تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
الفصل 53 — رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث والخمسون والاخير
بالمساء....
وصل أحمد برفقة أسرته وتامر إلى الفيلا، وكانت ملامح الحماس واضحة عليه بصورة لم
يستطع إخفاءها مهما حاول التظاهر بالهدوء. فمنذ أن فتح عينيه ذلك الصباح وهو يعد الساعات والدقائق انتظارا لهذه اللحظة التي طالما تمناها، اللحظة التي ستصبح فيها أروى جزءا رسميا
من حياته، لا مجرد فتاة يحبها ويحلم بها.
جلس الجميع أولاً داخل الصالون الكبير وتبادلوا الأحاديث المتعلقة بالخطوات المقبلة للزواج بينما كانت الأجواء هادئة ومليئة بالود وبعد أن انتهوا من الاتفاق على أغلب التفاصيل، نظر
غريب إلى جواد وقال:
أطلع هات أختك من الاوضه يا جواد"
لكن جواد رفع رأسه سريعا وقال:
بس كان فيه حاجه تاني أحمد عايزها."
التفتت الأنظار نحو أحمد الذي تنحنح محاولا الحفاظ على هدونه ثم قال بنبرة رجولية
واضحة:
"أنا كنت حابب أكتب الكتاب كمان علشان أكون براحتي وميحصلش أي تجاوزات، يعني أمسك
أيديها براحتي أو لو خرجت معاها تكون مراتي كده يعني "
نظر إليه غريب باستغراب واضح وقال:
مش لسه بدري شويه على الخطوة دي يا أحمد، يعني أنت عارف الظروف، ومش عايزين
يحصل حاجه ترجعها تاني لوراه
هز أحمد رأسه بسرعة وقال:
"لا متقلقش من الموضوع ده، طبقا أنا مش هقبل أعمل حاجه تأذي أروى، أنا سألت الدكتورة على الخطوة دي وقالتلي هيكون أفضل، وده هيساعدها على علاجها أكثر يعني لما أكون
جوزها "
ظل غريب صامتا لثوان طويلة يفكر في الأمر. كان أكثر شخص يعرف حجم المعركة التي تخوضها ابنته كل يوم مع نفسها، وكان أكثر شخص يخشى أن يتخذ قرارا يسبب لها ألقا جديدا. لكنه في الوقت ذاته كان يرى بوضوح مقدار الصدق في عيني أحمد، ويرى إصراره على البقاء
إلى جوارها مهما كانت الصعوبات. تنهد أخيرا وقال :
تمام معنديش مانع بس طبعا لازم توافق أروى على ده الأول "
ثم نظر إلى جواد وقال:
"أطلع بقى هاتها."
لكن تامر نهض سريعا وقال:
"خليك، أنا هطلع أجيب حبيبت خالها."
وصعد الدرج بخطوات سريعة حتى وصل إلى غرفتها طرق الباب ثم فتحه بهدوء، وما إن
وقعت عيناه عليها حتى تجمعت الدموع داخله دون إرادة.
كانت تجلس أمام المرآة بفستانها، تبدو جميلة بصورة تخطف القلب، لكنها ما زالت تحمل ذلك.
الحزن الساكن في أعماق عينيها. اقترب منها ببطء وقال:
بنوتي السكر كبرت وبقت عروسه قمر، أنا لسه فاكر لما شيلتك أول مرة على أيدي، وفاكر لما
كنتي بتمسكي فيا وعايزة تروحي معايا في كل مكان ربنا يبارك فيكي يا حبيبتي ويسعدك "
ارتمت داخل أحضانه فورا وقالت يحب
"أنت أحن واطيب وأعظم خال في الدنيا، ربنا يخليك ليا وتفضل دايما في ضهري "
ابتسم رغم دموعه وأبعدها قليلا ثم مسح دموعها وقال:
" يلا بينا العريس مستني على نار تحت وعملك أحلى مفاجأة"
نظرت إليه باستغراب وقالت:
"مفاجأة أيه ؟"
أمسك يدها وأجبرها على التحرك معه قائلا:
هبطا إلى الأسفل معا.
يا بت ربنا يديكي الصبر، تعالي انزلي وهتعرفي كل حاجة."
وما إن ظهرت أروى أمام الجميع حتى شعر أحمد أن الزمن توقف للحظة.
تجمد مكانه وهو ينظر إليها، كانت في قمة جمالها، لم يكن يرى الفستان أو الزينة أو أي شيء
آخر.
كان يرى الفتاة التي أحبها رغم كل ما مرت به والتي ازدادت جمالاً في عينيه كلما عرف وجعها اکثر.
طال نظره إليها حتى ضحك تامر وقال بمزاح
"أنت هتفضل مبلم كده كثير؟ ما تاخد عروستك يا عم أنت"
انتبه أحمد على صوته واقترب منهم بسرعة، ثم مد يده ليمسك يد أروى.
لكنها تراجعت للخلف فوزا وتمسكت بذراع خالها صاد الصمت للحظة.
لاحظ الجميع ما حدث.
أما أحمد قابتسم بهدوء واقترب منها قليلا ثم قال بجوار اذنها:
"أنا مش هلمسك، حطي أنتي أيدك على دراعي، ومجرد ما نروح الكوشه شليها على طول." ابتلعت ريقها بصعوبة. كانت تحاول أن تقنع نفسها أن الأمر طبيعي. أنها بأمان.
أن هذا الرجل لم يؤنها يوما ولن يؤذيها أبدا. حركت يدها ببطء شديد حتى لامست ذراعه.
انتفض جسدها للحظة دون أن يلاحظ أحد، وأغلقت عينيها لثوان قصيرة قبل أن تأخذ نفسا عميقا وتخرجه بهدوء.
تحركت معه نحو الحديقة حيث المكان المخصص لهم، وسط تصفيق الحضور وابتساماتهم.
ثم جلست أخيرا على المقعد وأبعدت يدها عنه، ثم تنهدت براحة واضحة وكأنها اجتازت اختبارا صعناء
ومع اقتراب لحظة تقديم الشبكة، شعرت أروى بأن التوتر الذي حاولت السيطرة عليه طوال الوقت بدأ يتسلل إليها من جديد كانت تتابع ما يحدث حولها بصمت بينما دقات قلبها تتسارع شيئا فشيئا.
التفت أحمد إليها بهدوء، منتظرا أن تمنحه يدها.
ظلت مترددة لثوان طويلة قبل أن تتحرك أصابعها ببطء شديد، كانت تجبر نفسها على القيام بتلك الخطوة، وما إن وضعت يدها أمامه حتى أمسكها أحمد بحذر بالغ.
شعر بالارتجافة الخفيفة التي تسري في أناملها، وشعر أيضا بحجم الصراع الذي تخوضه داخل نفسها في تلك اللحظة.
رفع عينيه اليها وقال يحب هادئ
"أروى بصيلي "
رفعت بصرها نحوه بصعوبة.
فوجد دموعها تلمع داخل عينيها رغم محاولاتها المستمينة لإخفائها.
انقبض قلبه فوزا، وتنهد يألم حقيقي وهو يقول:
لو مش مستعدة نأجلها شوية."
هزت رأسها سريعا، تخشى أن تسمح لنفسها بالتراجع، ثم قالت بصوت مختنق :
"لا يا أحمد لازم اتغلب على خوفي لازم أحاول أنت لو شايف أنك مش هتقدر تكمل أحنا لسه في أولها، تقدر تنسحبه "
نظر إليها طويلا، وكأنها قالت شيئا لا يستطيع حتى تخيل حدوثه.
