الفصل 13 | من 13 فصل

رواية ياعازف العُود صحّيت جفن الحزن من دقت اوتارك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم havxill

المشاهدات
16
كلمة
25,181
وقت القراءة
126 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

حزين وأبيك وواصلٍ حدي ودي بوصلك لكنّ الأقدام مبتورة مسافةٍ ما بيننا، أدري بها وتدري كنك في جبال أبها وأنا براس تنورة بعد الظهر مشى لأبوعقاب ووجهه باين به التعب وعيونه ذبلة: "طلبتك يابوعقاب، خلني آخذ مرتي وأروح أشوف بلاها طالبك لا تردني." أبوعقاب وهو مستبعد فكرة أنها تبعد عنه:

"قدنا تكلمنا في هالموضوع، لا تعيده يا بوك. عايشةٍ مالها وازعٍ للسفر والمشاوير، يبي يتعبها زود، وعايشة فاقدتك يا حاتم ما تسير عليها، هي بحاجة وقفتك معها." هز رأسه ومشى وكلٌّ يلومه: "ما أريد تشوفها عيني وأنا خابر إني بأَسري للبلاد لحالي. ما أريد أشوف التعب بعيونها، جعلتي آخذ بلاها. يالله يا معين العباد عيني وعاوني."

دخل عليهم المجلس ووجهه خاوي والضيق تقراه بعيونه. تنهد عزام ويوجس الدم حامي بجسمه، ذبحته الحميا وده ياخذ الضيق وينصفه بينهم. لحقه عقب ما طلع قبل ما يجلس: "أبك أنت تدري وش ودي؟ ودي آخذ بلاك منك وأقسمه بيننا، ما يذوق بالي الراحة والفرح نفرحه سوى والحزن لك لحالك يا خوي. أبك قم غسل وجهك والعصر سيّر عليها، هي وكاد إنها تنطرك."

رفع عيونه لعزام ويدري بصحة كلامه، تشيل بخاطرها، أوحس الأنانية اللي به وهو يفكر بعمره ولا فكر بها. وكاد العصر يبي يمرها. نزلت شيلتها عن رأسها وهي تعاين بالفرس اللي أعطاه أبولافي: "أنت تبي العرب يشوفوني؟ بلاك تنزل الشيلة." سعود: "اللي يحط عينه ولو على طرف ثوبش ولو بالغلط إني لأقلع عيونه من محلها." سكتت خجلة منه، من مشاعرها له، اللي لا حيلٍ لها ولا قوة فيها. تنهدت ودخلت بيت الشعر وعينه يعود عليها. ابتسم:

"إيه يا نهيل، بدأ بلاي يلحقش." لحقها ودخل: "ترانا نبي نروح الصبح بكرة لديار عايشة." نهلة: "تقول ديار عايشة، كأن ما بها غيرها." سعود: "لو مهيب بها، وش لي بها؟ بعد صلاة العصر اللي طال ميعادها عدّل شماغه وشكله العربي، يوحي للي يراه بأنه من شيوخ العرب. سرى لدارها وأقدامه تسبقه، ويدري بروحه لو شافها ماهيب متحملة عينه، لكن لزوم يفكر بحالها. دخل بعد ما سلم على أم عقاب وأم عايشة بيت الشعر الكبير، بلع ريقه بضعف:

"هذي يومين، يا عويش يومين وهذا حالي." كانت تطالعه ولاهيب قاوية تقوم من وصاة المداوية، أسرع بخطاه لها ومسك يدينها وقبلهن ولمها لصدره بكل حيله، أو بكل شوقه، وحنينه لها، ولأمانيه اللي تمناها معها وذبحها القدر. كان صوت ضحكها يفوق صوت أنينه وتنهداته على صدرها، لين سمع شهقتها بعد ما حط يده على بطنها. حطت يدينها على وجهها تمنع صوت بكاها لا يسمعونه. سعيد مع سعود يتمشون بعد الصلاة: سعيد والهواجيس تأكله

من البارح من جاءهم خبرها: "نبي نمشي الصبح لعايشة، ومن يبي يجي؟ سعود ارجفت روحه: "إن شاء الله، أنا وأنت ونهلة وزينب البارح أكلت عقلها الهواجيس." بعد ما ركدت أشواقهم، وردوا لصوابهم جابت زينة القهوة: "عاد القهوة عليك يا حاتم، العذر والسموحة." حاتم ابتسم: "كل شيء يهون لعيونها عويش." عايشة تطالعه وبعيونها سوالف ليل ما هجاها النهار. بعد ما ركب القهوة على النار تطبخ، وطال سكوته وعينه عليها.

حاتم ابتسم من خجلها اللي يحبه كثر حبه لها. صدت من ابتسم بتنهيدة، تفكر بكلام البارح ما هنى لها رقادها. مسك ذقنها ولف وجهها بريبة: "عايشة، هو أنت تهوجسين بشيء ويش بعيونش من هروج؟ عايشة خمته بضعف: "حاتم، هو أنت تحبني؟ هاه يا بوي؟ حاتم: "إلا يا عين أبيش، أنا توي أدري إني أحبش هالكثر، هو أنت تقولينه يا عويش؟ أنت بعيونش هرج، أسلمي؟ عايشة لمعت عيونها ودمعتها تبي تنحدر، ولاهيب قاوية تخفي عنه:

"البارح، أمك والحريم بدأوا يروحون، تقول إن الشيخ يبيك تعرس وتجيب له الولد." لازمه الصمت ويرى عينها تهل مطرها. كأنك تبي الفرقى أعلن استسلامك منته على هقوتي في حروب المحبة أصبحت نقطة تعجّب وأنا استفهامك هنا نقطة نهاية حبنا ولو طال دربه فز من مكانه ومشى للشيخ أبوراجح ودمه فاير، ومن حظه أن العرب يتجهزون لصلاة المغرب وما به غير أبوراجح وأبوعقاب ومصعب وعزام. دخل بعد ما ترك عايشة تشاهق وهي تناديه: "يبه!

وش هالعلم اللي جاني، وشلون تقرر بحياتي ولا تشاورني؟ أنت تبي العرب تنقد علينا؟ مصعب مسك حاتم المندفع ويشوف بعيونه دمع ماسكه بالزور: "أجل تبي تزوجني؟ أبوعقاب عقد حاجبيه: "ويش؟ أبوراجح بغضب من تصرف حاتم اللي لا يعاتب فيه ولا يلام: "بلاك أنت، اتزن واهرج مثل العرب." حاتم بغضب طاغي على ملامحه: "لا، الله لا يجعلني مثل العرب بيوم." أبوراجح ناظر أبوعقاب المصدوم ورجع يناظر حاتم: "وش الغيب لو تزوجت؟

عايشة معززة مكرمة، ولا ما ودك بالعيال والضنا، ما ودك باللي يشيل اسمك واسم أبيك؟ حاتم سكر عيونه بضعف، إلا وده، وده لكنّ حكم القدر ضده: "أنا غيرها ما ودي، ولا أبي ولا أبي أحد يتكلم بلساني للعرب." أبوراجح: "العرب وش تبيها تقول؟ الهرج قده تناقل بينهم." حاتم وصوته جهر وصوت صهيل فرسه يلحق كلامه: "ربي ما خلقني إلا لأجل عبادته ماهو لأجل تتبع هروج العرب." أصبحوا العرب وفز من مكانه ونهلة تجهّز مراحهم بعد الفجر.

طلع وهذا سعيد وزينب جاهزين. سروا بعد ما سلموا على أبو وأم سيف وأم سعيد. نهلة تمشي معهم والنعس ذابحها وزينب ماهيب أقل منها. أما سعيد وسعود، ما ذاقوا نوم الليل من القلق على عايشة وحالها. شاف الشمس بدأت تنوّر البادية والصحاري حولها، ونوم عينه مجافيه، ووجهه باين عليه التعب والهم ماليه. خابر أن اليوم يبي يأصلون أهل عايشة، شينة إنهم يشوفونه بهالحال. قام صوب بيته الصغير هو وعايشة بالبادية يتسبح ويلبس. وش اللي قلب حاله؟

وهو يدري أن الأمر مكتوب من عند ربه، وش اللي يضيق صدره دام كل مكتوب خيره، دام عايشة إلى هالحين بذمته، وحبها يزود ما ينقص. لأنه خابر، خابر تفكير العرب، وخابر تفكير أمه وأبيه أبوراجح، وخابر أبوعقاب وأم عايشة اللي على بعدها عن عايشة ماهيب راضية لها الزعل. خابر تفكيره هو، ومزاجه اللي هو أحيان يخاف منه. يزعله أن العرب ينظرون له كماللي مرتكب جريمة قتل طفل ماله من الدنيا ولا عليه. لا هو ذنبه ولا ذنبها. بعد ما تسبح، لبس ثوبه وفروته ولف الشماغ على عيونه وانسدح يريّح رأسه شوي.

بعد صلاة الظهر، راح صوب بيت أبوعقاب وقابله. وقف قباله وصد عنه لا يشوف الخجل بعينه عقب كلام أبوراجح: "مسيت بالخير." أبوعقاب بعد صمت: "مسيت بالنور. بلاك ما تطالعني يا حاتم، أنا ثقتي فيك عمياء، وأدري بك ما توجع قلب عايشة ولا يهون عليك زعلها." حاتم سكر عيونه وأخذ نفس: "إي بالله ما يهون، مير لا تزيد حملي يا عم، خلني على حملي يالله أقوى عليه." أبوعقاب هز رأسه وربت على كتفه: "قواك الله." دخل حاتم بعد ما نادته أم عقاب:

"يا بوي البنية راقدة ماهيب يم أحد، التعب خلاني ألهى عليها، النوم خذاها عنا." حاتم: "ما عليه، خليني أدخل أصحيها." هزت رأسها: "ادخل ادخل حياك ربي أجل أنا أبا أجهز القهوة." حاتم: "عافاش ربي." دخل وهذا زولها الصبوحي، أمسى ولا عاد يعرف الصبح. دنا بوجهه قرب خدها وقبله، وحط خده على خدها الليّن، لاحظ انزعاجها من دقنه على خدها. ضحك وناداها بهمس: "عايشة، عايشة، يا عويش."

لفت عليه وتعلقت برقبته عقب ما عرفت حسه وعانقها بضحكة. وكأنه ينسى الهم بقربها. حاتم وهو يأخذ من ريحتها ما يسع بصدره: "ابتسمي قومي عم سعود وأهلك على وصول." هزت رأسها وهي تضحك، ووجهها أصفر من التعب. قامت تلبس وحاتم ينطرها وطلعت وهي متثاقلة روحها، ودخل سعود والتعب واضح بوجهه وقده واصل كم له. عايشة انشرح صدرها من شافته وضحكت: "يا لبيّه يا هالزول."

انصدم من وجهها ما هقى تعبها كذا يذهب ملامحها، خنقته العبرة وكأنه يشوف صقر أبيها قباله مهي عيوش. لمها لصدره وبداخله خوف وأفكار قامت تترامى عليه وتوالى، محد يهوجس بها غيره. ولو صار هالمرض نفس اللي جاء أبيها، بلا سبب ولا تبرير. لمها لصدره بوله وقليبه يرجف من الشوق، مسك شعرها وشمه بكل طاقته وصوته انبح من طول طريقهم: "إلا يا عين أبوي، يا ويليّه يا عيني أنتِ."

أما عويش منزلة رأسها على كتفه ودمعها لقى له درب يمشي عليه بهدوء. ومخليها وهو يدري بها تبكي ويلوم نفسه اللي أهملتها، مير البعد يحكمه. بعد ثلاث دقائق، سعيد من عند الباب: "ما تشوفين شر يا عويش، يا بنت عمي، عساها آخر الأوجاع." أبعدت عايشة عن سعود ومسحت دموعها بعشوائية وابتسمت: "الشر ما يجيك يا عين أبوي، يا جعلني ما أعدمكم كلكم يا أهلي، ماسكين طريق من الصبح كله عشاني، الله يجعلني ما أفقد هالوجود."

انقبض قلبه وسكت، لو رد يبي يبيّح صوته اللي بخاطره هز رأسه وصد عنهم. أما حاتم يبحر بسعيد وهي تقوله يا عين أبوي، لمح ابتسامته من وراء لثمته وأخذ نفس وسلم على سعود وسلمن البنات على عايشة. نهلة وهي تطالع سعود: "ما ودي أقول إني أغار من غلاتش عند سعود يا عويش، ابتسم الرجال ما ذاق النوم."

ضحكت عايشة ولفت على سعود وهو يضحك ورجعت تطالع نهلة. ابتسمت وهي تدري بنهلة قبل ما تبيه وهو ما يكن لها شيء، سبحان اللي يجمع قلوب ويفرق قلوب. طلعوا نهلة وزينب وبقى سعود وسعيد اللي صاد شوي عنهم وحاتم جنب عايشة. مشى باقي اليوم وعايشة تكحل عينها بشوفة أهلها، وشوفة سعود أبيها الآخر. طلع حاتم وسعيد لصلاة العصر، وسعود مسكته عايشة قبل لا يطلع. لف عليها: "سمي." عايشة: "وشلونك مع نهيل؟ سعود: "بخير الحمد لله." عايشة ضحكت:

"يعني رؤوسكم اليابسة لانت، حبكم انطحن." سعود ابتسم: "ربش أراد." عايشة ضحكت: "يالله عسى ربي يوفقكم وتجيبون سميتي وسمي أبوي." سعود رفع يديه: "آمين يا الله." ضحكت عقب ما طلع ورى سعيد وحاتم. بعد يومين، وسعود وسعيد عند حاتم ببيته لأجل يأخذون راحتهم ويترددون على عايشة. وزينب ونهلة عند عايشة وزينة.

بعد المغرب، طلع حاتم يلقط أبراج بجواله، اتصل على رفيقه بالبلاد وجاه خبر بأن لزوم يأصلهم، الشغل كم له متغيب عنه، وبدأ يطيح دخله، وماخذ على نفسه عهد ما يتغير من شغل أبوه شيء، شغل أبوه اللي دايم بالقمم. ماهو يلهيه عنه لا عرس ولا شيء، قبل ما يعرس هذا عهده وكلٌّ يعرفه. سكت عقب ما سكر الجوال، ويحاكيه قلبه: "وعايشة وحالها؟ يهون عليك تتركها وتروح وأنت ما تدري بحالها."

أخذ نفس وضرب الشجرة أكثر من مرة، وحالته كسيفة. ضربها وصوته يعلى يبي يفرغ هاللي بداخله، وهالهواجيس اللي ما ترحمه. سند جبينه إلى شجرة وبدأت دموعه تنزل وعروقه تكاد تفجر برقبته ووجهه، شهق وصدره يرتفع وينزل، رفع شماغه ومسح عيونه ووجهه وهو يستغفر ويتعوذ من الشيطان، ويتمنى أنه بحلم ويتمنى يفيق منه بأسرع وقت. نزل من رأس الجبل، ودخل بيته وجمع أغراضه والود وده يسري بلا ما يسلم على أحد. دخل سلم على أبوراجح واعتذر منه.

مسكه أبوراجح: "خلك عند السيارة، بأجيك." سلم على اللي بالمجلس ورده سعود: "ما ودك تسلم على عايشة؟ سكر عيونه وهو يتخيل عيونها تلومه وشلون يخليها وذا حالها: "إلا، وشلون ما أسلم عليها." سعود بهدوء: "وش تبي تقول لها؟ حاتم: "مانيب مطول عليها." سعود: "وليه؟ حاتم طالعه: "ما أقوى بعدها." سعود: "وأنت تعنيها؟ سكر عيونه: "الله الله." مشى معه سعود ودخل حاتم وسعود واقف برا. حاتم لزينة اللي قابلته:

"أبي طريق لعايشة، بأسلم عليها قبل لا أسري." زينة: "ويش؟ حاتم عقد حاجبيه: "طالبش يا زينة ما أبي زود هرج يكفي العرب وهالحين عايشة ما أدري وش تبي تقول." تنهدت بضيق على حالهم اللي ما جاز لها، ودخلته على عايشة. طالعت الشنطة معه، ووجهه ما يبشر بخير. حاتم: "عويش." علقت عيونها بشنطته وما توجس بعيونها تمتلئ ماءها. ترك الشنطة وتنهد ودنا لها: "مانيب مطول، الشغل يبيني يا عويش." عايشة: "وأنا أبيك." هو أنت من تبي؟ أنا ولا الشغل؟

لمّها لصدره وخذ نفس: ما عليه، مانيب مطوّل، أبواسي البيت عقبش جاني بالحلم يبكي. ضحكت بوسط دموعها وضمّته زود. وتأخذ من ريحته ما يسع صدرها ويشفي سقمها. وهو جاه بلاء ويبي يفكها وهي تشد عليه زود. ضاق صدره ويده داخل شعرها وخلاها على راحتها. ولو أن موادعها ما جاز له، كأنه المواجه الأخير. سند راسه على كتفها وأنفاسه تتسلل بشعرها، فكّته ببطء شديد وكل أعضائها تعاندها تبيه مير يالله تقواها.

حاتم قبّل خشمها وعيونها، مسح دموعها عن خدها. رجعت عيونها تمتلي والألم يعصرها ولا هيب شاكيةٍ له لأجله ماهو لأجلها. عقد حواجبه: بسّش يا عويش أبي أروح وأنتِ تضحكين. دخل سعود ومعه غصن تمر توه قاطعه وحاطه على كتفه وشماغه مايل وشكله مضحك. سعود: هاه يا سعود ما رحت؟ يالله عجّل علينا أبي بنيتي لي وحدي. ضحكت عايشه على شكله وكلامه. حاتم ابتسم: يالله أجل أنا أبسري وعايشة في أمان الله ثم أمانتك يا سعود.

سعود نزل الغصن: بأمانتي من راح أبيها وسندي. طلع حاتم بدون لا يلف وجهه لها، وطلع لسيارته بأول البادية. وهذا أبيه يتحراه، حاتم حط أغراضه بالسيارة وركب وفاتح الباب وأبو راجح واقف: أنا ما برد دمي يا وليدي. تو الهواجيس تمسي وتصبح بي، أمك كلمتني وببالها بنت الرجال اللي تصونك وترضى فيك مع مرتك، وتجيب لك الولد. أما عايشة فمقامها فوق الراس ووسط العين لكن لا تضيع حياتك بسبب هالحب اللي دمرك ونساك نفسك.

ماهو عيب ولا حرام لو خذيت الثانية ولاهوب منقّص من حب عايشة ولا قدرها. أبيك تعطيني كلمة قبل لا تسري، مانيب غالطٍ مرتين. هذاي آخذ شورك يا ولدي، والله إنه لمصلحتك، وخابر إن عايشة ماهيب ترفض. طال سكوته وتنهد. أبو راجح: ما طال صمتك يا أبوك إلا إن ودك مير خايف، أنا أدري بك مهو لزوم الأمر يحصل بسرعة كأنك خايف من هرج العرب على عايشة بهالسرعة أعرست عقبها. حاتم رجع طال صمته. سكر الباب وهو يأخذ نفس: اللي تشوفونه.

هز راسه وحاتم يشق طريقه للهروب، لصفاء الذهن اللي مفارقه وظنه لو ابتعد يبي يريح راسه والعرب يبي يفتك من عيونهم ونشايدهم، بعد يوم كامل والأرواح مفترقة. المغرب، طلع من عندها عمها سعود اللي كان بمثابة الثلج على صدرها وعلاج تعبها. ريحته لا أقبل تكفيها، وشلون وهو يواسيها وينسيها تعبها، محدن قوى يضحكها من بعد حاتم غيره. جلست مع أمها وأم عقاب ونهله وزينب وسهام وزينة.

