تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
الفصل 24 — رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الرابع والعشرون
مرت عدة أيام ثقيلة على الجميع، لكنها لم تكن متشابهة في وطأتها؛ فكل واحد منهم كان يحمل وجعه بطريقته الخاصة، وكأن الأيام لم تعد تمر بالزمن الطبيعي، بل صارت تمر محملة بثقل الفراق والخوف والترقب. وبين هذا كله، كانت هناك مشاعر أخرى تنمو بهدوء، مشاعر لم تزرع عمدًا، لكنها وجدت طريقها رغم الخراب، حتى بدأت بذور الحب تمتد بين قلبين لم يتوقعا يومًا أن يلتقيا بهذا الشكل.
عاشت رنيم خلال تلك الأيام حالة جديدة عليها تمامًا، حياة مختلفة عن كل ما عرفته سابقًا، كأنها تدخل عالمًا آخر لم تختبره من قبل؛ عالم فيه رجل جعل وجوده حولها يمنحها شعورًا غريبًا بالأمان، رغم أن كل المنطق كان يخبرها أن تخاف منه. كانت تحاول فهم نفسها، وتحاول فهم هذا التبدل الذي يحدث داخلها كلما اقترب منها شاهين، لكنها في كل مرة كانت تجد نفسها تستسلم لذلك الشعور دون مقاومة حقيقية.
أما شاهين، فقد تحول تمامًا. لم يعد ذلك الرجل الذي يتحرك وفق خطط مدروسة باردة، بل أصبح عاشقًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رجلًا كرس يومه كله لأجلها، يراقبها، يحميها، يمنع أي خطر من الاقتراب منها، ويعمل في الخفاء على إعادة شركتها إلى وضعها السابق، وكأن إصلاح ما كسره بيده يومًا أصبح الآن دينًا عليه سداده.
أما جواد وجواهر، فكانت حياتهما أشبه بمن يسير فوق جمر مشتعل؛ لا يستطيع أحدهما التراجع، ولا يقدر على الاحتمال. كانت جواهر تشتاق إليه حد الاختناق، تتمنى لو تختفي تلك القضبان الحديدية التي تفصلها عنه وتعود إليه، تعود إلى حضنه الذي كان دائمًا ملاذها الوحيد، بينما كان جواد يعيش كل يوم وهو يحترق بالعجز، يبحث بجنون عن الحقيقة، عن القاتل الحقيقي، عن أي خيط ينقذها من ذلك المكان الذي يسلب منها الحياة يومًا بعد يوم.
وفي صباح يوم جديد، استيقظت رنيم على صوت هاتفها يرن بجوارها. كانت لا تزال غارقة بين النوم واليقظة، لكن ما إن وقع نظرها على الاسم حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها دون إرادة، ابتسامة أصبحت تزورها كلما كان هو الطرف الآخر. مدت يدها والتقطت الهاتف، ثم أجابت وهي ما تزال مغمضة العينين وقالت:
"صباح الخير."
أتاها صوته، ذلك الصوت الذي بات مألوفًا لقلبها أكثر مما ينبغي، لكنه هذه المرة لم يحمل دفء عادته، بل كان جادًا بشكل جعل ابتسامتها تتلاشى قليلًا، وهو يقول:
"صباح النور، اطلعي البلكونه، بس ألبسي حاجة تقيلة علشان متبرديش."
فتحت عينيها فورًا، وقد التقطت ذلك التغير في نبرته، وعقدت حاجبيها بقلق واضح وهي تقول:
"شاهين! مال صوتك؟"
تنهد بضيق، وكأن الكلام يثقله، ثم قال بصوت مختنق:
"تعالي بس وهقولك."
أغلقت الخط سريعًا ونهضت من سريرها دون تردد، شعور القلق بدأ يتمدد داخلها بلا سبب واضح، وتحركت بخطوات سريعة نحو الشرفة، وما إن خرجت حتى وقع بصرها عليه في الشرفة المقابلة، لكنها توقفت فورًا عند ملامحه. كان وجهه متجهمًا على غير عادته، وعيناه تحملان شيئًا ثقيلًا، شيئًا لم تستطع تفسيره، فقالت بقلق واضح:
"خير يا شاهين قلقتني؟"
أغمض عينيه للحظة وكأن غضبه يضغط على صدره، وقبض على سور الشرفة بقوة قبل أن يقول بصوت مختنق:
"مستعده تعرفي القاتل الحقيقي يا رنيم؟"
تسمرت للحظة مكانها، واتسعت عيناها بدهشة، وكأن الكلمات احتاجت وقتًا حتى تستقر داخلها، ثم أومأت سريعًا وقالت:
"أيوه طبعا مستعدة يا شاهين، بس ليه وشك عامل كده؟ ه هو فيه حاجة؟"
أشار لها بيده أن تقترب أكثر، وما إن اقتربت حتى خلع سترته ووضعها على كتفيها بنفس العناية المعتادة، رغم كل ما بدا عليه من اضطراب، وقال:
"قلتلك ألبسي حاجة تقيله هتبردي."
شدت السترة حول جسدها، لكنها لم تكن قادرة على مجاراة هذا الهدوء منه وهي تشعر أن شيئًا خطيرًا على وشك أن يقال، فتحدثت بنفاد صبر:
"يا شاهين اتكلم بقى، قولي مين."
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة، نظرة حملت ترددًا واضحًا، وكأنه كان يزن ما سيحدث بعدها، ثم قال بنبرة هادئة ثقيلة:
"أنا قبل كده قلتلك هخليكي تثبتي براءة جواهر بنفسك، وهو ده اللي هعمله يا رنيم هديكي الخط اللي تمشي عليه، ومتخافيش هكون معاكي ومش هسيبك لوحدك."
ازدادت حيرتها، وشعرت أن كل كلمة منه تزيد الأمور غموضًا، فقالت بتوتر واضح:
"ط طيب ما تقول انت مدام عارفه، النهاردة الجلسة التانيه لجواهر، لازم نقدمه النهاردة."
هز رأسه بالرفض، وكان واضحًا أن الأمر بالنسبة له ليس بهذه السهولة، وقال:
"مش هينفع يا رنيم، مش هتصدقي، غير لما تشوفي وتسمعي بنفسك."
عقدت حاجبيها أكثر وهي تقول بحيرة حقيقية:
"ومش هصدق ليه يا شاهين؟"
زفر بضيق، وقد بدأ نفاد صبره يظهر، لكنه كان يعرف أن ما يمنعه من الكلام الآن هو خوفه عليها من وقع الحقيقة، فقال:
"هو انتي هيحصلك حاجة لو قولتي حاضر ونفذتي من غير أسأله كتير؟"
نظرت له بضيق واضح، وبرغم التوتر الذي يملأها خرجت منها نبرة طفولية متذمرة وهي تقول:
"وانت هيحصلك حاجة لو اتكلمت على طول من غير ألغاز أو من غير ما تعلقني كده؟"
ورغم ثقل اللحظة، تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيه، تلك الطريقة الخاصة بها دائمًا كانت قادرة على كسر حدة غضبه، فقال بصوت هامس يحمل شيئًا من العشق:
"انتي عارفه لو مكانش السور اللي ما بينا ده كنت عملت فيكي ايه دلوقتي؟ يا بنتي أرحمي امي المشلولة اللي جوه دي، أنا بنهار بسببك."
لكن ما إن خرجت منه تلك الجملة حتى رأى التغير الفوري على ملامحها؛ اختفت ليونتها فجأة، وكأن ذكر مريم أعادها للحقيقة التي تحاول تناسيها. شعر بندمه فورًا، وأدرك أنه لمس جرحًا مفتوحًا بداخلها، فسارع يقول:
"حقك عليا، متزعليش، أنا كان قصدي أهزر معاكي."
رفعت عينيها إليه، وكان الوجع واضحًا فيهما وهي تقول بصوت مختنق:
"للاسف دي الحقيقه يا شاهين، مريم امك، وهتفضل تعكر علينا حياتنا كل ما ندرك الحقيقه دي."
مد يده إليها دون تفكير، أمسك يدها برفق وكأنه يحاول احتواء هذا الوجع الذي تسبب فيه، ثم قبلها بحب وقال:
"طول ما انا عايش، هعيش علشان ضحكتك تفضل منورة وشك، وأي حاجه تعكر حياتك أنا همحيها من الدنيا."
