تحميل رواية يوميات طبيب نفسي بقلم رحمة نبيل pdf
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
تقف في مطبخ منزلها تدندن بسعادة متحركة يمينًا ويسارًا وهي تغمض عينيها كما لو كانت نجمة مشهورة أعلى مسرح قومي، والتصفيق يعلو في مخيلتها، ومن بين الجماهير كان يقف هو، زوجها الحبيب وساكن القلب الاول ...معاذ . أفاقت من غيمتها نؤقتًا حتى تحضر باقي المكونات من الثلاجة ومن ثم يمكنها العودة لجماهيرها، لكن وبمجرد استدارتها أطلقت صرخة ملتاعة حينما أبصرت وجهه، يقف على باب المطبخ مستندًا بتكاسل وعلى ثغره ارتسمت بسمته المميزة . تنفست سلمى بفزع واضعة يدها أعلى صدرها علّها تهدأ نبضات خافقها : " ياربي يا معاذ ك...
رواية يوميات طبيب نفسي الفصل الأول 1 - بقلم رحمة نبيل
تقف في مطبخ منزلها تدندن بسعادة متحركة يمينًا ويسارًا وهي تغمض عينيها كما لو كانت نجمة مشهورة أعلى مسرح قومي، والتصفيق يعلو في مخيلتها، ومن بين الجماهير كان يقف هو، زوجها الحبيب وساكن القلب الاول ...معاذ .
أفاقت من غيمتها نؤقتًا حتى تحضر باقي المكونات من الثلاجة ومن ثم يمكنها العودة لجماهيرها، لكن وبمجرد استدارتها أطلقت صرخة ملتاعة حينما أبصرت وجهه، يقف على باب المطبخ مستندًا بتكاسل وعلى ثغره ارتسمت بسمته المميزة .
تنفست سلمى بفزع واضعة يدها أعلى صدرها علّها تهدأ نبضات خافقها :
" ياربي يا معاذ كنت هتوقفلي قلبي، مش تكح ولا تعمل اي حاجة !!"
تحرك معاذ صوبها، يتلقفها بين أحضانه دون مقدمات وهو يتذمر بتعب كأنه طفل يشكو لوالدته :
" تعبان يا لوما، تعبان اوي "
ضمته سلمى بخوفٍ أن يكون قد أصابه مكروهٍا ما :
" مالك يا قلب لوما، حصل حاجة في الشغل ؟؟"
التوى ثغر معاذ في حنق واضح وقد بدأ يبثها شكواه، علّه يجد سلوانه معها :
" الشغل تعبني يا لوما، تعبني نفسيا وبفكر اني اروح لدكتور نفسي بجد "
رفعت سلمى حاجبها وقالت ببسمة :
" معاذ ياقلبي انت دكتور نفسي اساسا "
حدق معاذ بعينيها وهو يتنهد بتعب ملقيًا بجسده على المقعد الذي يتوسط المطبخ :
" أيوة دكتور نفسي محتاج دكتور نفسي يعالجه، أنا اللي بشوفه كل يوم مش شوية، أنك تقعدي تسمعي مشاكل الناس وتحليها وتعالجيهم مش سهل، والبلوة الأكبر لما تكون المشاكل دي مجرد مشاكل متستحقش اساسا دكتور نفسي "
ضحكت سلمى على تذمره، متحركة صوب طاولة المطبخ واضعة أمامه كوب من العصير الطازج :
" بس أنت دكتور شاطر يا معاذ واظن أنك بتعالج الحالات دي بسرعة "
قال معاذ وهو يرتشف رشفات سريعة من الكب أمامه وقد أصبح الغيظ واضحًا في صوته :
" والله الحالات اللي عندي دي لو جاتلهم منظمة الصحة النفسية العالمية ما هتجيب نتيجة معاهم "
ومجددًا أطلقت سلمى ضحكات عالية، لكم يمتعها تذمره بهذا الشكل كما لو كان طفلًا صغيرًا، معاذ ذلك الرجل اللين والحنون الذي فازت بمعرفتها له، بل ونالت الجائزة الكبرى حينما أضحت زوجته ..
رددت تحاول تهوين الأمر عليه وهي تتوسط المقعد المقابل له على الطاولة :
" مش يمكن أنت الفترة دي مضغوط وعشان كده بتبالغ ؟؟"
رفع معاذ حاجبه بحنق :
" ببالغ ؟؟ أنتِ مش بتشوفي اللي بشوف، يا سلمى دول لو واحد مصبحش على حد فيهم بيجي يبكي أنه مبقاش فيه حد بيحبه، اقولك اسمعي يا ستي وشوفي أنا ببالغ ولا لا "
*منذ يومين *
كان معاذ جالسًا على مكتبه يدون بعض الملاحظات حول مريضه السابق في انتظار دخول المريض التالي، وبالفعل ما هي إلا لحظات حتى أطلت عليه سيدة تبدو في اوائل الثلاثينات، بثياب منمقة وهيئة تنطق بالثراء والرقي، ودون كلمة واحدة تحركت تلك السيدة صوب فراش المرضى " الشازلونج " وتمددت عليه، ثم رفعت عينيها تحدق بسقف مكتبه كما لو كانت تحمل هموم الدنيا فوق كتفيها، وبعد صمت دام لدقائق تنهدت تنهيدة محملة بالوجع وهي تقول :
" عايزة حل لمشكلتي "
ابتسم معاذ بهدوء يحمل قلمه وورقة لتدوين ملاحظته حولها، وتحرك حتى توسط المقعد القريب لها يقول في لهجة هادئة رزينة :
" ممكن الاول اعرف اسم حضرتك وايه الـ "
فجأة انفجرت السيدة بوجهه، حتى أن معاذ نهض من مقعده برعب يختبأ خلف مكتبه، متخذًا إياه ساترًا له من تلك القنبلة الموقوتة التي أخذت تصرخ دون توقف :
" اهي هي دي مشكلتي، هي دي ازمتي في الحياة "
نظر لها معاذ بحرص وهو مازال مختبئًا خلف مكتبه يحاول تحليل كلماتها لمعرفة ما تقصده :
" ايه هي ؟؟ اسمك ؟؟ متعقدة من اسمك يعني ؟! معقولة يكون اهلك سموكِ اسم قديم يعني و.."
