تحميل رواية «ترانيم في درب الهوى» PDF
بقلم دودو محمد
الفصل 42 — رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ترانيم في درب الهوى بقلم دودو محمد.
رواية ترانيم في درب الهوى الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم دودو محمد
رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني والاربعون
عند غريب…
كان يجلس إلى جوار ابنته على حافة السرير، يحتضنها بين ذراعيه وكأنه يخشى أن يبتعد عنه جزء من روحه إن تركها للحظة واحدة. كانت أصابعه تمر ببطء فوق خصلات شعرها، حركة هادئة اعتاد أن يفعلها معها منذ طفولتها كلما أراد أن يطمئنها أو يطمئن نفسه.
أما عيناه فكانتا معلقتين في نقطة بعيدة أمامه، بينما يدور عقله داخل دوامة لا تهدأ. منذ أن خرجت ترنيم من الغرفة وهو عاجز عن التخلص من ذلك الضيق الذي استقر فوق صدره كصخرة ثقيلة. كان يعلم جيدًا لماذا فعلت ما فعلته، ويعرف أن إنقاذ حياة إنسان واجب لا يقبل النقاش، لكنه رغم ذلك لم يستطع أن يتجاوز فكرة أنها ذهبت إلى شخص لا يبادلها سوى الجفاء والرفض.
انتشله من أفكاره صوت أروى الضعيف وهي ترفع وجهها نحوه قائلة:
“متزعلش من مامي علشان خاطري يا بابي، هي عملت الصح إنقاذها لرنيم، واجب عليها، احنا كلنا عارفين غلاوة رنيم عند مامي عاملة أزاي، لو كنت منعتها وحصلها حاجه، كانت هتشيلك ذنبها العمر كله.”
أغمض عينيه لثوانٍ طويلة قبل أن يزفر أنفاسًا مثقلة بالضيق. لم يكن غاضبًا من ترنيم بقدر ما كان موجوعًا لأجلها.
وقال بصوت خافت:
“المشكله يا حبيبتي إن التانيه بتكرهها، مهما مامتك عملت معها، عمرها ما هتقدر تحببها فيها، بتتعامل معاها بجفاء، وترنيم متقبله ده عادي علشان بتحبها، إنما أنا مش قادر اتقبل معاملتها ليها، انتي عارفه أنا بحب أمك قد ايه.”
رفعت أروى رأسها من فوق صدره ونظرت إليه بدهشة حقيقية. كانت تعرف موقفه طوال السنوات الماضية، تعرف كم مرة التمس الأعذار لرنيم ووقف في صفها رغم كل شيء.
لذلك قالت بعدم تصديق:
“بس مش ده السبب يا بابي، انت كنت بتحميها وهي بتعامل مامي نفس المعامله، كنت بتقول أبوها ساعدك زمان وانت بتحميها دلوقتي رد لجميله، ايه غير رأيك.”
سقط الصمت بينهما للحظات.
لحظات بدت أطول من اللازم.
شعر غريب وكأن السؤال أصاب أكثر نقطة يحاول الهروب منها. أطرق برأسه قليلًا، ثم أغلق عينيه وهو يستعيد كل ما حدث لأروى، كل ليلة قضاها بجوار سريرها وهي تتألم، وكل دمعة حاولت أن تخفيها عنه بينما كان قلبه يتمزق لرؤيتها بهذه الحالة.
وحين تكلم، خرج صوته مثقلًا بمرارة لم يحاول إخفاءها:
“لأنها اختارت البني آدم اللي هو وأمه عملوا فيكي كده، أنا مش مسامح ولا هرحم اللي كان ليهم يد في اللي حصلك ده، وحبيبهم عدوي، وعدوهم حبيبي.”
ما إن أنهى كلماته حتى شعرت أروى بوخزة حادة داخل صدرها.
عادت الذكريات التي حاولت دفنها مرارًا لتنهض أمام عينيها من جديد، فتسلل إليها ذلك الخوف الذي كانت تظن أنها تجاوزته، وشعرت بالعجز نفسه الذي خنقها يومها وجعلها غير قادرة حتى على فهم سبب كل ما تعرضت له.
أعادت رأسها فوق صدر والدها كطفلة صغيرة تبحث عن الأمان، لكن دموعها سبقتها وانهمرت بصمت وهي تهمس بصوت مرتجف:
“أنا لحد دلوقتي مش فاهمه هما عملوا فيا كده ليه؟ عملت ليهم ايه، علشان ياؤذوني بالشكل ده؟”
ارتجف قلب غريب مع كلماتها.
كان هذا السؤال تحديدًا هو أكثر ما يؤلمه، لأنه لا يملك له إجابة.
كيف يخبرها أن الشر أحيانًا لا يحتاج إلى سبب؟
كيف يقنعها أنها لم تخطئ في حق أحد؟
شدها إليه بقوة أكبر حتى كادت تختفي داخل صدره، وكأنه يحاول أن يحجب عنها العالم كله بذراعيه.
ثم قال وهو يمرر يده فوق شعرها بحنان أبوي موجوع:
“انتي معملتيش ليهم حاجه يا حبيبتي، انتي أطيب وأنقى من إنك تأذي حد، انتي دفعتي تمن ماضي مالكيش دعوة بي.”