دخلت عليهم أم حاتم وعايشة وجهها رادّ ومستبشر بالخير إن شاء الله لكن لا زالت آثار التعب. سلمت وجلست بعد القهوة والسواليف. أم حاتم: أنا صراحة يا خوات الرجال جايبتكم بخير مدري هو يبي يفرحكم ولا يبي يكدركم. أم عقاب بخوف: عسى ما شر. أم حاتم طالعت عايشة جنبها ومسكت يدها: أبو راجح عطاني خبر قبل البارح، ما قويت أقوله مير اليوم تثاقلت على روحي وجيت. عايشة لفت عليها وهواجيسها بحاتم: حاتم صابه شيء؟ طلبتش قولي هو به شيي!!

أم حاتم: يبي ي... يعرس. ركدت أعصاب بعضهم إلا زينة وزينب: خيرر. سهام: ويش، أنتِ صادقه؟؟ أم حاتم: هذا اللي قاله لي أبو راجح، يقول إن حاتم يقول اللي تشوفونه وأبو راجح يبيه يعرس. ويقول عايشة معززة مكرمة، وقدرها على الراس من فوق مير هو وده بالولد. تقوست شفاهها وامتلى الدمع بعينها، وما هي مصدقة اللي قبل كم يوم قلب الدنيا لأجل كلام أبو راجح الليلة يوافقه ويطيعه.

اختنقت عندها الكلمات والحروف حتى ملامحها اختنقت، وهي تشم ريحة الفراق. جت تبي تعنّز على المركى تقوم مسكتها نهله وظهرت برى بيت الشعر. ريحة الهوى والضوء، وريحة القهوة من زمن ما ظهرت ولا شمت هالريحة. أخذت نفس وانسابت دموعها وبدون صوت. اهتز جسدها من برودة الجو. جلست وراء خيام أبيها عقاب ويديها على وجهها وتبكي. عقدت حواجبها نهله وبكت معها وحضنتها: بس لا تبكين ابتس هذا ما يستاهل الحب اللي حبيتيه. دامه باعش وأنتِ هذا حالش.

شهقت ودموعها تنزل بغزارة، مسحت دموعها برقة وجسدها ينتفض ووقفت وتحس بالألم بأسفل بطنها. مسكتها نهله ومستغربة سكوتها الطويل، دخلت عليهم وواضحٍ بها البكى، وزينة وسهام وزينب ينشدون أم حاتم وكل وحدة صوتها يعلى على الثانية. تكلمت ببحة البكى: لا رد حاتم لي كلامٍ معه، ثم الله يوفقه. أم حاتم تناديها من أقفَت منامها: عايشة، يا عواش. أم عقاب: بس خليها البنية ضايقة.

بنص الليل والعالم نيام، والبادية هواها بارد يرعش، وكأنها فاقدةٍ زول الحبايب اللي كل ليلة يواسون وحدتها بالليل ويتسامرون على جبالها. فاقدةٍ قصايد الغزل اللي كتبها حاتم، لأجل يتغزل بعايشة ويوصف للأرض الضريبة حسنها. ولأجل يذهب عقله بخجلها، وصوتها لا حكت يشبه صوت زخ المطر على أوراق الشجر ولا صوت العود لا دقّه المحترف! عيونها راقدة وقلبها صاحي. جبينها معرّق ويالله تلقط النفس، ارتفع صوت أنفاسها، وصحت فجأة وبطنها يزيد وجعه.

التوت عليه بجسمها والوجع يأكلها، سمعت صوت أنينها. أم عايشة عقدت حواجبها: وش بلاك؟ مسكتها: قومي نطلع لا تصحينهم. جلستها بالجلسة برى عنهم، حطت يدها على جبينها ومسحته وبعدت شعرها عن وجهها بخوف من وجه عايشة اللي قلب أصفر ودموعها تنزل من قو الوجع. جلست تسمي عليها ووجعها يزيد. عايشة ويدها على بطنها ببكى: بطني يا يمه بطني أوجسه يبي يتقطع. أم عايشة فزت لأمها وهي نايمة، وأبوها يصلي الليل. هزتها: يمه يمه، يا يمه.

فزت أم عقاب وتو عينها غفت: هاه وش بلاك، هبلتيني. أم عايشة: عايشة تلوى طلبتش تعالي شوفي بلاها. خفق قلبها وأسرعت بخطاها لعايشة وشافتها منسدحة على الجلسة ويدها على بطنها. جلست جنبها وهي تسمي عليها: سخني لي زيت زيتون أدهن بطنها أخاف من الهوى وهي تدخل وتطلع. جابته وفتشت عن بطنها وهي تدهنه هدت عايشة. أم عايشة جلست بضيق: شوفيه متورم من التعب، يالله إن تشفيها. أما أم عقاب لازمها الصمت وهي تطالع بطن عايشة.

بمكان بعيد عن ديار عايشة، والأشواق تلفه من كل صوب، والهواجيس ما تطلقه، وش حال عايشة؟ قالوا لها ولا ما قالوا؟ أنا وشلون أرضاها لي ولها؟ وشلون وافقت، وشلون أعطيهم كلمة وأنا ماني بصوابي؟ مر أسبوع، وعايشة حالتها كسيفة، أما حاتم استسلم للأمر الواقع. يحس إن ما عاد بيديه قدرة، سلم أمره لربه، أو استسلم. كارهٍ روحه، ماهوب يطيق المراية لا وقف قبالها وهو يدري بأنه كسر قلب عايشة.

ودمر أحلامها فيه، وخابرٍ بأن العرب كلها درت بعلمه، انغمس بحياته العملية ونسى البادية وأهلها إلى أجلٍ غير معروف. بالبادية، ونفسها منشحنة وروحها تكاد تظهر، من الضيم اللي تشوفه على عايشة. لا من تعبها، ولا من العلوم اللي تأصلها من حاتم. عزام: مدري والله ما قال لي. زينة ووجهها ماهوب الأولي، وصدرها كل حمله على حاتم، الود ودها تمسكه وتقطعه بضروسها للكلاب.

لامس بيده خدها اللين: بلا وجهش كذيه، يا بنية أبي أتونّس لا شفتش، تبي تزيديني ضيقة. زينة تعب صبرها وانهمر الدمع على صدره بضيق يشق خطاويه ويشيّد بيوته بصدرها: صدري ضايق يا عزام. ودي بشيء ينسي عويش اللي هي به. ودي تنساه وتنسى حبه. حتى من الضيق تورّم جسمها وبطنها البارح ما نامت منه تبكي بكى. ما عادت عايشة اللي تخبرها، شوفها عقب ما هو يهل التباشير أصبح يدك الصدر. عزام عليها: وشلون جسمها متورم؟! ما ناديتوا لها المداوية؟

زينة هزت راسها بالنفي ومستندة على صدره. عزام بخوف عليها شد على بندقيته على صدره والرصاص يحوط صدره: بعد المغرب، أبند لكن المداوية تشوف بلاها. زينة: البنية خجلت والمداوية تجيها آخر نوبة ولا معها غير الأخبار الشينة. عزام ويده على ذقنها: ما يخالف يا عيوني، الحذر واجب. زينة مسحت دموعها وهزت راسها: أجل أنا أبي أروح أخبر أمي أم عقاب وأم عايشة. عزام قبّل راسها: زين. اتجه لمسجد البادية وأقيمت صلاة المغرب بصوت شايبٍ زهيد يصدح.

ومن أول الصلاة لآخرها وبكل سجدة يدعي ربه الرزاق، عسى البشارة انكتبت الليلة. دعى حتى انقطاع نفسه، امتلى بالأمل حتى اللي يشوفه يقول هذا أخذ البشارة. سلم من صلاته وعينه تبحث عن سعود. لقاه أخيرًا وتكلم بهمس: يا سعود تعال أبيك. سعود استغرب: عايشة بها شيء؟ عزام: من شوي قابلت زينة وعلمتني عن حال عايشة، وتقول إن البارح ما نامت من الوجع. تنهد سعود بضيق يكاد يغمر الدمع عينه. عزام وكأنه يعطي

سعود بصيص أمل كان مفقود: عاد أنا قلت أنادي لها المداوية، والله إن الأمل داخلي كبير والرجاء من الله ما ينقطع عسى البشارة جاء يومها. سعود: ونعم بالله، والله إن داخلي انشرح يا رجال، مير يا كريم يالله. صاحبوا المداوية صوب دار أبي عقاب وهو معهم، دخلت المداوية وعقب السلام والضيافة، دخلوها على عايشة. سمت عليها وعايشة شبه فاقدة الوعي، فزت وهي تحس بحدٍ يقبّل راسها. كانت تظنه هو لثواني انهمر دمعها وهي تشوف المداوية.

المداوية تمسح على شعرها: بس يمه بس، لا تبكين ما شاء الله بطنش كابر غدي به بشارة. عايشة صدت ودموعها أحرقتها، ومشاعرها مختلطة ما تدري هي تبي أو ما تبي. بدأت إجازته الأسبوعية، يومين يريح فيها، مسك الجوال ودق على رفيقه فهد: السلام عليكم، ما ودك تسير علي أنت والشباب الليلة، نرد الأيام الأولية ونسهر. فهد بصدمة: أنت منت واصل البادية، وأنا أحسبك ماسكٍ الخط. حاتم: جمع الشباب وحياكم الله.

فهد: منت رايح تطمن على أهلك، خبري إن ما هم عندك. حاتم بعد صمت طويل: لا ماني رايح مالي واهسٍ على الطريق. طال انتظارهم، والتوتر زاد، أما أبو عقاب جالس ما شالته رجوله، يدعي إن تعب عايشة يسير. وسعود كل آماله ترد عايشة الأولية وتتشافى من تعبها. أما عزام كانت أمانيه كلها إن عايشة... المداوية امتلى جبينها بصدمة وهي تطالع عايشة، امتلت عين عايشة وهي تقرأ تعابير وجهها. فزت المداوية من باب عايشة تصيح بالبشارة: حامل، حامل، حامل.

ارتفعت زغاريد أم عقاب وامتلت سماهم بالرصاص من بندقية عزام، وكأنه فزع البادية وردع شكوكهم وكسر شوكتهم بالحكي اللي يتناقل. أما سعود اخترق صدر عزام بحضنه وبكى من فرحة اللي ماهو قاوي ينطق بحرف من شدته. وعزام شد عليه ويحمد الله من كل قلبه، يمكن كان يصنع لنفسه الأمل. لكن حسن الظن بالله ما يضيع. دخلت زينة وانهمرت بكى مع عايشة ومعها نهله وزينب يهدّنها. زينة رفعت راسها لعايشة: بس لا تبكين، وش يبكيش؟ عايشة: وأنتِ ليه تبكين؟

دخلت أم عقاب: مبروك يمه مبروك عسى الله يتممه. دخل أبو عقاب وكلن بارك لها لين ما جاء وقت سعود، قالت أبي أطلع له. طلعت وجلست بمجلس أبيها عقاب ودخل عليها سعود، من دخل وعينها عليه وعبراتها خنقتها. أما سعود ما وده يحط عينه بعينها، يدري به ما عاد يتحمل دموعها. كل ما شاف دموعها طرى عليه زول أخيه صقر، ماهو بيده ولا بمقدوره، وماخذٍ عهد على نفسه، ما عاد يعطيها للي ما يستاهلها.

دام اللي شاف حبها بعيونه، كسر قليّبها هالكثير، وأنزل دموعها لين صارت بحر. وزاد عليها تعبها لين نحل حالها. شدها لصدره بقسوة، بالقسوة اللي كلن يبيها، بالقسوة اللي تشد عزومك إذا ما شارفت على حافة السقوط. بالقسوة اللي تقول: أنا سند. اللي تقول: أنا هنا. اللي تقول: الحزن لا يعرف عينش، تقول: أنا كأني مخلوقٍ لشيء بعد عبادة الله فإني مخلوق لش. ارمي حمولش علي وللي يحزنش أشري عليه، تنتهي سنين عمره.

بالقسوة اللي تمتلي اعتذار، تمتلي ندم. اللي تقول: اعذريني اللي وثقت بمن شفت حبه الصادق بعينه وطلعت عينه تجيد الكذب. انهمر دمعه وهي تتبعه، فكها وهو يمسح دمعها: لا تبكين يا بيش، لا تبكين، أنتِ تلوميني يوم وافقت أعطيه هديتي بهالدنيا. ابتس، أنتِ وصيتي من أبيك، وأنا ماني رجال كان دمعك أسرَفْتيه، ولانيب قد وصيته. لملمي دمعك، أيام الحزن قدها انطوت واهتمي بصحتك، أنتِ بروحين، منتي لوحدك.

عايشة: أوجعني، كسر قليبي، يأمرهم بموتي ثم يسري، ولا ينشد عني. ابتس، هذا حاتم، حاتم وشلون يتغير؟ سعود ضمها لصدره وهو يمسح على شعرها، وحميّته تزيد، وبليا حلفٍ لو يرى حاتم قباله لانفض فيه بندقية ورثها من أخيه صقر. رحمةٍ من الله ما كتب لحاتم جيه. سعود: أنتِ في أمانة الله ثم أمانتي يا بنتي، وأبي عايشة الأولية ترد. الزمن دروس وعبر نتعلم منها، ومقادير الله المكتوبة ما نعترض عليها.

ارتخت عايشة على صدره، وأنفاسها تاخذها براحة. وكأن حمولها أنزلتها من على متونها على صدره، واحتوائه لها وهرجه اللي يشيب رأسها ولا يتغير. طال صمته وهي بعد. عايشة ببحة بكاء: المفروض يجي، الليلة إجازته. سعود رفع وجهها له: لا عاد يطري على بالك، ما نيب أخو صقر لا رديتك له، خليه يشيب رأسه من الندم.

سكتت لثواني وابتسمت بهدوء وشد عليها بصدره. اختفت بسمتها، ما تدري تفرح وتشيد بعمها اللي مثل الجبل وراها، ولا تحزن على حبها اللي راح مراح جدي. سكرت عيونها وكل أمانيها تصحى من كابوسها المزعج. ولا بيوم تمنت تبتعد عنه، ولا تخيلت تذوق مر الفراق معه، مع حاتم اللي حلف لها بأنه أبوها، حبيبها، زوجها، أخوها.

القدر قوي، لدرجة إنه يبعد عنك روحك الخاينة ولوّ أنك تبيها. يؤلمك بألم تستحقه بكل ما تعنيه الكلمة. القدر قاسي لدرجة إنه يغير محور حياتك، وكأنه يقول كافي، اكتفينا فرح ولعب ولهو. جاء الوقت تتحمل مسؤولية ما تخيلتها بيوم. جاء وقت تحس بالوجع، بالوحدة، جاء الوقت تاخذ نصيبك منه. كم أنت عادل يا قدر، تعطي الجميع حقه. بخيمته الواسعة، بمنتصف الحديقة، أخوياه كلهم متجمعين واللي يلعب واللي يسولفون وشاهي رايح وشاهي جاي.

طالت سهرتهم، وحاتم من بين لَجّتهم وإزعاجهم، باله مشغول وساج. وقلبه مع روحه يتمايلون على نغم الوله، الوله يا الوله. كان يتهرب عن الروحة لأنه يدري لو راح ماهو شايفها بسهولة، ولا شافها بيشوف عيونها اللي أحزنها. أخذ نفس وهو مسكر عيونه يصبر روحه ويقسى عليها. مر أسبوع ثاني، وثالث، لين اكتمل الشهر. شهر كامل ما طب حدود البادية. طال بعده لين صدره جف من الحنين.

الساعة 4:00 العصر، ركب سيارته وأمسى يسابق الوقت لجل يوصل ويروي صدره. يدري بالعرب وش تبي تقول عليه، يدري بعمها سعود، يدري ببن عمها سعيد اللي خذا عقله حبها. زاد سرعته والأشواق تلفه من كل صوب، الود وده يدخل عليها محدن يدري عنه، يلمها وياخذها بحضنه، يسند رأسه على متونها ويبيح بالسوالف اللي بخاطره، ينام على فخذها ويدينها تحيطه. ما يدري بأن يدينها ذالحين ما تحيط غير نطفةٍ في رحمها تعتزي بها.

تبرد مشاعرها لولا مسايير الليل اللي تجيها كل ليلة، الشوق والذكرى والتعب. يصبحون العرب ويمسون وحالها هزيل، وسعود يكرر زياراته عليها. وبدأ بروز بطنها. المغرب، قامت من محلها وكحلت عينها وفلت شعرها، حطت شيلتها المزينة على رأسها ودهن العود والمسك فاح ريحة من دهنت على نحرها. طلعت من البيت وقابلتها أم عقاب. أم عقاب: وش مطلعك يا يمه، لا تتعبين ادخلي واللي تبينه يوصلك. عايشة تكمل طريقها: ما تعبني إلا كثر الجلسة.

أم عقاب: لا تبعدين ولا تكثرين مشي ردي بسرعة يا يمه، زينة وينها ما تجي معك؟ عايشة: ابتس لا تخافين ماني هاربة. كملت طريقها بهدوء وهي مشتاقة لهوى البادية والتمشي بالحيا. صارت تمشي وشيلتها الخفيفة مغطية بها نصف وجهها، وغابت الشمس وهي لا زالت تستنزف قواها.

الود ودها تصعد رأس الحَبَل تشتكي له، لعله يشهد لحاتم بأنه ذاق المُر قبل يمشي. مير ما فرطت باللي ببطنها، خافت يجيه شي. مشاعرها متخالطة أمام هالطفل اللي يكبر ببطنها، تبيه وما تبيه. والوقت يبي يعطيها العلم الوكاد مير هي تصبر عليه. وهي توسّم حدود البادية للمرة العاشرة، لمحت سيارة ما هي تجهلها، جايةٍ صوبها من بعيد. خفق قليبها لين أوجست روحها تبي تطيح من طولها.

أخذت نفس وهذا زوله يتباين لها من بعيد. يبست رجولها ولا عادت تعرف الخطاوي، وكأنها الطفل بأول محاولة للمشي له. تمسكت بأقرب صخرة كبيرة بجنبها، واستندت عليها لين عادت لصوابها وعيونها عليه. ما هي تقوى تنكر الوله اللي يشتعل بقلبها ولا يخمد غير مطالع عيونه. مير وش اللي يخمد النيران دام حاتم، ماهوب حاتم الأولي. حبه لها ماهو الحب اللي عهدته، اللي تشوفه بعيونه وتقراه.

لحظة صمت تخبّت من ورى ستار الوله والعشق واللوم والألم. نزل من سيارته وفتح باب السيارة ونزل معه أغراض واجد وشنطته الصغيرة. جوه الصبيان يعاونونه وشالوا عنه الأغراض، ووجه عيونه لبيت أبو عقاب اللي ما يبان منه إلا رأسه. عرفوا هل البادية بأن حاتم جاء. وأغلبهم إن كان ماهو كلهم يسترقون النظر له وهو جاي، وويش حاله. اللي ترك دكانه وراح يشوفه، وأبو راجح واللي معه بمجلسه طلعوا يستقبلونه.

قليل المرات اللي يطول فيها هالمدة كلها، ووشلون لو عايشة حبيبة قليبه هنيا تصارع الموت لوحدها. أما سعود وسعيد بوازنه واقفٍ بانتصاب وما صبره إلا مر الليالي اللي صبر عليها ولا هو بأقل منه أبو عقاب. ما هي عاجزته ذي الليلة، إلا إنه كل ما طرت عليه عوينات عايشة يلتضي قلبه وكأنه على جمرة. أما عند عايشة كانت تردد بينها وبين روحها ويدها على بطنها: جاء، جاء أبوك يا أبوي، جاء اللي أنقض عهودنا وأخلفها، جاء عقب البطا.