بكت السيدة بحرقة من مات له عزيزًا :
" لا الرجالة "
اعتدل معاذ في جلسته وقد أثارت تلك الكلمة العديد من الأفكار في رأسه حول ماهية التجبر الذي تعرضت له تلك السيدة تحت مسمى " الرجال "، لذلك سار الهوينة صوب مقعده وجلس عليه مرة أخرى في هدوء يحاول ترتيب أفكاره واستدراجها دون شعور نحو الحديث عما يؤرقها :
"اولًا محتاج من حضرتك تهدي وتاخدي نفس عميق، وتعرفي أنك مش لوحدك اللي عانيتي من تجبر الرجال، ده شيء عادي بتعاني منه كل النساء، ممكن تحكيلي أي شيء جاي في بالك دلوقتي عن حياتك مثلا دنيتك و.."
قاطعته مجددًا باكية دون توقف :
" أنت كمان هتعمل زيهم "
" اعمل ايه؟! والله لسه معملتش حاجة"
وتلك النظرة التي صدرت من عينيها له متهمة إياه باتهامات كثيرة لم يكن له يد بأيٍ منها :
" أنت كمان هتفضل تسألني عن اسمي وحياتي وتقرب مني عشان شكلي ومستوايا المادي ؟؟ كلكم زي بعض سطحيين "
هز معاذ رأسه وقال :
" عندك حق احنا الرجالة دائما سطحيين، بعدين لا مؤاخذة يعني أنتِ عايزة اول ما اشوفك احب جوهرك ؟! ما نعقل الكلام، ثم أنا كدكتور نفسي مالي ومال كل ده انا بس كنت بسألك على اسمك وحياتك عشان الاقي باب اعالجـ"
" عشان تلاقي باب تدخلي مني وتستغلني "
قال معاذ وهو يدون بعض الكلمات في الورقة أمامه :
" لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا على آخر الجلسة هبقى واحد زبالة ومش بعيد تجبيلي البوليس "
صمتت الفتاة ولم تنبث ببنت شفة وهي ما تزال تحدق في السقف :
" أنا عايزة اكون وحشة، نفسي لما حد يقرب مني ميكونش مقرب عشان شكلي "
حاول معاذ أن يخفف من وطأة ما تشعر به، متحدثًا ببعض الأحاديث العادية أثناء استماعه لها :
" ما هو طبيعي اول شيء يجذب طرف للطرف التاني هو الشكل، وبعدين لما نقرب نعرفة اكتر ونـ "
قاطعته الفتاة دون اهتمام لما يقول :
" أنا روحت قبل كده لدكتور تجميل عشان اكبر بُقي واتخن خدودي "
رفع معاذ حاجبه وقال :
" دول عشان تبقي وحشة؟؟ ده البنات بتعمل اللي بتقولي عليه ده عشان تحلو، أنتِ هبلة ؟؟"
نظرت له الفتاة وقالت بدموع حاولت جاهدة أن تستخلصها من عينيها التي ترفض البكاء :
" الدكتور رفض "
" جدع "
" قالي اني محتاجة اروح لدكتور نفسي "
" الله يسامحه "
" قالي اني بعاني من حالة نفسية صعبة، تخيل أنا بعاني من حالة نفسية يا دكتور ؟!"
" ملوش حق "
" أنا ميار السيد ملكة جمال مصر، على آخر الزمن يتقالي روحي لدكتور نفسي ؟!"
كانت نبرتها توحي بمقدار حنقها من الامر، والاشمئزاز من القدوم إليه، ليهب معاذ مدافعًا عن هويته كطبيب نفسي :
" الله الله الله وماله الدكتور النفسي بقى يا ست ميار ؟؟ منشبهش ولا منشبهش ؟؟ "
ويبدو أن الفتاة لم تنتبه له أو لحنقه من حديثها، بل استرسلت في الحديث :
" تفتكر ليا علاج يا دكتور ؟!"
هز معاذ راسه وقال :
" الحب معاكِ أنك تشتغلي شكلك بدل ما حد يستغله، يعني اتغدي بنفسك قبل ما حد يتعشى بيكِ، روحي اشتغلي في شركة منتجات للبشرة، اعملي اعلانات لمساكات العيد، اهو منها تكسبي قرشين ومنها تدمري بشرتك دي بالمواد الكيميائية وتوفري فلوس العمليات "
* في الوقت الحالي *
ضحكت سلمى بصوت عالي على اللي حكاه ليها معاذ وهي بتقول :
" بجد مش معقول، قولتله كده بجد ؟!"
" امال اقولها ايه ؟! جبتلها حل يريحها ويريحني منها "
ضحكت سلمى وهي بتقول :
" بجد انت مش طبيعي، يعني كان ممكن تقولها تبعد عن الرجالة وتبني لنفسها كارير وحياة لوحدها "
" ده حل الناس البسيطة اللي زيك، دي حلول مؤقته لكن أنا عطتها حل ينزع بشرتها من جذورها ويريحها "
ضحكت عليه مراته وهي بتقول :
" طب ما شغلك مضحك ومسلي اهو ليه بقى زعلان منه"
بص ليها معاذ بغيظ وقال :
" مضحك ومسلي، طب اسمعي اللي حصل معايا من اسبوع "
____يتبع _____
رواية يوميات طبيب نفسي الفصل الثاني 2 - بقلم رحمة نبيل
* منذ اسبوع *
كان معاذ متكأ على مقعده أمام مراهقٍ، ربما يبلغ من العمر ١٧ عامًا، وكعادته كان يحمل دفتره وهو يتحدث بهدوء :
" أيوة يعني أنت هنا عشان حاسس أنك بتتعرض للتنمر ؟!"
" لا يا دكتور أنا هنا عشان اعرف طريقة احسن بيها درجاتي في الامتحانات ومحدش يقول عليا فاشل تاني"
صمت معاذ ثواني، ثم قال :
" يعني أنت مشكلتك في الدرجات ولا أنك فاشل ؟!"
