تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
الفصل 17 — رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع عشر
مرت عدة أيام...
كانت الأيام تمر ثقيلة، بطيئة، وكأن الزمن قد فقد قدرته على الحركة، تاركًا الجميع عالقين داخل دوامة من القلق والانتظار. وما زال التحقيق مستمرًا مع جواهر، وكل دليل يظهر، وكل شهادة تقال، كانت تشير إليها وتضيق الخناق حول عنقها أكثر، حتى بدا الأمر وكأن الحقيقة تحاك ضدها بخيوط محكمة لا منفذ منها. المحامون لم يتوقفوا عن البحث، يقلبون الأوراق، يراجعون التفاصيل، وينقبون عن أي ثغرة صغيرة قد تكون بابًا للنجاة، لكن الوضع كان يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، وكأن الأبواب تغلق واحدا تلو الآخر أمامهم.
جواد لم يتركها لحظة واحدة، كان كظلها، يرافقها في كل خطوة، يجلس بالقرب منها، يحاول أن يمنحها من حضوره شيئًا من الأمان الذي تآكل داخلها، بينما كان غريب وتامر يلازمان المكان أيضًا، يتابعان كل جديد بوجوه متجهمة وأعصاب مشدودة، يحمل كل منهما غضبه وقلقه بطريقته الخاصة. أما سمية وترنيم وأروى، فقد انقسمت أيامهن بين البيت والمخفر، يتحركن وفق ما أمرهم به غريب، وكأن الجميع صار يعيش داخل معركة صامتة، لا أحد يعرف متى تنتهي.
وعند رنيم...
حين علمت بما حدث لجواهر، شعرت بوخزة حادة داخل صدرها، خليطًا من الذنب والاختناق، فذهبت إليها أكثر من مرة، تحاول أن تراها، أن تقف بجوارها، أن تقول لها شيئًا يخفف عنها، لكن جواهر رفضت مقابلتها في كل مرة، وأغلقت الباب في وجهها، ليس باب الغرفة فقط، بل باب العلاقة بينهما أيضًا. ذلك الرفض ترك أثرًا مؤلمًا داخلها، شعرت معه بأنها أصبحت غريبة داخل مكان كان يومًا بيتها، ولهذا اتخذت القرار الذي كان يدور في رأسها منذ فترة، وهو أن تترك الفيلا وتعيش وحدها في مكان آخر، بعيدًا عن كل شيء. ورغم اعتراض ترنيم وسمية ومحاولاتهما المستمرة لإثنائها عن ذلك القرار، إلا أنها تمسكت به بعناد شديد، وكأنها تبحث عن مساحة تهرب فيها من نفسها قبل أن تهرب من الآخرين.
أما شاهين، فما زال داخل المشفى، يتعافى من أثر تلك الرصاصة التي كادت أن تنهي كل شيء، لكنها بدلًا من ذلك فتحت بداخله أبوابًا جديدة لم يكن مستعدًا لها.
وترنيم...
ابتعدت عنه بإرادتها، بعدما شعرت بشيء غريب يتسلل إلى قلبها نحوه، شعور لم تستطع تفسيره، لكنه كان يكبر كلما فكرت به، فاختارت الهروب، وقررت ألا تذهب إليه مرة أخرى منذ آخر لقاء جمعهما.
أما مروان، فقد ظل إلى جوار أخيه طوال الوقت، يطمئن عليه، ويتولى أمره، بينما كانت مريم تنتظر صوته كل يوم عبر الهاتف، وما إن تسمعه حتى تشعر بشيء من الراحة يعود إلى قلبها، ولو مؤقتًا.
وزين...
ما زال مستمرًا في لعبته مع رنيم، يرسم لها صورة الأخ الحنون، يخفي نواياه خلف كلمات دافئة واهتمام مصطنع، حتى تستمر في الوثوق به، وتمنحه ما يريد من معلومات بإرادتها الكاملة، دون أن تشعر أنها تسير بنفسها نحو الفخ.
وفي صباح يوم جديد...
