تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
الفصل 50 — رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخمسون 50 - بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الخمسون 50 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخمسون
في صباح يوم جديد....
كان غريب مستلقيا على السرير يتلقى العلاج اللازم لقدمه بعد إصابتها برصاصة خرجت من
سلاح مريم، بينما تجمع الجميع حوله بدا الإرهاق واضحًا على الوجوه، ليس فقط بسبب ما عاشوه من رعب ومواجهة مع الموت، بل لأنهم خرجوا من تلك الليلة وقد تغير شيء ما داخل كل
واحد منهم.
الوحيد الغائب كان شاهين.
منذ اللحظة التي غادر فيها ذلك المكان بعد سقوط مريم، لم يظهر مرة أخرى، وكأنه تبخر مع
أوجاعه وترك خلفه فراغا ثقيلا لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
جلست ترنیم بجوار غريب، وكانت أصابعها ملتفة حول يده بقوة تخشى أن يختفي هو الآخر إذا تركتها، لم تستطع إخفاء القلق الذي كان ينهشها رغم محاولاتها المتكررة للتماسك، فربتت على
يده برفق وقالت:
"حاسس بوجع يا غريب ؟ رجلك بتوجعك ؟ "
التفت إليها بابتسامة دافئة امتلأت بحب لم يتغير رغم كل ما مر بهما، وقال بنبرة عاشقة:
"لا يا قلبي، طول ما أنتي جنبي مش حاسس بتعب"
هزت رأسها وهي تبتسم رغم الدموع التي لم تكن بعيدة عن عينيها، بينما زفر تامر بضيق وجلس
على المقعد المقابل لهم، ثم قال باستغراب حقيقي:
"أموت وأعرف الحرباية دي إزاي وصلت للحريم ؟"
التفتت إليه سمية التي كانت لا تزال تحيط ابنتها بذراعها وكأنها تخشى أن تنتزع منها مجددا.
ثم قالت موضحة:
منعرفش بعد ما غريب قفل علينا الباب من بره سمعنا صوت جاي من الدور اللي فوق، وفاجأة
لاقينا رجالة نازله علينا تجري واحدونا وخرجونا من باب المطبخ وراه"
اشتدت ملامح جواد غضبا فور سماعه للكلام، وانعقد فكه بقوة وهو يتخيل ما كان يمكن أن
يحدث لو تأخروا أكثر من ذلك، ثم قال بصوت ممتلئ بالغيظ:
"أقسم بالله لو كنت شفتهم، كنت شربت من دمهم "
في زاوية الغرفة كانت أروى تجلس بصمت، تضم يديها إلى صدرها وتحاول عبثا أن تبدو هادئة. لكن عينيها كانتا تفضحان كل شيء؛ الخوف الذكريات والرجفة القديمة التي عادت فجأة
التسكن روحها.
انتبه لها غريب، فمد يده نحوها وقال بحنان
تعالي يا حبيبة بابي خلاص جبتلك حقك منها وقتلتها."
رفعت رأسها نحوه ببطء، ثم نهضت واتجهت إليه بخطوات مترددة قبل أن تجلس إلى جواره
وتضع رأسها فوق صدره، وما إن شعرت بأمانه حتى انهارت دموعها من جديد.
تشبثت بقميصه و همست بصوت مرتعش
اللي حصل ده فكرني بنفس اليوم اللي خطفوني فيه، أنا خايفه أوي يا بابي"
" انقبض قلب غريب وهو يسمع كلماتها مرر يده على شعرها بحنو أبوي خالص، يحاول أن يمحو
تلك الذكرى بلمسته، ثم قال:
من النهاردة ما فيش خوف ثاني يا حبيبة بابي الخطر خلصنا منه والحمد لله، وأنا حجزت
الطيارة هتخرج من هذا على تركيا على طول " كان يريد أن يأخذهم جميعا بعيدا عن كل شيء، بعيدا عن هذه المدينة، عن الذكريات، وعن الدم
الذي سال أكثر مما ينبغي.
تم رفع رأسه ونظر إلى تامر متسائلا:
صح حصل أيه في الفيلا قبضوا على زين وعمر ولا لا؟"
أجابه جواد هذه المرة وهو يفرك وجهه بإرهاق واضح
زين قبضوا عليه، واللي اسمه عمر ده، لما فاق حاول يهرب بس الشرطة جات تقبض عليه
قاومهم وضرب عليهم نار، راحوا ضربوا هما كمان عليه ورصاصه جات فيه ومات"
ما إن وصلت الكلمات إلى أذن رنيم حتى شعرت وكأن تقلا هائلا أزيح عن صدرها فجأة. اتسعت عيناها بعدم تصديق، وحدقت فيه الثوان طويلة قبل أن تسأله بسرعة تخشى أن تكون قد سمعت خطاء
يعني هو مات خلاص؟ متأكد ؟"
أوما جواد برأسه مؤكدا:
"أيوه متأكد شايلين جنته قصاد عيني "
أغمضت رنيم عينيها للحظة طويلة وأطلقت زفرة مرتجفة خرجت من أعماقها للمرة الأولى منذ أيام شعرت أن الخطر الذي كان يطاردها قد انتهى بالفعل. لكن الراحة لم تدم سوى ثوان.
