رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس والثلاثون
وصل شاهين بسيارته أسفل الشركة، بينما ظل الصمت يطبق على الأجواء بينه وبين رنيم طوال الطريق، صمت ثقيل يحمل بقايا ليلة مشحونة بالخوف والغيرة والغضب. كانت رنيم تجلس بجواره تحدق عبر زجاج النافذة بشرود، تحاول الهروب من نظراته ومن تأثيره الذي ما زال يربك قلبها رغم كل ما حدث.
اعتدل شاهين في جلسته ثم التفت إليها بنظرة حادة وقال بصوت يحمل تحذيرًا واضحًا:
"إياكي تتحركي من هنا لوحدك يا رنيم، اوعي تستهتري بكلامي، علشان متعصبش وانتي جربتي عصبيتي عاملة ازاي يا رنيم."
مدت يدها نحو مقبض الباب وهي تزفر بضيق، لكن قبل أن تفتحه تفاجأت بيده تقبض على ذراعها بقوة خفيفة، يجبرها أن تنظر إليه. كانت عيناه مثبتتين داخل عينيها بنظرة جعلت التوتر يتسلل إلى قلبها رغم عنها، ثم قال ببطء:
"رنيم، سمعتي قلت ايه؟"
أغمضت عينيها للحظة تحاول السيطرة على أعصابها قبل أن ترد بنفاذ صبر: "سمعت، خلاص خلصنا."
تأملها لثوانٍ بصمت، وكأن غضبه يهدأ قليلًا لمجرد استسلامها، ثم اقترب ووضع قبلة هادئة على خدها وقال بنبرة أكثر لينًا:
"يلا يا حبيبتي انزلي."
رمقته بضيق واضح، ثم فتحت الباب وترجلت من السيارة وأغلقته بعنف متعمد قبل أن تتحرك نحو مدخل الشركة بخطوات سريعة، لكنها توقفت فجأة عندما لمحت عمر يقف أمامها.
شعرت بقلبها يهبط داخل صدرها، والتوتر يشتعل بأعصابها فورًا. ابتلعت ريقها بصعوبة ثم التفتت تنظر ناحية سيارة شاهين، لتتجمد ملامحها عندما رأت نظرته. قبل لحظات فقط كانت عيناه تفيض بالعشق، أما الآن فقد تحولت إلى نار مشتعلة تكاد تحرق كل شيء أمامها.
أعادت نظرها سريعًا إلى عمر وقالت بتوتر واضح:
"ممكن حضرتك تطلع على فوق دلوقتي وأنا جايه وراك."
لكن عمر كان قد لمح السيارة بالفعل، وتحولت نظراته إلي غضب شديد، فاقتربت منه أكثر وهمست برجاء حقيقي:
"أرجوك يا استاذ عمر، اطلع فوق دلوقتي."
ثم التفتت مرة أخرى ناحية شاهين، لتجده قد ترجل من السيارة بالفعل ويتحرك نحوهما بخطوات سريعة يغلفها الغضب. عادت تنظر إلى عمر وقالت بصوت مختنق:
"بترجاك، مش عايزه مشاكل عند الشركة."
ضغط عمر على أسنانه بعصبية قبل أن يومئ برأسه أخيرًا ويتجه نحو المصعد الكهربائي.
أما شاهين فتحرك خلفه مباشرة بنظرات قاتمة، لكن رنيم أسرعت تقف أمامه تعترض طريقه وقالت بحدة:
"على فكرة مينفعش اللي انت بتعمله ده، احنا عند الشركة، مش عايزة مشاكل."
وقف أمامها بجسده الضخم وعيناه تشتعلان بغضب واضح، ثم قال من بين أسنانه:
"البني آدم ده بيعمل ايه هنا؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها محاولة التماسك وقالت بنفاذ صبر:
"استاذ عمر عميل عندي، وفيه ما بينا شغل هيتنفذ، ممكن بقى تمشي علشان اطلع اشوف شغلي."
قبض على ذراعها فجأة وقال بصوت غليظ يحمل أوامر صريحة:
"البني آدم ده يمشي حالًا وتلغي الشغل معاه، فاهمه؟"
نزعت ذراعها من يده بعناد ونظرت له بثبات رغم خوفها من انفجاره:
"لا مش فاهمه يا شاهين، وانت ملكش تدخل في شغلي، أنا حره، زي ما أنا مش بتدخل في شغلك."
اشتعلت ملامحه أكثر، ثم ترك ذراعها وتحرك مباشرة نحو الداخل، وكأنه اتخذ قراره بالفعل. اتسعت عيناها بصدمة وركضت خلفه تمسك ذراعه وهي تقول بغضب:
"استنى هنا انت رايح فين؟ انت اتجننت؟"
أبعد يدها بعصبية وهو يهتف:
"اه اتجننت! وانا قلت مافيش شغل مع الزفت ده يعني مافيش شغل."
ثم اندفع نحو الدرج بسرعة جنونية متجاهلًا نداءها خلفه، بينما وقفت رنيم للحظة تلتقط أنفاسها وتحاول السيطرة على إحراجها بعد أن بدأت الأنظار تلتفت إليهما داخل الشركة.
أرجعت شعرها للخلف بعصبية ثم دخلت المصعد سريعًا وصعدت إلى الطابق العلوي. وما إن انفتح الباب حتى وجدته بالفعل يقف أمام مكتبها.
ركضت نحوه ووقفت أمام الباب تمنعه من الدخول وهي تحرك رأسها بالرفض:
"مش هيحصل يا شاهين، كفاية فضايح بقى، الموظفين كلها بتتفرج علينا."
أغمض عينيه بعنف وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه، ثم قال من بين أسنانه:
"اوعي من وشي يا رنيم، متعصبنيش أكتر من كده."
لكنها ظلت ثابتة أمامه وقالت بإصرار:
"لا، مش هتحرك غير لما تهدى وتمشي من هنا."
فجأة صرخ باسمها بصوت جهوري هز المكان:
"ررنيم!"
انتفض جسدها بالكامل، وتراجعت للخلف خطوة وهي تنظر له بخوف حقيقي قبل أن تقول بصوت مرتعش:
"أرجوك امشي يا شاهين، علشان خاطري، كفاية فضايح لحد كده."
