الفصل 29 | من 53 فصل

رواية ترانيم في درب الهوى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دودو محمد

المشاهدات
22
كلمة
6,894
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع والعشرون

ظل شاهين واقفًا مكانه كأن الكلمات قد اختنقت داخل حلقه، وكأن اللحظة التي ظل يهرب منها طويلًا وقفت أخيرًا أمامه بكل قسوتها، تمنعه من الفرار للمرة الأولى. شعر للحظة أن الهواء أصبح أثقل من أن يتنفسه، وأن نظرات رنيم المرتجفة المصدومة تخترق صدره مباشرة وتنتزع منه كل قدرة على التماسك.

كانت عيناه معلقتين بها، يراها تقف أمامه بتلك الهيئة المرتبكة، وكأن عالمها بأكمله بدأ يتداعى دون أن تفهم السبب بعد، بينما هو يعرف جيدًا أن الحقيقة التي أخفاها عنها ستدمر كل شيء بينهما في لحظة واحدة.

وفجأة ارتفع صوت رنيم بصورة أكثر حدة وغضبًا وهي تصرخ بصدمة:

"رد عليا يا شاهين ايه الكلام اللي بتقوله الست دي؟"

كانت حمرة قاتمة مخيفة تغطي عينيه من شدة الغضب والاختناق، بينما بدا وكأنه يحاول بصعوبة أن يجبر نفسه على النطق. نظر إليها للحظات طويلة وكأن قلبه ينتزع من بين ضلوعه حرفيًا، ثم خرج صوته أخيرًا مختنقًا ومثقلًا بشيء يشبه الهزيمة:

"دي أماليا مراتي، ودول بناتي."

في تلك اللحظة شعرت رنيم وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها دفعة واحدة.

اتسعت عيناها بذهول مرعب، وتراجعت للخلف بخطوات غير متزنة، ثم رفعت يدها المرتجفة تمررها داخل شعرها بعشوائية، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة صادمة مشوهة، ابتسامة إنسان يحاول استيعاب كارثة أكبر من قدرته على الفهم.

كانت تنظر إليه وكأنها لا تعرفه، وكأن الرجل الذي وقف منذ دقائق يحتضنها ويغرقها بكلمات الحب لم يعد نفس الشخص الواقف أمامها الآن.

وتكلمت بعدم فهم وصوتها يرتجف بصورة موجعة:

"مراتك! وبناتك! طيب ازاي؟ انت لسه كنت بتطلب مني الجواز، لسه كنت بتقولي بحبك."

ثم ارتفع صوتها بصورة هستيرية وهي تنظر إليه بعينين امتلأتا بالخذلان:

"فهمني يا شاهين، يعني ايه كلامك ده؟"

شعر شاهين بأنفاسه تضيق بعنف، وكان على وشك الاقتراب منها ومحاولة شرح أي شيء، لكن أماليا سبقته حين اقتربت منه وأمسكت ذراعه بتملك واضح، ثم نظرت إلى رنيم بابتسامة باردة مستفزة وهي تقول:

"يعني هو متجوز وعنده بنتين زي القمر عرايس اهم قصادك، أما انتي بقى، مجرد نزوة، واحده سهله قال يقضي معاها يومين وخلاص."

ما إن أنهت كلماتها حتى أغمض شاهين عينيه بعنف، واشتدت عضلات فكه بصورة مخيفة حتى برزت عروقه من شدة الضغط، ثم قال بصوت يحمل تحذيرًا مرعبًا:

"اماااليا، مسمعش صوتك نهائي، فاهمه؟"

لكن كلمات أماليا كانت قد وصلت بالفعل إلى قلب رنيم كالسكاكين.

حركت رأسها بعدم تصديق، بينما كانت دموعها تتجمع داخل عينيها رغم محاولاتها المستميتة للتماسك، ثم نظرت إليه بوجع حقيقي وقالت:

"بتسكتها ليه يا شاهين؟ ما هي فعلا بتقول الحقيقه، انت واطي وندل وجبان، حسك عينك تقرب مني تاني يا شاهين، أنا بكرهك."

شعر شاهين وكأن شيئًا ما انكسر داخله لحظة سماعه لتلك الكلمة الأخيرة.

اقترب منها سريعًا، وكأنه يريد الإمساك بها قبل أن تضيع منه تمامًا، وكاد أن يتكلم، لكن رنيم صرخت بوجهه بعنف جعل خطواته تتجمد مكانها:

"قلتلك متقربش، اطلع بره، مش عايزه اشوف وشك تاني."

كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، ودموعها تنهمر دون توقف، بينما كانت تنظر إليه بنظرات مختلطة بين الكراهية والانكسار، وكأنها لا تصدق أن الرجل الذي سلمته قلبها بهذه الثقة هو نفسه من أخفى عنها حياة كاملة.

أما شاهين، فقد بدا لأول مرة عاجزًا بالكامل.

نظر إليها بعينين ممتلئتين بالرجاء والاختناق، ثم تكلم بصوت مبحوح متوسل:

"رنيم، اهدي علشان خاطري، اديني فرصه، افهمك الحقيقه."

لكنها حركت رأسها بعنف وهي تبكي وقالت:

"مش عايزة اسمع صوتك يا شاهين، اطلع بره."

ارتسمت ابتسامة انتصار واضحة فوق شفتي أماليا، وكأنها حققت ما جاءت من أجله تمامًا، ثم اقتربت من شاهين وأمسكت يده بنبرة مستفزة متعمدة: "يلا يا حبيبي على البيت، أنا وبناتك مشتاقين ليك."

اشتدت قبضة شاهين بعنف حتى كادت عظام يده تتحطم، وكان الغضب يشتعل داخله بصورة مرعبة، لكنه رغم ذلك رفع عينيه نحو رنيم ونظر إليها نظرة طويلة موجوعة، وكأنه يحاول حفظ ملامحها قبل أن يفقدها، ثم قال بتساؤل غريب وسط كل ذلك الخراب:

"طيب والعشا، مش هتروحي؟"

نظرت إليه رنيم بصدمة حقيقية، وكأنها غير مصدقة أنه ما زال قادرًا على الحديث بصورة طبيعية بعد كل ما حدث، ثم قالت بانفعال حاد:

"انت بجد مستفز، اطلع برره يا شاهين، مش عايزه اشوف وشك ولا اسمع صوتك."

زفر شاهين بضيق شديد، ثم أمسك أماليا من ذراعها بعنف واضح وأجبرها على التحرك معه نحو الخارج، بينما كانت هي تنظر إلى رنيم بنظرات مليئة بالشماتة.

وقبل أن يغادر، التفت شاهين نحو ابنتيه، فنظر إليهما بحزن عميق موجع، ثم ترك ذراع والدتهما بصمت وكأن التعب أصبح أثقل من احتماله.

وما إن خرج من عندها حتى دفعت رنيم الباب بقوة هائلة، ثم أسندت ظهرها عليه، لكنها لم تستطع الصمود أكثر من ذلك.

بدأ جسدها ينهار ببطء، وانزلقت بظهرها حتى جلست على الأرض، ثم رفعت يدها إلى وجهها وانفجرت بالبكاء بصورة مؤلمة، بينما كانت شهقاتها تخرج ممزقة وكأن قلبها يتمزق بالفعل داخل صدرها.

أما بالخارج…

فقد وقف شاهين للحظات أمام الباب بعدما سمع صوت بكائها المنهار.

أغمض عينيه بقوة، وشعر بقلبه يسحق تحت وطأة عجزه. لم يكن هناك شيء أصعب عليه من سماع انهيارها بسببه، لكنه كان يعلم أيضًا أن أي محاولة للبقاء الآن ستجعل الأمور أسوأ.

تحرك أخيرًا نحو باب شقته، فتحه بعنف خافت، ثم تكلم بصوت مختنق ما زالت آثار ألمها واضحة فيه:

"اتفضلي خدي البنات وادخلي وانا عندي مشوار مهم، هخلصه وارجعلك وأشوف سبب وجودك في مصر ايه."

