تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
الفصل 48 — رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثامن والاربعون
وقفت رنيم في مكانها وقد تجمدت أطرافها تماما، عاجزة عن استيعاب المشهد الذي انقلب في لحظة من حلم كانت تظنه بداية حياة جديدة إلى كابوس يفوق قدرتها على الاحتمال، كانت عيناها تتنقلان بین جسد شاهين الملقى على الأرض وسط بركة الدماء التي أخذت تتسع من حوله شيئا فشيئا، وبين المسدس المستقر في يد زين والموجه نحوه ببرود مخيف، مستعدا الإطلاق رصاصته الثانية في أي لحظة.
اهتز جسدها كله وهي تحرك رأسها بالنفي مرازا، تحاول إنكار الواقع أمامها. كانت أنفاسها متقطعة ومؤلمة، وقلبها يخفق بعنف حتى شعرت أن صوت نبضاته بملأ المكان، التقنت نحو شاهين مرة أخرى، فوجدت رأسه قد استقرت على الأرض بلا حراك، وعيناه مغمضتين تماما، وجسده الذي كان منذ لحظات يحتضنها بكل تلك السعادة بدأ يفقد مقاومته للحياة شيئا فشيئا. في تلك اللحظة شعرت أن شيئا بداخلها ينهار.
اندفعت نحوه بخطوات متعثرة، ركضت حتى وصلت إلى زين، وانهالت عليه تضرب صدره بكل ما تملك من قوة، بينما يخرج صوتها ممزقا من بين شهقاتها ودموعها.
ليه تعمل كده ليبيه ؟"
لم يظهر على وجهه أي أثر للندم أو التردد، بل نظر إليها بعينين جامدتين أثارتا الرعب في
أعماقها، ثم تكلم بنبرة باردة مخيفة وقال:
علشان انتي فكرتي أني يهددت كلام كده وخلاص، قلتلك هتتجوزي عمر، رحتي رفضي ووافقتي تتجوزي حيلة أمه بلاش تيجي وتلوميني دلوقتي يا بيبي"
ارتجف جسدها بالكامل، وشعرت أن الخوف والاختناق واليأس يتجمعون داخل صدرها دفعة واحدة. كانت متعبة .. متعبة إلى حد لم تعد تملك معه القدرة على القتال أو المقاومة. كل ما كانت تريده في تلك اللحظة أن يتوقف هذا الجنون، أن يتوقف نزيف الدم، أن يفتح شاهين عينيه فقط.
حرکت رأسها بالنفي بعنف ودموعها تنساب بغزارة فوق وجنتيها، ثم صرخت بصوت خرج
محملا بكل ما مرت به من ألم:
كفايه بقى حرام عليك سبيني في حالي، أبوس ايديك كفايه."
لكن توسلاتها لم تحرك فيه شيئا.
رفع زین سلاحه من جديد، ووجهه نحو شاهين الراقد على الأرض وسط دمائه، ثم قال بيرود جعل الدم يتجمد في عروقها:
ها ؟ هتتجوزي عمر زي ما قلتلك ؟ ولا أضرب الرصاصه الثانيه، وأخلص عليه خالص ؟"
شعرت رئيم بأن العالم كله توقف عند تلك اللحظة.
التفتت نحو شاهين، فتسللت نظرتها المرتعشة إلى وجهه الشاحب قبل دقائق فقط كان يضحك ويطلب منها أن تعيد كلمة موافقتها مرة أخرى، وكان يتحدث عن مستقبلهما وعن بناته وعن
حياتهما القادمة. أما الآن فقد أصبح معلقا بين الحياة والموت بسببها.
تلك الفكرة مزقت قلبها بعنف.
رفعت عينيها نحو زين، ولم يبقى في داخلها سوى الخوف على الرجل الذي تحبه، ثم قالت
بصوت مختنق بالكاد خرج من بين شهقاتها:
"بلاش أرجوك خليني أنقذه الأول واللي انت عايزه هعمله."
ظل ينظر إليها طويلا، يراقب انكسارها وعجزها، قبل أن يرفع يده ويحرك أصابعه أمام عينيها بتحذير واضح وقال:
"أنا همشي وأسيبك تنقذي زي ما أنتي عايزة، بس عارفه لو خلال الأسبوع ده متجوزنيش عمر المرة الجايه مخلص عليه على طول "
شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها كله.
كانت تعرف من نظراته أنه لا يمزح.
وأن تهديده لبس مجرد كلمات.
أنهى كلامه واستدار مبتعدا ، ثم أسرع بالركض حتى اختفى من المكان.
ركضت إليه بسرعة، وسقطت على ركبتيها بجواره.
ظلت تنظر إلى أثره لثوان طويلة بعينين امتلانا بالكراهية والعجز، ثم التفتت فجأة نحو شاهين
أن تتمكن أخيرا من طلب سيارة الإسعاف.
ارتعشت يداها وهي تلتقط هاتفه من الأرض، وكادت تسقطه أكثر من مرة من شدة ارتباكها، قبل
وما إن أنهت المكالمة حتى أمسكت بيده.
كانت يده باردة على نحو أخافها.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة شعرت بهذا القدر من الخوف. ليس على نفسها.
بل على شخص آخر أصبح وجوده جزءا من وجودها.
ضغطت على يده بكل قوتها، ثم انحنت نحوه وهي تبكي بحرقة، وكلماتها تخرج متعثرة بين شهقاتها:
"أبوس أيدك متسبنيش، أتمسك بالحياة علشان خاطري، أنا مستعدة أعمل أي حاجة علشان انت تبقى بخير، أنا بحبك أوي يا شاهين بترجاك فتح عيونك، يصلي نفس البصه اللي بتخطف قلبي اللي يتحسسني بالأمان، قوم علشان خاطر قلبي الصغين مش هيتقبل فكرة فقدانك، رد عليا يا
شاهين يقي."
لكن شاهين لم يجب لم يفتح عينيه.
ولم يضغط على يدها. فازداد هلعها أكثر.
أسندت جبينها إلى كتفه، وانهارت نبكي بحرقة، بينما كانت تحاول أن تسمع أي إشارة تطمئنها
بأنه ما زال يقاوم، أي حركة، أي نفس، أي دليل على أنه لم يرحل منها بعد.
