تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
الفصل 18 — رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن عشر
في صباح يوم جديد...
استيقظت رنيم من نومها على صوت رنين هاتفها، وكان صوت الرنين يتسلل إلى وعيها ببطء، ينتزعها من دفء النوم الثقيل الذي كانت غارقة فيه. تحركت على الفراش بتكاسل، ومدت يدها تبحث عن الهاتف بعينين نصف مغلقتين، حتى التقطته وأجابت عليه بصوت ناعس، تختلط فيه بقايا النوم بالهدوء:
"السلام عليكم."
أتاها ذلك الصوت الذي بات مألوفًا لها في الآونة الأخيرة، الصوت ذاته الذي أصبح قادرًا على إرباك نبضها بمجرد سماعه، وقال لها بنبرة تحمل شيئًا من العبث المحبب:
"صباح الخير يا كسولة."
انتفضت من مكانها فورًا، وكأن صوته وحده كفيل بأن يطرد النوم من عينيها، واعتدلت في جلستها بسرعة، واتسعت عيناها وهي تحاول استيعاب أنه هو، ثم تكلمت بتلعثم واضح فضح اضطرابها:
"ص صباح النور، ا انت متصل ليه؟"
على الطرف الآخر، ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتيه، وقد تخيل ملامح ارتباكها دون أن يراها، ثم قال بصوت ثابت يحمل أمرًا لطيفًا:
"اطلعي البلكونه."
أومأت برأسها تلقائيًا، وكأنها نسيت للحظة أنه لا يراها، لكن صوته المازح جاء سريعًا ليكشف لها أنه حفظ ردود أفعالها حتى دون أن يراها:
"أنا متأكد انك بتهزي راسك دلوقتي ليا صح؟"
شعرت بالحرج من نفسها، وتوترت أكثر، وردت بسرعة محاولة الهروب من ارتباكها:
"ها...ا أنا طالعه اهو."
أغلقت الخط معه، وبقي الهاتف بين يديها للحظات بينما أنفاسها بدأت تتسارع بشكل غريب، وكأن مجرد فكرة أنه قريب منها الآن كانت كافية لإرباكها بالكامل. نهضت من على فراشها واتجهت نحو الشرفة، لكنها توقفت فجأة أمام المرآة، وكأنها تذكرت في اللحظة الأخيرة حالتها وهيئة استيقاظها.
نظرت إلى انعكاسها سريعًا، رفعت يدها ومشطت شعرها المبعثر بأصابعها، محاولة ترتيب خصلاته التي عبث بها النوم، وعدلت من مظهرها على عجل، رغم أنها لم تكن تريد الاعتراف لنفسها بسبب هذا الاهتمام المفاجئ. وبعد أن اطمأنت قليلًا، خرجت إلى الشرفة بخطوات مترددة.
وما إن رفعت عينيها حتى وجدته هناك.
يقف في شرفته المقابلة بهيبته المعتادة، حضوره الطاغي الذي كان دائمًا يربكها بطريقة لم تعتدها مع أحد. كان واقفًا بثقة كاملة، وكأن وجوده وحده يملأ المكان، وعيناه مثبتتان عليها منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها.
اقتربت منه قليلًا، تحاول أن تبدو طبيعية رغم التوتر الذي تسلل إليها فور رؤيته، وقالت بصوت مرتبك:
"خ خير."
رفع يده يحمل كوبًا به مشروب قهوة سريعة الذوبان، ومده نحوها عبر المسافة الفاصلة بين الشرفتين، ثم قال بهدوء:
"خدي اشربي ده علشان تفؤقي"
نظرت إليه بتوتر، تتأمل الكوب للحظة وكأنها لا تعرف كيف تتصرف، لكنه سبق خوفها بمزاحه المعتاد وقال:
"متخافيش مفهوش حاجة."
رغم توترها، كادت تبتسم على طريقته، ومدت يدها أخذت الكوب منه بحذر، ثم ارتشفت منه رشفة صغيرة، وما إن شعرت بدفء المشروب حتى ارتخت ملامحها قليلًا، وابتسمت له ابتسامة بسيطة وهي تقول:
"تسلم ايدك، شكرا."
ارتشف هو الآخر من كوبه الخاص، وعيناه لم تفارقا وجهها لحظة، ثم قال بنبرة هادئة كأنه يبدأ حديثًا عاديًا بينما يخفي خلفه اهتمامًا أكبر:
"المهم أنه عجبك، اتأخرتي ليه النهاردة على الشركة؟"
زفرت بضيق، وأسندت ظهرها على سور الشرفة، وكأن سؤاله أعاد إليها همومها الثقيلة، ثم قالت بصوت يحمل إرهاقًا واضحًا:
"بروح كل يوم قبل الموظفين وبحاول اشوف حل لشركة بس مافيش فايدة، برجع زي ما روحت، شكلها كده هفشل وهتتقفل قريب."
