الفصل 49 | من 53 فصل

رواية ترانيم في درب الهوى الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم دودو محمد

المشاهدات
22
كلمة
6,181
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل التاسع والاربعون

كانت أصابع رنيم ترتجف بعنف وهي تشبك يديها ببعضهما وتحاول عبثًا أن تسيطر على ارتعاش جسدها، بينما اختلطت أنفاسها المتقطعة بدموع لم تتوقف عن الانحدار فوق وجنتيها. شعرت أن الكلمات تحولت إلى أحجار ثقيلة عالقة في حلقها، وأن مجرد النطق بالحقيقة سيهدم كل شيء دفعة واحدة. رفعت عينيها أخيرًا إليه، إلى الرجل الذي أحبته بكل ما فيها، الرجل الذي كان ينظر إليها الآن بثقة كاملة، منتظرًا منها كلمة واحدة فقط لتمنحه العالم كله، بينما كانت هي على وشك أن تنتزع ذلك العالم من بين يديه بيديها.

ارتجفت شفتيها قبل أن تقول بصوت مكسور:

“ع علشان… علشان، أنا متجوزة أصلاً.”

في البداية لم يستوعب شاهين ما سمعه. ظل ينظر إليها لثوانٍ، كان ينتظر أن تخبره أنها تمزح أو أن هناك خطأ ما في الكلمات التي خرجت منها. حتى ملامحه بدت عاجزة عن تكوين رد فعل واضح، قبل أن يهز رأسه ببطء وقد انعقدت الصدمة فوق قسماته وهو يقول بتساؤل:

“أيه؟ أنتي قلتي أيه؟ يعني أيه متجوزة أصلاً؟”

وقبل أن تجيب، وقبل أن تجد الشجاعة لتواجه عينيه مرة أخرى، ظهر عمر من بين الحضور واقترب منها مباشرة، ثم أحاط خصرها بذراع تحمل من التملك أكثر مما تحمل من الحماية، والتفت إلى شاهين بنظرة متحدية وهو يقول:

“رنيم مراتي عندك أعتراض؟”

ساد الصمت للحظة بدت وكأنها امتدت لسنوات.

الصدمة ضربت الجميع بلا استثناء، لكن أكثر من اهتزت كانت ترنيم. شعرت للحظة أن الزمن التف حول عنقها وأعادها إلى سنوات بعيدة ظنت أنها دفنتها إلى الأبد. المشهد أمامها لم يكن مجرد موقف عابر، بل صورة مشوهة من ماضيها تعود للحياة من جديد. فتاة تبكي، ورجل تحبه يقف عاجزًا أمام حقيقة قاسية، وقلوب تذبح باسم الخوف والتضحية.

أما شاهين، فكان يحدق في ذراع عمر الملتف حول خصر رنيم كانت سكين تغوص في صدره ببطء. لم يكن يستوعب شيئًا، لكن كل ما رآه بعد ذلك جعل الدم يغلي في عروقه أكثر؛ حين مال عمر نحوها ووضع قبلة على خدها أمام عينيه.

عند تلك اللحظة سقط آخر خيط من خيوط اتزانه.

لم يمنحه عقله فرصة للتفكير، ولم يترك له قلبه مساحة للفهم. اندفع نحوه في لمح البصر كإعصار خرج عن السيطرة، حتى إن رنيم نفسها تراجعت للخلف مذعورة وكادت أن تسقط لولا يد ترنيم التي أمسكتها في اللحظة الأخيرة.

حاول غريب وتامر وجواد التدخل سريعًا، لكن الغضب الذي سيطر على شاهين كان أكبر من أن يحتوى بسهولة. كان يمسك بعمر بعنف مرعب، كل الضربات التي يوجهها إليه تحمل سؤالًا وخيانة ووجعًا دفعة واحدة. ولم يتوقف إلا بعدما تناثرت الدماء من وجه عمر وجسده وفقد الأخير وعيه تمامًا.

وقف شاهين أخيرًا وهو يلهث بقوة، ثم استدار ببطء نحو رنيم.

كانت عيناه مخيفتين إلى درجة جعلت الدم يتجمد في عروقها.

لأول مرة منذ عرفته، شعرت بالخوف منه.

اختبأت خلف ترنيم بصورة غريزية، وتمسكت بها بكل ما تملك من قوة بينما كان جسدها يرتجف بعنف والدموع تغرق وجهها.

تقدم شاهين خطوة أخرى.

وفي اللحظة نفسها وقف غريب أمامه حاجبًا عنه الرؤية، وقال بصوت رجولي ثابت يخفي وراءه الكثير:

“مش وقته يا شاهين، خلينا دلوقتي في اللي أنت عرفه.”

لكن الكلمات لم تصل إليه حقًا. كان ينظر إلى رنيم فقط.

إلى المرأة التي كانت قبل ساعات قليلة بين ذراعيه تبكي خوفًا عليه، وإلى المرأة نفسها التي تقف الآن زوجة لرجل آخر.

وقبل أن يقترب أكثر، فوجئ بترنيم تتحرك أمام رنيم بالكامل، تخفيها خلف ظهرها كما لو كانت تحمي ابنتها، ثم قالت بصوت مختنق:

“إياك تقرب ليها، أفهم الأول هي ليه عملت كده.”

توقفت خطواته أخيرًا، لكنه ظل يحدق نحو رنيم من خلفها قبل أن يقول من بين أسنانه:

“أنا عايز أفهم ده حصل أزاي؟ وامتى؟”

تشبثت رنيم بترنيم أكثر وكأنها طوق نجاتها الوحيد، ثم قالت بصوت مرتعش من خلف ظهرها:

“ا النهاردة من ش شوية حصل كده.”

أطبق شاهين قبضته بقوة حتى برزت عروق يده، بينما احمرت عيناه بصورة مخيفة وهو يقول:

“وليييه عملتي كده؟”

انتفضت رنيم مكانها، الصرخة أصابتها جسديًا، ثم انفجرت هي الأخرى صارخة وسط دموعها:

“خفت عليك، هددني بيك يا شاهين، اللي حصلك كانوا هما السبب فيه، وكانوا هيعملوا أكتر لو مكنتش اتجوزتوا.”

تجمدت ترنيم في مكانها.

شعرت لوهلة أن الأرض تميد تحت قدميها.

كم مرة يمكن للقدر أن يعيد المأساة نفسها بوجوه مختلفة؟

نفس الخوف.. نفس التهديد.

نفس الفتاة التي تقرر ذبح قلبها بيديها حتى تنقذ الرجل الذي تحبه.

امتلأت عيناها بالدموع قبل أن تصرخ بها بغضب ممزوج بالوجع:

“غبيه ليه عملتي كده؟ غلطه هتدفعي عمرك كله تمنها.”

ابتعدت رنيم قليلًا وهي تنظر إليهم بعينين محمرتين من البكاء، ثم قالت بشفاه مرتعشة:

“انتوا متعرفوش حاجة، كان لازم أعمل كده، كان لازم أضحي بقلبي في سبيل حيات شاهين.”