مرت الدقائق عليها ثقيلة بصورة لا تطاق، حتى دوى أخيرا صوت سيارة الإسعاف في المكان.
رفعت رأسها بسرعة، وشعرت بشيء من الأمل يتسلل إلى قلبها المنهك.
أسرع المسعفون نحوه، وبدأوا في التعامل معه بسرعة، بينما كانت هي تقف بجوارهم عاجزة
عن فعل أي شيء سوى البكاء والدعاء.
وحين حملوه على السرير النقال، شعرت بأن قلبها ينتزع من صدرها معهم.
تحركت خلفهم دون وعي، وصعدت إلى سيارة الإسعاف، ثم جلست أمامه مباشرة.
مدت يدها والتقطت يده من جديد، كانت تخشى أن تفلت منها إذا تركتها للحظة واحدة.
ظلت تحدق في وجهه الشاحب، بينما كانت الدموع تنهمر بصمت هذه المرة.
لم تعد تملك كلمات، ولم تعد تملك قوة للبكاء أو الصراخ.
كل ما كانت تملكه في تلك اللحظة هو رجاء صامت يملأ قلبها بالكامل.. فقط ينجو.
أما هي، فستتحمل بعد ذلك أي شيء.
وقفت رنيم أمام غرفة العمليات وكان الزمن قد توقف عند تلك اللحظة القاسية. كانت تتحرك ذهابا وإيابا في الممر الضيق بخطوات مضطربة، بينما لم تتوقف دموعها عن الانهمار. كلما وقعت عيناها على الباب المغلق شعرت بأن قلبها يسحب من بين ضلوعها ببطء. لم تكن تسمع أصوات الممرضات أو حركة الأطباء من حولها، ولم تعد ترى شيئا سوى ذلك الباب الذي يفصلها عن
الرجل الذي أصبح جزءا من روحها.
كانت تسترجع المشهد مرازا دون رحمة ابتسامته قبل ثوان من إطلاق النار، فرحته الطفولية بموافقتها، دفء حضنه الذي لم يكتمل، ثم الدماء التي غمرت ملابسه بين ذراعيها، كلما تذكرت تلك اللحظة ازداد ارتجاف جسدها، وشعرت أن الهواء يضيق حولها أكثر.
وفي خضم ذلك الانهيار، لمحت أماليا تقترب بسرعة تتبعها إيما وميا. كانت ملامح أماليا شاحبة من القلق، لكن الغضب كان أوضح من أي شيء آخر في عينيها، وما أن وصلت إليها حتى
أمسكت ذراعها بعنف وتكلمت بصراخ:
حصل ايه الشاهين؟ أنطقي عملتي ايه في جوزي ؟"
شعرت رنيم بالألم من قوة قبضتها، لكنها لم تحاول الإفلات كانت منهارة أكثر من أن تدافع عن نفسها. رفعت عينيها المغرفتين بالدموع إليها وقالت من بين شهقاتها:
م معملتش ليه حاجه والله د ده بلطجيه ط طلعوا علينا في الشارع و وضربوا "
لكن أماليا لم تكن في حالة تسمح لها بالتصديق أو التفكير المنطقي، كان الخوف على شاهين قد
تحول داخلها إلى غضب أعمى، فزادت ضغطها على ذراع رنيم وهي تقول:
كدابه أطمن على شاهين بس، وبعد كده أعرف الحقيقه منك كلها."
وقبل أن تتمكن رقيم من الرد، تقدمت إيما بخطوات سريعة. كانت عيناها حمراويتين من البكاء، لكنهما كانتا تحملان أيضا غضبا كبيرا. وقفت أمام رنيم مباشرة ونظرت إليها بكره شديد وقالت: "أنا بكرهك، لو بابي حصل ليه حاجه مش هر حمك يا رنيم بكرهك."
تلقت الكلمات كطعنة جديدة.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها. لم تكن ترى أمامها فتاة صغيرة الآن، بل كانت ترى نفسها قبل سنوات طويلة. كانت ترى تلك الطفلة التي وقفت يوما تحمل في قلبها الغضب نفسه، والوجع نفسه، والشعور نفسه بأن شخصا ما سرق منها أباها.
وكادت تسقط بالفعل لولا أن يدا صغيرة أمسكت بها.
التفتت لتجد ميا تقف بجوارها كانت الصغيرة تبكي هي الأخرى، لكن قلبها كان ما يزال نقيا بما يكفي ليبحث عن الألم في عيون الآخرين، ريتت على ذراع رنيم برفق وقالت بنبرة حزينة: متقلقيش بابي هيكون كويس بابي قوي، ومستحيل يتخلى عننا بسهولة كده."
نظرت إليها رنيم طويلا. كم كان الأمر مؤلفا... في الماضي كانت هي الطفلة التي ينظر إليها
الجميع بالشفقة.
أما الآن فهي المرأة التي تتلقى نظرات الاتهام.
التاريخ يعيد نفسه، لكن بصورة أكثر قسوة.
وقبل أن ينهار ما تبقى من تماسكها، انفتح باب غرفة العمليات أخيرا.
تجمد الجميع في أماكنهم.
خرج الطبيب وهو يخلع قفازيه، فتعلقت به أربع قلوب مرتجفة في اللحظة نفسها. لم تجرؤ رنيم حتى على التنفس وهي تنتظر كلماته.
ثم قال بنبرته العملية:
المجهزة، حمد الله على سلامته"
"الحمد لله، خرجنا الرصاصه من غير أي تلف لحاجه في جسمه، وكمان شوية هيدخل اوضه
ما إن أنهى جملته حتى شعرت رنيم بأن جبلا كاملا أزيح عن صدرها.
انفجرت بالبكاء من جديد، لكن هذه المرة كانت دموع نجاة لا دموع فزع.
تنهدت بارتياح عميق، ثم اندفعت نحو ميا واحتضنتها بقوة وهي تقول بين شهقاتها:
"الحمد لله بابي بقى بخير يا ميا، أحمدك وأشكر فضلك يارب، الحمد لله."