نظرت إليه بوجع، كانت تصدقه، تعرف أنه صادق، لكن الحقيقة التي بينهما كانت أثقل من أي وعد، فسحبت يدها برفق وقالت بصوت مختنق:
"هروح اجهز، علشان نلحق نجيب المجرم الحقيقي ونسلمه."
رفعت يدها لتخلع سترته وتعيدها له، لكنه أوقفها سريعًا وقال:
"خليه اوعي تقعليه، هتبردي."
أومأت برأسها في صمت، ثم استدارت ودخلت إلى الداخل، بينما ظل هو واقفًا مكانه يتابع أثرها بعينين مثقلتين بكل ما يحمله صدره من اختناق. كانت الحقيقة التي ستعرفها بعد قليل كفيلة بإشعال كل شيء، ولم يكن خوفه من كشف القاتل بقدر خوفه من اللحظة التي ستعرف فيها أن هذا القاتل هو أخوها، وأن قلبها سيكون ممزقًا بين دم أخيها وبراءة جواهر التي تعتبرها روحًا منها. زفر بضيق، ثم استدار وتحرك إلى الداخل، وهو يشعر أن الساعات القادمة لن تمر بسهولة على أحد.
****************************
عند غريب...
استيقظ جواد من نومه بصعوبة، كعادته في الأيام الأخيرة، وكأن النوم لم يعد راحة له بل مجرد استراحة قصيرة من الوجع قبل أن يعود إليه من جديد. كان الألم يضرب رأسه بقوة، وعيناه ثقيلتان من السهر الطويل، فهو لم يعد يعرف معنى النوم الحقيقي منذ دخلت جواهر ذلك المكان. كل ليلة كان يقضيها مستيقظًا، يتقلب بين الذكريات والخوف والدعاء، حتى أصبح جسده مرهقًا وروحه أكثر إنهاكًا من جسده.
فتح عينيه بصعوبة، وحدق في سقف الغرفة لثوانٍ طويلة، كأن عقله يحتاج وقتًا ليستوعب أنه دخل صباحًا جديدًا من نفس المعاناة. اعتدل على فراشه ببطء، ثم مرر يده على وجهه محاولًا أن يطرد آثار الإرهاق عنه، لكنه كان يعلم أن الإرهاق الحقيقي ليس في جسده، بل في قلبه الذي لم يعرف الهدوء منذ غابت جواهر عن حضنه.
زفر بضيق ونهض من فراشه، واتجه إلى المرحاض بخطوات ثقيلة، ثم نزع ملابسه وفتح الماء البارد على جسده، كأنه يحاول أن يوقظ نفسه بالقوة، أن يطرد ذلك الخمول الذي فرضه عليه الحزن. انسابت المياه فوقه، لكنه لم يشعر بأنها تخفف شيئًا، فالوجع الذي بداخله لم يكن شيئًا يمكن للماء أن يطفئه.
بعد دقائق خرج، ارتدى ملابسه سريعًا، ثم غادر غرفته وهبط إلى الأسفل، ليجد والده ما زال جالسًا في مكانه كأن الليل لم يمر عليه هو الآخر. كان واضحًا أن غريب أيضًا لم ينم كما يجب، فالأزمة لم تكن تخص جواد وحده، بل أصابت البيت كله بثقلها.
جلس جواد على المقعد المقابل له، وصوته خرج مثقلًا بما يشعر به:
"صباح الخير."
رفع غريب نظره إليه، وتأمله للحظة، فرأى في ملامحه الإرهاق والوجع والحزن الذي يحاول إخفاءه، ثم قال بهدوء:
"صباح النور."
ظل جواد صامتًا للحظات، وكأن أول ما خطر على ذهنه لم يكن نفسه، بل المحكمة، والجلسة، وجواهر، ثم قال بصوت مختنق:
"ماما وخالتوا سميه جهزوا ولا لسه؟"
أجابه غريب بهدوء وهو يحاول أن يخفف عنه:
"جهزوا وشوية وهيرحوا مع الحرس على المحكمة."
أومأ جواد برأسه، ثم عاد للصمت، ذلك الصمت الذي أصبح رفيقه في الأيام الأخيرة. لم يكن يعرف ماذا يقول، ولا ماذا يفعل، سوى أنه يشعر بالعجز ينهش داخله كل يوم أكثر.
نظر إليه غريب طويلًا، كان يرى ذلك الانكسار الذي يحاول ابنه إخفاءه، فمد يده وربت على ساقه بحنان الأب الذي يعرف وجع ابنه دون أن يطلب تفسيرًا، ثم قال بصوت هادئ:
"سيبها على ربنا، المحامين بيقولوا هيحاولوا يأجلوا النهاردة كمان، على ما يقدروا يوصلوا لاثبتات قوية علشان يقوى موقف جواهر فى القضيه."
رفع جواد عينيه إليه، لكن نظراته كانت ممتلئة بوجع حقيقي، ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا تحمل فرحًا بقدر ما تحمل قهرًا وقال:
"أنا مش عايز يأجلوا يا بابا، أنا عايز يخرجوا جواهر من المكان ده، عايزهم يرجعوها تاني لحضني."
خرجت الجملة منه كاعتراف موجوع أكثر منها مجرد أمنية، وكأن كل ما يريده من الدنيا الآن هو أن تعود إليه، أن يطمئن بأنها بخير، أن يراها أمامه بعيدًا عن تلك القضبان التي تسرق روحه كلما رآها خلفها.
أومأ غريب برأسه، وحاول أن يزرع داخله شيئًا من الأمل وهو يقول:
"هتخرج صدقني وهترجع تاني لحضنك وهيتقفل عليكم باب واحد وتجيبوا لينا احفاد كتير اوي."
أغمض جواد عينيه للحظة، وكأن تلك الصورة وحدها كانت كفيلة بأن تهز قلبه؛ جواهر معه، في بيته، بين يديه، حياة طبيعية كان يحلم بها، لكنه الآن يشعر أنها بعيدة المنال، ثم قال بصوت خرج مثقلًا بالدعاء والرجاء:
"يارب يا بابا يارب."
اقترب غريب بجسده قليلًا، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الجدية:
"انت عرفت أن وحيد اخوها اختفى ومش قادرين يوصلوا ليه؟"
فتح جواد عينيه فورًا ونظر إليه بعدم فهم، وكأن الخبر وقع عليه فجأة، ثم قال باستغراب واضح:
"أختفى!؟ ازاي يعني مش فاهم؟"
أجابه غريب موضحًا الأمر:
"المحامين بيقولوا طلبوا شهادته بس لحد دلوقتي مش قادرين يوصلوا ليه."
عقد جواد حاجبيه، وبدأت الأفكار تتحرك داخل رأسه بسرعة، فاختفاء وحيد في هذا التوقيت لم يكن أمرًا عاديًا أبدًا، خاصة مع كل ما يحدث، ثم حرك كتفيه وقال بصوت يحمل الشك:
"غريبه، مش بعيد مريم دي وراه اختفائة ده."
ساد الصمت للحظة، لكن جواد لم يعد يحتمل الجلوس أكثر. كان يشعر أن كل دقيقة تمر وهو بعيد عن المحكمة تسرق منه شيئًا، وكأن وجوده هناك، حتى لو لم يفعل شيئًا، يخفف عنه جزءًا من عجزه.
اعتدل بجسده ونهض من مكانه، ثم قال بصوت مختنق لكنه حاسم:
"هروح انا على المحكمة علشان اكون جنبها اول ما توصل."
رفع غريب رأسه إليه وأومأ موافقًا، وهو يعلم أن لا شيء سيمنعه عن الذهاب، فقال:
"ماشي روح وانا شوية وجاي وراك."
أومأ جواد برأسه، ثم تحرك سريعًا إلى الخارج. كانت خطواته تحمل استعجالًا واضحًا، كأن قلبه يسبقه إلى هناك. ركب سيارته وأدار المحرك، ثم انطلق بها مسرعًا نحو المحكمة، وعقله وقلبه كلاهما هناك، عند جواهر، ينتظران لحظة قد تغير مصيرهما كله.
***************************
ما إن انتهت رنيم من تجهيز نفسها، وقفت للحظات أمام المرآة تحاول أن تثبت اضطرابها الداخلي. منذ أن أخبرها شاهين أنه سيجعلها تصل للحقيقة بنفسها، وقلبها لم يعرف الراحة. كانت تشعر أن شيئًا ثقيلًا ينتظرها، شيئًا سيغير كل ما تعرفه، أخذت نفسًا عميقًا، ثم اتجهت نحو الباب وخرجت من شقتها.