تغيرت ملامحه قليلًا، وشعر بوخزة حقيقية في قلبه وهو يرى ذلك الإحباط واضحًا في عينيها. لم يكن يحب رؤيتها منكسرة أو مهزوزة، فصوتها وحده وهي تتحدث عن فشل محتمل كان كافيًا ليترك أثرًا داخله. نظر لها بحب حاول إخفاءه، ثم تكلم بصوت هادئ:
"شكلك كده نفسك قصير أوي، مع ان كنت شايفك غير كده خالص."
رفعت عينيها إليه بضيق، وتكلمت بتهكم واضح وهي تلقي عليه جزءًا من المسؤولية:
"يعني ومين كان السبب فى اللي انا فيه ده؟ مش انت؟"
ابتسم لها، وحرك كتفيه بعدم اكتراث، وكأن اتهامها له يسليه أكثر مما يزعجه، ثم قال:
"لا، انتي اللي حضرتي العفريت، بس للاسف مش هتعرفي تصرفي."
ثم اقترب من سور الشرفة أكثر، وصوته انخفض حتى أصبح أقرب للهمس، لكن تأثيره عليها كان أشد من أي صراخ:
"علشان العفريت اتسحر بعيونك، وناوي يعيش عمره كله تحت تأثير سحرهم."
حركت رأسها بنفاد صبر، وقد بدأت تشعر أن كلماته تعبث بتوازنها في كل مرة، ثم قالت وهي تحاول التماسك:
"انت ناوي تجنني بجد، حاسه ان انا بتعامل مع بني ادم عنده انفصام فى الشخصية."
تعالت ضحكاته على كلماتها، وكانت ضحكته صافية، حقيقية، جعلت ملامحه أكثر دفئًا، وأكثر قربًا منها بشكل أربكها دون أن تشعر. وجدت نفسها تسرح فيه للحظات، تراقب ضحكته، نظراته، طريقته، وكأنها تنسى العالم كله وهي تنظر إليه.
بقيت على هذا الوضع حتى غمز لها بعينه وقال بمكر واضح:
"أيه؟ لدرجاتي عجبك؟"
انتبهت إلى نفسها فجأة، وكأن أحدهم أعادها إلى الواقع بعد شرود خطير، واتسعت عيناها بصدمة وارتباك، وشعرت بحرارة الخجل تصعد إلى وجهها، فاستدارت سريعًا وركضت إلى الداخل هاربة من الموقف كله.
لكنها توقفت فجأة بعدما انتبهت إلى الكوب الذي ما زال بيدها.
عادت إليه مرة أخرى بسرعة، ومدت يدها تعطيه الكوب وهي تتكلم بتلعثم ووجهها ما زال محتفظًا بحمرة خفيفة:
"ش شكراً!"
ثم عادت مسرعة إلى الداخل، لكن هذه المرة كانت ابتسامة مشرقة ترتسم على وجهها دون أن تشعر، ابتسامة خرجت منها بعفوية وكأن قلبها سبقها إليها.
أما هو، فظل واقفًا مكانه يتابعها بعينيه وابتسامة هادئة تعلو شفتيه حتى اختفت من أمامه، وكأن مجرد رؤيتها في الصباح كان كافيًا ليبدل مزاج يومه بالكامل. ثم أنزل نظره إلى الكوب الذي أعادته له، وتأمله للحظات، وكأن فيه شيئًا منها ما زال عالقًا به.
رفع الكوب ببطء إلى شفتيه، وارتشف منه متعمدًا، مستمتعًا بفكرة أن أنفاسها لامسته قبل أن يلامس شفتيه، وكأن قربها أصبح شيئًا يبحث عنه حتى في أبسط التفاصيل.
ثم تحرك إلى الداخل ليستعد للنزول، لكن ابتسامته لم تختفي، لأن صباحه بدأ بها، وهذا وحده كان كافيًا ليجعله أخف من المعتاد.
****************************
داخل المخفر...
خرجت جواهر من غرفة التحقيق وهي في حالة انهيار كامل، كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها دفعة واحدة بعدما سقط الحكم فوق رأسها كالصاعقة. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها غارقتين في بحر من الدموع، وأنفاسها متقطعة من شدة الاختناق الذي يعتصر صدرها. لم تكن تستوعب كيف تحولت في لحظة من امرأة تدافع عن نفسها إلى متهمة ثبتت عليها جريمة لم ترتكبها، وكيف أصبحت على بعد خطوات من السجن، ومن مصير مجهول يبتلعها ظلمًا.