كيف يمكنه الانسحاب وهي الشخص الوحيد الذي اختاره قلبه ؟
كيف يمكنه التراجع بعدما أصبح كل ما يتمناه هو أن يراها بخير؟
ابتسم لها ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحب بالألم، ثم أمسك الخاتم ووضعه برفق في إصبعها وقال:
"أنا مستعد أقضي عمري كله جنبك من غير لمسة أيد حتى المهم أنك تبقي بتاعتي أذل"
تم مد يده نحوها وقال بحنان
يلا حطي دبلتك في ايدي "
انتقلت نظراتها بين يده الممدودة ووجهه الهادئ.
ولأول مرة منذ زمن طويل شعرت أن وجود رجل بالقرب منها لا يثير داخلها الخوف وحده، بل
يمنحها شيئا افتقدته كثيرا، شعورا بالأمان.
أمسكت الدبلة ببطء، ثم وضعتها في إصبعه وسط نظرات الجميع.
ما إن استقرت الدبلة في مكانها حتى ارتسمت على وجه أحمد ابتسامة واسعة لم يستطع إخفاءها، وكأن الدنيا كلها منحته ما كان يتمناه في تلك اللحظة.
رفع يده أمام عينيه يتأمل الدبلة لثوان، ثم قربها من شفتيه وقبلها بسعادة واضحة وهو يقول: مبروك يا عمري، وعلشان تتأكدي أني متمسك بيكي لآخر يوم في عمري، أنا عاملك مفاجأة." نظرت إليه باستغراب وقالت:
"أيوه أيه هي بقى المفاجأة اللي خالو تامر قالي عليها ؟"
رفع عينيه إلى السماء بملل وقال:
خالك تامر ده مش بتتيل في بوقه فوله ابدا، عموما يا ستي، أنا قررت أكتب كتابك، وتبقي مراتي رسمي، عايز علاقتنا تفضل نضيفه ونقيه على طول."
اتسعت عيناها بصدمة وقالت :
"ها ؟ | أنت بتقول أيه ؟ | أنا يدوب بتقبل فكرة الخطوبة وراجل في حياتي أصلاً، وأنت تقولي
لكتب الكتاب؟"
تنهد بحب وقال بهدوء
"ما هو ده الغرض من كتب الكتاب علشان تتقبلي وجودي في حياتك، لازم يكون بطريقة مباشرة، وده مينفعش خالص في الخطوبه، لازم تكوني مراتي حلالي، ومتقلقيش الفرح هيتم
بعد ما تتعالجي خالص وتكوني مستعدة لده "
نظرت ناحية والدها بتردد وقالت:
ب بس بابي "
فتدخل أحمد سريفا:
"متقلقيش أحنا اتفقنا على كل حاجه، وهو موافق بس مستنى موافقتك يلا يا حبيبتي وافقى علشان خاطري "
ظلت أروى صامتة لعدة لحظات، بينما كانت عيناها تنتقلان بين الوجوه المحيطة بها. نظرت أولا إلى والدها الذي كان يراقبها بحنان ممزوج بالقلق، ثم إلى والدتها التي كانت تدعو لها بصمت من أعماق قلبها، وبعدها إلى جواد الذي منحها نظرة مطمئنة وكأنه يخبرها أن الجميع يقف خلفها مهما كان قرارها، ثم وقعت عيناها على رنيم التي كانت تبتسم لها بحب وتشجيع. واخيرا عادت بنظرها إلى أحمد.
كان ينتظر ردها بصير، لكن عينيه كانتا تفضحان حجم التوتر الذي يعيشه في تلك اللحظة. لم يحاول الضغط عليها أو استعجالها، بل اكتفى بالنظر إليها كان يترك لها كامل الحرية لتختار ما تريده
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أخذت نفسا عميقا قبل أن تحرك رأسها ببطء معلنة موافقتها.
في تلك اللحظة شعر أحمد وكأن حملا ثقيلا كان جائها فوق صدره وانزاح أخيرا، أغمض عينيه الثوان قصيرة وهو يحمد الله في داخله، ثم فتحهما من جديد ونظر إلى غريب وأومأ له برأسه مؤكدا موافقتها.
لم ينتظر تامر أكثر من ذلك، فتحرك بسرعة، كان يستعد لهذه اللحظة منذ البداية، واتجه لإحضار المأذون.
وبعد دقائق جلس الجميع في أماكنهم، بينما جلس أحمد إلى جوار المأذون، وجلس غريب في الجهة الأخرى بصفته ولى أمرها. كانت الأجواء مزيجا غريبا من الفرح والتأثر فالجميع يدرك أن تلك اللحظة ليست مجرد إجراء رسمي، بل خطوة كبيرة في حياة أروى بعد كل ما مرت به.
بدأ المأذون يتلو كلمات العقد بصوته الهادئ، وردد أحمد وغريب خلفه الكلمات المطلوبة، حتى اكتملت مراسم العقد وأصبحت أروى زوجة لأحمد أمام الله والناس.
وما إن انتهى المأذون من عقد القرآن حتى رفع يديه بالدعاء لهما، فتجاوب الجميع خلفه، وارتفعت الأصوات بالتأمين والدعوات الصادقة بأن يكتب الله لهما السعادة والراحة والسكينة. بينما امتزجت الابتسامات بالدموع في مشهد دافئ حمل الكثير من المحبة والفرح والأمل
بمستقبل أفضل ينتظرهما.
ما إن انتهت مراسم عقد القرآن حتى نهض أحمد من مكانه وقد غمرته سعادة حقيقية، وشعر برغبة عفوية في الاقتراب منها ومشاركتها فرحته بتلك اللحظة التي انتظرها طويلا. تحرك نحوها بخطوات سريعة، لكن أروى تراجعت إلى الخلف فورا دون وعي منها.
تجمد أحمد في مكانه للحظة، ولم يظهر على وجهه أي ضيق أو استياء، بل العكست في عينيه نظرة متفهمة ممزوجة بالألم لأجلها. كان يعلم أن الأمر لا يتعلق به، ولا يرفضها له، بل بالجراح
التي ما زالت تحاول التعافي منها يوما بعد يوم.
لذلك تراجع خطوة إلى الخلف ليمنحها المساحة التي تحتاجها، ثم مد يده إليها بهدوء وأمسك یدها برفق شديد، كان يخشى أن يفزعها أكثر، قبل أن ينحني ويطيع قبلة حانية فوقها وهو
يقول بحب
نورتي حياتي، يا أجمل ما في حياتي "
سحبت اروی پدها سريعا بتوتر، فهي ما زالت غير معتادة على كل ما يحدث حولها، ثم قالت بصوت خافت مرتبك:
ش شكرا"
لم يعلق أحمد على ارتباكها، بل اكتفى بابتسامة هادئة حملت الكثير من التفهم، بينما كان غريب قد اقترب منها بالفعل، وقف أمامها للحظة يتأمل وجهها وعينيه تمثلنان بمشاعر متناقضة بين الفرح والحزن، فرح لأنه يراها تبدأ خطوة جديدة في حياتها، وحزن لأنه يتذكر كل ما مرت به حتى وصلت إلى هذه اللحظة مال نحوها وقبل رأسها بحب أبوي صادق، ثم احتضنها بقوة، وقال:
"مبروك يا قلب بابي، ربنا يسعدك يا حبيبتي يارب أحمد شخصية محترمة وبيحبك." تشبثت أروى به كما لو أنها عادت طفلة صغيرة احتمت بحضن والدها من قسوة العالم كله، ثم قالت بصوت اختلطت فيه الدموع بالحب
"الله يبارك فيك يا بابي، وأنا بحبك أنت أكثر من الدنيا كلها."
