رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثاني والخمسون
مرت عدة شهور أخرى، لكن الزمن لم يكن كريما بأي حال مع رنيم أو شاهين، كان كل منهما يعيش معركته الخاصة بصمت، دون أن يعلم الآخر حجم الخراب الذي يتركه الغياب داخله.
شاهين ظل متمسكا بموقفه، يراها أحيانًا من بعيد ويتجاهلها وكأنها لا تعني له شيئا، بينما كان قلبه في الحقيقة بين كلما وقعت عيناه عليها. حاول كثيرا أن يقنع نفسه أن ما يفعله هو الصواب، وأن جرحه أكبر من أن يسامح بسهولة، لكن الحقيقة التي كان يهرب منها دائما هي أنه لم يتوقف عن حبها يوما واحدا.
اما رنيم فكانت تعيش أيامها وكأنها تسير داخل نفق طويل لا نهاية له. صحيح أن وجود شاهين في الشقة المقابلة أعاد إليها شيئا من الطمأنينة بعدما عاشت شهورا كاملة لا تعرف عنه شيئا.
لكن رؤيته كل يوم دون أن تستطيع الوصول إليه كانت نوعا آخر من العذاب. كانت تشعر أن قلبها يفقد جزءا منه مع كل صباح يمر دون أن تسمع منه كلمة واحدة، ومع كل مرة يمر بجوارها وكانه لا يراها، ومع ذلك كانت تتمسك بالأمل بعناد غريب روحها ترفض الاعتراف بأن النهاية قد تكون اقتربت
وفي هذا اليوم، كان للبيت روح مختلفة تماما.
عاد الحماس يدب بين الجدران استعدادا لاستقبال غريب وترنيم بعد غياب طويل عن أرض الوطن. امثلات الفيلا بالحركة منذ الصباح الباكر، وانشغلت سمية ورنيم وجواهر في إعداد كل شيء كما يليق بعودة الأحبة، بينما ذهب جواد بنفسه إلى المطار ليستقبلهم.
كانت رائحة الطعام تنتشر في المكان كله، والحرارة المرتفعة جعلت الجميع يشعر بالإرهاق. خاصة بعد ساعات طويلة قضوها داخل المطبخ
وقفت جواهر أخيرا تستند بيدها إلى الرخامة والتقطت أنفاسها بتعب واضح، ثم قالت بنفاذ صبر:
هو مكانش ينفع نجيب أكل جاهز من بره؟ أنا تعبت من وقفت المطبخ دي والجو حر أوي " التفتت إليها سمية بنظرة تحمل مزيجا من اللوم والضحك وقالت:
تعبني من يوم واقفه فيه في المطبخ ؟ أمال خالتك ترنيم تعمل أيه ؟ اللي من ساعة ما جابت جواد و أروى مش بتسمح لحد يعملهم الأكل بأيديهم خالص ومن يومها وهي اللي بتحضر الأكل ليهم، صحيح بنات مدلعه "
رفعت رنيم رأسها من فوق الأطباق التي كانت ترتبها وقالت بضيق مصطنع:
" على فكرة بقى أنا كمان بحب أقف في المطبخ، وأعمل الأكل بأيدي، بنتك هي اللي خيخه "
رمقتهم جواهر بنظرة مستاءة وهي تمسح العرق عن جبينها وقالت:
خلاص سيبت ليكم أنتوا النشاط كله، وأنا هطلع أريح شوية في أوضى لحد ما يوصلوا."
ثم تركتهم بالفعل واتجهت نحو الدرج، بينما ظلت سمية تتابعها بعينيها حتى اختفت في الأعلى. عادت بنظرها بعد ذلك إلى رنيم.
كانت تراقبها منذ فترة تراقب الحزن الساكن في ملامحها رغم محاولاتها المستمرة لإخفائه. وتراقب ذلك الشرود الذي أصبح جزءا ثابتا منها اقتربت منها ببطء وربتت على ظهرها بحنان ام تعرف جيدا ما يدور داخل قلب ابنتها، ثم سألتها بهدوء:
عملتي ايه مع شاهين يا رنيم؟"
توقفت يد رنيم للحظة فوق الطبق الذي كانت ترتبه، ثم تنهدت تنهيدة طويلة خرجت محملة بكل ما عجزت عن قوله خلال الشهور الماضية، وقالت بصوت مختنق
ولا حاجه يا عمتو كل حاجه زي ما هي"
شعرت سمية بانقباض قلبها عليها، فأمسكت يدها ونظرت إليها بحب صادق وقالت: طيب كان فيه شاب طيب أوي وممتاز، كان عنده شركة صغيره من أيام عمك حسام، ودلوقتي بقى ما شاء الله شركته كبيره وليها أسمها، وهو كلمني وطلب أيدك أيه رأيك؟" رفعت رنيم عينيها إليها، وامتلأتا بالدموع فوزا، لم تغضب، ولم تنفعل، بل ابتسمت تلك
الابتسامة الموجوعة التي أصبحت ترافقها كثيرا، ثم قالت:
يا عمتو، أنا ما فيش راجل يملى عينيا إلا شاهين، أنا اتخلقت ليه هو وبس، حتى لو هو مش عايزني، أنا مستحيل أكون لغيره هظلم أي حد هيدخل حياتي."
أغمضت سمية عينيها لثوان ثم زفرت بضيق وهي تقول:
يعني هتفضلي كده حياتك كلها ؟ من غير جواز؟ يا بنتي دوري على مصلحتك، هو كده كده كان متجوز وعنده بنتين مالين عليه حياته، وفي الكبر هيسندوا، إنما أنتي وحيدة أنا أن عيشت ليكي دلوقتي مش هعيش ليكي العمر كله نفسي أطمن عليكي في بيت جوزك يا بنتي عايزة لما أقابل أبوكي، أقابله وأنا واثقه أني اتميت مهمتي معاكي "
شعرت رنيم بوخزة مؤلمة في قلبها وهي تسمع كلماتها كانت تعرف أن كل حرف تقوله نابع من خوفها عليها، لكنها في الوقت نفسه كانت تعرف أنها عاجزة عن تنفيذ ما تطلبه منها، اقتربت منها واحتضنتها بقوة وقالت بصوت مبحوح من شدة التأثر:
"ربنا يبارك في عمرك يا عمتو ويخليكي ليا يارب بس علشان خاطري بلاش تتكلم في الموضوع ده تاني، أنا مستحيل أكون لراجل تاني غير شاهين الموضوع منتهي بالنسبالي" تنهدت سمية بحزن وريتت على ظهرها بحنو شديد، ثم قالت:
"ربنا يهديه ليكي، ويسعدك يا حبيبتي، ويريح قلبك يارب"
ابتعدت رنيم قليلا عن حضتها وابتسمت ابتسامة حزينة وهي تحاول تغيير الحديث: يارب يا حبيبتي، يلا بقى نكمل اللي ورانا قبل ما يوصلوا كفايه اللي خلعت فوق دي. "
ضحكت سمية رغم حزنها، وعادت معها إلى تحضير الطعام. وبينما كانتا تتحركان داخل المطبخ بمحبة واشتياق انتظارا لوصول الأحبة، ظل قلب رئيم معلقا في مكان آخر تماما، خلف باب
الشقة المقابلة، حيث يسكن الرجل الوحيد الذي ما زالت تعتبره وطنها كله.