تغيرت ملامحه تدريجيًا عندما لمح الخوف والانكسار داخل عينيها، وكأن شيئًا داخله هدأ رغم النار المشتعلة بعروقه. زفر بضيق ثم قال بنبرة أخف قليلًا:
"طيب، سبيني ادخل احضر المقابلة معاكي، وأنا مش هتكلم. أصل مستحيل هتحرك من هنا والتاني ده جوه."
نظرت له بإنهاك واضح وقالت بتذمر:
"يووه يا شاهين، مينفعش والله."
لكن ملامحه أغلقت تمامًا وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
"متحاوليش، مش هتحرك من هنا."
زفرت باستسلام أخير، ثم فتحت الباب ودخلت إلى مكتبها ليلحق بها شاهين مباشرة. كان عمر يجلس بالداخل، وما إن وقعت عيناه على شاهين حتى توتر الجو بالكامل، وكأن الغرفة ضاقت فجأة بالغضب المكتوم.
جلس شاهين على المقعد المقابل لعمر دون أن يبعد عينيه عنه، بينما جلست رنيم خلف مكتبها وقلبها يخفق بعنف وهي تحاول التصرف بشكل طبيعي.
نظرت إلى عمر بتوتر وقالت:
"أنا آسفه عطلت حضرتك، ممكن الأوراق اشوفها؟"
لكن عمر لم يكن يستمع إليها، بل كان يبادل شاهين نظرات حادة مشتعلة، وكأن حربًا صامتة تدور بينهما.
شعرت رنيم أن الوضع على وشك الانفجار، فأعادت كلامها مرة أخرى بنبرة أعلى قليلًا:
"استاذ عمر، حضرتك سمعتني؟"
انتبه لها أخيرًا ثم قال:
"حضرتك قلتي حاجه يا باشمهندسه رنيم؟"
أغمض شاهين عينيه بعنف للحظة فور سماعه اسمها يخرج من فم عمر بتلك الطريقة، بينما ابتلعت رنيم ريقها بتوتر وقالت:
"أيوه، الورق علشان أتأكد من التراخيص."
مد عمر يده بالمستندات إليها وقال:
"اتفضلي."
أخذتها منه وبدأت تراجعها باهتمام، بينما كان شاهين يراقبها بصمت. ولأول مرة يراها بهذا الشكل داخل عملها، بتلك الجدية والتركيز والثقة. كانت مختلفة تمامًا عما يراه دائمًا، وهذا الاختلاف سحره أكثر.
شعر فجأة برغبة مجنونة أن يخفيها داخل قلبه بعيدًا عن أعين الجميع.
قطع شروده صوت عمر وهو يقول بهدوء:
"أعتقد التراخيص كلها كاملة، بس لو فيه ورق ناقص تقدري تكملي بمعرفتك، انتي عارفه كل يوم قرارات شكل والإجراءات بتتغير باستمرار."
حركت رأسها وهي ما زالت تراجع الأوراق:
"فعلاً فيه حاجات بسيطة ناقصة، ودي قرارات جديدة مطلوبة قبل البناء، بس متقلقش، كل اللي ناقص هكمله لحضرتك وهيتثبت في العقود."
ظل شاهين يتابعها بإعجاب واضح، حتى أعاده صوت عمر مرة أخرى:
"تمام، نقدر نبدأ امتى؟"
رفعت نظرها إليه وأجابته بعملية:
"أول ما نمضي العقود وأخلص باقي الورق نبدأ على طول."
ثم التقطت سماعة الهاتف وقالت:
"تعالي خدي استاذ عمر عند استاذ تميم والمحامي يكملوا معاه الإجراءات."
أغلقت السماعة ثم نظرت إلى عمر:
"استاذ تميم والمحامي هيكملوا مع حضرتك باقي التفاصيل."
تغيرت ملامح عمر قليلًا وقال باستغراب:
"طيب والتصاميم وباقي الحاجات اللي مفروض نتفق عليها؟"
أجابته بهدوء:
"متقلقش، استاذ تميم هيتابع معاك كل حاجه."
ابتسم عمر ابتسامة باهتة وهو يقول:
"مع إن ده مكانش اتفاقنا من الأول، المفروض إن حضرتك اللي هتتابعي معايا بنفسك، بس واضح إن وجود الأخ ده غير كلامك."
شعرت رنيم بالتوتر فورًا، ونظرت بسرعة نحو شاهين الذي كان يحدق بعمر بنظرة قاتلة، فقالت بتلعثم:
"لا خالص، بس استاذ تميم هو المسؤول هنا، وهيتابع مع حضرتك كل التفاصيل."
أومأ عمر برأسه ثم تحرك نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يخرج ونظر إلى شاهين بتحذير واضح:
"أنا لسه محاسبتكش على اللي عملته معايا امبارح، بس مش هنا علشان خاطر الباشمهندسه رنيم."
جلس شاهين باسترخاء مستفز ووضع قدمًا فوق الأخرى ثم قال بابتسامة باردة:
"اختار المكان اللي يريحك، وأنا هاجي أكمل عليك."
تبادل معه عمر نظرة مشتعلة وقال بتوعد:
"لا، هجومي هييجي مفاجئ، بدون سابق إنذار."
ثم خرج وأغلق الباب خلفه بعنف.
ظلت رنيم تنظر ناحية الباب بقلق شديد، وقلبها ينقبض خوفًا من تهورهما، بينما استقام شاهين وتحرك ببطء حتى جلس فوق حافة مكتبها الخشبي، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال وهو يتأملها بإعجاب واضح:
"تعرفي إني دلوقتي عايز أكلك أكل؟ قمر أوي وانتي شغاله."
احمرت وجنتاها رغمًا عنها، وأخفضت عينيها وهي تقول بتلعثم:
"م، مش خلاص هو مشي؟ اتفضل بقى خليني اشوف شغلي."