ارتسمت ابتسامة مؤثرة على وجه غريب وهو يربت على ظهرها بحدان، قبل أن تقترب منها ترنيم، التي لم تستطع إخفاء دموعها وهي ترى ابنتها تقف أمامها في هذه اللحظة التي طالما دعت الله أن تراها فيها سعيدة وآمنة احتضنتها بقوة وقالت بصوت دافئ "ربنا يسعدك يا بنتي يارب، ويفرح قلبي بيكي "
بادلتها أروى العناق وهي تشعر بدفء كلماتها يحيط بها من كل جانب، ثم قالت بمحبة صادقة: "ربنا يخليكي ليا يا مامي"
وبعدها بدأت التهاني تتوالى من الجميع، واختلطت الدعوات الصادقة بالضحكات والابتسامات والدموع السعيدة. كان كل فرد من الحاضرين يحاول أن يشاركها فرحته بطريقته الخاصة، بينما جلست اروى وسطهم تشعر أنها ما زالت عاجزة عن استيعاب كل ما حدث خلال ساعات قليلة. ففي ليلة واحدة تبدلت أشياء كثيرة في حياتها. أصبحت مخطوبة، وأصبحت زوجة في الوقت نفسه، وانتقلت خطوة جديدة إلى الأمام رغم كل المخاوف التي كانت تسكن قلبها.
ورغم أن آثار الألم لم تختف بعد، ورغم أن الطريق أمامها ما زال طويلا ويحتاج إلى الكثير من القوة والصبر إلا أنها شعرت للمرة الأولى منذ زمن طويل أن الحياة لم تغلق أبوابها في وجهها كما كانت تظن. شعرت أن هناك من يتمسك بها بصدق، لا لأنه يشفق عليها، ولا لأنه يريد أن يغيرها بالقوة، بل لأنه اختار البقاء بجوارها بكل ما تحمله من ضعف وخوف وتدوب خفية. ولأول مرة منذ شهور تسلل إلى قلبها إحساس صغير بالأمان، إحساس خافت لكنه حقيقي. جعلها تؤمن أن العودة إلى الحياة ربما تكون ممكنة بعد كل شيء.
كانت رنيم تجلس على مقعدها تتابع مظاهر السعادة التي ملأت المكان من حولها، بينما كانت ابتسامتها الهادئة تخفي خلفها بحرًا كاملا من الحزن الجميع تقريبا وصل إلى نهايته السعيدة أروى وجدت من تمسك بها رغم جراحها، جواهر تعيش فرحتها بطفلها القادم، وغريب وترنيم عادا أخيرا إلى وطنهما وبين أحضان من يحبونه. أما هي فكانت تشعر وكأنها تقف وحدها على
الضفة الأخرى من الحياة، تشاهد السعادة تمر امامها دون أن تمد يدها إليها، وبرغم محاولاتها المستمرة لإقناع نفسها بأن القدر ربما لا يحمل لها ما تتمناه ظل قلبها يرفض الاستسلام، وظلت صورة شاهين تحتل كل زاوية داخلها مهما حاولت الهروب منها.
شردت للحظات وهي تتأمل الوجوه المبتسمة حولها، وشعرت بحرقة خفيفة تلسع صدرها. كانت تتمنى لو أنه يجلس بينهم الآن لو كانت تضحك بجواره كما كانت تفعل قديمًا، لو كانت يدها تستقر داخل يده دون خوف أو فراق أو وجع. هربت دمعة صغيرة من عينيها رغما عنها،
فسارعت إلى إزالتها قبل أن يلاحظها أحد.
وفي تلك اللحظة شعرت بيد حانية تستقر فوق كتفها.
رفعت رأسها فوجدت ترنيم تنظر إليها بابتسامة دافئة، ثم مالت نحوها قليلا وقالت بهدوء:
بصي على الباب كده. "
عقدت حاجبيها باستغراب، لكنها التفتت ببطء نحو المدخل.
وفور أن وقعت عيناها عليه، توقف العالم من حولها للحظة.
كان شاهين. يدخل إلى الفيلا بطول قامته وهيبته المعتادة بنفس الحضور الذي كان دائما يربك قلبها ويجعله ينسى كيف يؤدي وظيفته الطبيعية. شعرت بأن أنفاسها تعلقت داخل صدرها وهي تراقيه
أعادت نظرها إلى ترنيم التي كانت تبتسم لها بمكر محبب، ثم أومأت برأسها قائلة:
ها! أيه رأيك في المفاجأة دي ؟ خليت غريب عزمه النهاردة."
تنهدت رنيم بوجع وهي تعود بعينيها إليه وقالت بصوت خافت:
بس هو رافض يتكلم معايا، يعنى وجوده مش هيفيدني بحاجه أصلاً."
ابتسمت ترنيم بتلك الطريقة التي كانت تبتسم بها عندما تكون واثقة من شيء لا يراه غيرها. وقالت:
"أصلا"
ردت عليها رنيم بابتسامة حزينة:
"أصلا أصلا"
انحنت ترنيم وقبلت رأسها بحنان وقالت:
"خدي أنتي الخطوة، وأنا متأكده أنه لسه بيحبك، وفضله تكه صغيره وينهار الشخص القاسي اللي هو لابس شخصيته ده. "
التفتت رنيم إليه من جديد.
كان يجلس إلى إحدى الطاولات القريبة، يبدو هادئا كعادته، لكن معرفتها الطويلة به كانت
نفسه عندما يعجز عن مواجهة مشاعره.
تخبرها أن هذا الهدوء ليس حقيقيا. كانت تعرف جيدا كيف يختبئ خلف صمته، وكيف يحارب
أغلقت عينيها لثوان محاولة جمع ما تبقى لديها من شجاعة، ثم أومأت برأسها لترنيم. ابتعدت الأخيرة تاركة إياها وحدها.
اما رنيم فنهضت ببطء شديد وشعرت بأن خطواتها أثقل من المعتاد وهي تتجه نحوه. كانت كل خطوة تقطعها نحوه تعني لها حربًا كاملة تخوضها ضد خوفها ووجعها واحتمال أن يرفضها من جديد.
توقفت أمامه أخيرا. وحين لم يرفع رأسه إليها، قالت بصوت مرتعش
"م ممكن أتكلم معاك ؟"
ظل نظره مثبتا أمامه، ثم حرك رأسه بالنفي وقال باقتضاب:
""
ارتجف قلبها بقوة، لكنها أجبرت نفسها على الاستمرار وقالت بصوت متحشرج من الألم:
"شاهين أرجوك كفايه كده أنا عارفه أني غلط، بس كنت بحميك، كنت خايفه عليك، ممكن أكون
اتصرفت غلط بس ده لأني بحبك، ومحسبتهاش صح"
أدار وجهه إلى الجهة الأخرى وقال ببرود حاول أن يصطنعه:
قلتلك لا مش عايز اسمع صوتك "
بقيت تنظر إليه لثوان طويلة، ثم تراجعت ببطء. عادت إلى مقعدها وقلبها ينزف بصمت.
اما شاهين فظل جالسا مكانه.
كان يشعر وكأن كل كلمة قالتها مزقت جزءا جديدا من روحه أراد أن ينهض خلفها، أن يمسك يدها، أن يضمها إلى صدره ويخبرها أن عذابه لم يكن أقل من عذابها يوما واحدا.
لكنه بقي جالسا مكانه بينما كانت تبتعد عنه خطوة بعد أخرى، يشعر وكأن كل خطوة تخطوها تسحب معها جزءا من روحه، كان يرى الانكسار في عينيها بوضوح، ويسمع صدى الألم في نبرة. صوتها، ومع ذلك لم يتحرك نحوها. تركها تعود إلى مقعدها يقلب مثقل بالخذلان، بينما كان هو يغرق أكثر في صراعه الداخلي؛ فلا هو استطاع أن يغفر لها ويطوي صفحة الماضي، ولا استطاع أن يحتمل رؤيتها تتألم بسببه، كان وجعه منها يقف في مواجهة حبه لها، وكل منهما يمزقه في اتجاه مختلف، حتى بات عاجزا عن انقاذها من حزنها أو انقاذ نفسه من عذابه. وفي تلك الأثناء ارتفعت أصوات الحاضرين وهم يطلبون من العروسين أداء رقصة السلو
التقليدية، لتعود الأجواء المليئة بالفرح والاحتفال إلى الواجهة من جديد.