ردت ترنيم بحدة أكبر، وكأنها لا تتحدث إلى رنيم وحدها بل إلى نفسها القديمة أيضًا:

“وأنتي مفكره نفسك كده انقذتي؟ أنتي ضحيتي بقلبك وبعمره يا رنيم، أنتي كده مكنتيهم منه يا غبيه.”

وضعت رنيم يدها على وجهها وانفجرت بالبكاء وهي تقول:

“أنا مش هقدر أستحمل أشوفه بيتأذي واقف أتفرج عليه، أنا بحب شاهين، ومستعدة أعمل أي حاجه لو ده في مصلحته.”

ساد الصمت للحظات. نظر شاهين إليها طويلًا.

يحاول أن يتعرف على المرأة الواقفة أمامه من جديد، ويحاول أن يفهم إن كان يجب أن يغضب منها أم يشفق عليها أم يضمها إلى صدره ويغفر لها كل شيء.

لكن الوجع كان أكبر من كل ذلك.

أكبر من الحب نفسه.

لذلك لم يقل سوى جملة واحدة خرجت محملة بمرارة هائلة:

“يا خسارة يا رنيم، أنتي خسرتيني، وخسرتي حبي ليكي للأبد.”

شحب وجهها بالكامل.

شعرت الكلمات اخترقت قلبها مباشرة.

ورغم أنها كانت تتوقع غضبه ورفضه، فإن سماعها منه كان أشد قسوة مما تخيلت.

استدار شاهين وغادر من أمامها دون أن ينظر إليها مرة أخرى.

أغمضت ترنيم عينيها بألم، ثم التفتت نحو رنيم، لكنها لم تجد الفرصة لتقول شيئًا، إذ اندفعت الأخيرة فجأة نحوها وارتمت داخل أحضانها بكل ما تملك من انهيار، وتمسكت بها بقوة وهي تبكي وتصرخ كطفلة ضائعة فقدت كل شيء دفعة واحدة.

ضمتها ترنيم إلى صدرها بقوة وربتت على ظهرها بحنان أمومي خالص وهي تقول:

“أهدي يا رنيم، كل حاجة هتتصلح، مش هسمح للماضي يعيد نفسه تاني فيكي.”

لكن كلماتها لم تكد تنتهي حتى دوى صوت طلقات نارية في أرجاء المكان.

تبدلت الأجواء في ثانية واحدة.

تحول الفرح إلى فوضى. وتحولت الصرخات إلى ذعر.

ركض غريب نحوهن فورًا، وأمسك بترنيم ورنيم ثم اقترب من جواهر وأروى وسمية وأجبرهن على التحرك معه بسرعة.

صرخت ترنيم وهي تحاول مجاراته:

“فيه أيه بيحصل يا غريب؟ رد عليا فهمني؟”

واصل دفعهن نحو الداخل وهو يقول بلهجة حاسمة:

“لازم كل حاجه تنتهي النهاردة يا ترنيم، ادخلوا جوه وخلي بالك من البنات وأوعي تخرجوا بره فاهمه.”

وبمجرد أن أدخلهن إلى الداخل أغلق الباب بإحكام من الخارج، يحاول أن يعزل عالم النساء والخوف عن المعركة التي بدأت في الخارج.

ثم استدار وعاد بخطوات سريعة إلى ساحة المواجهة، حيث كان شاهين وتامر وجواد ورجالهم يشتبكون مع أفراد العصابة في الخطة التي أعدها مسبقًا مع شاهين. ورغم الثمن الذي قد يدفعه، ورغم أن الحقيقة التي تنتظره في نهاية هذه الليلة قد تكون أكثر إيلامًا من أي رصاصة، فإنه كان قد حسم أمره منذ البداية. الليلة لن يهرب أحد.

والليلة فقط ستغلق كل الحسابات القديمة، مهما كان الثمن، وحتى لو اضطر أن يدفع من قلبه قبل أن يدفع من دمه.

*****************************

فلاش باك…

بعد خروجه من المشفى بأيام قليلة، لم يستطع شاهين أن يتجاهل ذلك السؤال الذي ظل يطرق رأسه بلا توقف. كيف عرف مروان بما حدث؟ ومن أخبر أماليا بمكانه في هذا الوقت القصير؟ كانت التفاصيل كلها صغيرة في ظاهرها، لكنها بالنسبة له بدت كخيوط متفرقة تقوده نحو حقيقة أكبر. لذلك طلب مقابلته.

جلس الاثنان داخل إحدى الكافيهات الهادئة، بعيدًا عن العيون والآذان.

منذ اللحظة الأولى لاحظ شاهين شحوب وجه مروان. كان الشاب يجلس أمامه متيبسًا بصورة غير طبيعية، يحرك أصابعه فوق الطاولة بلا وعي ويتهرب من النظر مباشرة إلى عينيه.

وأخيرًا قال مروان بتردد:

“خ خير يا شاهين؟”

لم يجبه شاهين فورًا.

ظل يراقبه لثوانٍ طويلة بنظرات متفحصة، قبل أن يسأله بهدوء:

“أنت عرفت إزاي اللي حصلي؟ وعرفت مكاني فين إزاي؟”

ارتبك مروان فورًا.

ظهرت الحيرة فوق وجهه بصورة فاضحة، وتحركت عيناه بعيدًا عنه وهو يقول بسرعة:

“ها! ا المستشفى هي اللي بلغتنا.”

زفر شاهين ببطء وأرجع ظهره إلى المقعد. لم يكن محتاجًا إلى دليل أكبر.

كان يعرف مروان جيدًا. يعرف متى يكذب.. ويعرف متى يخاف.

ويعرف متى يحاول الهروب من الحقيقة.

رفع عينيه إليه مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن في نظرته غضب، بل شيء أشد قسوة. خيبة أمل.

ثم قال بصوت مختنق:

“أنت عارف، أني بعتبرك أبني أنا يا مروان، من يوم ما جيت الدنيا من واحد ندل أستغل جسم أمك علشان ساعدها أنها تهرب، وعلشان ساعدها يحط حد مكانها على أساس أنها هي الجثه، ولما حاول يهددها بده يا ياخد منها اللي هو عايزة سلمته نفسها رغم الشلل، أستغل أنها مش هتقدر تتحرك مش هتقدر تبعده، ولما عرف أنها حامل فيك رفض يعترف بيك، عشت كام سنه من عمرك مالكش أسم، لحد ما أنا جيت وسميتك على أسم عيلتي، ومن وقتها وأنا بعتبرك أبني شبهي في كل حاجه، رفض أنك تعيش طفولتك متعذب زي ما أنا عيشتها، وفرت ليك كل حاجه تعيشك سعيد، كبرتك وشفتك أطول مني، والفرحه في قلبي كانت ملهاش حدود، كنت واثق فيك لدرجة أن لو حد قالي أخوك السبب في أذيتك ممكن أقتله، ليه تعمل كده في أخوك يا مروان؟”

ما إن انتهى من كلامه حتى انهارت المقاومة الأخيرة داخل مروان.

امتلأت عيناه بالدموع دفعة واحدة، وانخفض رأسه إلى الأرض لم يعد قادرًا على تحمل النظر إليه.

