تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
الفصل 25 — رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس والعشرون
وقف جواد خارج قاعة المحكمة، كأن الأرض تضيق تحت قدميه مع كل ثانية تمر، لا يعرف كيف يثبت في مكانه، فظل يتحرك ذهابًا وإيابًا بعينين معلقتين على الباب الذي يفصل بينه وبينها، وبين قلبه وبين الطمأنينة. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وكأن أنفاسه نفسها صارت عاجزة عن الاحتمال، وتحت نظرات الجميع لم يكن يرى أحدًا، ولم يكن يسمع شيئًا، كان كل وعيه محصورًا في لحظة واحدة فقط، لحظة خروج جواهر.
وما إن لمحها أخيرًا تخطو خارج القاعة، حتى شعر أن العالم كله توقف، وأن كل ذلك الثقل الذي كان جاثمًا على صدره انزاح دفعة واحدة. لم يمهل نفسه لحظة، اندفع إليها كمن وجد روحه بعد ضياع طويل، واحتضنها بقوة ساحقة، قوة رجل كاد يفقد كل شيء ثم عاد إليه في اللحظة الأخيرة، رفعها بين ذراعيه وأدار بها كأنها فراشة عاد إليها جناحها المكسور، وكأن دورانها بين ذراعيه يثبت له أنها ليست حلمًا، ليست سرابًا، بل حقيقة نابضة بين يديه.
ظل يقبل وجهها بجنون ولهفة، قبلة فوق الأخرى، وكأنه مع كل قبلة يطمئن قلبه أنها ما زالت هنا، لم يأخذها منه القدر، ولم تسلبها منه قسوة الدنيا.
أما جواهر، فكانت متشبثة به بكل ما فيها، وكأنها تخشى أن يبتعد عنها ولو خطوة واحدة. أغمضت عينيها بقوة، تغمر نفسها برائحته التي اشتاقت إليها حد الألم، تلك الرائحة التي كانت طوال أيام حبسها وطنًا غائبًا تتوق للعودة إليه، حتى شعرت الآن أن كل ذلك الوجع بدأ يذوب بين ذراعيه.
وأخيرًا أنزلها برفق على الأرض، لكنه لم يتركها، بل كوب وجهها بين كفيه، يتأملها بلهفة عاشق استعاد عمره كله دفعة واحدة، ثم قال بسعادة اختلطت برجفة صوته:
"أنا مش مصدق نفسي، اخيرا يا جواهر، أنتي بقيتي بين ايديا."
أومأت برأسها، والدموع تملأ عينيها، وكأنها لم تستوعب النجاة بعد، ثم قالت بصوت مرتجف:
"أنا خايفه اكون بحلم يا جواد، انا كنت خلاص فقد الأمل والقاضي كان هينطق الحكم، ربنا بعت رنيم فى أخر لحظة، علشان ينقذني، من الظلم."
ثم تحرك بصرها وسط الوجوه من حولها، تبحث بقلق عن صاحبة الفضل في تلك اللحظة، وقالت باستغراب:
"هي رنيم راحت فين؟"
حرك كتفيه بعدم معرفة وقال:
"معرفش، بس شكلها روحت هي والراجل اللي كان معاها، سيبك انتي خليكي معايا احنا لازم نحدد الفرح فى أسرع وقت."
عقدت حاجبيها بعدم فهم، ونظرت إليه وكأنها تحاول إعادته للواقع، ثم قالت:
"نحدد الفرح ازاي يا جواد، أنا اخد إفراج مؤقت يعني مش إفراج نهائي، بعد الحكم النهائي إن شاءالله نبقى نحدد الفرح."
ثم تحركت مبتعدة عنه بخفة، وقلبها يشتاق لدفء آخر افتقدته طويلًا، واتجهت نحو والدتها وهي تقول:
"سيبني بقى اروح احضن ماما وخالتوا علشان وحشني حضنهم اوي."