وقفت أمام باب شقة شاهين تنتظر خروجه، وعيناها تتعلقان بالباب وكأنها تريد أن تنتزع منه السر الذي يخبئه عنها. نظرت إلى ساعة يدها، فوجدت الوقت يمر ببطء شديد، حتى صار الانتظار يرهق أعصابها أكثر من الفكرة نفسها. زفرت بضيق، ثم تحركت نحوه وضغطت على زر الجرس، وهي تتوقع أن يفتح لها شاهين الباب في أي لحظة.
لكن ما إن انفتح الباب حتى تجمدت ملامحها، حين وجدت مريم أمامها جالسة على مقعدها.
مجرد رؤيتها كانت كافية لتفسد صفوها وتعيد داخلها كل ما تحمله من كره قديم ووجع لم يهدأ. أغلقت عينيها بغضب واضح، وأدارت وجهها للجهة الأخرى، وكأن النظر إليها وحده عبء ثقيل، ثم رفعت صوتها تهتف متعمدة تجاهل وجودها:
"شاهين، يا شاهين لو خلصت يلا بينا."
راقبتها مريم بعينين تضجان بالخبث، وابتسامة باردة بدأت ترتسم فوق شفتيها، ثم اقتربت منها بمقعدها قليلًا وكأنها تستمتع بإرباكها، وقالت بنبرة مستفزة:
"شايفه أن علاقتكم ببعض بتقوى كل يوم أكتر من اليوم اللي قبله، والصراحه مش مرتاحه للعلاقة دي، علشان كده مش عايزكي تفرحي اوي."
ثم مالت نحوها أكثر، حتى صار صوتها أقرب للهمس السام، وقالت:
"علشان شاهين ابن مريم، تربيتي أنا، شارب من شري، ومهما حاولتي تغيري فيه، اللي فى دمه عمره ما هيتغير."
ثم عادت إلى الخلف بمقعدها، وهي تراقب أثر كلماتها على وجه رنيم، وكأنها تنتظر أن ترى فيه انكسارًا أو خوفًا.
لكن رنيم لم تمنحها ما أرادت.
نظرت إليها باشمئزاز واضح، وفي داخلها اشتعل التحدي أكثر. كانت تعرف أن مريم تريد أن تهز ثقتها في شاهين، أن تزرع داخلها الشك، لكنها في تلك اللحظة شعرت بيقين غريب تجاهه، يقين لم تعرفه مع أحد من قبل. رفعت رأسها وردت عليها بثبات ونبرة متحدية:
"شرك في دمه أه، لكن أنا حبي في قلبه، والحب أقوى من الشر بمراحل، ومش محتاجة أعمل أي مجهود علشان اغيره."
ثم انحنت قليلًا نحوها، واقتربت من أذنها بنفس القدر من التحدي الذي بدأت به مريم حديثها، وهمست بثقة واضحة:
"علشان هو اتغير فعلا، وحبي اللي فى قلبه اهم مليون مره عنده، من شرك اللي فى دمه يا مريومه."
ثم اعتدلت مرة أخرى، وعقدت ذراعيها على صدرها، وابتسامة التحدي ترتسم فوق شفتيها وكأنها تعلن انتصارها في معركة صامتة.
في الداخل، كان شاهين يقف عند حافة باب غرفته، يراقب كل ما يحدث في صمت. لم يتدخل عمدًا، لأنه أراد أن يعرف كيف ستتصرف رنيم أمام والدته حين لا يكون واقفًا بينهما، وأراد أن يسمع الحقيقة من قلبها دون تأثير منه.
وحين وصلت كلماتها إلى أذنه، شعر بشيء يهتز داخله بعنف.
قلبه الذي اعتاد القسوة، وجد نفسه يلين أمام تلك الثقة التي منحته إياها، أمام يقينها بأنه اختارها هي، وأن حبها غلب كل ما زرعته فيه مريم طوال عمره. ارتسمت على شفتيه ابتسامة حقيقية، نادرة، دافئة، لكنه أخفاها سريعًا قبل أن يظهر أمامهما، ثم تنحنح متعمدًا ليعلن وجوده.
ما إن سمعت رنيم صوته حتى اعتدلت في وقفتها سريعًا، وكأنها لم تكن قبل لحظات تخوض حربًا كاملة مع والدته، وما إن رأته حتى قالت بتوتر تخفي به ارتباكها:
"هنتأخر يا شاهين يلا بسرعة."
ابتسم لها بحب، كانت عيناه ما تزالان تحملان أثر ما سمعه منها قبل قليل، ثم أومأ برأسه وقال:
"أنا خلاص جاهز يلا بينا."
ثم التفت إلى والدته، وتبدلت ملامحه قليلًا وهو يقول بصوت مختنق يحمل ضيقًا واضحًا:
"ادخلي يلا يا ماما جوه."
نظرت لهما مريم بعينين تمتلئان بالغضب، شعرت أن الأمور تنفلت من يدها أكثر كل يوم، وأن شاهين يبتعد عنها لصالحها هي، ثم قالت بصوت يحمل وعيدًا واضحًا:
"متفرحوش اوي كده، علشان جراب مريم لسه فيه كتير."
ثم استدارت بمقعدها إلى الداخل، ودفعت الباب بقوة خلفها وكأنها تفرغ غضبها فيه.
أغلق شاهين عينيه للحظة، وكأنه يحاول أن يتجاوز ثقل وجودها وكلماتها، ثم التفت إلى رنيم ومد يده إليها، أمسك يدها وقبلها بحب صادق، وقال بنبرة عاشقة خرجت من قلبه مباشرة:
"جاهزة يا قلب وعمر شاهين؟"
رفعت عينيها إليه، وشعرت أن مجرد وجوده بجوارها يمنحها طمأنينة رغم كل ما ينتظرها، ثم أومأت برأسها وقالت:
"جاهزة يلا بينا."
احتضن يدها داخل كفه، وكأنه يطمئنها بصمته قبل كلماته، ثم أنزلها معه إلى الأسفل وهو ما يزال محتفظًا بها، غير راغب في تركها ولو للحظة.
أنزلت رنيم بصرها إلى يده الممسكة بيدها، وتأملت ذلك التشابك البسيط الذي كان يحمل معنى أكبر من مجرد لمسة. شعرت بدفء غريب يتسلل إلى قلبها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة لم تستطع منعها.
دخل الاثنان إلى المصعد، وظلت يده تحيط بيدها طوال الطريق، وكأنها وعد صامت بأنه سيكون معها في كل ما هو قادم.
وما إن وصلا إلى الأسفل، خرجا معًا واتجها نحو السيارة، ففتح لها الباب بنفسه كعادته، فجلست في المقعد الأمامي. عندها فقط ترك يدها أخيرًا، ثم تحرك إلى الجهة الأخرى وصعد خلف المقود.
جلس مكانه، وأدار وجهه إليها للحظة، يتأملها بنظرة طويلة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما يدور داخلها قبل أن تبدأ المواجهة القادمة، ثم اعتدل في جلسته وأدار السيارة، وانطلق بها نحو وجهتهما، بينما كان الصمت بينهما ممتلئًا بما هو أكبر من الكلام؛ حقيقة ثقيلة تقترب، وقلوب لا تعرف كيف ستخرج منها بعد أن تنكشف.
**************************
وصل جواد إلى المحكمة قبل الجميع، وكأن قدميه ساقته إليها وحدهما دون وعي. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح وهو يشعر بثقل فوق صدره، ثقل لا يزول، وكأن قلبه يعرف أن رؤية جواهر في ذلك المكان ستقتله ألف مرة. وقف بالخارج ينتظر سيارة الترحيلات، وعيناه معلقتان ببوابة المحكمة، يراقب كل حركة، وكل سيارة تمر، وكل دقيقة كانت تمر عليه كأنها ساعة كاملة.
كان يتحرك ذهابًا وإيابًا بتوتر واضح، يحاول تهدئة ضربات قلبه التي كانت تتصاعد بعنف داخل صدره، لكنه فشل. اشتياقه لها كان ينهشه بلا رحمة، ووجعه عليها صار أكبر من احتماله، وكل ما كان يريده في تلك اللحظة أن يراها، فقط يراها، حتى لو من خلف ألف حاجز.
