاء وحب الوطن؟"
ردت عليه بصوت مختنق وقد بدأت الدموع تلمع داخل عينيها:
طيب ما هي بنتي زي ما بنتك بس شايفه من مصلحتها أنها ترجع مصر تواجه خوفها، تواجه ذكرياتها حتى لو كانت مؤلمه بس لازم ترجع مصر جنب أخوها وخالها وأهلها."
نظر إليها طويلا. كان يعرف أنها لا تتحدث بدافع الحنين فقط، بل بدافع الأم التي ترى ابنتها تنطفئ شيئا فشيئا بعيدا عن كل من تحبهم. وظل صامتا لعدة ثوان قبل أن يطلق زفرة طويلة
ثم يومئ برأسه أخيرا:
ماشي يا ترنيم، هنرجع مصر بس لما أخلص الشغل الملتزم بي هنا. "
وكأن الدنيا كلها أشرقت داخل عينيها فجأة تبدلت ملامحها بالكامل، وارتسمت على وجهها
ابتسامة واسعة افتقدها منذ مدة طويلة. قالت بسعادة غامرة:
بجد يا غريب ؟ أيوه كده ينصر دينك، بحبك يا ابن ضرغام"
تم اقتربت منه سريعا وجلست بجواره على الأريكة واحتضنته بسعادة.
ابتسم غريب، لكن خلف تلك الابتسامة كان هناك حزن عميق يعرفه وحده. فقد وافق على العودة، لكنه لم يكن متأكدا إن كان مستعدا فعلا لمواجهة كل ما ينتظره هناك، ومع ذلك، كانت
سعادتها تستحق أن يحاول ريت على ذراعها وقال بحب:
" وأنا بحبك يا ترنيم، وسعادتك دي عندي بالدنيا."
نهضت من مكانها وكأنها استعادت سنوات من عمرها دفعة واحدة، وقالت بحماس كبير: "هنزل أحضرك الغدا يا عيوني "
ثم ركضت خارج الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
ظل غريب يتابع الباب المغلق بابتسامة حزينة، قبل أن يتنهد بوجع ويستند برأسه إلى ظه الأريكة. كان يعلم أن العودة إلى مصر ستفتح أبوابا كثيرة أغلقها بصعوبة، لكن يبدو أن بـ بعض الاقدار مهما حاول الإنسان الهروب منها تعود لتجده في النهاية. وبعد لحظات نهض ببطء واتجه نحو غرفة الملابس حتى يبدل ثيابه، بينما كانت أفكاره كلها معلقة بما ينتظره هناك بعد هذه العودة.
عند رنيم ....
وصلت رنيم إلى شقتها والدموع تتسابق فوق وجنتيها، غير قادرة على استيعاب ما حدث منذ قليل، طوال الطريق كانت تعيد المشهد أمام عينيها مرة بعد أخرى، وكأن عقلها يرفض تصديقه. هل وصل الأمر فعلا إلى هذه الدرجة؟ هل أصبح شاهين قاسيا عليها إلى هذا الحد؟ هل يمكن أن يكون الحب الذي كان يملأ عينيه يوما قد اختفى بهذه البساطة ؟ أخرجت مفتاحها بصعوبة وفتحت الباب، ثم دلفت إلى الداخل وأغلقته خلفها، بينما كانت
خطواتها بطيئة ومترنحة تحمل فوق كتفيها أعوامًا من التعب لا مجرد ساعات من الحزن. اتجهت نحو الأريكة وجلست عليها، وما إن وضعت يدها على وجهها حتى انفجرت بالبكاء، تبكي بكل ذلك الوجع الذي تراكم داخلها طوال الشهور الماضية، وكأن رؤيتها له اليوم أعادت فتح
الجرح الذي كانت تحاول عبدا التعايش معه.
ظلت على هذا الحال حتى انتبهت فجأة إلى صوت باب الشقة المقابلة يفتح.
انتفض قلبها قبل جسدها، ونهضت بسرعة واتجهت إلى الباب وفتحته على الفور. وما إن وقع بصرها عليه حتى ارتجف شيء عميق داخلها.
كان شاهين، ومعه ابنتاه.