بالشركة عند شاهين....
كان شاهين يجلس خلف مكتبه العريض داخل مكتبه الفخم، لكن عقله لم يكن حاضرا بين الملفات المكدسة أمامه ولا بين العقود التي تنتظر توقيعه كانت عيناه معلقتين بنقطة مجهولة أمامه، بينما روحه تائهة في مكان آخر تماما، مكان لا يغادره مهما حاول الهروب منه. منذ شهور وهو يحاول إقناع نفسه بأنه تجاوز الأمر، وأن ما بينه وبين رنيم انتهى يوم اختارت أن تكتب اسمها على اسم رجل آخر، لكنه في كل مرة كان يكتشف أنه يكذب على نفسه أكثر مما يكذب
على أي شخص آخر.
اشتاق إليها بطريقة أرهقته.
اشتاق لصوتها الذي كان يملأ يومه، ولضحكتها التي كانت قادرة على انتزاعه من أسوأ حالاته. ولرائحتها التي كانت تسكن ذاكرته بعناد لا يرحل حتى تفاصيلها الصغيرة التي لم يكن ينتبه إليها سابقا أصبحت تطارده الآن في كل مكان، في مكتبه، وفي منزله، وفي وحدته الطويلة التي لم يستطع التأقلم معها رغم مرور الوقت.
كان مستغرقا تماما في أفكاره حتى إنه لم ينتبه إلى صوت الطرقات على الباب، ولم يشعر
بدخول مروان إلى المكتب من الأساس.
دلف مروان إلى الداخل بهدوء، ثم أغلق الباب خلفه وتقدم حتى جلس على المقعد المقابل للمكتب. ظل يراقب شاهين لثوان وهو غارق في شروده، قبل أن يطرق بأصابعه على سطح
المكتب عدة طرقات خفيفة حتى يعيده إلى الواقع.
انتقض شاهين قليلا وكأنه عاد من مكان بعيد، ثم رفع عينيه إليه وقال بحزن واضح
خير يا مروان فيه ايه؟"
نظر إليه مروان طويلا قبل أن يقول بنيرة هادئة:
" خبط وأنت مسمعتش كنت سرحان طالما لسه بتحبها كده، ما تسامحها واتجوزول"
ارتسم الضيق على ملامح شاهين فوزا كلماته أصابت جرحا مفتوحا لم يلتتم بعد، ثم قال
بصوت مختنق يحمل قدرا هائلا من المرارة
"أسامحها؟ أنت أكثر واحد عارف الحالة اللي مريت بيها بسببها، وعارف أن بسبب كنت بحميها قتلت أمي بأيدي، وبتعالج علشان اتخطى ده، وعارف أني محبيتش حد في حياتي قدها، وبعد ده كله جات ودبحتني بأيديها بسكينه بارده وكتبت اسمها على اسم راجل غيري، حتى لو بغرض حمايتي، كان فيه مليون طريقة غير أنها تتجوزه، وبعد ده كله جاي تطلب مني أسامحها، مبقاش
ينفع يا مروان، نهاية حكايتنا كتابتها هي بأيديها."
صمت مروان للحظات وهو يتأمل أخيه جيدا، كان يرى التعب الذي يسكن عينيه، ويرى ذلك الصراع الذي ينهشه من الداخل منذ شهور. لم يكن شاهين يتحدث الآن كرجل غاضب فقط، بل
كرجل مجروح فقد ثقته في أكثر شخص أحبه في حياته.
هر مروان رأسه رافضا وقال:
"لا مش ناسي، وعارف كل اللي أنت بتقوله ده، بس شايف برضه أنت بتتعذب إزاي في بعدها عنك، شايف أنك مهما حاولة تنكر الحقيقه أنك لسه بتحبها ومش قادر تعيش من غيرها، مش
هتقدر ابدأ یا شاهین
أشاح شاهين يوجهه إلى الجانب، كان لا يحتمل مواجهة الحقيقة التي يحاول الجميع دفعه إليها، ثم قال بصوت خافت خرج مثقلا بالألم :
"أن يحبها ومش قادر أعيش من غيرها، بس برضه مش قادر اسامحها."
كانت تلك هي المعضلة التي حاصرته طوال الشهور الماضية.
يمكن لو كان يكرهها فعلا لكان الأمر أسهل عليه بكثير، فالكراهية تمنح صاحبها قدرة على الجسم والابتعاد، أما الحب حين يختلط بالخذلان فيتحول إلى سجن لا يستطيع الإنسان الهروب منه مهما حاول.
كان شاهين عالقا بين قلب لا يعرف سوى رنيم ولا يريد غيرها، وبين جرح غائر كلما حاول أن يغفر أو يلين تذكره من جديد في كل مرة يضعف فيها ويقرر أن يقترب منها، كانت الذكريات تعود لتقف أمامه بكل قسوتها، فتوقظه على الألم الذي عاشه، وتعيده إلى نقطة البداية وكان
شيئا لم يتغير.
لهذا ظل يدور داخل الدائرة نفسها منذ شهور يشتاق إليها حد الاختناق، ثم يبتعد عنها خوفا من أن ينكسر مرة أخرى، فيعذب نفسه بها ويحرم نفسه منها في الوقت ذاته.