وبعد وقت مر عليه وكأنه دهر كامل، وصلت سيارة الترحيلات أخيرًا.
تجمد مكانه للحظة، وشعر أن أنفاسه اختنقت داخل صدره وهو يراقب باب السيارة يفتح، وبدأت المسجونات بالنزول واحدة تلو الأخرى، وعيناه تبحثان عنها بجنون، حتى وقعتا عليها.
وفي اللحظة التي رآها فيها، شعر وكأن شيئًا حادًا انغرس في قلبه.
لم تكن كما تركها.
كانت أضعف، أنحف، ملامحها منهكة، وكأن السجن لم يسجن جسدها فقط، بل التهم من روحها أيضًا. السواد تحت عينيها كان شاهداً على ليالي طويلة من القهر والبكاء، ووجهها الشاحب بدا مرعبًا بالنسبة له، كأن الحياة انسحبت منه جزءًا جزءًا.
أغمض عينيه بألم، وشعر بالعجز ينهشه من الداخل.
وحين رفعت جواهر عينيها والتقت به، توقفت للحظة، وابتسمت له ابتسامة حزينة، ابتسامة حاولت بها أن تطمئنه رغم أنها هي نفسها كانت غارقة في الألم، ثم أومأت له برأسها وتحركت مع الحراس إلى الداخل.
ما إن اختفت عن ناظريه حتى اندفع سريعًا نحو القاعة، كأن كل خطوة تقربه منها تعيد له بعض أنفاسه. دخل القاعة وظل واقفًا ينتظر دخولها بفارغ صبر، حتى لمحها تقترب من القفص الحديدي.
وفي اللحظة التي أصبحت أمامه، اندفع نحوها وأمسك بالقضبان بقوة، كأنه يحاول انتزاعها من مكانها بيديه، وعيناه امتلأتا بذلك الاشتياق الموجع وهو يقول:
"وحشتيني يا جواهر."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، دافئة رغم الحزن الذي يغمرها، وقالت بصوت يحمل نفس القدر من الاشتياق:
"وانت كمان وحشتني اوي يا جواد."
ظل ينظر داخل عينيها طويلًا، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحها من جديد، ثم قال بصوت مختنق من شدة الألم:
"اقوي يا قلب جواد من جوه إن شاءالله هتخرجي من المكان ده قريب أوي وهتبقى فى حضني."
ابتسمت بحزن، لكن هذه المرة كانت ابتسامتها أشبه باعتراف بالهزيمة، ثم قالت بنبرة فاقدة للأمل:
"معتقدش يا جواد اني هخرج من المكان ده خلاص، أنا عمري هيخلص فيه."
هز رأسه بسرعة وكأن مجرد سماعها تقول ذلك يخنقه، وقال بلهفة ورفض واضح:
"بعد الشر متقوليش كده تاني يا جواهر، خلي عندك ثقه فى ربنا كبيرة، أنا مش واخد عليكي كده، فين جواهر القوية اللي طول عمرها بتديني أمل وتفاؤل لبكرة؟"
تنهدت جواهر بوجع، وكأن الكلمات صارت ثقيلة حتى في خروجها، ثم قالت بصوت مختنق:
"علشان دي الحقيقه يا جواد، مافيش فايدة خلاص، كل الأدلة بتثبت الجريمة عليا، والقاضي يا النهاردة يا الجلسه الجايه بالكتير، هيحول ورقي لفضيلة المفتي وهاخد إعدام، بس عارف ايه اكتر حاجة وجعاني؟ ان كل اللي بيحصلي ده، ورنيم سيباني لوحدي، ومسألتش فيا ولا مرة، واللي تعبني اكتر أنها وحشاني اوي، ونفسي اشوفها قبل ما أموت."
اشتعل الغضب داخله فور سماعه اسم رنيم، ليس لأنه يكرهها، بل لأنه يرى كيف ما زالت جواهر تتعلق بها رغم هذا الغياب كله، ورغم الألم الذي تركته داخلها، فضغط على أسنانه وقال بصوت مختنق بالغضب:
"متقوليش كده تاني، انتي هتعيشي وهتخرجي من هنا وهنتجوز يا جواهر، وبالنسبه لرنيم، انسيها لانك مش فى دماغها اصلا، هي عايشه حياتها عادي جدا بتحب وتتحب وتخرج وتروح وتيجي، وناسيه أن ليها بنت عمه اتربت معاها وعاشت عمرها كله معاها مرميه فى السجن، شيليها من دماغك وانسيها زي ما هي شالتك ومبتفكرش فيكي."
أسندت جواهر رأسها على القضبان الحديدية، وكأنها تحاول أن تجد في برودتها بعض الثبات، ثم قالت بصوت موجوع:
"ياريت الفعل كان سهل كده زي الكلام يا جواد، إنما للاسف حبي لرنيم مش مجرد حب بنت خال وخلاص، حبي ليها حب أخوي حقيقي، عمري ما شفتها غير أنها اختي اللي جات من أبويا وأمي، علشان كده وجعي اكبر من أنها صلة قرابه كده وخلاص."
تنهد جواد بضيق، لأنه يعلم أن بعض العلاقات لا تموت بالخيانة أو الغياب، بل تبقى تؤلم صاحبها مهما حدث، ثم قال محاولًا أن يبعدها عن هذا الألم:
"اللي تهوني عليه متفكريش فيه يا جواهر، سيبك منها وخلينا دلوقتي فى نفسنا، أنا عايزك تخلي بالك من نفسك، عارف ان العيشه فى السجن صعبه، بس حاولي تاكلي كويس علشان لما تخرجي من هنا يكون فيكي صحة للجواز."
ورغم كل ما بداخلها، ابتسمت رغماً عنها، ابتسامة صغيرة صنعتها طريقته، ثم قالت بصوت خافت فاقد للحياة:
"عندك أمل برضه أني هخرج من هنا؟"
نظر إليها بثبات، ذلك النوع من الثبات الذي لا يهزه خوف ولا ألم، وقال بصوت عاشق مليء باليقين:
"أيوه عندي أمل وثقه فى الله، أنه هيجمع قلبين اتعذبوا من ألم الفراق وصبروا على قضائه."
ارتجف قلبها مع كلماته، وشعرت أن الأمل الذي فقدته يحاول أن يعود من خلاله، فابتسمت له بحب وقالت:
"ونعم بالله يا حبيبي، ماما وخالتوا ترنيم لسه مجوش؟"
هز رأسه بالنفي وقال:
"لا لسه زمانهم جايين."
ثم مد أصابعه من بين فتحات القفص ولمس يدها برفق، وكأنه يتشبث بها كي لا تضيع منه، ونظر إليها بعشق هامسًا:
"بحبك يا بنت عمري كله."
تجمعت الدموع داخل عينيها، لأن الحب في ذلك المكان كان أشد وجعًا من السجن نفسه، ثم قالت بصوت موجوع:
"وانا بعشقك يا حب عمري اللي راح واللي الجاي."
اقترب كل منهما من الآخر حتى استندت جباههما على القضبان الفاصلة بينهما، وكأن الحديد وحده هو ما يمنعهما من أن يصبحا واحدًا، ثم قال جواد بصوت مختنق من عمق الاشتياق:
"نفسي احضنك اوي، نفسي أخبيكي جوه قلبي واحميكي من العالم كله يا جواهر."
انزلقت دمعة من عينها ببطء، وقالت بصوت موجوع صادق:
"وانا اكتر وقت محتاجه فيه حضنك هو دلوقتي يا جواد."
في تلك اللحظة، لم يحتمل أكثر، فضرب رأسه بالقفص الحديدي بقوة، وكأنه يريد كسره، يريد تحطيم كل ما يقف بينه وبينها، يريد أن ينتزعها من هذا المكان ويخفيها داخل صدره بعيدًا عن العالم كله، لكن الحقيقة القاسية كانت أقوى من رغبته، والعجز كان يذبحه حيًا، حتى انهمرت دموعه وهو يقول بصوت مكسور:
"أنا بلعن عجزي وضعفي مليون مره يا جواهر، علشان مقدرتش احميكي، نفسي اكسر الحواجز دي كلها واخدك وأهرب بيكي لبعيد اووي، لمكان محدش يكون فيه غيري أنا وانتي وبس."