مد يده ولمس خدها بحنان، ثم قال بصوت هادئ صادق:
"انتي كل حاجه فيكي كفيلة تخليني عاشق ولهان ليكي، كل يوم اكتشف فيكي حاجه تخليني أحبك أكتر. بحبك يا رنيم، ومتزعليش مني. أنا فعلًا مجنون بيكي، وغيرتي عليكي بتخليني شخص تاني خالص، واحد مفيهوش ذرة عقل. بس وقت ما تشوفيني كده، ارجوكي بلاش تعانديني، مجرد حضن منك أو لمسة أو حتى نظرة، كفيله ترجعني لعقلي."
رفعت عينيها إليه ببطء، وكانت ترى الصدق واضحًا داخل نظراته بشكل أوجع قلبها أكثر مما طمأنه. وبعد لحظات قصيرة أومأت برأسها بخفوت وقالت:
"ماشي، ممكن بقى تمشي وتسيبني اشوف شغلي؟"
مال للأمام وقبل رأسها بحب، ثم استقام واقفًا وقال:
"أنا همشي، وقبل ميعاد خروجك هتلاقيني عندك. اقعدي مكانك ومتتحركيش."
ثم غادر المكتب أخيرًا.
ظلت رنيم تحدق في أثره بعد خروجه، بينما تضاربت المشاعر داخلها بعنف. كانت تحبه بطريقة موجعة، عشقًا لا تستطيع مقاومته مهما حاولت، لكن كلما تذكرت أنه متزوج ولديه ابنتان، كانت تعود فجأة إلى الواقع وكأن أحدهم صفعها بقوة.
أغمضت عينيها وزفرت بضيق، ثم حاولت أن تدفن كل تلك الفوضى داخل قلبها وتعود إلى عملها من جديد.
*****************************
هبطت جواهر درجات السلم بخطوات مرتبكة، بينما كانت دموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها دون قدرة منها على إيقافها، وكأن كل ما حاولت حبسه داخل صدرها انفجر دفعة واحدة. كانت ملامحها شاحبة، وأنفاسها متقطعة بصورة مؤلمة، حتى إن ترنيم ما إن وقعت عيناها عليها بهذه الحالة حتى انتفضت من مكانها بفزع واقتربت منها سريعًا، وقد ارتسم القلق بوضوح فوق ملامحها.
"مالك يا جواهر؟ بتعيطي ليه يا حبيبتي؟"
حركت رأسها بنفي سريع، بينما خرج صوتها مهتزًا بين شهقاتها:
"مافيش يا خالتو، أنا لازم امشي."
تدخلت أروى على الفور وهي تنظر بينها وبين الدرج بقلق واضح:
"انتوا متخانقين مع بعض ولا ايه؟"
أشاحت جواهر وجهها للجهة الأخرى، كأنها تحاول الهروب من نظراتهم، ثم قالت بصوت موجوع:
"قلت مافيش حاجه يا جماعه، ارجوكم سبوني امشي."
وفي اللحظة التالية، شق صوت جواد الغاضب أرجاء المكان بقسوة جعلت الجميع يلتفت نحوه:
"سيبوها تغور في داهيه."
اتسعت عينا ترنيم بصدمة حقيقية، ثم نظرت إليه بغضب عارم وقالت بحدة:
"جواد اتكلم كويس على مراتك، وبعدين فيه ايه حصل ما بينكم؟"
أغلقت جواهر عينيها بقوة، وكأن كلماته صفعتها، ثم قالت بصوت مختنق بالدموع:
"علشان خاطري يا خالتوا سيبوني امشي."
هبط جواد الدرج بخطوات حادة، والغضب يشتعل في عينيه بصورة مخيفة، ثم أمسك ذراعها بقوة وتحرك بها نحو الباب بعنف واضح قبل أن يفتحه وهو يقول بصوت مرتفع:
"وصلوها لبيتها."
نزعت ذراعها من قبضته بعصبية، وقد ارتجف صوتها من شدة الانفعال:
"ايدك متتمدش عليا يا جواد."
دفعها بأصابعه من كتفها بعصبية وهو يقول بغضب محتدم:
"أنا حر امد ايدي عليكي وأكسرك كمان."
في لحظة واحدة، اندفعت ترنيم نحوه وأبعدته عنها بعنف، بينما انفجر صوتها بالصراخ:
"انت شكلك أتجننت يا جواد، فيه ايه مالك على الصبح؟ اقسم بالله لو محترمتش نفسك شويه لكون مكسره عضمك."
ثم أمسكت يد جواهر بحماية واضحة وقالت بحنان رغم غضبها:
"تعالي يا حبيبتي معايا جوه نتكلم بهدوء."
لكن جواهر هزت رأسها بعناد، والدموع لا تزال تغرق ملامحها، ثم قالت بصوت متكسر:
"علشان خاطري يا خالتو سبيني امشي، ولو ليا غلاوة عندك خليه يطلقني."
شهقت ترنيم بصدمة، واتسعت عيناها وهي تقول بسرعة:
"طلاق ايه يا بنتي؟ ربنا ما يكتبها عليكم، تعالي بس ادخلي."
ضغط جواد على أسنانه بعنف، وكاد يتحدث، إلا أن صوت والده الغاضب أوقفه:
"جواد تعالى ورايا على المكتب."
التفت جواد نحو جواهر بعينين مشتعلة بالغضب، ثم أومأ برأسه ببطء وقال بوعيد واضح:
"ماشي يا جواهر أنا هعرفك ازاي تطلبي الطلاق كل شوية كده."
أنهى كلماته ثم استدار مبتعدًا خلف والده، بينما ظلت جواهر تنظر إلى أثره بانكسار واضح قبل أن تنهار داخل أحضان ترنيم، متمسكة بها بقوة وكأنها تبحث عن الأمان بين ذراعيها، وانفجرت دموعها بصورة أقوى وهي تقول بوجع:
"عجبك يا خالتوا اللي جواد بيعملوا معايا ده؟"
ربتت ترنيم على ظهرها بحنان، محاولة تهدئتها رغم الضيق الظاهر داخل عينيها، ثم قالت بهدوء:
"لا يا حبيبتي مش عجبني، وأبوه دلوقتي هيبهدله على اللي عملوا معاكي ده، بس برضه انتي غلطانه يا جواهر مش كل ما يحصل ما بينكم حاجه تطلبي منه الطلاق، الكلمة دي مش سهله، ولازم تكوني اعقل من كده شوية، تعالي ادخلي معايا."