تعلقت مبا بها بدورها وقالت بسعادة صادقة
مش قلتلك بابي قوي، ومستحيل يتخلى عننا بالسهولة دي"
للحظة قصيرة شعرت رنيم بدفء غريب يملأ قلبها.
لكن تلك اللحظة لم تدم.
اقتربت أماليا سريعا وأمسكت ذراع ميا بغضب، ثم أبعدتها عنها قائلة:
"أبعدي عن بنتي مالكيش دعوة بيها."
حاولت ميا الإفلات من يدها، لكن أماليا شدتها إليها بقوة.
اما رنيم فاكتفت بالابتعاد.
لم تعد تملك طاقة للدخول في أي صراع. شاهين بخير.
وهذا وحده كان كافيا بالنسبة لها الآن.
بعد مرور بعض الوقت، سمح لهم بالدخول إلى غرفته.
كان شاهين مستلقيا فوق السرير الأبيض، وعيناه مغمضتان، بينما احاط الشاش الأبيض جزءا
من صدره وكتفه.
رؤية وجهه وحدها جعلت قلب رنيم ينقبض.
اقتربت منه ببطء ووقفت بجواره، ثم أمسكت يده بين يديها و همست بصوت مرتجف
"شاهين، رد عليا لو سمعني "
تحركت رأسه ببطء شديد، ثم بدأ يحاول فتح عينيه.
وفي اللحظة نفسها تقريبا، اندفعت أماليا نحوه وأمسكت يده الأخرى وقالت بحزن:
شاهين يا حبيبي يرد على مراتك اللي هتموت من القلق عليك "
وأخيرا فتح شاهين عينيه.
كانت أول صورة استقبلتها عيناه هي رئيم.
ظل ينظر إليها للحظة طويلة، وجودها وحده كان كافيا ليطمئنه أنه ما زال حيا.
ثم انتقلت عيناه إلى إيما وميا، قبل أن يلتفت نحو أماليا.
وحين انتبه إلى يدها الممسكة بيده، سحبها بهدوء وأبعدها.
ثم عاد ينظر إلى رقيم، وربت على يدها مطمئنا وقال :
متقلقيش عليا يا بابا انا كويس، الرصاصة أصلاً كانت في كنفي "
عندها فقط شعرت رنيم أن الدموع التي كانت تحبسها منذ ساعات قد انتصرت عليها.
جلست بجواره أكثر وقالت:
" أنا أسفه "
رفع يده بصعوبة ومسح دموعها برفق، ثم قال بصوته الضعيف:
يا بابا متتأسفيش، أنتي ملكيش ذنب، أنا لما أطلع من هنا هعرف مين السبب ومش هرحمه"
نظرت رنيم إلى الإتجاه الآخر بتوتر، كانت تخشى أن تلتقى عيناها يعيني أحد فيقرأ ما تحاول
إخفاءه داخلها، كانت الكلمات عالقة في حلقها، والخوف يضغط على صدرها بقسوة حتى كادت
تشعر بأنها عاجزة عن النقاط أنفاسها بشكل طبيعي، لذلك اكتفت بالصمت.
ضغطت أمانيا على اسنانها وقالت:
" على فكرة أحنا كمان كنا قلقانين عليك مش هي بس."
أغلق شاهين عينيه يضيق للحظة قصيرة، فقد كان الألم الجسدي ينهش كتفه مع كل حركة، لكن
ما أزعجه أكثر هو ذلك التوتر الخانق الذي يملأ الغرفة. فتح عينيه مجددا ونظر إلى ابنتيه، ثم
أشار لهما حتى تقتربا منه.
نهضت رنيم من على السرير بهدوء، تاركة لهما المكان جلست كل واحدة منهما بجواره، فمد
مين بلغكم باللي حصلي ده؟"
تکلمت ميا سريعا وقالت:
يديه بصعوبة وأمسك أيديهما، ثم قبلهما بحنان أبوى صادق وهو يقول:
عمو مروان، أتصل بمامي وقالها."
انعقد حاجبا شاهين باستغراب، ثم التفت إلى رئيم قائلا:
"أنتي قلتي لحد ؟ "
حرکت رأسها بالنفي وقالت بتوتر:
"لا، مقلتش لحد يا شاهين، أنا أتصلت بالإسعاف بس "
ظل ينظر إليها لثوان، وكأنه يحاول فهم شيء لا يكتمل أمامه، ثم نظر أمامه بتفكير وأوما برأسه قائلا:
"ماشي، أنا هبقى أفهم كل حاجة من مروان"
وضعت ميا رأسها على كتف شاهين السليم وقالت:
"أنا كنت هموت من القلق عليك يا بابي بيوجعك مكان الرصاصة؟"
ابتسم لها بحب، تلك الابتسامة التي لم تكن تظهر إلا حين يتعلق الأمر بابنتيه، ثم حرك رأسه
بالنفي وقال:
لا يا قلب بابي من جوه أنا بقيت كويس أول ما شفتكم "
راقبت رنيم المشهد يصمت، وفي اللحظة التي رأت فيها ذلك الحنان المتدفق منه تجاه ابنتيه تحرك شيء قديم داخلها. لم تكن غيرة المرأة من ابنتي الرجل الذي تحبه، بل كانت غيرة طفلة حرمت يوما من أب أرادته لها وحدها شعور مباغت أربكها وأوجعها في الوقت نفسه، وكأنها لم تعد ترى أيما وميا، بل رأت نفسها الصغيرة وهي تقف بعيدا تراقب والدها يمنح دفته واهتمامه
لشخص آخر.
ضغطت إيما على يد والدها بحنو وقالت:
يا بابي أبعد عن الناس اللي كانت السبب في أذيتك دول الست دي هي اللي وراه كل حاجه
بتحصلك "
وأشارت بيدها إلى رئيم.
ارتفعت عينا رنيم إليها ببطء. لم تغضب منها، ولم تشعر حتى بالرغبة في الرد. كانت تنظر إليها.
ترى فيها انعكاس قديم لنفسها. رأت في عينيها الكره نفسه الذي كانت تحمله يوما، والغيرة نفسها، والخوف نفسه من فقدان الأب أو مشاركته مع أحد، لذلك لم تجد داخلها قدرة على لومها.