استيقظت رنيم داخل شقتها الجديدة على صوت رنين هاتفها، كان الصوت حادًا وسط ذلك الصمت الثقيل الذي صار يملأ المكان. تحركت ببطء، وما زالت آثار النوم تثقل جفونها، مدت يدها نحو الهاتف فوق الطاولة المجاورة، التقطته بعشوائية، وأجابته دون أن تنظر إلى الشاشة، وصوتها ما زال مغمورًا بالنعاس والتعب:
"آلو السلام عليكم."
أتاها صوت رجولي من الطرف الآخر، صوت تعرفه جيدًا، يحمل تلك النبرة الساخرة التي باتت تميزه، وهو يقول لها:
"يا بختك انتي نايمة على سريرك فى اوضك، وانا نايم على سرير فى المستشفى."
اتسعت عيناها فورًا، وكأن النوم تبخر من جسدها دفعة واحدة، واعتدلت جالسة فوق السرير بسرعة، وقلبها خفق بعنف داخل صدرها، ثم نظرت إلى شاشة الهاتف بتوتر، وما إن رأت اسمه حتى شعرت بأنفاسها تتعثر داخلها. أغمضت عينيها للحظات، تحاول تهدئة اضطرابها، ثم أجابت بصوت مرتبك:
"ش شاهين! خ خير؟"
جاءها صوته هذه المرة أكثر هدوءًا، لكن سخريته كانت واضحة خلف كلماته، وهو يقول:
"مش المفروض تيجي تطمني على بصمتك اللي فى جسمي؟"
ارتجف شيء داخلها عند كلماته، وابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول أن تستوعب طريقته الغريبة في الحديث، ثم قالت بارتباك:
"ها!! ق قصدك ايه؟"
خفض صوته أكثر، حتى بدا لها وكأنه يقف بجوارها، يهمس داخل أذنها مباشرة، وقال:
"يعني انا قلتلك علاجي عيونك، وانتي تبخلي عليا بالعلاج ده ومتجيش تزوريني غير مرة واحدة بس."
زفرت بضيق، وشعرت بارتباك يختلط بانزعاج حقيقي من طريقته، ثم قالت بنفاد صبر واضح:
"انت عايز مني ايه يا شاهين؟ أنا مبقتش فهماك، يعني لو ده جزء من لعبتك، فبلاش ارجوك."
ساد الصمت بينهما لعدة ثواني، ثقيلًا ومربكًا، حتى شعرت أنه يفكر في شيءٍ ما، ثم أتاها صوته هادئًا، لكن يحمل شيئًا من الجدية هذه المرة:
"هستناكي تيجي النهارده فى المستشفى متتأخريش."
عقدت حاجبيها بضيق، وشعرت بالغضب يتسلل إليها من طريقته في تجاهل سؤالها، فقالت بسرعة وبحدة:
"ده ردك يعني؟ أنا مفهمتش حاجة؟"
أجابها باقتضاب بارد، وكأنه أنهى الحديث من جانبه:
"لما تيجي هرد عليكي."
وما إن أنهى كلماته، حتى أغلق الخط في وجهها دون أن يمنحها فرصة لإضافة حرف واحد.
ظلت تحدق في الهاتف لثواني طويلة، والغضب يشتعل داخلها، بينما كانت أنفاسها تتصاعد بحدة، وشعور غريب يضغط على صدرها، مزيج من الحيرة والارتباك والانجذاب الذي ترفض الاعتراف به. قبضت على الهاتف بقوة، ثم ألقت به بجوارها على السرير، وتمتمت بغيظ واضح:
"بني آدم مستفز، طيب مش رايحه واللي عنده يعمله، ها."
نهضت من فوق السرير بعصبية، وتحركت بخطوات سريعة نحو الحمام لتبدأ استعدادها للعمل، تحاول إقناع نفسها أنها لن تذهب، لكن في أعماقها كانت تعرف أن كلماته ما زالت تدور في رأسها، تزعجها، وتستفز قلبها قبل عقلها، وكأنه ترك حضوره داخلها رغم المسافة.
