إهداء لتلك البائعة التي كانت تفتح محلًا صغيرًا جوار منزل جدي، والتي كانت دائمًا ما تشهق فزعًا في طفولتي حينما تعلم هوية والدتي، مرددة بحسرة وتعجب (كيف لوالدتي صاحبة البشرة البيضاء الصافية، أن تحضر فتاة مثلي ببشرة قمحية؟! ) لكم وودت وقتها أن اعطيها ردًا آخر غير تلك البسمة الطفولية السخيفة وردي المعتاد على تلك الجملة وهي ( أنا أشبه جدتي من والدي يا خالة)، هذا فقط كل ما كنت استطيع قوله لها، عقلي الصغير لم يستطع أن يخبرها ( أن ذلك خلق الله ) لم يستطع أن يشرح لها أن الجميع جميل، وأن الاختلاف غالبًا ما يكون جميلًا، أن اختلافي عن عائلتي ليس بالشيء السييء، بل هي ميزة اعطاها لي الله، وددت لو رددت على مسامعها الآية التي يقول فيها سبحانه وتعالى ( تبارك الله احسن الخالقين ) وددت و وددت أردت اخبارها الكثير والكثير، أخبرها أن ذلك الحديث الذي تتبعه غالبًا بضحكة عالية رفقة من معها من النساء ليس مضحكًا وليس أمرًا جيدًا، لكن الموت كان اسرع مني، ذهبت الخالة وتلاشت ذكراها، ولم يتبقى لها أثر في هذه الحياة سوى كلماتها التي لن انساها طالما حييت .....
لذلك انتبه فأنت لا تود أن يكون كل ما يتذكره الناس عنك بعد وفاتك هو ما اتذكره أنا عن الخالة....
أترك اثرًا طيبًا، ازرع ورودًا بدل من غرس الأشواك، كن طيب الحديث، لطيف المعشر.....
صلوا على من تطيب القلوب بذكره .....
قراءة ممتعة .
___________________
شقت الحافلة طريقها بسرعة مخيفة، وقد كان قرار اليخاندرو بنقل روما عبر سيارة إسعاف قرارًا صائبًا، فلو كانت في تلك اللحظة معهم لكانت خسرت حملها بسبب قيادة جاكيري الذي لا يهم أي نوع وسائل المواصلات يقود، طالما أن لها عجلات تتحرك إذن سيقود كما يشاء ويحب .
كان الجميع يتمسك بمقعده في رعب شديد والسباب تتراشق حول أذنيّ جاكيري الذي لم يكن يهتم حتى بهم ...
وفي وسط كل تلك الصراخات من الجميع والشتائم المتقاذفة، والغضب الذي كان يحوم في الحافلة، شخص واحد فقط هو من كان يعيش افضل لحظات حياته، ولم يكن سوى الوافد الجديد على العائلة " قاسم "
تحرك قاسم من بين يدي هالفيتي يسير في الممر الذي يتوسط الحافلة وهو يتضاحك بقوة على الهواء البارد الذي يصطدم في وجهه وعلى السرعة التي تتحرك بها الأرض أسفل قدمه _ كما يعتقد_، ورغم أنه كلما سار خطوة سقط على وجهه، إلا أنه لم يبكي بل كانت ضحكاته ترتفع أكثر وأكثر .
استمر قاسم في ذلك حتى أصبح بالقرب من جاكيري ومقعد السائق ليبتسم باتساع وعينه تراقب المناظر الطبيعية من الزجاج الأمامي للسيارة، صفق بسعادة وصوت تمتماته تصل للجميع .
ارتفع صوت مارتن بغضب :
" ايها الغبي انتبه فلدينا طفل في السيارة، قد يُصاب بالفزع "
نظر له جاكيري لثواني وكاد يبطئ القيادة لولا سماعه لصوت تصفيق الصغير خلفه، نظر له نظرة سريعة قبل أن ينحني بجسده يحمل قاسم أعلى قدمه، ولأول مرة يضع حزام الامان عليه، لكنه فعل ذلك ليضمن عدم اندفاع جسد الصغير عبر الزجاج الأمامي، ثم منحه قبلة وهو يهمس له :
" إذن سيد قاسم هل أنت مستعد لسماع المزيد من السباب "
لم يفهم قاسم حديثه، لكنه كان سعيدًا ظنًا أن كل ذلك لعبة، لتتسع بسمة جاكيري وهو يغمز له قائلًا :
" سأعتبر هذه موافقة "
وبهذه الجملة ازدادت سرعة الحافلة تزامنًا مع ارتفاع صيحات قاسم السعيدة، وصيحات الباقيين المتذمرة ......