طالعت سيارته ولفت له تطالعه وهو مقفي صوب الرياجيل. أسرعت بخطاها لبيت أبو عقاب وقلبها يسابقها. وكل ما فيها ينهار لشوفته، قليبها ماهوب قاوي ينكر حبه وشوقها له. سلم عليهم رجال رجال وبعضهم يبارك له. أحدهم: مبروك يا حاتم عقب الصبر. آخر: مبروك يا حاتم الله يتمه. ثالث: أبشر بالخير يا حاتم، لو يجي سمي الغالي أبشر بالحلال. كان متجمل ويرد بابتسامة ما يدري وش اللي ورى هالمباركات، ظنه إنهم سمعوا به يبي يعرس ولجل كذيه يباركون له.

وقف قبال أبو عقاب وسعود وما جهلته عوينات سعيد، والغبن والحقد يتطاير منها. يبي الإشارة بس لجل يكتم نفسه، اللي سلب منه الحبيبة ولا صانها. يبي الوقت يرجع لجل ما يتنازل عن عايشة، وياخذها ويصونها وميخالف مع الوقت تبي توالفه. وقف بحيرة رجال ويا شينها من حيرة، ما يدري هي فشيلة أو هي سواد وجه. مسك يد

أبو عقاب وقبلها وقبل رأسه: طالبك تعذرني، على هالـبطا ظروفي أشغلتني إي بالله. أما عايشة والله وبالله ما أشوف من البيض غيرها ويحرمن علي. رفع رأسه لأبو راجح اللي ما عبر بوجهه بل بالعكس هز رأسه ويوافق حاتم. قلبها برأسه حاتم وقال غدي البطا لينه وغير اللي برأسه. لازمه الصمت أبو عقاب ووجه عيونه لسعود وكأنه يسلمه الرد. سعود بركادة وهو جاهرٍ بصوته: خابرين بأن النساء تحرم عليك بعدها، لكن.

سكت لفترة زمنية قصيرة دارت بها أفكاره. حس بقوة اللي يبي يقوله ومنه يبي يحد مصير ومحي الحب اللي تل قلوب هل البادية كلها. سعود: لكن ما ظنتي عايشة عادها تبيك، اللي سويته ماهوب هين يا حاتم. أوله تهملها بتعبها، ثم تعود الديرة وتبطي عنها لين زدت تعبها تعب، ولا يهونون العرب وهروجهم ودرت بأنك تبي تعرس. ثم ترد والقلب قده مليان منك وجفت عويناتها من البكى. لا يا حاتم ما يهون علي أهينها وأردها لك.

هي معززة، مكرمة، وأميرة تأمر ما يؤمر عليها ببيتها ولحدن أعلى منها. قدرها عالي والله إنه يهون علي الموت ولا تهان بنت أخي اللي حطها برقبتي ورقد حدر الثرى. اشتد صوته وعيونه انعمت من الدموع. سعود: سود الله وجه من كان بتعبها وبكاها وضيمها عميل، سود الله وجهك يا حاتم. ابتس أنا اللي بديتك على ابن أخي اللي ربى على يدي. سحب سيفه وضربه بالأرض بغبن.

سعود: لو هي بيدي فصلت رأسك عن جسدك، من غلاك عندها ما ودي أسود وجهك قبال العرس. ابتس تدري أنك ضيعتها من يديك، عاجزٍ لا تصبر وتقر عيـ.. سحبه سعيد قبل لا يكمل كلامه. حاتم عقد حجاجه: أقر عيني بوش؟ سعيد ماسك سعود وعارفٍ بطول صبره مير لا نفذ منه مرفوع قلمه: تعوذ من الشيطان يا عم لا ترهق روحك. طالع أبو عقاب: العلم وش؟ عايشة بها شي؟ لف عليه سعود ودموعه تخونه وصوته خفت: عايشة.. حاتم

جن جنونه وصوت سعود يتقطع: عاااااايييششةة بلاهااا، ووين هيي فيه؟ انبّح صوته وصرخ بوجهه وهو متمسك بياقة ثوبه: عايشة حاامل حاامل يا حاتتمم. دفه بقوة وهو يرددها ودموعه تنساب بضعف. هدوء تام ما يسمع منه غير بكا سعود. نقل عيونه بين أبو عقاب وكأنه يرتجي شوفها، وبين سعيد اللي كأنه ذيب لقى له فريسة مير رجله عويقة، وسعود اللي انقطع رجاه منه. كان أشبه باللي منهار على الأرض، بلا صوت، ويطالع أبو عقاب، وكأنه يلومه.

حاتم: قدني قايل لك أبيها معي، أبي أروح وأطول وأبيها ترد معي. قدني قايل له أبي أشوف بلاها هناك. صد أبو عقاب ويدري بأن اللوم لاحقه. وقف حاتم واتجه لسعود بهدوء وصوته اللي تخنقه العبرات: سعود، يا سعود طالبك طالبكم يا النشاما. رمى عقاله وغترته صوبهم وحيله انهد والخبر يصوبه بنص صدره ولا يرحمه.

حاتم: طالبك أبيها يا سعود والله إني جسد بليا روح بلاها يا سعود شف حالي يا سعود. وأنت يا أبيها، قدني قايل لك أبيها ترد معي أشوف بلاها هناك عندي المشافي. البلا مهو بس مني أنا ابتس أنا بشر تبوني ما أخطى؟ العرب استلمتني من كل صوب، وهنا أبي وهنا عايشة وهنا الهواجيس اللي كلتني. لا تحرموني منها ومن ضناي والله إنكم تاخذون ذنبي لا حرمتوني منها. أنت أخص بحبي لها يا سعود. شال سعود غترته وعقاله من الأرض وحذفها عليه

وقلبه لان مير عقله ما قوى: لجل اللي يبي يكبر بحشاها بأعطي الكلمة الأخيرة لها، هي تبي تعلمك كأنها ما تبيك، وظنتي بأنها حتى الشوف ما ودها تشوفك. جاء عزام بهاللحظة وسلم على حاتم بشوق: ارحب ارحب. انتبه للرجال اللي واقفة: العذر والسموحة قطعت هرجكم. سعيد: منته غريب يا عزام، ما تخفاك فعايل حاتم. رفع عيونه عزام ولا جاز له الهرج، ومسك يده حاتم بهدوء وأخذ غترته وعقاله

وهز رأسه وقليبه قارصه: يبيض الله وجهك، ولو إن الأمل حصاة من أكبر جبل. سعود: وأنا هنيا إلى ما تلد عايشة بالسلامة، وأنا سندها وعكازها لا عاندتها الليالي. ولو تعاندها بالحبايب، أنا هنا وما تغيرني ظروفي ولا هروج العرب. دخل أبو عقاب ووراه سعيد وعزام لحقهم. حاتم ودموعه ملت عينه وحرها يوجسه

بقلبه وصوته خذاه الألم: ونعم، ما عليك قصور وأنا أشهد أنك سند، ما يعانده الزمن، مير الإنسان ماهوب يكتب أقداره بيديه. لا تلومني يا سعود، والله إنه ما يهون علي أشوفك شايل بقلبك علي لا أنت ولا سعيد ولا أبي عقاب ولا حدٍ يعز عليها. وما تذوق عيني النوم إلا وأنا حاب خشمك ورأسك فأنت ما قصرت بغيابي وأدري بعد وأنا موجود ما أنت تقصر.

مسك رأسه وقبله وقبل خشمه، وحضنه بشدة. وهو يدري بأنه يبي يفهمه في حين كل العرب يظنونه المخطي ويلومونه. ما حدن يبي يفهمه إلا من ذاق حزنه في سنةٍ من السنين. سعود شد عليه: ودي أخنقك لين ما تذوق اللي ذقته وعايشة تبكي من وجعها وتبكي من غيابك، ولا يوم دريت بخبر حملها وهي تشيل ضناك وضناها. أما حاتم يستمع له ودمعه ينظم قصيد الأمل على قافية الفراق. انقطع درب الأمل، ولحقه عرق الوريد. انعمت عين الحزن، ما لقت غيرك حبيب.

مرت الشهور وكأنها قرون على قلب عايشة وبطنها يكبر زود. بالشيخ اللي تنتظر قدومه ببيت أبوها عقاب، عقب ما ردت حاتم وامتنعت ترجع معه، هذي هي عايشة بشخصيتها الأولية. عقب ما عماها الحب، قساها بعده عنها والعرب قساوها. والزمن بعد ما قصر. وفي الأخير فهي تمتلك من شخصية أبيها صقر، تهدم أمم، إلا كرامتها ما حدٍ يطرفها. وصلت الشهر السابع. وبطنها يزيد جمالها وأنوثتها، مع تصرفاتها الجريئة إلا أن وجهها ما يعرّفك على شخصيتها الحقيقية.

وسعود، عمها، ما تسج عينه عنها، ملازمها وخصوصًا بآخر شهرين ما يفارقها إلا لا اجتمعوا الرجال. وعينه تراقب حال حاتم الذي تغيّرت ملامحه ولحيته غزاها الشيب، ما يدري هو من جور الزمن ولا شين القدر. مع أن الشيب الذي غزاه زاد ملامحه الرجولية وحلّى عينه الكحيلة، مير الجمال ما فاد له دامه بصوب وعويش بصوب.

وعزام وزينة عرّسوا قبل شهرين، توّهم عرسان ولا حدٍ راضي يفارق الثاني، ملازمين بعضهم كأنهم يستوعبون وشلون الحواجز اللي كانت بينهم تلاشت كما السراب، أو مثل الضباب تهب فيه الريح لين تباين لهم تحديد المصير. أما سعيد وزينب، ردّوا لأمهم وأبيهم أبو سيف. كل العرب حالها ضايق على حاتم وعايشة، اللي قصتهم صارت تروى للوغدان، عن شجاعة حاتم قبل ما ياخذ عايشة ووشلون وقف معها وحبها، وعن عايشة وقصة أبيها وكأنها تعاد لها.

اشتهرت بينهم قصيدة حاتم اللي تردد بالمجالس، وكل مجلسٍ يرددها لين أعجبوا بها العرب، حتى الضيف اللي يجيهم ينشد عن حاتم ويطلبه يسرد له القصيدة. أصبح حزننا مصدر إعجاب العرب، وأمسيت أنا حزين والعرب تضحك. بالبادية، والمغرب على بدايته. عايشة دنّقت بخفة وتشيل الملابس من الأرض: زينة.. ابتس تعالي عاونيني هالحين نهيل تبي تجي. زينة جت تضحك: يا حليل هالكرشة معصبة، جعلني فداها.

عايشة: لا تصيريين فداها بس روحي شيلي اللي على الحبل ورى بيت الشعر. زينة هربت: إلا هذي اعفيني عنها، عزومي مانعني اطلع خوفك الرياجيل تفتن فيني. عايشة ضربت بيدينها وحطتها على بطنها بسخرية: الرياجيل لو تبي تفتن كان من زمان وش معنى هالحين، مير لا يحط أمل مع هالوجه، أجل أنا أروح أشيلها. طلعت عقب ما حطت الشيلة على راسها وشعرها على أكتافها، وعليها جلابية سوداء ومنقشة بأحمر من قدام ومزمومة من الصدر وأكمامها طويلة ولها ياقة.

بين الشجر وعلى الصخرة، مرتكي وكأن حمول بقعا تزهمه. ناداه سعود وراح وهو شايلٍ معه الذبايح لبيت أبو عقاب، وقلبه غدى هش والريح تلعب به. وأبو راجح كل شهر يذبح لعايشة لعلها تطيب وترد لحاتم. ودخل انتصف الشهر السابع وعايشة ولا طرى على بالها. حط الذبايح على الأرض ورفع جسده بإرهاق، أغلق عيونه ورد يبصر بها، هو صدق اللي يشوفه ولا حلم. وسعود جنبه ما نزلت عينه عنهم، ويطالع عايشة اللي ارتخت شيلتها والسلة بيدها.

تركتها بخفة على الأرض وعيونها ما نزلت عنه، أما حاتم اللي حاله يعمي البصير، وكأن الدنيا تلف به وتدور ما هو موجسٍ اللي حوله، ما يرى غير زولها قباله. وبطنها.. بطينها كبر بالحيل، يشيل قصة حبنا ويوثقها. دخلت بسرعة وحست بالثواني اللي بحّرت بها في عينه وكأنها ساعات. تغيرت يا حاتم.. جسمك نحل وحالك هزيل، والشيب طرى علي أبوي اللي أشوفه بك. دخلت ودقات قلبها تكاد تسمعها بأذنها، ويسمعونها العرب.

خطفت من قبال زينة ودخلت مرقادها ويد على صدرها والأخرى تحسس بطنها وعبراتها تقود خطاها. أما حاتم رد له النّفس أول ما اختفى زولها، وكأنه فاق من سجّته: ويش اللي صار بالدنيا يا عويش، حتى بأيام اللهو واللعب، بأول أيام الغرام، ما أنتِ تصدين عني كذيه. وشلون ذالحين وأنتِ تشيلين ولدي بالحشا. ما جداه إلا يوم أقفَت، لف على سعود وعينه بها بريق الدمع يخط ممشاه. أقفى عنه بخطا سريعة ولف شماغه على وجهه وأزرق الدمع يبلله.

طلع على ظهر فرسه وانطلق بها إلى ما يرده صوت الذيابة وعتمة الليل. دخلت زينة عليها: وينك أنتِ ترى نهيل جت وسعود يبغيكِ برى. عايشة ساجّة والدمع متعلق بعيونها، وكل ذكرياتها معه وهرجه معها يحوس بالمشاعر. لفت على زينة وعيونها بها سوالف ليل وأنين الوله والغبن وهي تهز راسها بالنفي: ماني طالعةٍ له. زينة وهي لافة للمراية لفت عليها باستغراب عايشة الفزّازة لطاري عمها: ما أنتِ طالعة! ... تبكين!؟ أفا يا عويش.

كان ما ودكِ تطلعين ما أنتِ طالعة، بس بلاش كذيه تبكين بليا صوت. عايشة ضمت وجهها بكفوفها وارتفع صوت بكاء وتكبحه بكل ما أعطاها الله من قوة: ما أبيه يشوفني كذيه، ما أبيه يشوفني أبكي عليه وأنا اللي رديته وعيني بعينه. ما أبيه يشوف الوله بعيني وضعف قليبي يوم شاف حاله يا زينة، حالته تقطع القلب وشلون العرب ما حنّت ولا هو بس أنا اللي أوجسته. ما ودي أطلع له ويشوفني بهالحيرة والغبن اللي أكلني. زينة ضمتها لين ما أوجست بدقات

قلبها المرتعش على صدرها: بس يا عين أبوي، بس يا عويش، أنتِ ظنك أن سعود ما هو عارفٍ اللي بخاطركِ؟ ولا هو يدري بحالكِ هالحين، كلن اكذبي عليه يا عويش إلا اللي يعرفكِ من عويناتكِ ويعرف اللي بخاطركِ.. إلا اللي يعرفكِ أكثر من روحه. لازمت عايشة حالة صمت لثواني، وانهل مطر عينها وهي تغرس وجهها بكتف زينة، وتقتنع ما بينها وبين روحها العبارة اللي من شهور

ترددها تبي عقلها يصدقها: وش صار يعني لا انكتب لنا الفراق.. وش صار يعني لا ابتعد ورحل. ما هي نهاية العالم يا عويش. وصوت داخلها يرد عليها: "هي بس نهايتكم يا عويش.. النهاية". زينة أبعدتها: امسحي دمعكِ واطلعي للحريم ما كأن شيء صار، واطلعي لسعود وأرسليه.. ولا تظنين مني أكذب عليه لأنه عارف بليا ما أقول وكأنه نشدني.. بأقوله أنت أدرى. طلعت قبل ما ترد عليها عايشة، وقابلت نهلة وعينها على سعود.

قالت لها السالفة ووكلت نهلة ترسله، لأنها لو تكلمه يمكن تفضحه بين العرب على هالذنب اللي ما له فيه ذنب. سعود واقف ومتلثم والبرد اللي ملازم البادية وزاد من سبعة شهور. نهلة: عايشة مالها واهسٍ تطلع لك يا سعود.. تقول يروح ويعود عقب المغرب. سعود بخوف وينشدها لجل يطمن باله ويدري بحالها: ليه، عسى ما الحمل أتعبها.. ولا منشغلة للحريم.

نهلة طالعته بصمت: ظني أنك أدرى يا سعود، عايشة تصارع روحها من سبعة شهور لجل تنسى حبها وماضيها وماخذة على نفسها عهود ومواثيق ما تحزن روحها دام برقبتها طفل بريء.. أنقضيتوا مواثيقها وعهودها بثواني قليلة. سعود بصوت مبحوح ويبرر موقفه البريء: ولو الله اللي كتب هالصدفة هو أنا يركبني ذنب؟ نهلة دنت له: البلا أن محدٍ يركبه ذنب.. حكايةٍ ما بها لا جاني ولا مجني عليه.. ولا ظالم ولا مظلوم.. كلنٍ بها مسكين وكلنٍ بها عاشق.

سعود أخذ نفس: خليكِ معها.. لا تتركينها بروحها ويطري عليها. سلّيها ولازميها أنتِ والبنات. نهلة: أبشر. مر المعصر.. وتلاه المغرب، والعشاء.. ولا حدٍ فقده لأنه ظهوره قليل بالشهور السبع العليلة. إلا سعود.. هو خابره وخابر اللي يدور بعقله وقلبه ذالوقت. بحث عنه بالبادية كلها وحتى ببيته ومرقاده ونشد عنه عزام. قابل عزام وهو راد على ظهر فرسه.. نزل وهو يتنهد: ما عوّد؟

عزام: بلاك يا رجال، هذا حاتم لا ضاق ولا سرقه هوجاس ما ترده حدود البادية على ظهر خيله. حاتم قاله اللي حصل وعزام منصت بصمت. عزام بضيقة: يا عزتي لك... يا عزتي لك يا حاتم. سعود: أنا أشهد يا عزتي له.. أول نوبةٍ يشوف بطينها كبر ولا هو من بعيد. عن قرب لين قريت سوالف عيونهم أنشهد إنها سوالف وله. أوله مريت عايشة أبشوف حالها، مثل كل ليلة. ذالمرة عيّت تطلع لي.. تعذرت بالحريم مير أنا خابر اللي بها.

عزام تنهد: أبك حالتهم كسيفة وش الحل؟ سعود: خلها على الله، وربك ما هو بـ يظلم ولا ينسى أحد. بعيد عن حدود البادية.. وفرسه أنهكها العدي.. وقف عند غدير ما يمّه أحد وزولها ما يفارق باله وعيونه.. انشل فكره ما يهوجس إلا بها. وعيونه ما تشوف الأرض.. ما يتخايل له إلا عيونها اللي تنعاه. فرك راسه وشماغه على رقبته.. نثر شعره وياصل لمنتصف رقبته.. ومخصّل بالشيب اللي يفضح علومه عند العرب.