ارتسمت ابتسامة مرتجفة فوق شفتيها رغم الدموع التي ما زالت تملأ عينيها، وقالت بصوت هامس خرج محملا بكل ما عاشته من شوق وحرمان "شاهين!"
لكن شاهين دلف إلى الداخل برفقة طفلتيه وأغلق الباب دون أن يلتفت إليها.
إلا أن الحقيقة لم تكن بهذه القسوة التي بدت لها.
فعندما أغلق الباب اختلس نظرة سريعة نحوها دون أن تشعر وكانت تلك النظرة كافية لأن تعصف بكل الثبات الذي حاول التمسك به طوال الأشهر الماضية رأى دموعها، ورأى الشوق
الواضح في عينيها، ورأى ذلك الانكسار الذي لم يعتد رؤيته فيها يوما، فشعر بقلبه ينقبض بعنف. لكنه أجبر نفسه على إكمال ما بدأه وأغلق الباب دون أن يمنح نفسه فرصة أخرى للنظر إليها.
أما رنيم فظلت تحدق في الباب المغلق بحزن، لكن رغم الألم الذي اجتاحها، شعرت هذه المرة بشيء مختلف، مجرد عودته إلى الشقة المقابلة أعاد إليها جزءا من الأمل الذي ظنت أنه مات منذ زمن وجوده على مقربة منها، حتى وإن كان بعيدا بقلبه، جعلها تنمسك بفكرة أن الأيام ربما تحمل فرصة جديدة تجمعهما من جديد.
عادت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت إلى غرفتها بدلت ملابسها ببطء شديد، قبل أن تقع عيناها على باب الشرفة، تحرکت نحوه دون تفكير.
فتحت الباب وخرجت ثم وقفت تنظر إلى الشرفة المقابلة. كانت تتذكر عشرات اللحظات التي جمعتهما هناك نظرات طويلة وصامتة، أحاديث قصيرة، وابتسامات كانت تكفي لتجعل يومها أجمل. لذلك بقيت واقفة تنتظر، تتعلق بأمل صغير أن يخرج كما كان يفعل سابقا، أو أن تلمحطيفه حتى من بعيد.
لكن الوقت مر بطيئا وتقيلا دون أن يظهر.
ومع كل دقيقة كانت تمر كانت تشعر بذلك الأمل الصغير يتراجع قليلا، حتى أدركت أخيرا أن انتظارها لن يغير شيئا.
عادت إلى الداخل يقلب مثقل أكثر مما كان عليه، واتجهت نحو السرير وتمددت فوقه. ظل بصرها معلقا بالسقف بينما كانت الدموع تنساب من عينيها بلا توقف لم تكن تفكر في شيء محدد، بل كانت تفرق في دوامة من الذكريات صوته ضحكاته طريقته في احتضانها، نظراته التي كانت تشعرها بالأمان مهما كانت خائفة أو متعبة.
ومع استمرار بكائها بدأت تشعر بنقل غريب فوق صدرها. حاولت أن تأخذ نفسا عميقا لكنها لم تستطع، وشعرت أن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيها كما ينبغي ازدادت ضربات قلبها اضطرابا وأخذت أنفاسها تصبح أقصر وأسرع، بينما امتد الذعر داخلها تدريجيا.
نهضت بسرعة من فوق السرير واتجهت إلى حقيبة يدها، وبدأت تبحث داخلها بيد مرتعشة عن دوانها. كانت تعرف جيدا ما يحدث لها، وتعرف أن عليها أن تتناول الدواء قبل أن تتفاقم حالتها أكثر.
أخرجت البخاخ أخيرا من حقيبة يدها، وتمسكت به وكأنه طوق النجاة الوحيد القادر على إنقاذها من تلك النوبة التي بدأت تلتهم أنفاسها. رفعت يدها المرتجفة بسرعة وضغطت عليه محاولة استنشاق الدواء، لكن الصدمة شلتها في مكانها عندما لم يخرج منه شيء. حدقت فيه بعدم تصديق، ثم هزته بعصبية وضغطت عليه مرة أخرى، لكن دون جدوى، كان فارغا.