نظر إليها بتذمر طفولي، وكأن غيرته من الجميع لا تعرف حدودًا، وقال:
"يا سلام يا اختي يعني هما وحشك حضنهم وانا لا؟"
ضحكت جواهر من قلبها، ضحكة افتقدتها طويلًا، وقالت وهي تنظر إليه بحب:
"يا راجل يا ضلالي ده انا من ساعة ما خرجت وانا فى حضنك انت."
اقترب من أذنها، وقد لمعت عيناه بمكر واضح، وهمس بصوت خافت:
"موضوع الاحضان ده مش جايب حقه، عايزين ندخل على المرحلة اللي بعده."
فهمت مقصده فورًا، فاتسعت عيناها بخجل، وضربته على كتفه وهي تقول:
"اتلم يا جواد وبطل قلة ادب."
تركته أخيرًا واتجهت إلى سمية، وما إن وصلت إليها حتى ارتمت داخل أحضانها بقوة، وكأنها تعوض غياب الأيام كلها، وقالت بصوت مختنق بالشوق:
"وحشتيني اوي يا سمسمه."
شدتها سمية إليها بقوة، وكأنها تخشى أن تضيع منها مجددًا، وانهمرت دموعها وهي تقول:
"وانتي وحشتيني اوي، يا قلب وعمر امك، الدنيا رجعت نورت من تاني يا حبيبتي."
ابتعدت عنها ببطء، ثم تحركت نحو ترنيم واحتضنتها بحب صادق، وقالت:
"وحشتيني يا خالتوا."
ربتت ترنيم على ظهرها بحنان أمومي وقالت:
"مبروك يا قلبي على البراءه، بس متنسيش بنت خالك رنيم، ابقى اشكريها علشان هي كانت السبب اللي ربنا سخره ليكي علشان تخرجي من هنا."
أومأت جواهر برأسها سريعًا وقالت بامتنان حقيقي:
"اكيد طبعا يا خالتوا هعمل كده بس لما تخلص الإجراءات وأروح."
اقترب غريب منها وربت على ظهرها بنبرة رجولية دافئة وقال:
"مبروك يا حبيبتي الأفراج، يلا اتجدعنوا بقى، علشان يتقفل عليكم باب واحد."
ابتسمت بخجل، وقد احمر وجهها رغم كل ما مرت به، ثم قالت:
"الله يبارك فيك يا أونكل غريب، إن شاءالله، اخد بس افراج نهائي، وبعد كده نحدد الفرح على طول."
ثم اقتربت منها أروى واحتضنتها بقوة، وقالت بابتسامة واسعة:
"كفارة يا جوجو، عقبال ما يتفك حبسي أنا كمان."
مد تامر يده وداعب شعر أروى بمزاح وقال:
"يا بت ملافظ السعد، ايه كفارة دي."
ضحكت جواهر رغم تعبها، ونظرت إلى تامر بمحبة وقالت:
"سيبها يا خالو انا اخده على لسانها اللي عايز قطعه ده."
ابتسم لها تامر بحنو حقيقي وقال:
"مبروك يا حبيبتي البراءة، نهدا بقى ومنرحش اماكن لوحدينا تاني فاهمة."
ابتسمت له جواهر، وأومأت برأسها في طاعة صادقة وقالت:
"فاهمه يا خالو حاضر."
لكن فرحتهم لم تكتمل بعد، إذ اقترب المحامي بخطوات عملية وملامح جادة، وقال بصوت رسمي:
"غريب باشا، انسه جواهر لازم ترجع تاني لحد ما نخلص الإجراءات والنيابه تشوف اذا كان عليها أحكام تانيه ولا لا، هما شوية إجراءات وهتخلص بسرعة."
أومأ غريب برأسه بتفهم وقال:
"أيوه عارف، هي وجواد هيرحوا معاكم، وانا هضطر امشي ورايا شغل مهم."
أنهى حديثه وربت على كتف جواد، ثم اتجه إلى سيارته وغادر، لكن جواد ظل يراقب ظهره للحظات، فقد لمح شيئًا غريبًا في ملامحه، شيئًا لم يفهمه، إلا أنه طرد الفكرة سريعًا، فالآن لم يعد في العالم كله شيء أهم من جواهر.
تحركت سمية وترنيم وأروى نحو السيارة وعادوا إلى المنزل ينتظرون عودة جواهر، بينما غادر تامر إلى شركته.