ولا يهون دمعه اللي زاد عيونه سواد.. وجفونه ذبل. وقصيدته الشهيرة تردد بلسانه: ودي بشوف أدعج العين يا سعود قبل المفارق وقبل تحديد المنية مر الشهر والشوق أهلكني بزود يا قاضي انصفني بحكم القضية ما بيننا ليل وسهر، ومواثيق وعهود ما ينساني ولا بنساه من بد البرية من العام لين اليوم وطرياه موجود بين الضلوع العوج والحالة ردية ترى الفرس والخيل والجبال شهود ولا أقدر أشرح لك تفاصيل القضية من أماني للهيام، من صد وجحود

خوفي توجع معي مير يا الله المقدرية أبي العرب تدري، ترى الهرج مقصود ردوه لي.. لجل أعيش عيشة هنية. وش اللي صار بالدنيا يا حاتم لجل ينتكس حالك؟ وش اللي عطاك القدر، من حزن وغرابيل وهموم؟ متى تنتهي، متى تهوّن عن البكاء كل ليل.. وهو يجزم مئة بالمئة لو صار المستحيل وردت له عايشة، يبي يصحى من حلم الحزن. طلع على ظهر فرسه ورد للبادية ويدري إذا رد العرب كلهم نيام، إلا كحيلة العين ما تذوق الرقاد.

يبي ينشد شاهدٍ من شهوده.. هي على العهد باقية، ولا طوت كل الليالي الثمينة. ضرب الفرس وصوتها ينخر مسامعه وكأن الوقت يسابقه.. وأسرعت وهي توسع خطاها. وكأنها تفهم حال صاحبها وما يجول بخاطره وما يدور. أما المنشود حالها.. جزا عينها النوم مثل كل يوم.. وهي تحمل حمولها وتصعد عالي الجبال مثل ما تعودت كل ليلة ما صار يأثر عليها. صار يخفف عليها ألمها.. كانت بكل مرة تصعد بها الجبل قبل ما تاصل راسه.. تمنت مثل الأيام الأولية.

من تاصل راس الجبل وهذا قفاه ينطرها.. تنهدت من أعماقها وتشوف مكانه خالي. جلست على صخرة وعيونها بالسماء: كأني أشوف ذالليلة طويلة ما هي بمنتهية، "حطت يدها على بطنها" ذالليلة من حزنها ما هي بترضى مرور الكرام. بعد وقت من تأمل السماء والنجوم.. انقبض قلبها وياصلها ضرب رجول الفرس على الأرض وأنفاسها المتقطعة من العدي. فجأة.. اختفى الصوت لكن تكاد تسمع دقات قلبه المتلهفة لهاللقاء.

ما ظنتي يبي يكتبه ربي عقب سبعة شهور عقب الفراق.. ما ظنتي أن حبكِ وفيّ وأنتِ بأردى أحوالكِ ملازمة الذكرى ولو هي موجعة. أنتِ الوفية.. أنتِ المنى المستحيل يا عويش.. ظنتي أنه مستحيل لأني خابركِ. عقلكِ ما هو يرضى موقف الذل والهون.. والعرب كفوا ووفوا بالحكي وصار اللي يبون. نزل من فرسه وعينه ما فارقتها.. وأما هي، ما هي بقاوية تلتفت له. ولا رجولها حملتها لجل تهرب منه ولا يبان ضعفها له قدامه.

سكرت عيونها وتسمّع خطاه البطيئة تقترب أكثر. شدت على روحها وقامت ومغطية بطنها بالشيلة ويدينها فوقها ما صدقت تبي تهرب.. شدها من يدينها وصوته المجروح ينعاها ويندهها باسمها.. وقفت، ووقف تفكيرها، ودم عروقها يكاد ينافس الجمرة من حره. لكن ما قوت تلتفت له.. سحبت من هوا البادية ونفسها يكاد ينقطع من يديه المتعلقة بها من الخلف. وراسه يتوسط نحرها ويبكي.. يبكي من حبه المظلوم، جنوا عليه العرب إلى ما كتب ربي فراقه.

ياااه يا ريحتها.. ما كان يرقد إلا وقد تشبّع منها، ومن مغازل عيونها. ما يرقد إلا وراسها يتوسط صدره.. ويمسي ويصبح ويوثّق حبه لها بكل ما فيه حيل.. هذا اللي يومه معها زودٍ بعمره.. وشلون حالي أنا بلياها. وشلون صبرت.. إلا إن كان ربي مثبتني. شدت على بطنها ودموعها مغرقة عيونها.. وكأنها تعيش القوة بعزّ الضعف. وتوجس يديه تنتفض وحسه انجرح من نعاه في الليل وفي النهار.. شالت يدينها وكأن قارصها عقرب.

ومن قرب يديه ليدينها ومسكها وحطها على بطنها ويشتد بكاه اللي بليا صوت. تقدم أخيرًا وصار قبالها وما يوضح له وجهها وهي مدنقة.. غير عيونه على بطنها وشوي يحاول يسرق من ملامحها ليحتفظ بها في ذاكرته. صار يتحسس بطنها وكأن ما هو متخيل اللي تشوف عيونه. استجمعت نفسها وهي تشيل يديه عنها وتبي الفراق: بـ بس.. كافـ ـي.

توالت خطاها وودها لو أن الزمن يردها وتضممه لين ما تخالط ضلوعهم.. تضمه لين ما تشفي جروح الوله اللي أتعبتها تدري بأنه هو الداء والدواء. مير ردتها يدينه وكأنه يقول فرصتي الوحيدة ما أنا بتاركها للزمن يلعب بها.

رجع يخمها، وكل ما قاربت تفكه وتحاول بقواها الضعيفة قباله، رد يضمها له زود، وكأنه ينتظر استسلامها، وكأنه ينتظر تبادله الأشواق، وكأنه يطمنها بأنها حلاله وهو حلالها، إلى ما فعلاً عايشة استسلمت وتلت محاولاتها الفاشلة شهقة، تعبر عن كل ما بداخلها. شهقة هيضت كل خلية بجسم حاتم، وهو يلمها له زود:

"سبعة أشهر يا عويش، سبعة أشهر أعدها عد، سبعة أشهر والدمع ما فارق عيوني، سبعة أشهر وحالي كسيف، سبعة أشهر وما لمحتش غير ذا الليل ولا صبرني غير لطف ربي بي." سندت راسها على كتفه وطاقتها تنفذ، ويدينها متعلقة بثوبه، وأما دمعها اللي بلله فهو يخط عبارات العتاب اللي ما حصاها اللسان. حط يده على بطنها ويرجاها:

"طالبش يا عويش طالبش ردي لي كانش تبيني أبقى باقي عمري صاحي وبعقلي، ولا والله إن أخلي العرب ما عاد يدرون هو أنا صاحي ولا مجنون." ارتخت يدينها وابتعدت عنه ودموعها على خدها. صحت من غفلة اللقاء المنتظر، وأبعدت عنه. طالعها بصمت يبي رد يثلج مسامعه، وردة فعلها ما جازت له مير لا بد من الأمل! عايشة وكفوفها تصارع انسياب دموعها وحروفها تخوض حرب مع عبراتها، وأما مشاعرها متصالحة، الوله والاكتفاء، الحب والكره، الغبن والاشتياق.

تكلمت وعبراتها تخنقها وسواليف عيونها تخونها بموقفٍ ما حدٍ يتمناه: "مدري ويش اللي تبيني أقوله لك، أنا لو ماني حامل ذا الحين أنت معرس، وتخون حبنا وعهودنا، بعز التعب وفي عز الاشتياق، والفرح حتى، أنشد عنك ويقولون ما رد، باقي في الديرة، لين جف صدري من الشوق، شهرٍ مر علي كأنه دهر، وقلبي على نار من هرج العرب وهم يعيبون بي، ولا خبر أنك تبي تعرس، وهالحين تبي ترد، تبيني الأولية." اشتد بكاها وتكتمه وتقاوم بكل ما بها حيل، لأجل

تنهي هاللحظة وتريح ضميرها: "أنت خابرني، تدري وش اللي منعني أول جيت تطلبني من أبي." انسابت دموعها على الحقيقة المرة:

"واللي كنت أخافه صار يا حاتم، صار الفراق، وصار البعد، والجفا، والتخلي بعز الحاجة، ما نيب أنا اللي أنهان على يد رجل، ولا نيب أنكر حلو الأيام وياك، أفهم وحط هالهرج بعقلك، اللي وعدتني ما تزل دموعي وأنا على ذمتك، أنا ما خبر إني بكيت شهور كل ليلة إلا عقبك، ولا انكسرت قدام العرب إلا بسببك، ما ودي أزيد الهرج، مير هذا اللي ربي كاتبه، أنا خذيت عهدٍ على نفسي، حياتي كلها، للي في بطني، لسندي، لمركاي وعكازي لا اسودت الدنيا بوجهي، إن كان ولد ولا بنية."

أما حاتم بوسط حديثها المتعب، واللي يزيد شيب راسه شيب، كان يطالع بطنها بصمت وصدره يحترق، وكأنه يغبنه، وكأنه يقول يا حظٍ جاء لك وأنت ما ولدت ولا ظهرت على الدنيا، وأنت كل ليل تبي تداعب شعرها يا صغير، تبي تسكت من بكاك لا أروحت ريحة شعرها، وترقد بأمان لا قابل وجهك نحرها، يا حظٍ ولد لك يا صغير. جت تبي تقفي وتختتم القصة الحزينة بالفراق، صدت وظهرها مكسور، والخيبة تملأ ملامحها.

شدها من ذراعها وهو يفقد الأمل، ضمها حيل إلى ما استقرت ريحتها بثوبه وهدوءه ينصت لبكاها المكتوم، وكل ما جت تبي تفكه زاد وضمها أكثر وتكلم أخيرًا ببحة الصوت اللي ولدها البكاء المرير: "يـ يعني خلاص؟ شدت على روحها وفكته وأقفت وبصوت تضمه العبرة: "خلاص." أقفت وتركت وراها جسمٍ هزيل، أتعبه طول الفراق، وقسوة الحال.

وقف بضعف، ويرقبها تقفي عنه ولا بيده شيء، ما حسب حساب لهاليوم، ما فكر به، ما هقى يجيبه الزمن بأي يوم، سكر عيونه بهدوء ولا عاد له حيل ولا طاقة يواجه بها أي رجال ولا أي أحدٍ من العرب، راحت الحبيبة، وش بقا لي من الدنيا عاد أمي، إلا كأنه يبي يشرفني عقب شهرين، شيخٍ ولا شيخة، وأنا بعد أخذ عهد على نفسي، لأعيش لربي ولهم. مر الشهر على خير وكلٍ يقاوم مرارة الفراق، بالصبر الجميل.

ونهلة بأول شهر بحملها، وسعود ما تاسعه الدنيا وهو ينتظر وصول ابن عايشة وابنه، وصول الغوالي، وكأن ربي مجازيه، لصبره، حلمه، وقفته اللي يشهد لها القاصي والداني، وعايشة بدت تصعب حركتها. وأم عقاب وأم عايشة جتهم هالشهرين ترقب ولادة عايشة، بمنتصف الشهر الثامن لعايشة، ولو تبي تطلع من البيت ترافقها أم عقاب ولا أمها ولا تبعد. الصبح والناس بعضهم نيام.

قامت بملل من حالتها وأم عقاب خايفٍ عليها بزود، قامت وخابرة بأن أمها راقدة واستغلت الفرصة، أرسلت نهلة لسعود تقوله عايشة تبي تطلع معه تمشى. جتها نهلة ورمت شيلتها وجلست جنب زينة: "يقولش اطلعي وأسلم على الرياجيل وأجيها." عند سعود: "أستأذنكم يا رجال، بأطلع أتمشى شوي." حاتم دخل ومعه العود ويمده لعزام: "وين، العرب توها ترقد خلك أقعد زود." سعود: "بأمر البيت وأطلع لعويش هههههههه الوكاد أم عقاب رقدت تبي تطلع تمشى شوي."

بلع ريقه وصد عنه بهدوء وجلس جنب عزام ومصعب منسدح. عزام: "فمان الله، إيه يا رجال أنا ولهٍ على زينة أم الزين، بأقصد بها." وبدأ يدق ومصعب يهز كتوفه ويمازحه. فز من بينهم وكأن باله ما هو معهم من بدأوا، راح يتحرى عايشة تطلع و... بعد ثواني، لمحها طالعة تمشى بروحها وتحرى عمها سعود، أرمشت عينه بخفة تأمل حبيبٍ غربل أحواله، وأصبح يملك جسد بلا روح ولا قلب ولا عقل، كلٍ مشغولٍ بها.

ارتعش جسده بخوف وهو يشوفها تلتوي على بطنها، ثم قامت وفركت ذراعها وضمت نفسها علامةً للبرد اللي يشتد بهالوقت، وقت السحر. تنهد وهو يشد عمامته ويراقبها بصمت، وما بينه وبين نفسه حروب وجيوش استحلت موطنه واستحلته هو. دخل البيت بهدوء، وشافها منسدحة ويدها على بطنها وتطالع السماء، والدمع يختلط بالرمش والجفون بعينها، كانت تسولف بعيونها وما شافت اللي يقرأ سوالف الشوق اللي خطته سيوف رمشها.

جلس جنبها ومسك يدها اللي على بطنها، فزت ولفت له بهلع، صحاها من سكونها وسجتها التواقة. طالعت عيونه لثواني، وتدري بأنه عرف وش تهوجس به، ووش يطري على بالها، ومن تسولف عليه بهالعيون الدامعة، بدت دموعها تدرج من رمشها لجفنها لخدها، لثوب سعود يوم احتضنها بشدة. سعود بضحكة يلطف الجو: "صرتي أم عيال يا نهيل وش يبكيش." نهلة وصوتها ينعى الوجع: "ولا صرت أم عيال مالي غنى عن أمي ودي بها بس أبي ريحتها." سعود:

"لا توجعين قلبي يا نهيل، ادعي لهم بالرحمة بكاش ما هو بينفعهم، هها يالله أشوف اضحكي وصلي ركعتين ادعي لهم بها وارقدي ارتاحي، بأصل عويش أمشيها شوي وأرد." لاحظ تأخر سعود عليها والبرد أكلها، سكر عيونه وأمنيته تصيب العرب لعنة وما يصفى له غيرها، تصيب فراقهم معجزة، يجزيهم القدر عقب تعبهم، يحن قلبها وتلتفت له، لأن ماله حياة من دونها.

ما بينه وبينها حواجز ولا أحدٍ من بني آدم ولا حواء، ما بينهم إلا الحيا والأرض الصحراوية وبيوت الشعر، وهوى ربي اللي أرعش جلدها. أخيرًا وصل سعود وضمها ودرى بها بردانة وعطاها فروته، مسك يدها وقام يتمشى بها. عايشة وتوجس الألم من المغرب ملازمها مير ما همها دام بها مشي وتحرر من أم عقاب، تركدت في مشيها وسعود يسولف عليها. سعود وقف ولف عليها: "تعبتي؟ تبين تردين؟ عايشة سكرت عيونها بألم ويدها على بطنها. سعود بخوف قرب لها:

"بلا ش؟ أتعبتش بالمشي، زود أنتي بآخر الأشهر يا عويش طارت عن بالي، امشي امشي نرد، بيش حيل؟ مشت مع سعود بالهون وتقاوم ألمها، وتجزم بأن الألم هالمرة غير. زاد الوجع خوفها وتمسكت بذراع سعود وتبكي ويدها على بطنها. خاف سعود من حالتها، جودها بيديه: "عويش، بلا ش يا مرة هو أنتي تبكين من ويش؟ عايشة شدت على بطنها وصوتها ارتجف: "خايفة يا سعود، حالي اليوم ما هو بحال." سعود طير عيونه:

"وشلون، يعني يبي يشرفنا الشيخ، ولا شيخة، بس تو الناس يا عويش." عايشة سكتت وبطنها يزيد، امتلأت عيونها دموع وتقاوم الألم بلا صوت. زاد خوف سعود وبلع ريقه وباقي على البيت مسافة، مسكها بتوتر نهش جسمه: "عويش لا تتحركين، أبقي هنا، ثواني وأرد." جلست على أقرب صخرة وتمددت من الألم اللي ما تخيلته بيوم، ركض أو الريح شالته ووقف قبال خيمة أبو راجح وحاتم قده رد. صرخ سعود: "ربعي يا ربعي، عايشة." سكت ونفسه ينقطع.

فز حاتم وقلبه قارصه من أصبح، أما عزام ومصعب فزوا من محلهم ومعهم رجال على أعمارهم: "لبيه، سم، أمر." فز حاتم من محله وأصبح يركض محلها ولا توقفه لا سلوم ولا قبايل ولا جيوش، سعود طالعه وتنهد، ثم لف على مصعب وعزام: "مصعب انده المداوية وأنت يا عزام الحقني حاتم قده وصل لبيت أبي عقاب معها." عزام ابتسم ومسك بندقيته والرجال وراه، وبعض الشيبان قاموا لصلاة الفجر اللي ما بقى عليها إلا ساعة واحدة، وأما أبو راجح قام من صياحهم.

قبل ثواني، حاتم وصل عندها وأنفاسه عشر بالثانية، سندها على ذراعه، شدت عليه وتئن من الوجع، عايشة وما ترى عيونها اللي قبالها، شدت على ثوبه ودعست وجهها بصدره وتصرخ، ما عرفته إلا من ريحته، وردت تصرخ باسمه ببحة الوجع: "حاتم، أوجس الموت يا حاتم." حملها وهو يسمي عليها ويستودعها الله، لين وصل بيت أبو عقاب وصرخ: "يا هوه، يا بي عقاب، زينة، يا أم عقاب يا عرب."

دخل ولا يفكر إلا بها وباللي يوجس قلبه الصغير يرجف يبي يطلع على الدنيا. طلع أبو عقاب ويشوفه حاملها وعايشة تئن وكأن روحها تبي تطلع وأنفاسها تتقطع. أم عقاب بخوف: "عايشة بلا ش يمه." حاتم سكت يطالع بهم، وانقذه صوت سعود من خلف الستار: "يا أبو عقاب، المداوية عند الباب." أم عايشة دخلت دار عايشة: "تعال هنا."

سدحها وعيونه ما ترى غيرها وصدره يكاد يتقطع من العدي ووجهه اشتدت عروقه، ولا يزال يطالع عيونها، وخايفٍ عليها وكما أنه أبيها. عايشة على كثر الدمع بعينها إلا أنها تشوف الخوف بعيونه ما شافته على عيون أمها لها، تكلمت وكأنها قاصدة تشل عقله وروحه وتدمي جروحه وهي ما قصدها شيء. تكلمت والعبرات تخنق حروفها: "ليتني مت قبل هاليوم، ليتني رقدت يم أبوي قبل لا أشوفك كذيه، وقبل لا أذوق هالوجع، زدته علي زود." أبو عقاب من

خلف الستار لأجل المداوية: "يا حاتم." حاتم سكر عيونه وعيونه تبرق، بريق الألم الجريح، رفع كفها المتشبثة بكفه وقبله بحب صدوق: "والله إن روحي تلحق روحش وين ما تسري." صدت عنه أول ما قام عنها وذراعها تغطي بها عيونها وتشهق ببكاها. طلع من البيت وعيون الرجال تشهد، بانكساره، بحزنه المفضوح، بحبه الصادق. قابله سعود من طلع، طالعه بحيرة، وراح خلف خيمة أبي عقاب عن العرب. ولحقه سعود وعزام ومصعب، مصعب مسك ذراعه:

"بس يا خوي شد ظهرك، وراسك لا ينحني أبك والله إن أحرق العرب ذي كلها." رفع راسه لمصعب وبعيونه قصيد وآلام وهموم، رمى روحه على صدر أخوه وعضيده، اللي لو يميل الزمن ما يميل، ولو تقصر السنين ما تقصر يمناه، ولو تندهه صاحي جاك مجنون. شد على صدر ابن عمه ويدينه تدق ظهره من الغبن ويصرخ بالصوت الجريح، سعود مسك ذراع حاتم: "بس يا حاتم، أنت ما تشوف العرب اللي حولك، قو روحك وصبرها ترى الصبر مفتاح الفرج."