تنهد مروان بضيق وقلة حيلة، ثم قال:
"براحتك، أنت أدرى بمصلحتك، همتي أنا بقى علشان هروح أخد خطيبتي ونتمشى شوية ونتغدا برم"
رفع شاهين عينيه إليه، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة رغم كل ما بداخله، ثم قال بحتو ماشي يا حبيبي روح، ربنا يسعدكم."
ابتسم له مروان وغادر المكتب، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
ظل شاهين يتابع الباب بعينيه حتى اختفى مروان تماما من أمامه، ثم تنهد بوجع عميق وأرجع ظهره إلى المقعد. رفع رأسه إلى الأعلى وأغلق عينيه للحظات طويلة، محاولا تهدئة تلك الفوضى
التي لا تهدأ داخله أبدا.
كان يشعر أحيانا أن قلبه يخونه.
كلما حاول أن يقنع نفسه بأنه اتخذ القرار الصحيح، عادت صور رنيم لتطارده من جديد. وجهها وهي تبكي صوتها وهي تنادي اسمه نظرتها المنكسرة كلما قابلته وحاولت الاقتراب منه. كان
يرى وجعها جيدا، وربما لهذا السبب كان يتعذب أكثر منها.
فتح عينيه ببطء، ثم مال برأسه إلى الخلف وهو يضغط على أسنانه بقوة.
كانت كل دقة في قلبه تدفعه إليها.
وكان كل جزء بداخله يصرخ طالبا منه أن يذهب إليها الآن، أن يحتضنها ويخبرها أن غيابها كسر فيه أشياء كثيرة، وأنه لم يتوقف يوما عن حبها.
الخطوة التي يتوق إليها قلبه بكل هذا الجنون.
لكن جرحه كان يقف بينهما كحائط ضخم يذكره في كل مرة بما حدث، ويمنعه من أن يخطو
بعد شهور طويلة من الغياب، عاد غريب وترنيم وأروى أخيرا إلى أرض الوطن، كانت الرحلة كلها تمر على ترنيم حلم تخشى أن تستيقظ منه، فمنذ أن وطأت قدماها أرض المطار وهي تشعر بشوق جارف لكل شيء تركته خلفها الشوارع، الوجوه الذكريات، وحتى الهواء الذي كانت تتنفسه هناء استقبلهم جواد بلهفة واضحة لم يحاول إخفاءها، وبعد عناق طويل ومصافحات
امتزجت فيها الفرحة بالاشتياق، اصطحبهم بسيارته نحو الفيلا.
طوال الطريق كانت ترنيم تنظر من نافذة السيارة بصمت، تتأمل الطرقات التي افتقدتها، وتشعر أن شيئا داخلها يعود إلى مكانه الصحيح مع كل متر يقتربون فيه من المنزل، وما إن توقفت السيارة أمام الفيلا حتى فتحت الباب سريعا وترجلت منها قبل الجميع، قلبها قد سبقها إلى
الداخل منذ وقت طويل.
وقفت للحظات أمام المنزل تتأمله بعينين امتلانا بالدموع، ثم تحركت يبطء نحو الباب الرئيسي. بينما تبعها غريب و أروى وجواد.
في الداخل، وما إن وقعت عينا سمية عليها، حتى اندفعت نحوها دون تفكير، احتضنتها بقوة كانت تعوض شهور الفراق كلها في تلك اللحظة، وانهمرت دموعها وهي تقول باشتياق صادق
وحشتيني أوي يا بنت خالتي، أول مرة نبعد عن بعض كل ده."
تمسكت بها ترنيم بقوة لا تقل عن تمسك سمية بها، وشعرت للحظة أنها عادت فعلا إلى بينها، ثم قالت بصوت مختنق تأثرا:
آه يا سميه لو تعرفي أنتي وحشتيني قد أيه؟ أنتي نصي الثاني يا بنت خالتي، رفيقة عمري كله بحلوة وبمره."
كانت المشاعر الصادقة تملأ المكان لدرجة أن جواهر لم تستطع مقاومة رغبتها في المزاح، فقالت وهي ترفع حاجبيها:
طيب خلوا شويه لينا، أول مرة أشوف اثنين حموات يحبوا بعض "
انفجرت الضحكات في أرجاء المكان، وتبددت لحظات التأثر قليلا، فتقدمت ترنيم نحو جواهر واحتضنتها بقوة وقالت:
يا بت بطلي لماضة، أتجوزتي المفروض تعقلي مش تتجنني أكثر."
ضحكت جواهر وهي ترد بسرعة:
بنت الوز عوام، وأنا طالعه ليكي، يا توتم "
رفعت ترنيم يدها و ضربتها بخفة فوق رأسها، ثم وقعت عيناها على رنيم الواقفة قليلا بعيدا، لم تنتظر ترنيم ثانية واحدة.
تراقب المشهد بابتسامة خجولة تخفى خلفها الكثير من الحزن.
اقتربت منها سريعًا واحتضنتها بقوة قبل أن تنطق بأي كلمة، ثم قالت باشتياق حقيقي:
" وحشتيني اوي يا حبيبتي"
ابتسمت رنيم ابتسامة حزينة وريتت على ظهرها قائلة:
حمد الله على السلامة مصر نورت."
أبعدتها ترنيم قليلا وأمسكت وجهها بين كفيها، ثم نظرت طويلا إلى عينيها اللتين فقدنا الكثير
من بريقهما خلال الشهور الماضية، وقالت بهدوء:
"أنا رجعت، وربنا يقدرني وأرجع كل حاجة زي ما كانت"
فهمت رنیم مقصدها فورا.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة موجوعة وهي تقول:
"معتقدش أن فيه حاجه هترجع زي ما كانت للأسف اللي أنكسر صعب يتصلح."
داعبت ترتیم خصلات شعرها برفق وقالت بثقة :
مش على ترنيم الدسوقي سبيها عليا ومتقلقيش "
ثم أتبعت كلامها بغمزة صغيرة جعلت رنيم تبتسم رغما عنها، وشعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل أن الأمل ما زال قادرا على إيجاد طريقه إلى قلبها.
بعد ذلك التف الجميع حول أروى وغريب، وتوالت العناقات والترحيب والكلمات المليئة بالشوق قبل أن ينتقلوا جميعًا إلى غرفة الطعام حيث بدأت الأطباق توضع فوق المائدة وسط أجواء دافئة افتقدوها منذ زمن.