كانت كلمات شاهين أشد عليه من أي عقاب. أشد من أي تهديد.

وأشد من أي مواجهة. خرج صوته مختنقًا وهو يقول:

“أنا مكنتش موافق على اللي أمك عايزة تعمله، كنت ناوي أبلغك، بس للأسف خطفت البنت اللي بحبها وهددتني بيها، أنا سمعت كل حاجة وكنت عارف إيه اللي هيحصل، بس في آخر لحظه لاقيتها بتمسكني من أيدي اللي بتوجعني، أنا آسف يا شاهين.”

ظل شاهين صامتًا. لم يقاطعه.

اكتفى بالنظر إليه طويلًا قبل أن يسأله بهدوء جعل مروان يشعر بالخوف أكثر من الصراخ:

“أنت هتقولي كل حاجه دلوقتي، وأمك ناويه على أيه؟ ومين اللي بيساعدها؟ ومين اللي عمل فيا كده؟”

ابتلع مروان ريقه بصعوبة. ثم قال:

“زين هرب يا شاهين، وهو اللي بيساعد أمك دلوقتي، وكمان فيه واحد أسمه عمر إنضم ليهم، واللي ضربك بالرصاص، زين، مع الإتفاق مع أمك أنه يعمل كده فيك بس من غير يأذيك مجرد تهديد علشان رنيم تخاف وتنفذ المطلوب منها.”

انعقد حاجبا شاهين فورًا.

وبرغم الغضب الذي بدأ يشتعل داخله، إلا أن شيئًا واحدًا استوقفه.

نظر إليه بعدم فهم وقال:

“تنفذ المطلوب منها؟ اللي هو أيه؟”

هز مروان رأسه بعجز وقال:

“معرفش الصراحه ده الكلام اللي فهمته.”

احمرت عينا شاهين تدريجيًا.

وأطبق على قبضته بقوة حتى برزت عروق يده. لكنه أجبر نفسه على الهدوء وقال:

“امم.. كمل.”

تنفس مروان بعمق ثم أكمل:

“وقبلها أمك ساعدت زين ينط على شقة رنيم من عندك علشان يهددتها ويخليها تنفذ كلامه، وكمان عرفوا أن فرح إبن غريب وترنيم اليومين الجاين، وقرروا أنهم يهجموا على الفرح ويخلصوا عليهم كلهم.”

امتد الصمت لثوانٍ قليلة، لكنها كانت كافية لأن تقلب عالم شاهين رأسًا على عقب. أخذ يحدق أمامه دون أن يرى شيئًا بعينه، بينما كانت ذاكرته تنبش كل ما مر به خلال الأيام الماضية. خوف رنيم الذي لم يفهمه، دموعها التي ظهرت في غير أوانها، ارتجاف صوتها كلما حاول الاقتراب من الحقيقة، وحتى ذلك الإصرار الغريب الذي سيطر عليها في صباح اليوم نفسه. شيئًا فشيئًا بدأت الخيوط المتشابكة تتجمع أمامه، وبدأت الصورة التي بدت مشوشة طويلًا تكتسب ملامحها الحقيقية. عندها فقط أدرك أن ما كان يراه تصرفات غير مفهومة لم يكن سوى صرخات استغاثة خرساء حاولت رنيم إطلاقها بكل الطرق، بينما كان هو عاجزًا عن قراءتها.

رفع رأسه أخيرًا وأومأ ببطء، لكن النظرة التي ظهرت في عينيه جعلت مروان يدرك أن شخصًا ما سيدفع الثمن قريبًا. وقال:

“تمام أوي كده، أنا بقى هقولك تعمل أيه، هي أكيد عارفه أنك معايا دلوقتي، هتبلغها أن انا هتجوز رنيم في اليوم ده، وهتقول ليها أن أنا قلتلك، عرفت مين سبب اللي حصلي وناوي انتقم منه.”

نظر إليه مروان باستغراب وقال:

“طيب ليه هتعمل كده؟”

استند شاهين إلى المقعد وأجاب بهدوء محسوب:

“لانها وقتها هتتصرف بعشوائية علشان تمنع الجوازة دي، وهتشوش عليها في أفكارها وهيخليها تغلط اليوم ده، واليوم ده انا هتفق مع غريب والشرطه أننا نوقع زين واللي أسمه عمر ونسلمهم لشرطة، أما رنيم فأنا همنع خروجها الفترة دي علشان متتصرفش غلط وتنفذ ليهم كلامهم، هي كده ممكن توافق تعمل أي حاجة علشان تحميني، بس أنا مش هسمح ليها تعمل كده، هكون زي طلها.”

ولأول مرة منذ بداية الحديث ظهر شيء يشبه الارتياح على وجه مروان.

فمهما حدث، كان يعرف أن شاهين وحده القادر على إيقاف الكارثة.

لذلك أومأ برأسه وقال:

“تمام بس أفرض أمك مدخلش عليها الكلام ده ونبهتهم ومافيش حاجة حصلت اليوم ده؟”

ابتسم شاهين ابتسامة خالية تمامًا من الفرح.

ابتسامة رجل يعرف خصومه جيدًا. ثم قال:

“هي آه مش بالسذاجه دي، بس زين واللي أسمه عمر متهورين، واليوم ده بالنسبه ليهم ساعة الصفر.”

ظل مروان صامتًا للحظة قبل أن يسأله بصوت خافت:

“طيب وأمك ن ناوي تعمل معاها أيه؟”

في تلك اللحظة تحديدًا تبدل شيء عميق داخل شاهين. انطفأت الحيرة التي كانت تسيطر عليه، وتراجعت كل المشاعر المتضاربة التي ظلت تمزقه طوال الأيام الماضية. استقرت ملامحه تدريجيًا حتى أصبحت جامدة على نحو أثار القلق، بينما انعكس داخل عينيه بريق بارد لم يكن موجودًا من قبل. بدا وكأنه اتخذ قرارًا نهائيًا لا رجعة فيه، قرار صاغته الخيبات المتراكمة والغضب المكبوت والوجع الذي ظل يحمله لسنوات. ولم يعد في ملامحه ما يدل على الرجل الذي كان يتردد أو يمنح الفرص، بل ظهر شخص آخر أكثر قسوة وحسمًا، شخص أدرك أخيرًا ما يجب عليه فعله. نظر أمامه طويلًا ثم قال:

“هتروح المكان اللي تستحقه.”

شعر مروان بقشعريرة باردة تسري في جسده دون إرادة منه، وهو يتأمل ملامح شاهين الصلبة. لم يكن الخوف نابعًا من الكلمات نفسها، بل من الطريقة التي قيلت بها. لأول مرة منذ أن عرفه، لم ير أمامه الأخ الذي يحمل في قلبه متسعًا للتسامح، ولا الابن الذي ظل متمسكًا ببقايا مشاعره تجاه والدته رغم كل شيء، ولا حتى الرجل الذي يتصرف بدافع غضبه أو ألمه. كان يرى شخصًا آخر تمامًا؛ رجلًا عبر مرحلة التردد كلها، وأغلق خلفه أبواب الرحمة والاحتمالات، بعدما حسم أمره أخيرًا واتخذ القرار الذي ظل يؤجله طويلًا.