ثواني فقط حتى توقفت الحافلة فجأة بشكل قوي وعم الصمت بين الجميع ظنًا أنهم وصلوا لوجهتهم، عدّل ماركوس من ثيابه بحنق ناهضًا من مقعده متحركًا صوب باب الحافلة، لكن وبسبب حركة الحافلة المفاجئة والقوية سقط الاخير على وجهه بقوة وتعالت صيحاته في المكان بأكمله ....
بينما الجميع كان يشاهد ما حدث بأعين مفتوحة وجاكيري لا يهتم، فقط ينظر للنافذة بجواره يراقب حافلة رحلات أخرى تسير على نفس الطريق ...
ازدادت سرعة جاكيري ليسابق تلك الحافلة رافضًا أن يتفوق أحدهم عليه في القيادة :
" انظر يا صغير المسألة الآن مسألة شخصية، ذلك السائق يتحداني أنا، هل تظن أنه عليّ أن انقاد خلف ذلك التحدي ؟! "
وبمجرد انتهاء كلماته صاح قاسم بسعادة وهو يشير للحافلة المجاورة لهم :
" عربية "
هز جاكيري رأسه وهو يهمس :
" هذا رأيك إذن ؟؟ لا بأس فقط لأنك طلبت "
وبعد هذه الكلمات ازدادت سرعته أكثر وأكثر حتى شعر الجميع أن اطارات الحافلة لا تلمس الأرض، مما جعل الصرخات تعلو أكثر وأكثر .
وجاكيري يردد بجدية :
" ارادوها حربًا ...فلتكن "
أخرج وجهه من النافذة وهو يصرخ في سائق الحافلة المجاورة مشيرًا لعينه باصبعيه :
" راقب هذا يا خاسر "
ثم اندفع الحافلة بقوة كبيرة مبتعدًا عن الحافلة الاخرى تحت نظرات السائق المتعجب مما يحدث ولا يفهم ما يفعل جاكيري الذي يعيش داخل رأسه تحديًا مع الحافلة التي لا يدرك قائدها وجوده حتى ...
دقائق فقط هي ما استغرقها جاكيري حتى توقفت السيارة أمام مزرعة كبيرة ذات بوابة حديدية اكبر، فتح الحارسان البوابة ليتحرك جاكيري نحو الداخل بالحافلة، ثم توقف أمام المنزل الذي يتوسط المزرعة، مستديرًا بجسده يقول مبتسمًا بسعادة :
" لقد وصلنا ..."
لكن كل ما ابصره هو بعض الأجساد الساقطة فوق بعضها البعض، والحقائب التي تساقطت فوق رؤوس البعض الآخر .
تمتم جاكيري بتعجب ساخر :
" عجبًا هل ضربت الحافلة عاصفة ما ؟؟"
_______________________
بعد ساعة من وصول الجميع للمزرعة وبعدما أخذ كلٌ غرفة تناسبه بدأوا يفرغون الحقائب لأجل التجهز لقضاء عطلة عائلية لطيفة هادئة...
وكالعادة انتقى فبريانو الغرفة التي تجاورها شجرة، رغم أن الأشجار هنا كانت اقصر من المتعارف عليه، لكن لا بأس سوف يتدبر أمره إن احتاج استخدام الشجرة .
بينما انطونيو فضّل اختيار غرفة في نهاية المنزل بعيدًا عن الجميع وضوضائهم المزعجة.
واليخاندرو منح هالفيتي اكبر الغرف الموجودة باعتبارهم ثلاث أفراد لا اثنين كالجميع، رغم اخباره الجميع أن قاسم سيبيت لياليه بين أحضانه هو، لكن لا بأس إن دلل حفيدته الجميلة على حساب الاوغاد الباقيين .
في بهو المنزل كان جاكيري ينقل بعض الاشياء رفقة جايك ومايك، يجهزون لسهرة اليوم حتى ينتهي العمال في المنزل من تحضير الطعام ..
ترك جاكيري وجايك ذلك الشيء العملاق في الأرض يتنفسان بتعب، ابتعد جاكيري للخلف ينظر لذلك الشيء قائلًا :
" يا ويلي، يبدو عملاقًا "
ضرب مايك الشيء بقدمه مرددًا بتخمين :
" وكذلك معطلًا، أحضروا ماركوس لتصليحه "
ابتسم جاكيري باتساع وهو يركض للطابق العلوي :
" حسنًا أنا سأحضر ماركوس، أنتما جهزا الجلسة وكل ما سنحتاجه "
انتهى من حديثه وهو يسير في الممر الخاص بالغرف، يحاول تخمين اين تقع غرفة ماركوس، بالطبع هو لن يضطر للطرق على جميع تلك الأبواب للبحث عنه، لذلك صرخ بصوت عالي ومزاح غبي:
" ماركــــــوس زوجتـك تغـرق في البحيرة الخلفية "
ثواني حتى وجد أحد الابواب تُفتح بقوة وجسد ماركوس يندفع منه بملابسه التحتية فقط، يصرخ باسم زوجته في جنون، في نفس الوقت الذي فُتحت فيه باقي الابواب واجتمع الجميع بخوف ...