أغلقت أروى عينيها، لكن الدموع استمرت في الانسياب فوق وجنتيها. ارتعش جسدها بعنف وهي تتشبث بقميص والدها وكأنها تخشى أن تعود تلك الكوابيس إذا تركته.
ما إن شعر بارتجاف جسدها بين ذراعيه حتى شدها إليه أكثر، وكأنه يحاول أن يبني حولها حصنًا يحجب عنها كل ما يؤلمها. أخذ يمرر كفه فوق ظهرها بحركات هادئة بينما كانت أنفاسها المضطربة تضرب صدره، وعندها فقط رفع عينيه إلى الأمام، لتتبدل ملامحه تدريجيًا من حزن أب عاجز إلى صلابة رجل لم ينسَ بعد، ولا ينوي أن يسامح.
***************************
خرج شاهين من غرفة رنيم بعد أن اطمأن إلى أنها لم تعد وحدها، تاركًا لها بعض الخصوصية مع ابنة عمتها. أغلق الباب خلفه بهدوء، لكن الهدوء الذي أظهره لم يكن يعكس شيئًا مما يدور داخله.
منذ أن استعاد وعيه الكامل على ما كاد أن يحدث، ومنذ أن رأى رنيم ممددة فوق سرير المستشفى بين الحياة والموت، وهو يشعر أن شيئًا بداخله قد انكسر. لم يكن قادرًا على نسيان المشهد، ولا على تجاوز فكرة أنه كاد يفقدها إلى الأبد.
هبط إلى الكافتيريا بخطوات سريعة ومتوترة، يحاول الهروب من تلك الصور التي تطارده، لكنه ما إن دخل حتى تجمد مكانه لثانية واحدة.
كان عمر يجلس في أحد الأركان وكأن شيئًا لم يحدث.
يجلس بهدوء ويحتسي مشروبًا دافئًا، بينما رنيم ترقد بالأعلى مصابة بسبب سلسلة من الأحداث كان هو جزءًا منها.
اشتعل الغضب داخل صدر شاهين دفعة واحدة. لم يفكر ولم يحاول التريث.
تحرك نحوه مباشرة وأمسكه من ياقة قميصه بعنف حتى اهتز المقعد أسفله، ثم قال من بين أسنانه المطبقة:
“أنا هتمشي من هنا حالاً وإياك اشوفك مقرب من رنيم تاني فاهم.”
رفع عمر عينيه إليه ببطء. لم يظهر عليه الخوف أو الارتباك الذي كان شاهين ينتظره، بل ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة هادئة زادت النار اشتعالًا داخل الآخر. أبعد يده عنه ببرود واضح وقال:
“مش هتحرك من هنا ووريني هتعمل ايه.”
كان ذلك آخر ما احتاجه شاهين.
انطلقت قبضته نحو وجهه بعنف وكانت تحمل كل الغضب الذي اختزنه منذ ساعات.
ارتد رأس عمر إلى الخلف بقوة بينما قال شاهين بغضب مشتعل:
“تمام يبقى انت اللي اختارت.”
سقط عمر عن المقعد واصطدم بالأرض، لكنه لم يبقى عليها طويلًا.
نهض بسرعة وقد تحول ما بداخله هو الآخر إلى غضب أعمى، واندفع نحو شاهين دون تردد.
وفي لحظة واحدة تحولت الكافتيريا إلى فوضى كاملة.
تطايرت المقاعد من أماكنها، وتعالت الصرخات حولهما، بينما تبادل الرجلان اللكمات بعنف شديد.
حاول الموجودون التدخل أكثر من مرة، لكن الغضب كان أقوى من كل المحاولات.
كان شاهين يقاتل بعقل غائب لا يرى أمامه سوى صورة رنيم وهي تنزف بين يديه.
وكان عمر يقاتل مدفوعًا بحقد قديم يزداد اشتعالًا كلما رأى ذلك الآخر متمسكًا بها أكثر.
وبعد جهد كبير، نجح أفراد الأمن أخيرًا في الفصل بينهما.
أحكم رجلان قبضتيهما على شاهين لمنعه من الاندفاع مجددًا، بينما كان صدره يعلو ويهبط بعنف من شدة انفعاله. رفع يده وأشار إلى عمر بإصبع مرتجف من الغضب ثم قال:
“لو لمحت طيفك في المكان هنا مش هرحمك، غور من وشي.”
ثم انتزع نفسه من أيدي الرجال الذين يمسكونه بعنف، ودفعهم بعيدًا عنه قبل أن يستدير ويغادر المكان بخطوات غاضبة.
ظل عمر واقفًا في مكانه يراقب أثره.
مسح الدم العالق عند زاوية فمه ببطء، ثم رفع عينيه نحو الاتجاه الذي غادر منه شاهين. كان الألم في جسده محتملًا.
أما ما يشتعل داخله فلم يكن كذلك.
انقبض فكه بقوة حتى برزت عروقه، ثم قال بصوت منخفض يحمل من الحقد ما يكفي لإشعال حرب كاملة:
“وحياة أمك ل أحرمك منها وأحرق قلبك عليها، وأبقى وريني هتعمل ايه.”