" الاتنين، عايز ابقى ذكي اوي وباخد درجات عالية في الامتحانات، وبكده الكل يعرف اني واحد ذكي اوي "
رفع معاذ حاجبه بتعجب :
" طب ما تاخد دروس يا حبيبي، خد دروس في المواد اللي أنت ضعيف فيها وذاكر، ذاكر وربنا هيكرمك، أنت مش محتاج دكتور نفسي أنت محتاج مدرس خصوصي "
وبدا التذمر والحنق واضحًا كوضوح الشمس في كبد السماء حينما تشدق الصبي :
" يعني انا جايلك يا دكتور عشان تقولي خد دروس ؟! انا جايلك عشان تحللي مشاكلي مع الفيزياء والنحو "
ضرب معاذ كف بكف وقال :
" يابني وهو أنت جاي لاينشتين ؟! ولا ابو الاسود ؟! اذا كان أنا نفسي كنت شايل فيزياء في ثانوية عامة وامتحنتها دور تاني والنحو ده عملتله ورقتين قبل ما ادخل اللجنة، يعني أنت جاي للشحص الغلط اساسا "
اعتدل الصبي في جلسته وقال بلهفة :
" بجد يا دكتور يعني رغم أنك سقطت في المادة وغشيت بقيت دكتور، يعني فيه امل ابقى أنا كمان دكتور ؟؟"
قال معاذ بغيظ منه ومن تفكيره الغبي :
" هو ده اللي طلعت بيه من كلامي ؟؟ بدل الفلوس اللي دفعتها عشان تجيلي كنت روح خد مجموعة تقوية، ولا اي حاجة تزق معاك ام السنة دي "
قال الصبي مصرًا :
" بس انا فاشل "
" وغبي، أنت فاشل وغبي والله"
كانت كلمات اضمرها معاذ في نفسه خيفة تدمير هذا الصبي الذي يبحث عن ابسط الطرق ليصبح بطلًا خارقًا في خمس دقائق :
" طب ما تذاكر، مفكرتش تذاكر قبل كده ؟! يعني من باب التغيير ؟!"
" فكرت يا دكتور بس لقيت أن الموضوع مش بيجيب نتائج سريعة وانا عايز اثبت اني ذكي بسرعة والمذاكرة بتاخد وقت "
صمت معاذ قليلًا، ثم قال بكل جدية :
" يابني وهو أنت جاي لساحر؟! أنا طبيب نفسي، لا إله إلا الله، طب اقولك ... أنت الحل بتاعك أنك تشتغل اسيسنت مدرس ثانوي، منها تطلع عقدك على كل العيال وتردلهم اللي كانوا بيقولوه ليك، ومنها تحتك بالمدرسين فتلقط منهم أي كلمة تفيدك، وربنا يتولاك في ام السنة دي، وابقى تعالالي بعد سنتين اعمل متابعة على حالتك "
* في الوقت الحالي *
كانت سلمى تستمع حديث زوجها بصدمة، وبمجرد انتهاءه تشدقت بشفقة ولوم :
" حرام عليك يا معاذ، ليه تحطم معنويات الولد كده ؟!"
" احطم معنوياته؟! أنا لو اطول كنت حطمت عضمهُ عضمة عضمة، ده بيدلع بدل ما يفكر في حل لمشاكله ويذاكر ويتعب على نفسه بيختار الطريقة السهلة وهي أنه يقنع نفسه أنه مظلوم والكل جاي عليه وأنه محتاج علاج نفسي "
صمتت سلمى قليلًا تدير حديثه في رأسها ومن ثم قالت :
" عندك حق يا معاذ، بس يعني أنا شايفة لغاية دلوقتي أن كل الحالات دمها خفيف "
نفخ معاذ وقال :
" دمها خفيف ؟! والله أنتِ رايقة، ده انا قربت اعتزل المهنة بسببهم"
ضحكت عليه سلمى بصوت عالي :
" طب كمل، الموضوع طلع مسلي اوي اوي، كمل "
ونظرة حنق كانت ابلغ ردٍ من زوجها حول مقدار تهكمه لاستمتاعها بمعاناته :
" معاناتي طلعت مسلية ؟؟"
" اه والله، كمل بقى "
اقترب منها معاذ يهمس لها بحنان :
" طب مش هتدي معاذ حبيبك جايزة كده عشان بيضحكك زي ما ابو هشيمة بيضحك ياسمين صبري ؟!"
نظرت له سلمى قليلًا قبل أن تميل عليه مانحة إياه قبلة أعلى وجنته، ومن ثم ابتعدت وهي تردد :
" يلا كمل "
ورغم أنه من المفترض له الغضب مما فعلت، إلا أنه لم يملك سوى أن يبتسم أمام نظراتها المتحمسة والمترقبة، امسك يديها يحرك أصابعه على باطن كفيها بحنان :
" طب اسمعي يا ستي، من اربع ايام كده جاتلي حالة زي اللي قبلها ويمكن اغرب ..."
* قبل أربعة ايام*
كانت السيدة تجلس أمام مكتب معاذ تبكي وتولول كم فقدت عزيزًا أو تهدم معبدها أعلى رأسها، تبكي وتمسح دموعها وانفها بمناديل ورقية يمدها بها معاذ نفسه، حتى أصبح مكتبه أشبه بمكب نفايات لكثرة المناديل الملقية ارضًا .
تحدث معاذ وهو يعطيها منديل آخر :
" متعيطيش يا ختي مفيش حاجة تستحق العياط ده، صحيح رجالة ميجيش من وراهم غير الهم "
سحبت السيدة منه المنديل وقالت بانهيار :
" أنا لغاية دلوقتي مش مستوعبة اللي حصل يا دكتور، تخيل بعد كل سنين الجواز دي يعمل فيا كده ؟؟"
" لا ازاي ملوش حق، أنتِ لازم تطلقي منه "
رفعت السيدة رأسها بفزع لمعاذ وقالت :
" اتطلق ؟!"
" أيوة طبعا، يعني جوزك بقاله يومين بيصحى من غير ما يقولك صباح الخير يا بيبي وتسكتي ؟؟ بكرة ينام من غير ما يقولك تصبحي على خير يا عيوني "
انفجرت السيدة في البكاء وقد افزعتها تلك الفكرة :
" صح عندك حق يا دكتور، أنا ازاي مفكرتش في الموضوع ده ؟؟"
سحب معاذ منديل آخر يعطيه لها وقال :
" عشان أنتِ حاليا جوا دايرة المشكلة فمش عارفة تفكري غير فيها، على العموم يا مدام دي مشاكل معروفة بين المتجوزين، فمتخافيش كل مشكلة وليها حل "
حدقت به السيدة وقالت بلهفة :
" Really doctor?"