نظرت إليه بحب عميق، حب تجاوز الخوف والوجع والمكان، ثم قالت وهي تحاول أن تضمّد جرحه بكلماتها:
"متقولش على نفسك كده يا جواد، انت أجمل وأعظم واقوى راجل فى عينيا أنا، أنت الامان والسند بعد موت بابا، انا لو رجع بيا العمر من تاني، هختار احبك تاني وتالت ورابع، لأن من الآخر مافيش راجل غيرك يملى قلبي وعينيا."
ضغط على أصابعها بقوة من بين فتحات القفص، كأنه يثبت لنفسه أنها ما زالت هنا، ثم اقترب من يدها وقبلها بوجع وحزن وعشق خالص، ورفع عينيه إليها يستمد منها القوة، ويجدد داخله القسم الذي أخذه على نفسه، أنه لن يتركها هنا، وأنه سيقاتل حتى آخر نفس ليعيدها إلى حضنه من جديد.
وظلا على هذا الحال، رؤوسهما متقاربة، وأصابعهما متشابكة عبر القضبان، ينتظران دخول هيئة المحكمة، بينما كان الوقت يمر بطيئًا، محملًا بالخوف، والأمل، والحب الذي صار أقوى من كل شيء.
***************************
وقف شاهين بسيارته أسفل إحدى العقارات، لكن هذه المرة لم يكن الصمت الذي يملأ المكان صمتًا عاديًا، بل كان ثقيلًا إلى حدٍ يكاد يخنق الأنفاس. ظل ممسكًا بعجلة القيادة للحظات طويلة، أصابعه تضغط عليها بقوة، وعيناه معلقتان أمامه وكأنه يراجع داخله كل احتمال ممكن لما سيحدث بعد دقائق. كان يعلم أن اللحظة التي اقتربت ليست مجرد كشف حقيقة، بل لحظة قادرة على كسر روح كاملة أو إنقاذ روح أخرى، وربما الاثنتين معًا.
التفت برأسه أخيرًا نحو رنيم، وبدا عليه ذلك الصراع الصامت بين رغبته في حمايتها وبين إدراكه أن الحقيقة لا يمكن أن تبقى مدفونة أكثر من ذلك. أخذ نفسًا عميقًا، كأن صدره يرفض إخراج الكلمات، ثم تكلم بصوت ثابت رغم ما يشتعل داخله:
"رنيم، انتي هتستني هنا."
رفع يده وأشار إلى الشاشة المثبتة أمامها، وكانت عيناه ثابتتين عليها للحظة قبل أن تعودا إليها، وكأنه يحاول أن يهيئها دون أن يفضح لها شيئًا.
"هنا هتشوفي كل حاجة وهتسمعي الحقيقه كاملة، وبعدها القرار هيكون في ايدك انتي."
انعقد حاجباها فورًا، والتبست ملامحها بالحيرة والقلق معًا، فهي جاءت معه وهي تظن أن الأمر واضح، أن هناك مجرمًا سيكشف وينتهي كل شيء، لكنها لم تفهم لماذا هذا الغموض كله، ولماذا يصر على إبعادها عن المواجهة. التفتت إليه بسرعة وقالت:
"وليه مطلعش معاك ونمسكه ونسلمه على طول، الوقت بيعدي وخايفه الحكم يتنطق قبل ما تظهر الحقيقه، وبعدين قرار ايه ده اللي فى ايدي من غير تفكير طبعا نسلمه."
مد شاهين يده إليها وأمسك يدها، ليس فقط ليهدئها، بل وكأنه يستمد منها قوة ليكمل ما هو مقبل عليه. كانت يدها باردة، متوترة، نابضة بالخوف، بينما كفه كان أكثر دفئًا لكنه مثقل بثقل الحقيقة.
نظر داخل عينيها طويلًا، ثم قال بهدوء حاول أن يزرعه داخلها:
"اصبري بس متتسرعيش، شوفي كل حاجة بعينك واسمعي بودنك وانتي هتفهمي كل حاجة."
لم تكن تفهم شيئًا، لكن وسط هذا الغموض كله، كان الشيء الوحيد الثابت أمامها هو ثقتها فيه. تلك الثقة التي نبتت ببطء داخلهما، حتى صارت أقوى من كل شك. أومأت برأسها بصمت، ثم قالت:
"حاضر."
اقترب منها شاهين ببطء، وانحنى قليلًا حتى وضع قبلة خفيفة على خدها، قبلة لم تكن عاطفة فقط، بل كانت وعدًا صامتًا بأنه مهما حدث بعدها، لن يتركها وحدها وسط الحطام. ابتعد عنها، فتح الباب، وترجل من السيارة، لكنه قبل أن يتحرك، توقف للحظة ونظر إليها من خلف الزجاج، نظرة طويلة مليئة بالقلق، كأنه يحفظ ملامحها قبل أن يضعها أمام أكثر حقيقة قاسية في حياتها، ثم استدار وتحرك نحو داخل البناية.
ظلت رنيم تتابعه بعينيها حتى اختفى تمامًا عن ناظرها، وبمجرد أن غاب، شعرت بوحدة مفاجئة داخل السيارة، وكأن وجوده كان السند الوحيد الذي تستند إليه الآن. اعتدلت في جلستها ببطء، ثم حولت بصرها إلى الشاشة أمامها، وقلبها بدأ ينبض بطريقة جعلتها تشعر بثقله داخل صدرها.
في الأعلى، وقف شاهين أمام الباب المقصود، يحدق فيه بصمت. لم يكن خائفًا من المواجهة نفسها، فزين بالنسبة له مجرد خصم يعرفه جيدًا، لكن ما كان يخشاه حقًا هو اللحظة التي ستسمع فيها رنيم الحقيقة، اللحظة التي سيتحطم فيها آخر جدار أمان كانت تبنيه داخل نفسها حول أخيها.
أغلق عينيه لثواني، وزفر ببطء، ثم فتحهما وضغط على زر الجرس.
مرت لحظات قصيرة، لكنها بدت طويلة.
ثم انفتح الباب.
ظهر زين أمامه، نصفه العلوي عاري، ومن الأسفل يرتدي قطعة قطنية صغيرة، ومظهره وحده كان كافيًا ليكشف نوع الحياة التي يعيشها، ونوع الانحدار الذي غرق فيه. رفع شاهين عينيه عليه من أعلى لأسفل، وفهم فورًا ماذا كان يفعل قبل أن يفتح الباب، لكن ذلك لم يهمه.
أما زين، فعلى الرغم من المفاجأة الواضحة في عينيه، إلا أن ابتسامة باردة ارتسمت على شفتيه، ابتسامة تحمل سخرية واستفزازًا أكثر مما تحمل ترحيبًا.
وفي السيارة...
كانت رنيم تتابع الشاشة بتركيز شديد، عيناها معلقتان بالصورة، تنتظر أن يظهر الشخص الذي ستنتهي عنده كل هذه الفوضى، لكن ما إن ظهر الوجه أمامها، حتى تجمدت ملامحها. زين.
اتسعت عيناها بعدم تصديق، وانعقد حاجباها في حيرة كاملة، ثم خرج صوتها مرتبكًا، متلاحقًا، وكأن عقلها يرفض تفسير ما تراه:
"زين! بيعمل ايه هنا؟ معقول يكون عرف القاتل قبلنا وجه علشان يوقعه؟ بس هو ماله عريان كده؟ أنا مش فاهمة حاجة."
لكن رغم ارتباكها، لم تستطع أن تبعد عينيها عن الشاشة، وكأن شيئًا داخلها بدأ يخاف من الإجابة.
في الداخل، عقد زين ذراعيه على صدره، مستندًا إلى إطار الباب بثقة مستفزة، ثم قال بابتسامة ساخرة:
"شاهين الرواي بذات نفسه عندي فى بيتي! ده أيه الخطوة اللي مش عزيزة دي؟"
نظر شاهين إليه بعينين مشتعلة بالغضب، لكنه كان يضغط على نفسه بقوة حتى لا يفسد خطته بانفعال مبكر، ثم قال بصوت رجولي صارم:
"استرجل يالا في كلامك واستر نفسك عايز اتكلم معاك."
مال زين قليلًا، وكأن الأمر كله يسليه، ثم هز رأسه برفض وقال باستهزاء واضح:
"كان على عيني، بس زي ما انت شايف، أيدي مش فاضيه، ولا ايه رأيك تدخل تستنى دورك، البت جامدة، وتحل من على حبل المشنقة، اه صح انت عايش دور الحبيب المخلص لحبيبة القلب."