استقام شاهين بعدها من مكانه وقال:

“روح أنت يلا أعمل اللي قلتلك عليه وأنا عندي مشوار مهم لازم اروحوا.”

أومأ مروان بصمت، ثم غادر المكان بخطوات متثاقلة.

أما شاهين فظل واقفًا لثوانٍ إضافية يحدق أمامه.

كانت كل الخيوط تتجمع أخيرًا.

وكان يظن أنه يسبق الجميع بخطوة.

لكن ما لم يكن يعلمه، أن رنيم كانت قد سبقت الجميع إلى التضحية، وأن اللعبة خرجت عن السيطرة منذ اللحظة التي قررت فيها أن تنقذه على حساب قلبها.

أخيراً خرج شاهين من الكافيه بخطوات ثقيلة، بينما كان عقله يعيد كلمات مروان مرة تلو الأخرى. لم يكن ما سمعه مجرد معلومات جديدة، بل كان تأكيدًا لكل الشكوك التي حاول تجاهلها طوال الفترة الماضية. أصبح يعرف الآن حجم الخطر الذي يحيط برنيم، ويعرف أيضًا أن الوقت لم يعد يسمح بالتردد أو الانتظار.

وصل إلى سيارته، صعد إليها وأغلق الباب خلفه، ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا سريعًا. ظل ممسكًا بالهاتف قرب أذنه حتى جاءه الرد بعد ثوانٍ معدودة، فقال مباشرة دون مقدمات:

“عايز أقابلك ضروري.”

رد غريب عليه بنبرة رجولية وقال:

“تمام تعالى الشركه عندي منتظرك.”

أغلق شاهين الهاتف وتحرك بسيارته سريعًا نحو شركة غريب. كان الطريق يمر أمامه كشريط ضبابي لا يراه بالكامل، فكل تركيزه كان منصبًا على الخطوة التالية. كان يعلم أن ما سيقوم به قد يغير أشياء كثيرة، لكنه في المقابل لم يعد يملك رفاهية الوقوف متفرجًا بينما يقترب الخطر أكثر فأكثر ممن يحبهم.

وفي وقت قصير كان يقف أسفل البناية. ترجل من سيارته واتجه إلى الداخل، ثم صعد إلى مكتب غريب. وما إن دلف إلى المكان حتى رفع غريب رأسه نحوه ونظر إليه بضيق واضح قبل أن يقول:

“خير؟”

تقدم شاهين وجلس على المقعد المقابل له، وظل للحظات ينظر إليه بصمت قبل أن يقول:

“أنا جاي أساعدك تجيب حق بنتك من أمي، وكل واحد هياخد جزائه.”

لم يبدو على غريب أنه تفاجأ تمامًا، لكنه ظل يراقبه بنظرة متفحصة طويلة، يحاول قراءة ما وراء الكلمات قبل أن يرد:

“وهتعمل كده ليه؟”

أدار شاهين بصره للحظة ثم عاد ينظر إليه، وكانت نبرة الغضب المختنقة واضحة في صوته وهو يقول:

“لأنها بقت خطر على الكل وعلينا أحنا شخصيًا، وبحمي رنيم منها.”

ساد الصمت بينهما لثوانٍ قصيرة، قبل أن يومئ غريب برأسه بتفهم ويقول:

“طيب وأنت ناوي على أيه؟”

أجابه شاهين بصوت منخفض لكنه حاسم:

“يوم فرح جواد كل حاجه هتنتهي.”

انعقد حاجبا غريب فورًا وقال بعدم فهم:

“أزاي مش فاهم؟”

مال شاهين بجسده إلى الأمام وأسند ذراعيه على سطح المكتب، ثم قال:

“زين أخو رنيم هرب من السجن ومعاه واحد أسمه عمر، هو اللي ساعده وناوين يهجموا عليكم يوم الفرح.”

حين انتهى، أطلق غريب ضحكة ساخرة قصيرة وقال:

“وده طبعا أوامر من الست الوالدة؟”

أومأ شاهين برأسه مؤكدًا وقال:

“بالظبط كده، أنا دلوقتي وصلت ليها كلام هيخليها تتصرف بشكل عشوائي وده هيخليها تغلط وتقع بسهولة.”

ظل غريب يفكر فيما سمعه، ثم قال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:

“طيب أحنا هنخلص من اللي أسمه عمر وزين ده في الفرح، أمك هنخلص منها أزاي؟”

هنا فقط تبدلت ملامح شاهين قليلًا. مر ظل حزن سريع فوق وجهه قبل أن يجيب:

“لا دي سيبها عليا، أنا هعرف أوقعها بطريقتي.”

ظل غريب ينظر إليه مطولًا، يحاول التأكد من أنه يعرف جيدًا ما الذي يضع نفسه فيه، ثم قال بجدية:

“تمام، بس لو عرفت أنك بتلعب بيا، ولا دي مجرد خطة من بتوع أمك، هدفنك مكانك يا شاهين.”

استقام شاهين في جلسته ونظر إليه مباشرة وهو يقول:

“أنا مش هخاف منك، أنا كان ممكن أنهي كل حاجه بعيد عنك، بس الفرح يخصك، وممكن كمان حد منك يتأذي وتتوجع. وأنت أكتر حد ليك تار عندها، ووجودك في الصورة هيريح قلبك، وهتجيب حق بنتك في اللي عملته فيها.”

بقي غريب صامتًا للحظات، ثم نهض من مكانه ببطء ومد يده نحوه. وصافحه بقوة، بينما قال غريب:

“اتفقنا.”

أومأ شاهين برأسه وقال:

“أنا دلوقتي هروح على الشرطه نتفق على كل حاجه لو حابب تكون موجود هيكون أفضل.”

فأجابه غريب فورًا دون تردد:

“طبعا لازم اكون موجود.”

تحرك من مكانه في الحال، وغادر الاثنان الشركة معًا. وخلال الطريق لم يكن بينهما حديث كثير، فكل واحد منهما كان غارقًا في أفكاره الخاصة. شاهين يفكر في رنيم وفي المعركة التي اقترب موعدها، وغريب يفكر في ابنته وكل ما دفعته من عمرها ثمنًا لأخطاء الآخرين.

وعندما وصلا إلى قسم الشرطة، بدأت الاجتماعات الطويلة. جلسوا لساعات يراجعون التفاصيل، ويرسمون خطوط التحرك، ويضعون الاحتمالات كافة أمامهم. لم يكن هناك مجال للخطأ، فليلة الفرح لم تعد مجرد حفل زفاف، بل أصبحت ساحة ستحسم فيها حسابات قديمة امتدت لسنوات طويلة، وسينال فيها كل طرف جزاء ما صنعته يداه.

مر يومان آخران ثقيلان، يحمل كل منهما في طياته توترًا صامتًا يسبق العاصفة، حتى جاء اليوم الذي يسبق حفل الزفاف.

وصل شاهين إلى الفيلا التي تقيم بها والدته، وقد بدا على ملامحه إرهاق لم يكن سببه الجسد بقدر ما كان سببه الروح. كان يعلم أن هذه الزيارة قد تكون الأخيرة بينهما قبل أن تنكشف كل الأوراق وتسقط جميع الأقنعة، لذلك دخل بخطوات ثابتة رغم الصراع العنيف الذي يدور بداخله.