وقبل أن يبدأوا تناول الطعام بدقائق، دخل تامر ومعه أحمد، وما إن وقعت عيناه على المائدة حتى قال بمرح
"أقسم بالله أنا والولا ده حمواتنا بتحبنا زيطين نفسنا على الأكل على طول" ضحك الجميع، ثم جلسوا حول الطاولة، وتبادلوا الأحاديث والضحكات حتى انتهوا من تناول
الطعام.
بعدها انتقلوا جميعا إلى الصالة الواسعة، حيث جلسوا في أجواء عائلية هادئة. ولم ينتظر أحمد
كثيرا قبل أن يقرر اقتحام الموضوع الذي يشغل باله منذ شهور اعتدل في جلسته وقال
مباشرة:
"أنا يقول ما دام رجعتوا مصر، نعمل الخطوبة الأسبوع الجاي، علشان أنا تعبت."
شعرت أروى بالخجل فوزا، وانخفضت عيناها نحو الأرض، بينما ابتسم أحمد لها يحب واضح
قبل أن يلتفت إلى غريب ويسأله:
"ها أيه رأيك؟"
نظر غريب إلى ابنته طويلا. رأى التوتر داخل عينيها. ورأى الخوف.
ورأى أيضا السعادة التي تحاول إخفاءها.
ثم التفت إلى جواد، فوجد الأخير يومي برأسه موافقا، قبل أن ينظر إلى ترنيم التي أومات هي
الأخرى بابتسامة مشجعة. عندها عاد بنظره إلى أحمد وقال :
على خيرة الله، ربنا يسعدكم يارب"
وما أن نطق بتلك الكلمات حتى امتلات الصالة بالتهاني والفرحة.
أما أروى فكانت تنظر إلى الجميع وكأنها لا تصدق أن هذه اللحظة جاءت أخيرا.
وسط كل تلك السعادة، كانت رنيم تبتسم لهم وتشاركهم فرحتهم، لكنها في أعماقها كانت تشعر
كانت تحلم دائما.
لكن قبل أن يستمر أحد في الحديث، وقفت جواهر فجأة.
بفراغ مؤلم. تمنت لو كان شاهين موجودا بينهم في هذه اللحظة، لو كان يجلس بجوارها كما
التفتت إليها جميع الأنظار، حتى جواد نفسه بدا مستغربا.
بلعت ريقها بتوتر ثم قالت:
"يا جماعه أنا عندي خبر حلو ليكم "
ساد الصمت للحظات.
ثم نظرت إليهم جميعا قبل أن تضع يدها فوق بطنها وتقول:
"أنا حامل !"
اتسعت أعين الجميع بصدمة حقيقية.
بعدم تصديق، ثم قال:
اما جواد فبدا وكأنه لم يستوعب ما سمعه نهض ببطء من مكانه واقترب منها وهو يحدق فيها
"أنتي قلتي أنتي أيه ؟"
ابتسمت له بعشق وقالت:
"أنا حامل يا جواد هتبقى أحلى وأجمل بابي في الدنيا"
وفي اللحظة التالية كان قد جذبها إلى أحضانه ورفعها عن الأرض وهو يدور بها بسعادة طفل
حصل على أغلى هدية في حياته، ثم قال بصوت اختلطت فيه الضحكة بالدموع:
"مبروك يا أجمل مامي، مبروك يا جوهرتي "
وقفت ترنيم وقد امتلأت عيناها بالدموع، ثم اقتربت منها واحتضنتها بقوة وهي تقول بسعادة حقيقية:
الدنيا تاني "
"مبروك يا حبيبتي، شكراً أنكم خلتوني تيته أجمل هدية ربنا رزقني بيها، مش عايزة حاجه من
أما غريب، فظل واقفا للحظات يراقب المشهد كانت عيناه تقولان الكثير مما عجزت الكلمات عن التعبير عنه.
اقترب من جواد واحتضنه بقوة ثم قال بفخر أبوي واضح
"مبروك يا حبيبي، أيوه كده راجل من ضهر راجل"
بعدها التف الجميع حول جواهر وجواد.
تعالت الضحكات واختلطت التهاني بالدعوات.
وأخذ تامر وأحمد يمازحان جواد الذي لم يكن قادرا على التوقف عن الابتسام.
أما سمية فكانت تمسح دموع فرحتها بين الحين والآخر، بينما احتضنت أروى جواهر أكثر من
مرة وهي تبارك لها.
وفي وسط كل ذلك امتلأ البيت بالحياة والدفء من جديد.
وبدا وكأن هذه الليلة جمعت لكل فرد منهم سببا جديدا للفرح، حتى وإن كان هناك قلب واحد ما
زال ينتظر اكتمال سعادته بعودة صاحبه إليه من جديد.
في صباح يوم جديد....
استيقظت رنيم كعادتها بعد ليلة أخرى لم تنم فيها إلا ساعات متقطعة، أنهكها فيها التفكير
والاشتياق أكثر مما أرهقها السهر نفسه. وقفت أمام المرأة ترتدي ملابسها العملية ببطء شديد.
تؤدي كل حركة وكأنها مفروضة عليها لا تابعة من رغبة حقيقية لم تعد تلك الفتاة التي كانت
تستيقظ بحماس لتبدأ يوما جديدا في الشركة، ولم تعد تملك الشغف الذي كان يملأ عينيها كلما
تحدثت عن العمل أو خططت لمشروع جديد منذ رحيل شاهین تغيرت أشياء كثيرة داخلها.
حتى نفسها التي كانت تقاوم وتتشبث بالحياة بدأت تضعف شيئا فشيئا.
التقطت حقيبتها أخيرا وغادرت الشقة. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى استدارت تلقائيا نحو
الباب المقابل.
باب شقة شاهين.
ذلك الباب الذي أصبح جزءا من يومها، تنظر إليه كل صباح وكل مساء، تنتظر معجزة صغيرة
تحدث في أي لحظة.
وقفت تحدق فيه لثوان طويلة، ثم تنهدت بوجع مكتوم واتجهت نحو المصعد.
ضغطت الزر وانتظرته بصمت، وعندما وصل فتحت الباب ودلفت إلى الداخل، استندت بظهرها إلى الجدار المعدني وأغمضت عينيها للحظات تحاول أن تجمع ما تبقى لديها من قوة لتبدأ يوما جديدا يشبه كل الأيام السابقة.