توترت أروى فور سماع الفكرة، وبدت علامات الارتباك واضحة على ملامحها، فاحترم الجميع رغبتها دون أي ضغط عندها تقدم جواد نحو جواهر بابتسامة واسعة ومد يده إليها، فوضعت يدها في يده وسط تصفيق الحاضرين وتشجيعهم، ثم بدأ الأزواج الموجودون ينضمون إليهما واحدا تلو الآخر، لتتحول الأجواء إلى لوحة دافئة ممتلئة بالفرح، ارتفعت الموسيقى، وتعالت
الضحكات، واختلطت النظرات المليئة بالحب بالهمسات الخافتة، بينما كان كل شخص يعيش الحظته الخاصة مع من اختاره قليه.
أما رنيم فظلت جالسة في مكانها تراقب المشهد بصمت. كانت تبتسم للآخرين، لكن تلك الابتسامة لم تصل إلى عينيها. شعرت بأنها تقف خلف حاجز زجاجي يفصلها عن كل هذه السعادة، ترى الجميع يلتفون حول من يحبون يعيشون لحظات طالما حلمت هي بها، بينما بقيت هي وحدها تحمل شوقها ووجعها بين ضلوعها. وكلما وقعت عيناها على زوجين يتبادلان نظرة حب أو لمسة حالية، ازداد شعورها بالفقد واتسعت الهوة داخل قلبها.
حاولت أن تتمالك نفسها، وأن تقنع ذاتها بأنها تستطيع الصمود كما فعلت طوال الأشهر الماضية. لكن مشهد السعادة الذي يحيط بها من كل جانب كان أقوى من قدرتها على الاحتمال، امتلات عيناها بالدموع شيئا فشيئا، حتى شعرت أن بقاءها دقيقة إضافية وسط هذا المشهد سيكشف هشاشتها أمام الجميع، لذلك نهضت على عجل وغادرت المكان متجهة إلى داخل الفيلا، محاولة
الهروب من نظرات الناس قبل أن تهرب دموعها بالكامل.
ومن مكانه، تابعها شاهين بعينيه دون أن يشعر. ظل ينظر إلى ظهرها المبتعد حتى اختفت عن ناظریه، وشعر بانقباضة مؤلمة تعتصر قلبه، كان يدرك جيدا سبب رحيلها، ويدرك أكثر أنه السبب في كل هذا الحزن الذي تحمله داخلها. ومع كل خطوة كانت تخطوها بعيدا، كان يشعر أن شيئا داخله يتهاوى بصمت، وكأن وجعها يعيد إليه وجعه هو أضعافا مضاعفة.
داقت رنيم إلى الصالة الخالية وجلست على الأريكة، ثم أخفت وجهها بين كفيها وأطلقت العنان
الدموعها التي كانت تحبسها طوال الليلة.
ظلت جالسة على الأريكة تحتضن وجعها بين ضلوعها، بينما كانت الدموع تنساب على وجنتيها بلا توقف. لم تعد تحاول إخفاء ضعفها أو التظاهر بالقوة كما اعتادت طوال الأشهر الماضية، كل ما كتمته داخل قلبها من حزن واشتياق وخذلان وجد أخيرًا طريقه إلى الخارج، كانت تبكي بحرقة صامتة تبكي الأيام التي مرت عليها وهي تراه قريبا منها بجسده وبعيدا عنها بروحه. تبكي الليالي التي قضتها تتمنى كلمة واحدة منه، أو نظرة تحمل بعضا من الحب الذي عرفته
يوما في عينيه.
ومع استسلامها الكامل لتلك المشاعر انعزلت عن كل ما يدور حولها حتى فقدت إحساسها بالوقت وبالأصوات القادمة من الخارج، لذلك انتفض قليها عندما شعرت بكف تستقر برفق فوق كنفها. رفعت رأسها ببطء، وما إن وقعت عيناها على صاحب تلك اليد حتى اتسعنا بذهول حقيقي، وتجمدت في مكانها وكأنها فقدت القدرة على الحركة أو حتى التنفس.
كان شاهين يقف أمامها.
للحظة قصيرة ظنت أن عقلها يخدعها من جديد، وأن اشتياقها له رسم صورته أمامها كما فعل مرازا في السابق، لكنها هذه المرة كانت تراه بوضوح شديد لا يقبل الشك كان حاضرا أمامها بكل تفاصيله، بعينيه اللتين طالما حفظت ملامحهما عن ظهر قلب، وبذلك التعب الثقيل المرتسم على وجهه، وبذلك الوجع الذي حاول طويلا أن يخفيه خلف قسوته وبروده. نظرت إليه وكأنها تراه لأول مرة بعد عمر كامل من الغياب، بينما كانت تقرأ في عينيه أشياء كثيرة عجزت الكلمات عن قولها، ورأت بوضوح أن المعاناة لم تكن حكرًا عليها وحدها، بل كانت تترك آثارها عليه هو الآخر يوما بعد يوم.
نهضت ببطء شديد، وظلت تنظر إليه بعدم تصديق. ثم ارتمت داخل أحضانه. تمسکت به بقوة وهي تبكي.
أما هو فضمها إلى صدره بعنف مشتاق، وأحاطها بذراعيه كمن وجد أخيرا الجزء المفقود من روحه.
ربت على ظهرها بحنو وهو يشعر أن كل جدار بناه بينهما ينهار في تلك اللحظة.
تعلقت به أكثر وهي تقول بين شهقاتها:
"أنا أسفه، بجد أسفه. أنا بحبك أوى يا شاهين، ومش قادره أعيش من غيرك " اغمض عينيه وقبل رأسها ثم قال بصوت مبحوح من شدة الألم:
حاولت ومقدرتش، لا قادر أسامحك، ولا قادر أشوف دموعك، وأشوف وجعك يا رنيم " حركت رأسها بعنف وهي متشبئة به، كانت تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها إذا تركته للحظة واحدة، ثم قالت بصوت مبحوح تقطعه شهقات البكاء:
"لا أوعى تبعد عني ثاني يا شاهين أرجوك "
أغمض عينيه للحظة وهو يستمع إلى رجائها الذي اخترق قلبه بسهولة مؤلمة، ثم رفع يديه ببطء وأبعدها عنه مسافة صغيرة تكفى فقط ليرى وجهها احتضن وجنتيها بين كفيه ونظر إليها طويلا، نظرة اختلط فيها الحب بالوجع والاشتياق والندم كانت دموعها لا تزال تلمع فوق وجنتيها، وكانت عيناها متعلقتين به بخوف طفلة تخشى أن ينتزع منها الشيء الوحيد الذي تحبه.
ظل صامتا لثوان بدت لهما كأنها عمر كامل، قبل أن يزفر أنفاسا مثقلة بكل ما عاشه خلال تلك الفترة، ثم قال أخيرا بصوت خرج من أعماق قلبه لا من شفتيه "بحبك يا رنيم "
ارتجف جسدها كله عند سماع تلك الكلمات الكلمات التي انتظرتها طويلا، وحلمت بها في يقظتها ومنامها، وخشيت في قرارة نفسها ألا تسمعها منه مرة أخرى أبدا، اتسعت عيناها بذهول وتوقفت أنفاسها للحظة وهي تحدق به غير مصدقة أن الحاجز الذي فصل بينهما كل هذه الشهور قد انهار أخيرا.