فما إن غاب شبح عمر عن ذهنها حتى حضر شاهين
حضر بوجهه الموجوع، ونظرته الأخيرة، والطريقة التي غادر بها دون أن يلتفت إليها.
تبدلت ملامحها فورا، وانطفأت الراحة التي لم تكتمل.
لاحظت ترنيم ذلك بسهولة، فهي كانت ترى نفسها القديمة داخل رئيم كلما نظرت إليها.
تنهدت بحزن، ثم قالت بحنو
"يهدا شوية، وبعد كده غريب يكلمه اللي مر عليه مش سهل خسر أمه مهما كانت ايه هتفضل
أمه، واللي حصل منك محتاج يفضل مع نفسه شويه."
خفضت رنيم عينيها ولم تستطع الرد.
كانت تعرف أن كلام ترنيم صحيح، لكنها كانت تشعر المسافة بينها وبين شاهين تكبر كل دقيقة.
نهضت من مكانها بصمت وغادرت الغرفة.
تابعتها ترنيم بعينيها حتى اختفت خلف الباب، ثم تنهدت بألم وأعادت نظرها إلى غريب، وربنت
على يده بابتسامة هادئة تحاول بها أن تعيد بعض الدفء إلى الأجواء.
لكن جواد كعادته، لم يحتمل استمرار الحزن طويلا.
فمد يده ووضعها فوق كتف جواهر وقال بمزاح
"أنا قلت أنها بومه محدش صدقني، يعني شوية أكشن ينيموني شهر على السرير هبقى زي زيها "
انفجرت الضحكات داخل الغرفة رغم التعب بينما التفتت إليه جواهر و ضربته بضيق على
صدره قائلة:
"أنتم يا جواد متعملش حجة علشان منسافرش الهاني مون"
اقترب منها أكثر، ثم مال نحو أذنها وهمس بصوت لم يصل إلا إليها:
"وحياة أمك لاقطعك بس يتقفل علينا باب الاوضه المنحوسه دي أسنديني يا اختي وأمشي
قدامي بفستانك الأبيض اللي المسح بي الشارع كله."
شهقت جواهر بصدمة واحمر وجهها فوزا بينما تعالت ضحكات من سمعوا جزءا من حديثه.
أما هو فاكتفى بغمزة مشاكسة قبل أن يلتقط يدها ويتحرك بها نحو الخارج، لتغادر معه الغرفة وسط أجواء أخف قليلا من ذلك الحزن الثقيل الذي خيم عليهم منذ الصباح.
عند رنيم ....
وصلت إلى الشقة بعدما أنهكها ذلك اليوم الطويل بكل ما حمله من صدمات وخوف ودموع. وتوقفت أمام الباب الدوان طويلة وهي تحدق فيه بصمت. كانت تعلم في قرارة نفسها أنه لن يكون هناك، وأنها لن تجد ما تتمناه خلف هذا الباب، لكن قلبها كان أضعف من أن يتقبل الحقيقة بسهولة، ظل جزء صغير بداخلها متعلقا بأمل عنيد، يتمنى أن تفتحه فتجده جالسا فوق الأريكة ينتظرها كما كان يفعل دائما، يرفع عينيه إليها بمجرد دخولها، فتشعر أن كل ما مرت به كان
مجرد كابوس وانتهى.
أخرجت المفتاح من حقيبتها وأدخلته في القفل بأصابع مرتجفة، ثم أغمضت عينيها وأخذت
نفسا عميقا حاولت من خلاله أن تجمع شتات نفسها قبل أن تواجه ذلك الفراغ الذي كانت تخشاه، دفعت الباب ببطء إلى الداخل، وما إن فتحت عينيها ونظرت أمامها حتى شعرت بشيء
ينغرس في قلبها بقسوة.
كان المكان خاليا هادلا بصورة موجعة.
بدا كل شيء كما تركه، إلا أنه لم يكن هناك.
ذلك الحضور الذي اعتادت أن يملأ الشقة كلها اختفى نظرت إلى الأريكة التي كان يجلس عليها الساعات طويلة، وإلى الزاوية التي كان يقف عندها كلما انتظرها، فازدادت غصتها أكثر. عندها فقط أدركت أن غيابه حقيقي، وأنه لم يختف لساعات أو ليوم واحد فقط، بل ابتعد عنها وهو
يحمل داخله من الوجع ما قد يجعله لا يريد رؤيتها أصلا.
أغلقت الباب خلفها وتحركت إلى الداخل بخطوات بطيئة، لم تكن تملك طاقة للتفكير أو المقاومة أو حتى التظاهر بالقوة. اتجهت مباشرة إلى غرفتها، وما إن وصلت حتى ألقت بجسدها
فوق السرير وارتمت عليه منهارة.
انفجرت بالبكاء دون أن تحاول التماسك هذه المرة، كانت تحتاجه.
تحتاجه بصورة مؤلمة. تمنت لو يفتح الباب الآن ويدخل إليها دون مقدمات، فتندفع نحوه
وترتمي داخل أحضانه، تشعر بالأمان الذي كانت تجده معه وحده، وتستمع إلى صوته وهو يطمئنها كعادته بينما تربت يده الحانية على رأسها حتى تهدأ. لكنها كانت وحدها، وكل ثانية تمر
كانت تؤكد لها أكثر أنه ليس هنا.