تحركت جواهر معها للداخل بخطوات بطيئة، بينما أغلقت ترنيم الباب خلفهما، واتجهتا نحو الأريكة وجلستا فوقها. التفتت ترنيم إلى ابنتها وقالت بهدوء:
"ادخلي هاتي ليها كوباية عصير."
أومأت أروى برأسها وتحركت إلى المطبخ، بينما أعادت ترنيم نظرها إلى جواهر، تراقب وجهها الباكي بحزن، ثم سألتها برفق:
"قوليلي بقى ايه اللي حصل ما بينكم؟"
أطلقت جواهر زفرة مرتجفة، ثم قالت بصوت مختنق بالألم:
"يا خالتو ابنك مش طبيعي، زعلان علشان شاهين معرفش جاب رقمي منين واتصل بيا بيطلب مني اقول كلمتين لرنيم اخليها تسامحه علشان هما كانوا زعلانين من بعض، بس كلمت رنيم، ومجاش في بالي أن أقول لجواد على اللي حصل ده، اصلا الموضوع عادي، راجل بيحب اختي وعلشان عارف احنا قريبين من بعض قد ايه طلب مني كده، بس لا أزاي ابنك يعدي الموضوع كده بالساهل؟ لازم يعمل حكايه ويكبر المواضيع، جواد طول عمره عصبي معايا، وكان طول الوقت بيتخانق معايا، بس اول مره يغلط فيا بالشكل ده، وشبه أنه مد أيده عليا، لما هو بيعمل كده قبل ما اجي بيته اومال لما نتجوز ويتقفل علينا باب واحد هيعمل معايا ايه؟"
أمسكت ترنيم يدها بين كفيها وربتت عليها بحنو، ثم قالت بنبرة هادئة تحمل الكثير من الحكمة:
"بصي يا حبيبتي هو انتي مش غلطانه، بس مكانش هيحصل حاجه لو كنتي بلغتي باللي حصل ده، الراجل بيحب يكون في الصورة حتى لو الموضوع ميخصهوش، وكمان اللي وصل جواد للحالة دي غيرته عليكي، هو غيران أن فيه راجل كلمك في التليفون وسمع صوتك، وبالذات شاهين ده اللي هو اصلا بيكرهوا وبيبقى عايز يقتله كل ما يشوفه، ده درس يعلمك انك بعد كده تعرفي جوزك أي حاجه بتحصل حتى لو صغيرة، هو غلطان برضه علشان طريقته معاكي فى الكلام دي بس ابوه هيعلمه الادب دلوقتي، انتوا لازم تعرفوا ان الجواز مسؤوليه واحترام متبادل، انتوا الاتنين لازم تكونوا مسؤولين أكتر من كده، لما انتوا بتعملوا كده وانتوا لسه على البر، اومال لما تبقوا في بيت واحد ومعاكم عيل ولا اتنين هتعملوا ايه؟"
أشاحت جواهر وجهها بعيدًا وهي تحاول كبح دموعها، ثم قالت بصوت متألم:
"يا خالتوا بقولك غلط فيا وكان هيمد أيده عليا، مهما كان اللي حصل مينفعش اللي عمله ده."
أومأت ترنيم برأسها بتفهم وقالت بجدية:
"ده اكيد طبعا وصدقيني ولا انا ولا ابوه هنعدي اللي عمله معاكي بالساهل كده، بس كل اللي عايزاه منك، لما نغسله ليكي ويجي يصالحك بلاش تعاندي معاه واقعدوا اتكلموا مع بعض بهدوء."
مسحت جواهر دموعها بكم ملابسها، ثم أومأت بصمت، بينما اقتربت منها ترنيم وقبلت رأسها بحنان، قبل أن تضمها إلى صدرها وتظل تربت على ظهرها بحب واحتواء.
بالمكتب...
جلس غريب خلف مكتبه الخشبي بهدوء مهيب، بينما كان يراقب جواد الجالس أمامه، والغضب يتصاعد من ملامحه بصورة واضحة. ظل الصمت يسيطر على المكان لثوانٍ ثقيلة، قبل أن يميل غريب بجسده إلى الأمام ويسند ذراعيه فوق سطح المكتب قائلًا بهدوء عكس تمامًا العاصفة المشتعلة أمامه:
"ها.. خلصت؟"
قبض جواد على يده بقوة حتى برزت عروقه وابيضت مفاصله، ثم قال بصوت مختنق بالغضب:
"ابوس ايدك مش وقته الكلام ده يا بابا، أنا جوايا نار من امبارح وهي جات وحطت عليها بنزين، الهانم مستغفلاني وبتكلم البيه في التليفون وعايشه دور المصلحه الاجتماعيه، يعني كنت بحاول انسى اللي عملته مع اللي اسمه وحيد وأنها دارت عليا أنه كلمها وهددتها، يطلع أنه اللي اسمه زفت شاهين بيكلمها علشان تصالحه على البرنسيسه رنيم، وانا اخر من يعلم، هموت يا بابا."
استمع إليه غريب بصمت كامل، لم يقاطعه أو يعترض، تركه يخرج كل ما يعتصر صدره، حتى هدأت نبرته قليلًا، عندها فقط تحدث قائلاً بصرامة هادئة:
"انت غبي وحمار، وهتفضل زي الجحش، دراعك ولسانك سابقين عقلك في غضبك، وعلى وضعك ده، استحالة حياتكم هتكمل مع بعض، مد الايد عمره ما كان حل للمشاكل يا جواد، بالعكس دي بتعقدها اكتر، الكلمة الطيبه احسن مليون مره من الصوت العالي ومد الايد واللسان الطويل، الست كائن صبور جدا، هتعدي مره واتنين وعشره، وكل مره بعدها هتتعامل معاك وكأن مافيش حاجه حصلت، بس هتيجي مره طاقتها في التحمل هتخلص، وهتكتشف أنها منستش كل اللي فات هي بس كانت ركناه على جنب لوقته، وهتاخد قرار البعد ولو عملت ايه مستحيل ترجعلك تاني، ساعتها بس هتدرج، أنها كانت كل مره بتديك فرصه فيها، على أمل أنك تتغير، وتحس بقيمتها، وقتها هتندم في وقت مينفعش فيه الرجوع خلاص، وهي، هتتعافى وتعيش حياتها عادي، من غير ذرة ندم، لأنها عملت اللي عليها وانت اللي استنفذت فرصك كلها، فوق وبلاش غبائك وتهورك يضيعها من بين ايديك، علشان انت مش هتقدر تعيش من غير جواهر يا جواد، علشان انت بتعشقها."