**************************
جلست جواهر على الأريكة بجوار جواد، بجسد منهك وروح مثقلة، ويداها ترتجفان ارتجافًا واضحًا لا تستطيع السيطرة عليه، وكأن الخوف تسلل إلى عظامها واستقر فيها. كانت نظراتها شاردة ومذعورة، تتنقل في الفراغ أمامها بلا تركيز، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، حارة وثقيلة، تحمل معها كل ما عجز صدرها عن احتماله. كانت شهقاتها متقطعة، أنفاسها مضطربة، وكأنها تغرق في بحر من العجز والظلم، ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا، وقد امتلأتا بانكسار موجع، وتكلمت من بين شهقاتها بصوت مرتعش يكاد يختنق من شدة الألم:
"مافيش فايدة يا جواد التهمة خلاص ثبتت عليا، مع أن والله العظيم مظلومة ومقتلتهاش، كل الأدلة عليا، مافيش ولا مخرج، أنا خايفة أوي."
ما إن سمع كلماتها ورأى ذلك الانهيار الواضح في ملامحها، حتى شعر وكأن شيئًا يمزق صدره من الداخل. لم يحتمل رؤية خوفها بهذا الشكل، فمد ذراعيه إليها سريعًا وأخذها داخل حضنه، ضمها بقوة وكأنه يحاول أن يحميها من العالم كله، أو ينتزع عنها ذلك الرعب الذي يلتهمها. أغمض عينيه للحظة وأخرج تنهيدة حارة مثقلة بالغضب والعجز، ثم تكلم بصوت مختنق، يحمل وجعًا أكبر مما أظهره:
"لا هيكون فيه مخرج أن شاءالله يا قلبي، أنا خلاص مش هعتمد على المحامين، أنا هنزل ادور على دليل برأتك بنفسي، ولو حكم الأمر هحاول اثبت التهمه عليا أنا وهدخل مكانك."
انتفضت بين ذراعيه ورفعت رأسها إليه بسرعة، وكأن كلماته أصابتها بصدمة جديدة، ثم أخذت تحرك رأسها بالرفض بعنف، والدموع ما زالت تنهمر فوق وجنتيها، وتكلمت من بين شهقاتها بصوت موجوع:
"ولا كده برضه هرتاح يا جواد، راحتي فى خروجنا احنا الاتنين من المكان ده."
تأمل وجهها طويلًا، ذلك الوجه الذي أنهكه البكاء والخوف، وشعر بوخزة حادة في قلبه وهو يرى كيف أصبحت مكسورة بهذا الشكل، فمال إليها وقبل رأسها بحنان عميق، كأنه يحاول أن يزرع فيها شيئًا من الطمأنينة، ثم تكلم بصوت يحمل غضبًا مكبوتًا يتصاعد داخله كالنار:
"اللي كان السبب فى دخولك المكان ده وحياتك عندي ما هرحمه وهدفعه تمن كل دمعه نزلت منك."
رفعت جواهر عينيها إليه، وتوقفت شهقاتها للحظة، وكأن شيئًا في نبرته جعل الشك يتسلل إليها. كانت تعرفه جيدًا، وتعرف متى يخفي شيئًا خلف هدوئه، لذلك نظرت إليه باستغراب واضح، وتكلمت بتساؤل متردد:
"أنت فيه حاجه مخبيها عليا يا جواد؟"
توترت ملامحه لجزء من الثانية، لكنه تمالك نفسه سريعًا، وحرك رأسه بالنفي على الفور، محاولًا أن يبدو طبيعيًا، ثم قال بصوت سريع وكأنه يريد إنهاء هذا السؤال قبل أن يتعمق:
"لا طبعا يا حبيبتي هخبي عليكي ايه بس، اهم حاجه متخافيش واجمدي كده انا احتمال اغيب يوم ولا اتنين بس هرجع بدليل برأتك."
ما إن سمعت كلمة "أغيب" حتى اتسعت عيناها بذعر، وكأن خوفًا جديدًا أشد قسوة هجم عليها، فابتعدت عن حضنه سريعًا ونظرت إليه برفض قاطع، وكأن فكرة ابتعاده وحدها كافية لتحطم ما تبقى من تماسكها، ثم قالت بصوت مرتجف ممتلئ برجاء موجع:
"لا لا اوعى تسيبني لوحدي يا جواد، أنا بستمد قوتي منك، علشان خاطري خليك جنبي فى وقت زي ده."