في اللحظة التي انتهى فيها من كلماته، شعر شاهين بأن صبره بدأ ينفد، ليس بسبب الإهانة، بل بسبب القذارة التي يتحدث بها عن النساء وكأنهن أشياء. ضغط على أسنانه بقوة، ثم دفعه بعنف إلى الداخل، فترنح زين للخلف، قبل أن يدخل شاهين ويغلق الباب خلفه بنفسه.
تحرك بخطوات ثابتة نحو الأريكة، وجلس عليها بثقة، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، وكأنه هو صاحب المكان، ثم رفع عينيه إلى زين وقال بصوت رجولي حازم:
"هتقعد تتكلم راجل للراجل؟ ولا اقعدك أنا بطريقتي زي الستات؟"
ارتسمت على وجه زين ابتسامة غاضبة، فيها شيء من التحدي، ثم تحرك وجلس أمامه، مائلًا للأمام، وقال بتوعد واضح:
"وماله نقعد ونتكلم."
رفع شاهين عينيه إليه، وثبتها عليه طويلًا، كأنه يختبر رد فعله، ثم ألقى الكلمة الوحيدة التي يعرف أنها ستضربه في عمق أعصابه:
"رنيم!"
كان وقع الاسم فوريًا.
تبدلت ملامح زين في لحظة، وتصلبت عضلات وجهه، وتحولت عيناه إلى كره عاري لا محاولة لإخفائه، ثم قال بغضب مكتوم:
"مالها؟"
مال شاهين بجسده للأمام، وثبت عينيه داخل عينيه مباشرة، ولم يرمش وهو يسأله، كأنه ينتزع الحقيقة انتزاعًا:
"بتعمل فيها كده ليه؟"
وفي السيارة، كانت رنيم تتابع كل شيء وقد بدأ قلبها ينقبض بطريقة لم تختبرها من قبل. هناك شيء في نظرات زين، في نبرة صوته، في الطريقة التي تغير بها بمجرد ذكر اسمها، شيء جعلها تشعر بأنها أمام رجل لا تعرفه، وكأن أخاها الذي عاش معها عمرًا كاملًا لم يكن سوى صورة ناقصة، وأن الحقيقة الكاملة تقف الآن خلف هذا الباب، تستعد لأن تسقط فوقها بكل ثقلها.
وحين سمعت شاهين يسأله عنها، شعرت بأن كل حواسها استنفرت دفعة واحدة، وكأن جسدها كله أصبح أذنًا واحدة تنتظر الإجابة، بينما قلبها، في أعماقه، بدأ يرتجف خوفًا من شيء لم تسمه بعد، لكنه كان يقترب.
استقام زين بجسده ببطء، وكأن اسم رنيم وحده كان كافيًا ليوقظ كل ذلك السواد الراكد داخله، وتحولت ملامحه في لحظة من فتور مستفز إلى قسوة خالصة، بينما اشتعلت عيناه بشر دفين طالما أخفاه تحت قناع الأخ الحنون. كان شاهين يراقبه بصمت متعمد، يدفعه خطوة وراء خطوة نحو الاعتراف، يعرف أن كل كلمة ستخرج من فمه الآن ستصل إلى رنيم كطعنة مباشرة في قلبها، لكنه كان يعلم أيضًا أن الحقيقة، مهما كانت موجعة، تظل أرحم من الكذب الذي يبنى عليه العمر كله.
نظر زين إليه نظرة حادة، كأن مجرد ذكر اسمها أيقظ حقدًا قديمًا يسكن عروقه، ثم قال بصوت تقطر منه الكراهية:
"بنت عبيطه وساذجة بضحك عليها بأقل مجهود مني، عطشانه حنان، وانا بدهولها بس بالسم، لحد ما أدمرها وأمحيها من على وش الأرض، ومتفكرش حمايتك ليها هتنقذها مني، علشان أنا بكلمتين، أقدر اخليها تكرهك وتختارني أنا."
داخل السيارة، تجمد جسد رنيم كله، شعرت وكأن الدم انسحب من عروقها دفعة واحدة، وعيناها اتسعتا وهي تحدق في الشاشة بعدم استيعاب، تحاول أن تقنع نفسها أن هذا ليس زين، ليس أخاها الذي احتمت به، ليس اليد التي ظنتها سندًا لها حين انكسر العالم فوق رأسها. لكن الصوت صوته، والنظرة نظرته، والكلمات خرجت منه بلا تردد، بلا ذرة ندم.
أما شاهين، فقد ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، ليست سخرية، بل ابتسامة رجل نجح في أن يجرده من قناعه، ثم قال بثبات محسوب:
"وانت لو راجل أوي كده، وتقدر عليا، ايه يخليك تعمل كده مع اختك من وراها ليه مروحتش واجهتها بكرهك ليها ده؟ بتضرب وانت مستخبي زي النسوان ليه؟"
اشتدت ملامح زين، وبرزت عروقه من شدة الغضب، وكأن الكلمات أصابت موضعًا حساسًا في غروره، فخرج صوته أكثر عداءً وهو يقول:
"لا، ما أنا ليا وقت وهظهر ده كلها ليها، بعد ما أدمرها واشرب من دمها، بعد ما اوجعها، واخسرها كل حاجه واخد منها كل حاجه بتحبها."
ظل شاهين ينظر إليه طويلًا، يقرأ ذلك الخراب النفسي الذي صنع هذا الحقد، ثم سأله بهدوء بدا غريبًا وسط كل هذا الاحتقان:
"ليه، ليه كل الكره ده؟"
ضحك زين ضحكة قصيرة، لكنها خرجت مختنقة بمرارة السنين، ثم نظر أمامه كأنه يرى ماضيه كله متجسدًا أمامه، وقال من بين أسنانه:
"علشان هي اللي اخدت مني امي، كانت عايشه سعيده في حضن ابوها وامها، أما أنا كنت ناكرة، غلطة جات فى حياتها، هي اخدت الحنان اللي المفروض كنت أنا اللى اخده، هي مش احسن مني، أنا احسن منها مليون مرة، طيب عارف لما عرفت أن امي و أبوها اتقتلوا، فرحت علشان هي كمان أتحرمت منها، زي ما هي سبتني وراحت اتجوزت ابوها وجابتها، ومش هرتاح غير لما أدمرها هي كمان، ونهايتها تكون زي امها وابوها، ويبقى التلاته استحقوا النهاية دي."
ما إن وصلت الكلمات إلى أذن رنيم حتى انطلقت منها شهقة مكتومة، ارتفعت يدها إلى فمها في محاولة غريزية لمنع انهيارها، لكن الدموع سبقتها، انهمرت بعنف وهي تهز رأسها برفض، كأنها تريد أن ترفض الحقيقة نفسها. لم تكن المشكلة في أنه يكرهها، بل في أنها كانت تعيش عمرها كله على وهم حبه، ووهم السند، ووهم الأمان.
اقترب شاهين خطوة أخرى، وملامحه ازدادت صلابة، لكنه حافظ على هدوء صوته وهو يسأله:
"وهي اختك رنيم برضه هي اللي قالتلك روح اقتل رقيه بنت خالتي؟ وتثبت التهمة على جواهر؟"
رفع زين رأسه، وانفجر ضاحكًا ضحكة باردة، خالية من أي شعور إنساني، ثم قال:
"والله المقصود في الموضوع ده كله، ابن غريب وترنيم، كنا عايزين نلبسها ليه، بس مراته لبستها هي، مش فارقه كتير كلهم كده كده، ليهم يوم هيوقعوا فيه، والبنت دي حظها هو اللي جه الاول."
شعرت رنيم بأن أنفاسها تضيق، وبأن الأرض تسحبها للأسفل، كانت تسمع اعترافًا بجريمة، باعتراف دم، باعتراف ظلم سحقت تحته جواهر وهي بريئة.
تقدم شاهين أكثر وسأله بنبرة أشد تركيزًا:
"ولما انت بتكره امك واختك بتنتقم من ترنيم وغريب ليه؟"
جلس زين باسترخاء مستفز، ووضع قدمًا فوق الأخرى وكأن ما يقال مجرد حديث عابر، ثم قال:
"امم، مش هينفع اقولك دي اسرار الشغلانة، بس اكيد انت عارف، ما انت مشترك معانا كمان ولا ناسي."
ابتسم شاهين ابتسامة باردة، لكنه رد بثبات واضح:
"لا، حاسب أنا متفقتش على دم، أنا اتفاقي معاكم، كان على رنيم، ونفذت اتفاقي، ودمرتها."