وقبل أن يتحدث جاكيري بكلمة سمع سباب يوجه صوب ماركوس الذي خرج بهذه الثياب الغير محتشمة في المنزل رغم علمه بوجود نساء معهم .
القاه مارتن بنظرة غاضبة صارخًا :
" أيها الوقح الحقير، أذهب وارتدي شيئًا بحق الله "
لم يهتم به ماركوس وهو يحاول أن يفلت من بين ذراعي جاكيري الذي امسكه وهو يجيب مارتن :
" اهدئ يا مارتن الرجل زوجته تغرق وأنت الآن توبخه لأجل ثيابه ؟؟ أي نوع من الأشخاص أنت ؟؟"
رفع مارتن حاجبه بسخرية ليشعر بجسد يندفع من الخلف وصوت جولي يصل له واضحًا :
" ماذا حدث مارتن، ماذا حدث ؟! أين هي فيور ؟!"
لكن وقبل أن تخطو لخارج الغرفة كان مارتن يدفعها بقوة مغلقًا الباب عليها مانعًا إياها من رؤية ابن عمه بثيابه تلك، في نفس اللحظة الذي خرج بها أدهم مع هالفيتي ليروا ما يحدث وسبب تلك الضوضاء .
لكن بمجرد أن خطت هالفيتي للخارج حتى أطلقت صرخة عالية جعلت الجميع يلتفت لها، بينما أدهم وقف أمامها يفرد ذراعيه وهو يصرخ :
" ادخلي جوا "
لكن هالفيتي كانت تصرخ بفزع من تلك الهيئة التي يحتجز بها جاكيري ماركوس بين ذراعيه :
" استغفر الله العظيم، ده ممسوك اداب ولا ايه، ما تلفوه في ملاية ولا تستروه بدل ما هو سايبها على الله كده "
سمع الجميع صوت روبين التي كانت تقف خلف فبريانو والذي يمنع بجسده الرؤية :
" بيفكرني بواحد كده كان بينط على بيوت الجيران وهو سايبها على الله برضو "
أنهت حديثها وهي تطلق ضحكات مرتفعة، جعلت فبريانو يدفع وجهها للداخل متحدثًا بغيظ :
" أنتِ مش بتستري أبدًا"
لكن روبين لم تتوقف عن الضحكات بينما الجميع يشاهد ما يحدث، تنحنح جاكيري وهو يلفت انتباه الجميع :
" حسنًا يا رفاق ليعد كلٌ لغرفته فقد انتهى العرض، والآن سآخذ ذلك المسكين لينقذ زوجته "
أطلق جايك صوتًا مستنكرًا اتبعه بضحكة عالية :
" أي زوجة تلك ؟! بعد كل ذلك تتذكر أن هناك زوجة تحتاج للإنقاذ ؟؟ ربما روحها الآن في طريقها للسماء "
كان جايك يتحدث بمزاح ليتضاحك الجميع بصخب على كلماته بينما ماركوس يحاول الإفلات بصعوبة من بين قبضتي جاكيري الذي كان يمنعه من التحرك صارخًا بجنون :
" أنتم تمزحون ؟! زوجتي تغرق وأنتم تمزحون ؟! هل جننتم ؟؟ تبًا لكم جميعًا "
أجابه آدم بجدية وهو يبتسم بسخرية :
" لا يا عزيزي نحن لا نمزح، بل جاكيري هو من خدعك، فزوجتك تقف منذ البداية خلفك "
نظر له ماركوس بعدم فهم يستدير ببطء، ليجد فيور تقف على باب الغرفة وهي تضع منشفة على شعرها رافعة أحد حاجبيها :
" حقًا ماركوس ؟! هل كنت ستنتظر كل ذلك وانا أغرق ؟!"
فتح ماركوس فمه ببلاهة لا يفهم شيء :
" فيور ؟! هذه أنتِ حقًا ؟! كيف ...كيف لقد اخبرني أنكِ تغرقين"
تحدث وهو يشير صوب جاكيري الذي كان يبتسم بغباء، ليعلو صوت فيور الحانق :
"نعم بالفعل كنت اغرق لكنني مللت من الغرق فاتيت لاجفف شعري قبل أن يفسد وارتدي ملابس جافة، ثم أعود واكمل ما كنت أفعل "
صمتت قبل أن تعلو صرخاتها بتذمر :
" هل تمزح معي ماركوس ؟! ألم أخبرك منذ قليل أنني سأستحم ؟؟"
حدق فيها ماركوس ثواني قبل أن يفتح فمه ببلاهة مرددًا :
" نعم صحيح، لقد كانت تستحم، إذن من تلك التي تغرق ؟!"