تكلم شاهين بصوت ضعيف لكنه حازم وقال:
"إيما، متتكلميش كده على رنيم هي ملهاش ذنب، ولا تعرف مين اللي عمل كده قيا، واحترامها من احترامي فاهمه"
استقامت إيما بجسدها بغضب، وعقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم وجهت إلى رئيم نظرة ممتلئة
بالرفض والعداء.
أما رنيم فحركت رأسها إلى الاتجاه الآخر. لم تستطع تحمل تلك النظرات أكثر، لأنها كانت ترى
ماضيها كله يقف أمامها في هيئة فتاة صغيرة.
نظرت أماليا إليهم بغضب، ثم تحركت نحو الأريكة وكادت أن تجلس عليها.
لكن شاهين تكلم سريعا وقال:
توقفت أماليا مكانها مصدومة لعدة لحظات لم تتوقع أن يطلب منها المغادرة بهذه البساطة.
"اتفضلوا بره أنا تعبان وعايز انام"
نظرت إليه بضيق واضح، ثم استدارت وتحركت إلى الخارج، وتبعتها ابنتاها.
شعرت رنيم أنها يجب أن تخرج معهم هي الأخرى، فتحركت نحو الباب، لكنه تكلم سريعا وقال:
رايح فين يا صغنن؟ ما أنتي عارفه، أنك علاجي، تعالي جنبي "
توردت وجنتاها رغم كل ما تعيشه من خوف وقلق، واقتربت منه مرة أخرى وجلست بجواره على السرير.
حاول شاهين أن يعتدل في جلسته، لكن الألم الغرس في كنفه بعنف فظهرت ملامح الوجع على وجهه.
تخشى أن تؤذيه حتى بلمسة عابرة.
انتفضت رنيم فوزا، ثم ساعدته على الجلوس ووضعت الوسادة خلف ظهره بحرص شديد، كانت
حرك شاهين ذراعه السليم وأحاطها به، ثم قبل رأسها بحب وقال:
طول ما أنتي جنبي مش بحس بأي ألم، خليكي معايا على طول. "
أغلقت عينيها بدموع، وأسندت رأسها إلى كتفه وقالت بحزن:
"أنا كنت هموت من الخوف عليك يا شاهين، أنا مش مستعدة أخسرك ولا أتوجع فيك"
قبل رأسها بحب وقال:
الوجع الحقيقي هو بعدك عني يا رنيم، أنا مستحيل اتقبل فكرت بعدك عني، أنتي النفس اللي
بتنفسه واللي عايش علشان أسعدها وبس"
ارتجف قلبها بعنف. كل كلمة كان يقولها كانت تزيد عذابها، لأنه لا يعلم.
لا يعلم أنها تقف على حافة قرار قد يسلبه منها رغما عنها.
ولا يعلم أن الخوف الذي ينهشها الآن لم يعد خوفا عليه فقط، بل خوفا من اليوم الذي سيعرف
فيه الحقيقة كاملة.
سقطت دمعة ساخنة على كتف شاهين وقالت بأسف :
" أنا أسفه يا شاهين مضطرة أعمل كده، بحبك أنت أجمل حاجه حصلتلي، مهما حصل أوعى
تكرهني "
انعقد حاجباه باستغراب، وأبعدها قليلا عن حضنه، ثم نظر إليها بعدم فهم وقال بتساؤل:
معنى أيه كلامك ده؟ قوليلي يا رنيم أيه مخبياه عليا؟ ويمكن اللي حصل ده، سببه الحاجه اللي
أنتي مش عايزة تقوليها ليا."
شعرت بأن قلبها ينهار داخل صدرها.
كاد كل شيء يخرج من بين شفتيها في تلك اللحظة.
كادت تخبره بكل شيء بزين وبتهديده.
وبالخوف الذي يطاردها منذ أيام.
لكنها كانت تعرف أن اعترافا واحدا قد يشعل حربا لن تنتهي.
لذلك نظرت إليه بحب موجع، ثم اقتربت من شفتيه والتهمتهما بقبلة بدت لوهله محاولة يائسة
الإسكات كل الأسئلة.
في البداية صدم شاهين مما فعلته، لكنه سرعان ما استجاب لها وضمها بذراعه، متبادلا معها القبلة.
لكن بعد لحظات شعر بطعم مالح اختلط بها. ابتعد عنها فورا. نظر إليها.
فوجد دموعها تنهمر بغزارة.
دموع لم تكن دموع امرأة عاشقة فقط.
بل دموع امرأة تشعر أنها تودع شيئا لا تريد فقدانه.
ضمها بقوة داخل صدره، ورغم الألم الذي اشتعل في جرحه من الحركة، إلا أن رؤيته لها بهذه
الحالة كانت أكثر إيلاما من الرصاصة نفسها.
ريت على ظهرها بحنو وقال :
شش، اهدى يا حبيبي أنا كويس والله متخافيش"
ارتعش جسدها بين ذراعيه، وتمسكت به بقوة أكبر تخشى أن يختفي من بين يديها إذا تركته
للحظة واحدة.
وظلت تبكي تبكي خوفا عليه.
وتبكي من ذنبها الذي يثقل روحها.
ويبكي عجزها عن إخباره بالحقيقة.
وبعد لحظات طويلة هدأت قليلا، ثم اعتدلت في جلستها.
نظر إليها بقلق وقال:
"بقيتي احسن دلوقتي؟"
اومات برأسها، وأرجعت شعرها خلف أذنها وقالت بتلعثم:
ك كويسه | أعصابي تعبانه شويه من ساعة اللي حصلك "
نظر إليها نظرة طويلة. كان يشعر أن هناك شيئا تخفيه.
شيئا كبيراً يجعل عينيها ممثليتين بهذا القدر من الخوف.
لكنه لم يشأ أن يضغط عليها أكثر وهي في هذه الحالة.
فاكتفى بأن ضمها إلى حضنه مرة أخرى، وظل يربت على شعرها برفق حتى تهدأ.
أغلقت رنيم عينيها داخل حضنه.