مرر جواد يده بعصبية فوق وجهه، ثم دعك مقدمة رأسه بأصابعه وكأنه يحاول السيطرة على أفكاره المشتعلة، قبل أن يقول بصوت متعب:
"انت تقدر تستحمل أن ماما تكلم اكتر راجل بتكرهه في حياتك، من وراه ضهرك؟"
تراجع غريب بظهره إلى المقعد، ثم أجابه بهدوء ثابت:
"رضيت وكنا بنقعد ناكل مع بعض على سفره واحده، ويوم ما حصل مشكله، كان هو اول راجل اطلب منه يروح ينقذها، لأني كنت متأكد، أنه اكتر راجل هيخاف عليها ويحميها بعمره، وده اللي حصل فعلا، عارف ليه علشان كنت بثق في امك اكتر ما بثق في نفسي."
خفض جواد عينيه قليلًا، ثم قال بنبرة مختنقة:
"أنا بثق في جواهر طبعا يا بابا، بس كل اللي مجنني انها عملتها قبل كده مع وحيد، وانا عدتها علشان الظروف اللي إحنا كنا فيها، ورجعت عملتها تاني مع شاهين، أنا كل اللي عايزه، أنها مداريش عني حاجه، عايز متخافش مني وتعرفني كل حاجه يا بابا."
هز غريب رأسه ببطء، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"وانت مفكر انك بعد اللي عملته ده كله، هي هتيجي وتقولك، انت كده بتخوفها منك اكتر يا غبي، هي عارفه عصبيتك المبالغ فيها دي، ولما بتداري عليك، ده لأنها خايفه عليك مش خايفه منك، عارفه انك هتخرب الدنيا من قبل ما تفهم حاجه اصلا."
ظل جواد صامتًا، غارقًا في كلمات والده التي أصابت جزءًا حساسًا داخله، فأكمل غريب حديثه وهو يشير له بيده:
"انت تخرج من عندي من هنا تخدها اوضك وتحاول تصالحها."
ثم أكمل بنبرة ساخرة خفيفة:
"ولا انت بتاع كلام وبس."
رغم ضيقه، ابتسم جواد على كلمات والده، ثم أومأ برأسه وهو ينهض واقفًا قائلاً:
"يا عم انا هموت وميكنش مجرد كلام، نفسي كله يتم دلوقتي، بس أعمل أيه؟ لازم الفرح يتم الاول."
ثم تحرك نحو الباب وغادر المكتب.
تابعه غريب بعينيه حتى اختفى، ثم تنهد بهدوء وتراجع بظهره إلى المقعد، بينما ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يرى نسخة شبابه القديمة في ابنه، نفس الجنون، نفس الغيرة، ونفس الحب المشتعل الذي عاشه يومًا مع ترنيم. تنهد براحة، متمنيًا أن ينتهي حب جواد وجواهر كما انتهى حبه هو بترنيم، بيت دافئ، وحياة هادئة، وأطفال يحملون ملامح العشق القديم.
****************************
خرج جواد من مكتب والده بخطوات سريعة، وما زالت كلمات غريب تتردد داخل رأسه بعنف، بين لومٍ أصابه في مكان حساس داخله، وبين خوف حقيقي من أن يخسر جواهر بسبب تهوره وغضبه. وما إن وقع بصره عليها حتى وجدها جالسة بجوار ترنيم بوجه متجهم وعينين متورمتين من كثرة البكاء، فشعر بانقباضة مؤلمة داخل صدره، لكنه أخفاها سريعًا خلف ملامحه الجامدة واقترب منهما ثم قال بصوت مختنق:
"قومي تعالي معايا."
رفعت جواهر ذقنها بعناد، وعقدت ذراعيها أمام صدرها كأنها تبني حاجزًا بينهما، ثم قالت بصوت ممتلئ بالضيق:
"لا مش هروح معاك في حته."
أغلق عينيه للحظة يحاول السيطرة على غضبه الذي بدأ يعود إليه مجددًا، ثم قال من بين أسنانه بحدة واضحة:
"قومي يا جواهر، بلاش عناد احسنلك."
زفرت ترنيم بنفاذ صبر وهي تنظر لهما بضيق، فقد بدا الاثنان وكأنهما طفلان لا يعرفان سوى العناد، ثم قالت بحدة خفيفة:
"ما تهدا بقى يا زفت انت، وانتي يا جواهر احنا مش اتفقنا، قومي مع جوزك يلا شوفيه عايز ايه."
أطلقت جواهر زفرة طويلة، ثم استقامت بجسدها ببطء وهي تقول بحدة متعمدة:
"اهو وقفت حضرتك عايز ايه؟"
لم يجبها، فقط أمسك يدها بقوة وتحرك بها نحو الدرج، بينما كانت هي تحاول مجاراة خطواته السريعة حتى صعد بها إلى الأعلى.
راقبتهما ترنيم وهما يبتعدان، ثم هزت رأسها بيأس وقالت بنفاذ صبر ممزوج بابتسامة خافتة:
"اتنين أجن من بعض، ربنا يهديهم ويصلح حالهم يارب."
فتح جواد باب غرفته بسرعة وأدخل جواهر إلى الداخل، ثم أغلق الباب خلفهما واستدار ينظر إليها بضيق واضح قبل أن يقول:
"عجبك الفضايح اللي حصلت دي؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها أكثر، وكأنها تتحدى غضبه، ثم قالت بعصبية:
"والله انت اللي عملت الفضايح دي مش انا."