شعرت الأرض انسحبت من تحت قدميها في تلك اللحظة، وأخذت تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة بينما يزداد الاختناق داخل صدرها راحت تضغط على البخاخ مرات متتالية بأصابع مرتعشة لعل قطرة واحدة متبقية تخرج منه، لكن محاولاتها كلها باءت بالفشل، ومع كل ثانية كانت أنفاسها تزداد اضطرابا، وصدرها يرتفع ويهبط بعنف وهي تحاول عبثا أن تستعيد هدوءها وتسيطر على الذعر الذي بدأ يلتهمها من الداخل.
تحركت بسرعة نحو هاتفها، وأجرت اتصالا مرتجفا.
وما إن سمعت صوت جواهر حتى قالت بصعوبة شديدة
الحقيني يا جواهر، العلاج خلص وحاسه أن روحي بتروح مني تعالي بسرعة."
" أنهت كلامها وألقت الهاتف من يدها، ثم حاولت أن تلتقط أنفاسها بصعوبة بينما كانت الغرفة تدور من حولها. أخذ الدوار يشتد تدريجيا، وشعرت أن جسدها يفقد قوته شيئا فشيئا، بينما
بدأت الرؤية أمام عينيها تصبح ضبابية.
حاولت أن تنمسك بأي شيء حولها، لكن أطرافها لم تعد تستجيب كما ينبغي، وفي اللحظة التي بدأت فيها عيناها تثقلان وتغلقان ببطء، لمحت أمامها وجها تعرفه جيدا. كان وجه شاهين.
رأته يقترب منها بعينين مذعورتين، بخشي فقدانها.
ارتسمت ابتسامة ضعيفة فوق شفتيها، ابتسامة خرجت رغم كل الألم الذي يعتصرها، مجرد رؤيته كانت كافية لتمنح قلبها بعض الطمأنينة.
ثم استسلمت أخيرا لذلك الظلام الذي ابتلع وعيها بالكامل.
بدأت رنيم تحرك رأسها ببطء شديد، كانت جفونها ثقيلة إلى حد مؤلم، احتاجت إلى عدة محاولات حتى تمكنت أخيرا من فتح عينيها، بينما كانت أنفاسها ما تزال غير مستقرة تماما. شعرت بشيء يغطي جزءا من وجهها، فرفعت يدها ببطء شديد ولمسته بأطراف أصابع مرتجفة. لتدرك أن قناع الأكسجين ما يزال موضوعا فوق أنفها وفمها.
نزعت الماسك ببطء ثم التفتت حولها بنظرات شاردة قبل أن تقع عيناها على جواهر الجالسة بجوارها، تراقبها بقلق واضح منذ اللحظة التي بدأت فيها تستعيد وعيها. كان التعب ظاهرا على ملامح جواهر تكلمت رنيم بصوت ضعيف متقطع "
هو أيه اللي حصل ؟ "
تنهدت جواهر بارتياح خافت بعدما سمعت صوتها أخيرا، ثم اقتربت منها أكثر وقالت بصوت مختلق
"مافيش، بعد ما أتصلتي بيا، جبنا الدكتور وجينا معاه أنا وجواد، وكشف عليكي وعملك جلست النفس "
ما إن أنهت كلماتها حتى اعتدلت رنيم قليلا فوق الفراش، وكأن ذكرى ما ارتطمت بعقلها فجأة.
"شاهين كان هنا، أنا هفته قبل ما يغمى عليا"
اتسعت عيناها وارتجف جسدها وهي تهز رأسها سريعا وتقول بدموع بدأت تتجمع داخل عينيها:
نظرت إليها جواهر بحزن شديد ثم حركت راسها بالنقي وقالت بهدوء:
مكانش فيه حد هنا يا رنيم أحنا كسرنا الباب علشان نعرف تدخلك "
لكن رنيم لم تبد مقتنعة بكلمة واحدة مما سمعته كانت متأكدة مما رأته، أو على الأقل متأكدة مما شعرت به في تلك اللحظة، لم يكن مجرد حلم أو خيال بالنسبة لها، كانت ترى وجهه بوضوحشدید، ترى الخوف المرتسم في عينيه، وترى ارتباكه وهو يقترب منها. لذلك هزت رأسها بقوة أكبر وقالت والدموع تنساب على وجنتيها:
"أنا متأكدة أن شاهين كان هنا، هو أصلاً رجع لشقته من تاني صدقيني يا جواهر، انا شفته وهو خايف عليه"
شعرت جواهر بوخزة مؤلمة داخل قلبها وهي تنظر إلى تلك الحالة التي وصلت إليها رنيم. كانت ترى أمامها امرأة ينهشها الشوق من الداخل يوما بعد يوم، حتى أصبحت تتعلق بأي أمل مهما كان صغيرا أو بعيد المنال. لذلك لم تجد ما تقوله، واكتفت بهزة رأس حزينة قبل أن تميل نحوها وتحتضنها بقوة.