وجدها جالسة على مقعدها المتحرك كعادتها، تراقبه بعينين يصعب قراءة ما يدور خلفهما. اتجه نحو الأريكة المقابلة وجلس عليها، ثم رفع إحدى ساقيه فوق الأخرى وأطال النظر إليها لحظات قبل أن يقول:

“وحشتيني يا مريم، ينفع كده أكون في المستشفى ومتجيش تطمني عليا؟”

لم تبدو عليها أي ملامح تأثر، بل نظرت إليه بنوع من الحذر وعدم الارتياح. ثم قالت بتهكم:

“وراك ايه يا ابن بطني؟ أصل الزيارة العزيزة دي مش هتكون بالساهل.”

مال بجسده إلى الأمام قليلًا، واشتعل الغضب داخل عينيه وهو ينظر إليها مباشرة قبل أن يقول:

“أنتي أزاي يهون عليكي تعملي كده في أبنك؟ أزاي هان عليكي أذيته؟”

رفعت إحدى حاجبيها للأعلى، وبدا عليها التعجب المصطنع وهي تقول:

“وأنا عملت أيه يا قلب أمك؟”

خرجت من بين شفتيه ضحكة قصيرة ممتلئة بالمرارة، ضحكة رجل اكتشف متأخرًا أن أكثر شخص وثق به كان السبب في أغلب جراحه، ثم قال بصوت مثقل بالألم:

“قلب أمي؟ كنت أتمنى أكون قلبك وتحبيني بجد، كان نفسي تكوني أم عاديه زي أي أم، أهم حاجه عندها مصلحة ولادها، مش مصلحتها، من اللحظة اللي هونت عليكي فيها أنك ترميني وأنا وحتة لحمة حمرا قدام ملجأ، شفت العذاب ألوان كنت بتحاسب على حاجة ماليش ذنب فيها، أني إبن حرام علشان كده اترميت في ملجأ، ويوم ما جيتي تخديني، جيتي أخديني، علشان مصلحتك، جيتي اخديني علشان أكون في ضهرك وأكمل معاكي طريقك الإجرامي، علشان أنتقم ليكي من عيلة الرواي وعيلة ضرغام، أنا عمري ما كنت مهم في حياتك يا مريم.”

كان يتحدث بينما تتدفق داخله سنوات كاملة من القهر والخذلان، سنوات حاول خلالها أن يجد لها الأعذار وأن يقنع نفسه بأنها ضحية ظروف قاسية، لكن كل حقيقة جديدة كانت تهدم جزءًا آخر من تلك الصورة التي تمسك بها طويلًا.

حركت مريم مقعدها نحوه بعصبية واضحة، ثم قالت بنبرة غاضبة:

“حمار وغبي، علشان أنا معنديش أغلى منكم أنتوا الاتنين، كل حاجة عملتها وكل حاجه هعملها ده علشان أحميكم، لو مسبقتش أنا كانوا هما هيبدأوا ويحرقوا قلبي عليكم، أنا سبق وقلتلك أنا ليه سيبتك في الملجأ، كنت صغيرة وأبوك رفض يعترف بيك، كنت هتتبهدل معايا في الشوارع سيبتك لحد ما أكون قادره أتحمل مسؤوليتك، وبعد كده روحت جبتك، والإنتقام ده نفعك أكتر من ما ضرك، أملاك أبوك كلها بقت ليك، بقيت رجل أعمال مشهور وليك كلمه، الكل بيعملك ألف حساب، وكنت كمان هتبقى أحسن من كده بكتير، لولا دخول البت دي في حياتك، كنت كمان استحوذت على كل حاجه تخص سلطان الدسوقي وغريب ضرغام، أنا مش مستفادة حاجه، أنا واحده مشلولة على كرسي كل ده علشانكم أنتوا.”

لم يزد كلامها داخله إلا غضبًا. كان يسمعها جيدًا، لكنه لم يعد قادرًا على رؤية تلك التضحيات المزعومة التي تتحدث عنها. كل ما كان يراه هو الدماء والخراب والقلوب التي تحطمت في طريقها. لذلك قال بغضب مكتوم:

“ومين قالك أن أحنا عايزين كل ده، كل اللي كنا عايزينه هو أننا نعيش حياة عاديه مع أم تحبنا وتخاف علينا بجد، أم ساويه ومتصلحه مع الغير، مش أم حتى النفس اللي بتتنفسه شر.”

اشتعلت نظراتها وهي تحدق به، ثم قالت بحدة:

“دلوقتي مبقتش عجباك يا روح أمك؟ بقيت الأم الوحشه الشريرة؟ نسيت خلاص اللي عملته علشانكم؟ نسيت اللي ضحيت بي علشان خاطركم؟”

ابتسم ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه، ثم قال:

“وانتي عملتي أيه؟”

كانت تلك الجملة كفيلة بأن تفجر ما بداخلها دفعة واحدة.

انتصبت في جلستها، وبدأت تتحدث بكل ما تحمله من غضب ومرارة دفنتها لسنوات طويلة، وكأنها أخيرًا قررت أن تفتح دفاتر الماضي كاملة أمامه. قالت:

“كل ده وبتسأل عملت أيه؟ أقولك عملت أيه، في الأول روحت لده ولده علشان يرضوا يشغلوني وانا صغيرة حتى لو خدامة في البيوت، فضلت أترمي من هنا لهنا، فيه اللي طمع في جسمي وفيه اللي أستغلني لمصالح شخصية وفيه اللي كان بيهني ويكسرني، بعدها أشتغلت عند رجب، وده اللي كان السبب في كل اللي أنا وصلت ليه، الأول كان ظاهر أنه طيب وزي أبويا وبعد كده نواياه ظهرت، بقى يخليني أوزع مخدرات هنا وهنا، ولما كبرت شوية بقى يخليني أقرب من رجالة مهمه في البلد علشان يخلصوا مصالح ليه، وفي الآخر سافرنا بره وده كان أول طريق ليا مع المافيا بدأت معاهم أنا ورجب وبطريقتي بقيت مهمه عندهم والأدوار اتبدلت وبدل ما كان رجب هو اللي بيستغلني بقيت أنا اللي بستغله، ولما إبراهبم قتل ابو ترنيم وأتقرب رجب ليهم وأتجوز أمها، رجعنا تاني مصر وبدأنا شغل التهريب عن طريق شركة سلطان لحد ما الزفته ترنيم دي مدت أيديها عليا، وعلشان غلط فيها سلطان نهى الشغل معايا، ودي كانت أكبر لعنه في حياتي، كل شئ بقى يرجع زي الأول والمافيا استغنت عني، وبعدها أنت عارف الباقي لأنك كنت موجود فيه، كل اللي عملته ده ليه؟ مش علشان أنت وأخوك تعيشوا حياة أنضف من اللي أنا عيشتها، كل ده وجاي تسألني.”