وبقي واقفًا لثوانٍ يحدق أمامه بنظرات قاتمة، قبل أن يستدير ويتحرك نحو الخارج، بينما كانت تلك الكلمات تتحول داخله إلى وعد حقيقي لا مجرد تهديد.
***************************
وصلت ترنيم إلى المشفى برفقة تامر، لكن خطواتها كانت أسرع من أن تواكبها الكلمات أو الأسئلة. منذ أن غادرت غرفة رنيم وقلبها معلق بأروى، تتساءل إن كانت استيقظت، إن كانت سألت عنها، أو احتاجتها ولم تجدها بجوارها.
توقفت أمام باب الغرفة للحظة قصيرة، ثم دفعت الباب بهدوء ودلفت إلى الداخل.
ساد المكان هدوء ثقيل لا يقطعه سوى صوت الأجهزة الطبية المنتظم.
وقعت عيناها فورًا على السرير.
كانت أروى نائمة بين ذراعي غريب، مستندة إلى صدره كطفلة صغيرة وجدت أخيرًا ملاذًا آمنًا تختبئ داخله من كل ما يؤلمها.
ارتخت ملامح ترنيم تلقائيًا.
شعرت براحة صغيرة تسللت إلى قلبها لمجرد رؤيتها بخير.
أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم اقتربت بخطوات حذرة حتى لا توقظها. جلست على الجانب الآخر من السرير، وأمالت جسدها قليلًا لتقبل رأس ابنتها بحنان امتلأ بالشوق والقلق معًا.
لكن ما إن شعرت أروى بحركتها حتى انتفضت من نومها بفزع.
ارتعش جسدها فجأة، ففتح غريب عينيه على الفور، وقد استيقظ بغريزة الأب الذي لا ينام نومًا كاملًا ما دامت ابنته تتألم.
رفع رأسه بسرعة، وما إن وقعت عيناه على ترنيم حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اختفت الراحة التي كانت تسكن وجهه، وحل محلها غضب مكتوم ظل يحترق داخله منذ ساعات. وقال بحدة:
“انتي ايه اللي جابك؟”
رمشت ترنيم عدة مرات بعدم استيعاب.
لم تتوقع أن يكون هذا أول ما تسمعه منه. نظرت إليه بدهشة ممزوجة بالألم وقالت:
“يعني ايه، ايه اللي جابني؟ أنا جايه لبنتي يا غريب.”
نهض من مكانه دفعة واحدة.
كانت كلماته التالية محملة بكل ما فشل في كتمانه منذ رحيلها. وقال بغضب:
“بنتك!! اللي سبتيها وروحتي ورا اللي اسمها رنيم؟ بنتك اللي اندبحت على ايد الراجل وأمه اللي مرميه في حضنهم دلوقتي؟ ملكيش دعوة بيها روحي اجري واتحايلي عليها يمكن تقلك كلمه حلوة تفرحك.”
شعرت ترنيم وكأن الكلمات صفعتها بقوة. لم يكن غضبه جديدًا عليها، لكنها لم تتوقع أن يشكك في حبها لابنتها.
نهضت من مكانها بسرعة، واستقامت واقفة أمامه. كانت عيناها تلمعان بوجع حقيقي وهي تقول:
“هو ايه اللي مليش دعوه بيها؟ دي بنتي، ومحدش يقدر يبعدني عن بنتي مهما كان مين، وبعدين انا معملتش حاجه غلط، عيله وانقذتها، ايه المشكله في كده؟ ده لو أي حد من الشارع عنده نفس الفصيله وطلبوا منه يتبرع ليها كان هيعمل كده من غير ما يعرفها، أنت أزاي بقيت كده؟ موجوع على بنتك؟ طيب ما أنا كمان موجوعه زيك واكتر، بس ده يخليني احس بوجع غيري اكتر، أنا مصدومة فيك بجد.”
كانت تتحدث بانفعال حقيقي، بينما كانت دموعها تقاوم بصعوبة حتى لا تسقط. لكن كلماتها لم تهدئه.
بل بدت وكأنها أشعلت شيئًا أخطر داخله. اقترب منها، حتى أصبح يقف أمامها مباشرة. وفجأة أمسك ذراعها بقوة جعلتها تنتفض من الألم.
مال نحوها قليلًا وقال بصوت منخفض خرج مخيفًا من شدة الغضب:
“اوعي تكوني فاكره أنا مش عارف أنتي بتعملي معاها كده ليه، مش حب فيها يا ترنيم، انتي بتعملي كده علشان لسه بتحبي ابوها.”
تجمدت للحظة. وامتلأت عيناها بالدموع فورًا، لكنها لم تتراجع. لم تهرب.
بل رفعت وجهها إليه وقالت بصوت مرتجف من شدة الوجع:
“اه بحب ابوها وعمري ما أنكرت ده يا غريب، بس سبق وقلتلك الفرق بين حبي لسلطان وحبي ليك، هتفضل كده طول عمرك، مهما حبيتك، مش هتشوف حبي ليك ده، مش هتشوف غير حبي لسلطان وبس، انا بحب رنيم على حبي لابوها اللي كبرني وكنت انا دنيته، بحب رنيم علشان حته منه ونسخه مني، وعمري ما هتخلى عنها، مهما عملت فيا.”