اختبأت رنيم داخل ذلك الحضن كما يختبئ طفل صغير من قسوة العالم، بينما انهمرت دموع
جواهر هي الأخرى دون أن تشعر، تكلمت جواهر بدموع:
" والله العظيم ما يستاهل حبك ليه ده، شاهین ده غبي "
ما إن سمعت رنيم اسمه حتى ازدادت شهقاتها، وتمسكت بجواهر بقوة أكبر ثم قالت بصوت مكسور
شاهین رجع شفته یا جواهر وبرضه مبصش ليا محاولش يبص في عيوني اللي كان بيحبهم. أنا أموت بجد لو شاهين نساني ولا كرهني "
كانت الكلمات تخرج منها ممزقة، محملة بكم هائل من الألم الذي تراكم داخلها طوال الشهور الماضية، لم يكن غياب شاهين وحده ما يؤلمها، بل ذلك الخوف القاتل من أن يكون الحب الذي كانت تعيش عليه قد انتهى بالفعل، وأن الرجل الذي ملأ عالمها يوما لم يعد يشعر نحوها بما كانت تراه في عينيه سابقا.
ربتت جواهر على ظهرها بحنو شدید تحاول تهدئتها رغم أن قلبها كان ينزف معها، ثم قالت بوجع
طيب أهدي علشان خاطري، الدكتور قال بلاش عياط كثير علشان نفسك" لكن رنيم لم تستطع التوقف. كانت كل محاولة منها للتماسك تنهار بمجرد أن يمر طيف شاهين في عقلها، لذلك اكتفت بالاختباء أكثر داخل حضن جواهر، بينما استمرت دموعها في الانهمار بصمت موجع، في الوقت الذي ظلت فيه جواهر تضمها إلى صدرها وتربت على ظهرها دون أن تتفوه بكلمة أخرى، مدركة أن بعض الأوجاع لا تملك لها أي علاج سوى الوقت.
عند شاهين.....
كان يقف خلف زجاج شرفته منذ عودته إلى الشقة، غير قادر على الابتعاد عنها رغم كل ما يحاول إقناع نفسه به منذ اللحظة التي رأها فيها في قاعة الاجتماع، عاد ذلك الصراع الذي ظن أنه دفته داخل أعماقه، فعاد يراقبها من بعيد كما كان يفعل دائما، كان قلبه يرفض الانفصال عنها مهما حاول عقله ذلك.
وقف خلف الباب الزجاجي للشرفة يتابع حركتها داخل شقتها دون أن تشعر، رأها وهي تدخل منهارة، ورأى دموعها التي لم تتوقف، ورأى ذلك الانكسار الذي يزداد يوما بعد يوم. كان يسمع بكاءها رغم المسافة الفاصلة بينهما، وكان كل صوت يصدر منها يشق شيئا جديدا داخل صدره لكنه ظل واقفا مكانه، يجاهد نفسه بكل ما يملك من قوة حتى لا يركض إليها ويحتضنها كما كان يفعل دائما.
كان يخبر نفسه أن عليه أن يكون قويا. عليه ألا يضعف أن ما حدث بينهما أكبر من أن يمحوه الشوق وحده.
لكن قلبه كان يخونه في كل لحظة.
وحين خرجت إلى الشرفة وبقيت تنتظره طويلا، كان يراها بوضوح، يرى عينيها وهما تبحثان عنه بين الحين والآخر، ويرى الأمل الصغير الذي كانت تتشبث به، ثم رأى ذلك الأمل وهو ينطفئ تدريجيا عندما عادت إلى الداخل.