ظل شاهين صامتًا للحظات وهو يستمع إليها. كان يعرف أجزاء كثيرة من تلك الحكاية، لكنه للمرة الأولى يسمعها كاملة بهذه الصورة. ومع ذلك، لم يكن الماضي قادرًا على تبرير الجرائم التي ارتكبتها.

لذلك رفع إحدى حاجبيه وقال ببرود:

“وقتل رقيه ده برضه علشانه وقتل وحيد وقتل سلطان وفريدة زمان وقتل رجب وقتل ابو مروان كل ده كان علشانه برضه؟”

انفجرت مريم صائحة، وتحولت ملامحها إلى صورة مخيفة من الغضب والشر وهي تقول:

“رقيه ووحيد أقتلتهم علشان هما كانوا السكينه اللي على رقبتنا وكانت هتسلمنا كلنا للحكومة، وأبو مروان قتلناه أنا وزين علشان اللي كان بيعملوا فيا وجسمي اللي أتهرى من أعتدائه عليا، رجب وفريدة وسلطان قتلتهم علشان لو مكنتش عملت كده فيهم كانوا هما اللي هيعملوا فيا كده، كنت بحاول أنضف حواليك يا شاهين.”

هز رأسه ببطء، وكأن آخر ذرة أمل كانت بداخله قد انطفأت أخيرًا.

ثم نهض من مكانه، ونظر إليها بعينين امتلأتا بوجع عميق قبل أن يقول:

“أنتي عارفه أيه أكتر حاجه بتوجع في الدنيا؟ إن البني آدم يتولد من أم قذرة زيك، أنه يعيش تحت ضل أسود حاجب عنه الضوء الحقيقي، يعيش مع واحده كل مهمتها هي أنها تأذي الناس وتقتل فيهم، أنا مش ندمان على اللي عملته، قد ما ندمان أني في يوم من الأيام كنت شايفك مظلومة وبتعملي كده علشان خاطرنا أحنا.”

اقترب منها أكثر، وانحنى قليلًا حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة للغاية، ثم أسند يده على ذراع المقعد وقال بصوت منخفض لكنه قاسٍ:

“أنا اتمسكت بيكي لآخر لحظة علشان أنتي أمي، بس لما تفكري تأذي أبنك أو تأذي قلبه، يبقى هسيب أيدك وهعمل نفس اللي أنتي عملتي معايا زمان، سلام يا مريم.”

استدار متجهًا نحو الباب.

كان قد وصل إليه بالفعل، وكاد يغادر، قبل أن يوقفه صوتها.

صوت مختلف تمامًا عن كل ما سمعه منها من قبل. صوت أم.

أو ربما بقايا أم. قالت بنبرة مرتجفة لأول مرة:

“أنا آه معنديش قلب، وعمري ما كان عندي عزيز ولا غالي، بس أنت وأخوك نور عيوني وأغلى ما أملكه من الدنيا، وحبكم ده كان بالفطرة مش مجرد عطف مني ولا بمن عليكم بي.”

توقف مكانه. وأدار رأسه ببطء نحوها.

للحظة قصيرة فقط، رأى المرأة التي كان يتمنى دائمًا أن تكون أمه، لا المرأة التي أصبحتها الحياة والأحقاد والدماء.

اختلطت المشاعر داخله بصورة مؤلمة، تنهد بعمق، ثم خرج دون أن ينطق بكلمة أخرى، وأغلق الباب خلفه.

بقيت مريم تحدق في الباب المغلق لثوانٍ طويلة، قبل أن تزفر بضيق وتشيح بوجهها بعيدًا، ثم حركت مقعدها متجهة نحو غرفتها بينما كانت مشاعر القلق وعدم الارتياح تزداد داخلها شيئًا فشيئًا.

أما شاهين…

فبمجرد أن خرج من الفيلا، اتجه مباشرة إلى سيارته. فتح الباب وصعد إلى الداخل، ثم أغلقه خلفه وبقي للحظات جالسًا في صمت تام.

مد يده إلى جيبه وأخرج جهاز تسجيل صغيرًا. ظل ينظر إليه طويلًا.

كان ذلك التسجيل كافيًا ليدفن والدته خلف القضبان ويضع حدًا لكل شيء.

لكن يده تشددت حوله بتردد.

تردد ابن ما زال يحمل داخل قلبه بقايا حب لأمه مهما فعلت.

ضغط عليه بقوة محاولًا السيطرة على المشاعر التي اجتاحته بعد كلماتها الأخيرة، وكاد يتراجع للحظة، لكن صورة رنيم ظهرت أمام عينيه بوضوح مؤلم؛ رنيم وهي تبكي، ورنيم وهي تهدد، ورنيم وهي تدفع ثمن جرائم لم ترتكبها.

عندها فقط اختفى التردد.

أعاد جهاز التسجيل إلى مكانه، وأدار محرك السيارة، ثم انطلق بها في الطريق المؤدي إلى قسم الشرطة.

كان يعلم أن الخطوة القادمة ستؤلمه أكثر مما ستؤلمها.

لكنه كان يعلم أيضًا أن العدالة تأخرت كثيرًا، وحان وقتها أخيرًا.

***************************

باااك…

كانت ساحة الفيلا قد تحولت إلى فوضى عارمة، تختلط فيها أصوات الطلقات بالصراخ والحركة المتوترة لرجال الأمن، بينما استمرت المواجهة محتدمة من جميع الجهات. سقط عدد من أفراد العصابة أرضًا، كما أُصيب بعض رجال غريب خلال الاشتباك، إلا أن أحدًا لم يكن يفكر في التراجع أو الاستسلام، فكل طرف كان يعلم أن هذه الليلة ستكون النهاية الحاسمة لمعركة امتدت لسنوات طويلة.

وسط ذلك الجنون، اهتز هاتف غريب داخل جيبه.

أخرجه سريعًا وأجاب دون أن يرفع عينيه عن ساحة القتال، بينما كان إصبعه ما يزال مشدودًا حول زناد سلاحه.

“قبضوا عليها ولا لسه؟”

جاءه الصوت من الجهة الأخرى متوترًا ولاهثًا:

“دي بتهرب يا غريب باشا.”

تبدلت ملامح غريب في لحظة، وانعقد فكه بقوة حتى برزت عروق عنقه، بينما اشتعلت عيناه بغضب مكتوم ظل يحمله في صدره سنوات طويلة.

أغلق الخط دون كلمة إضافية، ثم التفت نحو شاهين وجواد اللذين كانا ما يزالان منشغلين بالسيطرة على ما تبقى من أفراد العصابة.

وقال بنبرة حاسمة لا تحتمل النقاش:

“خليكم انتوا هنا وانا هروح مشوار بسرعه.”

لم ينتظر ردًا من أحد.

أعاد تثبيت سلاحه خلف ظهره، ثم اندفع راكضًا خارج الفيلا بخطوات سريعة ومتوترة، وكأن شيئًا ما يسحبه بقوة نحو وجهته الأخيرة.

بعد لحظات كان يجلس خلف مقود سيارته، يضغط على دواسة الوقود بعنف حتى انطلقت السيارة كالسهم تشق الطريق أمامها.