لكنه لم يترك لها فرصة لتستوعب ما قاله أو لترد عليه، جذبها إليه فجأة، تم استولى على شفتيها
بقبلة حملت كل ما عجز عن قوله بالكلمات اشتياقه الذي أنهكه، وحنينه الذي حاربه عبدا.
ووجعه الذي ظل ينزف بصمت بعيدا عنها، كانت قبلة رجل حاول أن يبتعد فلم يستطع، وحاول أن ينسى فقشل، وحاول أن يكره فوجد نفسه يزداد تعلقا.
تمسكت به بقوة وكأنها تعود إلى موطنها بعد رحلة طويلة من الضياع، بينما شعر هو بملوحة دموعها تختلط بتلك القبلة، فأدرك أن كل واحد منهما كان يعيش العذاب نفسه بعيدا عن الآخر، وأن الحب الذي جمعهما يوما لم يمت رغم كل ما مر بينهما، بل ظل حيا ينتظر لحظة واحدة فقط ليعود إلى الحياة من جديد.
ابتعد عنها أخيرا وأسند جبهته إلى جبهتها وقال بأنفاس لاهثة:
لازم تحاول تداوي بعض يا رنيم، لا أنا قادر أعيش من غيرك ولا أنتي قادرة تشوفي حياتك ولا
تعيشي من غيري، أحنا الاتنين أتخلقنا لبعض مهما حاولنا تتنكر ده"
أومات برأسها وهي تبكي وقالت:
ايوه والله مش قادرة أعيش حياتي من غيرك أنت النفس اللي بتنفسه يا شاهين، أنا بحبك
أوي، بحبك فوق ما تتصور."
عادت إلى أحضانه مرة أخرى، لقد وجدت أخيرا المكان الذي كانت تبحث عنه طوال الوقت. فضمها إليه بقوة، يحاول يعوضها عن كل لحظة ابتعد فيها عنها، ثم انحنى وقبل رأسها بحنان ويقي للحظات صامتا يستشعر قربها قبل أن يهمس بالكلمة التي غيرت كل شيء:
" تتجوزيني !"
تجمدت بین ذراعيه للحظة ثم ابتعدت عنه قليلا لم تستوعب ما سمعته اتسعت عيناها بدهشة. وظلت تنظر إليه من بين دموعها غير مصدقة، قبل أن تخرج كلماتها بصوت مرتعش "أنت قلت أيه؟"
ابتسم لها بحب، تلك الابتسامة التي افتقدتها طويلا، ثم أمسك يدها بين يديه ونظر مباشرة إلى عينيها، كان يريد أن يطمئنها أن هذه المرة لن يكون هناك فراق
"تتجوزيني ؟ "
لم تحتج إلى التفكير، فقد كان قلبها قد أجاب قبله منذ اللحظة التي عاد فيها إليها. حركت رأسها سريعا بالموافقة، بينما اختلطت دموعها بضحكتها من شدة الفرح، وقالت بصوت مرتعش يغلبه الحب:
"موافقة طبقا "
وما إن أنهت كلماتها حتى عادت ترتمي داخل أحضانه، تمسكت به بقوة كانت تخشى أن يكون هذا الحلم الجميل مجرد لحظة عابرة، ثم همست بین شهقاتها
بعشقك يا شاهين."
اغلق ذراعيه حولها بحب، وقبل رأسها وهو يشعر للمرة الأولى منذ وقت طويل أن قليه عاد إلى مكانه الصحيح، ثم قال بصوت دافئ
" وأنا بحبك يا قلب وعمر شاهين"
وفي تلك اللحظة اخترق صمت المكان صوت صرخة مليئة بالفرح جعلتهما يلتفتان في نفس اللحظة.
ليجدا جواهر نقف أمامهما عيناها تلمعان بالسعادة وملامحها تحمل دهشة وفرحة لم تستطع إخفاءها، ثم قالت بحماس وهي تكاد لا تصدق ما تراه:
"أحلفوا أنكم اتصالحتول"
ضحكت رنيم من بين دموعها التي لم تتوقف، وللمرة الأولى تسمح لنفسها أن تفرح دون خوف ثم أسرعت نحوها واحتضنتها بقوة وقالت بصوت ممتلئ بالسعادة:
"شاهين سامحني، وطلب الجواز مني يا جواهر
لم تتمالك جواهر نفسها، فأطلقت صرخة أخرى من شدة الفرح واحتضنتها بقوة، ثم بدأت تدور بها في المكان وهما تضحكان وتبكيان في الوقت نفسه، وأصبح كل الألم الذي عاشته رنيم طوال الشهور الماضية تحول في لحظة واحدة إلى فرحة تعجز الكلمات عن وصفها.
أما شاهين فظل واقفا يراقبهما يصمت، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لم يعرفها منذ زمن طويل. لم تكن مجرد ابتسامة فرح، بل كانت ابتسامة رجل عاد إليه الجزء الذي فقده، واستعاد أخيرا
المرأة التي ظل قلبه متعلقا بها رغم كل محاولاته للابتعاد عنها.
بعد دقائق قليلة عاد الجميع إلى الخارج، وما زالت علامات السعادة والدهشة تملأ وجوههم، لا يصدقون أن القلوب التي عانت طويلا وجدت طريقها للصلح من جديد. أسرع جواد بإحضار المأذون، بينما جلس تامر بجوار رنيم وكيلا عنها، وجلس شاهين أمام المأذون وهو يشعر بتوتر لم يختبره من قبل، رغم أنه عاش الكثير من المواقف الصعبة في حياته، كان قلبه يخفق بقوة. كأنه يقف للمرة الأولى أمام لحظة مصيرية، لحظة سيعلن فيها أمام الجميع أن هذه المرأة أصبحت له إلى الأبد.
مرت الكلمات سريعا، وترددت صيغة العقد بين الحاضرين، حتى انتهى كل شيء في لحظات قليلة.
وأصبحت رتيم أخيرا زوجة شاهين الرواي.
وقفت أمامه بعد انتهاء العقد، تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالدموع والسعادة، كان عقلها ما زال يحاول استيعاب أن الحلم الذي ظلت تتمسك به رغم كل شيء أصبح حقيقة بين يديها، ابتسمت له بعدم تصديق وقالت بصوت مرتعش
هو اللي حصل ده بجد؟ يعني أنا دلوقتي مراتك؟ حرم شاهين الرواي؟" اكتفى بأن ينظر إليها بابتسامة عاشق وجد أخيرًا طريق العودة، ثم أوما برأسه مؤكدا، واقترب
منها وقبل خدها برفق وهو يقول:
"أنتي دلوقتي مراتي وحياتي وعمري كله."
ثم ضمها إلى صدره بقوة، وكأنه يعاهدها أمام نفسه قبل الجميع ألا يسمح للفراق أن يأخذها منه مرة أخرى، وقال بصوت يحمل كل الندم والحب
حقك عليا يا رنيم، لو كنت في يوم سبب في وجعك ولا سبب دموعك، بحبك يا حرم شاهين
الرواي"
تشبعت به أكثر، وابتسمت من بين دموعها وهي تقول:
"أنا عمري ما زعلت منك يا شاهين، لأن أنت الدوا لكل جروحي، بعشقك أوي يا شاهين" تعالت أصوات التهاني من الجميع، واختلطت الضحكات بالدعوات الصادقة، بينما كانت رنيم تقف بجواره غير قادرة على تصديق أن كل هذا حدث بالفعل، وأن الرجل الذي ظنت يوما أنها فقدته عاد إليها من جديد ليس فقط بحبه، بل بوعد أن يبقى معها.