حاتم لف عليه ودموعه تبري حال اليتيم اللي لا شاف أبوه ولا قبله، تكلم وهو يشكي لهم حاله لعلهم يفهمون الحروب اللي بصدره: "تقول لي أوجس الموت يا حاتم، هي توجس الموت من وين مني ولا من الزمن ولا من خوفها ذا الليل." سعود شد عليه وضمه: "هونها وتبي تهون، وما هو بطالع الصبح إن شاء الله والوغد في حضنك وتكبر بأذونه وعايشة بخير وصحة وعافية."

سكت وما ينسمع غير صوت تنهداته، وأبعد عنهم وهو يمسح على لحيته ووجهه، يخفي أثر الدمع اللي نحته جور الزمن. ردوا العرب يتوضون ويصلون واللي يصلي معهم وباله نساه في كفوفها. خلصوا وقلطوهم بمجلس الشيخ وأما سعود، وحاتم وعزام ومصعب وبعض الشباب، نهلة يوم أبطأ سعود جت تفقده، وقابلتهم قبال بيت أبو عقاب: "ويش اللي صاير، سعود." سعود مسك يدها: "نهيل،" عايشة، اطلبيش ادخلي وطمنيني عليها.

دخلت بخوف، وأم عايشة برى جالسة ما قَوِيَت روحها تدخل وتساند عايشة. أما زينة ملازمة يدين عايشة وحاضنة راسها. أما عايشة تصارع الألم. نهلة لفت على أم عقاب: سعود يقول طمنوني. المداوية: توها يابنيتي، ينتهي هالوجع وبإذن الله كل خير مير خبريه إنها واصلة. نهلة راحت لسعود وهو متلهف لأي خبر يطمنه عنها وحاتم جنبه. نهلة: تقول إنها واصلة وتوها ببداية الألم.

تنهد وطالع سما البادية والشمس توها ما وضحت، والغيم متلبّد ينبّه بجيّة مطر وخير وبشاير. سد مسامعه وصراخها هز بيوت الشعر من حوله، ما كان عالي بالحيل مير أصدع بزوايا صدره. أما حاتم غرس راسه بكتف بظهر عزام وقلبه المرتعش يزدحم بالدعاوي الصادقة. تفكير، خطوات بنفس المكان، توتر، هواجيس تجي وتروح. عيون تخايل له، ريحة شعرها، حرارة كفوفها.

سمع زغاريد أم عقاب اللي تعبر عن فرحتها سواءً كانت بمحلّها أو لا، انحنى جسده ودموعه تطيح على التراب الطاهر، وهو ساجد لربه، يعبر عن شكره وامتنانه وضعفه. همس بصوت ما يسمعه غير الله: الحمد لك يارب، الحمد لله عز الفرح المختلط بالحزن، الحمد لله ياربي ولو إن فرحتي ناقصة بلياها، ياربي إنت عالمٍ بالحال، وإنت قادر به. حسّ بقطرات المطر بمؤخرة رقبته والأرض حوله تمتلي بقطرات المطر.

رفع راسه والتفت لحاتم اللي ما رضي يرفع راسه، ابتسم والضحكة تختلط بدموعه ومسك ذراع حاتم ورفعه وضمّه من كل قلبه وهو يضحك. سعود: مبروك مبروك يا حاتم. حاتم ضحك وهو واقف على ركبه وشد عليه ودموعه منسابة: يارب لك الحمد ييااربب. قام حاتم وحضن عزام وقبّل خشمه، وضجّت تفاكيره بالتباريك وتقبيل الخشوم العزيزة. والمطر يبلل لحاهم. ارتخى جسدها من سمعت البكاء وترى عيون زينة

المليانة بالفرح والخوف: بنييية. وتكاد تفقد وعيها وبطنها يلجّ بالأوجاع، وردت تونّ. المداوية ابتسمت: ما شاء الله، بنية عسى ربي يحفظها. أخذتها أم عقاب ولفتها بقماش لجل تنظفها ووقفتها صرخة عايشة. فزت المداوية وهي تفرك بطنها، رفعت عيونها لأم عقاب بصدمة مختلطة بالفرح: بحشاها روحين. زينة: أحلفي بالله، صادقة. لفت على عايشة بفرحة تبكي: عويش. أما عايشة عاضّة على جلابية زينة بألم ما تخيّل عقبه تضل حيّة.

نهلة طلعت تركض قبل خبر الثاني وقابلها سعود وهو داخل، ضمته. نهلة: بنييية بنيية يا سعود تشبه عايشة وتشبهك. سعود ضحك: يا الجوارة ما كملت دقيقة وشلون عرفتي ملامحها. نهلة هزت كتوفها: حسيت. ردّت أم عقاب تزغرد بأعلى صوتها وسعود رفع راسه باستغراب، ونهلة دخلت بسرعة. طلع سعود لحاتم وطالعهم ورفع يدينه بغرور: تقول إنها تشبهني وتشبه أمها. ضحك حاتم وحضنه: تو ما زاد غلاها. فكّه سعود وهو يسمع صوت نهلة تناديه: لبيه. نهلة

والضحكة ما تاسع وجهها: أبي البشارة. سعود سكت يطالع عيونها: أسلمي! نهلة: بنتت وولد، يا سعود يا ويلي ما أحلاهم تبارك الرحمن. سعود حملها والفرحة ما تاسعه وضحكة يسمعونه الرجال برا: عقبالش يالله يا كريم. طلع وهو يطالع عويناتهم وأخذ بندقية عزام وصوّب نحو السماء، ويصرخ بفرحة والمطر بلله. سعود: الأوله تشبهني وتشبه أمها، والآخر وكاد إنه شبيهك. حاتم: ويش؟ عزام بلّم شوي ثم، ضمه: يا حاتمم، بنية وولد اثنين.

مسك راسه وضحكته تقطّع ما عاد يدري وش يقول. أما اللي بمجلس أبو عقاب دروا إنها ولدت من صوت طلق النار، إلين جاهم مصعب وربعه معه وبقي حاتم وسعود. مصعب رفع بندقيته: ودي أفرغ ذالبندقية صوب السماء، عطانا الله بنية وولد يا إيبه. قاموا كل من بالمجلس وأولهم أبو راجح ما صدق اللي يقوله وضحك بفرحة: اللهم لك الحمد، ما شاء الله تبارك الرحمن ما شاء الله، عطها يا ولد ذاليوم عرس وفرح.

فرغ البندقية وربعه وراه، وكلن فارق النوم عينه من السعد وكأن هالاثنين عيال البادية كلها ما همّب عيال عايشة وحاتم، والمطر روى الحيا والشجر. الظهر وسماهم مغيّمة والذبايح معلّقة، ومجلسهم مكتظ بالرياجيل. وأم حاتم من صحّاها حاتم وهي ملازمة بيت أبو عقاب وبيدينها العيال تأمل بهم وترقب عايشة تصحى من نومها، والحريم يساعدن أم عقاب على الذبيحة اللي أرسلها أبو راجح وكلن قلبه على الآخر.

زينة دخلت على أم حاتم جنب العيال الصّغار وهم يبكون. أم حاتم: شكلهم جاعوا يا عيوني. زينة معها حليب يكفي لواحد: هههههههه المشكلة ما حسبنا حساب اثنين. أم عايشة دخلت: أنا بآخر مرة جيت جبت معي أغراض لبنت وولد مدري من يبي يشرفنا شوفيها هنا. زينة: إيه زين، أجل أبي أسوي للولد يالله. وهذا كله فوق راس عايشة ولا هي حاسّة بأحدٍ حولها. أما عند الرياجيل، جالس بينهم والتباريك تجيه بالقصايد ومن الأنعام، والخيول.

أما هو الموت موته وده يشوفهم، يقبّل خشومهم اللي بحجم الظفر، يشم من ريحتهم. ويتطمن على عايشة، إلى هالحين ما جاه خبر عنها، ولا أبو عقاب ولا سعود قاويين يروحون ويتركون الرجال وبيت أبو عقاب كله نسوان. انشل عقله يبي يعرف حالها، هي توجع؟ هدأ روحه ويصبر نفسه إلين الليل وكاد إنه يبي يشوفهم ويا سعود. العشاء، ومجلسهم كله رجال. بدأ خوفهم يسود على عايشة اللي ما فاقت. وسعود وصله خبرها وزاد قلقه ولا هو قادر يترك الرجال ويروح لها.

وأما حاتم علّمته شهور الفراق معنى الصبر وعوّدته عليه. مير يخالطه خوف عليها، وعايشة نومها قليّل وش طول النوم يا عويش. تنهد ووجه عيونه لسعود، نزل سعود عيونه بعد ما قرأ اللي بعيون حاتم. جاء مصعب بين حاتم وسعود وتوه مقابل سهام: أبشركم فاقت. رجف قلبه بخوف عليها وكأنه هو الصغيّر، اللي توه ينولد. أما سعود فز من مكانه وراح صوبها وحاتم لحقه. دخلوا بيت أبو عقاب وجلّسوهم بمجلس الرياجيل، وما قَوِيَت عايشة تجيهم.

جابوا لهم الصّغار، أقبلت عليهم أم عقاب وبيدينها الاثنين. اتسعت ابتسامتهم وشكلهم يدعي للسعادة والفرح. كأنهم نزول المطر على أرضٍ قسّاها الظمأ. مسك حاتم البنية وسعود الولد، حاتم رفع راسه بضحكة راجفة: هالحين وين البنية ووين الولد. أم عقاب: أنت معك البنية واللي مع سعود الولد. سعود يتأمل به وهو نايم، صغيّر ما بانت ملامحه ابتسم براحة: حي الله صقر، طال الانتظار مير حي الله ذالوجه.

أم عقاب: ها يالله يا حاتم أذّن وأنا بأشوف الحريم شوي وجاية. أذّن، وعيونه ما فارقت البنية، اللي ما طرى على بالهم اسم يسمونها ياه. خلا الأمر لعايشة تسميها، لعلها تقوم بالسلامة. والمداوية بين وقت ووقت تطل عليها وتطمن. سعود: وش تبي تسمي البنية؟ حاتم يناظرها ومبتسم: نشوف عايشة بالأول وش تقول. سعود ابتسم: خابرها تبي تقول يسميها هو، هي سمّت الوليد قبل يجي. حاتم ابتسم: أشوف.

الصبح، بعد صلاة الفجر وسعود ساق خطاه لبيت أبو عقاب يتطمن على عايشة. وقف قبال الباب وينادي ويواصله بكا الصغار. جت أم عايشة تشوف من، وقفت مكانها وهي تطالعه. سكرت عيونها وهي تعوذ من الشيطان: صقر، هذا، هذا صقر ولا منن. سعود وتصعب عليه الرؤية والشمس ما ظهرت وما وده يرفع راسه: يا أم عقاب؟ طمنيني عسى عويش فاقت. أم عايشة تنهدت والدمع ملى عيونها ودخلت بدون ما ترد عليه.

رفع راسه يطالع مكانها خالي، استغرب وزاد خوفه وصاح عليهم ينادي. أما عند عايشة بعد تعب طويل، وأم عقاب تحاول تصحيها لأن نومها طال. بعد ما رشّتها بالمويه وحاولت تصحيها، ظهر صوت أنينها المؤلم. اتسعت ابتسامة أم عقاب: عايشة يمه، قومي بس كافيش نوم يمه قومي شوفي الصغر ربي يحفظهم. فتحت عيونها بصعوبة، وما تشوف غير زول أم عقاب، وآخر زول تذكره قبل ما ترقد زول حاتم.

أم عقاب تمسح على شعرها: الحمد لله على السلامة يا يمه، مبروك يا بعد حيي بنية ووليد مثل القمر. غرقت عينها بالدموع ولا حولها أحد يسعفها من الغرق، غرقت إلين ما فاض بحر الحزن من عينها ورمت روحها الخالية على شاطئ الضعف. ضمتها أم عقاب وهي تبكي بخوف، بضيق، بضعف، بوجع. طلعت الشمس على فيقة عايشة، وسعود طمّنوه عنها. مرت 7 أيام وبنية عايشة بلا اسم، أما الولد صقر، يتحرون حاتم يسميها مثل ما قالت عايشة هو يسميها.

قام والصبح بأوله، جلس بمجلسه وفكره صافي، يهوجس ببنيته ووش يسميها. وبباله اسم يدور له يومين، كتب كم بيت وبهن اسمها. بأيامنا الأولى حبنا كان سمره تحت ضي القمر بغفوة الناس أسولف لعينه وتصيبني سكره أذهبت كلي وروحي ما بين الأقواس دام اسمه صقير ودي بها "سمره" ويطري علي الأولي مع كل نسناس وسمّوها سمره، وأما عايشة ما عطت ردة فعل يوم قالوا لها الاسم، وكأنها فهمت مقصده.

جلست بتنهيدة بعد ما نومتهم وقامت والضو بأتلاها تبي تطفي، جلست وحطت عليها شوي حطب يشعلها، وهواجيسها اللي ترافق زول حاتم وخوفه يدب بجسمه عليها بذيك الليلة، ما هقت إن حبها باقي هالكثر، شافت حبها بعيونه وحزنه وضيمه. والبلا إن قدها شايفة هالحب وانخدعت به، رفعت راسها للسماء وعيونها تشكي لله فيض الدموع. انهمر دمعها بألم من هالوجع اللي توجسه بقلبها، وروحها، وجسدها كله.

بألم من هالحب اللي استقر بقلبها ولا كفاه بُعد، ولا جفى، ولا قسى، ولا ألم لجل يشد رحاله عنها. استقر بموطنه ولا لها قدرة ولا حيلة، وهل للموطن يعاتب مواطنه، واللي وفى له وحبه بصدق وأخلص له. مير ظروف الزمن تحده، ولا له مبرر، من غلاته ما له عذر. طالعت راس الجبل، وطرى عليها اسم بنيتها، سمره. وقصيدته اللي وصلتها من هروج النسا. مسك شعرها وشدها له وهي تحوس بالشجرة اللي حول خيمتهم: وش علمش، وش تسوين هنا؟

زينة مسكت يده بألم: وقص استغفر الله، وخر أشوف، هذي جزاتي شف العصافير الصغار أسقيهن. عزام طل براسه على العصافير: إييه، ما شاء الله، العصافير خلفت وعايشة بعد، وإنتي متى على الله. فتحت عينها بذهول: ويش؟ عزام ناظر نفسه: قلت شي صعب؟! أقول متى على الله يا زيننننه تجيبين لها صغار يملون لها البيت ويحوسون ويحومون حولنا ويصجون ويلجون إلى ما أعطي واحد منهم كو. قاطعته زينة

والحيا أكلها ومشت عنه: ياكثر صحتك ولجتك أنت، وشلون لو يجون هم. عزام يمشي وراها: إيه وش زيني لو يجون علي، تو ما عم الخير والزين بهالبادية كلها. تبي تمشي الأيام وتكمل مسيرها، وتبي تمر سنين، وهذا حالش يا عويش من ثمان شهور وزود، لزوم تخلصين من هالحزن. لزوم تردين عايشة الأولية ولو عاندش القدر، عانديه زود، هذا اللي كلن عهدش عليه. ما حدن قده عرفش بهالحزن، وأما أنت يا حاتم فظني النفس طابت منك.

مير الظنون ما هي دايم على ما نظن. مرّت سنة كاملة على عهد الفراق، وكبروا عيال عايشة وصارت أعمارهم سنة، وعايشة عادت على عهدها الأولي. هي وفرسها ومن جبل إلى جبل وما تمسكها الأرض. كلن يراها وتراوده أسئلة وشلون، وليه، ومتى تغير حالها؟! أما حاتم فيتردد على الديرة ويجي لجل يشوف عياله ويتنفس بهم، ويصيبه الشوق المر إلى أبعد عنهم يوم واحد. وزينة حملت ونهلة ولدت بالبادية عند أبو سيف وأم سيف وسعود وأم سعيد وزينب.

أما سهام إلى هالحين ما نوت تحمل. جاها يحبي على ركبه وضحك وجلست جنبها. أم عقاب شالته وتقبله وتضمه بحب: يا علني أفداك يا زين هالريحة، وين سمره؟ أبك وين أختك. عايشة جت وبيدها سمره توها قايمة من النوم وتفرك عينها. أم عقاب: هاه جت دلوعة أبيها ما تمشي على الأرض من الدلع. عايشة جلست جنب أم عقاب وحطت سمره بالأرض جنب صقر، سمره ما بعد توازن جلوسها وتبي تطيح على ظهرها وسندها صقر وطاحت عليه.

ضحكت أم عقاب: وي يا بعد حيي والله السند والعزوة. عايشة ضحكت وهي دايخة. أم عقاب لفت عليها بلوم: صح النوم. يمّه أقولش لا تطلعين بالليل، عاد عندش عيال بعد، وش تبين زود لجل تقضبين أرضش وتصيرين مرة؟ عايشة: ابتس، حامت تسبدي من البيت، أبي أتنفّه، وأشب النار وأجلس لحالي. أم عقاب هزت راسها: الله يخلف، يالله أكليهم وسبحيهم وزينيهم، أبوهم ذالليل بيجي. عايشة عقدت حواجبها ولفت عليها: وشبهم عيالي؟

بسم الله عليهم ما يحتاجون زود زين ولا شيء. قرصتها أم عقاب مع فخذها. عايشة: آحح، لا تكودين! طيب ما ينمزح معش! أم عقاب: هاه، يالله اعجلي ولا تردين الكلام. عايشة جلست تفطّرهم وتضحك على حركاتهم وتسوي لهم حركات يضحكون عليها، وكنها بعمرهم. صحاه من نومه بكاء ولده جنبه. فتح عيونه بانزعاج وحضنه بهدوء يهزه لين سكت. نهلة دخلت: زين يعني اعتمد عليك، عرفت تسكته؟ ابتسم وفتح عينه يطالعها. ابتسمت بخجل وقربت تاخذ ولدهم سياف، هو

سماه لحب سعود لهذا الاسم: تعال الفطور جاهز. وقبلت خد سياف وسعود يطالع: بدأ غلاه يزود أشوف، ياخذ حبة الصبح وأنا ما كني به. نهلة: زين قوم الحين ويصير كل خير. سعود جلس جنبها على سفرة الفطور: ترى أبوي يبي يشوف سياف ولهان عليه. نهلة: زين إن شاء الله. سعود قرب خده: يالله أجل وين حقي؟ أطالب بحقي حالًا يا بنت أبوي، اعجلي الرياجيل يتحرون. ضحكت وقبلت خده وضمته: أنت الأولي والتالي. طلعت عيالها معها تمشى معهم بالشمس. جاها واحد

من الوغدان اللي يلعبون: عايشة عايشة! عايشة لفت عليه: لبيه. طالع عيالها: متى يبي يكبرون لجل يلعبون معنا؟ عايشة جلست تفكر بسؤاله: إلى منّهم كبروا. الولد: طيب. وركض يلعب مع الوغدان. عقدت حواجبها وطالعت صقر ثم سمرة: أنا ويش الله بلاني ذاليوم بمقابل هالعرب المستخفة. راحت تمشى معهم ومرت جنب بيت زينة، راحت على طول تدق الباب. في البادية مع الوقت بدأوا يبنون البيوت بالطين ولكن الخيام تغلب عليها. فتح عزام وارتكى على الجدار

ويطالعها مع عيالها ويضحك: يالله صباح خير. سمرة مدت يدينها له تبيه يشيلها. شالها وهو يحبب خدها: ارحبي. عايشة طقت راس سمرة: إييه، تموت على الرياجيل. عزام مسك راسها عن عايشة: أها بس، طالعة على أمها. سكت يطالعها وكأنه تورط وما قصرت عايشة دفعته عن الباب: وخر بس. هو واحد اللي حبيته، ولا ظني عقبه أحد، رحمة الله عليه تحت التراب. بان بعيونه بصيص الأمل من قالت حبيت واحد ولا عقبه أحد، إلا يوم قالت رحمة الله عليه.