تحركت أماليا إلى الداخل برفقة ابنتيها، بينما أغلق شاهين الباب بقوة خلفهم، ثم استدار ببطء ونظر نحو باب شقة رنيم.

ظل ينظر إليه لثواني طويلة بصمت قاتل، وكأن روحه ما زالت واقفة خلف ذلك الباب معها.

ثم زفر بضيق شديد وتحرك أخيرًا نحو المصعد، دخله وهبط به إلى الأسفل، وبعدها خرج بخطوات سريعة متوترة واتجه مباشرة إلى سيارته.

صعد إليها بعنف، أدار المحرك، ثم انطلق بها بسرعة جنونية، وكأن الهروب هو الشيء الوحيد الذي ما زال قادرًا عليه بعدما انهار كل شيء بين يديه.

***************************

بالمساء، كانت أجواء الفيلا تبدو هادئة من الخارج، لكن داخل الجدران كانت الأرواح تضج بمشاعر متناقضة، بين فرحة النجاة، وقلق خفي يتسلل إلى القلوب دون رحمة.

جلس جواد على الأريكة واضعًا ساقًا فوق الأخرى بعصبية واضحة، بينما كانت أصابعه تضرب على ذراع المقعد بحدة متقطعة تكشف عن غضبه المكتوم. كان يشعر بضيق خانق كلما تذكر أن شاهين سيجلس بينهم الليلة، في منزلهم، وعلى مائدتهم، وكأنه فرد من العائلة، بينما داخله يرفض وجوده رفضًا قاطعًا لا يستطيع تفسيره بالكامل حتى لنفسه. كانت نظراته مشتعلة طوال الوقت، يرمق الباب بين الحين والآخر وكأنه ينتظر دخوله ليبدأ القتال فورًا.

أما غريب، فكان يتابع ابنه بصمت عميق، يدرك جيدًا ما يدور داخله، ويلاحظ ذلك الاحتقان الواضح الذي يحاول جواد إخفاءه عبثًا. لكنه لم يتدخل، فقط ظل يراقبه بعين رجل لديه من الخبرة ما يكفي، ويعلم أن بعض المشاعر لا تُناقش، بل تُكشف وحدها مع الوقت.

جلست ترنيم إلى جوار غريب وقلبها يكاد يقفز من شدة التوتر والسعادة معًا. لأول مرة منذ سنوات طويلة ستدخل رنيم هذا المنزل بإرادتها، لأول مرة ربما يلين ذلك الحاجز القاسي الذي بُني بينهما عبر العمر. كانت تحاول أن تبدو هادئة، لكن عينيها المعلقتين بساعة يدها فضحتا اضطرابها الواضح، ثم التفتت إلى غريب وسألته بقلق حاولت إخفاءه:

"هما مالهم اتأخروا كده ليه يا غريب."

حرك غريب كتفيه بهدوء وقال بعدم معرفة:

"معرفش يا ترنيم، زمانهم جايين."

تحدثت أروى وهي ما تزال غير مصدقة لما يحدث، وكأنها تخشى أن تستيقظ من حلم جميل:

"أنا لحد دلوقتي مش مصدقه نفسي، أن رنيم هتيجي عندنا."

تنهدت سمية بحنين موجع، ثم قالت بنبرة يغلبها الدفء رغم الحزن المختبئ خلف كلماتها:

"رنيم طيبه على فكرة، بس منها لله بقى أمها عرفت تكرهها فى امك حتى بعد موتها."

أومأت جواهر برأسها سريعًا وكأنها تؤكد على كل حرف قيل، ثم تحدثت بصوت هادئ يحمل تعاطفًا واضحًا:

"طيبه وغلبانه اوي، رغم أنها بتحاول تظهر أنها قاسيه وقويه، بس من جواها هشه وضعيفه."

ارتجف قلب ترنيم مع الكلمات، وشعرت بوخزة ألم حقيقية داخل صدرها. كانت تعرف ذلك، تعرف أن تلك القسوة ليست سوى درع تخفي خلفه كل انكساراتها، لكنها رغم ذلك كانت عاجزة عن الاقتراب منها كما تتمنى. زفرت ببطء وقالت بتوتر واضح:

"أنا متحمسه اوي، وحاسه أن قلبي طاير من الفرحه."

لكن جواد، الذي كان يغلي من الداخل، لم يستطع كتمان ضيقه أكثر، فقال بنفاذ صبر واضح:

"أنا اصلا مش عارف اللي اسمه شاهين ده جاي معاها ليه؟ احنا عيله فى بعض، هو ماله بقى."

نظر إليه تامر محاولًا تهدئة الأجواء قبل أن تنفجر، وقال بنبرة عقلانية:

"متنساش أن هو اللي ظهر براءة مراتك، وابوك عزمه علشان يشكره على اللي عمله ده."

لكن جواد لم يقتنع، بل ازداد تذمره، وأدار وجهه للجهة الأخرى وهو يتمتم بغضب:

"محسسني أنه عمل اللي ميتعملش، على فكرة بقى ربنا هو اللي ظهر براءتها مش اللي اسمه شاهين ده."

رفع غريب عينيه إليه بملل واضح، ثم قال بنبرة حازمة تحمل نفاد صبره:

"جواد اهدا بقى متبقاش شبه الاطفال كده، قولنا بنشكره على حاجة عملها وخلاص."

وفي اللحظة نفسها دوى جرس الباب داخل الفيلا، فانتفض جواد من مكانه واتجه نحوه بخطوات سريعة، بينما شعور ثقيل كان يضغط فوق صدره بقوة.

فتح الباب، وما إن وقعت عيناه على شاهين حتى اشتعل الغضب داخله بصورة أعنف، وكأن مجرد رؤيته تستفز كل خلية فيه. وقف أمامه حاجبًا الطريق، ينظر إليه بنظرات حادة تكاد تشتعل شررًا.

أما شاهين، فكان يبدو متوترًا من الداخل رغم محاولته الثبات. عيناه كانتا مرهقتين بصورة واضحة، ووجهه يحمل آثار يوم قاسي، لكنه حين لمح تلك النظرة العدائية من جواد، ضاق صدره أكثر وقال بصوت غاضب:

"روح نادي حد كبير يا شاطر."

قبض جواد على يده بقوة حتى برزت عروقه، ثم قال من بين أسنانه بتهديد واضح:

"بلاش تستفزني علشان مقلش منك."

لكن شاهين ابتسم بسخرية باردة، ثم قال باستفزاز متعمد:

"طيب انا قصادك اهو وريني هتقل مني ازاي؟"

كانت الشرارة على وشك الاشتعال فعلًا، ولولا أن غريب أدرك من تأخرهما أن كارثة صغيرة توشك أن تقع، لما مر الأمر بسلام. التفت سريعًا إلى تامر وقال بحزم:

"روح استقبلهم يا تامر وهات التاني المجنون ده."

أومأ تامر برأسه ونهض فورًا، وحين وصل وجد جواد بالفعل على وشك الاندفاع نحو شاهين، فأمسك ذراعه سريعًا يمنعه، ثم التفت إلى شاهين بابتسامة ترحيب متكلفة وقال:

"منور يا شاهين باشا، اومال فين رنيم؟"

تبدلت ملامح شاهين للحظة، وعبرت غمامة ألم سريعة داخل عينيه، لكنه أخفاها سريعًا وقال بابتسامة متوترة:

"بنورك، رنيم تعبت شوية ومقدرتش تيجي معايا."

تكلم تامر وهو يفسح الطريق:

"اتفضل الكل منتظرك جوه."

نهض غريب وقال بترحاب محسوب:

"اهلا وسهلا يا شاهين، منور الفيلا."

وصل خبر عدم مجئ رنيم إلى الجميع كصفعة باردة، خاصة لترنيم التي كانت عيناها متعلقتين بالباب منذ دقائق بلهفة أم تنتظر ابنتها. وما إن سمعت أنه جاء وحده حتى خبت السعادة داخلها فجأة، وانطفأ وجهها بصورة موجعة، وجلست ببطء فوق الأريكة وهي تشعر بخيبة أمل حادة.