أما جواد، فبقي معها، أمسك يدها بين كفيه، يضغط عليها بحب وامتنان، وكأنه يخشى أن تنفلت منه من جديد، ثم نظر إليها بعشق صريح وقال:
"يلا يا قلبي خلينا نروح نكمل الإجراءات علشان تروحي معايا."
ابتسمت له تلك الابتسامة التي أعادت الحياة إلى قلبه، وأومأت برأسها بهدوء، ثم تحركت معه، وخطواتها هذه المرة لم تكن مثقلة بالخوف، بل محملة على أمل العودة للحياة من جديد.
****************************
وقف شاهين بسيارته أسفل العقار، لكن هذه المرة لم يطفئ المحرك فورًا، ظل جالسًا خلف المقود وعيناه معلقتان أمامه بصمت طويل، صمت رجل يشعر أن الليلة بدلت أشياء كثيرة داخلهما معًا. كانت أضواء الشارع الخافتة تنعكس على زجاج السيارة، بينما الجو داخلها ممتلئ بثقل المشاعر التي لم يعد أي منهما قادرًا على الهروب منها.
أما رنيم، فكانت تجلس بجواره منهارة تمامًا، الدموع لا تتوقف عن الانحدار فوق وجنتيها، وكأن قلبها يفرغ كل ما احتمله دفعة واحدة. أحيانًا ترتفع شهقاتها بقوة حتى تكاد تختنق، ثم تهدأ قليلًا فقط لتعود من جديد، كلما تذكرت كلمات زين، وكلما استوعبت أن أقرب شخص ظنته يومًا أمانها، كان يخفي داخل قلبه كل هذا الكره والرغبة في تدميرها.
كانت تشعر أن شيئًا بداخلها قد انكسر للأبد، وأنها لم تعد تعرف كيف يمكن للإنسان أن يصدق بعد الآن.
زفر شاهين ببطء، ثم اعتدل في جلسته وأدار وجهه نحوها. ظل يتأمل دموعها للحظات، وقلبه يتألم بصمت، قبل أن يقول بصوت مختنق حاول أن يجعله هادئًا:
"أنا طبعا عارف هي قد ايه صعبه عليكي، بس برضه متأكد انك قوية وهتتخطى ده بسرعه."
لكنها لم تنظر إليه، ظلت تحدق أمامها بعينين غارقتين بالخذلان، ثم قالت بصوت مكسور:
"انت ليه مقولتلش انك مش انت اللي حرقت الشركة؟ ليه مأنكرتش لما اتهمتك بأنك أنت اللي كلمت الناس علشان محدش فيهم يساعدني؟ ليه خبيت عني الحقيقه يا شاهين؟"
أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يرتب الكلمات داخل صدره قبل أن يخرجها، ثم قال بهدوء:
"علشان وقتها مكنتيش هتصدقيني، وكان هو هيعرف يقنعك، أن انا اللي كداب وهو الصادق، علشان مكنتش مستعد اشوف حالتك دي وقتها لما تعرفي حقيقة اخوكي."
التفتت إليه أخيرًا، وعيناها ممتلئتان بالدموع والوجع، وقالت:
"بس كنت قادر تتظلم عادي؟ كنت قادر تشوف كرهي ليك فى عيوني؟ كنت قابل انك تتقتل على أيدي ظلم؟"
ابتسم لها ابتسامة هادئة موجوعة، تلك الابتسامة التي تحمل حبًا أكبر من احتماله، ثم أومأ برأسه ببطء، وأمسك يدها بين يديه وقال بنبرة عاشقة خرجت صادقة تمامًا:
"اه كنت قابل بكل ده، فى مقابل أني مشوفكيش موجوعة يا رنيم، أنا أتوجع لكن انتي لا."