" Really يا مدام "
صمت قليلًا، ثم قال :
" هسألك شوية أسئلة وعلى حسب الأسئلة دي هنحدد حجم المشكلة ونعالجها، جوز حضرتك عمره نسي أي مناسبة من المناسبات اللي بتنكدوا بيها على الرجالة يعني عيد ميلادك عيد جوازكم عيد تحرير سيناء أو عيد العمال، أي عيد ؟؟"
هزت السيدة رأسها نفسيًا وقالت بحسرة :
" لا يا دكتور عمره ما حصل، وده اللي مخليني مصدومة لغاية دلوقتي من اللي حصل "
سألها معاذ :
" طب الفترة الأخيرة بيهملك ؟! يعني بيقضي وقت كتير خارج البيت، مش بيعاملك نفس معاملة زمان ؟!"
" لا خالص كل حاجة زي العادة، هو بس مش بيصحيني قبل ما يمشي ولا بيقولي صباح الخير ولا حتى بيحضني ويقولي love you honey"
" اه طالما وصلت لكده يبقى فعلا الموضوع خطير، طب بصي يا مدام بناءً على كلامك فمشكلة جوزك كلها بتتلخص في فترة الصبح وبيمشي من غير ما يودعك صح ؟!"
اماءت له رأسها بايجاب فقال معاذ :
" تمام يبقى الحل مع المشكلة دي أنك تصحي قبل جوزك وتقوليله أنتِ صباح الخير و بكده نكون حصرناه في الزاوية و هو هيضطر يرد الصباح عليكِ وبكده يكون الموضوع اتحل "
* في الوقت الحالي *
أنهى معاذ قص ما حدث متعجبًا عدم ضحكها هذه المرة اوتعليقها، بل كانت ملامحها شاردة وجامدة بشكل غريب :
" ايه مالك بتبصي ليا كده !!"
رفعت سلمى حاجبها وقالت بتحفز :
" أنت عمرك ما قولتلي love you honey "
" بس انا بقولك صباح الخير "
هزت رأسها وقالت بعناد :
" أيوة بس مش بتحضني وتقولي love you honey "
فكر معاذ وقال :
" لا دي مشكلة خطيرة فعلا، يبقى تيجي معايا للدكتور النفسي عشان نشوف حل في الموضوع ده "
لوت سلمى ثغرها بعدم رضا :
" مظنش أن الجرح بتاعي محتاج دكتور نفسي، أنا جروحي أعمق من كده "
رفع معاذ حاجبه وقال :
" امال جروحك محتاجة ايه ؟!"
" محتاجة كيلو رنجة وبصل اخضر "
نهض معاذ من مكانه وهو يرمقها بحنق وتهكم :
" لا خلي جروحك بدون علاج لغاية ما تلتهب، قال كيلو رنجة قال "
أنهى حديثه متجهًا صوب غرفتهما بينما سلمى أطفأت النيران من أسفل الطعام تلحق به وهي تترجاه بلطف :
" طب استنى طيب، تعالى كمل القصص يا معاذ، اصبر بس يا معاذ "
دلفت خلفه الغرفة تردد بإصرار :
" كمل بقى الحكايات بتاعتك "
رفع معاذ حاجبه وقال :
" مش هناكل ولا ايه ؟؟"
" الاكل موجود مش هيطير احكي بقى "
ابتسم معاذ وهو يبدل ثيابه، ومن ثم تحرك صوب فراشه، يتسطح عليه براحة كبيرة، جاذبًا سلمى لاحضانه بحب وهو يقول :
" نسيب الحكايات لبكرة أنا عايز نقعد في هدوء شوية سوا ..."
نظرت له سلمى بتعجب :
" نقعد سوا في هدوء ؟؟ على أساس أن احنا حياتنا كلها مش هدوء ؟!"
" لا هدوء، بس انا وحشني اني افضل قاعد اتأمل ملامحك كده من غير كلام "
ابتسمت سلمى باتساع، تستند جوار جسد زوجها على مرفقها، ثم أخذت تعبث بخصلاته الفحمية وهي تهمس :
" وأنت برضو بتوحشني كتير لما بتغيب في العيادة يا معاذ "
" اقفل العيادة لو تحبي يا قلب معاذ "
أطلقت سلمى قهقهات عالية وهي تلقي بنفسها بين أحضانه، ثم استندت برأسها أعلى منطقة قلبه تردد بحب :
" لا خليها، القصص بتاعتها بتسليني"
ابتسم معاذ وهو يتلاعب في خصلات شعرها، وعم صمت طويل بينهما استرجع فيه معاذ كيف التقى يسلمى وسقط لها دون رغبة في النجاة، وكيف نالها وفاز بها بعد قتال، والان ها هي تسكن أحضانه بكل استكانة ...
أخرجه من أفكاره صوت سلمى وهي تردد بخفوت :
" معاذ أنت نمت ؟!"
" لا لسه "
ابتسمت وهي تضمه أكثر :
" طب يلا كمل الحكايات "
تنهد معاذ بصوت مرتفع، ثم ابتسم لها بحب :
" طيب اسمعي يا ستي "
_______يتبع________
رواية يوميات طبيب نفسي الفصل الثالث 3 - بقلم رحمة نبيل
رحرح بتضحي ...
نزلتها كاملة في يوم عشان هي اساسا مكتوبة عندي، وده إن دل على شيء فهو يدل إن معزتكم كبيرة عند رحرح ❤️
وكل ده ليه ؟؟
عشان نفرفش شوية من فصل الرواية اللي علم على الكل ونضحك شوية، واتمنى تعجبكم، وعما قريب نعملها رواية بقى ...
حاسة اني بدبس نفسي في حوارات كتير، بس يلا .