عندها شعر وكأن شيئا ما انكسر بداخله.
ظل واقفا مكانه بعد دخولها، يحاول أن يقنع نفسه بأنه فعل الصواب، لكن ما إن بدأ يسمع اضطراب أنفاسها من الداخل حتى انتبه على الفور. تجمدت ملامحه وهو يصفى أكثر، ثم سمع صوتها المرتبك وهي تتحرك داخل الشقة، وبعدها سمع مكالمتها مع جواهر.
ما إن سمع صوتها المتعب حتى تلاشي كل ما كان يتمسك به. ذاب الغضب الذي حمله داخل صدره، وسقط العناد الذي احتمى به طويلا، وتراجع كبرياؤه أمام ذلك الرعب الذي اجتاح قلبه فجأة، لم يعد يرى أمامه امرأة جرحته، بل المرأة التي أحبها يوما وما زال قلبه يرتجف خوفا عليها رغم كل شيء.
شعر أن قلبه اقتلع من مكانه فاندفع نحو سور الشرفة الحديدي دون تفكير، لم يفكر في الباب ولم يفكر أن مفتاح الشقة ما زال معه، ولم يفكر حتى في المسافة بين الشرفتين. كل ما كان يراه أمامه هو رنيم.
قفز إلى شرفتها في لحظة واحدة، ثم اندفع إلى الداخل بسرعة جنونية.
وجدها تترنح أمامه بينما الحياة تنسحب من وجهها شيئا فشيئا.
اقترب منها بسرعة وأمسكها قبل أن تسقط أرضًا بالكامل، وحاول أن يبقيها مستيقظة، لكن
عينيها كانتا تغلقان ببطء.
وعندما وقعت نظراتها عليه ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة صغيرة موجوعة.
ابتسامة كانت كفيلة بأن تسحق ما تبقى من قوته. ثم فقدت وعيها بين ذراعيه.
شحب وجه شاهين تماما، وبدأ يربت على وجنتها بذعر حقيقي لم يحاول إخفاءه، بينما كان صوته يخرج مختنقا بالألم:
"رنيم فؤقي علشان خاطري ردي عليا، والله فراقنا صعب عليا أكثر منك، بس مش قادر أنسى اللي أنتي عملتيه مش قادر أنسى أني قتلت أمي علشان أحميكي، واتحملت الوجع وتأنيب
الضمير علشانك، وأنتي روحتي اتجوزتي راجل تاني غيري مش قادر أصدق أنك كنتي شيفاني ضعيف أوي كده في عينك لدرجة أنك تتجوزي راجل غيري، بحبك بس وجعي منك أكبر مليون مرة من حبنا ده، أنا هربت منك ومن نفسي روحت لأكثر مكان يرتاح فيه، كان نفسي أخدك فيه. مكان محدش يعرفه غيري سري اللي عمري ما فكرت أقوله لحد بس انتي اختصرتي كل ده أنا كنت بموت في الدقيقة في بعدك مليون مرة، ومن تأنيب ضميري مليون مرة، ومن وجعك مليار مرة، أنا كنت محتاجلك علشان أشتكى ليكى منك ليه يا رنيم ؟ أنا محبتش غيرك لا عارف أكرهك ولا قادر انسى اللي انتي عملتيه."
كانت الكلمات تخرج منه كأنها تنزف من جرح مفتوح ظل ينزف شهورًا كاملة دون أن يراه أحد. لأول مرة منذ زمن طويل سمح لنفسه بالانهيار. لأول مرة توقف عن التظاهر بالقوة.
ولأول مرة منذ رحيل والدته سقطت دموعه.
انهمرت فوق وجنتيه بغزارة وهو يضمها إلى صدره بقوة شديدة، كان يشعر برغبة مجنونة في أن يخفيها داخل ضلوعه، أن يمنع عنها الألم والخوف والحزن، أن يعيد الزمن إلى الوراء ويلغي كل ما حدث بينهما.
ظل محتضنا لها لدقائق طويلة، بينما دموعه تسقط فوق شعرها ووجهها، حتى سمع أخيرا
صوت طرقات عنيفة على باب الشقة.