نظرت إلى سمية وهمست بصوت مختنق يكاد ينكسر:

"أنا متأكده أنها هى اللي مرضتش تيجي عندي."

ربتت سمية على يدها بحنان، محاولة تخفيف ذلك الوجع القديم الذي عاد ينهش قلبها، ثم قالت بهدوء:

"معلش يا حبيبتي متزعليش، اللي خلاكي تصبري كل السنين دي عليها طولي بالك عليها شويه كمان."

في الجهة الأخرى، جلس جواد بجوار جواهر وهو ما يزال يرمق شاهين بنظرات مشتعلة، حتى شعرت جواهر بذلك الغضب الصامت المشع من ملامحه، فأمسكت يده برفق وهمست:

"اهدا شويه يا جواد وشك باين عليه اوي، انك مش طايق الراجل."

ضغط على أسنانه بعنف وقال بصوت منخفض محتقن:

"أنا كنت ناوي اكسر عضمه، بس خالو تامر اتدخل فى اخر لحظة."

هزت جواهر رأسها بنفاد صبر وقالت بعدم فهم حقيقي:

"أنا مش عارفه ايه سر الكراهيه اللي ما بينكم دي؟"

لكن قبل أن يجيبها، تدخل غريب بصوته الرجولي الحازم قائلًا:

"حضروا الاكل يلا."

نهضت ترنيم بحزن واضح، وتبعتها سمية وأروى وجواهر نحو المطبخ، بينما بقي الرجال وحدهم داخل الصالة، والأجواء بينهم مشحونة بتوتر خفي يكاد يُلمس.

جلس غريب بثبات، ووضع قدمًا فوق الأخرى، ثم نظر إلى شاهين نظرة طويلة متفحصة قبل أن يقول:

"أنا كنت حابب اشكرك على مساعدتك لينا فى إظهار براءة جواهر مرات ابني، بس اللي مستغربه انت عرفت الحقيقه إزاي؟"

استرخى شاهين إلى الخلف محاولًا الحفاظ على هدوئه، وفعل مثله بوضع ساق فوق الأخرى، ثم قال بنبرة محسوبة وواثقة:

"كله عن طريق الصدفه، أنا كنت اتعرفت عليه عن طريق رنيم، وحسيت أنه مخبي حاجه وراه، ولما حصل كده وطلبت رنيم مني اساعدها نوصل للقاتل الحقيقي علشان تخرج بنت عمتها من السجن، احساس جالي وشكيت في اللي اسمه زين ده، ودورت أنا ورجالتي وراه لحد ما عرفت الحقيقه وروحت ليه وسجلت كل اللي قاله وقدمته للمحكمه."

ظل غريب يتأمله بصمت طويل، وكأن عينيه تحاولان اختراقه والوصول لما يخفيه خلف ذلك الهدوء المريب، ثم قال بتساؤل بدا عابرًا لكنه لم يكن كذلك أبدًا:

"بس انا سمعت التسجيل كله فى المحكمه وسمعت اسم اترددت كتير منه، اسم مريم، انت تعرف حد اسمه مريم؟"

للحظة قصيرة جدًا، تجمد شيء ما داخل شاهين، لكنه سرعان ما أخفى ارتباكه بابتسامة هادئة وقال بثقة:

"كلنا فى حياتنا حد اسمه مريم، بس ايه مشكلة الاسم معاك؟"

أجابه غريب بنفس النبرة الهادئة، لكن نظراته كانت أشد حدة:

"اصل الاسم ده بالذات وراه غموض كبير اوي، وانا بحاول أحل اللغز ده."

ابتسم شاهين ابتسامة صغيرة مدروسة، ثم قال:

"ربنا معاك وتقدر تحل اللغز ده فى أقرب وقت."

شعر تامر أن الجو بدأ يزداد توترًا، فتدخل سريعًا وهو يحاول تغيير مسار الحديث:

"قولي بقى ايه طبيعة العلاقة اللي بينك انت ورنيم؟"

وبمجرد سماع اسمها، تبدلت ملامح شاهين للحظة، وعبرت أمام عينيه صورة وجهها الباكي، صوتها وهي تصرخ فيه، نظرتها المنكسرة، فشعر بوخزة حادة داخل صدره كادت تخنقه. تنفس ببطء، ثم أجاب بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا:

"أنا ورنيم بنحب بعض وقريب إن شاءالله هنتجوز."

رفع جواد حاجبيه بسخرية وقال بتهكم لاذع:

"تتجوزها من نفسها كده؟ ده على اساس ان مافيش رجاله عندها تطلب ايديها منهم."

نظر شاهين إليه بضيق واضح، لكنه تمالك نفسه وقال بنفاد صبر:

"انا مقولتش هتجوزها من نفسها، أنا بقول بنحب بعض وقريب هنتجوز، بعد ما اجي اطلب ايديها منكم، بس لما نكون مستعدين للخطوة دي."

لكن جواد لم يتوقف، بل قال بنبرة لئيمة متعمدة:

"طيب مش المفروض نعرفك كويس قبل ما نديك بنتنا."

أومأ شاهين برأسه بثبات وقال بثقة واضحة:

"ده اكيد طبعا وتقدر تسأل عن شاهين الرواي، وهتلاقي كتير اوي يقولوا ليك أنا ابقى مين."

ابتسم تامر بمزاح يحمل معنى خفيًا وقال:

"واضح انك غامض ومش سهل يا شاهين."

فرد شاهين بهدوء مماثل:

"لا انا مش غامض، أنا واثق من نفسي ومعنديش اللي اخاف منه واداريه."

ظل غريب يراقبه بعينين ثاقبتين، ثم قال ببطء وكأنه يزن كل كلمة:

"لا واضح فعلا انك واثق من كل حاجة وحاسبها بالمسطرة."

وفي تلك اللحظة جاءت أروى وقالت بابتسامة خفيفة:

"مامي بتقولكم السفرة جاهزة."

أومأ غريب برأسه ثم نظر إلى شاهين قائلًا:

"يلا اتفضل معانا."

نهض الجميع من أماكنهم واتجهوا نحو طاولة الطعام، لكن رغم هدوء المشهد ظاهريًا، كانت العيون كلها تراقب شاهين بصمت، وكأن كل شخص على الطاولة يحاول اكتشاف الحقيقة المختبئة خلف ذلك الرجل الغامض.

***************************

بعدما غادر شاهين المنزل، خيم صمت ثقيل على المكان، كأن الجدران نفسها فقدت قدرتها على التنفس. بقيت أماليا واقفة في موضعها لثوانٍ طويلة، تحدق في الفراغ الذي تركه خلفه، وعيناها تتقدان بغضب مكتوم يختلط فيه الألم بالخذلان. كانت الصورة لا تفارق ذهنها؛ تلك اللحظة التي رأته فيها يحتضن فتاة أخرى ويقبلها بتلك الحميمية التي لم تعرفها معه منذ سنوات، وكأن قلبها أعاد عيش جرح قديم انفتح دفعة واحدة دون رحمة.

تحركت بخطوات بطيئة نحو إحدى الغرف داخل المنزل، وأغلقت الباب خلفها بإحكام، وكأنها تحاول أن تحبس داخلها كل ما ينهش روحها في الخارج. جلست على المقعد، وأسندت ظهرها إلى الخلف، وعيناها شاخصتان إلى سقف الغرفة، بينما بدأت ذاكرتها تنسحب بها قسرًا إلى البداية.. إلى حيث كل شيء بدأ قبل أن يتحول الحب إلى خيبة، والوعود إلى فراغ.

فلاش باااك…

كان شاب في منتصف العشرينات يتحرك داخل شركة والده خارج مصر بثبات وهيبة لافتة، خطواته واثقة. كانت الأنظار تتبعه أينما ذهب؛ الموظفون يتهامسون بإعجاب، والفتيات يتابعنه بنظرات مملوءة بالانبهار والارتباك، فهو لم يكن مجرد شاب وسيم، بل كان يحمل حضورًا طاغيًا وجسدًا عريضًا يفرض احترامه دون أن يتكلم.