ضاقت عينا زين بسخرية، ثم قال باستفزاز:
"قصدك تقول البت بلفتك، وانا اللي كملت انتقام منها، أنا اللي حرقت شركتها، أنا اللي كلمت الناس كلها علشان تتخلى عنها، أما انت عيشت دور الحبيب، روحت بعتلها راجل على أساس أنه مستثمر علشان تساعدها ترجع شركتها تاني زي الاول، روحت كلمت الناس تسحب الشكوى بتاعت الشرط الجزائي، انت بتصلح اللي احنا بنعمله، بس مهما حاولة مش هتقدر تكسب قلبها، علشان كل اللي انت بتعمله مفكره أنا اللي عملته ليها."
أغمض شاهين عينيه للحظة، وشعر بانقباض داخله، لم يكن يريد أن تعرف رنيم هذه الحقيقة بهذه الطريقة، لم يكن يريدها أن تكتشف أنه كان يتحرك في الظل ليعيد لها ما خسرته، لكنه لم يعد يملك رفاهية ترتيب الحقائق.
فتح عينيه من جديد ونظر إليه بحسم وقال:
"انت هتيجي معايا وتعترف بالحقيقه دي كلها، وهتخرج البنت اللي مكانك دلوقتي."
رفع زين رأسه وضحك بصوت عالي، ضحكة رجل يظن نفسه فوق السقوط، ثم قال:
"انت شكلك أتجننت، دور العاشق اللي انت عيشه، مفوت دماغك حبتين، وانت مفكر أن انا يوم ما اقع هقع لوحدي؟ لا يا حبيبي كلكم هتقعوا معايا."
وفي تلك اللحظة دوى جرس الباب.
تصلب فك شاهين فورًا، فقد عرف تمامًا من الطارق، وعرف أن رنيم لم تستطع البقاء مكانها بعد كل ما سمعته.
اتجه زين نحو الباب، وما إن فتحه حتى تجمد مكانه.
كانت رنيم واقفة أمامه، وجهها غارق بالدموع، وعيناها تحملان من الوجع ما لم يره منها يومًا، وجع خيانة، وجع سقوط صورة كاملة كانت تعيش عليها.
وقبل أن ينطق، ارتفعت يدها وصفعته بقوة، ارتج وجهه تحت يدها، ثم خرج صوتها مكسورًا ومحملًا بكل الانهيار الذي يسكنها:
"ليييه، ليه انت بالذات اللي تعمل فيا كده؟ ده انا عمري ما شكيت في حبك ليا، د ده انا كنت شايفه فيك الاخ والسند وعوض ربنا ليا، ليه يا زين تغرس فى قلبي سكينه باردة بالشكل ده، طيب انت ازاي كده، ممثل شاطر اوي، ولا غلطه فى الاداء، خلتني اصدق، انك السند الاخ اللي بيحب أخته ومستعد يحميها من الدنيا بحالها، اتاريك انت اللي عايز تكسرني، طيب قولي انا دلوقتي أعمل ايه؟"
نظر إليها زين للحظة، ثم عاد سريعًا إلى قناعه القديم، وقال وكأنه ما زال قادرًا على خداعها:
"رنيم! مالك يا قلب أخوكي؟ ايه الكلام اللي بتقوليه ده؟"
وضعت يدها على أذنها، كأن صوته أصبح يؤذيها، ثم صرخت بكل ما بقي فيها من قوة:
"بس، اسكت، مش عايزه اسمع صوتك، أنا مصدومة فيك بجد، انا سمعت كل حاجه وشفتها، انت هتيجي تسلم نفسك معايا وهتخرج البنت الغلبانه اللي فى السجن ظلم."
في تلك اللحظة فقط، سقط القناع تمامًا.
تبدلت ملامحه إلى وجهه الحقيقي، الوجه الذي أخفاه عنها عمرًا، وقال بغضب مكشوف:
"انتي اتهبلتي يا بت، مين ده اللي يسلم نفسه، وبعدين كويس انك عرفتي الحقيقه، واللعب دلوقتي بقى على المكشوف، وانتي وعم الحساس ده، مش هتقدروا عليا أنا ومريم، لأن كفتنا أقوى منكم بكتير، ومصيركم، نفس مصير رقيه ووحيد، وعلى أيدي، هقتلكم زي ما قتلتهم، وبسكينه باردة علشان اشوف عذابكم بأيدي."
تراجعت رنيم خطوة للخلف، والدموع تنساب بلا توقف، تشعر وكأن شيئًا باردًا يمر على روحها ويذبحها ببطء، لم يعد الألم ألم خيانة فقط، بل ألم إدراك أن أقرب الناس إليها كان عدوها منذ البداية.
كان شاهين يراقب بصمت، يمنحها حق المواجهة، حق السقوط الأول أمام الحقيقة، لكنه حين رأى زين يتمادى في جرحها، لم يحتمل أكثر.
تحرك نحوه بسرعة، قبض على عنقه بعنف حتى اختنق تحت يده، ثم قال من بين أسنانه:
"كلمه واحده تاني معاها وانا هدفنك مكانك، فاهم."
وفي اللحظة التالية، جذب رأسه ووجه له ضربة قوية بأنفه، جعلته يترنح بعنف قبل أن يسقط أرضًا فاقد الوعي، بينما الدماء سالت من وجهه بغزارة.
ساد الصمت.
صمت ثقيل، موجع، لا يقطعه إلا صوت بكاء رنيم.
التفت إليها شاهين، واقترب منها ببطء، ثم ضمها إلى صدره بقوة، يحاول أن يحتوي انهيارها، يحاول أن يمنعها من السقوط الكامل، ثم همس قرب أذنها:
"قررتي ايه يا قلبي؟ اخوكي ولا بنت عمتك؟"
رفعت وجهها إليه، وجهًا غارقًا بالدموع، وقالت بصوت متكسر:
"ده اخويا يا شاهين، مهما عمل فيا هفضل أحبه."
انعقد حاجباه، وسألها بذهول ممزوج بالضغط:
"يعني قررتي تسيبي جواهر تواجه مصيرها ده؟"
هزت رأسها بسرعة وهي تبكي أكثر، وقالت بين شهقاتها:
"وجواهر برضه اختي الصغيرة وجودها فى المكان ده مش قادره اتحمله."
أخرج شاهين زفرة ثقيلة، وشعر أن الوقت يضيق عليهم جميعًا، ثم قال بنفاذ صبر ممزوج بالخوف:
"يعني قررتي ايه يا رنيم؟ مافيش وقت."
رفعت رنيم عينيها نحوه، ثم التفتت إلى زين الملقى على الأرض غارقًا في دمائه، وبداخلها حرب ممزقة بين الدم والعدل، بين الأخوة والحقيقة، بين القلب والضمير، وظلت تنظر بينهما بصمت ثقيل، بينما دموعها كانت تهبط بلا توقف، وكأن القرار الذي يطلب منها الآن أثقل من أن يحتمله قلب واحد.
***************************
داخل قاعة المحكمة خيم الصمت على الأجواء منذ اللحظة الأولى، صمت ثقيل لا يشبه السكون العادي، بل كان أقرب إلى احتباس أنفاس جماعي، كأن القاعة بأكملها توقفت عن الحياة في انتظار كلمة واحدة قد تقلب مصائر الجميع.
كانت جواهر تقف داخل القفص الحديدي، ويديها تلتفان حول القضبان بلا وعي، وكأنها تتشبث بما تبقى لها من أمل. عيناها تتحركان باضطراب بين وجوه الحاضرين، وقلبها لا يتوقف عن الرجاء، كأنها تنتظر معجزة تنقذها من لحظة تقف فيها الحقيقة على حافة الموت. كل دقيقة تمر كانت تبدو وكأنها تسحب من روحها ببطء مؤلم.
بدأت جلسة المحكمة بإجراءاتها المعتادة، حيث تقدم الدفاع بسلسلة من المستندات، محاولًا أن ينسج من بينها خيطًا يثبت البراءة، ثم جاءت مرافعة النيابة التي بدت أكثر ثباتًا، مدعومة بما قدم من أدلة وأقوال. تلا ذلك استماع الشهود واحدًا تلو الآخر، وكانت النيابة تعيد عليهم الأسئلة نفسها بحدة محسوبة، وكأنها تحاول تثبيت كل تفصيلة في أرض الاتهام، حتى بدا المشهد وكأنه معركة هادئة المظهر، لكنها مشتعلة في العمق.