انتقض على الفور، عرف أن جواهر وجواد قد وصلا.
رفع رأسه عنها بصعوبة، ثم نظر إليها طويلا.
كانت ملامحها شاحبة، وأنفاسها متعبة، لكن وجودها بين ذراعيه وحده كان كافيا ليجعله يشعر
بأن قلبه عاد ينبض من جديد.
مال نحوها وقبل رأسها بصمت، ثم نهض سريعا واتجه إلى الشرفة.
وقبل أن يغادر التفت إليها مرة أخيرة، بعدها قفز إلى شرفة غرفته وعاد إليها قبل لحظات من دخول الآخرين.
وقف خلف النافذة يتابع ما يحدث داخل شقتها دون أن يراه أحد. رأى جواهر وهي تركض
نحوها، ورأى الطبيب وهو يفحصها، وسمع كل كلمة قيلت داخل الغرفة.
ظل واقفا يراقب ما يحدث من خلف الزجاج وقلبه معلق بها، حتى سمع صوتها أخيرا، في تلك
اللحظة فقط شعر أن ذلك الثقل الجائم فوق صدره بدأ يخف قليلا.
لكن راحته لم تدم طويلا، فسرعان ما وصل إليه حديثها مع جواهر، ووصلته كلماتها وهي تصر على أنها رأته قبل أن تفقد وعيها. عندها أغمض عينيه بقوة وأمال رأسه إلى الخلف، بينما
اجتاحت صدره مشاعر متناقضة ومؤلمة.
لم تكن تتوهم، ولم يكن عقلها يخدعها كما ظنت جواهر، هو بالفعل كان هناك، يحتضنها بين
ذراعيه ويرجوها أن تفتح عينيها وتعود إليه. كان موجودا بكل ضعفه وانكساره ولهفته عليها. متخليا للحظات عن كل الحواجز التي أقامها بينه وبينها، قبل أن يعود ويختبئ خلفها من جديد.
استند بجبهته إلى الزجاج وتكلم بصوت مكسور موجوع
"لو بأيدي كنت دخلت مسحت دموعك وضميتك في حضني بس مش هقدر أعمل كده يا رنيم. دموعك بتقتلني بس نظرتي ليكي بتفكرني باللي حصل وتدبحني بسكينه باردة"
خرجت الكلمات منه بصعوبة ظل واقفا للحظات طويلة بعد ذلك، ثم ابتعد أخيرا عن النافذة وعاد إلى داخل غرفته.
جلس على حافة السرير وأحلى رأسه بين يديه، بينما كانت صورتها ودموعها وصوتها تدور داخل عقله بلا توقف.
حاول أن يهدئ النار المشتعلة داخل صدره، لكنه كان يعلم في أعماقه أن تلك النار لن تنطفئ بسهولة، لأنها لم تعد نار الغضب وحده، بل نار الحب أيضا، والحب حين يختلط بالخذلان يصبحأشد الأشياء قسوة على القلب.
في صباح اليوم التالي، استيقظت رنيم من نومها على صوت جرس الباب المتواصل، فتحت عينيها ببطء شديد، وما زالت آثار الإرهاق والانهيار الذي مرت به بالأمس تسيطر على جسدها بالكامل، اعتدلت في جلستها ونظرت حولها للحظات محاولة استيعاب المكان من حولها، قبل أن تتذكر أن جواهر وجواد غادرا في الليلة الماضية بعد أن اطمأنا عليها. زفرت بضيق وهي تمرر يدها فوق وجهها المتعب، ثم نهضت بصعوبة وتحركت نحو الخارج بخطوات بطيئة، فما زال
جسدها يشعر بالوهن روحها لم تستعد عافيتها بعد.
اتجهت إلى الباب وفتحته دون اهتمام حقيقي بمن يكون الطارق، لكنها ما إن رفعت عينيها حتى اتسعتا بصدمة حقيقية. كانت ميا تقف أمامها.