كان العسكري يسير بجوارها، يدفعها بخطوات ثابتة نحو الإجراءات التالية، بينما كانت هي تلتفت بعينيها المرتجفتين في كل اتجاه، تبحث عن وجه واحد فقط، عن الشخص الذي كانت تنتظر وجوده في تلك اللحظة أكثر من أي شيء آخر، جواد.
كانت عيناها تتحركان بين الوجوه بلهفة ممزوجة بالخذلان، لكن غيابه كان أقسى من كل شيء.
وما إن وقعت عيناها على سمية حتى اندفعت نحوها كطفلة فقدت أمانها، وارتمت داخل أحضانها بقوة، وكأنها تتشبث بآخر ما تبقى لها من طمأنينة، وانفجرت بصراخ ممزوج بالدموع والقهر:
"خلاص يا ماما أثبتوا عليا الجريمة هتعدم يا ماما ظلم."
اهتز قلب سمية على صرخة ابنتها، وضمتها إليها بقوة أكبر، وكأنها تريد أن تحميها من العالم كله، لكن يديها المرتعشتين ودموعها المنهمرة كانت تقول إنها عاجزة عن فعل أي شيء. صرخت هي الأخرى بحرقة، وبكاؤها خرج من أعماق قلب أم ترى ابنتها تسحب منها نحو مصير لا تستحقه.
كان المشهد يمزق الأرواح؛ أم وابنتها تتعانقان وسط القهر، وكلتاهما عاجزتان عن تغيير شيء.
اقترب غريب منهما، وكانت ملامحه متجهمة بشدة، لكن الألم كان واضحًا في عينيه رغم محاولته الثبات. مد يده وربت على ظهر جواهر بحنان أبوي، وتكلم بصوت مختنق يحاول أن يبث فيها بعض الأمل رغم اختناقه هو نفسه:
"اهدي يا حبيبتي، متخافيش بس، والمحامين مش ساكتين."
رفعت جواهر وجهها إليه، ودموعها تغرق ملامحها، وعيناها تحملان خوفًا لم تعرفه من قبل، ثم تكلمت بين شهقاتها التي كانت تمزق كلماتها:
"يا أونكل أنا هترحل خلاص لسجن، هدخل مع المجرمين فى قضية ظلم معملتهاش."
كانت الكلمات تخرج منها كأنها اعتراف بالعجز، كأنها أخيرًا بدأت تدرك حقيقة ما يحدث، وأنها بالفعل على وشك أن تلقى في مكان لا يشبهها، بين مجرمين حقيقيين، وهي البريئة التي وقعت ضحية لعبة أكبر منها.
ثم بدأت تبحث بعينيها من جديد وسط المكان، وكأنها ما زالت تتمسك بأمل حضوره، وتكلمت بصوت مكسور يحمل عتابًا واحتياجًا في آنٍ واحد:
"جواد فين؟ من الصبح مشفتهوش."
نظر غريب حوله هو الآخر، وكأن السؤال أعاد إليه قلقه، ثم حرك رأسه بعدم فهم وقال بصوت متوتر:
"مش عارف من الصبح قال إنه مخنوق، وخرج هو وخاله تامر ومرجعش من وقتها."
ما إن سمعت كلماته حتى ازداد انهيارها، وتعالت شهقاتها بشكل مؤلم، وكأن غياب جواد في تلك اللحظة كسر آخر شيء كانت تتشبث به. تكلمت بصوت مبحوح من شدة البكاء:
"كنت محتاجة ليه اوي، كنت عايزه اشوفه للمرة الاخيره قبل ما اترحل."
كانت كلماتها كسكين غرزت في قلوب الواقفين، لأن الجميع فهم معنى "للمرة الأخيرة"، وفهم حجم الألم الذي تعيشه وهي تظن أن تلك قد تكون آخر لحظة قبل أن تنتزع من حياتهم.
لكن الشرطي لم يمنحها وقتًا أطول.
أرغمها على التحرك معه، وسحبها برتابة باردة لا تعرف الرحمة، بينما كانت قدماها تتحركان بصعوبة، وكأن كل خطوة تسحب معها جزءًا من روحها.
وفي تلك اللحظة، أمسكت ترنيم سمية بقوة قبل أن تنهار أرضًا، بعدما انفجرت الأخيرة بالصراخ والبكاء قهرًا على ابنتها، وكان صوتها يملأ المكان بوجع أم عاجزة، ترى ابنتها تساق إلى السجن ولا تستطيع انتشالها.