ومع توالي الجلسات داخل الجلسة نفسها، بدأت هيئة المحكمة تظهر استعدادها للنطق بالحكم، فانتبه الجميع دفعة واحدة، وتحولت القاعة إلى حالة ترقب خانقة، وكأن كل قلب فيها على وشك أن ينتزع من مكانه.
اعتدل القاضي في مقعده، وساد الصمت التام، ثم بدأ يتلو بصوت رسمي مهيب، يملأ القاعة هيبة وثِقلاً:
"بسم الله الرحمن الرحيم.
باسم الشعب.
بعد الاطلاع على أوراق الدعوى، وما تم فيها من تحقيقات، وما قدم من أدلة ومستندات، وما استمعت إليه المحكمة من أقوال الشهود ومرافعة النيابة العامة والدفاع، وبعد المداولة قانونًا."
توقف لثواني قصيرة، كأنها تحمل وزن الحكم كله، ثم تابع بنبرة أكثر رسوخًا:
"وحيث إن المحكمة قد أحاطت بظروف الدعوى عن بصر وبصيرة، ووازنت بين أدلتها وقرائنها، واستقر في يقينها ما ورد بأوراق القضية من وقائع وما ثبت بها من أدلة نسبت إلى المتهمة."
كانت جواهر في تلك اللحظة تكاد لا تشعر بجسدها، فقط دقات قلبها كانت تعلن وجودها، متسارعة، متكسرة، كأنها تنتظر لحظة سقوط لا مفر منها.
"وحيث إن الأصل في الأحكام الجنائية أن تبنى على الجزم واليقين المستخلص من أوراق الدعوى، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى ما قدم إليها من أدلة اتهام، ورأت فيها ما يكفي لتكوين عقيدتها."
توقفت أنفاس جواهر تقريبًا عند هذه الجملة، وارتجفت عيناها وهي تنظر بلا وعي نحو الباب المغلق خلفها، كأنها تبحث عن مخرج مستحيل.
"وحيث إنه وقد خلت الأوراق، حتى هذه اللحظة، مما ينال من تلك الأدلة."
لكن الكلمات لم تكتمل.
فجأة، انفتح باب القاعة بعنف، ودخلت رنيم مسرعة، وملامحها غارقة في الذهول والدموع، وصوتها يسبق خطواتها وهي تصرخ بانفعال ممزق:
"استنى حضرتك، جواهر بريئة، معايا القاتل الحقيقي، ومعايا الدليل."
تجمد كل شيء في القاعة، وتحولت كل العيون إلى الباب، حيث ظهر شاهين وهو يقود زين مكبلًا، يدفعه للأمام بعنف محسوب، كأنه يجبر الحقيقة نفسها على الدخول إلى النور.
انتفض محامي الدفاع واقفًا، وملامحه تغيرت تمامًا إلى جدية صارمة، ثم تقدم خطوة وقال بصوت واضح يملؤه الإصرار:
"سيادة المستشار، يلتمس الدفاع من عدالة المحكمة وقف النطق بالحكم مؤقتًا، والسماح بتقديم دليل جديد جوهري، لم يسبق عرضه، وهو دليل من شأنه أن يغير وجه الحقيقة في الدعوى، ويكشف الفاعل الحقيقي للجريمة، ويثبت براءة موكلتي براءة يقينية لا يشوبها شك."
ثم رفع المستندات بين يديه الذي أعطاه له شاهين وأضاف بثبات:
"ويلتمس الدفاع إثبات هذا الدليل بمحضر الجلسة، وضمه رسميًا إلى أوراق الدعوى، وسماعه أمام عدالة المحكمة لما له من أثر مباشر على عقيدتها."
ساد الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان مشحونًا بالتوتر والترقب.
نهض وكيل النيابة بعد لحظة، وقد بدت عليه الجدية، وقال بصوت رسمي محسوب:
"تلتمس النيابة العامة من عدالة المحكمة الاطلاع على الدليل الجديد المقدم، وسماعه داخل الجلسة، للوقوف على مدى جديته وأثره القانوني في الواقعة محل الدعوى."
ثم أضاف بنبرة أكثر حسمًا:
"وفي حال ثبوت ارتباطه المباشر بموضوع الدعوى، تلتمس النيابة اتخاذ ما تراه المحكمة من إجراءات قانونية مناسبة، وإعادة فتح باب المرافعة والتحقيق."
رفع القاضي رأسه ببطء، وتبادل النظرات مع هيئة المحكمة، ثم نظر إلى الجميع في صمت ثقيل، كأن القرار يعاد صياغته داخل عقله من جديد. وبعد لحظات من التأمل، ضرب بمطرقته وقال بصوت حاسم:
"حيث إن ما قدم من طلب يتعلق بدليل جديد جوهري، من شأنه، إن صح، أن يؤثر في عقيدة المحكمة، ولما كانت العدالة الجنائية غايتها الوصول إلى الحقيقة كاملة."
توقف لحظة، ثم أكمل:
"فإن المحكمة تقرر قبول طلب الدفاع، وإثبات الدليل الجديد بمحضر الجلسة، والتصريح بعرضه وسماعه أمام الخصوم، وتمكين النيابة والدفاع من مناقشته."
ثم ضرب بمطرقته مجددًا:
"تتفضل هيئة الدفاع بعرض الدليل."
بدأ عرض التسجيل، وانقلبت القاعة إلى حالة صمت أكثر عمقًا، وكأن الهواء نفسه توقف ليستمع.
جواهر كانت تتابع بعينين دامعتين رنيم، وكأنها لأول مرة ترى أن هناك من لم يتركها وحدها، وأن خيطًا من النجاة كان ممتدًا نحوها دون أن تدري. دموعها لم تكن ألمًا فقط، بل كانت امتزاجًا بين الصدمة والامتنان والخوف.
أما جواد فكان يقف وكأن الدم يغلي في عروقه، يراقب الحقيقة وهي تولد أمامه، ويكبح نفسه بصعوبة عن الانفجار، لأنه يدرك أن هذه اللحظة ليست للانتقام، بل للعدالة.
سمية وترنيم كانوا سعداء بظهور هذا الدليل ووقوف رنيم فى هذا الموقف رغم أنهم ظنوا السوء بها.
لكن غريب كان لديه إحساس اخر، كان ينظر إلى شاهين نظرات ذات معنى شئ داخله يشعر بعدم الارتياح له لكنه أجل هذه المعتقدات لوقت اخر أما الآن سيتابع ماذا سيحدث فى هذه القضيه وما ستأول عليه حكم هيئة المحكمة.
ومع اكتمال الدليل، خيم الصمت على القاعة مرة أخرى، لكن هذه المرة كان صمتًا مختلفًا، صمت ما قبل الانهيار.
اعتدل القاضي في جلسته، ونظر إلى زين بنظرة حادة، ثم قال بصوت رسمي صارم:
"بعد الاطلاع على ما تم تقديمه من دليل جديد، وما تبعه من أقوال واعترافات، ترى المحكمة أن هناك شبهة جدية تستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية."
ثم رفع يده وأضاف:
"فإن المحكمة تقرر التحفظ على المتهم زين، وإحالته إلى النيابة العامة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات التحقيق."
تحرك الحاجب فورًا، وأمسك به، وفي لحظة واحدة تبدل وجه زين بين الصدمة والغضب، لكنه كان قد فقد السيطرة على المشهد بالكامل.
ثم أعاد القاضي بصره إلى أوراق القضية، وقال بصوت أكثر هدوءًا:
"ولما كانت المحكمة قد اطمأنت إلى أن ما تم تقديمه من دليل جديد قد يؤثر في مركز المتهمة جواهر، وكانت الأوراق لم تستقر بعد على يقين نهائي في شأن الاتهام."
توقف قليلًا، ثم أكمل:
"فإن المحكمة تقرر إخلاء سبيل المتهمة جواهر مؤقتًا على ذمة القضية، ما لم تكن محبوسة على ذمة قضايا أخرى."
وفي النهاية، ضرب بمطرقته وقال بحسم نهائي:
"كما تقرر المحكمة تأجيل نظر الدعوى لجلسة قادمة، للاطلاع على الدليل الجديد واستكمال التحقيقات، وتمكين النيابة والدفاع من تقديم ما يستجد لديهم."
ثم ختم بصوت واضح:
"ترفع الجلسة."