تجمدت للحظة، ثم اندفعت نحوها دون تفكير واحتضنتها بقوة، وهي تشعر انها تحتضن جزءا
من شاهين نفسه ارتجفت شفتيها وهي تقول بصوت ممتلئ بالشوق
وحشتيني اوي با میا كده برضه متسأليش عليا كل ده؟"
ضحكت ميا بسعادة وهي تتشبت بها هي الأخرى، ثم قالت بحب صادق:
" وأنتي وحشتيني أوي أوي يا رنيم بس والله غصب عني أنتي عارفه أنا بحبك قد ايه"
أبعدتها رنيم قليلا واحتضنت وجهها بين يديها، تتأمل ملامحها الصغيرة التي اشتاقت إليها كما
اشتاقت لكل شيء يخص شاهين، ثم قالت بابتسامة امتزجت بدموعها:
خلاص مش زعلانه منك المهم أنك رجعتي ثاني تعالي أدخلي "
دخلت ميا إلى الشقة بينما أغلقت رنيم الباب خلفها، ثم اتجهنا معا نحو الأريكة وجلسا عليها. لم تستطع رنيم أن ترفع عينيها عن الطفلة، ثم قالت باشتياق واضح
ياااه كنتي وحشاني أوي والله العظيم، طمنيني عليكي انتي كويسه ؟"
أومات ميا برأسها، لكن شيئا من الحزن تسلل إلى ملامحها الصغيرة وهي تقول بصوت مختنق
"الحمد لله كويسه بس هو الفترة اللي فاتت كان فيه مشاكل كثير أوي وبابي طلق مامي " شعرت رنيم وكأن الكلمات ارتطمت بقلبها مباشرة. اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وهي تردد
بعدم تصديق :
"بابا طلق مامتك ؟"
أومأت ميا برأسها مجددا وقالت بصوت حزين
"أيوه لما سافرنا، بابي كان متعصب جداً وحصلت مشاكل مع مامي، وطلقها واخدنا منها."
احتضنتها رنيم بقوة، لكن مشاعرها كانت متضاربة بصورة مرهقة جزء منها كان يتألم لأجل هذه الطفلة التي وجدت نفسها فجأة وسط انهيار أسرتها، وجزء آخر، رغم شعورها بالذنب، لم يستطع منع الأمل من التسلل إلى قلبها من جديد. أمل صغير حاولت قتله مرارا لكنه ظل حيا
داخلها رغم كل شيء.
أبعدت ميا قليلا ونظرت إليها بتوتر وهي تسأل:
" وكنتوا فين كل ده؟"
لكنها لم تحصل على إجابة.
ففي تلك اللحظة دوى جرس الباب مرة أخرى.
التفتت رنيم نحو الباب باستغراب، ثم نهضت وتحركت نحوه بخطوات سريعة. فتحت الباب وما إن وقعت عيناها على الواقف أمامها حتى شعرت بأن قلبها توقف عن النبض للحظة. كان شاهين.
وقف أمامها بكل هيبته التي لم تتغير بكل ذلك الحضور الذي كان كفيلا بأن يربك أنفاسها مهما حاولت التماسك حدقت فيه طويلا غير قادرة على استيعاب أنه يقف أمامها بهذه المسافة
القريبة، لكن شاهين لم يمنحها فرصة واحدة لتتحدث.
نظر إليها نظرة باردة وقال بصوت غاضب
"فين ميا؟"
ارتجفت أوصالها لمجرد سماع صوته، ذلك الصوت الذي كانت تتمنى سماعه طوال الشهور الماضية، ثم قالت بتلعثم واضح
ج جوه"
رفع صوته وهو ينادي عليها:
"ميال، تعالى هنا."
انتفضت ميا من مكانها وتحركت ببطء نحو الباب، لكنها ما إن رأت والدها حتى وقفت خلف رنیم بخوف واضح وقالت:
ن نعم !"
ضغط شاهين على أسنانه بغضب وقال:
" أنتي أيه خلاكي تخرجي من البيت من غير ما تقولي؟ أتفضلي أمشي قدامي."
ابتلعت ميا ريقها بخوف وتمسكت أكثر برنيم وكأنها تبحث عندها عن الأمان.
شعرت رنیم بخوف الطفلة فاندفعت تدافع عنها دون تفكير وقالت سريعا
س سيبها يا شاهين هي قاعدة معايا."