تأثر بكلماتها بشدة، وشعر بثقل المسؤولية فوق كتفيه أكثر من أي وقت مضى. مد يده وأمسك يدها المرتجفة بين يديه، ثم رفعها إلى شفتيه وقبلها بحب وطمأنينة، محاولًا أن ينقل لها من خلال لمسته وعدًا بالأمان، وتكلم بنبرة هادئة، لكنها ثابتة:
"مش هسيبك والله يا حبيبتي، أنا بس هغيب يوم او يومين بالكتير اوي، وان شاءالله أرجع بالمتهم الحقيقي."
تشبثت به بقوة، وكأنها تخشى أن يفلت من بين يديها بالفعل، وكانت نظراتها مليئة بالخوف عليه أكثر من خوفها على نفسها، ثم قالت بصوت مختنق بالدموع:
"أنا خايفه عليك يا جواد."
رغم النار المشتعلة داخله، ورغم الغضب الذي يكاد يفقده صوابه، إلا أن كلماتها لامست شيئًا دافئًا في قلبه، فارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، مليئة بالحب والاحتواء، ثم قال وهو ينظر إليها بعينين صادقتين:
"متخافيش عليا يا قلب جواد، حبك فى قلبي مقويني."
ثم جذبها إليه مرة أخرى وضمها داخل أحضانه بقوة، وكأنه يريد أن يثبت لها أنّه ما زال هنا، أنه لن يسمح لها بالانكسار، وقبل رأسها بحنو بالغ، بينما كانت عيناه تنظران إلى الفراغ أمامه، لكن داخلهما كان يشتعل وعيدًا وانتقامًا. في تلك اللحظة، لم يكن يرى أمامه سوى وجه مريم، وكانت نار الغضب تتأجج داخله وهو يحملها مسؤولية كل ما حدث، ويتوعد لها بصمت مرعب أنها ستدفع الثمن، مهما طال الوقت.
****************************
عند ترنيم...
كانت ترنيم تشعر بشيء غريب يتسلل إلى داخلها منذ ساعات، شعور ثقيل ومبهم، وكأن هناك مسافة خفية بدأت تنمو بينها وبين غريب، مسافة لم تعتد وجودها بينهما من قبل. كانت تراقبه بصمت، تتابع ملامحه المتعبة، ذلك الصمت الطويل الذي التف حوله كجدار صلب، ونظراته الشاردة التي لم تعد تصل إليها كما كانت دائمًا. شعرت باضطراب داخلي وهي تدرك أن هناك شيئًا تغير، شيئًا انكسر أو اهتز بينهما، لكنها لم تعرف كيف تصل إليه أو كيف تصلح ما حدث.
اقتربت منه ببطء، كانت خطواتها حذرة وكأنها تخشى أن تقترب أكثر فتكتشف حجم الشرخ الذي صنعته كلماتها السابقة. جلست بجواره على المقعد، وقلبها مثقل بالتوتر والندم، ثم التفتت إليه قليلًا وتكلمت بصوت منخفض، يكاد يحمل رجاءً خفيًا:
"غريب!"
لم ينظر إليها، ظل كما هو، مغمض العينين، مسندًا رأسه إلى الخلف فوق الحائط، وكأنه يحاول أن يهرب من كل ما يدور حوله، أو ربما من كل ما يدور داخله. لكنه أجابها بصوت هادئ، خافت، يحمل إرهاقًا واضحًا:
"امم، نعم يا ترنيم؟"
ترددت للحظة، وشعرت بأن السؤال الذي تريد طرحه صار أثقل من قدرتها على قوله، لكنها أجبرت نفسها أخيرًا، ونظرت إليه بتوتر واضح وقالت بصوت متردد:
"انت زعلان مني فى حاجة؟"
عقد ذراعيه على صدره بإحكام، وكأنه يغلق على نفسه أكثر، وما زالت عيناه مغلقتين، ثم قال بنبرة هادئة، لكنها باردة على غير عادته:
"مش وقته يا ترنيم، نخلص من موضوع جواهر ده، وبعد كده هيكون لينا كلام مع بعض."