عرف أنها تقصد أبيها، وبأن حب حاتم تناسته ولا كأن بينهم حب. هذا ما فسره عقله ولكن يجزم بأن عايشة مستحيل تنسى حاتم ولا فكر بإن حاتم ينساها بعد! شالت بنتها وطلعت عنهم وبصدرها بيت انهجر من سنة وتسعة أشهر. أصبح الهوى الهاوي يحرك حطامه، ويهزه، لين ما توجع هزته صدرها.

مشت وبيدينها عيالها تبوس بهم ومبعدة عن أعين العرب. وكالعادة كل ما قابلت لها أحد قام يبوحر بها مع عيالها. تطلع كل يوم بهالوقت معهم لجل يتشمسون وترفه عليهم وعلى روحها. انعزلت أكثر عن العرب إلى ما أصبح ما عاد أحد يطالعها ولا يلمحها. وجلست وجلستهم على النفود الرطب من المطر وهي معهم. وتلعب معهم وصوت ضحكها تشهد له السماء وكنها أسعد من بهالدنيا معهم.

لمحت طرف ثوب حولهم تلعب به نسايم الهوى. رفعت راسها بخوف امتلك شريانها. من الله أنها لابسة برقعها ما شالته. مير خوفها أن عيونها فاضحتها، وهي ترقبه بتوتر. اقترب لها وكما اللي غيب عليه ما يدري وش يسوي. نطق لسانه بعد صمت، بعد مراقبة رجف جفونها وهف رموشها: عويش..! رفعت عيونها له بصعوبة: أنا أبمشي، العيال معك.

تكلم وهي معطيته ظهرها: ما تعبش البعد، طال الفراق يا عايشة، يشهد الله إن ما بي روح من تقفين، تكفين يا عويش طالبش، خلينا نربي صغارنا سوا، ما يهنى لي رقاد وأنتم بعاد. لفت على سمرة اللي تبكي تبي أبيها وتسحبه بيدها الصغيرة، وبكى معها صقر. شالهم حاتم وعايشة صدت. حاتم: طالعيني، تكلمي، ما ودش نربيهم سوا؟ حطت عينها بعينه وكأن غبن ذيك الليلة يشتعل

بصدرها ودموعها تملأ عينها: أنا أبي أربيهم، أبي أربيهم الوفا والصدق، أبي أعلمهم إن محد يستاهل الثقة. حاتم طالعها وعيونه تحاكي عيونها بحزن، عيونهم بعالم وهم بغيره: يا عويش، لا توجعيني زود، أنتي تخبريني، وتخبرين العرب ومناقيدها، سنة وتسعة أشهر يا عويش أعدهن عد والأمل لا زال عندي. انسابت دمعتها وهي تسمع هرجه. تقدم لها خطوتين: لا تبكين، لا لا ما جيت لجل أبكيش زود، خابر إن حبي باقي مثل ما حبش باقي. عايشة

مسحت دموعها وضحكت بخفة: وش دليلك؟ حاتم ونبرة صوته تغير: إلى هالحين ما عرستي، رغم إني خابر بكثر اللي جو يطلبونش. سكتت لثواني لكثر الحكي اللي دار ببالها: وشلون تبيني أعرس وأنت يوم بغيتني شيب راسك على ما طعتك مالت علي. وصقر وسمرة وين تبيني أحطهم لا عرست؟ تحسب إن ما به إلا أنت أهوجس به. حاتم وهو يبحر بعيونها وشلون ربي خلقها بهالحسن، هالعيون اللي دوم يلازمني خوف بأني أنساها، ولا بيوم نسيتها.

تنهد وسكر عيونه بهدوء وحسها يصول ويجول حول صدره. سكتت بضياع يوم أقفل عينيه الكحيلة وأخذ نفس يسرق ريحتها من الهوى. ارتبشت وأعطته ظهرها تمشي عنه. ما تبي ضعفها يبان قباله، وتدري ويدري بأن ضعفها منه ويلجأ إليه. تدري هالضعف بعيونه، كل يوم يزيد كرهها بقدر زيادة الحب. محد يوصف اللي بخاطرها، من جاب طاري عرسها. كانت تبي تنثر اللي بخاطرها كله لولا الله.

ودها لو أنها صرخت بوجهه وشلون تخيلني مع أحد غيرك، وشلون طرى على بالك عرسي على رجال ماهو أنت!! أنا من طرى على بالي تاخذ وحدة غيري والغبن ماليني مَلي. كانت تمشي ووجهتها تجهلها. دخلت البادية بين العرب وتمشي قبالهم وعيونها تملأها الدموع. لاهي اللي نزلت ولاهي اللي لملمت دمعها وكفت عن عيون العرب. قابلوها زينة ومعها عزام ماشيين لبيت أم عقاب. زينة مسكتها: هييه بنت، وين جيتي منه، تبكين؟ بلاش؟ سمّور وصقير وينهم؟

طالعت عزام لا يدري باللي بخاطرها مير أمرها مفضوح عند العرب: مع أبوهم. زينة ضحكت: أنتي اللي عطيتيه إياهم؟ رفعت عيونها لها والغضب يتملكها على سؤال زينة: عيب ولا حرام؟ عطيته عياله بها شيء!! عزام شد على يد زينة وراح. زينة: قال لك شيء؟ ضايقك بشيء؟ قولي وش قال. سكتت ثواني. وكملت طريقها. وزينة تلحقها. دخل المجلس وحاتم بالأرض وبحضنه سمرة وقباله صقر يلاعبهم وأبيه جنبه.

عزام جلس وشال صقر: إيه الدلع كله صار لسمرة، صقر ضعيّف الله. حاتم رفعها ووجهه قبال وجهها وابتسم وقبل خشمها ويدينها تلعب بلحيته: بدل هالهرج بلاك ما تسلم. عزام يلعب مع صقر ويضحك: ما عدنا ناله عليك، تجينا كل أسبوع ولا ثلاثة أيام من جو هالصغار ما شاء الله. حاتم ضحك بخفة: الود ودي ما فارقهم مير صبرك علي يكبرون شوي. اختفت ضحكة عزام ولف عليه: وش ناوي عليه؟ حاتم بصدق: بأخذهم معي.

عزام رفع حاجبه: وأنت تدري بأن عايشة ما ترضى، ولا سعود ولا أهلها كلهم. حاتم لف عليه: تجي معهم، بيتها مفتوح. عزام ضحك: تبي عايشة تجي معك؟ خابر أنها تحبك، ولا يمكن تنساك وهو أنها تناسى. مير أنها تجي، ما ظني. ويا حاتم لا تشيش القلوب على بعضها، ولا تفرق الأهل. تنهد وضم سمرة بشوق: ماني مشوش أحد، ولا مقصدي أفرق الأهل، وهم عيالي مثل ما هم عيالها، أتعبني الوله لهم. عزام: ولأمهم؟ حاتم ابتسم: وليه تنشد وأنت تعرف الجواب.

عزام هز راسه ولا هو يتحمل وضعهم، حتى العرب كلها وهوى البادية تغير ببعدهم وهالفراق اللي طال. زينة مرتكية على الشجرة ورا بيت أبو عقاب، وعايشة تبكي. عايشة: يقول لي الدليل أنش إلى هالحين ما عرستي، وهو خابر، خابر بأن حبه شيء ما لي به حيل ولا قوة. زينة جلست على ركبها وكفوفها تضم وجه عايشة: تعوذي من إبليس يا بعد عيني، واللي كاتبه ربش يبي يصير، وما يصير إلا اللي يرضيش بإذن الله. حطت يدها على جبينها وأخذت

نفس وتعوذت من الشيطان: أنا أبي أتمشى لوحدي، ادخلي لا تتعبين أنتي. زينة قامت: زين، لا تبعدين وردي بسرعة. مشت وأبعدت عن عيون العرب وجلست فوق جبل صغير راويه المطر، وتلعب بترابه وكنها تقلب ذكرياتها وهواجيسها. المغرب. زينة دخلت البيت ودخل وراها عزام: يا زويينه. زينة تنهدت ولفت عليه: لبيه. عزام سكت شوي يطالع وجهها: بلاش وجهش كذا. زينة طالعته وتخاف فرقاه عقب ما تعلقت

به تعلق الطفل بأمه وأبيه: لا تتركني، خوفي بيوم ينقلب حالي كما حال عويش جعلني قبلها، حالها ما يسر. يشهد الله إني أشوف الغبن بعيونها، والحب، والضياع. ابتس هذي عويش أنا أعرفها، قلبها ما يداني يعطي أحد ثقة. ومن عطتها حاتم وصار اللي صار والغبن ياكلها والبلا أنها باقي تحبه ومالها بحبه لا حيل ولا قوة. عزام ضمها: أجل اسمعيني زين، بالليل... زينة طيرت عيونها: تبي تنقد العرب عليهم!!! ما ظني يا عزام لا.

عزام ضحك بخفة: وظنش إن العرب ما تدري بحبهم، كلّن حزين حتى الهوى ما ينطاق وهذا وجه عايشة، عقب بشاشة وجهها وضحكها بوجيه الشايب والصبي، وملاعبها للصغار. ولا حاتم اللي مشعل ناره دوم، وقصايده حية، ذالحين ما يداني يطلع قبال أحد أبد مغير مقابل له سمرة وصقر. وينهم الحين ووينهم أول يا زينة، طالبش سوي اللي أقوله. بعد انتصاف القمر بكبد السماء، والليل يخيم على أرض البادية.

وعايشة قد قالت لها زينة أن حاتم يبيها ضروري عن سمرة وصقر. طلعت لها زينة عذر شوفة حاتم ما تدري إن عايشة تبيها من الله. ما شبعت منه، ولا من عيونه، على أن طريقة النظر لي تغيرت ماهي مثل أول. نظرته قست علي ويا زينها من قسوة، وكنه يبي يتشبث بي بمخالبه لوجود صغاره بحضني كل ليلة ولا هو قادر يتوسطنا. وكن حبّهم طغى على حبي. أخذت نفس تنطر الليل ينتصف، لجل تسبقه لموعدهم.

وصلت خلف الحلال مثل ما قالت لها زينة، وعقلها يتساءل باللي يصير وقلبها متلهف ينتظر. لمحت سواد ثوبه ينافس سواد ليلهم، وبياض غترته وهو متلثم من البرد. وقف قبالها وطال صمتهم، وكل ينطر الثاني يتكلم على أساس أحد منهم عنده علم. طال السكوت، وتكلمت عايشة أخيرًا وتاركة عيونها ترسي بميناء عينه بسواد الليل: وش بغيت، لحد يرانا؟ رفع حاجب باستغراب ونزل لثمته: هو أنا اللي أبي ولا أنتي تبيني؟ عايشة ميلت راسها: لا ما بيك.

حاتم اقترب بهدوء: وليه تندهيني؟ عايشة: قالوا لي حاتم يبيش بموضوع سمرة وصقر، وقلت وكاد الموضوع مهم دامه بالخفى وجيت دامي طالعة طالعة بهالوقت. حاتم ضحك بخفة: هالحين أنتي تدورين أعذار ولا وش، ولا ولهانه والشوق ذابحش جاية قبلي تنطرين هههههههههههههههههه. مسكت يده ولوتها بقهر منه ودفعته عنها. للحظة حست بنصر وأنها أخذت من حقها لو القليل. لولا أنه رد مسك يدها وشدها ويطالع ربكة عيونها، اللي ما شبع من مطالعها بعيون سمرة بنته.

كل هذا كان تحت عيونه، وعزام صحاه من عز نومه وهو قاصد، يروح صوب الحلال بحجة أنه فاقد ناقة من النياق العزيزات على قلب أبو راجح، واستوقفه منظر حاتم وعايشة، بعيد عن أعين العرب، وبالليل. عزام ارتبك ويطالع حركات حاتم اللي ما حسب حسابها: إيه يبه. أبو راجح والغضب اجتاح عينه وعين عايشة انتبهت له. امتلأت عينها دموع وهي تطالع أبو راجح ورجل جنبه، يطالعونهم. أما حاتم قرب يده يبي يمسح دمعها الغزير فجأة.

دفعته بكل ما أعطاها ربي حيل، وبكاها يشق بصدره طريق الخوف، عن سبب هاللقاء. طاح على صخرة وضربت كتفه. انقلب على بطنه بألم ويده على كتفه. ركض له عزام يشوف بلاه. مشت لطريق بيت أبيها عقاب. ويدينها على وجهها وتبكي بخوف ووجع بصدرها يزيد مع مرور الوقت. دحرت منامها وغطت وجهها وتبكي. وكنها حاسَّة وقارصها قليبها، مير هذا طبع الهوى، ولا يُلام اللي هوَى. حطَّ كمادة باردة على الكدمة اللي بكتف حاتم وجلس معه.

حاتم لف عليه: وشلون تقول لي عايشة تنطرك بنص الليل والعرب نيام، وأنا وياها وحدنا، وهي تقول إنك أنت اللي تبيني، وآخرتها أبي يشوفنا.. خوفي يفهم غلط، وويش اللي صحاه وأنا متوِّكد إنه راقد؟ عزام: أنا وعّيته، وودّي به يشوفكم كِذِيّه. حاتم ميّل وجهه وعيونه ثابتة على مكان واحد، وكنه عرف اللي يفكّر به عزام: أنت وش سويت يا أبو فزاع؟ عزام: سويت كل خير، لا وبعد أبشرك شيّشته عليكم.

ضحك بخفة: البنت تبيك يا رجال، وأنت تبيها وعندكم الشمس والقمر، وش ودكم بأكثر؟ حاتم رفع يدينه باستسلام وهز راسه: ما ودي بشيء، كان هذا اللي يبي يصير. أصبحوا العرب إلا اللي ما ذاقت عينه النوم، وزاد همه هموم.. خوفٍ من اللي يبي يصير. دخلت أم عقاب وصياح صقر وسمرة واصلها: عوويش، أنا على كثر ما أنبّهش عن طلعة الليل هذي، أنا لو بيدي حطيت حراس برا لا تظهرين ولا تعتّب رجولش، ابتس شوفي عيالش وش هم يبون، ذبحش النوم.

قامت وعينها ماليها الدمع، وشالت عيالها تغلسهم وتلبسهم وتأكلهم.. كل هذا وبالها مشغول. قطع سرحانها صوت صبي ينده أبو عقاب وهو يتقهوى. رد عليه أبي عقاب: إييه. الصبي: عمي الشيخ طالبك، يقول هالحين وأمره عاجل. دقّ دامي خفوقها ومن هالعلم اللي جا به الشيخ من صباح الله خير. مدت له الغترة: تهقى ويش اللي صار؟ عزام وهو يثبت غترته، بطريقة الرجل البدوي.. بطريقة من تغلب

عليه العروبة والأصالة: أنا البارح حشيت راس أبي راجح، وكاد إنه ما هو ساكت، وهالحين بأروح أشوف، ماني مطوّل. زينة: زين ولا ماني رايحه.. حطت يدها على بطنها بخوف: ماني بايعة نفسي أنا وجنيني، عويش ما تتركني حيّة. عزام ضحك: إيه إيه أنشهد، لا تروحين خلش هنيّا. وراح بيت أبيه.. ومجلسه يتوسّطه حاتم وأبو عقاب وأبو راجح.. ووجه حاتم منصدم.. وساااج، وعينه ما قفلت. دخل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يالله صبّحهم بالخير.

حاتم طالعه وهمس: أي خير وأيّة صباح. جلس بهدوء: ويش حاصل؟ وأبو عقاب يدينه على ركبه وجالس بغبن على اللي سمعه. أبو راجح: ومثل ما قلت لك، إما إنهم يرجعون ما دامها مستورة.. ولا إنها تشوف نصيبها مع رجال آخر وتكف عن هروج العرب. عزام طيّر عيونه ولف على حاتم: عايشة! تعرّس.. ضرب رجوله بباطن كفوفه بقهر ولا تمالك روحه: والله إنها على جثتي يملكها حدٍّ عقبي. طلع بسرعة البرق.. وين ما تشيله رجوله.. أما عزام ففي حيرة من أمره.

من طلع أبو عقاب وهرج أبو راجح فوق راسه عن حالهم اللي يبي ينزل راسه عند القبايل. بلع ريقه ويحسّ بالذنب، وألف فكرة وفكرة تجي وتروح بباله.. استأذن وطلع لبيته يخبر زينة لعلها تسعفه بأيّة فكرة أو خبر. العصر، وعايشة قد جاها العلم.. وأم عقاب ماسكة راسها من هول اللي سمعته، ورحمةٍ من الله إنها مستورة عن العرب.

وأما عايشة ممتنعة عن الكلام.. مغير ماسكة عيالها وبالفرشة ورى بيت أبو عقاب وتهووجس.. وقد قالها ذا الليل يجيني رايش، تبين تردّين لأبي عيالش.. ولا تعرسين بأول من يطلبش. أخذت نفس وتدعي ربها باللي به الخيرة لها ولعيالها، رغم إنها تدري وين الخيرة به! عقب ذا المدة ذي كلها.. فراق، حزن، ألم، غبن.. تلين القلوب على بعضها؟ ترد الروح لصاحبها؟ .. يشفى المريض من سَلّه! ولا نبقى قراب لكن أبعد من البعاد.

بعد أسبوع.. وحاتم وأبو عقاب، وعزام، وسعود ومصعب وسعيد ببيت أبو عقاب.. لأجل يلمّون الشمل. أما العرب، بكل الأمل يظنون إنهم حنّوا لبعض.. وعذروهم، وقصتهم تخلدت بأذهانهم، لين ما أصبحت كل بنية بهالبادية تتمنى قصة حب عايشة. وأما حاتم اللي ما صدقت عينه ولا عقله اللي يصير هذا كله.. يعني صار، عقب الصبر، عقب الحزن. كانت مجرد جزاء وعقاب.. وذا الليل انتهت مدته.

أخذ نفس يوم جاء موعد لقاهم والعرب تدق قلوبها قبل طبولها.. وكلٍّ يعبر عن فرحته.. وكنها ليلة عرسهم الأولى.... دخلت بيتها وعيونها تمتلي بدموعها الحارقة عقب حضن أحن إنسان، وأهم إنسان.. عمها سعود. وبيدها صقر وحاتم معه سمرة.. دخلت غرفتها بسرعة ولا حطت عينها بعينه.. بأمل اللي يصير كله حلم وتصحى منه. دخل وراها وسمرة تبكي ويحاول يسكتها.. على مهارته بعيارتها ودلعها.. إلا إنه ما عرف يسكتها من ربكته.

جلس على منامهم.. وعايشة سادحة صقر عليه.. بالنص. اللي قبل ما يسع إلا حاتم وتوسّط ذراعه عايشة.. أصبح يحمل أربعة. انسدح ويده خلف راسه وسمرة تمسك بأصبعه ونايمة.. أما عايشة معطيتهم ظهرها وما هي إلا دقايق وقامت بخفة لا يسمعونها الصغار ويفيقون. بظنها إن حاتم رقد.. إلا إن عينه جزاها النوم. سندت راسها على جدار طين بحوشها.. وعينها على القمر وهو مكتمل.. اختارته برضاها، وتبيه برضاها.. ما جبروها برضاها كل اللي حصل.