__________________
* قبل اسبوع *
كان معاذ في مكتبه كالعادة يعمل على ترتيب أوراقه وملاحظاته بشكل معين، الهدوء يعم المكتب، فهو في هذا الوقت قلما استقبل مريضًا، لكن فجأة اقتحمت فتاة مكتبه بقوة وبطريقة مخيفة تصيح في وجهه :
" أنا عايزة اكشف"
انتفض معاذ وقال :
" طب ما تكشفي"
دخلت الممرضة الخاصة بمعاذ سريعًا خلفها وهي تردد معتذرة بلهجة خافتة :
" والله يا دكتور مقدرتش امنعها"
رفع معاذ يد وقال بجدية :
" مفيش مشكلة اطلعي وسيبينا شوية لو سمحتي "
تحركت الممرضة خارج المكتب، وأغلقت الباب خلفها في الوقت الذي تحركت فيه الفتاة صوب المقعد المخصص للمرضى وتسطحت عليه بهدوء شديد وهي تتنفس انفاس مسموعة ومن ثم قالت :
" أنا عندي مشاكل كتير اوي وهما قالولي أنك هتحلهم معايا "
تمتم معاذ حاملًا الدفتر والقلم، متجهًا، للجلوس على مقعد المقعد أمامها :
" الله يسامحهم "
جلس ومن ثم قال بصوتٍ مسموعٍ :
" اتفضلي احكيلي ايه اللي مزعلك "
" خطيبي "
انتبه لها معاذ جيدًا، فأكملت الفتاة :
" أو اللي المفروض يكون خطيبي "
رفع حاجبه متسائلًا :
" ايه خانك ؟؟ "
" لا بس مش عارفين نتخطب، مش قادرة اكون معاه، حاولنا اكتر من مرة وفشلنا"
شرد معاذ في حديثها قليلًا يحاول تحليل تلك المشكلة التي تتحدث عنها، ومعرفة ما ترنو إليه من خلف تلك الكلمات :
" قصدك أن المشكلة في أنكم مش قادرين تتموا الخطوبة ؟؟ "
اماءت له الفتاة بايجاب وقد زين الحزن نبرتها :
" بالضبط يا دكتور، مش عارفين نتخطب "
سجل معاذ بعض الكلمات في الدفتر أمامه يقول بتقرير :
" وده اللي تعبك نفسيا ؟!"
" أيوة وبقيت مش عارفة اعيش حياتي عادي، بقيت مش قادرة اشوف مكان غير وطيفه فيه، كل حاجة بتفكرني بيه وبذكرياتنا سوا، كانت حياتنا مثالية لغاية ما دخلت بينا أمه "
كان معاذ يرهف السمع لها باهتمام شديد، دون التحدث ومقاطعتها، يتفهم كل ما تنطق به وهو يفكر فيه للوصول إلى حل يريحها، حتى قالت بحقد وغل دفين :
" أمه عرفت بعلاقتنا فاتعصبت وقالتله ازاي تحب واحدة وأنت متجوز ومخلف "
فتح معاذ عينه بصدمة تداركها سريعًا، نظر حوله ثم أعاد التحديق بالفتاة متسائلًا بتعجب :
" وهو فعلا متجوز ومخلف ؟؟"
" ايوة "
صمتت قليلًا، ثم هيت للدفاع عنها وعن حبيبها بعدما رأت نظرة استنكار تعلو ملامح معاذ :
" بس هو مش بيحبها يا دكتور بيقولي أنه اتسرع في جوازهم وعمره في حياته ما قدر يميل ليها، وأنه مش بيحب غيري "
" طب وأمه ليه تدخل بينكم، كان من باب أولى تكون زوجته لو هي مهتمة بجوزها "
اعتدلت الفتاة في جلستها وهي تقول بجدية :
" ما هي مراته عرفت وضغطها علي واتحجزت في المستشفى عشان كده أمه هي اللي دايما واقفة ليا "
كتب معاذ شيئًا في دفتره وقال :
" وأنتِ مش شايفة نفسك غلطانة ؟! يعني خليتي بنت زيك تعاني من الضغط وتتحجز في المستشفى، مفيش أي شعور بالذنب ؟!"
لوحت الفتاة بيدها في الهواء غير عالية بكل ما يقوله في الحقيقة :
" هي اساسا كان عندها الضغط والسكر والروماتيزم من قبل ما تعرف وكمان خشونة في الركبة "
اتسعت اعين معاذ قليلًا، وهو يحاول تحليل ما تقول، ونطق دون أن يجعل صدمته واستنكاره يتغلبون على عمليته في العمل :
" يعني كمان سيدة مريضة استغليتوا مرضها أنتِ وجوزها ؟! ده بدل ما يساعد مراته أنها تعدي محنتها يروح يعرف واحدة عليها ؟!"
ومجددًا اندفعت لتدافع عن حبيب قلبها :
" لا يا دكتور متظلموش اصل هو مش هيقدر يساعدها لأنه عنده وجع في فقرات العمود الفقري وكمان عنده الضغط والسكر زيها "
تعجب معاذ كل ما تقوله وتنطق به :
" أنتِ عرفتي العيلة دي من مستشفى القصر العيني ولا ايه !؟ ايه كمية الأمراض اللي عندهم دي، شباب زيهم يبقى عندهم كل الأمراض دي ازاي، هما قرايب والأمراض دي وراثه ولا ايه ؟؟"
" لا يا دكتور مش قرايب خالص ده حتى أمه هي اللي اجبرته يتجوزها ودلوقتي لما حبني وقرب مني منعته يتجوزني، وقال ايه بيحب واحدة قد عياله "
ضيق معاذ عينه وقال بتحفز :
" ليه هو العريس كام سنة ؟!"
" سبعة وخمسين سنة "
فتح معاذ عينه بصدمة وقال لا يصدق ما يسمع :
" سـ..سـبعة وخمسين سنة ؟؟ سبعة وخمسين سنة وقد عياله ؟؟ ده أنتِ قد احفاده يابنتي، ليه تعملي في نفسك كده "
أشارت عليه الفتاة بحنق وغيظ شديد وقد بدأت دموعها تتساقط :
" شوفت اديك زي أمه اهو وبتقول نفس كلامها، الحب ميعرفش سن يا دكتور "
" ميعرفش سن ؟؟ ده الحب معداش عليه السن من أصله، انتِ مش مستوعبة بتقولي ايه ؟؟ بعدين تعالي هنا، أمه ازاي ؟؟ يعني الراجل على مشارف الستين وأمه لسه عايشة؟؟ هي من المعمرين في الأرض ولا ايه ؟؟"
زفرت الفتاة بضيق وهي تردف :
" هو أنا جاية عشان تشوفلي حل يا دكتور ولا تتكلم زيهم"
حاول معاذ تهدأه نفسه وقال :
" أنا مش بتكلم زيهم، أنا بتكلم بالمنطق، تقدري تقوليلي راجل في السن ده ازاي هيقدر يعيش معاكِ شبابك، وازاي هتقدري تجيبي منه اولاد اصحاء، وحتى لو جم ضامنة أنه يعيش لغاية ما يربيهم "
وكان الرد منها هو اماءة وكلمات خرجت بعناد وتحدي :
" أنا وهو فكرنا في كل ده يا دكتور وعارفين اللي ممكن يحصل وعاملين حسابه"
" طب طالما أنتِ عارفة ده كله جاية ليا ليه ؟!"