جذبه جاكيري أسفل يديه وهو يردد ببسمة :
" لا أحد أنا فقط أردتك أن تخرج، نحن نحتاج مساعدتك في الأسفل، هيا اذهب وارتدي ثيابك ثم الحق بنا "
رمقه ماركوس بنظرات مخيفة جعلت جاكيري يتراجع للخلف ضاحكًا :
" حسنًا لا تتأخر سوف نكون في انتظارك "
تحرك جاكيري للاسفل، ليركض ماركوس صوب غرفته يرتدي ثيابه بسرعة خرافية، وبعدها حمل مسدسه وهو يلحق بجاكيري صارخًا :
" سأقتله....سأقتله "
كانت هالفيتي تتابع كل ما يحدث من خلف ظهر ادهم وهي تردد :
" اتمنى متاخدش فكرة سيئة عن عيلتي يا ادهم، ده جدو مأكد عليا أنهم محترمين ومتربيين احسن تربية "
سمع الجميع صوت طلقات نارية تأتي من الاسفل وصرخات تتعالى لينظر أدهم لهالفيتي بحنق، فمنحته بسمة وهي تردد :
" يعني معظمهم مش كلهم ..."
______________________
بعد ساعات قصيرة، وبعدما بدأ الجميع ينتهي من تجهيز ذاته والاستقرار في غرفته، سمعت هالفيتي صوت طرق قوي على الباب، نظرت لادهم الذي كان يُسطح جسد قاسم على الفراش ليبدل له ثيابه .
" يابني اثبت مش عارف البسك"
تحرك قاسم وهو يحاول الإفلات من ادهم ليهبط حيث عائلة روبين، يبدو أن الصغير آلف الأجواء الصاخبة هنا واحب صُحبته الجديدة، فالجميع في الاسفل يعامله كما لو كان الحفيد العاشر وأحد أفراد العصابة الخاصة بهم .
تقدمت هالفيتي من الباب وهي تردد :
" متنساش يا ادهم تسرح شعره كويس عشان بينكشه كل شوية "
بمجرد انتهاء حديثها حتى فتحت الباب لتقابل جولي وروبين ورفقة ...
تحدثت روبين ببسمة وهي ترفع يدها تحيي هالفيتي :
" اهلا، البنات متجمعين عند روما كالعادة ومستنيينك "
أشارت هالفيتي لنفسها بتعجب :
" مستنيين مين ؟! أنا ؟!"
حركت رفقة رأسها بإيجاب :
" اكيد طبعًا، مش حابين نبدأ من غيرك "
" نبدأ ايه مش فاهمة ؟! هو فيه ماتش ولا ايه ؟!"
نظرت لها روبين ببلاهة :
" ماتش ايه ؟! لا ده اجتماع نسوي طبيعي بيحصل بشكل روتيني عشان نعرف نمشي امورنا مع الرجالة "
اقتربت من هالفيتي أكثر وهي تضيف :
" اصل دول صنف محدش يآمن ليهم، خاصة العيلة دي كلهم مش محترمين، وعندهم كل شيء مباح والدنيا مفتوحة على البحري "
صمتت وهي تنظر لرفقة بريبة ثم همست بصوت منخفض :
" ما عدا فبريانو "
" وأنتِ بتوشوشي ( تهمسي) ليه ؟؟"
ابتلعت روبين ريقها وهي تردد بغباء :
" اصل مش عايزة رفقة تسمع اني بشكر في فبريانو وبذم في الباقيين هتفضل تقولي اني عامية ومش بفهم، بس والله هي اللي عامية ومش بتفهم، أنتِ شوفتي بنفسك يا هالي فبريانو عامل ازاي، بزمتك ده واحد مش لطيف وحنين ؟! "
وبمجرد انتهاء كلماتها سمع الجميع صوت رصاصة أخرى يتبعها صرخات عالية :
" فبريانو ايها الغبي كدت تصيب رأسي "
أشارت هالفيتي لجهة الصرخات والأصوات:
" ايه الصوت ده ؟!"