تنشبت بدفته برائحته
بنبضات قلبه القريبة من أذنها.
وكأنها تحاول أن تحفظ كل تفصيلة فيه داخل ذاكرتها.
فهي لا تتخيل حياتها بعيدا عن هذا الحضن الذي أصبح ملاذها الوحيد، ولا تستطيع أن تتصور
يوما تستيقظ فيه ولا تجده بقريها.
ولهذا السبب تمسكت به أكثر، كانت تحارب القدر نفسه، وتحاول أن تسرق من هذه اللحظة أكبر
قدر ممكن من الأمان قبل أن يفرض عليها الواقع تملا لا تريد دفعه.
بعد مرور أسبوع .....
خرج شاهين من المشفى بعدما تحسنت حالته بصورة كبيرة، وخلال الأيام الماضية أخذت
الشرطة أقواله وأقوال رنيم بشأن حادث إطلاق النار، لكن التحقيقات لم تصل إلى شيء حاسم
بعد بقيت رنيم إلى جواره طوال تلك الفترة، تتحمل بصمت نظرات الكراهية الواضحة التي
كانت ترمقها بها إيما، ونظرات العداء الصامتة من أماليا، بينما كانت ميا وحدها تمد إليها يدا
صغيرة مفعمة بالدفء، تغمرها بمحبتها البريئة بالطريقة نفسها التي كان يفعلها شاهين.
أما اليوم فكان مختلفا.
اليوم هو يوم زفاف جواد وجواهر، ذلك الزفاف الذي تقرر أن يقام وسط حراسة مشددة من
رجال الشرطة ورجال غريب بعد كل ما حدث مؤخرا.
في صباح ذلك اليوم.....
استيقظت رنيم وهي تشعر بثقل جائم فوق صدرها، كأن أحدهم وضع صخرة فوق قلبها أثناء
نومها. فتحت عينيها ببطء، وحدقت طويلا في السقف، بينما كانت الدموع عالقة داخل مقلتيها
ترفض السقوط. كان هناك شيء في نظراتها تغير شيء يشبه استسلاما مؤلفا لا يراه أحد سواها.
نهضت من فراشها بهدوء واتجهت نحو الباب فتحته وخرجت بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الأريكة التي كان شاهين ممددا فوقها.
توقفت أمامه للحظات.
تأملته وكأنها تراه للمرة الأخيرة.
ملامحه الهادئة أثناء النوم، أنفاسه المنتظمة، ذلك الأمان الذي كانت تشعر به كلما اقتربت منه. جنت على ركبتيها أمامه ومدت يدها تتحسس وجهه بحنان فارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة يملؤها الحزن أكثر مما يملؤها الفرح، ثم مالت نحوه وطبعت قبلة خفيفة على خده.
شعر بها شاهين.
فتح عينيه تدريجيا، وما إن وقعت عيناه عليها حتى اقترب منها بعفوية، والتهم شفتيها بقبلة
ساحقة.
وبعد لحظات، ابتعدت رنيم قليلا وهي تشعر أن قلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها، فأسند شاهين
جبهته إلى جبهتها وقال:
"أنا خلاص مبقتش قادر استحمل أبعد عنك أكثر من كده يا رتيم، أرجوكي تعالي نتجوز
النهاردة"
نظرت إليه طويلا.
كانت تسمع كلماته فتشعر وكأن أحدهم يمزق قلبها ببطء.
هو يتحدث عن المستقبل، بينما هي تشعر أن المستقبل ينهار أمام عينيها.
نظرت بعينيه والدموع متجمعه داخل مقلتها وقالت بأنفاس لاهثة:
بحبك يا شاهين، وأنا محتاجه ليك أكثر منك، ومبقتش قادرة أبعد عنك أكثر من كده"
حركت يدها على صدره وتكلمت بصوت هامس مغري
" أنا ... أنا مستعده "
عقد ما بين حاجبيه بعدم فهم أو ربما فهم ما تريد قوله لكنه حاول أن يكذب نفسه:
"مستعدة لأيه ؟ "
اقتربت من شفتيه وتكلمت بصوت هامس
"أكون ليك "
واقتحمت شفتيه وقبلتهما بطريقة جعلت شاهين يفقد سيطرته عن رغبته بها، اعتدل بجلسته
وأرغمها تجلس بجواره وألتهم شفتيها بطريقة توحي أنه قد سقط آخر حصونه لدفعاته، بدأت يده تتحرك بحرية أكبر، لكنه ابتعد سريعا عنها بأنفاس لاهثه وحرك رأسه بالرفض وقال:
وأنتي مراتي على سنة الله ورسوله "
"لا يا رتيم، أنتي أجمل وأشرف من أن ده يحصل ما بينا دلوقتي، أنا مشتاق ليكي أكثر منك، بس
وقفت سريعا وحركت يدها على شعرها وتكلمت بصراخ:
"أنا عايزة ده يحصل دلوقتي يا شاهين، أرجوك نفذ اللي طلبته منك، أنا حقك أنت وكل حته فيا
تخصك، ومش هسمح لحد ياخد منك ده مهما حصل "
استقام بجسده سریعا اقترب منها وأمسك وجهها بحنان محاولاً إعادتها إلى رشدها، بينما كان الخوف عليها يزداد داخله لحظة بعد أخرى.
صدقيني أنا مش هقدر أعمل كده مش هقدر أخد منك حاجة دلوقتي، تعالي نتجوز ووقتها
هعمل كل حاجه أنتى وانا محتاجينها."
كانت تنظر إليه وكأن الوقت ينفد من بين أصابعها. لم تعد تفكر فيما هو صواب أو خطأ، ولا فيما سيقوله العالم إن عرف ما يدور داخلها، كل ما كانت تراه أمامها هو الرجل الذي تحبه، والرجل الذي قد تجبر بعد ساعات أو أيام على الابتعاد عنه، لذلك كانت تنشبت به بذلك الإصرار الذي لم يفهمه، وتحاول بكل الطرق أن تهدم المسافة التي يصر على إبقائها بينهما، بينما كانت هي ترى
في تلك المسافة حكما بالموت لا أكثر.