لكن بالنسبة له، كل ذلك لم يكن جديدًا. اعتاد تلك النظرات منذ سنوات، حتى بات يتعامل معها وكأنها جزء من ديكور يومه المعتاد.

دخل مكتبه الفخم بخطوات هادئة، ثم جلس خلف مكتبه الخشبي الكبير، وأراح ظهره للحظات وكأنه يطرد إرهاقًا لا يراه أحد. وقفت أمامه فتاة تراقبه بإعجاب واضح ممزوج بالتوتر، وكأنها تخشى الاقتراب منه وفي الوقت ذاته لا تستطيع إخفاء انجذابها إليه. رفع شاهين عينيه القاسيتين ببطء، ثم قال بنبرة عملية صارمة:

"أماليا هاتي الملفات اللي محتاجة أمضى، ولو فيه اجتماعات النهارده ألغيها، تعبان مش قادر."

ردت عليه بلهفة خفيفة ولهجة عربية مكسرة، وصوتها يحمل حرصًا واضحًا:

"سلامتك مستر شاهين، تحب اتصل بالدكتور؟"

حرك رأسه بالنفي دون تردد، ثم قال ببرود عملي:

"لا مش محتاج، اتفضلي يلا على مكتبك."

توقفت لحظة قبل أن تتحرك، نظرة طويلة منها نحوه كأنها تحاول أن تحفظ ملامحه، ثم خرجت من المكتب. وبعد دقائق عادت تحمل الملفات المطلوبة، وضعتها أمامه على سطح المكتب، واقتربت منه قليلًا بانحناءة محسوبة، وأشارت إلى الأوراق وهي تقول:

"البند ده حضرتك محتاج يتراجع كويس."

رفع نظره نحوها، فلاحظ محاولة متعمدة لإبراز أنوثتها بطريقة لم تخفي عليه. لم يحتج سوى لحظة واحدة ليبعد عينيه عنها ببرود واضح، ثم قال بنبرة اشمئزاز حادة:

"مش بيجي معايا الأسلوب الرخيص ده، اتعدلي، وأول واخر مره تحاولي تعملي كده تاني فاهمه؟"

ارتبكت فورًا، وعدلت وقفتها بسرعة، وقالت بتوتر واضح:

"ها.. لـ لا والله مقصدش حاجه."

لم يعطها اهتمامًا، وبدأ يوقع على الأوراق وكأنه لم يحدث شيء، ثم عاد بظهره إلى الخلف وقال بنبرة رجولية صارمة:

"اتفضلي خدي الملفات وروحي على مكتبك."

خرجت مسرعة، جلست على مكتبها وقلبها يخفق بعنف، بين الخوف منه والرغبة فيه، بين الرفض والإصرار على الاقتراب أكثر.

ومرت الأيام، وظل هو على حاله، يصد كل محاولة منها للاقتراب، يضع حدودًا واضحة لا تسمح بالتجاوز، بينما هي كانت تزداد تعلقًا كلما ابتعد.

حتى جاء ذلك اليوم.. يوم تغير فيه كل شيء.

كان شاهين قد غادر الشركة في حالة غضب شديدة، كأن شيئًا داخله قد انكسر. وفي منتصف الليل، سمعت أماليا طرقًا على الباب. فتحت بسرعة، لتجده أمامها، مترنحًا، تفوح منه رائحة الكحول، وعيناه غارقتان في اضطراب ثقيل.

دون أن يتكلم، دخل إلى الداخل وسقط على الأريكة، بينما أسرعت هي تساعده بقلق واضح، وقالت:

"حضرتك كنت فين من الصبح اتصلت بيك كتير مش بترد؟"

فتح عينيه بصعوبة، ونظر إليها، كانت أمامه بصورة لم يرها من قبل، أقرب، أكثر جرأة، وأكثر إغراءً تحت تأثير السكر، فاقترب منها دون وعي كامل بما يفعل، بينما هي لم تقاوم، بل كانت تستقبل قربه وكأنه فرصة انتظرتها طويلًا.

وفي الصباح.. استيقظ شاهين ببطء، وعيناه تبحثان عن تفسير لما حوله. ما إن استوعب المشهد حتى اتسعت عيناه بصدمة، وارتبك جسده وهو يدرك الحقيقة كاملة.

التفت ببطء، فوجدها بجواره، ثم نظر إلى نفسه، وإلى الفوضى التي خلفها الليل، وكأن الواقع يصفعه بلا رحمة.

تحركت أماليا ببطء، ثم ابتسمت بخجل وقالت:

"ص صباح الخير."

أغمض عينيه بضيق شديد، ثم قال بحدة ممزوجة بالارتباك:

"هو ايه اللي حصل وانا جيت هنا ازاي؟"

جلست على السرير، وصوتها منخفض:

"ح حضرتك مشيت امبارح من الشركه متعصب، حاولت اتصل بيك علشان اوصلك بس مكنتش بترد عليا، وبليل لاقيتك جاي وكنت سكران، و و حصل ما بينا كده يعني."

مرر يده على وجهه بضيق شديد، ثم نهض وبدأ يرتدي ملابسه، وقال بنبرة قاسية محملة بالندم:

"بصي أنا معرفش ده حصل مني ازاي؟ بس انا كنت سكران ودي اول مره تحصل مني، شوفي ايه اللي يعوضك عن اللي حصل ده وانا مستعد اعمله ليكي."

اقتربت منه بسرعة، وقد ارتدت شيئًا خفيفًا حول جسدها، وقالت بصوت مكسور لكنه ممتلئ برجاء:

"اللي يعوضني عن اللي حصل هو انت يا شاهين، ا أنا كنت فيرچن و واول راجل يلمسني هو انت، أنا مرفضتش أن ده يحصل ما بينا، علشان أنا من أول مره شفتك فيها، كنت بحلم أنك تكون اول راجل في حياتي، ارجوك يا شاهين، خليك معايا، وصدقني مش هتندم."

ابتعد عنها بحدة، وارتسمت على وجهه قسوة واضحة، وقال:

"بس انا مش بفكر في الارتباط دلوقتي، معنديش وقت للكلام ده، أنا عندي حاجات اهم من الحب والجواز بكتير."

اقتربت منه مجددًا، تحاول التمسك بما تبقى من اللحظة، وقالت برجاء:

"صدقني مش هعطلك عن أي حاجه فى حياتك خالص، هاقف جنبك وادعمك فى أي حاجه بتعملها."

أغمض عينيه للحظة، وكأنه يحارب نفسه، ثم قال بصوت مختنق:

"سبيني دلوقتي افكر، وأبقى ارد عليكي."

ثم غادر المكان وتركها خلفه، وقلبها ممتلئ بتناقض غريب بين السعادة والخوف.

ومرت الأيام، وظل شاهين يتعامل معها ببرود رسمي، يقترب حينًا ويبتعد حينًا آخر، وكلما حاولت هي كسر المسافة، أعاد بناءها من جديد بتحذير لا يحتمل التأويل.

حتى جاء ذلك اليوم الذي قالت فيه، بصوت شاحب يكاد لا يسمع:

"شاهين، أنا حامل."

في تلك اللحظة، توقف الزمن داخله. لم يكن الأمر مجرد خبر، بل كان صدى حياة كاملة تعاد أمامه؛ طفولة مشوهة، غياب أب، وجراح قديمة لم تلتئم. أدرك أن دائرة الماضي تعود لتلتف حوله من جديد، وأن طفلًا آخر سيأتي إلى عالم لا يرحم.

ومن هنا، اتخذ قراره.. أن يتزوجها، لا حبًا، بل خوفًا من أن يعاد إنتاج مأساته القديمة في جسد طفل لم يولد بعد.

تغيرت حياتهم بعد الزواج، أصبح يهتم بها ظاهريًا، يحيطها برعاية واهتمام، لكنه كان قلبًا بعيدًا، وعقلًا غارقًا في أهداف أخرى لا علاقة لها بالحب. ومع مرور الوقت، جاء الطفل الأول، ثم تتابعت السنوات، وبدأت ملامح الاستقرار تتشكل ظاهريًا فقط.