وقبل أن ينغلق الباب تماما، امتدت يد سريعة تمنعه من الإغلاق.
رفعت رأسها تلقائيا. واتسعت عيناها فورا. كان شاهين.
دلف إلى الداخل بسرعة، لكنه ما إن رفع عينيه ورآها أمامه حتى تجمد في مكانه للحظة قصيرة. بدا يفكر بالاستدارة والخروج قبل أن يتحرك المصعد، إلا أن الأبواب أغلقت بالفعل، وبدأ المصعد
في الهبوط. ساد صمت تقيل بينهما.
نظرت إليه رنيم بحزن موجع، تم أغمضت عينيها ببطء، لم تعد تحتمل رؤيته بهذا القرب وعدم
القدرة على الوصول إليه، كانت دقات قلبها مرتفعة بصورة مؤلمة، حتى إنها ظنت للحظة أنه يستطيع سماعها، شعرت بأنفاسها تضيق داخل صدرها، لكنها رغم ذلك أخذت تستنشق الهواء بعمق، تحاول أن تملأ رئتيها برائحته التي اشتاقت إليها حد الجنون.
كم افتقدت تلك الرائحة افتقدت مجرد الوقوف بجواره. وافتقدت الإحساس بالأمان الذي كانت تشعر به لمجرد وجوده بالقرب منها.
أما شاهين فكان يقف وظهره إليها، متشبثا بكل ذرة قوة يملكها حتى لا يلتفت. لكنه رغم ذلك لم يكن غافلا عنها كما كانت تظن.
كان يراها كاملة من خلال انعكاسها على الجدار المعدني للمصعد
. كان يرى ارتجافة شفتيها. يرى الدموع التي تحاول حبسها. وذلك الاشتياق الذي لم تستطع
إخفاءه مهما حاولت.
رأى صدرها يرتفع ويهبط بقوة، الألم الذي ينهشها بصمت، وشعر بقلبه يتمزق وهو يدرك حجم المعاناة التي تعيشها وهي تقف على بعد خطوات منه فقط، ومع ذلك تبدو المسافة بينهما أبعد من أي وقت مضى، كانت لحظات قليلة.
لكنها مرت عليهما كعمر كامل.
وحين توقف المصعد أخيرا وفتحت الأبواب، خرج شاهين بسرعة واضحة، كان يهرب من نفسه قبل أن يهرب منها، لم يلتفت إليها، ولم يمنح قلبه الفرصة ليضعف أكثر مما ضعف بالفعل.
أما رنيم فظلت واقفة مكانها. لم تتحرك.
أبقت عينيها مغمضتين لثوان طويلة بعد خروجه ترفض الاعتراف بأن تلك اللحظة انتهت. بدأت تفتح عينيها ببطء شديد، رفعت نظرها إلى المكان الذي كان يقف فيه قبل لحظات، لكن لم يكن هناك أحد.
قد رحل بنفس السرعة التي يرحل بها دائما من حياتها كلما ظنت أنها اقتربت منه خطوة واحدة. حدقت في الفراغ أمامها لثوان طويلة، تحاول استيعاب أن تلك اللحظات القليلة التي جمعتهما انتهت بالفعل، وأنها عادت من جديد وحيدة كما كانت، وكأن وجوده معها منذ لحظات لم يكن سوى ومضة عابرة خطفت أنفاسها ثم اختفت تاركة خلفها وجعا أكبر واشتياقا أكثر قسوة. في تلك اللحظة انهارت اخر مقاومة كانت تتمسك بها.
انهمرت دموعها بغزارة، ووضعت يدها فوق فمها تحاول كنم شهقاتها التي خرجت رغماً عنها. شعرت بأن قلبها يعتصر داخل صدرها بقسوة لم تعد تحتملها، حتى إن قدميها لم تعودا قادرتين
على حملها.
انزلقت ببطء حتى جلست على أرضية المصعد.
ظلت تهز رأسها بالرفض مرارا كانت ترفض الواقع نفسه وترفض القسوة التي أصبحت بينهما.
وترفض فكرة أنه أصبح قريبا إلى هذا الحد، وبعيدا إلى هذا الحد في الوقت نفسه. اشتدت شهقاتها أكثر، وكادت أنفاسها تختنق من شدة البكاء، لكنها لم تكن تملك القدرة على التوقف.
وبعد وقت طويل لم تعد تعرف مقداره مسحت دموعها بصعوبة ونهضت من مكانها، كانت تشعر
بإرهاق شديد.
خرجت من المصعد بخطوات بطيئة، واتجهت نحو سيارتها.
صعدت إليها وأغلقت الباب خلفها، ثم وضعت رأسها للحظة فوق المقود وأغمضت عينيها محاولة استجماع نفسها.
وبعد دقائق أدارت المحرك وتحركت بالسيارة سريعا، متجهة نحو الشركة، بينما كان قلبها ما يزال عالقا داخل ذلك المصعد، في اللحظات القليلة التي وقفت فيها إلى جوار شاهين للمرة الأولى منذ شهور.
عند جواد وجواهر....
استيقظت جواهر فجأة من نومها، فتحت عينيها بسرعة ومدت يدها نحو الهاتف الموضوع فوق المنضدة الصغيرة المجاورة للفراش، وما إن وقعت عيناها على الساعة حتى انتفضت جالسة وقد اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، شعرت أن الوقت أفلت من بين يديها دون أن تشعر، وأنها تأخرت على موعد العمل بشكل لم تعتده أبدا.
تحركت بسرعة وهي تزيح الغطاء عنها، لكن حركتها المفاجئة أيقظت جواد الذي كان يغط في نوم عميق. فتح عينيه بصعوبة ورفع رأسه قليلا عن الوسادة، ثم نظر إليها بنعاس واضح وقال
بتساؤل:
فيه أيه يا بنتي على الصبح ؟"
كانت قد وقفت بالفعل إلى جوار السرير تبحث يعينيها عن ملابسها، فأجابته بسرعة وهي تتحرك
في أنحاء الغرفة بتوتر:
تأخرت على الشغل والنهاردة، فيه اجتماع مهم "
راقبها جواد للحظات، تم اعتدل في جلسته ومسح وجهه بيده قبل أن يقول بنبرة حاسمة لا
تقبل النقاش:
تعالي كملي نومك، مافيش نزول شغل يا روحي أنتي من هنا ورايح هترتاحي في البيت
وكويس أن ماما رجعت علشان تاخد بالها منك."