نظرت له بلهفة وهي تقول بسعادة :
" جاية عشان أسألك ازاي ممكن اقنع اللي حواليا أنهم يوافقوا على جوازنا "
ابتسم ليها معاذ ساخرًا :
" مش لما اقتنع أنا الاول، أنتِ محتاجة فعلا علاج نفسي لأن التفكير ده غير سليم وهيأذيكِ "
نظرت له الفتاة بحنق شديد، ومن ثم حملت حقيبتها وخرجت من المكتب وهي تصيح في انفعال :
" الظاهر غلطت لما جيت ليك يا دكتور، الكل قال عليك شاطر وأنت لا شاطر ولا نيلة، أنا هتصرف "
ضرب معاذ كف بآخر وقال :
" يعني جاية ليا ومتوقعة اعمل ايه يعني ؟! اكون شاهد على عقد جوازكم ؟! "
* في الوقت الحالي *
قالت سلمى بصدمة :
" ٥٧ سنة ؟؟ يا نهار ابيض ؟! طب وحصل ايه ؟! رجعت تاني ليك ولا لا؟"
ابتسم معاذ بسمة غريبة وهو يردد بصدمة لم يتخطاها بعد :
" رجعت تاني وجابتلي معاها حماتها عشان اعالجها وشايفة انها هي اللي مجنونة عشان مش موافقة على جوازها من ابنها الصغير، تخيلي حماتها كاسرة ١٠٠ ومتقتنعة أنها هي المريضة "
ضحكت سلمى بحسرة على عقل تلك الفتاة المريضة التي لربما ذهبت للبحث عن حنان والدها في رجل آخر، ثم اقتنعت أنه يصلح للزواج :
" لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنت عملت ايه في حماتها؟؟"
" حولتها لدكتور عظام، يعني هعملها ايه ؟! الست جاية بتنازع في انفاسها الأخيرة وبتموت، بزمتك واحدة زي دي اعمل معاها ايه ؟؟"
نهض معاذ من الفراش بعدما طبع قبلة صغيرة أعلى وجنتها :
" كفاية كده انهاردة ويلا عشان نتعشى لاني ميت من الجوع"
نهضت سلمى تلحق به لتجهز لهما العشاء، وصوتها يعلى خلف معاذ :
" تمام بس بكرة مش هسيبك غير لما تكمل حكايات "
ضحك معاذ وهو يغمز لها بمشاكسة :
" شكلك حبيتي مرمطتي"
" لا يا معاذ أنا بحبك أنت يا قلبي "
_________________
بعد يومين ..
كعادته يتوسط مقعده في مكتب عمله، يعمل على بعض الحالات، بعدما قضي يومين يقص على زوجته اغرب ما رأى وعاصر في تلك الوظيفة العجيبة المريبة ..
ومن بين افكار قاطع اندماجه صوت الممرضة المساعدة له :
" كده يا دكتور مش باقي غير حالة واحدة بس هي اللي باقية"
نزع معاذ نظارته يفرك جسر أنفه بتعب :
" متابعة ولا حالة جديدة ؟!"
" لا حالة جديدة، بس شكلها كده مش طبيعية يا دكتور "
ابتسم معاذ وقال بسخرية لاذعة :
" وهو الطبيعي هيجي هنا يعمل ايه يا زينب، احنا مش في عيادة باطنة احنا في عيادة أمراض نفسية، اكيد هتكون مش طبيعية، دخليها أما نشوف حكايتها "
مرت ثواني قبل أن تطأ فتاة مكتبة تبتسم له بسمة غريبة :
" مساء الخير يا دكتور "
بادلها معاذ البسمة بأخرى عملية هادئة :
" مساء النور يا فندم، اتفضلي ارتاحي "
جلست الفتاة على مقعد أمام مكتبه وعيونها لا تنفك تمر على وجه معاذ وكأنها تتفحصه، خرج صوتها غريبًا :
" شكرا لحضرتك "
ابتسم معاذ بسمة عملية وقال :
" اتفضلي يا آنسة ممكن اعرف حضرتك بتعاني من ايه ؟!"
" اصل يا دكتور بحب واحد "
هز معاذ رأسه وهو يفكر أن جميع الأمر كان منبعها الاصلي ومصدرها الأوحد هو ذلك الحب :
" لا حول ولا قوة إلا بالله "
نظر للفتاة ثم أضاف :
" أيوة كملي ؟!"
" والواحد ده مش حاسس بيا خالص خالص يا دكتور "
اعتدل معاذ في جلسته يحاول أن ينتزع منها شعور الحسرة وغيره من المشاعر التي دفعت بها لزيارة طبيب نفسي :
" وهي دي مشكلة نفسية تستحق زيارة طبيب ؟؟ دي مشكلة عادية بتواجه ناس كتير خلال حياتهم عادي "
التوى ثغر الفتاة بحسرة :
" لا يا دكتور أنت مش فاهمني، أنا مش جاية هنا عشان موضوع أنه مش بيحبني "
اولى لها معاذ كامل اهتمامه وهو يراها تركز ببصرها عليه :
" أنا جاية هنا عشان اعترفله اني مش قادرة اعيش من غير تفكير فيه، من وقت ما شوفته في مرة وانا مع صاحبتي وانا مش قادرة اشيله من تفكيري "
" وحضرتك جاية ليا عشان اساعدك تشيليه من تفكيرك ؟!"
كان يتحدث بهدوء وعملية، فقد قابل خلال عمله العديد والعديد من تلك الحالات والتي استطاع مساعدتهم بفضل الله، لكن رد الفتاة جاء صادمًا له :
" لا أنا جيالك عشان تلين قلبك عليا وتقبل تكون حبيبي "
فتح معاذ عينه بصدمة وقال :
" نعم ؟!"