وانتهت تلك الليلة وسط فرحة الجميع، ليلة حملت معها نهاية مرحلة طويلة من الألم والبعد وبداية جديدة لشاهين ورنيم بداية أدركا فيها أن بعض القلوب، مهما ابتعدت ومهما أثقلتها الجراح، تجد طريق العودة دائما إلى المكان الذي تنتمي إليه، قلب من تحب.
وقفت رنيم أعلى الدرج بفستانها الأبيض الذي زادها جمالاً ورقة، وفي عينيها لمعة سعادة لم تعرفها منذ وقت طويل، كانت تضع يديها داخل ذراعي غريب و تامر يسيران بها ببطء حتى يسلموها إلى الرجل الذي اختاره قلبها منذ البداية. أما شاهين فكان يقف في الأسفل ينتظرها. وعيناه لا تفارقاتها لحظة واحدة، ينظر إليها بحب وفخر وكأنها أعظم انتصارات حياته، وأن كل
ما مر به من ألم كان يستحق فقط ليصل إلى هذه اللحظة.
كان شاهين في كامل أناقته، بطالته الرجولية التي اعتادت أن تخطف قلبها قبل عينيها، بجسده العريض وملامحه القوية التي تحمل هيبة الرجل الذي لا يشبه أحدا، لكن رغم ذلك لم ترى رنيم في تلك اللحظة سوى زوجها وحبيبها، الرجل الذي اختارته روحها قبل قلبها.
بدأت تتحرك نحوه بخطوات بطيئة، ورغم سعادتها الكبيرة كان هناك ارتعاش خفيف في جسدها، وكأنها ما زالت غير مصدقة أن النهاية التي حلمت بها طويلا أصبحت حقيقة أمامها. وما إن وصلت إليه ووقفت أمامه حتى صافح غريب وتامر يحب واحترام، ثم مد يده إليها وأمسك يدها برفق، وقبلها أمام الجميع، قبل أن يقترب منها ويطبع قبلة حانية فوق رأسها، ثم نظر إلى عينيها وقال بعشق
"أنتي جميلة أوي يا رنيم، بعشقك."
خفضت عينيها بخجل وارتسمت على شفتيها ابتسامة مليئة بالحب، ثم قالت بصوت هادئ
"وانت أجمل حاجه في حياتي، أنا حاسه نفسي بحلم يا شاهین معقولة النهاردة فرحنا أنا وأنت؟"
ابتسم لها بحب وأوماً برأسه، ثم اقترب منها قليلا وقال بغمزة شقية أعادت لها روح شاهين التي تحبها:
امم، وكلها كام ساعه وتبقي نايمه في حضني "
اتسعت عيناها بخجل وضربته بخفة على صدره وهي تقول :
"أنتم يا شاهين."
تعالت ضحكاته الرجولية التي اشتاقت إليها، فضحكت هي الأخرى من قلبها، ثم وقف بجوارها وأمسك يدها بحب، وبدأ يتحركان معا نحو المكان المخصص لهما، وما إن وصلا حتى ساعدها شاهين على الجلوس برفق، ثم ابتعد عنها قليلا واتجه نحو مكبر الصوت.
نظرت له باستغراب وهي تتابعه، ولم تكن تعلم ما الذي يخطط له، بينما أمسك هو الميكروفون ونظر إليها للحظات طويلة، ثم قال بصوت واضح وصل إلى الجميع
أولاً بالرحب بالجميع وأتمنى ليكم ليله سعيدة، ثانيا، عايزة اتأسف لرنيم لو كنت في يوم وجعتها أو كنت سبب دموعها، من أول لحظة شفتك فيها، وأنا اسرتني عيونك بقيت مهوس بيهم لدرجة أن حياتي كلها كانت يتقف لو غابوا عني لو لحظة، أنا عمري ما اتخيلت أن أحب ولا أقع في الحب بالشكل ده بس أنتي جيتي بكل بساطه خطفتي قلبي من غير أي مجهود منك غيرتي فيا حاجات كثير قلبي لما سكنتي أتغير وبقى طيب ومسامح بقى أبيض بدل السواد اللي كان فيه، ووعد مني قدام كل الموجودين أني هعيشك أسعد أيام عمرك، مراعي ربنا فيكي وهحبك بكل طاقتي، هبعد عنك الحزن بقدر الإمكان بحبك يا رنيم، وعايزك أنتي كمان متمسكه
بحبي في قلبك الآخر يوم في عمري "
كانت تستمع إليه والدموع تملأ عينيها، لا تعرف هل تبكي من شدة السعادة أم من ثقل كل ما مر بهما حتى وصلا إلى هذه اللحظة، حركت رأسها له وهي تبتسم وسط دموعها، ثم صرخت بأعلى صوتها امام الجميع
بحبك يا شاااهين، بعشقك "
تم أرسلت له قبلة في الهواء وسط ضحكات وتصفيق الجميع.
ابتسم لها بحب، لكنه بعد لحظات تغيرت ملامحه قليلا، وظهر عليه شيء من التوتر وكأنه يستعد للحديث عن أمر ظل يخفيه طويلا. رفع الميكروفون مرة أخرى وقال:
"طبعا من ساعة ما رجعنا تاني لبعض وأنتي بتحاولي تعرفي أنا كنت فين الفترة اللي بعدت عنك فيها، وأنا كثير اتهربت من سؤالك ده بس قررت أجاوبك قصاد الناس كلها وكمان أظهر السر اللي فضلت مداريه عن الناس كلها."
عقدت رنيم حاجبيها باستغراب، ونظرت إليه بعدم فهم. لم تكن تتوقع أن تلك الليلة التي بدأت
باعترافه بحيه ستكون أيضًا الليلة التي سيكشف فيها السر الذي أخفاه عنها طوال فترة ابتعاده.
تحرك شاهين بخطوات هادئة نحو أحد الأبواب الجانبية، بينما ظلت جميع الأنظار معلقة به في فضول شدید، فطريقته ونبرة صوته جعلت الجميع يشعر بأن ما سيظهره الآن ليس مجرد سر عادي، بل جزء من حياته أخفاه عن الجميع لسنوات طويلة.
مديده وفتح الباب، ثم ظهر شخص أمسك يده، كانت ملامحه تحمل أثر السنين الطويلة، وبدا واضحًا أنه رجل تقدم به العمر حتى بلغ أرذله، لكنه رغم ضعفه كان يحمل شبها كبيرا بشاهين شبها لم يكن يحتاج إلى تفسير.
أمسك شاهين يده بحرص، وأسنده حتى مر به إلى مكان وقوف الجميع، ثم عاد به ببطء إلى جواره، وسط نظرات الدهشة التي لم تفارقهما لحظة واحدة.
وقف شاهين بجوار الرجل، ثم نظر إليه للحظات قبل أن يرفع عينيه إلى الجميع وقال بصوت هادئ يحمل الكثير من المشاعر
الشخص ده يبقى أبويا، لما أمي طلبت مني أقتله، كان لسه فيا ذرة إنسانيه في قلبي اتكلمت معاه وطلع عكس الصورة اللي هي رسمتها ليا في خيالي، كان فرحان بيا شافني العوض ليه لأنه
فقد القدرة في الإنجاب، كنت أنا الوريت الوحيد ليه كرامته سفرته بره وعاش الباقي من حياته في ألمانيا، وكذبت عليها وقلتلها أن أنا قتلته، علشان لو عرفت أنه عايش كانت هتخلي غيري يقتله، وطول السنين دي احتفظت بالسر ده جوايا محدش غيري يعرف كنت بزوره على طول على أني مسافر شغل، ولما اختفيت كنت عايش معاه في ألمانيا، احتضني، طيب خاطري
سندني رغم سنه، وعلشان كده أنا بقلها قصاد الناس كلها، ده أبويا ويشرفني أنه أبويا ويتأسف ليه على المعاملة اللي اتعاملت معاه بيها أول ما قابلته لأنها كانت موصله ليا صورته بطريقه وحشم"
ساد الصمت للحظات صمت امتلأ بالدهشة والتأثر بينما كانت رنيم تنظر إلى شاهين بعينين مختلفتين، وكأنها تكتشف جانبا جديدا من الرجل الذي أحبته، جانبا يحمل بداخله رحمة وقوة لا براهما الكثيرون.