كانت الكلمات تخرج من قلبها مباشرة.
كلمات قالتها عشرات المرات من قبل بأشكال مختلفة.
لكن غريب كان يسمع الجزء الذي يؤلمه فقط. أما الباقي فكان يضيع وسط ضجيج غيرته وجرحه القديم.
اشتدت أصابعه حول ذراعها أكثر حتى شعرت بالألم يسري في كامل ذراعها.
وقال بغضب أعنف:
“بس اسكتي بس.”
أغمضت عينيها متألمة. ثم همست وهي تحاول تحرير ذراعها:
“غريب سيب دراعي، أروى بتبص علينا، غررريب.”
عندها فقط التفتت عيناه نحو ابنته.
كانت أروى تنظر إليهما بخوف واضح، وكأن المشهد كله يعيد إليها شعورًا لا تريد عودته. ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثوانٍ كانت كافية ليعود إليه شيء من وعيه. ظل يحدق في ترنيم لحظة أخرى، ثم أفلت ذراعها أخيرًا ودفعها بعيدًا عنه بانفعال.
وأشار إليها محذرًا وقال:
“لا ده وقته ولا ده مكانه، بس أروى تخرج من هنا الاول واطمن عليها، وبعد كده لينا كلام مع بعض بعدين.”
أنهى حديثه وعاد مباشرة إلى السرير.
جلس بجوار ابنته من جديد، ثم جذبها إلى صدره بحركة غريزية وكأنه يحاول أن يمحو من ذاكرتها ما حدث للتو.
أما ترنيم فبقيت واقفة مكانها لثوانٍ.
تنظر أمامها دون أن ترى شيئًا.
كانت الدموع محتجزة داخل عينيها بصعوبة، بينما كان الألم الذي تركته كلماته أكبر بكثير من أن تستطيع الرد عليه. ابتلعت غصتها بصمت.
ثم استدارت وتحركت نحو الباب بخطوات سريعة قبل أن يراها أحد وهي تنهار. أغلقت الباب خلفها وغادرت.
وبقي غريب داخل الغرفة يحتضن ابنته، يربت على ظهرها بحنان بالغ، بينما ظلت عيناه معلقتين بالباب الذي خرجت منه ترنيم.
كان الغضب ما يزال مشتعلاً داخله، لكنه رغم ذلك لم يستطع تجاهل ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في صدره بعد رحيلها. شعور يشبه الندم.. لكنه كان أكثر عنادًا من أن يعترف به حتى لنفسه.
****************************
تمددت رنيم فوق الفراش وهي تزفر ببطء بعدما ساعدتها جواهر على الاستلقاء، بينما استقرت الأخرى بجوارها في صمت ثقيل. كان ضوء الغرفة الخافت ينساب فوق السقف الأبيض، وكأن كل واحدة منهما غارقة داخل عالمها الخاص، تحمل همومًا أكبر من قدرتها على البوح بها.
التفتت رنيم نحو جواهر بعدما طال صمتها، ولاحظت الشرود العالق بعينيها والطريقة التي كانت تحدق بها في الفراغ وكأنها تبحث عن شيء ضاع منها.
تحدثت بتساؤل هادئ:
“مالك؟ شكل ابن المضايقه منكد عليكي.”
خرجت زفرة طويلة من صدر جواهر، زفرة محملة بوجع حاولت إخفاءه طويلًا قبل أن تستسلم له أخيرًا. امتلأت عيناها بالدموع، لكنها ظلت تحدق أمامها وكأنها تخشى مواجهة الحقيقة حتى بالكلمات.
وقالت بصوت خافت أثقله الإنهاك:
“أنا مش عارفه جواد ايه حصله الفترة الأخيرة دي أو تحديدا من ساعة ما بقيت مراته، الاول كان اه بيتعصب عليا يزعل مني كتير، بس عمره ما كان بيغلط فيا ولا يمد أيده عليا زي ما بيعمل دلوقتي، حاسه أنه بقى شخص تاني خالص غير اللي عرفته وحبيته واتربيت على أيده، انا طبعا مدياه عذره في اللي عمله النهاردة، بس اللي وجعني اني بقيت احس مش مهمه عنده مبقاش يحبني زي الاول، بقى يستغنى عني بسهوله، أنا بحبه ومقدرش اعيش من غيره، بس قلبي زعلان منه اوي وموجوعة بسبب افعاله دي، نبهته كذا مره أن اللي بيعمله ده بيزعلني، بس وقت عصبيته مش بيشوف قدامه ولا عارف هو بيعمل ايه، أنا خايفه أكرهه يا رنيم.”
مع نهاية كلماتها انكسرت نبرتها الأخيرة، مجرد اعترافها بهذا الخوف جعل الأمر أكثر واقعية. ففكرة أن يتحول الحب الذي بنت عليه عمرها كله إلى وجع كانت ترعبها أكثر من أي شيء آخر.