شعرت بوخزة حادة في قلبها، لأنها فهمت فورًا ما يقصده. كانت تعرف جيدًا أن الجرح لم يمر عليه مرورًا عابرًا، وأن كلماتها تركت أثرًا أعمق مما توقعت. مدت يدها ببطء وأمسكت يده، كأنها تحاول أن تستعيد قربه من خلال تلك اللمسة، ثم قالت بصوت مثقل بالأسف والندم:
"أنا اسفه يا غريب، مكنتش اقصد اجرحك وقتها، ا أنا بس كنت منهارة علشان ابني، واللحظة دي غصب عني فكرتني بالماضي."
فتح عينيه أخيرًا، لكن ما رأته فيهما جعل قلبها ينقبض؛ كان الغضب واضحًا داخلهما، غضب مختلط بوجع قديم وحديث، وكأن كلماتها أعادت فتح جرح ظن أنه التأم منذ زمن. نظر إليها وتكلم بصوت مختنق، يحمل مرارة السنين:
"انتي اثبتي ليا أن مهما العمر اتقدم بينا، عمرك ما حبتيني ولا هتحبيني، وجودك جنبي دلوقتي علشان خاطر عيالك وبس، مع أن زمان خيرتك وقلتلك لو مش حابه نكمل مع بعض ابعد واسيبك، انتي اللي رفضي وقتها، وقررتي تكملي معايا بكامل إرداتك."
كانت كلماته كصفعة موجعة على قلبها، لأنها أدركت للمرة الأولى حجم ما يشعر به، وحجم الشك الذي حمله داخله كل تلك السنوات دون أن ينطق به. أسرعت بالكلام، وكأنها تخشى أن يبتعد أكثر، أو أن يصدق ذلك الظن:
"بحبك والله العظيم بحبك يا غريب، انت حاجة اساسيه فى حياتي مقدرش استغنى عنك، انت طول عمرك اكبر داعم ليا، وقفت جنبي كتير وسندني فى أصعب أوقاتي، أنت اماني فى الدنيا يا غريب."
كانت عيناها صادقتين، وصوتها يرتجف بصدق واضح وهي تنظر إليه مباشرة، ثم أكملت بنبرة أكثر ضعفًا وألمًا:
"صدقني أنا مكنتش اقصد اوجعك، أنا اسفه ليك بجد سامحني."
ظل ينظر إليها طويلًا، يبحث داخل عينيها عن الحقيقة، عن ذلك الشعور الذي انتظره منها طويلًا، وكان يشعر بصدق كلماتها، لكن الألم داخله كان أقوى من أن يلين بسهولة. ظل صامتًا للحظات، ثم تكلم بصوت مختنق، وكأن السؤال يخرج منه بصعوبة كبيرة:
"انتي لسه بتحبي سلطان يا ترنيم؟"
اهتزت مقلتاها فورًا، وكأن السؤال أصاب مكانًا حساسًا داخلها، وتوقفت أنفاسها للحظة. لم تهرب من السؤال، ولم تبحث عن كذبة مريحة، بل اختارت الحقيقة، لأنها تعلم أنه يستحقها. رفعت عينيها إليه وتكلمت بصوت صادق، هادئ، يحمل وجع الذكرى:
"هكدب عليك لو قلتلك لا، لأن سلطان مكانش مجرد إنسان عادي، ده كان عالم مكتمل بالنسبالي، كان بالنسبالي الاب والاخ والعم والخال وكل حاجه ليا، ولحد دلوقتي مش متقبلة فكرت موته، بس هو حاليا بالنسبالي، البنت اللي فقدت ابوها، إنما انت الامان والحب والاحتواء اللي ربنا بعته ليا فى عز احتياجي علشان تكون البلسم الشافي لجروحي، كفايه انك خلتني ام لاجمل وردتين، هو كان الحب اللي اتولد معايا من أول لحظة جيت فيها الدنيا، أما انت الحب اللي اخترت اكمل معاه بكامل إرادتي، ولو رجع بينا الزمن من تاني هختار أن أكمل معاك حياتي تاني وتالت."
استمع إليها بصمت، وكل كلمة كانت تصل إليه بوضوح، وكان يشعر أنها لا تكذب، أنها تضع أمامه قلبها كما هو، بكل ما فيه من ماضي وحاضر. شعر بصدقها، وشعر أنه مهم في حياتها كما قالت، لكن الجرح كان لا يزال حيًا، ولم يكن مستعدًا لمنح الغفران بهذه السرعة، أرادها أن تشعر بوجعه كما شعر هو بوجع كلماتها.