توقفت جواهر مكانها فوزا واستدارت نحوه، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيق واضح
"نعم يا أخويا؟ قاعدة بيت أيه دي اللي بتقول عليها ؟ هو أنت كل شوية تمنع نزولي لشركة يا جواد؟"
ابتسم رغما عنه على طريقتها الغاضبة، ثم نهض من فوق الفراش واتجه نحوها، وقف أمامها مباشرة وأحاطها بذراعه، ثم حرك يده برفق فوق بطنها الصغيرة وكأنها تحمل كنزا يخشى عليه
من نسمة هواء، وقال بحب صادق
"أنا خايف عليكي وعلى اللي في بطنك يا جوهرتي أنا الفرحه مش سبعاني من أمبارح مش مصدق نفسي أن هيكون عندي طفل منك، حبنا هيتجسد في حته مني ومنك يا جواهر، علشان
كده بطلب منك تريحي في البيت واللي أنتي عايزاه كله هنفذه ليكي، علشان خاطري"
تأثرت بكلامه رغم محاولتها التمسك بموقفها، فنظرت إليه بحزن وقالت بصوت أكثر هدوءا:
"يا حبيبي، وأنا والله فرحانه زيك وأكثر بس رنيم مبقتش زي الأول في الشغل، ومبقتش مركزة في حاجه، وأنا كنت باخد بالي من الشركة علشان متقعش تاني، ولو مروحتش يبقى الشركة
اللي بابا تعب فيها متقع وتعب بابا هيروح على الأرض"
كان يعرف جيدا أنها لا تتحدث عن الشركة فقط، بل عن شعورها بالمسؤولية تجاه كل شيء تركه والدها خلفه، وعن خوفها من أن يضيع مجهوده الذي أفنى عمره فيه، لذلك لم يغضب من
اعتراضها، بل رفع يده وربت على ذراعها بحنان وقال:
" متشغليش بالك انتي بحاجه وأنا هتصرف في موضوع الشركة ده.
عقدت حاجبيها باستغراب ونظرت إليه بعدم فهم قبل أن تقول:
هتتصرف ازاي مش فاهمة ؟"
اقترب منها أكثر وقبل خدها يحب ثم قال بابتسامة غامضة:
"أنتي مالك بقى مش أنتي خايفه على الشركة لتقع ؟ أنا هحلها."
زفرت بضيق وهي تعرف جيدا أن جواد عندما يتحدث بهذه الطريقة فمعنى ذلك أنه اتخذ قراره
بالفعل، ثم أومأت برأسها على مضض وقالت:
" ماشي، بس لو الشركة دي حصلها حاجه مش هسامحك يا جواد".
ضحك بخفة وهو ينظر إليها يعشق واضح، ثم مال بجسده وحملها بين ذراعيه فجأة، لتشهق هي وتتمسك بعنقه تلقائيا. تحرك بها نحو السرير ووضعها فوقه برفق شديد وكأنها قطعة من الزجاج بخشی آن تنكسر بين يديه، ثم انحنى وقبل رأسها يحب وجلس إلى جوارها وقال:
تقى فيا ومتقلقيش، يلا يا روحي كملي نومك وأنا هجهز وانزل الشغل "
نظرت إليه طويلا.
كانت ترى السعادة تملأ عينيه منذ علم يحملها، وترى ذلك اللمعان الذي لم يفارقه منذ الأمس وقد كان خبر الأبوة أعاد إليه جزءا جديدا من الحياة ابتسمت له بحب وأومأت برأسها أخيرا، ثم
تمددت فوق السرير وأغلقت عينيها محاولة الاستسلام للراحة.
اما جواد فظل يراقبها لتوان بابتسامة دافئة، ثم نهض واتجه نحو المرحاض وهو يشعر للمرة الأولى منذ سنوات أن الدنيا منحته سببًا جديدًا ليقاتل من أجله، وأن كل ما كان يفعله طوال عمره لم يعد يخصه وحده، بل أصبح هناك قلب صغير في الطريق ينتظره ليحمل اسمه ويشبهه ويشبه المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء آخر في هذه الحياة.
عند رنيم....
كانت الليالي الأخيرة تمر عليها ثقيلة بصورة لم تعد تحتملها. لم يعد النوم يزور عينيها إلا
الساعات قليلة متقطعة، وحتى حين تنام كانت تستيقظ مرهقة وكأنها لم تتم أصلا، البكاء
المستمر، والتفكير الذي لا يتوقف، والاشتياق الذي يأكل قلبها ببطء، كل ذلك بدأ يترك أثره
الواضح على جسدها قبل روحها. لهذا السبب شعرت في ذلك الصباح بألم حاد يضرب رأسها
بقوة حتى كانت تعجز عن التركيز في أي شيء.
أغلقت الملفات التي كانت أمامها على المكتب، ثم نهضت من مقعدها وأخذت حقيبة يدها، كانت بحاجة إلى الخروج قليلا من جو الشركة الخانق، وبحاجة إلى أي شيء يخفف ذلك الصداع الذي يكاد يشق رأسها إلى نصفين.
هبطت إلى الأسفل واتجهت إلى أقرب كافيه، تم دلفت إلى الداخل بخطوات بطيئة. لم تكن من محبي القهوة في الأساس، لكنها شعرت اليوم بحاجتها الماسة إلى فنجان منها عله يساعدها على استعادة بعض التركيز.
طلبت قهوتها ثم جلست إلى إحدى الطاولات القريبة من الواجهة الزجاجية، أسندت ظهرها إلى المقعد وأخذت تنظر أمامها بشرود عميق، بينما كانت أفكارها تجرها من جديد إلى شاهين رغم
محاولاتها المستمرة للهروب منه.
لكن شرودها انقطع فجأة عندما وقعت عيناها على وجه تعرفه جيدا.
اتسعت عيناها بصدمة، كانت إيما.
كانت تجلس مع أحد الشباب الذي بدا أكبر منها بقليل، وكان يقترب منها بطريقة لم تعجب رنيم على الإطلاق. لم يكن الأمر مجرد حديث عادي بل كان هناك شيء في تصرفاته جعلها تشعر
بالانزعاج فورا.
نهضت من مكانها دون تفكير.