ابتسمت روبين بغباء شاكرة أنها لا تفهم حديث الجميع :
" مفيش اصل هو يعني بيهزروا سوا، هما هزارهم غبي شوية كده "
تحدثت رفقة بسخرية لاذعة :
" قصدك جوزك اللي هزاره غبي "
نفخت روبين بحنق وهي تعتدل في وقفتها تخرج سماعة الترجمة الخاصة بفبريانو من اذنها تضيف :
" البسي دي عشان تفهمي الكل، أنا ظبطها ليكِ، وهقول للكل يتكلم انجليزي عشان نفهم كلنا، ورفقة عطت سماعة جوزها لفيور عشان هي مش بتفهم انجليزي، وبكدة كلنا نفهم بعض "
ابتسم هالفيتي وهي تحرك السماعة الصغيرة بين يديها، ثم نظرت للغرفة تراقب أدهم الذي كان يجلس قاسم بين قدميه يمشط له خصلات شعره بحنان :
" ادهم حبيبي انا رايحة مع البنات نشوف هنطين عيشتكم ازاي، خلص أنت وقاسم وانزل مع الرجالة تحت "
هز ادهم رأسه بموافقة دون اهتمام، بينما سارت هالفيتي مع الفتيات بحماس كبير، لمشاركتهم ذلك التجمع النسوي الذي تحدثت عنه روبين، وفي اللحظة التي فتحت فيها جولي الباب تدعوهم الدخول، فتحت هالفيتي عينها بانبهار بثياب الفتيات وزينتهن وهي تردد مذهولة مما ترى :
" ايه كل النسوان الحلوة دي ؟؟ أنا حاسة نفسي وقعت في مسلسل اجنبي "
ضحكت روبين وهي تدفعها برفق لتشارك الجميع فراش روما التي كانت تجلس بعدما استراحت بشكل كافي تنظر للجميع، وهي تشير لهم أن ينتبهوا :
" جيد أن الجميع هنا، استمعوا لآخر الأخبار التي حصلت عليها من انطونيو "
انتبهت لها جميع الأعين وهالفيتي ما تزال مزهولة من ذلك العالم الغريب، رفقة كل الجميلات من حولها .
رددت روما بجدية وصوت منخفض بعض الشيء وكأن الجدران تتلصص عليهن :
" اخبرني انطونيو أن سكان المزرعة المجاورة دعونا على العشاء اليوم ولحضور حفلة عيد ميلاد حفيدتهم "
أطلقت جولي صيحة سعيدة وهي تقول :
" ياللروعة سنحضر حفلة عيد ميلاد ؟! هذا رائع حقًا "
صرخت روما بغضب جعل جولي تتراجع للخلف وهي تضع يدها أعلى وجهها بتحفز :
" ليس رائعًا، أخبركم حفل عيد ميلاد حفيدتهم ألا تفهمون ؟! حفيدتهم صاحبة السبعة وعشرين عامًا يا حمقى "
شهقت جولي بقوة مما جعل جميع الأنظار تتوجه لها وهي تضع يدها على فمها :
"يا ويلي، نحن لم نحضر لها هدية "
أمسكت روما الوسادة لتلقيها أعلى وجه تلك الغبية صارخة :
" أعتقد أن مارتن سيكون أفضل هدية لها، خاصة أنهم رفاق منذ الطفولة يا عزيزتي "
رفعت جولي حاجبها وقد بدأت كلمات روما تثير ريبتها مرددة :
" من ؟! رفيقة من ؟! وما علاقة تلك الفتاة بزوجي ؟!
" الجميع، هي رفيقة للجميع، عائلتها هم أقارب سيلين وقد كانت تلك الفتاة منذ مولدها صديقة للجميع حسب حديث انطونيو فهي في وقت من الاوقات كانت تقفز لهم في البيت طوال الوقت قبل أن يسافر كل حفيد لأجل دراسته، والآن حان وقت لم الشمل بعد عودتهم كبارًا"
صمتت ثم أضافت :
" لذلك حينما قرر جدي شراء مزرعة اختار أن يشتريها جوار مزرعة جد الفتاة وبطلب من سيلين حتى تكون قريبة من أقاربها "
تمتمت راسيل بشر :
" تلك العجوز، لقد صدق مارسيلو حينما وصفها بالكارثة التي أُلقيت أعلى رؤوسهم جميعًا "
قالت هايز بقلق :
" هذا يعني أنها قد تختطف زوجي مني ؟! هو في الأساس منحرف، يكفي أن تهز خصرها لينفذ كل ما تطلبه "
تحدثت روبين بتعجب من وصف هايز لابن خالها :
" الاه ؟! هو صبي رقاصة ولا ايه ؟!"