رفعت رأسها بعد وقت لا تعلم مقداره، ومسحت دموعها بيد مرتجفة، ثم التقطت هاتفها بسرعة. ضغطت على رقمه وأخذت تنتظر الرد يقلب يخفق يعنف متعلقة بأمل صغير أن تسمع صوته ولو للحظة واحدة.
وفي كل مرة كانت تسمع نفس الرسالة التي تزيد خوفها وتكسر قلبها أكثر.
اغلقت الهاتف ببطء وألقته بجوارها، ثم وضعت يدها على وجهها وأجهشت بالبكاء من جديد. لم تكن تبكي على نفسها فقط، بل عليه هو أيضا. كانت تتخيل حجم الألم الذي يعيشه الآن، وتتذكر نظرته الأخيرة قبل أن يغادر، ذلك الحزن العميق الذي كان يسكن عينيه بعدما خسر أمه بيده. وبعدما تحطمت أشياء كثيرة داخله في وقت قصير.
ضمت ركبتيها إلى صدرها واستندت برأسها عليهما، بينما استمرت الدموع في الانهمار بصمت. لم تجد ما تفعله سوى أن ترفع قلبها إلى الله بالدعاء، تترجاه أن يحفظه أينما كان، وأن يطمئنها عليه، وأن يمنحها فرصة واحدة فقط لتصل إليه قبل أن يبتعد عنها أكثر مما فعل.
كانت تشعر أن العالم كله يمكنه الانتظار.. إلا قلبها.
فقلبها كان هناك معه، تانها في مكان لا تعرفه، يبحث عنه وسط كل ذلك الألم، ويتمنى فقط أن يعود.
مر يومان....
في باريس، المدينة التي كانت تتلألأ بالأضواء والحياة وكأنها خلقت خصيصا للعشاق، كانت جواهر تجلس فوق السرير بوجه متجهم وذراعين معقودتين أمام صدرها، تنظر إلى جواد النائم
بجوارها بنظرات ممتلئة بالاستياء، منذ وصولهما إلى هنا وهي ترسم في خيالها عشرات الصور الشهر عسل مثالي، تتجول فيه بين الشوارع القديمة والمقاهي المطلة على النهر والمعالم التي طالما شاهدتها في الصور، لكن الواقع كان مختلفا تماما. فزوجها العزيز قرر أن يجعل من السرير أعظم معالم باريس السياحية، يقضي معظم وقته نائها أو مستلقيا عليه، جاء إلى هنا خصيصا اليعوض سنوات الحرمان من النوم.
مررت يدها على وجهها يضيق واضح، ثم التفتت إليه وتكلمت بصوت مختنق
جواد، اصحی بقی با حبيبي، الإسم اننا جاين نقضي الهائي مون في باريس، ومن يوم ما جينا هنا وأنت مقضيها نوم "
"أفصلي شويه، أيه راديو واتفتح ؟"
زفر بضيق دون أن يفتح عينيه، ثم تكلم بصوت ناعس:
ضربته على كتفه بضيق وقالت:
"راديو في عينك، أنا زهقانه يا جواد بقى "
مد يده إليها وأمسك كلها، ثم قبلها بحب وهو ما يزال غارقا بين النوم واليقظة وقال بصوت ناعس:
نامی یا حبيبتي شوية، ربنا يهديكي، لسه بدرى والله "
سحبت يدها منه بعناد و عقدت ذراعيها امام صدرها، ثم أسندت ظهرها إلى السرير ونظرت أمامها بضيق طفولي واضح.
فتح جواد عينيه أخيرا، وزفر بنفاد صبر قبل أن يعتدل في جلسته ويضع ذراعه خلف رأسه قائلاً:
هو أنتي يا حبيبتي مينفعش تخدي يوم أجازة من غير نكد؟ ده أحنا حتى مفروض عرسان
وفي شهر العسل، فكي وشك يا بومة، فقرتي اللي جابونا"
ضربته يكوعها في بطنه وقالت بضيق:
" والله العظيم أنت غلس ودمك تقيل "
تعالت ضحكاته فوزا، ونظر إليها بغمزة مشاكسة وقال:
"أحلفي كده أن دمي تقيل "
أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى رافضة منحه متعة الرد، لكنها كانت تعرف جيدا أنه يستمتع بإغاظتها أكثر من أي شيء آخر. اقترب منها أكثر وقال بمزاح:
امم... شكلك زعلانه مني خالص خالص، أنا بقول أسم الله وأصالح. "
اتسعت عيناها بصدمة وقالت:
"لااا وربنا ما يحصل الا به كفايه أرحم نفسك مش على الصبح كده"
انفجر جواد ضاحكا حتى اضطر لأخذ نفس عميق من شدة الضحك، ثم قال:
يخربيت عينيكي صلي على النبي في قلبك، وبعدين يا روح قلبي ده نشاط صباحي "
فشلت جواهر في مقاومة ابتسامتها، لكنها تماسكت بسرعة وقالت:
"لا نشاط صباحي ولا نشاط مسائي، وقوم بقى خد شاور وأجهز علشان ننزل نقطر بره شبه الناس عايزة أشوف باريس شكلها أيه، مش أشوف شكل الاوضه ليل ونهار."