لم يكن يرى شيئًا من حوله. كل ما كان يراه أمام عينيه هو وجه واحد فقط.

وجه مريم. المرأة التي حولت حياة الجميع إلى جحيم.

المرأة التي سرقت أرواحًا ودمرت عائلات وأشعلت نارًا لم تنطفئ لسنوات.

أما الليلة.. فكان يشعر أن الحساب قد حان أخيرًا.

قاد سيارته بسرعة جنونية، متجاهلًا إشارات الطريق وكل ما يحيط به، حتى وصل إلى المنطقة التي أبلغه رجاله بوجودها فيها.

توقفت السيارة بعنف، وترجل منها في اللحظة نفسها تقريبًا.

كان الغضب يسيطر على كل ذرة داخله، لكنه رغم ذلك أجبر نفسه على التماسك.

لا يريد أن يخطئ.

لا يريد أن يمنحها فرصة أخيرة للهرب.

اقترب منه أحد رجاله سريعًا وأشار إلى مبنى مهجور يقع في طرف المكان.

تحرك غريب في الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، بينما كانت خطواته تزداد بطئًا كلما اقترب.

كان المبنى غارقًا في الظلام والصمت.

دلف إلى الداخل بحذر، وعيناه تجوبان المكان حتى استقرتا عليها.

كانت هناك. مختبئة في أحد الأركان.

فوق كرسيها المتحرك.

ترفع رأسها نحوه بثبات أثار اشمئزازه أكثر مما أثار غضبه.

توقف أمامها مباشرة، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال بابتسامة غاضبة لم تصل إلى عينيه:

“مش عيب لما مريم بجلالة قدرها تستخبى في مكان زي ده؟”

ارتسمت على شفتيها ابتسامة شريرة هادئة، ثم قالت بنبرة مستفزة:

“غروبتي، وحشتني يا روحي.”

اشتد احتقان وجهه، وخرج صوته من بين أسنانه كأنه ينتزع الكلمات انتزاعًا:

“اخيرا وقعتي تحت ايدي، ونهايتك أنا اللي هكتبها.”

أخرج سلاحه ببطء، ثم وجهه نحوها مباشرة دون أن تهتز يده للحظة واحدة.

كانت هذه اللحظة التي انتظرها طويلًا.

اللحظة التي تخيلها عشرات المرات. وقال بصوت يحمل من الكراهية ما يكفي لسنوات كاملة:

“كنتي فاكرة انك هتقدري تهربي تاني زي زمان بسهوله، بس لا ده مش هيحصل، انتي عاجزة مشلولة، متقدريش تتحركي خطوة لوحدك، يعني هقتلك وانا مرتاح وعلى أقل من مهلي.”

لكن المفاجأة أنها لم تبدو خائفة.

ولا حتى منزعجة. بل ظلت تنظر إليه بنفس الابتسامة المستفزة التي طالما أثارت جنونه.

ثم مالت بجسدها إلى الأمام قليلًا. وفجأة.. استقامت على قدميها.

وقفت أمامه كاملة. بكل ثبات. وسخرية.

ثم حركت قدميها خطوة تلو الأخرى وهي تنظر إلى الصدمة التي انفجرت داخل عينيه، قبل أن تقول بتهكم:

“تصدق بأيه، قعدت الكرسي دي ممله اوي، ربنا يكتبها عليك إن شاءالله، اه ولا صح مش هينفع علشان انت كلها دقايق وهتروح عند سلطان حبيبك، وأبقى كده حرقت قلب ترنيم مرتين، لا تلاته، مرة حبيب القلب ومرة شرف بنتها ومره على جوزها، بس استنى هو أنا كده هكون ارمله برضه؟ ما انت جوزي أنا كمان، امم مش مشكله، عمرك بقى وانتهى.”

ظل غريب يحدق فيها لثوانٍ طويلة، غير قادر على استيعاب ما يراه أمامه.

كل سنوات الشلل والعجز التي كانت تتحدث عنها. كلها كانت كذبة.

كذبة أخرى تضاف إلى جبل الأكاذيب الذي بنته حول نفسها.

ثم هز رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة ممتلئة بالاحتقار، بينما كانت فوهة السلاح ما تزال مصوبة نحو صدرها. وقال:

“آه، يا بنت الكلب، حتى دي طلعتي كدابه فيها؟ انتي ايه يا شيخه؟ ده الشيطان جنبك غلبان.”

تعالت ضحكات مريم في المكان بصوت حمل قدراً هائلاً من الاستفزاز والثقة، ثم قالت بنبرة ساخرة:

“نزل يا حلو اللعبه اللي في إيدك دي.”

رفعت سلاحها في مواجهته بثبات كامل، وأردفت بابتسامة لاذعة:

“كان على عيني يا غروبتي، بس أعمل ايه؟”

ثم رفعت صوتها وهي تلتفت خلفه:

“هات الحلوين اللي عندك.”

انعقدت ملامح غريب فوراً، وتحركت عيناه مع اتجاه نظراتها، قبل أن تتسع بصدمة حقيقية عندما رأى ترنيم وسمية والفتيات الثلاث واقفات تحت تهديد السلاح، بينما استقرت فوهات البنادق فوق رؤوسهن.

اندفع غريزياً للأمام، لكن صوت مريم أوقفه في مكانه قبل أن يخطو خطوة واحدة.

“لو أتحركت خطوة واحده من هنا، أول رصاصه هتكون في راس حبيبة القلب.”

اقتربت منه بهدوء مستفز وانتزعت سلاحه من يده بسهولة، بينما شد غريب فكيه بقوة حتى برزت عروقه من شدة الغضب.

“هقتلك يا مريم هقتلك.”

أما ترنيم فكانت تنظر إليها وكأنها ترى شبحاً خرج من أسوأ ذكرياتها. نفس المرأة، نفس النظرات، ونفس السلاح الذي حطم حياتها يوماً وأغرق قلبها في الحداد. عادت تلك المشاهد كلها دفعة واحدة حتى شعرت بأنفاسها تضيق داخل صدرها، ثم قالت بصوت اختلط فيه الوجع بالاختناق:

“أنتي أيه يا شيخه؟ مش بتتهدي ابداً، حتى وأنتي في سنك ده، ليه بتعملي كده؟ ليه مصره تحرقي قلبي، وتوجعيني؟”

اقتربت مريم منها ببطء شديد، وعيناها تمتلئان بكراهية عميقة قبل أن ترد:

“علشان أنتي بداية اللعنة، أنتي اللي بدأتي، وتستحقي كل اللي بيحصلك واللي هيحصلك.”

ثم استدارت نحو أروى، ومدت يدها إلى شعرها تتحسسه للحظة قبل أن تشده بعنف.

“على فكرة رجالتي مش مبسوطه منك خالص.”

انتفض جسد أروى من الرعب، واحتمت بوالدتها فوراً، بينما ارتفع صوت غريب غاضباً وهو يندفع نحو مريم، لكن رصاصة خاطفة استقرت في قدمه وأسقطته أرضاً قبل أن يصل إليها.

“غررريب.”

خرجت الصرخة من ترنيم مذعورة، بينما انفجرت مريم بالضحك من جديد واتجهت نحو جواهر.