لكن هذا الهدوء لم يدم.

فقد دخلت مريم إلى حياتهم كعاصفة باردة، تتسلل بين الشقوق لتوسعها. كانت تحرك الخلافات بدقة، تزرع الشكوك، وتحول البيت شيئًا فشيئًا من مكان دافئ إلى ساحة صراع لا تهدأ. لم يكن حضورها عابرًا، بل كان مؤثرًا كسم بطيء الانتشار، حتى انهارت العلاقة بين شاهين وأماليا تحت ضغط متواصل من المشاكل المفتعلة.

وانتهى الأمر بالانفصال.. لكنه أمام الأبناء، ظل الود بينهما، بينما الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا.

عاد شاهين إلى مصر برفقة مريم، بينما بقيت البنات مع أماليا. ورغم الانفصال، ظل يزور ابنتيه، يحمل لهما الحب والاهتمام، ويحاول أن يمنحهما ما يمكن أن يعوض غيابه.

ثم جاء يوم تغير فيه كل شيء مرة أخرى.

زيارة عادية، وطلب غريب من أماليا بأن يظل الأمر بينهم أمام الأطفال كما لو كانوا عائلة واحدة، حفاظًا على استقرارهم النفسي. وافق شاهين، وترك الباب مفتوحًا على وضع لم يكن زواجًا حقيقيًا ولا انفصالًا كاملًا، بل منطقة معقدة، زواج صوري، لكن أمام بناته يظهران حبهما لبعض.

ثم فجأة، انقطع.. وعندما تُسأل الفتايات عنه، كانت اجابتها لهم، أنها مجرد خلافات بينهما، وسوف تعود مع الوقت. حتى جاءها اتصال من مريم.

باااك…

عادت أماليا من شرودها، وكأن الماضي الذي أغرقها فيه وميض الذاكرة قد قطع فجأة بصوت شاهين الغاضب الذي اخترق سكون الغرفة كالسيف:

"أنا جتلك بقى، وعايز افهم ايه نزلك مصر؟"

ارتبكت لحظة، ثم نهضت ببطء، واقتربت منه بخطوات محسوبة، وكأنها تختبر حدود صبره الذي تعرف جيدًا أنه لم يعد كما كان. رفعت يدها، ومررتها على صدره في حركة مقصودة، مفعمة بالاستفزاز أكثر من الحنين، ثم قالت بصوت منخفض مائل للهمس:

"جيت لجوزي ابو بناتي، اللي بقالوا شهور مسألش فينا، وعايش حياته هنا ولا همه."

في لحظة واحدة تبدل الهواء بينهما، كأن الغرفة فقدت دفئها. دفع يدها بعيدًا عنه بقسوة، وكأن لمستها أحرقت جلده، ثم ضغط على أسنانه حتى برزت ملامح الغضب على وجهه بوضوح، وقال بحدة مكتومة:

"أماليا! بلاش طريقتك المستفزة دي، أنا وانتي عارفين أن الجواز ده صوري قصاد البنات، إنما انا وانتي انتهت علاقتنا من زمان أوي، عشر سنين، علاقتنا منتهيه."

لكن كلماته لم تطفئ ما بداخلها، بل زادته اشتعالًا. هزت رأسها بإنكار، وكأنها ترفض الاعتراف بحقيقة حاولت الهروب منها لسنوات، ثم قالت بصوت مختنق، يختلط فيه الألم بالتمسك:

"منتهيه عندك انت يا شاهين، إنما أنا لا، مافيش غيرك فى قلبي، مش قادره اشوف راجل غيرك، راضيه بحياة مفيهاش روح، في سبيل انك في يوم من الايام تحن وترجع تاني ليا، واتفاجأت لما شفتك مقرب من واحدة تانيه، عايش حياتك هنا، وانا هناك مستنياك زي العبيطه، بس لاا يا شاهين، محدش يقدر يخدك مني بسهوله كده، اللي تفكر تبص لجوزي افقع ليها عنيها."

كانت كلماتها تخرج محملة بسنوات من التعلق المرضي، من الانتظار، من الوهم الذي غذته وحدها. وفي المقابل، كان غضبه يتصاعد ببطء خطير، ليس فقط من كلماتها، بل من تلك الفكرة التي تحاول فرضها عليه كواقع.

اندفع نحوها في لحظة واحدة، وأمسك ذراعها بقوة مؤلمة، وقال من بين أسنانه، وصوته منخفض لكنه أشد فتكًا من الصراخ:

"أنا مش جوزك، انتي صفحه قديمه قطعتها من زمان، الرابط الوحيد اللي ما بينا هو بناتي، حياتي انا حر فيها احب اتجوز دي حاجه تخصني انا، ولو ابوكي راجل بجد، فكري تقربي ليها، علشان أنا وقتها هقتلك وادفنك ومحدش هيعرفلك طريق، فاهمه؟ وياريت تخدي نفسك وترجعي بلدك، وبناتي سبيهم ليا، ومالكيش دعوة بيهم."

ساد الصمت لثواني، لكنه كان صمتًا مشحونًا بالتهديد، وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. نظرت إليه أماليا بعينين تتقدان بالتحدي، رغم ارتجاف داخلي خفي، ثم قالت بإصرار:

"بتحلم يا شاهين، أنا مش هتحرك من هنا، والبنت دي انت هتبعد عنها برضاك أو غصب عنك، علشان أنا ببقى صعبه اوي، مع اللي يفكر ياخد مني حاجة تخصني."

ثبت نظره عليها طويلًا، وكأن عينيه تحفران قرارًا لا رجعة فيه، ثم قال بنبرة حادة، باردة بشكل مخيف:

"يبقى انتي اللي بدأتي الحرب، أستحملي بقى اللي جاي."

أنهى كلماته، وترك يدها فجأة، كأن وجودها لم يعد يعني له شيئًا سوى بداية صراع جديد. ثم استدار بغضب، وخرج من الغرفة بخطوات ثقيلة، متجهًا إلى غرفته، بينما بقيت هي وحدها، واقفة في مواجهة صمت أكثر قسوة من كلماته، وقد بدأ كل شيء بالفعل يتجه نحو نقطة لا عودة بعدها.

**************************

بعد ليالي طويلة قضتها رنيم داخل جدران منزلها، تتآكل ببطء تحت وطأة الوجع، شعرت وكأنها فقدت شيئًا من نفسها لا تعرف كيف تسترده. كانت الأيام تمر عليها ثقيلة خانقة، والليل يتحول إلى ساحة حرب بين عقل يحاول التماسك وقلب ينهار كلما تذكره. لم تكن تلك الفتاة التي اعتادت أن تواجه العالم بعينيها القاسيتين وكبريائها الصلب، لم تكن تلك المرأة التي كانت تسخر من الحب وتراه ضعفًا يسلب الإنسان قوته. قبل أن يدخل شاهين حياتها، كانت تعرف كيف تحكم قلبها جيدًا، كيف تغلق أبوابه بإحكام، وكيف تنام دون أن يوقظها الشوق أو يؤلمها الغياب.

أما الآن، فقد أصبحت هشة على نحو يخيفها.

أصبحت تستيقظ وهي تبحث عنه داخل تفاصيل يومها رغمًا عنها، تسمع صوته في صمت البيت، وتشعر بوجوده حتى في الفراغ. وذلك ما كانت تكرهه أكثر من أي شيء آخر، أنها لم تعد قادرة على التحكم بنفسها كما كانت.

لكن بعد كل تلك الليالي، وبعد ذلك الانكسار الذي سحق كبرياءها، اتخذت قرارها أخيرًا. لن تبقى تلك النسخة الضعيفة التي تنتظر حضوره لتتنفس، ولن تسمح لنفسها أن تنهار مرة أخرى بسبب رجل، مهما بلغ حبها له.