نظر إليها بتجهم مصطنع وقال:
فقريه ومش وش نعمه "
أنهى كلامه ونهض أخيرا من فوق السرير متجها إلى المرحاض، بينما تابعت جواهر خطواته وهي تبتسم رغما عنها. كانت تدرك أن نصف سعادتها معه يكمن في هذه المشاحنات الصغيرة
التي لا تفسد شيئا، بل تمنح أيامهما لونا مختلفا.
نهضت هي الأخرى وبدأت تخرج له الملابس التي سيرتديها، ثم اختارت لنفسها ما يناسب الخروج، وبعد دقائق خرج جواد من المرحاض وهو يجفف شعره واقترب منها ووضع قبلة.
سريعة على خدها قبل أن يتجه إلى السرير ويلتقط ملابسه ويبدأ في ارتدائها.
ابتسمت له يحب ثم دخلت هي إلى المرحاض، وحين انتهت من حمامها وخرجت كانت تشعر بخفة لم تشعر بها منذ أيام طويلة ارتدت ملابسها ووقفت أمام المرأة تمشط شعرها بهدوء، بينما كانت أشعة الشمس المتسللة من النافذة تنعكس على ملامحها فتكسبها إشراقا خاصا. وقف جواد خلفها، وأحاطها بذراعيه قبل أن يطبع قبلة دافئة على عنقها، ثم نظر إلى انعكاسهما في المرأة وقال:
"بحبك يا جوهرتي "
ارتسمت ابتسامة عاشقة على شفتيها وقالت:
وانا بعشقك يا قلب جوهرتك "
أخرج من جيب بنطاله قلادة رقيقة، وبدأ يضعها حول عنقها بعناية، وما إن أغلق قفلها حتى رفع عينيه نحو المرأة وسألها:
" ايه رأيك ؟"
لمعت عيناها بسعادة وهى تتأملها، ثم مررت أصابعها فوقها بإعجاب واضح قبل أن تستدير نحوه وتحتضنه بقوة قائلة:
الله حلوه أوي يا جواد، بحبك بعشقك بموت فيك يا أبن ضرغام"
ضمها إلى صدره بقوة، ثم قبل رأسها بعشق وقال:
"أنتي أجمل حاجه في حياتي، حب عمري كله، ربنا يقدرني وأقدر أسعدك، بعشقك يا جوهرتي " ابتعدت قليلا عن حضنه، لكنها ظلت تنظر إليه بعينين ممثلتين بالحب، ثم قالت بصوت صادق خرج من أعماق قلبها:
انت عارف يا جواد، لما شفتك قبل كده مع البنت دي كنت هتجنن مكنتش متخيله ازاي قدرت تعمل كده مع غيري، لدرجة كنت يهرب من الحقيقه دي بالنوم، كنت كل مره يشوف صورة ليكم كده مع بعض، بحس بسكينه بارده بتدبحني، ولحد دلوقتي مش متخيله أزاي أنت قدرت تعمل کده
اختفت ابتسامته العابثة، وحل محلها دفء هادئ وهو يضم وجهها بين كفيه وقال:
بس أنا عمري ما عملت كده، ولا أقدر ألمس واحده غيرك أنا قلتلك أن هقولك الحقيقه في وقتها و ده وقته یا جواهر البنت دي كانت أول خيط للست اللي اسمها مريم، بابا شك فيها. وطلب مني أن أتقرب منها علشان أعرف عنها كل حاجه، وكنت بعمل كده كشغل، وهي اتاري كانت خطتها أنها تدمر علاقتنا علشان أخوها يضحك عليك، وطبقا كل ده كان مخطط خالتهم مريم، والصور دي مكانتش الحقيقة خالص، يشهد ربنا أني عمري ما لامست واحده غيرك، والله العظيم يا جواهر دي الحقيقه أني عمري ما خنتك ولا عيوني شافت غيرك "
شعرت جواهر وكأن حملا ثقيلا كان جائها فوق قلبها لسنوات قد أزيح أخيرا، انهمرت دموعها
دون أن تشعر، لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة، بل دموع راحة وسعادة وطمأنينة. كانت تلك
الصور تطاردها كلما أغلقت عينيها، وتسرق منها النوم والسكينة، أما الآن فقد انطفأت كل تلك
الأشباح دفعة واحدة ارتمت بين ذراعيه بقوة وقالت بعدم تصديق "أنا مش مصدقة نفسي يا جواد، أنت متعرفش الموضوع ده كان مأثر عليا أزاي؟ تخيلات كثير أوي كانت بتيجي في دماغي، متخلنيش أعرف أنام بليل، أنت أجمل وأعظم راجل في الدنيا كلها. "
ضمها جواد أكثر إلى صدره، وقبل عنقها بحنان وقال :
وانتي نصي الحلو في الدنيا يا جوهرتي " ثم ابتعد عنها قليلا وأمسك يدها وقال بمزاح وهو يحاول كسر الجو العاطفي الذي بدأ يسيطر عليهما:
"يلا بقى أمشي بدل ما أتجنن وألفي الخروجه دي، ونقضيها هنا في مواضيع مهمه " أنهى كلامه بغمزة شقية جعلت جواهر تنتفض من مكانها فوزا وتتحرك نحو الباب وهي تقول بسرعة
وربنا ما يحصل، أنا عايزة اشووف باريس يا ناااس
تعالت ضحكات جواد وهو يتبعها إلى الخارج، ثم غادرا الفندق مقا، يتجولان بين شوارع باريس المزدحمة بالحياة، يتناولان طعامهما ويصنعان ذكريات جديدة، بينما كانت المدينة من حولهما تبدو أقل جمالا من السعادة التي تملأ قلبيهما في تلك اللحظة.