لذلك أجبر قلبه على القسوة، رغم أنه كان يلين لها من الداخل، وتكلم بنبرة حادة، فاصلة:
"عمومًا لا ده مكانه ولا ده وقته، لما نخلص من اللي احنا فيه نبقى نتكلم."
أنهى كلماته، ثم استقام بجسده وتحرك مبتعدًا عنها دون أن يمنحها فرصة أخرى للكلام، وكأنه يهرب قبل أن تخونه مشاعره ويسامحها.
ظلت ترنيم جالسة مكانها، تتابع ابتعاده بعينين مثقلتين بالحزن، وشعرت بثقل كبير يجثم فوق صدرها. زفرت بضيق وهي تدرك تمامًا أنها جرحته، وأن هذه المرة لم يكن الأمر ككل مرةٍ سابقة. كانت معتادة على غفرانه السريع، على احتوائه الدائم، على أنه يعود إليها مهما حدث، لكن هذه المرة بدا مختلفًا، أكثر وجعًا، وأكثر بعدًا.
اعتدلت في جلستها ببطء، وأسندت ظهرها إلى المقعد، وظلت تحدق أمامها بشرودٍ طويل، تستعيد كلماته واحدة تلو الأخرى، وتتساءل داخلها إن كانت قد دفعت اليوم ثمن كلمات قالتها في لحظة ضعف، لكنها أصابت قلبًا أحبها بصمت طويل.
**************************
بالشركة...
كانت رنيم تجلس على مقعدها داخل مكتبها، لكن جسدها وحده هو الموجود هناك، أما عقلها وقلبها فكانا في مكان آخر تمامًا؛ في تلك الغرفة البيضاء داخل المشفى، عند ذلك الرجل الذي أصبح يقتحم أفكارها دون إذن، ويبعثر ثباتها كلما حاولت أن تجمعه. كانت تشعر بتوتر حاد يضغط على صدرها، وكأن أنفاسها لم تعد تسير بانتظام منذ أن سمعت صوته صباحًا. قلبها كان يلح عليها بإصرار مؤلم أن تذهب إليه، أن تراه، أن تطمئن عليه بعينيها، بينما عقلها كان يقف في الجهة الأخرى، يقنعها بأن البقاء بعيدًا هو القرار الصحيح، وأن اقترابها منه لن يجلب لها سوى مزيد من الفوضى التي لم تعد تحتملها.
نهضت فجأة من مكانها بغضب، وكأنها تحاول أن تهرب من نفسها، وبدأت تتحرك في أرجاء المكان بخطوات مضطربة، تمرر يدها بين خصلات شعرها بعنف واضح، بينما كانت ملامحها مشدودة، وعيناها تعكسان حالة التمزق التي تعيشها. شعرت وكأن رأسها على وشك الانفجار من كثرة التفكير، وكأن كل فكرة بداخلها تصرخ أعلى من الأخرى، حتى فقدت قدرتها على التمييز بين ما تريده وما يجب عليها فعله. حركت رأسها برفض واضح، محاولة إسكات كل هذا الضجيج الداخلي، لكن التشتت كان أقوى منها، فأخذت حقيبة يدها بسرعة وخرجت تركض وكأنها تهرب من معركة خاسرة.
هبطت إلى الأسفل بسرعة، وصعدت إلى سيارتها، أدارت المحرك بعجلة وانطلقت بها، بينما الطريق أمامها كان ضبابيًا رغم وضوحه. كانت أصابعها تقبض على المقود بقوة، وعقلها يغلي كمرجل مشتعل، تتقاذفه الأفكار بين أن تذهب إليه، وبين أن تقاوم هذا الاندفاع الذي أصبح يسيطر عليها بشكل مخيف. كانت تحاول إقناع نفسها أن ذهابها إليه ضعف، وأن بقاءها بعيدة هو النجاة الوحيدة، لكن قلبها كان يسحبها إليه بلا رحمة، حتى شعرت وكأنها تفقد السيطرة على نفسها شيئًا فشيئًا.