أما الرجل العجوز فنظر إلى ابنه بعينين ممتلئتين بالفخر، ثم رفع يده ببطء وأمسك يد شاهين وقربها من شفتيه وقبلها بحنان، وقال بصوت ضعيف بحكم عمره لكنه مليء بالصدق: "أنا اللي فخور بيك يا ابني فخور أن أبني شاهين الرواي راجل الدنيا كلها بتعمل ليه ألف
حساب، لكن رغم كده بيكون شبه الطفل الصغير في حضني باربيا، ومن وقت ما قابلني وهو بيعاملني بإحسان، قلبي وربي راضين عنك يا ابني "
تأثر الجميع بكلماته، بينما ظل شاهين ينظر إلى أبيه بصمت، وكأن تلك الكلمات عوضته عن سنوات طويلة عاشها وهو يظن أنه وحيد في هذه الدنيا.
ثم رفع الرجل عينيه نحو رنيم وتحرك باتجاهها بخطوات بطيئة، حتى وصل إليها وأمسك يدها برفق، وقال بابتسامة حانية:
وانني يا بنتي حافظي على شاهين، علشان عمرك ما هتلاقي حد بيحبك قده، أبني بيعشقك يا رنيم، أبني دموعه نزلت علشانك، وما إدراكي أن شاهين الرواي دموعه تنزل علشان خاطر واحده، معناه أنه بيعشقك بجنون."
لم تستطع رنيم منع دموعها من السقوط، كانت تنظر إلى شاهين وكأنها تراه للمرة الأولى، ترى الرجل القوي الذي أخفى خلف قسوته قلبا ملينا بالحب والوفاء الرجل الذي تحمل وحده أكثر مما ينبغي.
حركت راسها له بعشق، ثم اقتربت منه بخطوات سريعة، وظلت للحظات تنظر إلى عينيه تحاول أن تخبره بكل ما تعجز الكلمات عن حمله، قبل أن ترتمي داخل أحضانه وتنمسك به بقوة وهي
تقول بصوت مرتجف من شدة المشاعر:
"مافيش كلام يوصف حبي ليك أنت حاجه نادرة مافيش منها، أنت جميل أوي يا شاهين، جميل بقلبك، جميل بروحك جميل بطيبتك، وجميل بحبك ليا، يعشقك ولو فيه كلمه تانيه كنت قلتها " أنهت كلماتها ولم تجد وسيلة أخرى تعبر بها عن كل ما بداخلها، فاقتربت منه وقبلت شفتيه بقوة، قبلة حملت امتنائها وحبها وفخرها به بينما احاطها شاهين بذراعه وضمها إليه ليؤكد أمام الجميع أن مكانها الوحيد بجواره.
لكن صوت التصفيق والهمهمات العالية، وصافرات الفرح التي انطلقت من الحاضرين، أعادتهم إلى الواقع من جديد.
ابتعد عنها شاهين بهدوء، وقبل رأسها بعشق، ثم ابتسم لها ابتسامة ممتلئة بالحب، بينما كانت رنيم تنظر إليه بقلب ممتلئ باليقين أنها اختارت الرجل الذي كان يستحق أن تنمسك به حتى النهاية.
نظرت جواهر إلى جواد وهي تحمل طفلها بين ذراعيها، تتابع رقص رنيم وشاهين بابتسامة واسعة، ثم قالت له بنيرة مازحة تحمل شيئا من الغيرة:
شايف الرومانسيه مش يوم فرحنا اللي قلب الساحة حرب"
نظر لها جواد بضيق مصطنع وهو يرفع حاجبه، ثم قال بسخرية:
"أعملك أيه ؟ ما أنتي اللي فقربه وبومة، وبعدين متنكريش أني عوضها ليكي في باريس " أدارت وجهها إلى الجانب الآخر، وقالت بتلقائية ساخرة: "امم عوضها نوم "
كنم ضحكته وهو يهز رأسه عليها، وفي تلك اللحظة بدأت الموسيقى تعلو من جديد، فالتفت جواد إليها سريعا، ثم نهض وحمل طفله من بين ذراعيها، واتجه نحو ترنيم وأعطاه لها بحب قبل أن يعود إليها مرة أخرى.
وقف أمامها ومد يده بابتسامة عاشقة وقال:
برنسيس جواهر ممكن تتكرمي وتقبلي تشاركيني الرقصة دي؟"
نظرت إلى يده للحظات، ثم رفعت عينيها إليه بابتسامة مليئة بالحب، ومدت يدها له دون تردد.
فساعدها على النهوض وتحركا معا نحو ساحة الرقص لينضما إلى رنيم وشاهين وسط سعادة
الجميع.
أما أحمد فكان يراقب المشهد للحظات، ثم التفت إلى أروى الجالسة بجواره، وقال بهدوء:
تحبي نقوم ترقص معاهم ؟ "
حركت رأسها بالرفض وقالت:
"لا مش عايزه"
لم يظهر عليه الغضب أو الضيق، فقد اعتاد خلال العام الماضي على رفضها الدائم، اعتاد أن تتراجع عن أي خطوة تقربه منها، حتى أبسط الأشياء كلمسة يده، لكنه كان يعرف أن الأمر ليس
رفضا له، بل خوفا تحاول التغلب عليه يوما بعد يوم.
كان يستمع دائما إلى نصائح الطبيبة بالصبر، وكان صبره معها نابغا من حبه لها، لا من شعوره
بالواجب فقط. لذلك اكتفى بأن أوماً برأسه بهدوء، وعاد ينظر أمامه دون أن يضغط عليها.
أغلقت أروى عينيها للحظات، وشعرت بوخزة ألم داخل قلبها. كانت تعرف جيدا أنها تحرمه من
ابسط حقوقه كزوج، ومع ذلك لم يجعلها يوما تشعر بأنها عبء عليه، كان دائم الاحتواء، يطمئنها
بكلماته الحانية وابتسامته الهادئة، وكانه لا يرى خوفها ضعفا، بل يرى معركتها التي يحاول أن
يكون بجوارها فيها.
فتحت عينيها يبطء ونظرت إليه، ثم قالت بتوتر واضح
"أنا موافقة."
التفت إليها باستغراب وحرك رأسه قليلا وقال:
"موافقة ايه ؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، تم قالت بصوت منخفض
"م موافقة ترقص "
رفع إحدى حاجبيه ونظر إليها متأكدا من أنها تعرف ما تقوله، ثم قال:
"هنرقص سلو، يعني لازم المسك "
شعرت بتوتر يسري في جسدها، لكنها هذه المرة لم تهرب اكتفت بابتلاع ربقها وحركت رأسها
بالموافقة.
ظهرت السعادة على ملامح أحمد، ونهض سريعا ومد يده إليها.
نظرت إلى يده للحظات، ثم حركت يدها ببطء حتى وضعتها داخل يده فساعدها على النهوض.
وتحركا معا إلى منتصف ساحة الرقص.
توقفت الأحاديث للحظات، والتفت الجميع إليهما بدهشة ممزوجة بالسعادة، فقد كان هذا
المشهد بالنسبة لهم أكثر من مجرد رقصة، كان خطوة جديدة في طريق أروى للشفاء.