نظرت إليها رنيم طويلًا، وشعرت بشيء يضغط على قلبها. لأول مرة منذ فترة طويلة رأت جواهر بهذه الهشاشة، بلا عنادها المعتاد ولا ابتسامتها التي كانت تخفي خلفها كل شيء. قالت بهدوء صادق:
“اللي بيحب بجد مستحيل يجرح أو يزعل اللي بيحبه، وده اللي انا عرفته متأخر أوي، حاولي تعملي شخصيه معاه يا جواهر، علشان لو اتعود على اللي بيعمله معاكي ده عادي، هيفضل معاكي كده على طول مش هيراعي مشاعرك، وأي اعتراض هيكون بالنسبه ليه اهانه لكرامته، أنا مش بقولك كده، علشان عايزة اخرب عليكي، ولا العداوة اللي ما بينا استخدمها ضده، لا انا شايفه انك بتحبي بجد، وده هيخليكي تيجي على حساب كرامتك لو محطتيش حدود لكل ده من اولها.”
استدارت جواهر تنظر إليها بدهشة حقيقية. لم تكن الكلمات وحدها هي ما فاجأها، بل الشخص الذي خرجت منه هذه الكلمات.
وقالت بسخرية خفيفة امتزجت بالحزن:
“غريبه اول ما مره متطلبيش مني اسيبه، ولا تغلطي في الحب وتتريقي عليه زي ما كنتي بتعملي، بركاتك يا سي شاهين.”
ارتسمت ابتسامة باهتة فوق شفتي رنيم قبل أن تتلاشى سريعًا. تسللت عيناها نحو الفراغ، وكأنها ترى شخصًا لا يراه أحد سواها.
همست بصوت غلبه الشوق:
“أنا مش عارفه ايه حصلي، كل ما اخد قرار ابعد عنه واسيبه، كأن حاجه بتشدني تاني ليه وترميني في حضنه، انا بحب شاهين يا جواهر، بحبه فوق ما تتخيلي، بس مش قادره اتقبل فكرة أن أكون الست الشريره اللي بتخطف اب من بناته، بحبه لدرجة أن ممكن أضحي بعمري كله علشانه، بس مش هقدر اكون معاه، أنا بين نارين يا جواهر، أعمل ايه قوليلي؟”
كانت المرة الأولى التي تعترف فيها بهذا القدر من الصراحة. خرجت الكلمات من قلبها دفعة واحدة، بعدما ظلت حبيسة داخلها طويلًا. حتى هي نفسها شعرت بالعجز أمام ذلك الصراع الذي يمزقها كل يوم؛ قلبها يدفعها نحوه بكل قوتها، بينما عقلها يجرها بعيدًا عنه خشية أن تكرر أخطاء الماضي.
اعتدلت جواهر في جلستها ونظرت إليها بتركيز، وكأنها ترى نسخة مختلفة تمامًا من رنيم التي عرفتها طوال عمرها.
وقالت بهدوء:
“أنا لحد دلوقتي مش مصدقه أن اللي اسمه شاهين ده شيطان هو أمه بالشكل ده، بعد اللي عملوا في أروى، وبعد ما عرفت اللي أمه عملته زمان مع خالتوا ترنيم وخالوا سلطان، واللي مش قادره اصدقه اكتر، ازاي قادره تتقبليهم في حياتك وهي أمه اللي قاتله ابوكي والسبب في موت امك؟ كنتي دايما تقوليلي أن الحب كلام فارغ مجرد كدبه في الافلام والروايات، كنتي بتقولي، أن الحب اكبر خدعه بيستخدموها علشان يضعفوا بيها الضحيه، الاول كنت مش بصدقك علشان كنت شايفه كلامك عبيط وملوش اي اساس، بس بعد علاقتك دي ما شاهين، أنا اتأكد من كل كلمة كنتي بتقوليها بس على نفسك انتي.”
أغمضت رنيم عينيها للحظة. كانت تعلم أن كل ما تقوله جواهر منطقي، بل إنه نفس الكلام الذي تردده لنفسها كل ليلة، ومع ذلك لم ينجح يومًا في انتزاع شاهين من قلبها.
فتحت عينيها وقالت بإصرار صادق:
“شاهين والله العظيم ما وحش، ملوش علاقه باللي أمه عملته واللي بتعمله، يمكن الاول كان فعلا وحش وانا شفت الوش ده قبل ما يحبني ويتغير علشاني، شاهين واقف قصاد أمه علشاني وعلشانكم، واللي حصل مع أروى ده ملوش علاقه بين بالعكس ده حاول يلحقها وينقذها، بس ملحقش وكان بيأنب في نفسه علشان ملحقش ينقذها، أنا واثقه فيه ولو مكانش موضوع أنه متجوز وعنده بنتين ده، أنا كان زماني موافقه على جوازنا وعايشه معاه في امان وفي حضنه، أنا واثقه فيه لابعد الحدود، وانتي يا جواهر لازم تثقي فيه صدقيني شاهين شخص جميل اوي، من بره ومن جوه.”
حدقت بها جواهر لثوانٍ قبل أن تهز رأسها بيأس مبتسم.
وقالت بحزن مشوب بالدهشة:
“حاسه اني عايشه في احلام العصر، رنيم بتحب بجد وبتعمل نفس الأفعال اللي كانت بترفضها زمان معايا أنا وجواد، عمومًا احنا هنسيب الأمور دي لرجاله الكبيرة، هما يتصرفوا مع بعض، وانتي طالما بتحبي اوي كده، متشغليش بالك بحد، ووافقي عليه كفايه اللي راح من عمركم.”