اقتربت منهما بخطوات سريعة، ثم أبعدت يد الشاب عن إيما وقالت بغضب واضح
"أنت بتعمل أيه؟"
التفتت إليها إيما بعصبية شديدة، وضغطت على أسنانها وهي تقول:
" وأنتي مالك، بتدخلي في اللي مالكيش فيه ليه؟"
نظرت اليها رنيم بغضب مماثل وقالت:
"علشان أنا أكبر منك وشايفه اللي بيحصل ده غلط، أنتي لسه صغيرة، ومش فاهمه أنه بيستغلك
الغرض مش كويس "
وضعت إيما يدها على وجهها ثم أعادت شعرها إلى الخلف بحركة مستفزة وقالت:
" وأنني مالك، أنا حرة، وبعدين مش بابي رماكي زي الكلبه ؟ أيه عايزة تعملي نمرة علشان
يسامحك ويعبرك من ثاني ؟"
شعرت رنيم وكأن الكلمات أصابت قلبها مباشرة.
تجمعت الدموع داخل عينيها للحظة، لكنها ابتلعتها بصعوبة وأجبرت نفسها على الثبات. لم تكن إيما تعرف حجم الألم الذي تسببه كلماتها، ولم تكن تعرف أن كل كلمة منها تعيد فتح جروح لم
تلتم أصلا.
رفعت رأسها وقالت بغضب حاولت أن تخفي خلفه انكسارها
"كونك أنك تتكلمي في موضوع ثاني علشان تداري الموضوع الأساسي، يبقى أنتي متأكدة أن
معايا حق وأنك غلطانه، وأبوكي لو عرف اللي بيحصل هنا ده كان چه كسر المكان كله فوق
راس الحلو ده، أصله ميعرفش أبوكي كويس، وممكن يعمل فيه أيه، لو علم بس، أنه بص ليكي
مش كان بيعمل الحركات القذرة دي معاكي "
تبدلت ملامح الشاب فور سماعه اسم شاهين.
ظهر الارتباك بوضوح على وجهه، وابتلع ريقه بتوتر قبل أن يقول:
ط طيب أنا لازم أمشي عندي مشوار مهم عن أذنك "
ثم نهض من مكانه بسرعة وغادر الكافيه كله.
ظلت أيما تحدق في الاتجاه الذي غادر منه الشاب وعيناها متسعتان بذهول حقيقي. لم
تستوعب ما حدث للوهلة الأولى، فقد كانت تظن أنه سيبقى إلى جوارها مهما حدث، أو على
الأقل سيحاول تبرير موقفه والدفاع عن نفسه. كانت تنتظر منه كلمة واحدة، أي كلمة تثبت أن
وجوده معها لم يكن مجرد تسلية عابرة، لكنه اختار الطريق الأسهل هرب تاركا إياها تواجه
الموقف وحدها، في تلك اللحظة فقط بدأت ترى جانبا لم تكن ترغب في رؤيته، وشعرت بخيبة
صغيرة تتسلل إلى قلبها رغم محاولتها المستميتة لإنكارها.
أما رنيم فعقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت إليها قائلة:
عرفتي بقى أنه كان بيلعب بيكي وغرضه مش شريف؟ لو كان شاب كويس وعايزك بجد، كان
فضل واقف معاكي ودافع عنك بس هو مجرد ما سمع سيرة أبوكي خلع خاف على نفسه وسابك لوحدك"
"أنا بكرهك، بكرهك."
ضغطت إيما على أسنانها بقوة وقالت بعناد وغضب
ثم استدارت التغادر.
لكن رنيم أمسكت ذراعها برفق هذه المرة، لم تكن غاضبة منها.
بل كانت ترى نفسها القديمة فيها.
ترى فتاة صغيرة ترفض النصيحة فقط لأنها جاءت من الشخص الخطأ.
نظرت إليها وقالت بصوت مختنق يحمل الكثير من الصدق
"أنا مش هلومك على كرهك ليا، لأن احد وقت قريب كنت زيك كده كنت بقابل حبها وحنيتها
عليا، بكره وإهانه، رغم فرق السن اللى كان ما بينا بس كل اللى عايزة أقوله ليكي، حافظي على
نفسك كينت الشاب اللي بيحبك بجد مش هيعمل زي ما كان الشاب ده بيعمل معاكي، لا هيحافظ عليكي لحد ما تبقي مراته في الحلال، هيخاف عليكي ويحميكي من نفسه، هيحافظ على شكلك قصاد الناس، وقصاد نفسك علشان كده مش عايزاكي تستعجلي، اهتمي بمستقبلك
الأول وابني شخصيتك، وبعد كده دوري على الراجل اللي قلتلك على صفاته ده."
ظلت إيما تنظر إليها لثوان طويلة دون أن تنطق.
كانت ترى الصدق في عينيها رغم كل شيء، والألم الذي لم تعد رنيم قادرة على إخفائه.
لكن عنادها كان أكبر من أن يسمح لها بالاعتراف بذلك.
أبعدت يد رنيم عن ذراعها دون أن تقول كلمة واحدة، ثم استدارت وغادرت المكان.
كانت تتمنى لو استطاعت الوصول إليها كما وصلت ترنيم إليها يوما ما.
وقفت رنيم تتابعها بعينيها حتى اختفت من أمامها شعرت بحزن عميق وهي تنظر إلى أثرها.
لكن بعض القلوب تحتاج إلى وقت طويل حتى تفهم.
عادت ببطء إلى طاولتها وجدت فنجان القهوة قد وضع أمامها أثناء انشغالها بما حدث.
جلست على المقعد وأمسكته بين يديها.
كانت القهوة لا تزال ساخنة، لكن قلبها كان أكثر برودة ووحدة من أي وقت مضى، رفعت الفنجان إلى شفتيها وارتشفت منه ببطى، ثم أسندت رأسها إلى الخلف وأخذت تنظر عبر الزجاج إلى
الشارع المزدحم أمامها.
كان الناس يمرون من حولها منشغلين بحياتهم، بينما كانت هي تشعر أن الزمن توقف عند لحظة واحدة فقط.
عند رجل ما زالت تحبه بكل ما تملك، ويصر على أن يقف بعيدا عنها رغم أن قلبه ما زال يسكن قلبها كما كان دائما.
بعد مرور أسبوع .....