عند رنيم ....
استيقظت من نومها بعد ساعات طويلة من الإرهاق والبكاء، لكن النوم لم يمنحها الراحة التي كانت تحتاجها. فتحت عينيها ببطء وهي تشعر بنقل هائل فوق رأسها، اعتدلت في جلستها بصعوبة، ثم رفعت يدها إلى رأسها تفركه بأصابع مرتجفة محاولة تخفيف ذلك الألم الذي كان يضغط على أعصابها بقسوة.
ظلت جالسة لثوان تحاول استيعاب المكان من حولها، لكن الحقيقة عادت لتصفعها من جديد. شاهين ليس هنا.
لم يكن الأمر مجرد فكرة عابرة، بل حقيقة مؤلمة كانت تلازمها مع كل نفس تأخذه، أنزلت قدميها إلى الأرض وتحركت ببطء نحو باب الغرفة، وما إن خرجت حتى توقفت مكانها تلقائيا. سقطت عيناها على الأريكة.
الأريكة نفسها التي اعتادت أن تراه نائما فوقها أحيانا حين يسهر حتى الفجر، أو يجلس عليها ينتظرها بينما يتظاهر بالانشغال بشيء آخر. للحظة خيل إليها أنها ستراه هناك، بنفس جلسته المعتادة، بنفس نظرته التي كانت تبعث الطمانينة في قلبها، لكن المكان كان خاليا. كما كان دائما خلال اليومين الماضيين.
شعرت بغصة مؤلمة تخلقها، وانهمرت الدموع على خديها دون مقاومة، لكنها أجبرت نفسها على التحرك نحو المطبخ. وقفت أمام الموقد تعد كوبا من الشاي، وحين ارتفع البخار أمام عينيها
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة موجوعة سرعان ما انكسرت
كم مرة استيقظت التجده سبقها إلى هنا؟
كم مرة وجدته يعد لها الشاي والإفطار قبل أن تفتح عينيها أصلا؟
كم مرة تشاجرت معه على شيء تافه بينما كان يحاول فقط أن يراها سعيدة؟
وضعت يدها على وجهها وأجهشت بالبكاء من جديد.
لقد اشتاقت إليه حد الجنون.
اشتاقت إلى صوته. إلى حضوره.
إلى تفاصيله الصغيرة التي كانت تراها عادية في الماضي وأصبحت الآن أثمن من أي شيء آخر. وفجأة لم تعد قادرة على البقاء داخل الشقة أكثر.
تحركت إلى الخارج دون تفكير، فتحت الباب وغادرت شقتها، ثم اتجهت مباشرة إلى شقة شاهين، وقفت أمام الباب.
رفعت يدها وطرقت بقوة.
ثم بدأت تضغط على الجرس بإلحاح.
كانت تدق يعنف وكأنها تحاول انتزاعه من خلف الباب بالقوة تحاول تقنع نفسها بأنه موجود بالداخل لكنه يرفض الفتح فقط. لكن لا أحد أجاب.
استمرت عدة دقائق على هذا الحال حتى خارت قواها تماما..
جلست أمام الباب وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم انفجرت بالبكاء وهي تقول بين شهقاتها:
وحشتني اوي يا شاهين ارجوك ارجع ليا، مش قادرة أعيش من غيرك والله، الموت اهون من
أن أعيش لحظة بعيد عن حضنك"
كانت الكلمات تخرج من قلب ممزق فعلا، قلب لم يعد يعرف كيف يستمر وهو محروم ممن
أصبح عالمه كله.
وفي تلك اللحظة شعرت بيد تربت برفق على كتفها.
انتقض قلبها داخل صدرها.
رفعت رأسها بسرعة وقد اشتعلت عيناها بالأمل، ظنت أنه عاد.
ظنت أن دعاءها استجيب أخيرا.
لكن ما أن وقعت عيناها على الوجه الواقف أمامها حتى انطفأ ذلك الأمل في لحظة. كانت ترنيم.
انخفض رأسها مرة أخرى وقالت بصوت مختنق
"فكرتك شاهين "
شعرت ترنيم وكان سكينا مر فوق قلبها.
كانت ترى الألم في عيني رنيم بصورة واضحة، ألفا تعرفه جيدا أكثر مما تتمنى، مالت نحوها
وأمسكت يدها برفق وقالت:
"قومي معايا يا حبيبتي "
حرکت رنيم رأسها بالرفض سريعا وقالت بين دموعها:
لا مش هتحرك من هنا، غير لما شاهين يرجع تاني ليا، أنا مش قادرة أعيش من غيره"
اجبرتها ترنيم على الوقوف يرفق ثم احتضنتها بقوة.
احتضان أم تعرف تماما حجم الجرح الذي ينزف داخل ابنتها.
وتكلمت بصوت مرتعش اختلطت فيه الذكريات بالألم:
حاسه بيكي يا رنيم وجع قلبك وحرقته، نفسك اللي بيروح وروحك اللي بتتسحب منك
الدموع اللي مش قادره توقفيها وإنكار الواقع، كل ده حاصه بي. "
تمسكت بها رنيم بقوة أكبر تتشبث بشخص يفهم أخيرا ما تمر به، وقالت بین شهقاتها
أغلقت ترنيم عينيها. وسالت دموعها بصمت.