التفت إليها بنظرة حادة وقال من بين أسنانه
" هو أيه سيبها قاعده معايا؟ وأنتي تخصينا بأيه؟ ولا نعرفك منين؟ علشان أسيب بنتي معاكي
مالكيش دعوة ببناتي فاهمه"
كانت الكلمات كصفعة مباشرة على وجهها رأته غاضبا من قبل، ورأته حزينا ومنهارا.
لكنها لم تره يوما بهذا الجفاء.
"أمشي قدامي احسنلك"
ثم وجه نظره إلى ميا وقال بتحذير واضح
تحرکت ميا يخوف نحو شفته بينما بقيت رنيم واقفة مكانها عاجزة عن استيعاب ما سمعته. لكنها لم تستطع الاستسلام.
فاندفعت خلفه بسرعة وأمسكت ذراعه قبل أن يدخل، ثم قالت بصوت مرتجف
"أنت بأي حق تكلمني كده؟ البنت مأذنبتش أنها جات تقعد معايا شويه، هي ملهاش دعوة باللي
حصل ما بينا. "
توقف شاهين في مكانه للحظة، ثم استدار إليها ببطء شديد، وما إن التقت عيناه بعينيها حتى شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها كله. لم يكن غاضبا بالصورة التي اعتادت أن تراها
منه، ولم يرفع صوته أو يفقد أعصابه، لكن ذلك الهدوء الغريب الذي كان يحيط به جعل قلبها
ينقبض خوفا. كانت تعرف شاهين جيدا، وتدرك أن أخطر لحظاته هي تلك التي يكتم فيها غضبه خلف ملامح جامدة ونظرات قاسية، لذلك وجدت نفسها تتراجع خطوة إلى الخلف دون وعي
بينما شعور تقبل بالرهبة بدأ يتسلل إلى داخلها.
نظر إليها طويلا ثم قال بصوت منخفض أرعبها أكثر من الصراخ
"أيدك دي تبعديها عني، وإياكي تفكري تقربي مني ولا من بناتي علشان لو كتني نسيتي شاهين
الرواي مين، أنا ممكن أفكرك بي حالاً وأخليكي تكرهي حياتك"
شعرت ببرودة قاسية اجتاحت جسدها كله في لحظة واحدة، حتى خيل إليها أن الدم توقف عن الجريان في عروقها سحبت يدها عنه فوزا ونظرت إليه بعينين غارقتين في مشاعر متناقضة صدمة موجعة، وألم يعتصر قلبها، واشتياق هائل لم تستطع الأيام ولا الغياب أن يخففاه. كانت آلاف الكلمات تتزاحم داخل صدرها، أرادت أن تشرح له، أن تدافع عن نفسها، أن تخبره أنها ما زالت تحبه بالقدر نفسه وربما أكثر، وأنه رغم كل ما حدث لم يغادر قلبها يوما واحدا، لكن
الكلمات ظلت حبيسة حلقها.
أما شاهين فلم يبدو مستعدا لسماع أي شيء. لم يمنحها فرصة لتبرر أو حتى لتتكلم، بل أشاحبنظره عنها، ثم امسك بيد ابنته وتحرك إلى الداخل، وما هي إلا لحظات حتى أغلق باب شقته خلفه، تاركا إياها واقفة في مكانها تواجه وحدها صدى كلماته القاسية ووجعا جديدا انضاف إلى كل ما حمله قلبها خلال شهور الغياب.
تحركت ببطء شديد نحو شقتها، قدميها لم تعودا تحملانها دخلت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها، ثم أسندت ظهرها إليه.
وفي اللحظة التي شعرت فيها أنها أصبحت وحدها أخيرا، انهارت تماما.
انهمرت دموعها بغزارة وهي تنزلق ببطء حتى جلست على الأرض خلف الباب.
لم تكن تصدق أن الرجل الذي كانت ترى في عينيه العالم كله، أصبح ينظر إليها وكأنها غريبة.
فعل الغياب نفسه.
ولم تكن تصدق أن اشتياق شهور كاملة انتهى بهذه الكلمات القاسية التي مزقت قلبها أكثر مما