اقترب أحمد منها يحذر، ثم أحاط خصرها بذراعه، وما إن شعرت بيده حتى انتفض جسدها تلقائيا من التوتر لكنه شعر بارتجافها فوزا، فثبت مكانه ولم يضغط عليها، فقط ظل قريبا منها
يمنحها الأمان الذي تحتاجه.
أمسك يدها بيده الأخرى، وبدأ يتحركان ببطء على أنغام الموسيقى.
في البداية كانت أروى مشدودة أنفاسها متوترة، وجسدها يحاول مقاومة القرب، لكنها مع مرور اللحظات بدأت تهدأ تدريجيا، بدأت تشعر أنها ليست في خطر، وأن هذا الرجل لا يريد منها شيئا
سوى أن تطمئن.
وببطء، بدأت تتحرك معه دون خوف حتى استكانت تماما ووضعت رأسها على صدره.
شعر أحمد بسعادة غامرة اجتاحت قلبه، وكأن تلك اللحظة كانت مكافأة عن كل صبره وانتظاره
ضمها إليه بحنان وقبل رأسها بحب، وظل يحتضنها دون أن يشعر بالوقت، أو بنظرات الجميع
التي كانت تتابعهما بسعادة وتأثر.
حتى رنيم و شاهين توقفا بجانب الجميع ينظران إليهما بابتسامة فرحين بأن أروى بدأت أخيرا
تستعيد نفسها.
لكن بعد لحظات انتبهت أروى إلى وضعهما، فابتعدت سريعا عنه، ونظرت حولها بتوتر ثم أخذت
تدعك يدها بخجل، وتحركت بعيدا عن ساحة الرقص.
وأثناء تحركها اصطدمت بأحد الأشخاص.
رفعت عينيها سريقا، واتسعت عيناها بصدمة عندما وجدته أمامها.
"أنت"
ابتسم مروان بهدوء وقال:
"أيوه أنا يا أروى، أنا أبقى أخو شاهين"
نظرت إليه بعدم تصديق، وقالت بتردد:
"أخو شاهين ! ي يعني ا أنت تبقى أين مر."
لم يدعها تكمل حديثها، فقال سريغا
"أيوه أبنها بس صدقيني ماليش علاقة باللي حصل ده خالص، وبتأسفلك لو في يوم ضايقتك " وفي تلك اللحظة وصل أحمد إليهما، وقد لاحظ توتر أروى، فنظر إلى مروان بضيق وقال:
فيه حاجة يا أروى؟"
نظرت أروى إلى مروان بحزن للحظات، ثم حركت رأسها بالنفي وقالت:
"
"مافيش يا أحمد ده مروان كان معايا في الجامعة، خبط فيه بالصدقة، وطلع أخوه شاهين "
نظر أحمد إلى مروان بتدقيق، ثم قال:
مش انت اللي ضريتك قبل كده؟"
أوما مروان برأسه مؤكدا وقال :
"أيوه أنا، بس ده كان طيش شباب أنا دلوقتي خاطب وقريب هنتجوز، يعني مش في نيتي
حاجه وحشه خالص ليها، هي دلوقتي زي أختي "
ظلت أروى تنظر إليه للحظات تحاول استيعاب الأمر، ثم أومات برأسها وقالت بهدوء:
تمام حصل خير عن أذنك"
وتركتهم وعادت إلى مقعدها.
أما أحمد فظل ينظر إلى مروان بضيق للحظات، ثم تحرك سريعا خلف أروى وجلس بجوارها وكأنه أراد أن يتأكد أنها بخير وأنها لن تحمل وحدها أي ذكرى مؤلمة من الماضي.
جلست رنيم على مقعدها بعد انتهاء الرقص، تلتقط أنفاسها بهدوء وهي تشعر بكم السعادة الذي يغمر قلبها، فما حدث في تلك الليلة لم يكن مجرد احتفال بزواجها من شاهين، بل كان أشبه ببداية جديدة حملت معها نهاية سنوات طويلة من الألم والبعد.
في الجهة الأخرى كان شاهين يقف مع بعض أصدقائه، يمازحونه ويضحكون معه بسعادة، وقد بدا عليه الاختلاف الواضح، وكأن الرجل الذي حمل فوق كتفيه سنوات من الوجع استطاع أخيرا أن يتركها خلفه ويعيش اللحظة التي حرم منها طويلا.
اقتربت ميا من رنيم بخطوات سريعة، ثم جلست بجوارها وأمسكت بذراعها بسعادة، وقالت
بعفوية وهي تنظر إليها بإعجاب:
"أنا فرحانه أوي، أنك بقيتي مرات بابي رسمي أنتي النهاردة طالعه زي القمر."
"أهو أنتي اللي سكر وستين قمر كمان"
ابتسمت رنيم لها يحب، ثم داعبت أنفها بخفة وقالت:
ضحكت ميا بخجل، وفي تلك اللحظة اقتربت إيما منهما بخطوات مترددة، كان واضحًا عليها التوتر، وكأنها تحاول جمع شجاعتها حتى تنطق بالكلمات التي ظلت تخفيها بداخلها.
وقفت أمام رتيم ونظرت إليها للحظات، ثم قالت بصوت منخفض :
"م مبروك "
نهضت رنيم من مكانها فوزا، ولم تترك لها فرصة للشعور بالغربة أو الحرج، فتحت ذراعيها لها بابتسامة حانية.
فهمت إيما الرسالة التي تحملها تلك الابتسامة، وتحركت نحوها سريعا، ثم ارتمت داخل أحضانها وقالت بصوت ممتلئ بالندم
" أنا أسفه على الكلام اللي قلته ليكي قبل كده، أنتي كان عندك حق، وضحك على واحده صحبتي، يعني لو مكنتيش عملتي كده كان زماني أنا مكانها دلوقتي "
ضمتها رنيم بقوة، وشعرت في تلك اللحظة أن كل الألم الذي مر بينهما لم يعد له مكان، فهذه الطفلة لم تكن عدوة لها يوما، بل كانت فقط تحتاج إلى من يوجهها ويحميها. قالت لها بسعادة: " وأنا عمري ما زعلت منك وعملت كده علشان كنت خايفه عليكي بجد، بس خلاص خلينا ننسى اللي فات ونبقى أصحاب أيه رأيك؟"
ابتعدت أيما قليلا ونظرت إليها بابتسامة صادقة، ثم أومأت برأسها وقالت:
"موافقة طبقا "
اقتربت ميا منهما، واحتضنتهما معا، لتصبح الفتيات الثلاث في حضن واحد، بينما قالت رنيم بسعادة وهي تنظر إليهما:
"بحبكم يا بنات شاهين "
وفي تلك اللحظة، استدار شاهين ناحية صوتهم، فتوقفت عيناه عند ذلك المشهد الذي لم يكن يتخيل يوما أنه سيراه زوجته التي أحبها تقف وسط ابنتيه، لا كغريبة عنهما، بل كجزء من عائلته التي طالما حلم بأن يجمعها.
شعر بسعادة عميقة تغمر قلبه، واقترب منهم دون تردد، ثم أحاط الثلاثة بذراعيه واحتضنهم
جميعا وهو يقول بابتسامة ممثلثة بالحب:
"أنتوا أجمل حاجه في دنيتي، ربنا يخليكم ليا"
تعالت ضحكاتهم وهم يلتفون حوله، وفى النهاية التقطوا صورة جماعية جمعتهم جميعا، صورة تحمل أكثر من مجرد ابتسامات كانت تحمل بداية حياة جديدة، وعائلة اجتمعت بعد أن فرقتها الجراح.
وانتهت تلك الليلة محملة بالحقائق التي ظهرت والاعترافات التي حررت القلوب، والشفاء الذي جاء بعد سنوات من الألم، وبسعادة لم تكن مجرد نهاية الحكاية، بل بداية لعمر جديد اختار فيه الجميع الحب بدلا من الوجع.