حركت راسها بالرفض والدموع تتسابق على خدها وقالت بترجي
انت مش فاهم حاجه یا شاهین علشان خاطري، لو بتحبني أعمل كده"
أمسك وجهها يحب وحرك رأسه بالرفض وقال:
"لا يا حبيبتي، أنا عمري ما اتعامل معاكي على أنك واحده رخيصه، هاخد ده وانتي بتاعتي مراتي "
كان كل رفض يخرج منه يمزق شيئا جديدًا داخلها، لم يكن يدرك أنه كلما تحدث عن الزواج القريب والحياة التي يحلمان بها مغاء كان يغرس السكين أعمق في قلبها، لأنها الوحيدة التي
تعرف أن تلك الأحلام ربما لن ترى النور أبدا.
اقتربت منه وظلت تقبل بوجه بدموع وتتكلم بترجي، أن يفعل ذلك معها.
عندها ارتفعت يد شاهين وصفعتها، لم يكن الألم في خدها هو ما صدمها، بل اللحظة نفسها.
للحظة واحدة تجمد كل شيء حولها، وانطفأت حالة الهلع التي كانت تسيطر عليها، بينما كان
شاهين ينظر إليها بعينين يملؤهما الوجع أكثر مما يملؤهما الغضب. كان يرى أمامه امرأة تنهار ولا يعرف لماذا، ويرى رعبا حقيقيا داخل عينيها، رعبا أكبر بكثير من مجرد الخوف عليه أو
الحزن من إصابته.
جذيها إلى صدره بقوة وقال بأسف:
"أنا آسف يا رنيم، كان لازم أعمل كده علشان أفوقك قلتلك هموت عليكي أكثر منك، بس مش
هقدر أعمل ده دلوقتي"
عندها فقط انفجرت باكية.
تشبثت به بكل ما أوتيت من قوة. وتكلمت بصراخ:
انت مش فاهم حاجه یا شاهین، مش فاهم حاجة."
ارتجف قلبه أبعدها قليلا ونظر إليها بقلق حقيقي، وقال:
فهميني يا رنيم، أنا هموت وأفهم أيه اللي بيحصل من ورايا"
نظرت له وارتعشت شفتيها، واوماً شاهين برأسه حتى يحثها تتكلم، لكنها في النهاية هزت رأسها
بالرفض.
تم استدارت فجأة وركضت نحو غرفتها.
أغلقت الباب خلفها. واستندت إليه.
ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض.
دفنت وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء.
ظلت تبكي وهي تضم ركبتيها إلى صدرها، ليس لأنها فشلت فيما كانت تحاول فعله، بل لأنها أدركت أن الوقت ينفد فعلا. كانت تعرف أن شاهين بدأ يشك، وتعرف أنها لم تعد قادرة على مواصلة الكذب طويلا، لكن الحقيقة كانت أكثر رعبا من أن تنطق بها. في الخارج ظل شاهين واقفا مكانه للحظات طويلة حدق في الباب المغلق بشرود.
للمرة الأولى شعر أن هناك جزءا كاملا من الحكاية يجهله. لم تعد دموعها طبيعية، ولم يعد تصرفها طبيعيا، ولم يعد قادرا على إقناع نفسه بأن كل ما يراه سببه الخوف عليه فقط. كان هناك شيء آخر شيء تحاول إخفاءه بكل قوتها، وشيء جعلها تبدو وكأنها تودعه. تنهد ببطء ثم جلس على الأريكة من جديد.
تخلص الليلة دي بس يا رنيم، وأنا أوعدك أسمك هيتكتب على أسمي قريب أوي، وهعمل معاكي كل حاجة حلمنا بيها."
لكن حتى وهو يقولها، ظل عقله معلقا بنظراتها، وبدموعها.
وبذلك الخوف الغريب الذي لم يستطع تفسيره.
ولم يكن يعلم أن إجابة كل أسئلته كانت تقترب منه أسرع مما يتخيل.
بالفيلا...
كان غريب يجلس خلف مكتبه الواسع، واضعا الهاتف على أذنه بينما تتراقص أصابعه فوق سطحالمكتب في حركة لا إرادية كشفت عن توتره رغم محاولاته المستمرة لإخفائه، كانت الليلة المنتظرة قد وصلت أخيرا، الليلة التي استعد لها منذ أسابيع طويلة، فأحاط المكان برجاله وراجع كل تفصيلة عشرات المرات، ومع ذلك ظل ذلك القلق الخفي جائمًا فوق صدره. لم يكن يخشى التقصير، بل كان يعرف جيدا أن خصمه ليس بالشخص السهل الذي يمكن الاطمئنان أمامه مهما بلغت درجة الحذر.
ظل صامتا لثوان حتى وصله أخيرا الصوت المنتظر من الجهة الأخرى، صوت رجولي بدا مختنقا بعض الشيء، غريب قال له:
"النهاردة هتنفذ وعدك، وتثبت ليا حسن نيتك "
استند غريب بظهره إلى المقعد وسمع الشخص الآخر يقول بثقة هادئة:
"أنا لو مش قد كلمتي مكنتش وعد بيها، متقلقش انت كله هيتم حسب الاتفاق "
أغمض غريب عينيه للحظة وهو ينتظر الرد، ثم تنهد براحة بعدما سمع ما يطمئنه، وقال: "تمام بس متتأخرش "
أنهى المكالمة وأغلق الهاتف، ثم وضعه فوق المكتب أمامه وظل ينظر إليه الثوان طويلة، عقله
كان ما زال منشغلاً بكل ما ينتظره خلال الساعات القادمة.
في تلك اللحظة دوى طرق خفيف على الباب، قبل أن يفتح ببطء وتطل منه ترنيم.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تبددت التجاعيد التي علت وجهه طوال المكالمة، وحل مكانها
دف مألوف لم يكن يظهر إلا معها.
ابتسم ابتسامة واسعة وفتح ذراعيه لها دون أن ينطق بكلمة.