نهضت من فوق سريرها ببطء، كانت ملامحها شاحبة وعيناها متعبتين من كثرة البكاء والسهر. وقفت للحظات تنظر إلى الشرفة بغضب حاد، وكأنها تلوم المكان لأنه شهد ضعفها وانهيارها في غيابه. ثم تحركت بخطوات ثابتة نحو المرحاض، نزعت ملابسها بعصبية، ووقفت أسفل المياه الدافئة وقتًا طويلًا، تحاول أن تغسل عنها وجع الأيام الماضية، تحاول أن تطفئ ذلك الحريق المشتعل داخل صدرها منذ رحيله عن حياتها.

لكن بعض الأوجاع لا تزيلها المياه، بل تتركها أكثر وضوحًا.

أغلقت المياه أخيرًا، وارتدت برنس الاستحمام ثم خرجت إلى غرفتها بخطوات هادئة. اتجهت نحو خزانة ملابسها، أخرجت ثيابها وارتدتها ببرود مصطنع، ثم وقفت أمام المرآة تمشط شعرها بشرود.

وفجأة، داهمتها ذكرى قديمة دون رحمة.

تذكرت ذلك اليوم حين خرجت من الحمام، وكان يريد أن يأتي إليها، وكيف رفضته بخجل وهي تضحك بتوتر، بينما كان يطاردها بعينيه وكأنه لا يرى امرأة سواها في العالم كله.

ارتسمت ابتسامة موجوعة فوق شفتيها دون إرادة منها، ابتسامة باهتة مليئة بالحنين، لكنها سرعان ما اختفت، وحلت محلها نظرة قاسية متحجرة، وكأنها تعاقب نفسها على لحظة ضعف صغيرة تسللت إليها.

تنفست بعمق، ثم أمسكت حقيبة يدها وخرجت من الغرفة متجهة نحو باب الشقة.

لكن ما إن فتحته حتى سقط بصرها تلقائيًا على باب شقة شاهين المقابل.

تجمدت خطواتها للحظة.

شعرت بقلبها يختنق داخل صدرها، وكأن مجرد رؤية الباب أعادت إليها كل شيء دفعة واحدة، صوته، ضحكاته، لمسته، نظراته، وحتى وجعها بسببه.

أغلقت عينيها بقوة، تقاوم تلك الدموع التي حاولت الهروب من عينيها رغماً عنها، ورفضت أن تسمح لنفسها بالانهيار مرة أخرى. تحركت سريعًا نحو المصعد الكهربائي ووقفت أمامه بصمت قاتل تنتظر وصوله.

لكن قبل أن يفتح باب المصعد، انفتح باب شقة شاهين.

خرج هو، وبرفقته ابنتاه، كل واحدة منهما تتشبث بذراعه بحب.

وما إن وقع بصرها عليه حتى شعرت بقلبها ينقبض بعنف مؤلم.

كان يبدو وكأنه شخص آخر تمامًا.

شعره مبعثر بلا اهتمام، لحيته ازدادت طولًا، والهالات السوداء أسفل عينيه كانت شاهدة على ليالي لم يذق فيها النوم. حتى وجهه، كان يحمل ذلك الإرهاق القاسي الذي يصيب إنسانًا خسر شيئًا عزيزًا عليه ولم يعرف كيف يسترده.

أما هو…

فقد توقف الزمن حوله بمجرد أن رآها.

شعر وكأن روحه عادت إلى جسده بعد غياب طويل. كل شيء داخله اندفع نحوها بعنف، كان يريد أن يركض إليها، أن يحتضنها بكل قوته، أن يخبرها كم اشتاق إليها، وكم كانت الأيام بدونها جحيمًا لا يطاق.

اقترب منها برفقة ابنتيه حتى وقف خلفها مباشرة أمام المصعد.

أغمض عينيه للحظة قصيرة واستنشق رائحتها التي اشتاق إليها حد الجنون، وكأنه يحاول أن يملأ صدره بها بعدما حرم منها طويلًا.

أما رنيم، فقد كانت تقف متجمدة، بينما قلبها يضرب بعنف داخل صدرها. رؤيتها لابنتيه وهما متعلقتان بذراعه كانت كسكين بارد يغوص ببطء داخل قلبها. الألم كان حادًا إلى درجة جعلتها بالكاد تستطيع الوقوف بثبات.

ورغم غضبها منه، ورغم كل ما اكتشفته، إلا أن قربه وحده كان كافيًا ليبعثرها.

أخيرًا انفتح باب المصعد.

تحركت رنيم أولًا إلى الداخل، وتبعها شاهين وابنتاه. وقفت الفتاتان بجانب بعضهما، بينما وقف هو بجوار رنيم مباشرة.

ساد الصمت لثواني ثقيلة.

ثم حرك يده ببطء شديد، ولمس يدها بحذر، وكأنه يخشى أن تسحبها قبل أن يشعر بها.

ونظر إليها بعينين امتلأتا برجاء موجع.

لكنها انتفضت فورًا، وسحبت يدها بعنف، ثم التفتت إليه بنظرة مشتعلة بالغضب والخذلان.

أما هو، فلم يعد قادرًا على الصمت أكثر من ذلك.

اعتدل نحوها قليلًا وتكلم بصوت مختنق يحمل كل تعبه وانكساره:

"رنيم، وحشتيني، مش قادر اعيش من غيرك، ولا بتردي على مكالماتي ولا حتى بتطلعي البلكونه ولما خبط عليكي الباب كنت متأكد انك جوه بس مرضتيش تفتحي الباب، أنا عارف اني غلط لما مقولتش ليك، بس صدقيني انا كنت خايف تبعدي عني، أنا عمري ما عرفت الخوف فى حياتي الا لما عرفتك، انتي بقيتي نقطة ضعفي، سامحيني يا رنيم."

كانت تستمع إليه وقلبها يتمزق حرفيًا.

كل كلمة منه كانت تضرب جرحًا مفتوحًا داخلها. جزء منها كان يصدق ألمه، يشعر بصدقه، ويتمنى أن ينهار داخل حضنه وينتهي كل شيء، لكن الجزء الآخر كان يصرخ داخلها بغضب، يذكرها بالحقيقة التي أخفاها عنها، بالخيانة التي جعلتها تشعر وكأنها كانت تعيش وهمًا جميلًا.

وفجأة انفجر غضبها دفعة واحدة، ونظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع والصراخ:

"بس بقى، مش عايزه اسمع صوتك وكدبك اكتر من كده، انت واحد ندل وجبان رميت مراتك وبناتك ومسألتش فيهم، وكنت عايش حياتك عادي، تحب وتقول كلام حلو، لا وكمان ببجاحتك جاي تطلب الجواز مني ومستعجل كمان علشان تحطني قصاد الأمر الواقع، اتجوزك وبعد كده ألبس الحقيقه، وأكون مجبرة اتقبلها، طيب مفكرتش لو لحظة واحده، احساس بناتك ومراتك ايه، وانت رايح تتجوز، وتجيب ليهم ضره ومرات اب؟ طيب مفكرتش احساسي أنا ايه وقتها؟ أنا لو ندمانه على حاجة عملتها في حياتي، هو حبي ليك يا شاهين."

كانت كلماتها تخرج ممزقة، مختنقة بكمية هائلة من القهر، حتى إن عيني شاهين امتلأتا بألم واضح وهو يراها تنهار أمامه بهذا الشكل بسببه.

ثم التفتت بعينيها نحو ابنتيه.

كانت الصغيرة تنظر إليها بحزن وأسف، بينما الكبرى كانت تراقبها ببرود ورفض واضح.

وفي اللحظة التي توقف فيها المصعد وانفتح الباب، خرجت رنيم مسرعة وكأنها تهرب من المكان كله، منه، ومن نفسها، ومن قلبها الذي ما زال يحبه رغم كل شيء.

ظل شاهين يراقب أثرها بعينين غارقتين بالوجع، ثم نظر إلى ابنتيه وقال بحزن عميق:

"شكلها مش ناويه تسامحني بسهولة."

ردت ابنته الأصغر عمرًا، ذات الاثني عشر عامًا، بصوت هادئ يحمل نضجًا أكبر من عمرها:

"بابي هي ليها حق تزعل وأنت لازم تتعب علشان تسامحك."