رفعت ترنيم عينيها إلى غريب، وكان نظرها يحمل رجاءً صامتًا، وكأنها تطلب منه أن يفعل شيئًا، أي شيء، لينقذ الموقف قبل فوات الأوان.
أخرج غريب هاتفه بسرعة، وأجرى اتصالًا بجواد، وقلبه ينبض بعنف مع كل ثانية تمر، لكن الهاتف كان مغلقًا.
اشتدت ملامحه غضبًا وقلقًا.
أعاد المحاولة مرة أخرى، لا شيء.
انتقل إلى رقم تامر، وانتظر الرد، لكن لا إجابة.
بدأ الغضب يمتزج بالعجز داخله، وضغط على الهاتف بقوة حتى كادت أصابعه تحطمه، ثم أخرج زفرة حادة محملة بضيق شديد.
رفع رأسه إلى المحامين الواقفين أمامه، وعيناه تقدحان غضبًا، وصوته خرج صارمًا يحمل أمرًا لا يقبل النقاش:
"تتصرفوا، وتوقفوا قرار ترحيلها ده بأي طريقه فاهمين."
أومأوا له سريعًا بطاعة، وقد فهموا أن الوقت لم يعد يحتمل أي تأخير، ثم خرجوا مسرعين يحاولون البحث عن أي ثغرة، أي دليل، أي شيء يمكن أن يعيد فتح التحقيق أو يؤخر الترحيل.
ظل غريب واقفًا مكانه يراقب أثرهم وهم يغادرون، بينما كان صدره يعلو ويهبط بعنف من شدة الضغط والغضب، ثم رفع يده إلى شعره وحركها بعصبية واضحة، وكأن كل شيء بدأ يفلت من بين يديه.
نظر مرة أخرى إلى شاشة هاتفه، وأعاد الاتصال بجواد، ثم بتامر، مرة بعد مرة، لكن الصمت كان هو الجواب الوحيد.
وذلك الصمت، كان يثير بداخله خوفًا أكبر من أي شيء آخر.
*************************
عند تامر وجواد...
وصلوا إلى المكان منذ ساعات طويلة، والوقت يمر عليهم ببطء قاتل، وكأن عقارب الساعة تتعمد تعذيبهم وهي تتحرك أمام أعينهم دون رحمة. جلس جواد داخل السيارة وعيناه معلقتان بمدخل البناية بلا انقطاع، يراقب كل حركة، كل وجه، كل ظل يمر أمامه، وكأن روحه معلقة بأي خيط قد يقوده إلى الحقيقة وينتشل جواهر من المصير الأسود الذي سحبت إليه ظلمًا. كان التوتر ينهش أعصابه نهشًا، والغضب يشتعل داخله بصمت، بينما الألم الذي يعتصر قلبه من صورة جواهر المنهارة أمامه لا يهدأ لحظة.
أما تامر، فكان يراقبه بصمت بين الحين والآخر، يرى ذلك الاحتراق الواضح في عينيه، ويدرك أن جواد لم يعد يتحرك بدافع العقل، بل بدافع رجل يحارب الزمن لينقذ زوجته من هاوية تبتلعها أمامه.
تكلم تامر بتساءل وقال:
"يا ابني احنا واقفين هنا من صباحية ربنا وكل ما نسأل عن اللي خرج واللي دخل يكونوا ساكنين فى العمارة عادي."
ظل جواد مثبتًا عينيه على مدخل البناية، وكأن صوته يخرج من عمق احتراقه الداخلي، وتكلم بتركيز شديد وقال:
"اكيد هيظهر حد من قرايبها فى الشقه، ما هو مش هيسيبوها مقفولة كده."
نظر له تامر بعدم فهم، وقد بدت الحيرة واضحة فوق ملامحه، وتكلم بتساءل:
"طيب وافرض أن ظهر حد من قرايبها؟ ده هيفدنا بأيه؟"
أجابه جواد بتوضيح، وعيناه لم تتحركا عن هدفه لحظة، وكأن داخله يقاتل بكل ما يملك:
"ما هو لو ظهر حد هيوصلنا لمريم دي، مش تبقى خالتها، وبابا أكد أنها هي اللي وراه الجريمة دي لو وصلنا ليها، يبقى نسلمها لشرطة وتخرج جواهر."
حرك تامر رأسه بعدم اقتناع، وأطلق زفرة ثقيلة وهو يشعر أن الطريق الذي يسلكونه أشبه بالمشي داخل متاهة مظلمة، ثم قال:
"مريم دي شيطانه، متتوقعش أنها تقع بسهولة كده، احنا علشان نوصلها محتاجين شهور، أو ربما كمان سنين، أنا مش بقول كده علشان احبطك، بس انا اكتر واحد عارف مريم وحفظها."