أغلقت الباب خلفها واتجهت نحوه بخطوات هادئة، ثم ارتمت داخل أحضانه وكأنها عادت إلى مكانها الطبيعي، والتفت ذراعاها حول خصره وهي تقول بمشاكسة محببة:
بتعمل ايه هنا يا قلبي؟ برضه شغال حتى يوم فرح ابننا؟"
ضحك يخفوت وهو يربت على ظهرها بحنان اعتادت عليه طوال سنوات عمرهما معا، ثم قال:
غصب عني يا عمري أنا، كان فيه شغل مهم بخلصه، وخلصته خلاص "
أبعدها عنه قليلا، فقط بالقدر الذي يسمح له بأن يتأمل وجهها، ثم أمسكه بين كفيه، وقال بنبرة
يغلبها الإعجاب
فيه أم عريس قمر كده ؟ اللي يشوفك يقول عليكي أنتي العروسه مش جواهر."
اتسعت ابتسامتها فوزا، تلك الابتسامة التي كانت قادرة دائما على انتزاع التعب من روحه
وقالت وهي تنظر إليه بعشق صريح لا تخطئه العين:
"أنا حلوة علشان عيونك القمر دول اللي شيفيني وبعدين يا غروبتي، أنا شايله هم بليل لما
البنات تشوفك، هتتجنن عليك وأنت قمر أوي كده.
انفجر ضاحكا من قلبه، ضحكة صافية نادرة لا يمنحها إلا لها، ثم جذبها إليه مجددا وقبل رأسها بحب عميق وقال:
"أنا حاسس نفسي في حلم جميل أوي، يعني النهاردة فرح أبني اللي جاي من حبيبتي وعشقي الأول والأخير؟"
رفعت رأسها إليه وأومأت برفق، بينما لمعت عيناها بسعادة امتزجت بسنوات طويلة من الصبر والوجع والانتظار، ثم قالت:
ايوه يا غريب النهاردة فرح ابننا ثمار حينا، وعوض ربنا لينا."
شرد للحظة وهو ينظر إليها.
مرت أمام عينيه سنوات كاملة، سنوات من المعارك والخسارات والانتصارات، سنوات ظن خلالها أحيانًا أن الحياة انتهت، ثم جاءت هي لتعيد إليه المعنى كله من جديد.
لهذا لم يكن جواد بالنسبة له مجرد ابن.
بل كان الدليل الحي على أن الله يعوض القلوب المنكسرة حين تصبر..
تنهد بعمق، ثم قال بصوت غلب عليه الامتنان:
"ربنا يخليكم ليا ويريح قلب أروى ويسعدها هي كمان يارب
تغيرت ملامح ترنیم فور سماع اسم ابنتها، فتمسكت به أكثر الدعاء خرج من قلبها هي الأخرى
قبل أن يخرج من قلبه، ثم قالت برجاء صادق:
"يارب يا حبيبي يارب"
وبقيا هكذا للحظات طويلة، يحتضن كل منهما الآخر وسط هدوء المكتب، بينما كانت أصوات الاستعدادات للفرح تتصاعد في أرجاء الفيلا، معلنة اقتراب ليلة ينتظرها الجميع .. دون أن يدرك
أغلبهم أنها تحمل بين طياتها ما هو أكبر بكثير من مجرد حفل زفاف.
وقف جواد أسفل الدرج وقد انعقدت أنظاره على الأعلى، غير قادر على الالتفات يمينا أو يسارا كان العالم كله انحصر عنده في تلك اللحظة التي ينتظرها منذ سنوات. كانت أصوات الحضور تدور من حوله، والضحكات تتعالى هنا وهناك، لكنه لم يكن يسمع شيئا منها، كل ما كان يراه هو
الدرج الطويل الذي ستظهر منه جواهر بعد لحظات.
وما إن أطلت من أعلى الدرج ممسكة بذراع تامر حتى شعر أن شيئا داخله توقف للحظة قبل أن يعود للحياة بصورة أعنف بدت أمامه كما لو أنها خرجت من إحدى الحكايات التي كان ينسجها خياله كلما فكر بها فستانها الأبيض ينسدل حولها برقة، وملامحها المتوترة تزيدها جمالا لا ينتمي إلى الواقع. أما هي فكانت تهبط الدرج ببطء درجة تلو الأخرى، بينما قلبها يخفق بعنف
داخل صدرها حتى خيل إليها أن الجميع قادر على سماعه.
وحين توقفت أمامه أخيرا، صافح تامر سريعا قبل أن تمتد يده نحوها تلقائيا، احتضنها بقوة ورفعها عن الأرض، ثم أخذ يدور بها وسط ضحكات الحضور وتصفيقهم، غير مصدق أنها
أصبحت بين ذراعيه بهذا الشكل، ترتدي لأجله فستان الزفاف الذي حلم طويلا أن يراها به.
أنزلها أخيرا على الأرض، لكنه لم يستطع إبعاد عينيه عنها، واقترب هامشا بالقرب منها :
" من الليله هتئوري حياتي يا جوهرة حياتي "
اشتعل وجهها بحمرة خجولة، بينما اكتفى هو بقبلة سريعة قبل أن يقف إلى جوارها، فتسللت
يدها داخل ذراعه وتحركا مقا وسط تصفيق الجميع ونظرات الإعجاب التي لاحقتهما من كل اتجاه، بينما تعالت الصافرات والمزاح الموجه إلى العريس وسط أجواء احتفالية صاحبة. خرج الجميع إلى الحديقة المضيئة، واستقر العروسان في المكان المخصص لهما، لتبدأ مراسم
الاحتفال رسميا.
أما في الأعلى....
فكانت رئيم تعيش عالما مختلفا تماما عن عالم الفرح الدائر بالأسفل.
كانت تتحرك داخل غرفة جواهر بخطوات مضطربة، غير قادرة على الجلوس أو الثبات في
مكان واحد شعرت وكأن شيئا ثقيلا يجثم فوق صدرها ويمنع عنها الهواء، بينما كانت الأفكار تتزاحم داخل راسها بصورة مرهقة لم تعد تخشي ما سيحدث لنفسها بقدر ما كانت تخشى أثره
على الآخرين حين تنكشف الحقيقة.
وعندما سمعت طرقات خفيفة على الباب، تجمدت للحظة قبل أن تتحرك نحوه.