وأخيرًا وصلت إلى أسفل البناية الخاصة بها، وكأن قرار الهروب إلى بيتها كان آخر محاولة للنجاة من ذلك الصراع الداخلي. ركضت إلى الداخل، وصعدت بالمصعد الكهربائي بسرعة، وما إن توقف عند طابق شقتها حتى خرجت منه مسرعة، فتحت الباب ودلفت إلى الداخل، ثم أسندت ظهرها عليه بقوة، وأغمضت عينيها وهي تحرك رأسها برفض، وكأنها تقنع نفسها أنها انتصرت هذه المرة ولم تذهب إليه.
لكن انتصارها لم يدم سوى لحظات.
انتفض جسدها كله عندما سمعت صوت طرقات على الباب.
استدارت ببطء شديد، وقلبها بدأ ينبض بعنف، شعور غريب تسلل إليها قبل أن تفتح الباب، كأن حدسها كان يخبرها بمن يقف خلفه. مدت يدها المرتجفة وفتحت الباب، وما إن وقعت عيناها عليه حتى اتسعتا بصدمة شديدة، كان يقف أمامها.
بهيئته الرجولية الطاغية، بحضوره الذي يخطف الأنفاس حتى الاختناق، وبنظراته التي كانت دائمًا تترك أثرًا غريبًا داخلها لا تستطيع تفسيره. تجمدت في مكانها تمامًا، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، وعيناها بقيتا معلقتين به دون أن تتحرك، بينما قلبها أخذ يضرب بعنف داخل صدرها.
لكن صوته الهادئ أعادها إلى الواقع وهو يقول:
"طيب ايه هتخليني واقف كده كتير؟ ده حتى لما جيتي عندي دخلتك من غير أي اعتراض."
فتحت فمها بعدم فهم، وقد خانها عقلها تمامًا وقالت:
"ها..."
حرك رأسه على طريقتها، وكأن ارتباكها بات شيئًا مألوفًا بالنسبة له، ثم أبعدها من أمامه وتحرك إلى الداخل وهو يقول لها:
"كنت متأكد انك مش هتيجي، جيت أنا بنفسي."
ظلت واقفة مكانها لا تتحرك، لا تتكلم، عيناها ثابتتان أمامها، وكأن وجوده المفاجئ داخل عالمها الخاص أصابها بحالة من الشلل الكامل، لم تستوعب حتى كيف دخل، ولا كيف سمحت له بذلك.
لكنها انتفضت بعنف عندما شعرت بصلابة ظهره يلتصق بها من الخلف وهو يغلق الباب، واقترابه المفاجئ منها جعل جسدها يتجمد، ثم سمعت صوته الهادئ الهامس بجوارها، ذلك الصوت الذي تسلل مباشرة إلى قلبها وأربكه:
"هو لدرجاتي ليا تأثير قوي عليكي؟"
ابتعدت عنه سريعًا، وكأنها تحاول استعادة مساحتها الضائعة، وتكلمت بصوت متقطع، يكشف ارتباكها رغم محاولتها إخفاءه:
"ا انت جاي ع عندي ليه؟"
تحرك إلى الداخل بثقة كاملة، وكأنه في بيته، وجلس على الأريكة واضعًا قدمًا فوق الأخرى، بينما كانت عيناه تراقبانها ببرود مستفز، ثم قال بسخرية:
"ليا زيارة عندك، مش انتي جيتي ليا فى بيتي؟ والصراحه كان فيه موضوع مكملتهوش."
أنهى كلامه بغمزة لئيمة.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقد فهمت مقصده فورًا، وشعرت بحرارة الدم تصعد إلى وجهها، وتكلمت بتلعثم واضح:
"ا انت قليل الادب ووقح على فكرة، م ممكن تمشي بقى مينفعش وجودك هنا."
تعالت ضحكاته، وكانت ضحكاته تزيد ارتباكها أكثر، ثم قال بصعوبة:
"انتي اللي دماغك شمال."
ثم أخرج السلاح من جيبه ووجهه إليها مباشرة وقال:
"أنا أقصد على ده."