أغمض جواد عينيه للحظة وكأن الكلمات زادت حمله ثقلاً فوق صدره، ثم زفر بضيق شديد وتكلم بصوت مختنق بالألم:
"أنا لازم اوصل للقاتل الحقيقي يا خالي، جواهر اتبهدلت خالص فى المكان ده، وانا مش قادر استحمل اشوفها بتتوجع كده."
ربت تامر على ساقه بحنو، محاولًا تهدئته رغم اضطرابه هو الآخر، وقال بنبرة هادئة تحمل يقينًا:
"معلش يا جواد هي مسألة وقت مش أكتر، ربنا ميرضاش بالظلم ابدا."
نظر له جواد بعينين مثقلتين بالحزن والقهر، ثم اعتدل في جلسته وأدار السيارة، وكأنه استسلم لفكرة الانسحاب مؤقتًا، لكن فجأة تجمدت يده فوق المقود، وانقبض جسده بالكامل حين لمح وجهًا مألوفًا يدخل البناية.
ثبت بصره عليه للحظات، ثم اشتعلت عيناه بشيء يشبه اليقين.
نظر له تامر بعدم فهم وقال:
"فيه ايه يا ابني وقفت تاني ليه؟"
فتح جواد الباب بسرعة، ونزل من السيارة وكأن شيئًا داخله انفجر، ثم قال بصوت متوتر حاد:
"الشخص ده انا اعرفه، شفته مرة مع جواهر، اكيد ليه صلة بيهم."
أنهى كلماته وركض نحو البناية بخطوات غاضبة متسارعة، بينما ترجل تامر خلفه بسرعة وهو يحاول اللحاق به قبل أن يفعل شيئًا متهورًا.
دخلا البناية، ووقفا أمام المصعد يراقبان الأرقام التي تتحرك للأعلى، حتى توقف الرقم عند الطابق الذي توجد به الشقة، وهنا التفت جواد إلى تامر وعيناه تلمعان بانفعال وقال:
"مش قلتلك يا خالي، اهو وقف فى نفس الدور اللي فيه الشقه يبقى هو تبعهم."
دخلا المصعد الآخر، والهواء داخل المكان كان مشحونًا بتوتر يكاد يلمس، حتى وصلا إلى الطابق نفسه. خرج جواد مسرعًا بخطوات واسعة متحفزة، واتجه مباشرة إلى الباب وضغط الجرس بعنف، وما إن فتح الباب حتى اندفع كالإعصار.
لم يمنحه فرصة للنطق، انهال عليه بالضرب بكل ما اختزن داخله من غضب وقهر وألم، وكأن وحيد تحول أمامه إلى وجه كل من ظلم جواهر. كانت لكماته عنيفة، متتالية، محملة بحقد رجل يرى زوجته تسحق ظلمًا وهو عاجز.
اتسعت عينا تامر بصدمة، وركض نحوهما يحاول سحب جواد بعيدًا، لكنه لم يستطع، فقد كان جواد ممسكًا به كوحش جريح لا يرى أمامه سوى الانتقام.
تكلم تامر بغضب وهو يحاول ابعاد جواد عنه:
"يا ابني انت ابعد عنه الراجل هيموت فى ايدك، جوااااد، كفايه بجد."
وبعد مجهود شاق، استطاع أخيرًا إبعاده، وأمسكه بقوة بين ذراعيه يمنعه من العودة إليه.
كان صدر جواد يعلو ويهبط بعنف من فرط انفعاله، ويداه ملطختان بالدماء، وعيناه تشتعلان بجنون، وهو يحاول الإفلات من قبضة تامر، ثم صرخ بغضب:
"بقى طلعت معاهم يا خ** ده انا هطلع روحك بأيديا دول لو منطقتش، مريم فين؟"
كان وحيد ملقى على الأرض، أنفاسه متقطعة، والدماء تسيل من وجهه بغزارة، لكنه رغم الألم رفع رأسه ونظر إليه بنظرة مشتعلة بالحقد، ثم قال وهو يلهث:
"أنا معرفش حد اسمه مريم، بس وحياة اختي الغاليه لدفعكم التمن غالي اوي، وكل نقطة دم سالت من اختي هاخد بتارها منكم كلكم."
تجمد جواد لثواني، وكأن الكلمات أصابته بصدمة مفاجئة، ثم نظر له بعدم تصديق وتكلم:
"اختك!! هي رقيه اختك؟ ده انتوا عصابه بقى يا ولاد الكلب."