اقترب منها خطوة، وكانت نظراته مشتعلة بضيق حقيقي وهو يقول:
"انا برضه اللي اتكلمت مع راجل غريب في التليفون و داريت عن جوزي حاجه زي دي؟"
ردت عليه بانفعال، وقد بدأت دموعها تتجمع مجددًا داخل عينيها:
"قلتلك، هو اللي جاب رقمي وكلمني، وبعدين والله العظيم كلامه كان مؤدب ومحترم وكل اللي طلبه مني أكلم رنيم تسامحه وتديله فرصه واحده بس، ومن وقتها متكلمش معايا تاني غير امبارح لما رنيم تعبت بيسألني إذا كانت بتاخد علاج ولا لا، وبعدين انت مش بتثق فيا ولا ايه؟ يعني المفروض انت اللي مربيني على ايدك وعارف أخلاقي ايه."
تغيرت ملامحه فور سماعه لكلماتها الأخيرة، وخفتت حدة غضبه قليلًا، ثم قال بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالقهر:
"بطلي هبل وعبط، أنا عمري ما شكيت فيكي، ولا عمري فكرت انك ممكن تعملي حاجه غلط، بس اللي قهرني انك بداري عليا يا جواهر."
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع وقالت بصوت موجوع:
"وانا اللي قاهرني، طريقتك وأسلوبك معايا النهاردة، هونت عليك تمد ايدك عليا وتغلط فيا يا جواد؟"
تبدلت نظراته فورًا، وكأن كلماتها أطفأت جزءًا كبيرًا من غضبه، اقترب منها ببطء ثم أحاط خصرها بذراعه وجذبها إليه برفق، قبل أن ينظر داخل عينيها مباشرة ويقول بنبرة أكثر هدوءًا:
"بطلي عياط، انتي عارفه دموعك غاليين عندي قد ايه."
هزت رأسها بالرفض، بينما ارتجف صوتها بألم حقيقي:
"أنا اتأكد انك بطلت تحبني يا جواد، لأن اللي بيحب حد، مستحيل يهون عليه يعمل فيه كده."
شعر وكأن كلماتها انغرست داخل صدره، فاقترب أكثر وقبل خدها بحنان واضح ثم قال بنبرة عاشقة صادقة:
"أنا عمري ما أبطل احبك يا جواهر، انتي بنت عمري، بس اللي حصل منك وكمان كلمة طلقني اللي في بؤقك على طول دي عصبتني، وخرجتني عن شعوري، وانتي عارفه، لما بتعصب مبشوفش قدامي."
أشاحت وجهها بعيدًا وهي تقول بصوت مختنق:
"يا سلام، معنى كده كل ما تحصل مشكله ما بينا بعد الجواز هتغلط فيا وتمد ايدك عليا، علشان عصبي ومش بتشوف قدامك."
شدد ذراعه حول خصرها أكثر، ثم اقترب منها هامسًا بنبرة حاول أن يجعلها أخف:
"خلاص يا بت بقى، بلاش تعيدي وتزيدي في اللي حصل، احنا الاتنين غلطانين، وده يخلينا نتعلم من غلطنا المره الجايه ومنعملش كده تاني."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقد بدأت أنفاسها تتوتر من قربه الشديد، ثم قالت بتلعثم واضح:
"ط طيب س سيبني بقى."
مال برأسه قليلًا حتى اقتربت شفتيه من شفتيها، ثم قال بصوت خافت يحمل الكثير من المشاكسة والرغبة:
"اسيبك ايه؟ أنا لازم اصالحك بطريقتي."
ولم يمنحها فرصة للرد، بل التقط شفتيها في قبلة عميقة ممتلئة بالشوق والغضب واللهفة معًا، وكأنه يحاول أن يعتذر لها بكل ما عجز عن قوله. حاولت في البداية أن تدفعه بعيدًا، لكن مقاومتها ذابت سريعًا، وتمسكت به أكثر وهي تبادله قبلته بتردد تحول شيئًا فشيئًا إلى استسلام كامل.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه وسط قبلاته، بينما أخذ يدفعها ببطء نحو السرير حتى أسقطها فوقه برفق، وبدأت يده تتحرك بجرأة أكبر، ومع كل ثانية كانت أنفاسه تصبح أثقل وسيطرته على نفسه تضعف أكثر.
لكن جواهر انتفضت فجأة عندما شعرت بالأمر يخرج عن حدودها، فدفعته بعيدًا عنها بسرعة ونهضت من فوق السرير، بينما كانت أنفاسها مضطربة ويداها ترتجفان بوضوح.
أغلق جواد عينيه بقوة، محاولًا استعادة هدوئه والسيطرة على اندفاعه، ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يعتدل في جلسته. مد يده إليها بهدوء هذه المرة، ثم أمسك يدها برفق وأجلسها فوق ساقه، وبدأ يمرر يده على وجهها بحنان شديد وهو يقول بصوت صادق:
"أنا آسف متزعليش مني، أنا بحبك واوعدك اني هحاول اتحكم في اعصابي ومش هتعصب عليكي بالمنظر بتاع النهاردة ده تاني."
احمر وجهها بخجل واضح، ثم أومأت برأسها وهي تقول بصوت منخفض:
"م ماشي."
ابتسم لها بحب، ثم قال بنبرة مزاح وقحة أشعلت توترها من جديد:
"مع انك قطعتي اللحظة الحلوة، بس هعديها علشان لسه الفرح، بس وحياة امك، لو عملتي كده معايا بعد الفرح وقطعتي اللحظة الحلوة دي، هضاعف عقابك عندي بطريقتي الخاصه."
وأنهى كلامه بغمزة مشاكسة من عينيه.
شهقت بخجل وضربته على صدره بخفة وهي تقول بتوتر:
"جواد بس بقى وبطل قلة ادب، وسيبني اقوم."
تعالت ضحكاته الرجولية داخل الغرفة، ثم اقترب من خدها ووضع قبلة سريعة عليه قبل أن يبعد يده عنها لتنهض.
استقامت سريعًا وهي تبتلع ريقها بصعوبة، ثم قالت بتوتر واضح:
"ا أنا لازم امشي بقى."
أومأ برأسه وهو يقول بهدوء:
"استني هدخل اخد شاور سريع واجي اوصلك."
أومأت له بالموافقة بخجل:
"م ماشي."