فتحت الباب لتجده أمامها.
ارتبكت فور رؤيته واتسعت عيناها قليلا وهي تقول:
ش شاهين ؟ خ خير؟"
لكن شاهين لم يجب مباشرة.
ظل يتأملها لثوان طويلة، مأخوذا بجمالها على نحو جعله يبتسم دون وعي، ثم اقترب منها برفق وحرك يده على خدها قائلا:
طالعه جميله أوي، أنتي أه جميله على طول بس النهاردة فيكي حاجه مختلفة."
أغمضت عينيها للحظة محاولة أن تخفي الدموع التي بدأت تتجمع داخلهما : ثم تراجعت ت خطوة إلى الخلف وقالت بصوت خافت
"ش شكرا "
ابتسم على ارتباكها المعتاد، ثم قال:
"يلا تعالى معايا علشان كمان شوية عامل ليك مفاجأة."
انعقد حاجباها فوزا وقالت باستغراب
"مفاجأة! مفاجأة أيه دي؟"
لكن شاهين اكتفى بإمساك يدها وهو يجيب:
هبطا معا إلى الأسفل.
أصبري شوية وأنتي هتعرفي"
جلست رنيم بين الحضور، لكن عقلها كان بعيدا عن كل ما يحيط بها كانت عيناها تتحركان بين الوجوه والأضواء بلا تركيز حقيقي، لم تعد تسمع الموسيقى ولا ضحكات الناس، ولم تعد تفاصيل الحفل كما يراها الآخرون، فقد كانت غارقة بالكامل في ما ينتظرها بعد قليل. تری
ومع مرور الوقت أخذ التوتر يزداد داخلها حتى كاد يخنقها.
ثم فجأة.. انطلق صوت رجولي عبر مكبرات الصوت.
صوت تعرفه جيدا. رفعت رأسها بسرعة.
فوجدت شاهين واقفا في منتصف الحديقة ممسكا بالميكروفون.
في اللحظة نفسها التفتت الأنظار نحوه حتى جواد الذي لم يخفي ضيقه من وجوده، وإن كان
قد التزم الصمت احتراما لرغبة والده.
أما شاهين فلم يكن يرى أحدا.
كانت عيناه معلقتين بها وحدها.
ثم قال بنبرة خرجت من قلبه مباشرة
أنا عارف أن اللي يعمله ده چنان حاجه جديدة عليا، بس من يوم ما حبيت رنيم فكل حاجة بعملها جديده ومجنونه عليا علشان كده عايز أقولك أنا بعشقك يا رنيم، أنتي أجمل هدية ربنا بعتها ليا، عوض ربنا ليا عن حاجات كثير شفتها زمان يحبك لدرجة أني خلاص مش قادر أعيش من غيرك لحظة واحدة، وقصاد الكل أهو بقولك بحبك يا رنيم، ممكن تتجوزيني؟"
شعرت رئيم بأن العالم كله اختفى من حولها.
ارتفعت يدها إلى فمها بصورة تلقائية، بينما انفجرت الدموع من عينيها دون أن تستطيع السيطرة عليها. لم تتوقع هذا أبدا، ولم تكن مستعدة له. كانت تعرف مقدار حبه لها، لكنها لم
تتخيل أن يضع قلبه كاملا أمام الجميع بهذا الشكل.
نظرت حولها فوجدت العيون كلها تتجه إليها، فوقفت ببطء.
ثم بدأت تتحرك نحوه بخطوات مترددة، حتى توقفت أمامه مباشرة.
ابتسم شاهين وهو يمسك يدها بحب، ثم أعاد سؤاله بصوت أكثر هدوءا وصدقا
" تتجوزيني يا رنيم؟"
نظرت إليه طويلا، تحاول أن تحفظ ملامحه داخل قلبها قبل أن تهدم كل شيء.
كانت الدموع تنساب فوق خديها بلا توقف بينما الكلمات تختنق داخل حلقها وترفض الخروج.
وفي تلك اللحظة ظهر تامر إلى جواره ومعه المأذون، وقال ضاحكا:
"أنت لسه هتسبل، أخلص أنت طلبت أيديها وأنا موافق وجبت المأذون كمان "
تجمدت رنيم تماما واتسعت عيناها بصدمة وهي تحدق بالمأذون وكأنها تراه لأول مرة.
أما تامر فلم ينتبه إلى اضطرابها، فبادر بإجلاس المأذون ثم أمسك بيد شاهين وأجلسه، قبل أن
يتجه إليها ويجبرها بلطف على الجلوس بجواره قائلا:
خلوا الصدمات دي بعدين، أحنا عندنا فرح وعايزين نكمله "
ثم جلس بجوار المأذون وأضاف بحماس:
توكل على الله يا شيخنا انا وكيلها."
امتدت يد تامر نحو يد شاهين، وبدأ المأذون في ترديد كلماته الأولى.
لكن قبل أن يكمل، وقفت رنيم فجأة.
وقف قلب شاهين معها، وسقط الصمت على المكان كله.
ثم خرج صوتها مرتجفا، لكنه كان مرتفعا بما يكفي ليسمعه الجميع
"م مش هينفع."
انعقد حاجبا شاهين في حيرة كاملة، ونهض من مكانه وهو ينظر إليها بعدم فهم. لم يستوعب ما يحدث.
قبل أيام فقط كانت توافق عليه.
وقبل ساعات كانت تبكي بين ذراعيه خوفا من فقدانه.
فكيف تقف الآن أمام الجميع لتقول ذلك؟
نظر إليها وقال باستغراب واضح
"مش هينفع ليه يا رنيم ؟ أنتي مش كنتي موافقة ؟"
كانت أصابعها ترتجف وهي تدعك يديها ببعضهما بعصبية شديدة، بينما اختلطت دموعها
بأنفاسها المتقطعة.
حاولت التحدث أكثر من مرة، لكن الكلمات كانت أنقل من أن تخرج بسهولة.
وأخيرا رفعت عينيها إليه.
نظرت إلى الرجل الذي أحبته بكل ما تملك، ثم قالت بصوت مكسور
ع علشان.... علشان، أنا متجوزة أصلاً"