ولو إنهم بعاد على قربهم، المهم إنها تسرق النظر له كل ما سجّ أو سهى. ابتسم ابتسامة جانبية ويده تلعب بلحيته.. اللي غزاها وقار الشيب وزاد زينه زود زين.. وبباله هواجيس وهروج: وكاد إنها ما فرطت بي، وكاد إن الحنين أتعبها، ولا عايشة منهو اللي يغصبها على شيء دامها ما تبيه، ووكاد إني أجن لو خذاها أحدٍ من الرياجيل إن ما يردني عن مقتله شيء. مد ذراعه يحتضن عياله وقرّب راسه لهم يشم ريحتهم اللي تشيل ريحتها.

مر يومين.. وهي تظن بأنه يبي يكلمها من أول ما جت. قالت: يمكن ماهو مصدق اللي يصير، يمكن حاله كما حالي. ظنت إنه يبي يوعدها.. إن يصير لها صقر وسعود وحاتم الأولي.. يبي يعيفها حضن سعود، يبي يملاها حبه وحنانه، يبي ينسيها اسمه. ملّ اللي تشوفه.. وجه بارد مكّار.. ملامح قاسية جامدة. ولا هيب اللي قاوية تهرج وياه، ولا هيب قاوية تعاتبه تلمّه وتعلّمه بحبها وشوقها واللي قدرت على الكل ولا قدرت على هالاثنين.

دخل وسلامه العادي ما هو مثل أول.. سلام مع حبة خشم وحضن وكلامٍ معسول. أصبحت حتى تظن اللي عاشته معه كله حلم.. وهذي الحقيقة. ما تشوف ضحكته إلا مع صقر وسمرة اللي حبها يفوق حب كل مخلوق. مدت يدينها لأبيها وهي تبكي تبيه يشيلها. شالها وارتفع صوت ضحكتها وهي تشبث بلحيته. صدت وكن مخلوقٍ داخلها ياكلها أكل. تركت اللي بيدها وطلعت ورفعت شيلتها الرهيّفة على راسها.. ونعومة شعرها تسقطها لولا إن عايشة مثبتتها بيدها.

شدها من ذراعها: العرب توها مصلية الفجر.. على وين؟ لفت عليه وتطالعه بصمت مُندهش: يومين زيادة وكنت أظن إنك فقدت لسانك. دخلها البيت: إيه يقولونه.. ذابحش الهرج معي. فتحت عيونها وتطالعه وكنه يبي يدميها زود.. ناصقها زود ضيق خاطر. كرهت حاتم واسم حاتم، إلا كأنه حاتم الأولي.. مير ما ظنها يرجع: أنت تخبر إني ما أدانييك، ما أحبك ولا أبيك. ابتسم على إن كلمتها لها أثر بصدره.. ويتهرب من ضعفه..

من عيونها الدامعة: إيه أشوفش ترقدين معي بنفس المنام، لا تلعبين على روحش يا عويش أنا أخبر اللي بخاطرش زين. ضحكت بخفة ومن أرمشت عينها طاحت طرف دمعة لمحها حاتم. دخلت غرفتها وتمسح عيونها بقسوة لا يحدر منها دمع: تفوو عليك يا عديم الرجولة، حسبي الله علـ.. شهقت ويدها على فمها، ما هيب قاوية تدعي عليه حتى: آااه يا ربي تجبر خاطري يا ربي ما عدت أتحمل يا كود نسمة الهوى.

مسح على لحيته وأخذ نفس.. وقلبه يتراجف، يكاد يذوق الموت.. يحس بأنها مجبورة عليه وهو مجبور عليها ولو إنه راضي. مر يوم ثالث.. فتحت عينها بهدوء، ووجهه يكاد يحتضن وجهه. أما هو فمن زمن صاحي.. ويطالع بوجهها اللي قصيدة ما يوصفه. فزّت تدور صقر وسمرة.. إلى ما انتبهت إنهم بينهم. ما ضرها القرب كثر عينه اللي شلعت روحها من جسدها.. وهي ترقبها من فاقت.

بادلته النظرات وهي ترفع راية استسلامها، لعيونه.. ونظرته اللي بداخلها غم وسواليف وهموم. أما هو.. فكان يبحر بشواطئ بحرها.. من فتّحت عينه، ويحس ببعدها على قربها له. ضحكت بخفة وهي تطالعه: بلاك شيّبت. ابتسم لضحكتها الصباحية: أنشدي الشيب لا تنشديني، بس عاد لا تنكرين إني مزيون بالشيب ولا بلا شيب. ضحكت ونزلت عيونها على عيالها تطالعهم بصمت. سكر عيونه وأخذ نفس.. وهو يشيل اللحاف عن جسده ويطلع.

سكرت عيونها بغبن، هذا اللي قبل يترجاني أرد له، بلاه كذيه يوم حدتني الظروف عليه. صحّت سمرة وصقر.. وطلعت بيت أمها أم عقاب والدنيا ضايقة بها وكن صخور البادية ذي كلها تركم على صدرها. دخلت وشافت أم عقاب تقهوى واصطنعت الابتسامة: يالله حيّها، وصبّحها بالخير. نزلت فنجالها ومدت يدينها للصغار: يا هلا يا هلا أرحبوا، وش هالصباح الزين. عايشة جلست جنبها بغيرة: تبقين بالنيابة عنهم دام الترحيب هذا كله لهم.

أم عقاب وهي تحببّهم: إيه أنتي الدّقة القديمة معاد أبيش روحي ذا الليل وخليهم هنا عندي. عايشة تخصرت بسرعة: اييييه، بعد هذا اللي ناقصني. أبو عقاب دخل: إييه بلاكم على عيوش.. عايشة: إيه تعال شفّ عجوزك وش تقول، مغير الترحيب لهم والغلا والمحبة وتقول أنا الدقة القديمة، هاه يرضيك؟ جلس وزانها وضم كتوفها على جنب: هاه عاد إلا عايشة، هذي الغالية، محدن يجي عليها. سندت راسها على كتفه: يا لبّييه الله لا يحرمني من هالزول جعلني قبله.

قبل خشمها وأم عقاب تصب لهم القهوة: إيه يا بوي أنتي، وش أخبارش والعلوم؟ عايشة تنهدت وشدت على حضنه: ولهتن عليييك بس. بنص الليل.. وسمرة الشباب على شبّة النار ترد الروح. وعزام راح يجيب العود بطلب الشباب منه.. أما حاتم معه سبحته ويلعب بها ويهووجس ومتلثم مثل أغلبية الشباب عن البرد، وريحة النار تحتضن فروته وشماغه. جاهم عزام وبدا يدق استهبال مع الشباب لين ما طاحت عينه على حاتم. اللي شوي يضحك وشوي تختفي ضحكته..

عزام: يالله يا الربع نبي نهيض مشاعركم شوي. سعود ضحك: روح، نبي أحدٍ صوته زين يشلّ. دخيل الله: أجل أنا أبي أشلّ لكم شيلة. عزام: يالله. بدا يدق وحاتم بعالم ثاني.. وجوهم يسوده الصمت والإنصات للدق وللصوت البدوي يحمل قصايد الشّعار الحزينين. رفع عيونه لعزام ولسان حاله يقول: يا صاحبي.. قلبي غدى واستمكنه أدعج العين واستوطنه وعاش.. واستحلّ يرقد بالهدب والدمع المنهمل وأسكر عليه وأضمه بعيني بصمت وشوق وأنا آسف وحصل مني ما حصل

حس بتكة بصدّره مير قليبه يحب الشقى ويحبها.. وانتهت سهرتهم اللي بكبد الليل وكل العرب نيّام. راح بيت أبو عقاب يجيبها.. وباله ساج. شاف زينة طالعة وعزام معه ينطرها.. نشدها: يا زينة وين عايشة؟ زينة وقفت ولفت عليه: صقير وسمور راقدين مع أمي 'أم عقاب'. حاتم: عايشة، عايشة وينها به! زينة لفت على عزام ورجعت لفت عليه: تراها قالت لي لا تعلمينه ويني فيه بس بقولك بنت أبوها ناصيةٍ الجبل تقول ولهتن عليه كم لي عنه..

كان متوقعة يعصب ولا يتنرفز.. ضحك وراح صوب الجبل. عزام ضحك: أمشي الرجال راح، الليلة قليبه حانّ رهيّف والوله ماليه. طالعت العود بيده: إيه أثرك مهيّض قلوب الرياجيل، يا الشايب. عزام طيّر عيونه: أنا الشااايب؟ زينة سبقته، وركض وراها: ابتس تعاالي حاامل يا الخبلة لا يجيش شيء. زينة وقفت بتعب: إيه نسيت، كله منك خذت عقلي. مسك ذراعها ودنى منها: دام محدٍ غيري خذا عقلش، الأمور بخير، أبيش كذيه بلا عقل.

زينة دفته: فال الله ولا فالك، قال بليا عقل. ضحك وضمها مع كتوفها. نزل وهو يلقط أنفاسه بصعوبة، كم له ما صعد على ظهر الفرس.. لمحها جالسة بالمكان اللي دايماً يجلس به.. وعليها فروة أبيها وعمّته. ابتسم وهو مسكّر عيونه بتأمل.. ويصبّر نفسه اللي جمدت مير تذوّبه حرارة نظرة عينها. دنى لها وباين إنها تصارع النعاس لمنظر القمر اللي يبري الضمآن. ناداها بصوته اللي ملاه الطيب بالحنيّة اللي تمتزج بالركادة: عايشة..... "يا عويش!

كانت ضامة رجولها ورافعة راسها على الشجرة. جلس وزانها ومدد رجولها، يبي يعيش حبه حتى ولو هي ما توجسه. وكن قليّبها يرشدها ويوجهها وين يرتاح راسها، إلى ما مال راسها على كتفه وجوّهم هادي. أما هو جوّه، نيران تحرقه يبي يلمها لصدره، وقلبه يحن وأتعبه بالحيل. مدت يدينها وتعلقت بذراعه بتوجيه من قلبها، أما هي غالبها النعاس.

دق قليّبه زود على وتر عود عزام اللي هيّضه، وجفن حزنه ما نام. ما قوى على قلبه، غلبه. رفع ذراعه عنها ولمّ أكتافها وكفه بكفها وراسها على صدره ترقد به براحة. فتحت عيونها بانزعاج يوم سحب ذراعه عنها، وردت سكرت عيونها يوم لمّها. عرفته من أول ما جاء من ريحته، وسكتت لعل عقله يرد لصوابه. ولعله يستمع لدقات قليّبها اللي يسمعونه العرب كلهم عداه هو. جلست جنبه وبعد صمت ملازمه تفكير وهواجيس.

زينة ضحكت بخفة: "ودي أشوف وجهها أول ما أقبل عليها." عزام: "كنّي به شايلها على ظهره غصبٍ عليها للبيت." زينة: "والله محرصةٍ عليّ لا أقول لأحد، مير عساه خير." مال راسه على راس زينة: "ابتس الرجال مدري ويش بلاه، كنه عاجزٍ عن شيٍ لا ياصله، خاطره ضايق ووجهه شين كم ما عاينت فيه." زينة حطت يدها تحت دقنها: "عاد تصدق الهرج اللي بقوله لك!

إن عايشة كن وجهها رادّ عن أول. أدري بها فرحة وراها تشوفه كل ليلة وقريب لها مير راسها اليابس." عزام: "إي والله إن هالسنة اللي مرت كنها سنة قحط بعز المطر والخير، الله يعينهم يشهد الله إني ما أبي لهم إلا كل خير." اعتلى صوت أذان المؤذن، ولا يزال النوم غالبهم براس الجبل، وكل قلبه على الآخر متعطش وولهان. فز من نومه ولا زالت لذة هالنومة بروحه يوجسها. لف عليها يستوعب. هزها بخفة وصوته الراكد يرعش جسدها الذابل بين يدينه.

فتحت عيونها بالقوة وتطالع فيه بصمت. هرب بعيونه عن عيونها: "قومي أذن الفجر وحنا راقد... ضيقت عيونها وتكلمت أخيرًا: "رقدنا هنا؟ أنت رقدت معي هنا؟ وجه أنظاره لتقاسيم وجهها المتفاجئة: "ايه رقدت معش في ذا، صعدت وأنتي راقدة وجلست وخذاني الرقاد." ضحكت ضحكتها الصبوحية: "ههههههههههههههههههههه قول إنك ولهان، كان صحيتني ورحت رقدت في بيتك وعطيتني ظهرك ولا تطالع بي. إلا مت من الشوق، أجل خذاك الرقاد! دنى منها وقبلها

على خدها وابتعد بضحكة: "أقول! صبحش الله بالخير يا مرة، روحي كملي رقادش ببيتش باقي ما صحيتي أنتي! هههههههه." تبعت عيونها مقفاه وهو يمشي عنها، ووجهها خجل من قبلة ما توقعتها بيوم تجدد مكانها على خدها. قامت بسرعة تلحقه وهي تنفض فروتها من التراب ومن حسن حظها إن السماء توها ما نورت، لا يشوف ملامحها الخجلة.

أما عن حاله هو، أول ما أقفى عنها لامس شفاه بأطراف أصابعه ومرر يده على دقنه بسعادة انتشت روحه. اللي استغربه ما اعترضت ولا عصبت منه. ضحك بخفة وبينه وبين نفسه: "إلا أنتي اللي ذابحش الوله يا عويش! رفعت راسها تطالعه: "وش يضحكك؟ مستانس؟ حاتم نزل عيونه لها بصمت يطالعها إلى ما صد وجهها عن عيونه. ما يدري من خجلها نست سؤالها، أو هو اللي يشبع ناظريه عنها بقسوة الشوق اللي مر فيه.

دخلت عليها والعرق مالي جبينها وبطنها زاد ثقله عليها. سلمت من صلاتها ولفت عليها بخوف من دخولها المفاجئ: "بسم الله، زينة! بلاش يمه، عزام وينه؟ زينة انسدحت بتعب: "أبد يمه، تعبت وطلبته يوصلني عندش." أم عقاب: "ما تشوفين شر سلامة عمرش، تبين أخلط لش أعشاب أم صالح؟ عايشة كانت تشربها وش زين طعمها ومفيدة للحامل يمه." زينة: "ايه عسى عمرش طويل أي شيٍ يخفف هالتعب."

كانت جالسة طول الوقت من راح يصلي الفجر تحاول تنام، وجزت عينها النوم، إلى هاللحظة لذة الشعور تلازمها شعور الفجأة! وشعور الدفا بعز البراد، شعور دقات قليّبها اللي ترهق بقربه. وكل هذا سواه فيها قربه، صرت أشد من أيامنا الأولى يا قلب. سكرت عيونها وهمس صدرها الممتلي ريحته: "وأنا كنت أحسب إني بالبعد بأنساه ما تغير بي إلا جنون قلبي زاد جنّه تحن قسوة القاسي إلى مرني طرياه ويُجبر كبرياء العشق بأنه يستكنّه"

مر على أمه يسلم عليها. حاتم: "السلام عليكم يا يمه، يا الله صبحها بالخير." أم حاتم: "يا هلا يا هلا ويا مرحبا، وشلونك يمه؟ حاتم وهو يقبل راسها: "الحمد لله بخير عساش بخير، أنتي وشلونش؟ أم حاتم جلست: "أنا يا يمه الحمد لله بخير، إلا أنت قل لي وشلون عايشة والصغار وشلونهم، مبطيةٍ عنهم ولهت عليهم يمه متى على الله أشوفهم." حاتم: "أبشري من عيوني ذالليلة بجيبهم إن شاء الله ونجيش كلنا." أم حاتم ابتسمت

وهي تصب الماي بالإبريق: "يا عساني ما أفقد ذالزول قول آمين." حاتم: "ولا أنا عساني ما أفقدش يا بعد حيي." سمعت صوت الباب وصوت خطاه. اندست باللحاف تمثل النوم، ولعلها تنام وتكف هواجيس. دخل عليها راقدة: "عايشة، عايشة هوه مرة! فتحت عيونها تطالعه. جلس على فراشهم: "صليتي؟ هزت راسها وعطته ظهرها وشدت على لحافها من قليّبها الشفاوي. انسدح على ظهره ويكح بخفة وراسه ينبض. لفت عليه تطالعه لا يكون تعب! من برد الليل.

سكر عيونه بتعب وفكرت إنه غط بالنوم، وقامت. تنهدت وتحس بنقص بدون سمرة وصقر، تعودت على إزعاجهم وضحكهم وما تصحى الصبح إلا على صياحهم أو إنهم يتعلقون بشعرها ويلعبون به. حاتم فتح عينه يطالعها: "مانتي قادرة ترقدين؟ صحيتش وطار النوم؟ نورت السماء وقام نص أهل البادية يطلبون الله الرزق. شربت الأعشاب وبعد ما ارتاحت: "ما جت عايشة؟ أم عقاب: "لا ما جت وليه!

زينة صفقت بيدينها بفرحة: "أوه طايحة بالعسل أجل، ضبطت خطتش يا أم عقاب، فكرة عزلهم عن العيال هههههههه." أم عقاب ضربتها بفخذها: "بس عيب، وش هالهرج! زينة صفقت بيدينها مرة وحدة: "وش عيب يا يمه معرّسة وحامل وهو بعد هذي شي، خلاص غديت مرة." ضحكت أم عقاب على كلامها: "هالحين تجي كأنها هي عايشة اللي خابرينها." ثبت عيونه عليها وهي جالسة قبال المراية تكحل عينها وتحوس، وباله ساج. كح بخفة إلى ما زادت كحته ويده على صدره.

لفت عليه وبيدها الكحل: "فيك شي أنت؟ لا يكون بصدرك هوا عقب البارح." قربت وهي تسمع صوت ونيّنه تحت اللحاف بعد الكحة القوية اللي أتعبته. سحبت اللحاف ببطء، ومدت يدها على جبينه وهي موسعة عيونها: "هذي حرارة يا ويلي شاب شبوب." طالعها بضحكة طلعت منه غصب وهي تفك أزرّة ثوبه بسرعة وتبعد اللحاف. صحت على ضحكته. للحظة حست إنه يلعب عليها ما به حرارة ورحمت حالها. أبعدت وأشرت

له وحرارة وجهها تحرقها: "أنت اشلح الثوب ما تنام به، خلك خفيف لجل الحرارة، وأنا بأجيب كمادات باردة كود تخف." حطت له الكمادات بعد ما شال ثوبه ولحفته بلحاف خفيف. حاتم كش جسمه وارتعش: "أبك برد يا مرة سكري الباب وعطيني لحاف أثقل." رفعت سبابتها: "بك خير خذ لحاف ثقيل، ابتس ما يصير، لزوم تنزل هالحرارة لجل نسير على أمك اليوم ما أنت تقول إنها تبينا؟ ضربت رجلها بالأرض بعصبية وهو يضحك عليها: "لا تضحك عاد حاتم!

ماني شايفة شي يضحك." حاتم حط يده على صدره بابتسامة: "ودي أتعب كل شوي، لجل تخافين عليّ أعنبو حبّش." بعد صمت، ما تمالكت ضحكتها إلا إنه ما لمّح إلا طرفها. طلعت بسرعة وسكرت وراها الباب. ضحكت وهي تهز راسها: "هذا وكاد إنه تعب وخرّف." جلست بالقهوة بعز الصبح تقهوي أخوها وأمها تسوي الفطور: "ايه يا سعيد متى على الله نبي نفرح فيك؟ رفع عينه لها وأخذ فنجاله بصمت. زينب: "عايشة وردت لرجالها، و... سعيد: "ردينا على طاري عايشة!