ثم تحركت نحو الأريكة وجلست فوقها تحاول تهدئة دقات قلبها المتسارعة.
أما جواد فاتجه نحو المرحاض وأغلق الباب خلفه، بينما بدأ صوت المياه يملأ المكان.
نظرت جواهر إلى الباب المغلق وابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيها دون إرادة منها، ثم أمسكت هاتفها تعبث به بخجل، بينما كانت تستعيد داخل رأسها كل ما حدث منذ قليل، وقلبها ينبض بعنف كلما تذكرت قربه منها ونظراته التي كانت تذيب غضبها رغم عنها.
***************************
انتهى وقت العمل دون أن تشعر رنيم بمرور الساعات، فقد كانت غارقة بالكامل وسط الأوراق والتصاميم، بعقل منشغل وتركيز سحبها بعيدًا عن العالم من حولها، حتى دوى صوت فتح الباب داخل المكتب فجأة، فرفعت رأسها على الفور تنظر باتجاهه، لتجده شاهين.
تراجعت بظهرها إلى الخلف وهي تزفر بضيق واضح، ثم تكلمت بنفاذ صبر:
"هو انت متعرفش حاجه اسمها استئذان الاول، هنا وفي الشقه بتدخل على طول كده."
تعالت ضحكاته الرجولية داخل المكان، بينما كانت عيناه تلمعان بمشاكسة واضحة، ثم تكلم بمزاح:
"هو أنا دخلت عليكي الحمام، انا دخلت مكتب وعارف انك شغاله وفي البيت الصبح دخلت الاوضه وعرفت انك بتخدي شاور مرضتش ادخلك."
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وشهقت وهي تنظر له بعدم تصديق، قبل أن تقول بغضب:
"اقسم بالله انت قليل الادب، أتلم ماشي."
اقترب أكثر وجلس على حافة المكتب أمامها، وكأن قربه منها حق مكتسب لا يستطيع مقاومته، ثم رفع يده يمررها برفق على وجهها، وتكلم بصوت خافت دافئ:
"انا بهزر معاكي يا قلبي، انتي جسمك امانه عندي لحد ما تبقي مراتي حلالي وبعد كده اعمل اللي أنا عايزه."
ارتبكت ملامحها للحظة، لكنها سرعان ما تراجعت بجسدها للخلف محاولة التمسك بعنادها، وقالت بتحدي واضح:
"مش لما ابقى مراتك، ده في احلامك يا شاهين."
مال بجسده أكثر نحوها حتى أصبحت أنفاسه الساخنة تلفح وجهها، وعيناه مثبتتان داخل عينيها بثقة أربكتها، ثم قال بنبرة منخفضة ممتلئة بالعشق:
"حتى لو بحلم يا رنيم، انا هفضل وراكي لحد ما احقق الحلم ده، علشان انتي أجمل حلم اتمنيته."
تسارعت أنفاسها بشكل واضح، وشعرت بقلبها يرتطم داخل صدرها بعنف كلما اقترب منها أكثر، حتى أصبحت عاجزة عن الثبات أمام تلك النظرة التي تربكها دائمًا، فتحدثت بتلعثم واضح:
"ش شاهين ا ابعد مينفعش كده حد يدخل علينا."
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه وكأن توترها يمنحه لذة خاصة، ثم قال بصوت هامس:
"هو عمومًا مافيش حد هيدخل علينا علشان أنا نبهت على السكرتيرة، لكن هبعد مؤقتًا، علشان دقات قلبك اللي عماله تدق زي أجراس الكنيسه دي وفضحاكي."
ثم تراجع بجسده للخلف أخيرًا، بينما ظل يضحك بخفة على ارتباكها الواضح وتوترها الذي لم تستطع إخفاءه مهما حاولت.
أما هي فاستقامت سريعًا بجسدها بغضب مصطنع تخفي به خجلها، وأمسكت حقيبة يدها بعصبية، ثم تحركت باتجاه الباب وفتحته وخرجت من المكتب بخطوات سريعة.
ظل شاهين محتفظًا بابتسامته العاشقة وهو يتابعها بعينيه، قبل أن ينهض ويتحرك خلفها بهدوء.
دلفا إلى المصعد الكهربائي، وسيطر الصمت بينهما، لكن التوتر الذي يحيط بهما كان كافيًا ليملأ المكان بالكامل. ظلت رنيم تنظر أمامها متعمدة تجاهله، بينما كان هو يراقب تفاصيل وجهها بصمت مستمتعًا بكل انفعال صغير يصدر منها.
هبط المصعد إلى الأسفل، فخرجت منه سريعًا وتحركت بغضب نحو سيارته، فتحت الباب وصعدت إلى المقعد الأمامي، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها بعناد طفولي جعله يبتسم دون إرادة.
تحرك شاهين خلفها وصعد إلى مقعده أمام المقود، وقبل أن يدير السيارة مال نحوها سريعًا ووضع قبلة خاطفة على خدها، ثم اعتدل في جلسته وأدار المحرك وتحرك بالسيارة.
حاولت رنيم إخفاء تلك الابتسامة الصغيرة التي خانتها رغمًا عنها، فأدارت وجهها سريعًا نحو نافذة السيارة تتابع الطريق المضاء بالخارج، بينما كانت دقات قلبها تتسارع بعنف داخل صدرها، بحب ذلك الرجل الذي استطاع أن يأسر قلبها بالكامل دون أن تشعر.
****************************
وصل شاهين ورنيم إلى البناية بعد طريق طويل سيطر عليه الصمت، صمت ثقيل يحمل بين طياته مشاعر متشابكة لا يعرف أي منهما كيف يهرب منها.
صعدا إلى الأعلى بخطوات متتابعة حتى توقفا أمام باب شقة رنيم، فاستدارت له وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بعناد واضح، ثم قالت بنبرة متحفزة:
"ممكن بقى تديني مفتاح شقتي."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة يعشق بها إثارة غضبها، ثم حرك رأسه بالرفض وقال بثبات:
"لا المفتاح هيفضل معايا أنا."
ثم أخرجه من جيب بنطاله ولوح به أمامها ببرود متعمد قبل أن يضعه مكانه، وبعدها فتح الباب وهو يقول بمزاح: "اتفضلي برنسس رنيم."