أطلقت روبين ضحكة عالية قوية على حديث هالفيتي والتي كانت تتحدث بجدية ولا تمزح في الأمر، رمقتها روما ببسمة جانبية وهي تردد :
" نعم أنتِ الوحيدة من يحق لها الضحك هنا، فلا خطر على زوجك، هي لن تنظر له على أية حال"
رفعت روبين حاجبها بعدم فهم :
" ماذا ؟! هالي هي من اضحكتني، ثم من أخبرك أن لا خطر على زوجي، بالعكس زوجي هو اوسم الرجال هنا، بالطبع سوف تترك الجميع وتركض خلفه، حبيبي وسيم جذاب "
نظرت لها جميع الفتيات بحنق وتشدقت لورا بعدم إدراك لما تقول روبين :
" عفواً هل أنتِ حزينة لأن الفتاة لن تسرق زوجك ؟! بل وتجادلين أنها ستركض خلفه ؟؟ "
هزت روبين رأسها بلا :
" لا أنا فقط ادافع عن زوجي، فحديث روما به اتهام أن فبريانو ليس وسيمًا، لكنني أثق بزوجي وأدرك جيدًا أنه لن يسمح لها بالاقتراب "
ابتسمت روما بسخرية :
" هي في الأساس لن تقترب منه، انطونيو اخبرني أنها ترتعب من صوت زوجك، بسبب حادثة أثناء الطفولة لا اعلم عنها سوى أن فبريانو منذ ذلك الوقت يُمثل كابوسًا للفتاة"
رمقت هالفيتي روبين وهي تهمس بسخرية :
" لا فعلا واضح اللطف، ده عمل فوبيا للبنت "
ربعت روبين ذارعيها لصدرها:
" احسن اهي خفت من على قلبي، اول مرة افرح أنه بيخوف "
نظرت رفقة لهم وهي تفكر فيما سيحدث :
" طب أنا أعمل ايه ؟! اخلي جاكيري يلزق لفبريانو طيب ؟؟ يمكن تخاف تقرب منه لما تشوفه واقف معاه ؟!"
اغتاظت روبين من حديث رفقة :
" ليه حد قالك أنه فزاعة ؟!"
نظرت لها روز بجدية وقالت بعد صمت طويل لا تفهم الحوار بين روبين ورفقة :
" إذن علينا أن ندع جميع الرجال يلتفون حول فبريانو ؟!"
ابتسمت رفقة وهي تشير على روز :
" ها انظري لست وحدي من فكر بالأمر "
تحدثت روبين بسخرية :
" دلوقتي بقى فبريانو حلو؟! مش ده المجنون المختل اللي مش عاجب حد ؟! دلوقتي بقى بسكر عايزين الكل يلزق فيه؟! "
قالت جولي بجدية :
" لا هذا ليس حلًا، نحتاج لشيء قاطع، ما رأيكم بقتلها "
مالت فيور على روما وهي تهمس :
" هل اتوهم أم أن جولي أضحت تشبه فبريانو ؟!"
كتمت روما بسمتها وهي تنظر للجميع بما فيهم هالفيتي :
" حسنًا لن نقتلها، رغم أن هذا الحل يروق لي، لكن لا نحن فقط سنستمر في المراقبة، من يعلم قد تكون الآن نسيت كل ذلك وتتعامل معهم بحيادية، وكل ذلك الحديث اوهام منا فقط "
نظرت لهالفيتي:
" لم تقولي شيئًا هالي"
حركت هالي يديها وهي تقول بجدية :
" اقول ايه يعني وانا مالي، هي عمرها ما هتبص لادهم عشان هو اساسا مش منهم ومتعرفوش، يعني فهو بعيد عن كل ده وفي الأمان، وانا واثقة أنها معلقة مع واحد من أزواجكم وهتطلع أصيلة ومش هتسيبه وتبص لجوزي اللي طلعت بيه من الدنيا "
نظرت جميع الفتيات صوبها بجهل لتبدأ رفقة الترجمة وتقول بكل اختصار :
" تخبركم أن الفتاة لا تعرف زوجها، وهو ليس من ضمن اصدقائها، لذلك من المستحيل أن تنظر إليه حتى "
هزت روما راسها باقتناع وهي تردد :
" إذن لنحدد الآمنين من الرجال حتى الآن، فبريانو فهي تخاف منه، وانطونيو لأنهها تعلم اشمئزازه من النساء، وزوج هالفيتي لأنه غير معروف لها، من أيضًا ؟!"
نظرت جميع الفتيات لبعضهن البعض لتقول راسيل وهي ترفع يديها :
" يمكننا إضافة مارسيلو للقائمة فهو أكسل من أن يدخل في علاقة جديدة مع إحداهن "
تحدثت جولي بتخمين :
" حسنًا ربما لن ينظر لها مارتن إن لم تكن عينيها بنية، فهو يحب العيون البنية "
رفعت روما حاجبها ثم نظرت للباقيات، ليعم الصمت وكل واحدة تفكر في احتمالية أن تحوم تلك الفتاة حول زوجها لتتحدث روما ببسمة :
" حسنًا نحن حددنا الآمنيين، وسوف نجعل أعيننا على الباقيين، من تلمح تلك الفتاة تنظر لأحد الرجال تتواصل مع الباقيات و.."
صاحت جولي بلهفة :
" نقتلها"
" لا جولي، نمنعها من الاقتراب أكثر، لكن ربما نضطر لتنفيذ حلك "
نظرت روما للفتيات وهي تردد :
" إذن هل اتفقنا ؟؟"
ابتسمت جميع الفتيات وهن بصحن بحماس شديد :
" اتفقنا
________________________
استعد الجميع للحفلة وتوجهوا صوب المزرعة المجاورة، واليخاندرو يحمل حفيده الحبيب بين ذراعيه، يرفض رفضًا قاطعًا أن يأخذه أي شخص منه.