اتسعت عيناها بصدمة، وتجمد الدم في عروقها للحظة، ونظرت إلى السلاح ثم إليه بعدم فهم وهي تقول:
"ا انت هتعمل ايه يا مجنون؟"
اقترب منها ببطء شديد، خطوة بعد خطوة، وعيناه مثبتتان عليها، بينما السلاح ما زال موجهًا إليها، حتى وقف أمامها تمامًا، قريبًا منها بشكل أربك أنفاسها، ثم مرر السلاح على شفتيها بحركة جعلت جسدها يرتجف رغمًا عنها، واقترب من أذنها وقال بصوت منخفض اخترقها بالكامل:
"متخافيش، انتي بقيتي إدمان ليا، ومقدرش استغنى عن الشفايف دول ولا عيونك اللي اسراني، انا رجعتلك سلاحك وبالطلقة اللي خرجت منه فى قلبي كمان."
أغلقت عينيها فورًا، وتعالت أنفاسها بشكل واضح، وشعرت أن الأرض تميد بها، وأن قدميها لم تعودا تحملانها، لكن ذراعه التف حول خصرها بسرعة وأسندها إليه قبل أن تسقط، وتكلم بثقة أربكتها أكثر:
"اوعي تحبيني يا رنيم، علشان هيكون وقتها الحب المستحيل."
انعقد حاجباها بعدم فهم، ورفعت عينيها إليه تبحث عن تفسير وسط هذا الجنون الذي يصنعه بكلماته، لكن قبل أن تتكلم، تفاجأت به يقترب منها ويطبع قبلة سريعة على شفتيها، خاطفة، لكنها كانت كافية لتربك عالمها بالكامل، ثم قال:
"للاسف ادمنتهم، وعلاجي منهم أصبح مستحيل."
ثم اقترب أكثر، وقبل عينيها برقة، وقال بصوت هامس جعل قلبها يرتجف:
"وعيونك اسرتني بطريقة خلتني أبقى سجينهم والغريب أني مش كاره ده، بالعكس حبيت دور الأسير، ومش عايز اتحرر منهم لحد اخر يوم فى عمري."
نظرت إليه بعينين غائمتين من شدة اضطراب مشاعرها، وكأنها فقدت قدرتها على فهم أي شيء، وتكلمت بصعوبة، وأنفاسها ما زالت غير مستقرة:
"أنا مبقتش فاهماك، تقولي متحبنيش، وبعدين تقولي كلام يوحي انك انت اللي كده."
ابتسم لها بهدوء، لكن خلف ابتسامته كان هناك شيء موجع، شيء ثقيل، ثم تكلم بنبرة منخفضة مثيرة:
"علشان مش هستحمل اشوفك بتتعذبي يا رنيم."
أنهى كلماته وابتعد عنها، وكأن اقترابه منها كان خطرًا عليه قبل أن يكون عليها. أمسك يدها، وقبلها بحب صامت، ثم وضع السلاح بيدها، وكأنه يعيد إليها شيئًا أخذته منه دون أن تدرك، ثم اتجه نحو الباب، واستدار إليها قبل أن يغادر وقال:
"أنا بقيت جارك فى الشقه اللي قصادك لو احتاجتي حاجة أنا موجود."
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
ظلت واقفة مكانها كأنها فقدت الإحساس بكل شيء حولها، لا تستوعب ما قاله، ولا تفهم ما يحدث معها، كان عقلها يدور في دوامة لا نهاية لها، وقلبها يصرخ بشيء لا تريد الاعتراف به. شعرت وكأنها تائهة وسط صحراء شاسعة، تحت شمس حارقة تذيب روحها ببطء، تنتظر انهيارها في أي لحظة.
نظرت إلى السلاح بين يديها، ثم رفعت أصابعها ببطء إلى شفتيها وكأنها ما زالت تشعر بأثر قبلته هناك، فتسارعت أنفاسها أكثر.
انتبهت أخيرًا إلى حالها، وتحركت سريعًا نحو غرفتها، جلست على سريرها، وأرجعت شعرها إلى الخلف بعصبية، ثم أخرجت زفرة طويلة وقوية، محاولة أن تفرغ بها تلك الحرب الصامتة التي اشتعلت داخلها، لكنها كانت تعلم في أعماقها أن هذه الحرب لم تبدأ اليوم، وأن نهايتها لن تكون سهلة أبدًا.