نظرت له بضيق شديد وكأنها على وشك الانفجار، ثم تكلمت بنفاذ صبر:
"والله العظيم انت بارد وغلس، يعني مفتاح شقتي ومستولي عليه، ده ايه البجاحه اللي في دمك دي؟"
رد عليها بلا مبالاة وكأنه يستمتع بعنادها:
"مهما تقولي مش هتخدي برضه المفتاح، متحاوليش واتفضلي يلا ادخلي."
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة، انفتح باب شقته فجأة.
خرجت مريم على مقعدها المتحرك، وخلفها أماليا وابنتا شاهين، واقتربوا منهم بنظرات مشتعلة، لتتكلم مريم بصوت مرتفع متعمد:
"ده يرضي مين ده يا ناس؟ بنت عايشه في شقه لوحدها ومقضياها مع راجل متجوز ومخلف، ده ايه البجاحه اللي في دمك دي يا بت، ربنا يسترها على ولايانا."
تجمدت ملامح رنيم للحظة من شدة الصدمة، قبل أن تشتعل عيناها بالغضب، وقالت بحدة:
"ايه الكلام العبيط اللي بتقوليه ده يا ست انتي؟ لمي لسانك واحترمي نفسك."
أما شاهين فاشتد فكه بعنف، وظهر الغضب بوضوح داخل عينيه، ثم قال بتحذير خطير:
"اقسم بالله لو مدخلتوش جوه دلوقتي لكون مكسر البيت كله فوق دماغكم."
لكن مريم لم تتراجع، بل رفعت صوتها أكثر وهي تتعمد جذب انتباه الجميع:
"اه ما هي خطافة الرجاله دي اكله عقلك، يا ناس يا خلق تعالوا شوفوا اللي مش محترمه عايشه مع راجل غريب في الشقه، اخده راجل من مراته وبناته."
بدأت أبواب الشقق تفتح واحدًا تلو الآخر، وتجمهرت النظرات حولهم بسرعة مؤذية، بينما شعرت رنيم بحرارة الدموع تتجمع داخل عينيها رغم محاولتها التماسك.
كان الموقف أقسى مما تتحمل.
وفجأة خرج صوت إيما، ابنته الكبرى، وهي تنظر إلى رنيم بغضب طفولي ممزوج بالغيرة:
"أيوه انتي اخده بابي مننا، عايشه حياتك معاه وحرمانه منه، انتي واحده مش محترمه."
ثم تكلمت أماليا بدورها بنبرة متقنة للضعف والانكسار:
"بقى أنا اسيب بلدي واجي أنا وبناتي علشان ابقى جنب جوزي، ألاقي واحده زي دي اكله عقله، وناسي مراته وبناته اللي ملهمش غيره في الدنيا."
وفي الجهة الأخرى، ارتسمت على شفتي مريم ابتسامة خبيثة وهي ترى خطتها تنجح أمام الجميع، فقد كانت تنتظر هذه اللحظة منذ البداية، اللحظة التي تحاصر فيها رنيم بنظرات الرفض والاتهام.
لكن شاهين لم يمنحهم فرصة أطول.
استدار نحو الجميع، وارتفع صوته الجهوري بقوة جعلت المكان يصمت بالكامل:
"قطع لسان اللي يجيب سيرة مراتي بكلمة، رنيم تبقي مرات شاهين الرواي، ومحدش ليه عندنا حاجه فاهمين؟"
اتسعت عينا رنيم بصدمة عنيفة، وكأن الأرض اهتزت أسفل قدميها.
شعرت للحظة أنها لا تسمع جيدًا، أو ربما تعيش كابوسًا عبثيًا لا تعرف كيف انتهت داخله.
أما مريم، فضغطت على أسنانها بغيظ واضح وقالت بتحدي:
"كداب، لو هي مراتك بجد فين عقد الجواز؟"
نظر لها شاهين بثبات قاتل، ثم أجابها بثقة أكبر:
"عند المأذون واول ما نستلمها هحطها في عيون الكل."
ثم التفت ينظر حوله إلى الجيران المتجمعين وقال بصوت حاد:
"خلاص خلصنا كل واحد يشوف رايح فين."
وبالفعل بدأ الجميع يتفرقون تدريجيًا، لكن التوتر بقي معلقًا في الأجواء الثقيلة.
اقترب شاهين من مريم وأماليا وابنتيه، وكانت نظراته كافية لبث الرعب داخلهم، ثم قال بتحذير منخفض لكنه مرعب:
"حسابكم معايا بعدين مش دلوقتي، اتفضلوا ادخلوا جوه دلوقتي."
لكن ميا، الصغيرة، نظرت له بعينين متعلقتين به وسألته بسعادة بريئة:
"بجد يا بابي اتجوزت رنيم؟"
لينت ملامحه للحظة رغم الغضب المسيطر عليه، ثم أومأ لها بحنو:
"ايوه يا حبيبة بابي، يلا ادخلي."
ثم التفت إلى إيما بنظرة عتاب واضحة وقال بلهجة آمرة:
"ادخلوا جوه قلتلكم."
تكلمت مريم بغضب مشتعل:
"مبقاش أنا لو مكشفتش كدبك لناس كلها يا شاهين."
ابتسم لها شاهين ابتسامة باردة تحمل تحديًا صريحًا وقال:
"مش لما تبقى كدبه، أنا ورنيم اتجوزنا، واللي قاعدتي تخططي ليه راح على الفاضي، يا مريم."
ثم تركهم دون انتظار رد آخر، واتجه مباشرة نحو رنيم.
وجدها ما تزال واقفة مكانها، شاحبة الوجه، ملامحها جامدة من شدة الصدمة وكأنها فقدت القدرة حتى على التفكير.
اقترب منها، أمسك يدها برفق هذه المرة، ثم أجبرها على التحرك معه إلى الداخل.
أغلق الباب خلفهما، واستدار ينظر إليها بتوتر حقيقي لأول مرة منذ بداية تلك الفوضى، بينما كانت عيناها ما تزالان معلقتين به بذهول كامل، وكأنها تنتظر منه تفسيرًا ينقذ عقلها من الجنون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!