"أنا يحب شاهين أوى، ومش قادره أعيش ثانيه واحده من غيره، يااارب أنا بموت"
كانت ترى نفسها قبل سنوات طويلة.
ترى تلك الفتاة التي كانت تتنفس باسم سلطان، والتي شعرت يوما أن الحياة انتهت حين ابتعد
عنها.
كانت تعرف هذا الألم. تعرفه حد الرعب.
لذلك ربتت على ظهرها بحنان وقالت:
أهدي يا حبيبتي، شاهين كمان بيحبك، وميقدرش يعيش بعيد عنك كتير هياخد وقته علشان يهدا وهير جعلك على طول "
ابتعدت رنيم قليلا عن حضتها ونظرت إليها بعينين غارقتين في الدموع قبل أن تسأل بصوت
موجوع
انتي ازاي قدرتي تستحملي تعيشي بعيد عن بابا؟"
ابتسمت ترنيم ابتسامة باهتة رغم الدموع التي تملأ عينيها وقالت:
علشان هو عايش في قلبي يا رنيم مش كل فراق نهاية، فيه فراق بيعيش جوه القلب آه بيكون مؤلم جدا، بس أثره في القلب أقوى مليون مرة من حب أعيش فيه انانيه على حساب حد غيري "
سالتها رئيم بصوت مختنق
قصدك عليا أنا وماما ؟"
أومات ترنيم برأسها وقالت بهدوء:
"أيوه يا رئيم، أنا أخترت أحتفظ بحب أبوكي في قلبي، وأبعد علشان مخدهوش منكم مش
هنكر أن أوقات كثير كنت بضعف، كان يبقى نفسي أجري واترمي في حضنه، أقوله أنت ليا أنا
ويس، لكن كنت بشوف عيونك وقد أيه أنتي متعلقه بي، كنت أرجع انسحب أكثر منكرش أن
غريب ساعدني كثير على ده، وأستحمل مني كتير وعلشان كده أنا حبيته"
وضعت رنيم يدها على وجهها وهي تبكي وقالت:
بس انا مش هقدر أكون زيك مش هقدر أعيش من غيره مش هقدر أكون لغيره، والله العظيم ما هقدر."
احتضنتها ترنيم من جديد وريتت على ظهرها بحنان أمومي خالص وقالت:
عارفه يا حبيبتي، وأنا متمناش ليكي انك تعيشي نفس اللي عيشته، أهدي بس وأنا مش
هسكت غير لما ارجعكم تاني لبعض "
تم ابتعدت عنها قليلا ونظرت إليها وقالت:
" أحنا مسافرين بكرة تركيا، ياريت تيجي معانا، وأهو تغيري جو، ايه رأيك"
حرکت رنیم رأسها بالرفض فوزا وقالت بصوت مختلق
"لا مش هتحرك من هنا، علشان لما شاهين يرجع يلاقيني مستنيه"
تأملتها ترنيم بحزن.
كانت تعرف أن الإصرار الذي تسمعه الآن يشبه إصرارها هي في الماضي.
لذلك لم تحاول الضغط عليها أكثر.
اكتفت بالإيماء برأسها وقالت:
عموما لو حبيتي في أي وقت تيجي، أتصلي بيا وأنا هبعت حد يخدك "
أومأت رنيم برأسها ثم أعادت خصلات شعرها خلف أذنها وقالت بتوتر:
"ش شكرا"
ابتسمت ترنيم بحنان وقالت:
"مافيش بنوته بتشكر مامتها على حاجه عملتها ليها."
تجمدت رنيم للحظة. ثم سالت دموع جديدة من عينيها.
كانت تلك أول مرة تشعر فعلا بمعنى هذه الكلمة.
رفعت عينيها نحو ترنيم وقالت بندم حقيقي:
أسفه على كل لحظة جرحتك فيها، أسفه أني محستش بوجعك في يوم من الأيام، أسفه على أن كنت شيفاكي واحده أنانيه، وكنتي خاطفه بابا مننا، أنا فعلاً حاسه بيكي دلوقتي، وعرفت قد
أيه اتعذبتي وأنتي بعيده عن بابا."
لم تستطع ترنيم الرد فورا.
فقد كانت تلك الكلمات هي الشيء الذي انتظرته لسنوات طويلة.
سنوات كاملة كانت تحلم خلالها فقط أن تفهمها رنيم. أن تراها كما هي.
أن تعرف أنها لم تكن عدوة يوما.
انفجرت دموعها بغزارة، واقتربت من رنيم تحتضنها بقوة وقالت:
"أنا كنت مستنيه اللحظة دي من زمان أوي يا رنيم، أنا بحبك أوى يا بنتي "
تمسكت رنيم بها بقوة أكبر.
وظلت الاثنتان تبكيان داخل أحضان بعضهما البعض.
بعد مرور عدة شهور....