“وأنتي بقى يا حلوة اللي كنتي عاملة فيها بطله وروحتي ضربتي رقيه بنت اختي؟”

ضمتها سمية إلى صدرها فوراً وقالت بحدة:

“أبعدي عن بنتي.”

توقفت مريم أمامها لحظة تنظر إليها بصمت طويل، ثم تحركت فجأة نحو رنيم وأمسكت شعرها بقسوة، جاذبة رأسها للخلف وهي تقول بحقد واضح:

“أما انتي بقى يا بنت الكلب، فعقابك عندي مضاعف، كل حاجة اتغيرت لما انتي دخلتي حياة ابني، كانت كل حاجه ماشيه زي ما أنا عايزة، لحد ما جيتي انتي خلتيه شخص تاني، مبقاش أنا مريم لو مكنتش حرقت قلبه عليكي.”

ورغم الألم الذي مزق فروة رأسها، رفعت رنيم رأسها بعناد وبصقت في وجهها مباشرة قبل أن تقول بغضب:

“أنتي واحده مريضه، مجنونه، مفكرة أن الدنيا كلها بتمشي بمزاجك أنتي، أبنك اتغير لما حبني، علشان أنا نضفت قلبه من السواد اللي أنتي كنتي ملياه بي.”

ازداد غضب غريب حتى بدا أنه على وشك الانفجار.

“أبعدي عنهم يا مريم، هقتلك والله العظيم لقتلك.”

دفعت مريم رنيم بعنف فسقطت أرضاً، ثم اتجهت نحو غريب بخطوات بطيئة، وانحنت فوقه تمرر أصابعها على صدره وكأنها تستمتع بإهانته.

“أهون عليك يا غروبتي، ده أنا حتى كنت بفكر اعيد لحظاتنا زمان، فاكر؟.”

أزاح يدها عنه بعنف وقال من بين أسنانه:

“أنتي كنتي أكبر غلطه في حياتي يا مريم، ونهايتك هتكون على أيدي أنا.”

عادت إلى مقعدها وجلست فوقه كملكة تتحكم في مصائر الجميع، ثم قالت وهي تتأمل وجوه النساء المرتعبة أمامها:

“امم، نبدأ بمين؟ ترنيم لا دي عجوزة، ولا بنتك؟ بس معجبتش الرجالة، اه نعمل دخلة الحلوة ام ابيض دي، ونبقى ساعدنا ابو الرجولة في الموضوع، ومش هنساكي يا عروسه انتي كمان، ما انتي برضه كان كتب كتابك النهاردة على عمر، هخلي الرجالة تتسلى فيكي شوية لحد ما يجي، ويكمل هو.”

تشبثت جواهر بوالدتها بقوة حتى كادت تختبئ داخلها، بينما انهمرت دموعها بلا توقف.

نهضت رنيم بسرعة رغم سقوطها، ووقفت أمام الجميع كدرع أخير وهي تقول بتحذير:

“أنتي فاكرة أنك هتعدي منها بسهوله كده؟ بتحلمي يا مريم، أبنك هيكون هنا كمان ثواني ونهايتك على أيد أبنك.”

ردت مريم بضحكات أعلى وأكثر جنوناً، ثم أشارت إلى رجالها بالتقدم نحو الفتيات.

في تلك اللحظة فقط تحرك غريب.

تحامل على إصابته ونهض بصعوبة، والألم ينهش ساقه، لكنه لم يمنحه فرصة للتوقف. انقض على أقرب رجل إليه، وجه له ضربة عنيفة أسقطته أرضاً، وانتزع سلاحه في حركة خاطفة قبل أن يبدأ بإطلاق النار. تحولت اللحظات التالية إلى فوضى دامية، وسقط رجال مريم الواحد تلو الآخر تحت وابل الرصاص.

لكن مريم كانت أسرع.

قفزت نحو ترنيم وأحاطتها بذراعها، ثم وضعت فوهة السلاح عند رأسها مباشرة وهي تصرخ:

“نزل سلاحك، بقولك نزل سلاحك احسن والله هقتلها.”

تجمد غريب مكانه.

وببطء شديد بدأ يخفض سلاحه، بينما كانت عيناه مثبتتين على ترنيم دون أن يرمش.

وفجأة دوى صوت خطوات كثيرة تقترب من المكان.

التقط غريب الصوت فوراً.

وفي اللحظة التي تشتت فيها انتباه مريم لجزء من الثانية، رفع سلاحه وأطلق رصاصة واحدة.

اخترقت الرصاصة صدرها مباشرة.

تراجعت للخلف بعنف، وسقط جسدها على الأرض.

وفي نفس اللحظة اندفع شاهين وجواد وتامر ورجال الشرطة إلى الداخل.

ركضت ترنيم نحو غريب فوراً، ووضعت يدها على موضع إصابته وهي تبكي.

“أنت كويس؟ حصلك حاجه؟”

هز رأسه نافياً، ثم ضمها إلى صدره بقوة.

“شش أهدي يا ترنيم، أنا كويس متقلقيش.”

اجتمعت العائلة حول بعضها أخيراً بعد لحظات الرعب، وأسندت ترنيم وأروى غريب حتى تمكن من الوقوف.

أما جواهر فقد اندفعت نحو جواد وارتمت داخل أحضانه، ترتجف من شدة الخوف.

“ا أنا خايفه أوي يا جواد.”

طبع قبلة طويلة على رأسها وقال بحنان:

“أهدي يا حبيبتي خلاص مافيش حاجه تخوف.”

وقف شاهين بعيداً عن الجميع.

نظر إلى والدته الساقطة على الأرض بنظرة ثقيلة اختلط فيها الحزن بالقهر، ثم نقل بصره إلى رنيم.

شيء ما انكسر داخله من جديد.

استدار بصمت، وبدأ يبتعد.

لكن رنيم ركضت خلفه بسرعة وهي تهتف باسمه:

“شاهين، استنى أرجوك.”

توقف مكانه. أغلق عينيه للحظة، ثم تنهد بألم واستدار نحوها.

وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، تجمد الدم في عروقه.

كانت يد مريم ترتفع من جديد.

السلاح مصوب نحو رنيم. لم يفكر.

رفع سلاحه وأطلق النار في اللحظة نفسها. استقرت الرصاصة في رأس مريم. وسقطت يدها أخيراً.

هذه المرة بلا عودة.

انتفضت رنيم والتفتت خلفها، لترى الجسد المستسلم ساكناً تماماً، بينما انزلقت اليد التي حملت الموت لسنوات طويلة إلى جوارها في صمت أبدي.

أما شاهين فوقف مكانه والدموع تتجمع في عينيه رغماً عنه. لقد أنقذ المرأة التي يحبها. لكنه في المقابل أنهى حياة والدته بيده. كان الثمن أفدح مما يحتمل أي قلب.

نظر إلى رنيم طويلاً، نظرة امتلأت بالحزن والوجع والإنهاك، ثم حرك رأسه ببطء وكأنه يعتذر عن شيء لا يملك تفسيره. وبدون أن ينطق بكلمة واحدة، استدار وغادر المكان.

****************************

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...