أما ابنته الكبرى، ذات السادسة عشر عامًا، فقد عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيق واضح:

"لا طبعا بابي مش غلطان، هي اللي مأفورة أوي فى ردت فعلها، ايه المشكله أنه متجوز وعنده بنات، هو مش مجبر أنه يقولها، دي حاجه تخصنا احنا مش هي، ومن الاخر انا رافضه العلاقه دي يا بابي، مامي بتحبك وهي ندمانه واعترفت بغلطها، وجاتلك لحد عندك، المفروض تختار ام بناتك، مش عيله زي دي."

أغمض شاهين عينيه بضيق، فقد كان يعلم جيدًا أن تلك الكلمات لم تكن كلها من ابنة غاضبة، بل كانت صدى لما زرعته والدتها داخل رأسها.

فتح عينيه مرة أخرى، ثم نظر إليها بهدوء متعب وقال:

"إيما، أنا عمري ما فرط فيكم، انتوا الحاجه الحلوة اللي طلعت بيها من الدنيا، إنما مامتك مستحيل اسامحها ولا نرجع زي الأول."

ثم التفت نحو الصغيرة وسألها بابتسامة حزينة:

"ولا انتي أيه رأيك يا ميا؟"

ابتسمت الصغيرة برقة وأومأت برأسها قائلة:

"أنا أي حاجه تخليك سعيد، موافقه عليها يا بابي، وكمان مستعدة اساعدك."

ابتسم لها شاهين بحزن عميق، ثم انحنى يقبل رأسها بحنان، قبل أن يرفع عينيه نحو ابنته الكبرى، فوجدها ما تزال تنظر إليه بضيق وتذمر، تعقد ذراعيها أمام صدرها وتحرك ساقيها بعصبية واضحة، بينما كان هو يشعر أن حياته كلها بدأت تتفكك أمام عينيه، وأن المرأة الوحيدة التي أحبها بصدق أصبحت أبعد ما تكون عنه.

**************************

جلست مريم داخل غرفتها الواسعة في الفيلا، تستقر فوق مقعدها المتحرك بهدوء مخيف، بينما انعكست الإضاءة الخافتة على ملامح وجهها التي بدت ساكنة ظاهريًا، لكنها كانت تخفي خلفها عاصفة من الشر والعداء القديم. كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسها المنتظمة، بينما أصابعها تعبث بالهاتف ببطء وكأنها ترتب خيوط لعبة تعرف جيدًا كيف تُحكم إغلاقها حول الجميع.

ظلت تحدق بالشاشة للحظات، ثم ضغطت زر الاتصال، وأسندت رأسها للخلف تنتظر الرد بعينين باردتين لا تحملان أي رحمة.

وبعد عدة ثواني، وصلها صوت أماليا، فتكلمت مريم بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل خلفها حذرًا شديدًا:

"ها عملتي ايه طمنيني؟"

خرج صوت أماليا مختنقًا بالغضب والاختناق، وكأنها بالكاد تسيطر على أعصابها:

"معملتش حاجه، شاهين من وقتها وهو بينام فى اوضه تانيه ومجتنبني خالص، حتى الكلام مش بيتكلموا معايا، وقال ايه زعلان علشانها وبيهددتني لو قربت ليها."

تبدلت ملامح مريم فورًا، واشتعل شيء مظلم داخل عينيها، ثم قالت بنبرة غاضبة تحمل احتقارًا واضحًا:

"عرفتي بقى أنا جبتك ليه؟ مصلحة ابني يبقى معاكي انتي ام بناته، والبنت دي تخرج من حياته نهائي."

نظرت أماليا أمامها بشر واضح، وكأن مجرد ذكر رنيم يشعل داخلها نارًا يصعب إخمادها، ثم قالت بتوعد حاد:

"البنت دي انا هعرف اخليها تبعد عن شاهين ازاي!"

لكن مريم لم تكن تريد اندفاعًا أعمى، بل كانت تخطط لكل خطوة بدقة شيطانية، لذلك تكلمت سريعًا وهي تضيق عينيها بخبث:

"لا سبيها عليا، اهم حاجة الفترة الجايه خليكي انتي مع شاهين وحاولي تشغليه بيكي، لأن هيكون شبه التور الهايج لما يتم اللي انا بخططله."

ساد الصمت للحظة في الطرف الآخر، قبل أن تقول أماليا بعدم فهم وتوتر:

"ليه ناوية على ايه؟"

ارتسمت ابتسامة بطيئة فوق شفتي مريم، ابتسامة مرعبة تحمل داخلها نوايا سوداء، ثم قالت بصوت منخفض ممتلئ بالشر:

"ناوية اخليها تعيش تفاصيل حياة اكتر ست بتكرهها في الحياة."

اتسعت عينا أماليا قليلًا، بينما أكملت مريم حديثها بنبرة تحذيرية صارمة:

"بس إياكي تديها فرصه تقرب من شاهين، عايزاكي تظهري ليها قد ايه انتوا عايشين مبسوطين مع بعض، استخدمي بناتك سلاح ليها، علشان هي هشه اوي من حتة الاولاد دي."

كانت كلماتها تخرج بثقة امرأة تعرف جيدًا أين تضرب، وكيف تزرع الوجع داخل أضعف نقطة في قلب خصمها.

أومأت أماليا برأسها ببطء، وكأنها تتلقى أوامر معركة حقيقية، ثم قالت:

"ماشي يا مريم، همشي وراه كلامك لما اشوف اخرتها ايه."

أغلقت مريم الخط ببطء، ثم أبعدت الهاتف قليلًا وحدقت أمامها في صمت طويل، بينما الأفكار السوداء تدور داخل عقلها بلا توقف. لم يكن ما تخطط له مجرد انتقام عابر، بل كان تدميرًا مدروسًا لكل من حاول الوقوف في طريقها.

وبعد لحظات، أعادت النظر إلى الهاتف مرة أخرى، وبدأت أصابعها تعبث به حتى ضغطت على اتصال جديد.

وما إن وصلها صوت رجولي من الطرف الآخر، حتى قالت باقتضاب حاد:

"استعد يلا البنت رجعت الشغل."

ثم أغلقت الهاتف مباشرة دون أن تنتظر ردًا، وأسندت رأسها إلى الخلف، بينما ازدادت ابتسامتها اتساعًا بصورة بثت القشعريرة في المكان، وقالت بصوت منخفض ممتلئ بالتحدي والشر:

"تمام يا شاهين.. وريني بقى هتعمل ايه؟ وهتعرف ترجعها تاني ليك ازاي؟"

***************************

جلست رنيم خلف مكتبها كجسد حاضر وروح غائبة، تحدق أمامها بشرودٍ قاسٍ، بينما كانت كلمات شاهين الأخيرة لا تزال تتردد داخل رأسها كطعنة تُعاد مرارًا دون رحمة. شعرت وكأن كل شيءٍ بداخلها قد تهشم دفعةً واحدة؛ ثقته، صوته، نظراته، ودفء حضنه الذي كانت تظنه ملاذها الوحيد في هذا العالم، اتضح فجأة أنه مجرد وهمٍ كبير بُني فوق حقيقةٍ مؤلمة لم تكن تعرف عنها شيئًا.

تجمعت الدموع داخل عينيها الثقيلة بالإرهاق، لكنها أغلقت جفنيها بقوة، وكأنها تحارب ضعفها الأخير بكل ما تبقى لديها من كرامة. لم تعد تريد البكاء، سئمت من هذا الشعور الذي ينهش قلبها ببطء، سئمت من كونها الطرف الذي يُخذل دائمًا رغم صدقه.

أطلقت زفرة طويلة مرتجفة، وأسندت رأسها إلى ظهر المقعد للحظات محاولةً استعادة توازنها، إلا أن ذلك الثقل الجاثم فوق صدرها كان أكبر من قدرتها على الاحتمال، وكأن روحها تُسحق تحت وطأة الخيبة.