لكن ما إن استوعب المعنى الحقيقي خلف كلامه حتى اشتعل غضبه أكثر، وتكلم بصوت غاضب:
"تار أيه اللي بتقول عليه؟ انتوا تقتلوا القتيل وتمشوا فى جنازته، انتوا اللي قاتلنها، تكدبوا الكدبه وتصدقوها."
مسح وحيد الدم عن فمه بكم ملابسه، ورفع رأسه إليه بنظرة مشتعلة بالكره، ثم قال بغضب:
"مراتك الخاينه هي اللي قتلتها، بعد ما اختي شافتها معايا وكانت عايزة تقولك على الحقيقة."
كانت الكلمات كشرارة ألقيت فوق برميل بارود مشتعل. اشتعل جواد بالكامل، وتحولت ملامحه إلى كتلة غضب مرعبة، وبدأ يحاول الإفلات من قبضة تامر بجنون.
صرخ بصوت غليظ غاضب:
"اسم مراتي ميجيش على لسانك يا ابن الكلب، مراتي اشرف من عيلتك كلها، سيبني يا خالي اشرب من دم الع** ده."
لكن وحيد، وكأنه وجد ضالته، ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة شريرة، ثم نهض بصعوبة وأمسك هاتفه، وبدأ يعبث به حتى أخرج المحادثات القديمة، ومد الهاتف أمام جواد وقال:
"مراتك خاينه، ولما شفتنا مع بعض مكانش اول مرة نتقابل احنا اتقابلنا كتير اوي قبلها، وكانت على طول تحذرني بالرسايل اهي أن بلاش ابعتلها علشان انت متشوفش الرسايل وتعرف اللي ما بينا، قصادك اهو كل حاجة."
نظر جواد إلى الهاتف، وعيناه تتسعان شيئًا فشيئًا، بينما داخله يرفض التصديق تمامًا، لكنه شعر بطعنة موجعة، ليس شكًا بها، بل ألمًا لأنها أخفت عنه شيئًا كهذا.
أخرج صوتًا غاضبًا من أعماقه، وبدأ يسبه ببذاءة، ثم صرخ فيه:
"ليه هي اختك اللي كانت بتترمي فى حضني كل يوم؟ مراتي خط احمر ولو نطقت بحرف واحد عليها اقسم بالله هدفنك مكانك."
أغلق تامر عينيه لثواني، بعدما فهم اللعبة بالكامل، وشعر بقذارة الخطة التي حيكت لإسقاط جواهر.
ضغط على أسنانه بغضب، ثم قال بحسم:
"اهدا يا جواد أنا دلوقتي فهمت اللعبة القذرة اللي مريم بتلعبها."
ثم التفت إلى وحيد، وثبت عينيه فيه بقوة، وقال بصوت يحمل تهديدًا واضحًا:
"بص بقى يا ابني، احنا مقتلناش اختك، والموضوع ده مش هيطلع من تحت ايد خالتك مريم، هي اللي قتلت اختك، ومتستغربش علشان خالتك ألعن من الشيطان نفسه، وممكن تقتل أي حد علشان مصلحتها هي وبس، قولها تامر وغريب عرفوا انك لسه عايشه، وزي ما قدرنا نوقعها زمان هنقدر نخلص عليها دلوقتي، وانها لو فكرت تقرب من البنات ولا حد يخصنا هنمحيها من على وش الأرض."
أمسك جواد بقوة وأرغمه على التحرك رغم مقاومته وغضبه، ثم هبطا إلى الأسفل وسط أنفاس متوترة ومشاعر مشتعلة.
صعدا إلى السيارة، وجلس تامر خلف المقود، بينما جلس جواد بجواره كقنبلة موقوتة، ويده ترتجف من شدة الغضب.
وفجأة لكم لوحة القيادة أمامه بعنف حتى اهتزت السيارة، ثم صرخ بغضب:
"مخلتنيش اقتله ليه يا خالي؟ ده جاب سيرة مراتي على لسانه النجس ده."
تكلم تامر بنبرة هادئة رغم النار التي بداخله، محاولًا احتواء الموقف:
"اه اسيبك تقتله وبدل ما نحاول نخرج واحده نحاول نخرجكم انتوا الاتنين!"
مرر جواد يده في شعره بعنف، وكانت أنفاسه متقطعة، والغضب ممزوجًا بوجع داخلي، ثم قال:
"اااه يا ابن الكلب، هموت دماغي هتنفجر، أنا واثق فى جواهر جدا، بس كلامه وجعني اوي، حتى لو مجرد ابتذال منه بس رقم جواهر ده، معنى كده أنه حاول يبتذها، طيب ليه مجاتش تقولي، ليه خبت عليا؟"
نظر له تامر بعدم تصديق، وكاد يغضب من توقيت تفكيره هذا، ثم قال بحدة:
"لا بجد مش مصدقك! ده وقته بذمتك، خلينا دلوقتي فى الاهم أننا نثبت برأتها، وبعدين نبقى نشوف موضوع خبت عليك ليه."