مرت الأيام ثقيلة على الجميع، لكن وقعها على رنيم كان مختلفا تماما، لم تكن تعيش بالمعنى الحقيقي للحياة، بل كانت تتحرك داخلها كجسد يؤدي واجباته اليومية بينما بقيت روحها عالقة في مكان آخر، في ذلك اليوم الذي اختفى فيه شاهين دون أن يترك خلفه سوى الفراغ، حاولت أن تلهى نفسها بالعمل، أغرقت ساعاتها بين الملفات والاجتماعات والمشروعات، بحثت عنه بكل الطرق الممكنة، استعانت بكل من تستطيع الوصول إليه، فتشت خلف أي خيط قد يقودها إليه أو يمنحها مجرد خير عنه، لكنها كانت تعود في كل مرة خالية الوفاض، ومع كل محاولة فاشلة كانت تشعر أن جزءا جديدًا من قلبها ينهار، أصبحت الدموع رفيقتها الدائمة، تزورها في الصباحقبل أن تغادر منزلها، وتنتظرها في المساء حين تعود إلى وحدتها القاسية.
أما جواهر فقد عادت إلى عملها بالشركة بكل طاقتها، وعادت معها ابتسامتها وحيويتها. كانت تعيش واحدة من أسعد فترات حياتها برفقة جواد، الذي رفض بإصرار أن يترك مصر ويسافر مع والده إلى تركيا. فضل البقاء لإدارة الشركة بنفسه، خاصة بعدما تمسكت جواهر بالبقاء بجوار
والدتها ورنيم. ولم يشأ أن يبعدها عن الأشخاص الذين يحتاجون إليها.
وأروى كانت ما تزال تخوض معركتها الخاصة مع العلاج النفسي خطوة صغيرة تليها خطوة أصغر بينما ظل أحمد يحاول الاقتراب منها بين الحين والآخر، لكنها كانت ترفض جميع
محاولاته بإصرار لا يتغير.
أما غريب وترنيم فقد استقرا في تركيا طوال تلك الفترة، رغم أن ترنيم لم تتوقف عن محاولاتها للعودة إلى أرض الوطن، كانت تشتاق إلى كل شيء تركته خلقها، لكن الظروف كانت أقوى من رغبتها.
أما زين، فقد انتهت محاكمته بالحكم الذي انتظره الجميع الإعدام شنقا على جميع جرائمه.
أما شاهين.....
فكان الغائب الحاضر في حياة الجميع.
منذ ذلك اليوم انقطعت أخباره تماما، وقد قرر أن يطوي صفحته مع العالم كله ويرحل بعيدا عن
كل من عرفوه، لم يترك خلفه أثرا يقود إليه، ولا خيطا واحدا يمكن تتبعه، حاول الكثيرون الوصول إليه أو معرفة مكان وجوده، لكن جميع المحاولات انتهت إلى الفراغ نفسه. لم يكن أحد يعلم أين يعيش الآن ولا كيف يقضى أيامه، ولا إن كان بخير أم لا. بدا وكأنه انسحب من الحياة التي عرفها الجميع واختار أن يختفي في مكان لا تصل إليه الأعين ولا الأسئلة، تاركا خلفه قلوبا معلقة بعودته، تنتظر خيرا واحدا يطمئنها عليه.
واختفت معه إيما وميا وأماليا.
كانت رنيم تجلس خلف مكتبها الخشبي داخل الشركة، شاردة كعادتها خلال الأشهر الأخيرة.
كانت تحدق في نقطة ثابتة أمامها دون أن تراها حقا، غارقة داخل دوامة أفكار لا تنتهي، دخلت جواهر الغرفة وجلست أمامها، وظلت تنظر إليها عدة لحظات قبل أن تزفر بضيق واضح وتقول:
لا بقى ده مش وضع نفسي أدخل عليكي مرة واحده ومتكونيش سرحانه"
رفعت رنيم عينيها إليها ببطء، وكانت الدموع تلمع داخلهما بصورة مؤلمة وقالت: شاهين وحشني أوي يا جواهر، روحي رافضه ترد فيا غير لما تشوفه."
انقبض قلب جواهر وهى تسمعها. كانت تعرف جيدا حجم الحب الذي جمع بينهما منذ البداية وتعرف أن غياب شاهين لم يترك فراغا عاديا، بل اقتلع شيئا أساسيا من داخل رنيم، لذلك قالت بصوت هادئ مليء بالحنان
"أنسي يا رنيم بقى تلاقيه هو كمان نساكي وعايش حياته مع مراته وبناته، ما هو اختفى
واخدهم معاه شوفي حياتك أنتي كمان هو لا أول ولا آخر راجل في الدنيا."
هزت رنيم رأسها بسرعة، وقالت والدموع تنحدر على خديها:
"لا يا جواهر شاهين اول وآخر راجل بالنسبالي، وعمري ما هكون لغيره حتى لو هو عاش حياته ونساني "
شعرت جواهر بعجز كامل امام ذلك القدر من الحب نهضت من مكانها واقتربت منها ثم جديت
رأسها إلى صدرها تحتضنها بحنان وهي تقول:
ربنا يريح قلبك يا حبيبتي "
تمسكت بها رنيم بقوة، بينما استسلمت للبكاء الذي لم يعد يفارقها. ظلت جواهر تربت على ظهرها وتحرك يدها وسط شعرها بصمت تاركة لها مساحة لتفرغ بعضا من ذلك الألم المتراكم داخلها.
في تلك اللحظة قطع الصمت صوت طرقات على الباب.
اعتدلت جواهر في جلستها سريعا وأذنت للطارق بالدخول.