وفي تلك اللحظة، دوّى صوت طرقات خفيفة على الباب، فانتفضت قليلًا من شرودها، واعتدلت في جلستها سريعًا، تحاول عبثًا أن تخفي آثار انهيارها قبل أن تسمح للطارق بالدخول.

انفتح الباب ببطء، ودلفت جواهر إلى الداخل بخطواتٍ متعجلة، وما إن وقعت عيناها على رنيم حتى انعقد حاجباها بقلقٍ واضح. أغلقت الباب خلفها وتحركت نحوها وهي تقول بغضب ممزوج بالخوف:

"فينك يا بنتي؟ لا بتردي على التليفون ولا كنتي موجودة في البيت لما جتلك، حتى العزومة مجتيش مع شاهين، ولما سألنا عليكي قال انك تعبتي شوية ومقدرتيش تيجي."

رفعت رنيم عينيها إليها ببطء، وكانت نظراتها ممتلئة بوجع عميق وانكسار حاولت كثيرًا أن تخفيه، ثم قالت بصوت خافت متعب:

"مافيش يا جواهر كنت حابه اكون مع نفسي شوية، علشان كده كنت قافله على نفسي الشقه."

تأملتها جواهر بتمعن طويل، فرأت ذلك الشحوب الذي غزا ملامحها، والهالات السوداء أسفل عينيها، والحزن المتراكم داخلهما بصورة مؤلمة، حتى بدا وكأن رنيم كبرت سنوات كاملة خلال أيام قليلة فقط.

اقتربت منها أكثر وقالت بقلق حقيقي:

"مالك يا رنيم؟ انتي فيكي حاجه؟"

هزت رنيم رأسها سريعًا بالنفي، ثم حاولت إخراج صوتها بصورة طبيعية رغم اختناقه:

"مافيش يا جواهر أنا كويسه."

لكن جواهر لم تقتنع، كانت تحفظ ملامحها جيدًا، تعرف متى تضحك بصدق، ومتى تتألم وهي تتظاهر بالقوة. لذلك اقتربت أكثر وجلست أمامها مباشرة فوق سطح المكتب، ثم نظرت داخل عينيها وقالت بإصرار ناعم:

"لا فيه يا رنيم، أنا مش عبيطه عنك، أنا حفظاكي وفاهماكي اكتر من نفسك، عيونك فيهم حزن ووجع بطريقه مش طبيعيه، أنا اصلا مكنتش مقتنعه بالسبب اللي قالوا شاهين يوم العزومة، وكنت حاسه انك فيكي حاجة."

بمجرد أن سمعت اسمه، شعرت رنيم وكأن شيئًا حادًا انغرس داخل قلبها. أغمضت عينيها سريعًا حتى لا تنهار أمامها، ثم قالت بصوت موجوع:

"ارجوكي متجبيش اسمه قصادي، شاهين دلوقتي مبقاش يعني ليا حاجة."

ضيقت جواهر عينيها بدهشة، ثم مالت برأسها قليلًا وهي تراقبها بتركيز:

"ااه.. انتوا زعلانين مع بعض، يا ستي عاادي، انتي لسه شفتي حاجة؟ هو الحب ايه غير شوية نكد يطلعوا من النفوخ، وبعده صلح يدوب الحديد، هيييح، دي اجمل حاجه فى الحب بهاراته المشطشطه دي، اسأليني أنا معاكي عاشقه قديمه."

لكن رنيم لم تبتسم، بل ازداد وجهها قسوة وألمًا، وكأن المزاح صار أثقل من أن تتحمله، ثم رفعت عينيها إليها وقالت بصوت مختنق:

"طلع متجوز وعنده بنتين."

ساد الصمت لثواني، وكأن الكلمات احتاجت وقتًا حتى تستوعبها جواهر.

اتسعت عيناها بصدمة حادة، وحدقت بها بعدم تصديق قبل أن تقول بذهول:

"نعم! مين ده اللي متجوز وعنده بنتين؟ انتي بتهزري صح؟"

ارتجفت شفتا رنيم، وظهر الألم جليًا فوق ملامحها وهي تهمس بصوت متكسر:

"ياريت كان هزار يا جواهر، إنما دي الحقيقه للاسف."

شهقت جواهر بقوة، ووضعت يدها فوق فمها تلقائيًا، بينما شعرت بقلبها ينقبض لأجلها. لأول مرة ترى رنيم بهذا القدر من الانكسار، وكأن الماضي الذي هربت منه طويلًا عاد ليصفعها من جديد بصورة أكثر قسوة.

كانت تدرك جيدًا لماذا يؤلمها الأمر إلى هذا الحد، فالأمر لم يكن مجرد خيانة حب، بل إعادة بعثٍ لكل الجروح القديمة التي عاشتها طفلة حين رأت والدها يبتعد عنها وعن والدتها لأجل امرأةٍ أخرى.

اقتربت منها أكثر وربتت على يدها بحنان صادق ثم قالت بحزن:

"طيب ناويه تعملي ايه؟"

جاء رد رنيم سريعًا، حاسمًا، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أي شخص آخر:

"هبعد طبعا، أنا مش مستعدة اعيش بناته نفس اللي انا عيشته، مش هقدر اوجع حد بنفس وجعي، أنا مش ترنيم يا جواهر ولا عمري هعمل زيها، واخد راجل من مراته وبناته."

نظرت إليها جواهر طويلًا، ثم قالت بهدوء يحمل الكثير من الشفقة:

"بس انتي اول مره تحبي يا رنيم، وواضح انك حبيتي شاهين بجد، هتقدري فعلا تبعدي عنه؟"

أومأت رنيم برأسها بعناد، لكن صوتها خرج مختنقًا بالألم:

"اه هقدر.. وكل ما احس نفسي بشتاق ليه، هفتكر وجعي زمان لما بابا اهمالنا بسبب واحده تانيه، وهقسي قلبي عليه علشان خاطر بناته.. أنا مستحيل اعيش بناته حياتي زمان."

شعرت جواهر بمدى الصراع الممزق داخلها، كانت ترى بوضوح كيف تحاول رنيم قتل قلبها بيديها حتى لا تؤذي أطفالًا لا ذنب لهم.

أمسكت يدها بحنان وربتت عليها قائلة:

"طيب مش ناويه ترجعي الفيلا تاني؟ وحشني السهر مع بعض طول الليل وكلامنا اللي كان مش بيخلص، واهو تبعدي عن المكان اللي فيه ذكريات هتوجعك كل ما تشوفيه."

هزت رنيم رأسها بالنفي، ثم قالت بصوت خافت متعب:

"معلش يا جواهر سبيني اكون براحتي، أنا مرتاحه في الشقه دي، ومش هرجع الفيلا تاني وارجع اشوف اللي اسمها ترنيم دي تاني في وشي كل شوية."

تنهدت جواهر بنفاد صبر خفيف وهي تتمتم:

"ربنا يهديكي بجد."

ثم نهضت من مكانها وأضافت:

"أنا همشي بقى جواد مستني تحت."

رفعت رنيم رأسها إليها وقالت بسرعة:

"مش ناويه ترجعي الشركه بقى؟"

ابتسمت جواهر ابتسامة صغيرة وهزت رأسها بالنفي:

"مش دلوقتي، جواد بيقول مش هينفع علشان خلاص هنحضر للفرح."

أومأت رنيم بتفهم، ثم حاولت رسم ابتسامة باهتة وهي تقول:

"ربنا يسعدك يا حبيبتي يارب."

ابتسمت جواهر لها بحب، ثم انحنت وقبلت رأسها برفق قائلة:

"حاولي تفكري في موضوع رجوعك للفيلا."

بعدها تحركت نحو الباب وغادرت الغرفة بهدوء.

أما رنيم، فظلت تحدق في أثرها للحظات طويلة، قبل أن تعود بعينيها إلى الأوراق أمامها. حاولت أن تشغل نفسها بالعمل، لكن عقلها كان أبعد ما يكون عنه، وقلبها لا يزال عالقًا هناك، عند رجل أحبته بصدق، ثم اكتشفت فجأة أنه يحمل حياة كاملة لم يخبرها عنها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...