ارتجفت شفتيها بقوة، وكأن كلماته أصابت قلبها مباشرة، ثم قالت بصوت متقطع من أثر البكاء:
"طيب وليه خبيت عليا ومقولتش انك انت وراه المستثمر ده؟ ليه سكت عن الحقيقه فى انك انت اللي خليت الناس تسحب الشكوى اللي كانت ضدي مش هو؟"
زفر بضيق، ثم مرر يده فوق شعره بتوتر خفيف وقال:
"علشان مكنتش عايزك تعرفي حاجة دلوقتي، علشان كنت متأكد انك هترفضي أي مساعده مني، لانك عنيدة."
ظلت تنظر إليه طويلًا، نظرة مختلفة هذه المرة، نظرة امرأة بدأت ترى كل شيء بوضوح متأخر، ترى كم تحمل وحده، وكم تألم بصمت دون أن يطلب منها شيئًا.
وفجأة، ودون أي مقدمات، اندفعت نحوه واحتضنته بقوة.
تشبثت به وكأنها تهرب من العالم كله إليه، وكأنها أخيرًا وجدت المكان الوحيد الذي لا يؤذيها، ثم قالت بصوت مختنق من شدة بكائها:
"أنا لو ندمانه على حاجه؟ هكون ندمانه على كل لحظة شفتك فيها بطريقه وحشه، على كل كلمة قاسيه قولتها ليك، على أن فكرت فى يوم أن أذيك، أنا مش ندمانه أن وثقت فيك، وسلمتك حياتي كلها بين ايديك."
تجمد شاهين للحظة من شدة المفاجأة، لم يكن يتوقع أن تكون هي من تبادر إليه بهذا العناق، بهذه الكلمات، بهذا الاعتراف الذي أعاد الحياة إلى قلبه دفعة واحدة.
شعر أن نبضات قلبه تتسارع بجنون، وكأنها تريد أن تخترق صدره من شدة الفرح، ثم ضمها إليه بقوة، قوة رجل وجد أخيرًا ما كان يحارب الدنيا كلها لأجله.
تمنى لو استطاع أن يخفيها داخل قلبه، أن يغلق عليها بين ضلوعه ويحميها من كل هذا العالم القاسي، لكنه فجأة سمع أنينًا خافتًا منها بسبب شدة احتضانه، فأرخى ذراعيه عنها سريعًا، ثم كوب وجهها بين يديه ونظر إليها بعشق حقيقي وقال بسعادة غمرت ملامحه كلها:
"أنتي لو تعرفي كلامك ده عمل فيا ايه يا رنيم؟ وجودك فى حياتي خلاني شخص جديد، حابب الحياة علشان شايفها بعيونك، كل دقه في قلبي، بقى ليها مذاق خاص، بحبك يا رنيم."
ارتجفت عيناها بالدموع من جديد، لكنها هذه المرة كانت دموعًا مختلفة، دموع امرأة بدأت تشعر بالأمان بعد خوف طويل.
وضعت رأسها فوق صدره ببطء، وكأنها تستمع إلى دقات قلبه لتطمئن، ثم هربت دمعة ساخنة من عينيها سقطت فوق قميصه، شعر بحرارتها على جلده قبل أن يسمع صوتها الهامس المرتجف:
"اوعى يا شاهين، اوعى توجعني وتسبني زيهم؟"
أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها مست شيئًا عميقًا داخله، ثم قبل رأسها بحنان شديد وقال بصوت هامس:
"أنا عمري كله علشانك يا رنيم، أنا الموت عندي اهون من أن أوجعك، ده أنا ما صدقت لاقيتك."
ثم اعتدل في مقعده وهو ما زال يحتفظ بها فوق صدره، وظل يحرك يده برفق فوق ذراعها في صمت دافئ، بينما أغلقت هي عينيها أخيرًا، مستسلمة لدفء هذه اللحظة، وكأن قلبها المتعب وجد لأول مرة مكانًا يهدأ فيه.
****************************
عند مريم...
كانت تجلس فوق مقعدها في صمت ثقيل، لكن ذلك الصمت لم يكن هدوءًا أبدًا، بل كان أشبه ببركان يغلي تحت سطح جامد. أصابعها ترتعش بعنف فوق ذراع المقعد، وأنفاسها تخرج متقطعة من شدة الغضب، بينما عيناها تلمعان بشر مخيف كلما تذكرت ما فعلة شاهين، مجرد التفكير باسمه الآن كان كافيًا ليشعل النار داخل صدرها أكثر، كيف تجرأ ووقف ضدها؟ كيف سمح لنفسه أن يفسد خططًا رتبتها لسنوات طويلة؟ والأسوأ من كل ذلك، أنه فعل كل هذا من أجل امرأة.