ساد الصمت بعدها داخل السيارة، لكنه لم يكن صمت راحة، بل صمت مليء بالعواصف والأسئلة والوجع، ثم أدار تامر السيارة وانطلق بها سريعًا بعيدًا عن المكان، بينما جواد ينظر أمامه بعينين مشتعلتين، وقلبه عالق بين غضبه، وخوفه، وإيمانه بأن جواهر بريئة مهما حاولوا تلويث صورتها.
**************************
عند رنيم...
خرجت من الباب وهي تشعر بنشاط غريب لم تعهده في نفسها منذ وقت طويل، وكأن شيئًا خفيًا قد تسلل إلى روحها ومنحها خفة لم تعرفها منذ سنوات. أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم استدارت بعينيها نحو باب الشقة المقابل، وتوقفت نظراتها عليه للحظات طويلة، تتمنى في سرها، رغم عنادها وإنكارها، أن يخرج منه شاهين فجأة، أن تراه ولو صدفة عابرة قبل أن تبدأ يومها. كانت رغبتها تلك تربكها وتغضبها من نفسها، لذلك هزت رأسها سريعًا وكأنها تطرد فكرة محرمة من عقلها، ثم تحركت بخطوات سريعة تحاول الهرب من نفسها قبل أي شيء آخر.
مرت من أمام باب شاهين وقلبها يخفق بطريقة غير مريحة، وكأن الباب ذاته صار يحمل حضوره وهيبته. دخلت المصعد الكهربائي، وظلت طوال هبوطه شاردة، تتساءل في صمتٍ مرهق: متى صار وجوده مؤثرًا بهذا الشكل؟ ومتى أصبحت تبحث عنه بعينيها رغم كل ما بينهما من تعقيد وغموض؟
ما إن وصلت إلى الأسفل واتجهت نحو سيارتها حتى توقفت فجأة عندما اخترق سكون الصباح صوت مألوف جعلها تستدير على الفور. وما إن وقعت عيناها على زين حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة صادقة، ابتسامة من اعتادت وجوده سندًا وأمانًا، ولم تكن تعلم أن خلف ذلك الوجه ألف قناع.
"عامل ايه؟ وحشتني بقالك يومين مش ظاهر ولا بتتصل."
ابتسم لها بلؤم وقال:
"كنت بجهزلك مفاجأة يا قلب اخوكي."
شعرت بفضول طفولي يتسلل إليها، ونظرت له بعينين لامعتين وقالت بتساؤل:
"بجد يا زين؟ طيب ايه هي المفاجأة؟"
مد يده يداعب شعرها بابتسامة بدت دافئة في ظاهرها، لكنها كانت تحمل في عمقها سمًا خفيًا، وقال:
"وانا لو قلتها ليكي هتبقى مفاجأة، اصبري عليا وانتي هتعرفيها قريب."
انعقد حاجباها بحيرة، فقد كان في صوته شيء غريب، شيء جعل قلبها ينقبض دون سبب واضح، وقالت:
"أنا ليه حاسه انها مفاجأة غريبة؟!"
وفي تلك اللحظة، وكأن القدر كان ينتظر توقيته المثالي، انفتح باب البناية وخرج شاهين.
ظهر أمامهما بهيبته المعتادة، بحضوره الذي يسبق خطواته، بعينيه الحادتين اللتين ما إن وقعتا على زين حتى اشتعل داخلهما غضب واضح. كان جسده لا يزال يحمل آثار الإصابة، لكن حضوره لم يفقد شيئًا من قوته، بل ربما ازدادت صلابته.
ابتسم زين له ابتسامة ذات معنى، ابتسامة رجل يعرف جيدًا كيف يضغط على الجراح، وقال بنبرة لئيمة:
"حمدالله على السلامة يا شاهين باشا."
رد عليه بصوت غاضب:
"شكرا."
ثم حول نظره مباشرة إلى رنيم، وكأن وجود زين لم يعد يعنيه، وقال بتساؤل:
"لسه قدامك كتير على ما تمشي؟"
توترت رنيم من طريقته ونظراته، ثم قالت محاولة التوضيح:
"د ده اخويا زين."
اومأ برأسه وقال:
"عارف!"