سقطت الكلمات داخل قلب رنيم بقوة. وللحظة قصيرة جدًا شعرت وكأن جواهر محقة، وكأنها بالفعل أهدرت سنوات طويلة في الهروب من شيء تعرف جيدًا أنها لن تستطيع الإفلات منه.
لكن سرعان ما اندفعت الذكريات إلى عقلها؛ ذكريات ترنيم، ووجعها القديم، والأخطاء التي أقسمت يومًا ألا تكررها مهما كان الثمن.
لهذا هزت رأسها بعنف وكانت تطرد الفكرة من جذورها. وقالت بحسم:
“مستحيل ده يحصل مستحيل.”
تنهدت جواهر بنفاد صبر وهي تعود للاستلقاء مجددًا، بينما راحت تحدق في السقف بعينين مثقلتين بالشوق. كان قلبها يركض نحو جواد رغم كل ما فعله، ورغم كل ما قالته قبل دقائق.
أما رنيم فظلت مستيقظة، تنظر إلى الفراغ أمامها، تتصارع داخلها مشاعر متناقضة لا تعرف كيف تهزم أيًا منها. كانت تحاول إقناع نفسها أن الابتعاد عن شاهين هو القرار الصحيح، لكن قلبها كان يهمس في كل مرة بالحقيقة التي ترفض الاعتراف بها.. أنها لم تعد تملك القدرة على العيش بعيدًا عنه كما كانت تدعي.
****************************
مرت عدة أيام ثقيلة، بدت وكأنها أشهر كاملة على الجميع.
خرجت أروى من المشفى أخيرًا وعادت إلى الفيلا، لكن خروجها لم يكن يعني أنها تعافت. فما زالت آثار ما حدث تلاحقها في كل لحظة، ترتجف من أقل صوت مفاجئ، وتستيقظ أحيانًا من نومها على كوابيس تعيد إليها تفاصيل تلك الليلة المرعبة. كان الخوف قد ترك بصمته داخل روحها الصغيرة، بينما ظل الحزن ساكنًا في عينيها رغم كل محاولات من حولها لإعادتها كما كانت.
أما ترنيم وغريب، فقد وصلت علاقتهما إلى مرحلة مؤلمة من الجفاء. لم تقع بينهما مشاجرات جديدة، ولم ترتفع الأصوات، لكن الصمت الذي استقر بينهما كان أكثر قسوة من أي خلاف. تعمد غريب الابتعاد عنها طوال تلك الأيام، وكأن مجرد النظر إليها أصبح يؤلمه، بينما كانت هي تراقب المسافة التي تكبر بينهما يومًا بعد يوم دون أن تعرف كيف تعيد الأمور إلى ما كانت عليه.
وجواهر لم تكن أفضل حالًا. فمنذ اليوم الذي تركت فيه المشفى وذهبت إلى رنيم، وكأن جواد اختفى من حياتها تمامًا. لم يحاول الاتصال بها ولو لمرة واحدة، ولم يكن يجيب على اتصالاتها مهما كررتها. كانت تنتظر رنين هاتفها لساعات طويلة، ثم تنام وهي تحدث نفسها بأنه ربما سيتصل غدًا، لكن الغد كان يأتي فارغًا كاليوم الذي سبقه. ومع كل يوم يمر، كانت تشعر أن شيئًا بداخلها ينكسر ببطء، حتى أصبحت تحيا بجسدها فقط، بينما قلبها عالق في مكان آخر ينتظر شخصًا لم يعد يلتفت إليه.
أما شاهين، فلم يترك رنيم لحظة واحدة طوال فترة علاجها. كان حاضرًا في كل تفصيلة صغيرة، يسبق طلباتها قبل أن تنطق بها، ويحيطها برعاية جعلتها تشعر بالأمان رغم كل ما تمر به. لكن ذلك الأمان نفسه كان يزيد عذابها. فكلما ازداد قربه منها، ازداد تمسك قلبها به، وكلما شعرت بحبه الصادق، عاد الماضي ليقف بينهما كجدار لا تستطيع تجاوزه. كانت تعيش صراعًا مرهقًا بين قلب يعشقه بكل ما فيه، وعقل يرفض الاستسلام لهذا الحب مهما كان الثمن.
في المشفى…
خرجت جواهر من الغرفة بعدما أخبرتهما أنها ستذهب لإحضار مشروب دافئ، تاركة خلفها هدوءًا قصيرًا جمع شاهين ورنيم وحدهما.
لم ينتظر أكثر من لحظة. تحرك نحوها وجلس بجوارها على السرير، ثم جذبها برفق إلى أحضانه وكأنه كان ينتظر خروج جواهر منذ وقت طويل. استقرت رأسها على صدره رغماً عنها، فارتسمت على شفتيه ابتسامة راضية قبل أن يقول بنبرة مازحة:
“مش عارف اخدك في حضني من ساعة ما بنت عمتك جات، اخدتك مني على فكرة.”
ابتسمت بخجل وهي تشعر بحرارة أنفاسه القريبة منها، وحاولت التظاهر بالاعتراض رغم أن قلبها كان يخفق بعنف داخل صدرها.