قبضت على يدها بقوة حتى ابيضت مفاصلها، وشعرت للحظة وكأن الأرض تميد أسفلها، ليس خوفًا من سقوط زين وحده، بل خوفًا من الشيء الأخطر، رنيم.
تلك الفتاة التي دخلت حياة شاهين ببطء، ثم أصبحت قادرة على سحبه بعيدًا عنها، بعيدًا عن سيطرتها، بعيدًا عن كل ما بنته داخله منذ سنوات.
رفعت عينيها أمامها بشرود، تحاول ترتيب أفكارها، لكنها كانت ترى الحقيقة بوضوح قاسي؛ كل الأشخاص الذين كانت تحركهم كقطع شطرنج اختفوا واحدًا تلو الآخر، منهم من مات، ومنهم من انتهى خلف القضبان، ومنهم من انقلب عليها أخيرًا حين اختار امرأة أحبها. وهنا، لمعت فكرة خبيثة داخل عقلها فجأة.
ابتسامة باردة ارتسمت فوق شفتيها ببطء، ابتسامة امرأة لم تنتهي بعد، بل بدأت للتو تفكر بطريقة أكثر قسوة.
مدت يدها نحو الهاتف، وأخذت تعبث به للحظات طويلة حتى توقفت أمام اسم جعل نظرتها تتغير تمامًا، اسم يحمل لها مفتاحًا جديدًا للعبة لم تنتهي بعد.
ضغطت على الاتصال، ثم انتظرت.
مرت ثواني قصيرة، قبل أن يأتيها صوت أنثوي من الطرف الآخر، يتحدث العربية بلكنة مكسرة واضحة:
"ألو."
ردت عليها مريم بنبرة خبيثه:
"أماليا، عاملة ايه؟"
أتاها الرد ممزوجًا بالدهشة والسخرية الخفيفة:
"مريم! أيه فكرك بيا بعد السنين دي كلها؟"
مالت مريم برأسها للخلف قليلًا، بينما ازدادت ابتسامتها مكرًا، ثم قالت بنبرة ناعمة تخفي خلفها الكثير:
"هو أنا مش جدة بناتك ولا أيه؟"
خرج صوت أماليا هذه المرة حادًا يحمل عتاب سنوات كاملة:
"جدة البنات؟! ومسألتيش عنهم ليه قبل كده؟ وباباهم، اللي دخل فى شهور مجاش سأل عليهم؟"
تبدلت ملامح مريم للحظة، لكنها استعادت هدوءها سريعًا وردت بنبرة عملية:
"طيب أيه رأيك تيجي وتجبيهم معاكي؟ بنات ابني وحشوني اوي، ونفسي اشوفهم."
ساد الصمت لثواني طويلة من الجهة الأخرى، وكأن أماليا تفكر في الأمر، بينما كانت مريم تنتظر الرد وعيناها تلمعان بشيء غامض لا يبشر أبدًا بالخير.
ثم أخيرًا أتاها الصوت:
"ماشي، أسبوع بالكتير وهجيبهم وأجي."
اتسعت ابتسامة مريم ببطء، ابتسامة انتصار خفي، ثم قالت بنبرة مليئة بالترحيب الزائف:
"هتنوري مصر يا حبيبتي، انتي وبنات ابني."
أغلقت الهاتف ببطء شديد، ثم أنزلته من يدها ونظرت أمامها طويلًا، بينما ملامحها أصبحت أكثر ظلمة وقسوة.
كانت تعرف جيدًا أن النار حين تخمد من جهة، يمكن إشعالها من جهة أخرى.
وربما هذه المرة، لن تحرق شاهين وحده، بل ستحرق قلب رنيم أيضًا.
***************************
عند شاهين...