خلاص يا زينب قلنا عايشة مالها علاقة." زينب تنهدت: "طيب خلاص متى تبي تعرس، شيّبت ولا شفنا عيالك." سعيد ضحك: "وش لي بوجع الراس." زينب خفضت صوتها بلطف: "هالحين الزواج صار وجع راس، تجيب صغار يلوجونا ويراكضون بالحيا ويلعبون ولك مرة تسنّعك." سعيد ابتسم يغيضها: "يكفينا وليدش مشيّب راس أمي وأبي." زينب ضربت رجولها بملل من كلامه المكرر: "ودك من يحطها بوجهك ويخطبها لك كود تعرف السناعة."

سعيد ارتكى على رجلها: "ههههههههههه هي والمه؟ منهي بنته؟ زينب دفت راسه عنها: "وأنا خبله أقولك هاه، أنت بس قل تم وما لك إلا اللي يطيب خاطرك." سعيد هز راسه بتنهيدة، فعلًا تعب من وضعه وحيدٍ حياته بليا طعم ولا لون: "خير إن شاء الله أفكر." حطت الكمادات على أكثر من مكان بجسمه. حاتم برعشة: "بااارد يا عاايشة تبي تذبحيني." عايشة لفت عنه تبلل القماش: "ودي أذبحك لولا خوفي من الله."

دنت منه وأبعدت خصلات شعره عن جبينه تحط الكمادات وترقب هالحرارة تنزل. ما هي موجسةٍ به وبقليبه، إلى من دنت يضخ دمه وحرارته تزود. ابتسم لقربها: "أبعدي لا أعديش بالمرض." وبخاطره يلمها وخابر إنها دواه وداه ومرضه وشفاه، إلا إن حاله أتعبَه وأشقاه. همست وخاطرها مرتاح من قربه، ولا هي ب تعودها وتشقي قليّبها زود بالبعد والجفا: "خلني ما عليك مني." وهي تعمّد تمسح على شعره بليا وعي منها سجت بحبّها، بعالمها الآخر.

بعد صمت طال بينهم، وحاتم مسكر عيونه لا تقرى اللي يجول فيه ويصول يدري بها ما تخفى عليها لغة العيون. عايشة صحت من سرحانها: "نمت؟ حاتم فتح عيونه وعقد حواجبه بمزوح: "وتهقين أقوى أرقد وهذا قربش لي، خافي الله بي." دفعت ذراعه بغيض: "وليه أخاف ما سويت شي حرام، ما قربت لك وأنت ما تحل لي، ولا ناديتك بنص الليل لجل العرب يشوفون شي ماله ساس، ويشهدون على الردى." لازمه الصمت لثواني

وعينها تبحر به بغبن وحزن: "اعذريني اللي عشتي هالليلة، اعذريني على ذنبٍ ما هو ذنبي ولا لي علمٍ به." أما عايشة وهي تقاوم دمع عينها لا يفضحها، ولا تقاوم مشاعر قليّبها: "البلا لا جيت أعذرك أعد وأغلط على أعذارك، والبلا إن قليّبي يزود بلاه، يوم كنت أحسب إن البعد دواي، إلا زاد سقمي ومرضي." حاتم قام على حيله وأبعد الكمادة عن جبينه وصار قبالها وهي جالسة على الفراش.

رفع وجهها ويدينه ترتجف يمسح دموعها بليا كلام ولا أي صوت منه. رفعت عيونها تطالعه بحب تحاول تخفيه بهاللحظة وكل ما بها مفضوح: "تدري بي أصبر على البعد لو أذوق الموت، فقدت قبلك منهو تحت التراب، ما أنت عاجزني. إلا يوم جبروني على أعود للأوليّ ما قويت، قلت هذا حاتم اللي على خبري، حبيبي وأبوي، مير ما لقيته بك ما أنت حاتم اللي أعرفه واللي هقيته. حتى إني صرت أخاف لا أقربك." دفع راسها بمزوح وهو يضحك، ثم لمها بشوق جبر ضلوعه الهشة

ويديه ترتجف من قو شوقه: "أبك أنتي انهبلتي، إلا أنا حاتم بشحمه ولحمه." عايشة أبعدت عنه وتطالعه، ولا عجبها رده ودها تنفجر فيه ودها تبكي على صدره، ودها تعاتبه وتشكي له منه. بلعت ريقها بصمت: "خفت حرارتك؟ حاتم: "أنا بأرقد شوي وإلى صحيت نروح لأمي." عايشة: "أجل أنا جزت عيني النوم، بأروح أجلس عن أمي شوي وأجيب العيال."

وطلعت بليا كلمة تدفعه يفرغ أشواقه المتراكمة بصدره. لازمه الصمت لثواني من طلعت، ثم انسدح وسكر عيونه وريحتها بين ملامحه وجفونه يتنفسها. دخلت بليا صوت وبالها ساج. وكنها ندمت على كلامها على رده الجامد، حتى يديه ما هو قادرٍ يثبتها، ترتجف وكن جوّنا بارد ما يعرف الدفا. زينة: "وعليكم السلام هوه! عايشة جلست جنب أم عقاب: "صبحش بالخير." أم عقاب باستغراب: "الصبح بأوله يمه، وش جابش؟

عايشة بمزوح: "يعني زينة تجي وأنا لا، وين عيالي المزايين ولهت عليهم؟ أم عقاب: "داخل يمه نايمين، تعالي تقهوي." عايشة: "لا أنا ما رقدت زين، بأدخل أرقد." وقامت بهدوء لمنامها وانسدحت جنب عيالها وحضنتهم بحب، وغفت عينها بتعب من ليلة طويلة وصباح أطول. زينة لفت على أم عقاب وملامحها تمتلئ بالغرابة: "تبي ترقد! بلاها هي! أم عقاب ميلت فمها: "والله مدري، علمي علمش." ووجهها ما جاز لي، كأنها توها باكية. زينة: لا ما ظنتي يتخايل لك.

العصر لبس ثوبه وغترته وباله مشغول بكلامها له الصبح، وبالرد البارد اللي عطاها رغم إنه ما يمثل اللي داخله أبدًا. وده يلمها بحيل ما يوجس، وده يعلمها عيونه طول السهر، كثر الدمع، كبر الأمل اللي ما انقطع. طول الصبر اللي قسى قليبه عليها، ولا تهون عليه هالقسوة. هذي عويش حبيبته وعشيرته اللي يقضي نص يوم إذا ما هو كله معها، ولا يحلى إلا بزولها قباله. ما تدري وش عاش بلياها، ما تدري وش شاف من الفقد ومن الحزن، والشوق لها ولعياله.

تنهد تنهيدة قطعت قلبه، وكأنه ينثر الغبار على اللي مر به وياها. وقف قبال بيت أبو عقاب ويناديها. أم عقاب بالمطبخ منشغلة بصوت عالي: ادخل يمه، البنية راقدة. سمى بالله ودخل، ما لقى أحد قباله. دخل مرقدها، هي وعياله غاطين بنوم عميق، بمنظر ما هقى عيونه تبي تحظى به. ابتسم والود وده ما يصحيها، لأن التعب بعيونها واضح. قطع تفكيره وقام يصحيها بهدوء لا يقومون العيال، لأنهم بيّمرون السوق قبل.

فزت بخرشة من اللي يصحيها. طالعته لثواني، وشافت المكان اللي هي فيه ورجعت تطالعه باستغراب. حاتم حط يده على راسها ويضحك: بسم الله عليكِ، أنا حاتم حاتم. ها قومي يلا، قلتي تبين السوق. عايشة عقدت حواجبها وجلست على حيلها: أمي وينها؟ حاتم: منشغلة. قالت لي ادخل صحيها راقدة، ونبي نتفاهم على حركة إنك تظهرين من عندي وترقدين بذا. وهم يمشون بالسوق، تذكرت وضحكت وهزت كتفه بكتفها: أجل تبيني أرقد عندك، زين الوجه عاد!

ابتسم: إيه، ماهي زينة تظهرين من أول الصبح وترقدين عندهم. إلا قولي إن هالصغار كلوا قليبك. عايشة حطت يدها على قلبها بهيام: يا ويلي إذا ما كلوه من ياكله! جعلي فدا رجولهم. حاتم طالعها شوي: امشي امشي بس، شوفي ذي الجلابية. عايشة: لا، عندها واجد سود. خذ هذي راهية وتفتح النفس. واضح إنها من الجديدات، ولا يا عم؟ جاوبها الشايب وهو عاصبٍ

راسه والشيب متمكن منه: أي بالله يا بنتي، وكاد إنك تبخصين وإن ذوقك رفيع ما شاء الله. هذي من الجديدات والغاليات. فإن كانت هي لكِ، أنشهد إنها تبي تعطينها فوق زينها زين. حاتم احتدت نظرة عيونه: إيه بالله، وش رايك تمسك يديها بعد؟ سحبها مع ذراعها: ما جازت لي، شوفي غيرها. ها، يلا اعجلي علينا. عايشة: ليه والله وش حلوها، والشايب وش حليله وكاد إنه يبي يرخصها لنا.

حاتم: إيييه، وأنتِ ما جاز لكِ غير هالشايب، وهو مستغلها مدح وتغزل فيكِ وقبالي بعد! ضحكت غصب عنها بصوت يسمعه من حولها. حاتم يناظرها وسج بضحكتها اللي ما وقفت. عقب شد يدها ويطالع حوله بضحكة: أبك خلصنا، تبين هالشايب؟ روحي بس، اخفضي صوتك، العرب يطالعون. أسرعت بخطاها وضحكتها تقطّع للشايب وهو وراها يتبسم. وقفت عنده وتسولف وتنشده عن الجلابية وخذتها بنص السعر، ولفت عليه ومشوا. مشت بهدوء ممزوج

بكبر وهي تطالع الجلابية: هه شفت، لا رحت السوق لا تأخذ معك إلا عواشة، جبتها لكِ بنص السعر. حاتم: غير هالمرة لا تروحين السوق إلا وأنا معكِ. أثاري الوضع عندكِ عادي، معودينكِ هالشياب بالدلع والتغزل هذا. عايشة: لا أقولهم إني مرت حاتم وش رأيك؟ حاتم ضحك: إيه، خلهم يدرون إنكِ منتيب سهلة. عايشة سبقته بشية المغترة: لا يا عين أبوي، أنا بنت صقير خابريني. تنهد ومشى جنبها بصمت. على صلاة المغرب

دخلوا على أم حاتم وهي مزهبةٍ القهوة تحراهم. من دخلوا عليها: يا هلا ويا مرحبا، وين هالطلة من زمان! يا علي وانحرم منها. مسكت الصغار بحجرها ومتحضنتهم بسعادة مالية عينها. رفعت راسها على حاتم وعايشة: وأنتوا وشلونكم يمه؟ عسى أموركم زينة؟ نزلت عيونها بالأرض بتفكير وطالعت حاتم. حاتم يطالعها ومبتسم. حط كفه على كفها: بخير أبشركِ، أنتِ ويش حالكِ؟ عساكِ مرتاحة؟

أم حاتم: أنا بخير لولا هالصغار اللي خذوا عقلي، بسم الله عليهم. ما غير أهوجس بهم وآله عليهم. عايشة: خالة شوفي ويش جبت لكِ، عساه لبوس العافية. أم حاتم فلت الجلابية: ما شاء الله، دايم أقولها ما فيه غير ذوق عايشة باللبس. عاد أنا أشوفه عليكِ، مدري اللبس زين ولا أنتِ مزينته هههههههه. حاتم: إلا بالله هي تزينه أنا فداها. عايشة طالعته لثواني تستوعب اللي قاله وشكلها بريء. ضحك بخفة ولف على أمه.

أم حاتم: أي بالله، الله يحفظكم ولا يرينا أقشر الأيام. حاتم: آمين. بالليل، عقب ما نومّت سمرة وصقر والنعاس يغلبها، سدحتهم بطرف الفراش. وقامت تبي تغسل ملابسهم. حطتهم بسطل واسع وفتحت صنبور الماء عليه وارتكت على الجدار تطالعه. مر عندها وهي ما تحركت. طل بوجهها: ياااويلي هذي راقدة. شاف الصنبور يصب والماء فايض. سكر الصنبور ولف عليها، ولا تحس بحولها أبدًا. حملها وسدحها بالنص. ورجع شاف ملابس عياله. ضحك وشمّر

كمومه وشد عصبته: آخر عمري أغسل هدومهم هالورعان. هههههههه الله كريم. خلص ودخل الغرفة وشلح ثوبه وغترته. وجلس على فراشهم وهو يطل على سمرة وصقر. وهم بالجهة الثانية وعايشة بجنبه. ضحك ضحكة انتصار وكأنه انتصر عليهم من معركة طالت خسارته فيها. مد يده يلحفهم ويلحف عايشة بلحافه، وحركته واجدة. فزت عايشة وهي مضيقة عيونها: حاتم، أبي أغسل هدومهم أنا، ويش جابني بـ انسدح ولمها بشدة هادية جدًا. عكس قليبه اللي مرتعد يرجف من كثر الوله.

رد عليها بهمس وأنفاسه تسابق حروفه: غسلتهن، لا تصجيني. ولا تتحركين واجد. مدت ذراعها ولمته ودست راسها بصدره. رفعت يدها تداعب شعره وشدته بقوة: أجل كود تحمد ربك إني نعسة، ولا كان علمتكِ وشلون الحركة. ضحك وشدها وغط بنومة عميقة ما ذاق قد ملذتها أبدًا بأيام الفراق. مر ليلهم الممتلئ بالأشواق الصامتة، بالأجساد التواقة على الأجفان الغافية. كل ما لقى الهوى فرصة يدخل بينهم، شدها لصدِره، بخوفٍ أن لياليه القشرا تعود.

وأصابعه تحضن شعرها. مر على قربهم أسبوعين، والروتين كما هو. غير أن عينه يجزاها الرقاد وهي ما هي عنده، ولا تهون هي. بأول المغرب، تمشت هي وإياه. ومرت قبالهم بنية صغيرة وقفت عند عايشة: هالحين هذي مرتكِ؟ حاتم طالعها بصمت وهي راسه بابتسامة: الله الله. حركت يدها بطريقة مضحكة: وويه، أجل راحت على أختي منيرة. عايشة تخصرت ودنقت لها: ليه وش عندها أختكِ؟

ضحكت تغيظها: تبي رجالِكِ الخبلة. راسمِةٍ عليه، عاد جاكِ العلم أنتِ لا تتركينه يظهر لوحده ما يندرى وأنا أختكِ. وراحت تركض من نادتها وحدة من البنيات. حطت يدها على دقنها بتعجب تهوجس وتكلم نفسها وتمشي مع حاتم صوب الجبل. لفت فجأة على حاتم شافته يتبسم. صفقت يدينها ببعض: وين وصلت؟ عوّد عوّد ولا يطري على بالك تهوجس بهرجها الجاهل هذي. حاتم ضحك بخفة يستفزها: من تقصدين؟ البنية ولا منيرة؟

بس عجيب أول مرة أشوف بنية تهرج هالهرج ههههههههه. أجل منيرة تبيني؟ رفعت حواجبها بجنة وشدته مع ثوبه صوبها وتطالع بعينه: بغاها الموت، لا عاد أسمع اسمها على لسانكِ. ارتسمت على شفاهه ابتسامة وعينه تأمل نظرة عينها المريوشة. حط يده على خصرها من الخلف ودناها صوبها ولا زالت عيونه تبحر بمواني عينها. عايشة ونيرانها تشتعل: حتى إني آمركِ ما نيب أطلبكِ، ولا عادني أشوف عينكِ تلف صوب نسوان البادية كلها.

اتسعت ابتسامته وكأنه مغيبٍ عن الوعي، ثم سكر عيونه وهز راسه بهدوء: سمعًا وطاعة طال عمركِ. عندكِ بعد زود شيء؟ عايشة: إيه، أنت تعرف من هذي منيرة؟ رفع راسه يضحك على ملامحها وكأنها طفلة تجهل اللي تنشده. عايشة طقت الأرض برجلها بخفة وتدري به يستفزها: حاتم! نزل راسه لها وهو كابح ضحكة: لبيه. عايشة تطالعه بوسع عيونها تحرى منه جواب. مسك طرف دقنها وقبل طرف شفاهها ثم قبل خشمها. ولمها لصدِره بحبٍ ما يخالطه شكٍ ولا ريب.

رفعت ذراعها وضمته وميلت راسها على صدِره: حاتم. رد الصوت عليها وهو غارق بين خصل شعرها: لبيه. ضحكت وضربت ظهره ودعست وجهها بكتفه. حاتم ضحك: توكِ تذكرين تستحين؟ يا علني فدا الحيا اللي بروحكِ والكبر والغرور بعيونكِ. تنهدت براحة بال ومسكرة عيونها: الله وحده يعلم بحبكِ. ضحك بخفة: عاد أنا ما ودي أطلقكِ من ذراعي. ودي نموت كذيه. أحبكِ أحبكِ أحبكِ أي بالله. ما ودي بأيامنا القشرا تنعاد، ما ودي الفراق يجي له طاري.

ما ودي أفقد زولكِ. ولا أبي أعيش اللي عشته. الشيب خط لحيتي وشنبي من الهم والهواجيس تالي الليل. ما هقيت روحي أعشق وأحب لين طاح فاسي براسي. رفعت راسها وقبلت لحيته: أحسن ويا زين الشيب عليكِ، لأجل النسوان ولأجل ما تحلى بعيونهن. أبيكِ بعيني أنا وبقليبي ومحدن يشاركني فيكِ. قرب وجهه صوب وجهها لين ما أصبح للهوى بينهم مجال. داعب أنفه بأنفها بلطف وكأنه يلعب بعروق قليبها. همس وبحته

اللي شلعت روحها تطربها: أنا لو أسجد شكر لله للأيام هذي، أنشهد إن عمري يبي يروح وأنا ساجد. عايشة وترقب ساقي العطش يرويها: أنا فدا عمركِ. بادلته نظرات يفهم مقصدها، نظرات شوق من يوم ابتدا ما ينتهي. شوقٍ عمل عمايله، وخذى عقولهم. وجفن الحزن اللي سولف عن حالهم. نظراتها الممتلئة عطش، وعينه الراوي. لو يقضي عمره يرقب هالعيون ما تحسّف عليه، ولا عليه حسوفة. فتحت فروته وضمته وعينها لا زالت تسولف سوالف ليل أشقاها، سوالف حبٍ عليل.

رفع غترته وقرب وجهه صوبها، قبلها بحبٍ وشوق كسر ظهره المستقيم. قبلها لأجل يروي ظماه اللي أشقاه، لأجل تنتهي حكايتهم بمكان بداياتها، لأجل يعيش الحب بأكمله. وقت ما كان يحاول يتقرب لها بأيامهم الأولى. لأجل يوثق قصة الحب الطاهرة اللي انتهت بصدق وجنوا منها عيالهم "سمرة وصقر". أيقنت عقبكِ بأن أحبكِ ما تكفيني وحبكِ ما هو يفسر بالكلام لا قلته سولافة بعينكِ هي اللي تمليني حروف شعرٍ وسط عينكِ نثرته خا بركِ تبيني ولا أنت بتبيني

ويا وجد قلبٍ ميتٍ بكِ جعلته يا الله يا رب الجزاء، أجيزني وجهٍ حسن فيض شعري كتبته. انتهت حكاية حبهم الجبار والآن بدأت من جديد. النهاية... The End.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...