ارتبكت ونظرت له باستغراب حقيقي، فمعرفته بتفاصيل حياتها أربكها، وقالت:
"عارف! ازاي؟"
ثبت نظره على زين أولًا بنظرة ضيق واضحة، وكأن بينهما حربًا صامتة لا تراها، ثم عاد بعينيه إليها وقال:
"أنا أعرف كل حاجة عنك من يوم ما اتولدي."
توقفت أنفاسها للحظة عند تلك الكلمات. لم تكن تعرف لماذا ارتجف قلبها هكذا، هل لأن كلماته حملت معنى الاهتمام؟ أم لأن طريقته في قولها جعلتها تشعر وكأنه يراقب تفاصيلها منذ زمن بعيد؟
انخفض بصرها بخجل، وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها، وابتلعت ريقها بتوتر، ثم أومأت برأسها وقالت:
"م ماشي، أنا همشي بقى."
ثم التفتت إلى زين وقالت:
"منتظرة اعرف ايه هي المفاجأة."
ابتسم بلؤم، لكن هذه المرة كانت عيناه معلقتين بشاهين وكأن حديثه موجه إليه أكثر منها، وقال:
"قريب اوي يا قلب اخوكي."
نظرت إليه، ثم نظرت إلى شاهين بخجل لم تستطع إخفاءه، وكأن وجوده صار يربكها أكثر مما ينبغي، ثم أسرعت إلى سيارتها وصعدت إليها وغادرت.
ظل شاهين واقفًا يتابع سيارتها بعينيه حتى اختفت تمامًا من أمامه. لم يتحرك، وكأنه كان يطمئن بعينيه أنها ابتعدت عن هذا المكان وعن هذا الحديث، لكن ما إن اختفت حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اختفت تلك النظرة الهادئة، وحل محلها غضب شرس.
استدار نحو زين بخطوات سريعة ومتوترة، ثم قبض على ياقة ملابسه بعنف حتى اختنقت أنفاسه، وجذبه إليه بعينين تقدحان نارًا، وقال من بين أسنانه بتحذير قاتل:
"اقسم بالله لو قربت منها ولا اذيتها همحيك من على وش الأرض."
لكن زين، رغم قبضة شاهين العنيفة، لم يتراجع. بل ابتسم باستفزاز، وكأنه استمتع برؤية غضبه، وقال:
"طيب ابقى قول الكلام ده لامك يا عم الحنين."
اشتعلت النار أكثر داخل صدر شاهين عند ذكر أمه، وشد قبضته حول عنقه بقوة أكبر حتى بدأت علامات الاختناق تظهر على وجه زين، وقال بصوت غاضب متحشرج من شدة القهر:
"أي حد هيفكر يقرب منها إذا كان انت ولا أيًا كان مين همحيه من على وش الأرض فاااهم."
ورغم الاختناق، ابتسم زين بصعوبة، ابتسامة متحدية تحمل يقينًا خبيثًا، وقال:
"هنشوف هتقدر تحميها ازاي من امك."
تجمد شاهين للحظة عند تلك الكلمات، لا خوفًا، بل لأن الحقيقة التي يحاول دفنها دائمًا عادت تضربه بقوة. كان يعلم أن الخطر الحقيقي ليس زين، بل تلك المرأة التي أنجبته.
دفعه بعنف شديد فسقط أرضًا بقوة، وأخذ يسعل بشدة يحاول التقاط أنفاسه، بينما وقف شاهين فوقه كإعصار على وشك الانفجار، وقال بغضب مشتعل، وصوت يحمل وعدًا لا تهديدًا:
"لو الدنيا كلها اجتمعت على أذية رنيم، أنا هحميها بعمري كله، ومحدش هيلمس شعرة واحده منها."
كانت الكلمات تخرج من أعماقه، صادقة، حارقة، تحمل من الخوف عليها أكثر مما تحمل من الغضب. وكأنه لأول مرة يعترف لنفسه قبل غيره أن رنيم لم تعد مجرد فتاة دخلت حياته صدفة، بل أصبحت نقطة ضعفه الوحيدة.
أنهى كلماته، واستدار سريعًا قبل أن يرى أحد ذلك الضعف المتخفي خلف غضبه، ثم صعد سيارته وأدار المحرك بعنف، وانطلق بها بسرعة جنونية، بينما داخله كان أكثر جنونًا من الطريق نفسه.
وفي الخلف، ظل زين جالسًا على الأرض، يمسح عنقه ببطء، وعيناه تتابعان السيارة المبتعدة، وعلى شفتيه ابتسامة شيطانية باردة، وكأن ما حدث لم يكن سوى بداية اللعبة، لا نهايتها.