يراقب تلك الثياب المنمقة الجميلة والتي يرتديها الصغير ليقبله بحنان :
" انظروا لذلك الوسيم الصغير، هناك من سيخطف الاضواء من جميع الرجال اليوم "
ابتسم قاسم بسعادة، يتحسس ثيابه التي يشير لها اليخاندرو مرددًا رغم عدم فهمه لكلام جده :
" بدلة "
قبله اليخاندرو بحب وهو يهمس له :
" دعنا نبقى سويًا حتى لا تختطفك إحدى الفتيات في الداخل عزيزي "
ضحك قاسم بصوت عالي بسبب دغدغة لحية اليخاندرو له، تحرك جميع الرجال خلف اليخاندرو كلٌ يمسك يد زوجته، تأنق الجميع في ثياب شبابية تليق على تلك الأجواء، حتى انطونيو الذي قرر التخلي عن تلك الثياب الرسمية وارتداء أخرى شبابية كأبناء عمومته واخوته، ليتألق في اللون السماوي الذي يقترب من الابيض .
بينما فبريانو قرر التغيير وارتداء لون جديد عليه، فاختار اللون الاسود مع بعض النقوش باللون الابيض في ثيابه ...
والباقيين ارتدوا كعادتهم نفس الالوان، بينما ادهم كان يتأنق مرتديًا ثياب صوفية باللون الابيض جعلته فاتنًا يشبه كثيرًا ثوب قاسم .
دخل الجميع للحفل حيث كانت تُقام في الحديقة التي تقبع أمام منزل جيرانهم والموسيقى تعلو في الإرجاء، وبمجرد أن خطى الجميع للحديقة حتى سمعوا صوت صرخات فتاة نافس صوت الموسيقى صخبًا وهي تركض صوبهم فاتحة ذراعيها .
" يا اللهي انتم هنا حقًا ..."
فتحت رفقة عينها وتدفع جاكيري صوب إحدى الجهات صارخة بصخب وحماس مصطنع :
" يا اللهي انظر جاكيري هناك حلبة رقص هناك، لنذهب ونشعل الأجواء يا عزيزي "
نظر لها جاكيري بتعجب مستسلمًا لدفعها بينما رفقة تنظر خلفها لتلك الفتاة بشر، شاكرة ولأول مرة حب جاكيري للرقص ...
توقف الجميع في منتصف المكان واعينهم على تلك الفتاة التي ركضت صوبهم وهي تصرخ بسعادة لرؤيتهم، فجأة توقفت الفتاة وهي تصيح بصوت مرتفع حتى يسمعها الباقيين :
" يا رفاق لقد أتيتم، لا اصدق حقًا، عندما اخبرني جدي أنكم هنا لم اصدق، جيد أنني أقمت عيد ميلادي في المزرعة هنا، هذا من حسن حظي "
تمتمت لورا بحنق وغيظ :
" بل من سوء حظنا جميعًا "
نظر لها مايك :
" هل قلتِ شيئًا لورا ؟؟"
" لا، فقط أتساءل إن سبق لك ورأيت وشمي "
" وشم ؟! أي وشم هذا؟! أنتِ لا تمتلكين واحدًا"
جذبت لورا يده بعيدًا عن الجميع وهي تردد :
" حسنًا لنذهب ونقرر بعيدًا إن كنت أفعل أم لا، ها انظر لذلك الركن البعيد الخالي من أي فتاة متطفلة مزعجة، يبدو مناسبًا لمناقشة أمر مصيري كهذا "
نظر لها مايك بعدم فهم مشيرًا صوب الجميع :
" حسنًا، لكن دعيني أرحب بـ"
وقبل أن يكمل كلمته كانت لورا تستدير له قائلة بعنف وشر :
" لا، لن نرحب بأحد، نحن أشخاص وقحون وعديمي الذوق ولن نرحب بأحد"
" حسنًا نحن عديمي الذوق حبيبتي، ووقحون ايضًا؛ لذلك إن قبلتك هنا لن تعترضي صحيح ؟!"
فتحت لورا عينها بصدمة، بينما اتسعت بسمة مايك بخبث وهو ينحني لها غامزًا :
" لا يجب أن تقتحمي مجالًا لا تفقهي فيه شيئًا، فلا أحد هنا يستطيع أن يهزمني في الوقاحة عزيزتي "
أنهى كلماته وهو يجذب لورا له بمشاكسة ...
بينما عند اليخاندرو أخذ يرحب باقارب سيلين والذين كانوا جيرانه قديمًا كذلك، لكن علاقتهم سطحية بعض الشيء، وعلى ذراعه يقبع قاسم الذي كان يحرك يديه في الهواء راقصًا يردد :
" فرح "
وعند والد قاسم كان الأمر مختلفًا فقد انتبهت له صاحبة العيد ميلاد لتشرد في وجهه مرددة بانبهار كبير :
" من هذا الوسيم الجديد؟! هل هو حفيد آخر اكتشفتموه حديثًا ؟!"