فتحت السكرتيرة الباب وقالت بنبرتها العملية المعتادة:
باشمهندسه رنیم هتحضري اجتماع الشركات علشان المناقصة بتاعة النهاردة؟ ولا هتعتذري ؟"
اجابت رنیم فوزا دون تفكير
"لا لا مش قادره، اعتذري "
لكن جواهر قاطعتها بسرعة:
"متعتذريش أحنا رايحين"
أومات السكرتيرة برأسها وغادرت الغرفة بعد أن أغلقت الباب خلفها.
التفتت رقيم إليها بضيق وقالت:
"أنا مش هقدر أروح، روحي أنتي بقى "
زفرت جواهر بنفاد صبر وقالت :
کفایه بقی یا رنيم الشركه مبقتش زي الأول، تمام مقدرة اللي أنتي فيه، بس الشغل ملهوش
دعوة بكل ده مصلحة الشركه أهم دلوقتي يا رنيم "
ظلت تنظر إليها عدة لحظات قبل أن تزفر هي الأخرى باستسلام، ثم أومأت برأسها قائلة:
"اوك. يلا بينا."
بعد فترة قصيرة كانتا قد وصلنا إلى مقر الاجتماع.
هبطنا من السيارة ودلفنا إلى المبنى الإداري الضخم حيث كانت تعقد المناقصة، وما إن دخلتا القاعة الواسعة حتى بدت الأجواء مشحونة بالتوتر والترقب ممثلو الشركات المختلفة جلسوا حول الطاولة الطويلة، وأمام كل منهم ملفات ومستندات وعروض مالية وفنية، بينما كانت لجنة
المناقصات تتولى مراجعة الأوراق وفتح المظاريف وسط ترکیز شدید.
جلست رنیم بجوار جواهر بلا اهتمام حقيقي بما يحدث من حولها.
كانت حاضرة بجسدها فقط.
أما عقلها وقلبها فكانا في مكان آخر تماما.
بدأ ممثلو الشركات في تقديم عروضهم تباغا، بينما ظلت هي شاردة لا تنتبه إلا قليلا، وعندما جاء دور شركتهم، دفعتها جواهر بلكزة خفيفة وقدمت الملف أمامها.
استجمعت رئیم نفسها بصعوبة وبدأت تشرح العرض المطلوب، لكن كلماتها خرجت بلا روح، بلا شغف، بلا ذلك الحماس الذي كان يميزها دائما كانت تؤدي واجبا لا أكثر، لذلك لم يترك العرض
الأثر المطلوب لدى اللجنة.
ما إن انتهت حتى زفرت جواهر بضيق و همست لها:
"لا شاطره، ضيعتيها مننا، اتفضلي يا اختي امشي "
ابتسمت رنيم بحزن خافت و نهضت معها استعدادًا للمغادرة.
لكن في اللحظة التالية حدث شيء لم يكن في الحسبان.
سمعت اسما جعل الدم يتجمد داخل عروقها.
"شركة الرواي."
توقفت مكانها فجأة، وكأن الزمن كله توقف معها.
شعرت بقلبها يقفز بعنف داخل صدرها حتى كاد يحطم ضلوعها.
بدأت تستدير ببطء وخوف شديد.
الخوف من أن يكون ما سمعته مجرد وهم جديد من أوهام قلبها المرهق. لكنها ما إن استدارت حتى رأت الرجل الذي كانت تبحث عنه منذ شهور.
كان يقف بالقرب من النافذة الزجاجية الضخمة، منتصب القامة بكل تلك الهيبة التي لم تستطع الأيام أن تنتزعها منه يداه معقودتان خلف ظهره، ونظراته متجهة إلى الخارج كان منفصلا عن كل ما يدور داخل القاعة.
ثم نطق أحدهم باسمه. فاستدار ببطء.
وبهدوء قاتل، ورفع عينيه نحو اللجنة.
في تلك اللحظة تجمد كل شيء من حول رنيم تلاشت أصوات الحاضرين التي كانت تملأ القاعة قبل توان، ويهتت الوجوه من حولها حتى لم تعد تميز أحدا منها. لم تعد ترى الطاولة الطويلة ولا أعضاء اللجنة ولا ممثلى الشركات، فقد انحصرت رؤيتها كلها في شخص واحد فقط، ظل قلبها يخفق بعنف وهي تحدق فيه غير مصدقة أن المسافة الطويلة من الفقد والانتظار انتهت فجأة أمام عينيها. كان هو نفسه الوجه الذي رافق أحلامها كل ليلة، والملامح التي حفظتها روحها أكثر مما حفظتها ذاكرتها، والرجل الذي أرهقها الشوق إليه حتى أصبحت الدموع جزءا من أيامها، الآن فقط، بعدما رأته أمامها من جديد، أدركت حجم الفراغ الذي تركه خلفه، وحجم الجنين الذي
كانت تحمله له طوال تلك الشهور.
اتسعت عيناها بعدم تصديق، وتحركت نحوه، بينما كانت الدموع تتجمع داخل عينيها بسرعة مذهلة.
توقفت أمامه أخيرا، وحدقت فيه طويلاً، ثم خرج اسمه من بين شفتيها مرتجفا، محملا بكل
الشوق والألم والحنين الذي عاشته طوال تلك الشهور:
"شاهين"