ظل الصمت يحيط بهما داخل السيارة لساعات، صمت دافئ هذه المرة، لا يشبه ذلك الصمت الثقيل الذي كان يطارد رنيم منذ الصباح. كانت مستسلمة بالكامل داخل حضنه، رأسها فوق صدره، وأنفاسها الهادئة ترتطم بقلبه فتزيده اضطرابًا، بينما هو يجلس دون أن يتحرك تقريبًا، كأنه يخشى أن يهتز ولو قليلًا فتستيقظ وتبتعد عنه.
مرت عيناه على ساعة يده، ليكتشف أن النهار انسحب بهدوء، وأن خيوط الظلام بدأت تزحف بالخارج، والبرد بدأ يشتد شيئًا فشيئًا. أطلق زفرة طويلة، ثم أنزل بصره إليها، يتأمل ملامحها المرهقة التي هدأها النوم أخيرًا بعد يوم حطم روحها بالكامل.
رفع يده ببطء وربت على ظهرها بحنان شديد، ثم مال قليلًا وهمس بصوت دافئ:
"رنيم، حبيبتي أصحي يلا."
تحركت بين ذراعيه بتعب، ثم فتحت عينيها بصعوبة، تنظر حولها بعدم استيعاب للحظات، قبل أن تتسع عيناها فجأة حين أدركت وضعها، فانتفضت من حضنه سريعًا واعتدلت بمقعدها، بينما ارتبكت أنفاسها بشدة.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم تكلمت بتلعثم واضح:
"ه هو، أيه اللي حصل؟"
ابتسم لها بهدوء، وكان واضحًا عليه أنه مستمتع بكل هذا الارتباك الذي يراه منها لأول مرة بتلك الطريقة، ثم قال بنبرة ناعمة:
"ولا حاجة، من التعب نمتي فى حضني، ومن وقتها واحنا فى العربية."
رفعت يدها سريعًا ترجع خصلات شعرها للخلف بتوتر شديد، بينما حرارة الخجل بدأت تزحف إلى وجنتيها بوضوح، ثم قالت بصوت مرتبك:
"م مش عارفه نمت أزاي؟ ا انا مكسوفه منك أوي."
هز رأسه نافيًا، وعيناه لا تفارقان ملامحها التي خطفت قلبه أكثر وهي خجولة هكذا، ثم قال بابتسامة عاشقة:
"بالعكس أنا كنت مرتاح وانتي فى حضني، وكان نفسي اللحظة دي تطول اكتر من كده، بس للاسف الدنيا بدأت تضلم والجو بدأ يسقع، خوفت عليكي تبردي، علشان كده صحيتك."
ازدادت حمرة وجنتيها أكثر، حتى شعرت أنها لن تستطيع البقاء أمام نظرته ثانية واحدة إضافية، ففتحت باب السيارة سريعًا وترجلت منها هاربة، وكأنها تحاول النجاة من تأثيره عليها.
ضحك شاهين بخفوت وهو يتابع ارتباكها بعينين ممتلئتين بالعشق، ثم هبط خلفها وتحرك معها إلى داخل البناية.
كان التوتر يزداد داخلها كلما اقترب منها، حتى عندما فتح باب المصعد الكهربائي، دخلت بسرعة دون أن تنظر إليه، بينما تبعها هو بهدوء، مستمتعًا بذلك الاضطراب الذي يراه منها.
وما إن أُغلق باب المصعد عليهما، حتى شعرت رنيم أن المسافة الضيقة بينهما تكاد تخنقها من شدة خفقان قلبها، فأخذت تفرك أصابعها ببعضها بتوتر واضح، وعيناها معلقتان بالأرض طوال الوقت.
أما شاهين فكان يتأملها بصمت، وكأن كل حركة صغيرة منها أصبحت قادرة على إسعاده بطريقة لا يفهمها حتى هو.
توقف المصعد أخيرًا عند الطابق المقصود، فخرجت رنيم سريعًا، ثم توقفت أمام باب شقتها دون أن ترفع عينيها نحوه، وقالت بصوت خافت مرتبك:
"ت تصبح على خير."