“ع على فكره مينفعش اللي انت بتعمله ده خالص، م ممكن حد يدخل علينا دلوقتي.”
رفع وجهها إليه بأطراف أصابعه، وأجبرها برفق على النظر داخل عينيه. كانت نظرته تحمل ذلك الإصرار الذي أصبح يخيفها بقدر ما يربكها.
“في ايدك تخرسي لسان الكل وتوافقي أننا نتجوز، وتبقى مراتي على سنة الله ورسوله.”
تعثرت أنفاسها للحظة، وانخفضت عيناها بعيدًا عنه وهي تحاول التمسك بقناعاتها التي بدأت تنهار أمامه يومًا بعد يوم.
“و وانا قلتلك م مستحيل ده يحصل، بناتك أحق بيك.”
لم تعجبه إجابتها كالعادة، لكنه لم يغضب. مال نحوها ووضع قبلة سريعة على شفتيها قبل أن يقول بحب:
“مافيش حاجه اسمها مستحيل، انتي بتاعتي برضاكي أو غصب عنك، أنا سيبك تدلعي بمزاجي، بس في مره هتلاقيني اخدك عند المأذون غصب عنك وبتجوزك.”
اشتعل وجهها بحمرة قوية، وحاولت الابتعاد عن أحضانه وهي تشعر أن وجودها قريبًا منه بهذا الشكل أصبح يضعف مقاومتها أكثر مما ينبغي.
“ب بتحلم يا شاهين، وسيبني بقى علشان زمان جواهر جايه متشوفناش كده.”
لكن شاهين لم يكن مستعدًا للتخلي عنها بهذه السهولة. شدها إليه أكثر، ثم طبع قبلة حانية على خدها وهو يقول بثقة جعلت قلبها يرتجف:
“أنا مستعد احقق احلامي دلوقتي يا رنيم، وجنان بجنان هبعت اجيب المأذون وهتخرجي من هنا وانتي مراتي.”
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وهي تحدق به غير مصدقة إن كان يمزح أم يتحدث بجدية كاملة.
“ش شاهين بلاش جنان واوعى كده سيبني.”
اقترب منها أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس وجهها المرتبك، بينما كانت نظراته معلقة بعينيها ويحاول أن يحفظ ملامحها داخل قلبه قبل أن ينطق بما يشعر به. وقال بصوت هامس:
“أنا من يوم ما عرفتك وكل حاجه بعملها مجنونه، يا رنيم! حبك خلاني مستعد أعمل أي حاجه حتى لو مش منطقيه، وانا بقى طالبه معايا أننا نخرج من هنا وانتي مراتي.”
ارتجف قلبها داخل صدرها بعنف وهي تستمع إليه. كانت تعرف صدقه جيدًا، وتعرف أن هذا الرجل قادر على تنفيذ أي جنون يخطر بعقله إذا كان الأمر يتعلق بها.
مال نحوها أكثر، وكاد أن يختصر المسافة الفاصلة بينهما، لكن الباب انفتح فجأة.
انتفضت رنيم وكأنها أُمسكت متلبسة بجريمة، وابتعدت عنه بسرعة جعلت الألم يلسع كتفها المصاب، بينما ارتبكت أنفاسها واحمر وجهها بالكامل.
أما جواهر فتجمدت للحظة عند الباب، ثم أشاحت بنظرها سريعًا إلى الأرض وهي تدرك أنها دخلت في توقيت غير مناسب إطلاقًا. وقالت بخجل:
“سوري معرفش انكم بتتكلموا.”
أغلق شاهين عينيه بضيق وهو يلعن حظه في سره، ثم استقام واقفًا محاولًا استعادة هدوئه. وقال:
“ادخلي ادخلي.”
وضعت رنيم كفها على وجهها بخجل بالغ، بينما تنحنحت أكثر من مرة محاولة الهروب من الإحراج الذي ابتلعها بالكامل.
تحركت جواهر إلى الداخل، وضعت كوب المشروب على المنضدة القريبة، ثم جلست بجوار رنيم وهي تنظر بينهما بنظرة ذات مغزى لم تخفي على أي منهما. وقالت:
“أنا من رأي تتجوزوا ويتقفل عليكم باب واحد، وابقوا اعملوا اللي انتوا عايزينه براحتكم.”
التقط شاهين الجملة فورًا وكأنه كان ينتظر من يدعمه. وقال سريعًا:
“ما هو ده اللي كنا بنتكلم فيه دلوقتي.”
رمقته رنيم بنظرة متضايقة وهي تشعر أن الجميع اتفق عليها فجأة. وقالت:
“قلت مستحيل ده يحصل يعني مستحيل.”
تنهدت جواهر وهي تهز رأسها بيأس من عنادها المستمر. وقالت بنبرة هادئة:
“رنيم كفايه عناد لحد كده، انتي بتحبيه ومتقدريش تعيشي من غيره، وهو بيحبك وميقدرش يعيش من غيرك، يبقى اتلموا بقى واتجوزوا.”
تسللت الكلمات إلى قلبها رغم مقاومتها. ظلت صامتة، تحدق أمامها دون أن ترد، وكأنها تخوض حربًا كاملة داخل عقلها لا يراها أحد.
ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليعيد الأمل إلى شاهين من جديد.