نهضت الفتاة من المقعد تتجه صوب خاصة معاذ وهي تردد بنبرة بدت مهووسة وغير متزنة :
" صدقني يا دكتور من وقت ما جيت مع نيمو وشوفتك وانا هتجنن عليك "
نهض معاذ من مقعده يحاول الابتعاد عنها قدر الإمكان وهو يضع في الاعتبار أنها ليست طبيعية :
" نيمو مين ؟؟ ده اللي في الكرتون بتاع السمكة ؟!"
" لا يا دكتور نيمو، صاحبتي اللي كانت جيالك عشان مشكلتها مع ام حبيبها "
فتح معاذ عينه بإدراك يضحك بتعجب :
" اه هو أنتِ تبعها، نفس الحالة سبحان الله، بعدين أنا يابنتي متجوز اساسا "
" عادي اتجوزني أنا كمان معنديش اي مشاكل ومش همانع والله "
كانت تتحدث وهي تدنو من مكانه وعيونها تلتمع بشغف كبير، لكن معاذ كلما اقتربت خطوة ابتعد عشرة للخلف :
" مكانش يتعز والله بس انا مراتي ست قوية ومفترية وممكن تلبسنا الكفن قبل ما افكر البس البدلة "
اردفت الفتاة بأعين متسعة وبسمة مخيفة :
" خلاص نقتلها "
خاف منها معاذ وهو يحاول الهروب من أمامها :
" نقتل مين يا مجنونة أنتِ، يا زينب ...أنتم يا ناس ياللي برة"
" متتعبش نفسك أنا استنيت آخر واحدة عشان محدش ينجدك من ايدي "
فتح معاذ عينه وقال :
" لا أنتِ مش محتاجة دكتور نفساني، ده أنتِ محتاجة سجن مؤبد عشان افكارك الإجرامية دي "
فجأة دخلت عليهم زينب بفزع لصراخ معاذ :
" نعم يا دكتور فيه حاجة؟!"
أشار معاذ لتلك الفتاة وهو مازال يتوارى خلف أحد المقاعد خوفًا أن تطاله يدها :
" بلغي البوليس يا زينب بلغي البوليس انا حياتي في خطر"
نظرت زينب للفتاة وقالت :
" حصل ايه يا دكتور ؟!"
صرخ معاذ وهو يشير على الفتاة التي كانت ما تزال ترمقه بنظرات مخيفة :
" حصل ايه في ايه ؟؟ أنتِ مش شايفة بتعمل ايه ؟؟ دي قاتل متسلسل، بلغي البوليس أو المستشفى بتاع الأمراض العقلية أي حاجة تيجي تشيلها"
حدقت به الفتاة ثم شرعت تبحث عن شيء ما في حقيبتها مما أثار الهلع في قلب معاذ وهو يسمعها تتساءل :
" أنت مفكرني مجنونة ؟!"
رد عليها معاذ بخوف :
" لا استغفر الله مجنونة ايه ؟؟ دي زينب هي اللي مجنونة، مش كده يا زينب ؟!
وافقته زينب بخوف :
" كده يا دكتور أنا اللي مجنونة هنا "
كانت عين معاذ مثبتة على حقيبة الفتاة التي ما تزال تبحث بها عن شيء، وهاجس داخله يخبره أنها تحمل سلاحًا لتقتله، لكن فجأة أخرجت الفتاة يدها من الحقيبة وهي تحمل زجاجة عطر، بخت منها على نفسها، ثم أعادت شعرها للخلف تردد ببساطة :
" تمام، أنا همشي دلوقتي عشان اتأخرت بعدين نكمل كلامنا، باي يا موذي "
تشنجت ملامح معاذ بغرابة :
" موذي؟؟"
تنهد معاذ وهو يراقب رحيلها ولسانه حاله يستغفر الله لما يراه ويقابله كل يوم، حتى اخترق صوت زينب مسامعه تقول :
" تحب اشطب العيادة يا دكتور "
هز معاذ رأسه بتعب :
" شطبي يا زينب شطبي، أما نشوف اخرتها مع الشغلانة دي "
___________
مر يومين على تلك الأحداث، وقد تغيرت تصرفات معاذ كليًا، حيث أصبح يرفض قص أي قصة مما يحدث على سلمى، ولهذا أتت الأخيرة بنفسها له في عيادته فقط لتعلم سر تصرفاته الغريبة
دخلت سلمى العيادة الخاصة بزوجها تبحث يمينًا ويسارًا عن شيء يدلها على زوجها، حتى أبصرت زينب :
" لو سمحتي "
رفعت زينب رأسها :
" أيوة اتفضلي متابعة ولا حالة جديدة "
" لا ولا ده ولا ده، أنا بس جاية عشان اقابل دكتور معاذ و..."
نظرت لها زينب من أعلى لاسفل باستهجان وتهكم واضح في نظرتها :
" اه أنتِ بقى من فريق المعجبين بتوع الدكتور ؟؟"
" فريق معجبين ؟؟"
" اه البنات اللي بيجوا مخصوص عشان يشوفوا الدكتور زي اخر حالة اللي كانت عايزة تتجوزه تحت تهديد السلاح "
أصدرت سلمى صوتًا غاضبًا وهي تضرب المكتب أمام زينب :
" نعم ؟؟"
رفعت زينب حاجبها بتعجب من تصرفاتها :
" ايه مالك مستغربة كده ليه ؟!"
" هو فين معاذ ؟!"
" هو جوه عنده حالة و.."
وقبل أن تكمل زينب حديثها، سارعت سلمة صوب المكتب تاركة إياها تنظر في أثرها بتعجب ..وقد اقتحمت المكتب على زوجها بهمجية
لينتفش معاذ من جلسته وقد اندهش لوجود زوجته في مقر عمله، بل ودخولها بهذا الشكل .
تحدث معاذ للرجل أمامه باحراج :
" تمام باذن الله هنتظر حضرتك في جلسة الخميس"
نهض الرجل وودعه ببسمة مع وعد بالقدوم مجددًا نهاية الأسبوع، وبمجرد خروج سارع معاذ صوب سلمى بقلق :
" سلمى حصل ايه ؟! فيه حاجة حصلت ؟!"