جلست أروى أمام المرأة تتأمل انعكاس صورتها بصمت طويل، بينما كانت أصابعها تعبت بطرف فستانها دون وعي. كان من المفترض أن يكون هذا اليوم من أسعد أيام حياتها، فقد طالما حلمت أن يأتي يوم يصبح بينها وبين أحمد رابط رسمي يعلنه الجميع، وأن تجلس مثل أي فتاة تستعد لاستقبال مستقبلها بقلب مفعم بالفرح والأحلام، لكن الواقع الذي تعيشه الآن لم يكن يشبه احلامها القديمة. كانت تنظر إلى نفسها وتشعر أن الفتاة التي كانت تعرفها اختفت في مكان ما، وأن ما بقي منها ليس سوى بقايا روح تحاول أن تتماسك بعد أن تعرضت لكل ذلك الانكسار. لم يكن الألم الذي يسكنها متعلقا بما حدث لجسدها فقط، بل بما حدث لقلبها ونفسها وتقتها بنفسها، كانت تشعر أحيانًا أن شيئا عميقا داخلها قد تحطم إلى الأبد، وأنها مهما حاولت النهوض فلن تعود كما كانت يوما.
امتلأت عيناها بالدموع شيئا فشيئا حتى لم تعد قادرة على مقاومتها، فانهمرت بغزارة على
خديها، أغلقت عينيها بألم بينما ارتفعت شهقاتها رغماً عنها، وشعرت أن كل المخاوف التي كانت
تخينها داخل قلبها خرجت دفعة واحدة في تلك اللحظة.
انتقض جسدها فجأة عندما شعرت بيد تربت عليها برفق.
استدارت بسرعة وهي تمسح دموعها بارتباك، لتجد رتيم تقف خلفها.
نظرت إليها وتكلمت بشفاه مرتجفة وقالت:
ر رنیم؟ خير فيه حاجه ؟"
جلست رنيم أمامها وأمسكت يدها بين كفيها بحنان حقيقي، ثم نظرت إليها بعينين امتلانا بالمحبة وقالت:
"أنا كنت حابه الأسفلك، على طريقتي معاكي الفترة اللي فاتت صدقيني أنتي بالذات ليكي
غلاوة في قلبي وعمري ما كرهتك."
نظرت إليها أروى مطولا، ثم أومات برأسها وقالت بصوت مختنق
عارفه يا رنيم أنك بتحبيني، وأنك عمرك ما كرهتي حد، أنتي شخصيه جميله أوي وطيبه وعلشان كده بحبك، وكنت شيفاكي مثلي الأعلى في كل حاجة، كنت بتمنى أبقى مهندسه
شبهك، وأكون شاطرة زيك في الشغل بس ده طبعاً قبل اللي حصلي "
ما إن أنهت كلماتها حتى انهارت دموعها من جديد.
شعرت رنيم بوخزة مؤلمة داخل قلبها وهي ترى ذلك القدر من الانكسار في عينيها، كانت ترى أمامها فتاة صغيرة تحاول التظاهر بالقوة بينما هي في الحقيقة تحمل فوق كتفيها حملا أكبر من
عمرها بكثير.
اقتربت منها واحتضنتها بقوة، ثم راحت تربت على ظهرها بحنان وهي تقول:
"أنا عارفه أن اللي حصلك صعب بس مش نهاية العالم، حادثة حصلت وخسرتي فيها حاجه من جسمك، بس ربنا يعتلك اللي يتقبلك وأنتي كده يبقى أنسي وافرحي وعيشي اللحظة، أوقات بتحصل لينا حاجات على قد ما يتكون صعبه في وقتها، على قد ما هو بيكون درس لينا ودافع قوي أننا نكمل، بيكون مجرد اختبار الناس الحقيقيه في حياتك بتعرفي بيها المزيف من اللي بيحبك بجد، أنتي عندك شك لو واحد في المية أن ربنا عمل كده علشان يأذيكي ؟"
رفعت أروى رأسها سريعا و حرکت رأسها بالرفض قائلة:
"لا طبعاً، استغفر الله العظيم ربنا مبيأذيش حد".
ابتسمت رنيم لها ابتسامة هادئة مليئة بالحنان وقالت:
" بالظبط كده يا حبيبتي، ده مجرد ابتلاء من ربنا بيختبر بي صبرنا، وبعد كده يبعث لينا اللي يطبطب على قلبنا، واللي حصلك ده مجرد ابتلاء وربنا بعتلك أحمد علشان يطبطب على قلبك عيشي اللحظة وأفرحي يا أروى."
ظلت أروى تنظر إليها لعدة لحظات، وكأن كلماتها كانت تصل إلى مكان عميق داخلها حاولت هي نفسها الوصول إليه كثيرا ولم تستطع.
ثم اندفعت فجأة نحوها واحتضنتها بقوة وقالت:
"أنا يحبك أوى يا رنيم."
أغمضت رنيم عينيها وهي تضمها إليها بحنان وريتت على ظهرها قائلة:
" وأنا كمان بحبك يلا بقى يا عروسه العريس زمانه على وصول ولسه مجهزنيش" ضحكت اروی وسط دموعها، وكانت تلك أول ضحكة حقيقية تخرج . منها منذ فترة طويلة. اما خارج الغرفة، فكانت ترنيم تقف عند الباب الموارب تتابع المشر مشهد بصمت.
شعرت بقلبها يمثلى بسعادة لم تشعر بها منذ زمن طويل.
كانت ترى أمامها حلما انتظرته لسنوات طويلة يتحقق أخيرا.
لطالما تمنت أن تصبح رئيم جزءا حقيقيا من العائلة، لا مجرد فتاة قريبة منهم، بل أختا لأبنائها،
وسندا لهم، وشخصا يجدون فيه الأمان والمحبة.
والآن وهي ترى الطريقة التي تحتضن بها أروى، والكلمات التي تواسيها بها، والحنان الصادق
الذي يخرج منها دون تكلف، أدركت أن ذلك الحلم أصبح حقيقة.
تنهدت براحة وسعادة، ثم مسحت دموعها سريعا قبل أن يراها أحد.
استدارت بعدها وعادت إلى الطابق السفلي مرة أخرى، حيث كانت تجهيزات الخطبة مستمرة في كل أنحاء الفيلا، بينما كان قلبها أكثر خفة وطمأنينة من أي وقت مضى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!