التفت إلى جواهر مبتسمًا وقال:
“افهم من سكوتك ده انك موافقه؟”
لم تجبه. ظلت غارقة داخل أفكارها، بين ما تتمناه وما تخشاه.
وفي اللحظة التي أوشكت فيها على الكلام، قطع الصمت صوت هاتف شاهين.
أخرج الهاتف ونظر إلى الشاشة باستغراب بعدما وجد رقمًا مجهولًا.
رفع حاجبيه بحيرة قبل أن يجيب الاتصال. لكن ما إن استمع إلى الكلمات الأولى حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اختفت الابتسامة من وجهه دفعة واحدة، واتسعت عيناه بصورة أقلقت الموجودتين معه.
نظرت إليه رنيم وجواهر بقلق متزايد. وقالت:
“فيه ايه يا شاهين؟”
جاءه صوت رجولي بارد عبر الهاتف:
“افتح الاسبيكر.”
شعر شاهين أن الأمر أخطر مما توقع، فضغط على مكبر الصوت دون أن يرفع عينيه عن نقطة ثابتة أمامه.
وسرعان ما دوى الصوت داخل الغرفة:
“بنتك إيما معايا، ولو عايز تنقذها بجد تيجي انت ورنيم على العنوان اللي هبعته ليك، وإياك دماغك توزك انك تبلغ الشرطه، أو انك تيجي لوحدك من غير رنيم، علشان وقتها هتاخد بنتك جثه.”
تجمد الهواء داخل الغرفة. شعرت رنيم بأن الدم انسحب من وجهها بالكامل، بينما شهقت جواهر بصدمة وهي تنظر إلى شاهين.
أما هو فقد تحولت ملامحه في لحظة واحدة إلى شيء مخيف.
اشتعل الغضب داخل عينيه حتى بدا وكأنه على وشك تحطيم الهاتف بين أصابعه. وقال بصوت خرج من بين أسنانه:
“اقسم بالله لو قربت لبنتي هموتك، ابعت العنوان وانا هجيلك ومش محتاج ابلغ الشرطه علشان روحك أنا هطلعها بأيديا دول.”
تعالت ضحكات الرجل من الجهة الأخرى بصورة استفزازية. وقال:
“بلاش تقول كلام انت مش قده، وتيجي انت وهي وإياكي تفكر تستهتر بكلامي.”
نظرت رنيم إلى جواهر للحظة قصيرة قبل أن تعود بعينيها إلى شاهين. كان القلق ينهش قلبها بقوة. وقالت دون تردد:
“قوله موافق أنا جايه معاك يا شاهين.”
التفت إليها فورًا. كانت عيناه محمرتين من شدة الغضب، لدرجة جعلتها تتراجع خطوة صغيرة دون وعي. ثم قال من بين أسنانه:
“ابعت العنوان.”
أغلق الخط بعدها مباشرة.
وبمجرد أن انتهى الاتصال، التفت إليها بنظرة تحذيرية لا تحتمل النقاش. وقال:
“إياكي تتحركي من هنا فاهمه؟”
ثم نظر إلى جواهر:
“متخلهاش تتحرك من هنا يا جواهر وانتي كمان وانا هروح اجيب بنتي وجاي.”
نهضت رنيم من فوق السرير بسرعة رغم الألم الذي اجتاح كتفها فور وقوفها.
اقتربت منه بخطوات متعثرة وهي تحاول منعه من المغادرة بهذه الطريقة. وقالت بترجي:
“ارجوك يا شاهين مش وقت عنادك ده البنت في خطر ومعنى أنه طلبني أنا وأنت بالاسم، يبقى ناوي على شر بجد.”
أطبق على فكيه بقوة حتى برزت عضلات وجهه. كان ممزقًا بين خوفه على ابنته وخوفه عليها هي. وقال بتحذير واضح:
“بلاش جنان، أنا مستحيل اعرض حياتك للخطر يا رنيم، بنتي أنا هعرف ارجعها كويسه.”
ثم مال سريعًا وقبل رأسها وكأنه يعتذر لها دون كلمات.
وبعدها استدار وغادر الغرفة مسرعًا قبل أن تمنعه مرة أخرى.
ظلت رنيم تنظر إلى الباب المغلق بعد خروجه، بينما كان القلق يلتهمها لحظة بعد أخرى.
وفجأة أضاء هاتفها معلنًا وصول رسالة جديدة. التقطته باستغراب.
وما إن فتحت الرسالة حتى اتسعت عيناها بصورة واضحة.
شحب وجهها بالكامل وهي تحدق في الشاشة غير مصدقة ما تراه. وقالت:
“العنوان اللي بنت شاهين فيه، حد بعته ليا.”
انتفضت جواهر من مكانها والتفتت إليها بصدمة. وقالت بقلق:
“وانتي ناويه تعملي ايه؟ اوعي يكون اللي في دماغي صح يا رنيم؟”
ظلت رنيم تنظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ طويلة. كانت تعلم جيدًا أن بقاءها هنا هو القرار الصحيح.
لكنها كانت تعلم أيضًا أن إيما في خطر.
أغمضت عينيها للحظة، وأطلقت زفرة مثقلة بالخوف والقلق قبل أن تقول…
*************************