اقترب منها شاهين ببطء، حتى شعرت بأنفاسه قريبة منها، ثم وضع قبلة طويلة على خدها، جعلت قلبها يرتجف بعنف، قبل أن يبتعد قليلًا ويتكلم بنبرة عاشقة دافئة:
"وانتي من أهلي ومعايا."
ارتعشت يدها وهي تخرج المفتاح من حقيبتها، وحاولت إدخاله في الباب، لكن أصابعها كانت ترتجف بشدة لدرجة أن المفتاح سقط منها على الأرض.
تعالت ضحكاته الرجولية الدافئة، فانحنى والتقط المفتاح، ثم فتح الباب بنفسه وأعاده إليها قائلًا بإعجاب واضح:
"شكلك يجنن بكسوفك ده، أنا بقول تدخلي حالًا وتقفلي بابك بسرعه، علشان لو نفذت اللي فى دماغي دلوقتي، هفترسك."
اتسعت عيناها بخجل وصدمة في آنٍ واحد، ثم ركضت سريعًا إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها فورًا.
أسندت ظهرها على الباب، بينما أنفاسها تتصاعد بعنف، وابتسامة خجولة مرتجفة ترتسم فوق شفتيها دون إرادة منها.
أما بالخارج...
فوقف شاهين للحظات طويلة أمام بابها، عاقدًا ذراعيه على صدره، يبتسم بعشق خالص، وكأن قلبه أخيرًا بدأ يتذوق الراحة بعد سنوات طويلة من القسوة.
أخرج تنهيدة طويلة يحاول بها تهدئة تلك النار المشتعلة داخله بسببها، ثم تحرك أخيرًا نحو شقته.
لكن ما إن فتح الباب، حتى توقفت خطواته فجأة.
كانت مريم تجلس فوق المقعد تنتظره، وعيناها مشتعلة بغضب واضح.
اختفت ابتسامته فورًا، وتبدلت ملامحه إلى الجمود، قبل أن يزفر بضيق ويتحرك إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه، ثم قال ببرود:
"مساء الخير."
رفعت مريم عينيها إليه، وقالت بغضب مكبوت يكاد ينفجر:
"ارتحت انت كده لما حبسته، فاكر انك كده بتعجزني، تبقى عبيط ومش فاهم دماغ امك صح."
اقترب منها شاهين بخطوات ثابتة، ثم قال بغضب واضح:
"أنا مستعد أعمل أي حاجة، علشان خاطرها، حتى لو هرمي نفسي فى النار علشانها هعمل كده من غير تفكير."
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة باردة مخيفة، ثم قالت بنبرة تحمل تهديدًا واضحًا:
"انت كده بترميها فى النار بأيدك يا شاهين، وخليك عارف، اللي بيلعب مع التعابين يستحمل لدغتهم."
اقترب منها أكثر، حتى مال بجسده وأصبح بمستواها تمامًا، ثم نظر مباشرة داخل عينيها وقال بصوت رجولي منخفض لكنه مخيف:
"والتعبان اللي يفكر يلدغها، هعمل جلده جزمة وأخليها تلبسها في رجليها، وخليكي انتي اللي عارفه، اللي شاهين الرواي يعشقها، يبقى يا ويله اللي يفكر يقرب منها ويأذيها."
أنهى كلماته ثم اعتدل مبتعدًا عنها، وتحرك نحو غرفته، لكن خطواته توقفت فجأة حين سمع صوتها خلفه يقول ببرود متعمد:
"أماليا بتسلم عليك، وبتقولك ابقى اسأل على بناتك."
تصلب جسده بالكامل.
واشتدت ملامحه بعنف وهو يدرك فورًا ما الذي تحاول والدته فعله الآن.
استدار ينظر إليها بغضب مشتعل، بينما كانت هي تراقبه بابتسامة انتصار خبيثة، وكأنها أخيرًا وجدت السلاح الذي تستطيع الضغط به عليه.
أما هو، فلم ينطق بحرف واحد.
اكتفى بنظرة حادة مليئة بالتحذير، ثم دخل غرفته بعنف وأغلق الباب خلفه، بينما صدره يعلو ويهبط بغضب لم يشعر به منذ سنوات.