في هذا الوقت اقتحمت زينب المكتب وهي تردد باعتذار :
" معلش يا دكتور والله غفلتني ودخلت "
ابتسم لها معاذ بسمة صغيرة وهو يوضح الامور لها :
" ولا يهمك يا زينب دي مراتي "
اتسعت أعين زينب وهي تنظر لهما في صدمة كبيرة، هل قالت كل ما قالته أمام زوجته، ويلها ستفقد عملها بسبب لسانها...
" مرات حضرتك ؟!"
اماء لها معاذ دون فهم لسبب صدمتها ..
ابتلعت زينب ريقها وهي تردد بنبرة متحسرة عليه :
" طب يا دكتور أنا هخرج انا ربنا يتولاك، لا إله إلا الله "
ولم يفهم معاذ سبب ركضها للخارج، وملامحها الشاحبة :
" مالها دي ؟!"
لكن وقبل أن يسترسل في افكار وجد سلمى تقترب منه جاذبة إياه نحوها وعينها تطلق رصاصًا حيًا، والغضب ينطق من كل خلجاتها...
" خليك معايا يا استاذ معاذ، يطلع ايه حوار نادي المعجبين بتوعك دول ؟!"
فتح معاذ عينه بصدمة وقال :
" نادي معجبين !! ايه اللي بتقوليه ده ؟!"
" مش انا اللي قولت، دي زينب اللي قالتلي "
عض معاذ شفتيه بغيظ وقال :
" يا زينب يا اللي لسانك فالت "
تنفس يحاول تهدأه نفسه، ثم ابتسم متحدثًا لزوجته :
" دي زينب بتحب تهزر عادي ياقلبي، قوليلي بقى جاية عشان ايه ؟! قصدي يعني ايه سبب الزيارة القمر دي "
رفعت سلمى حاجبها :
" هو حرام اجي اشوف جوزي وهو بيشتغل ؟!"
" لا ياقلبي مش حرام بس انا استغربت مش اكثر"
أوضحت له سلمى سبب قدومها وهي تقترب منه تضم رقبته :
" اصلك بقالك يومين مش بتحكي ليا حكايات ودايما بتتوتر لما أسألك فحسيت أن فيه حاجة غلط فقولت اطب عليك اشوف فيه ايه ؟!"
ابتسم لها معاذ بحب ولم يكد يجيب، حتى انتفض الاثنان على صوت فتح الباب بعنف شديد، وكأن الداخل هو أحد أفراد فرقة مكافحة الشغب أثناء اقتحاد وكر إحدى العصابات...
ولم يكن الزائر سوى الفتاة نفسها والتي تلاحق معاذ منذ أيام بهوس ..
نظرت سلمى لتلك الفتاة باستنكار لاقتحامها مكتب زوجها بهذه الطريقة :
" ايه ده ؟! مين دي وازاي تعمل كده ؟!"
قال معاذ وهو يبتلع ريقه :
" دي الحاجة الغلط ياقلبي "
__________________
دخلت سلمى المنزل وخلفها معاذ بعد معركة حامية خاضتها الاولى مع تلك الفتاة التي تلاحق زوجها، فعندما رأتها تقترب من معاذ ببسمة وهي تطلق عليه لقب تدليل مقزز كـ ( موذي ) اشتعل غضب سلمى وانقضت عليها ..
تحركت سلمى صوب غرفتها وهي تلقي بجسدها أعلى الفراش، والتعب قد نال مبلغه منها، تردد بانهاك شديد :
" اه ياني يا جسمي، جسمي انكسر "
ألقى معاذ جسده جوارها يردد بانهاك مشابه :
" عشان تحسي باللي بعانيه كل يوم "
نظرت له سلمى بفم ملتوي من التعب ليضمها معاذ يقبل رأسها بحنان قبل أن ينفجر في الضحك فجأة :
" كل ما افتكر منظر البنت وهي بتجري منك في العيادة اموت من الضحك"
" اه بس لو كانت وقعت تحت ايدي كنت قرقشتها بسناني "
صمتت سلمى ثواني ثم اردفت :
" هي دي سبب أنك بقالك يومين مش بتحكي ليا حكايات ؟!"
" مكنتش حابب ازعلك، ثم إن مكانش فيه حالات احكيها ليكِ لأن معظمهم كان عندهم مشاكل بجد "
تعجبت سلمى من كلمته تلك، ويبدو أنها لم تفهم شيئًا منها :
" حالات بجد ؟؟"
" أيوة ياقلبي، كل اللي حكيتوا ليكِ كان عشان أنا عارف إن أصحاب الحكايات دي مش مرضى نفسيين لا هما مجرد أشخاص مش عارفين يفرقوا بين المشاكل العادية والمرض النفسي، انما الناس اللي بتعاني فعلا من مشاكل عويصة زي الاكتئاب أو المشاكل الناتجة عن ماضي سيء عمري ما أخرج اسرارهم برة العيادة ولو ليكِ حتى، لأن دول ناس فعلا متأذيين وارواحهم بتعاني و وظيفتي اساعدهم مش اعملهم حكايات قبل النوم "
أدركت سلمى مقصده، وقد ازداد قلبها فخرًا بزوجها ذو القلب الحنون واللطيف ذاك :
" أنت كويس اوي يا معاذ وانا بحبك "
" ومعاذ بيموت فيكِ يا لوما "
تنفست سلمى براحة شديدة تتكأ برأسها على صدره مستمتعة بمعزوفة قلبه أسفل أذانها، في تلك اللحظة كانت تشعر كما لو أنها في موطنها الوحيد :
" طب مفيش أي قصة عادية تاني زي اللي قولتهم !!"
ابتسم معاذ وهو بيضمها لقلبه أكثر، مستمتعًا بالدفء المنبعث منها :
" فيه قصة الشاطر معاذ اللي اتجنن من يوم ما شاف الأميرة سلمى، تحبي تسمعيها ؟!"
ضحكت سلمى وهي ترفع وجهها له تطالعه في هيام واضح "
" احب اوي "
ارتفع معاذ برأسه يطبع قبلة حنونة أعلى رأسها يردف بحنان :
" طب اسمعي يا ستي ......"
النهاية .....
________________
تلك ما كانت سوى بضع مواقف كوميدية، ربما تحدث في الواقع أو لا، لكنني فقط اتمنى لو استطعت أن ارسم بسمة على افواهكم ..
لذا يا عزيزي لا تهزمنك الحياة باوجاعها ابتسم وتوكل على خالقك...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
تمت بحمد الله ....