رددت هالفيتي والتي كانت ترتدي سماعة روبين :
" حفيد ايه اللي اكتشفناه يا كَسر انتِ؟! هو حقل بترول ؟!"
نظرت لروبين وهي تردد بثقة وحدة :
" قولي للكسر دي، إني كلمة كمان وهقلبلها الحفلة دي كلها مولد، وهحسر جدها اللي شبه رياض الخولي في سلسال الدم عليها "
تنحنح ادهم والذي كان منتبهًا لحديث الفتاة التي نست الجميع واندمجت معه منجذبة لملامحه المميزة عن الباقيين :
" مرحبًا أنا ليزا، هل تقابلنا سابقًا ؟!"
بادلها ادهم البسمة بأخرى رسمية :
" لا اعتقد فهذه أول مرة لي بإيطاليا "
" اوووه أنت اجنبي إذن ؟!"
" نعم مصري ذو أصول تركية "
شهقت الفتاة بإعجاب لتردد روما وهي تلمح ما يحدث :
" يبدو أن تصنيفنا لزوجك بأنه آمن كان متسرعًا هالي "
راقبت هالفيتي ما يحدث بحسرة وهي تردد :
" آمن ايه ؟! ده بقى حقل ألغام "
انتبه الجميع لصوت الجد ينادي حفيدته بحب :
" هيا ليزا وقت إطفاء الشمع "
نظرت ليزا لادهم ببسمة وهي تردد :
" هل ستأتي ؟! تعال معي "
امتصت هالفيتي شفتيها بتأثر :
" يا حبيبتي عارفة الطريق وحش من هنا لغاية التورتة، روح يا ادهم يا حبيبي وصلها لاحسن البنية تتوه كده ولا كده "
نظر لها أدهم يحاول كبت ضحكاته عليها، لكن ليزا التفت لها وهي تردد بتعجب :
" عفواً من أنتِ ؟!"
لم تكد هالفيتي تفتح فمها للإجابة حتى سمع الجميع صوت الجد يتعجل ليزا مجددًا لأجل أطفاء الشمع، لذلك سارعت هالفيتي قائلة :
" روحي يا ليزا كلمي جدو رياض الخولي عشان تطفي الشمع، بدل ما اطفي أنا انوار حياتك كلها "
تجاهلتها ليزا وهي تنظر لادهم ببسمة :
" سأنتظرك عند الكعكة، ألحق بي "
أنهت حديثها بغمزة وهي ركض صوب الكعكة الخاصة بها وهناك بسمة خجولة ترتسم على فمها، بينما هالفيتي لوحت بيدها وهي تقول ببسمة واسعة سمجة :
" لا إله إلا الله يا حبيبتي هنستناكِ باذن الله عند التورتة جنب الكريمة كدة من على اليمين، متتأخريش لاحسن راكنين الكريزة صف تاني "
انطلقت ضحكات ادهم بصخب وبشكل جعل غضب هالفيتي يزداد أكثر تمد يدها ضاربة إياه بحنق:
" بتضحك ؟! أنت عايز تشلني"
ازدادت ضحكات ادهم بقوة وهو يضم هالفيتي له بحب يحاول التحكم في قهقهاته :
" ايه يا أم فتحي البنت عايزانا نشاركها فرحة عيد ميلادها"
" عيد ميلادها ايه اللي نشاركها فرحته ؟! هو عيد الفطر يا ادهم، بعدين احنا نعرفها منين اساسًا ؟؟"
ابتسم ادهم وهو يتحرك بها صوب التجمع عند الكعكة :
" بس عيلتك تعرفها واحنا مش هينفع نعمل مشاكل ماشي؟!"
هزت هالي رأسها بعدم اقتناع وعينها مصوبة على تلك الفتاة التي تقف أمام كعكة عملاقة وجوارها يقف رجل ببذلة مهندمة وسيدة تقف تبتسم للجميع وعلى الطرف الآخر يقف الجد ( رياض الخولي ) يجاوره سلين واليخاندرو الذي كان يحمل قاسم ..
حاولت أن تتجاهل النظرات الموجهة لها بشكل مريب وهي تتحرك معهم.
كان قاسم يكاد يقفز في الكعكة وهو يصفق بيده سعيدًا، لكنه لم يُصدر أي تصرفات مشاكسة لوجود العديد من الوجوه الغريبة حوله، لذلك اكتفي بالتصفيق والغناء معهم رغم عدم فهمه لشيء، إلا أنه كان يتمتم تمتمات غير مفهومة مع الجميع ...
ثواني واطفأت ليزا الشموع وهي تعتدل في وقفتها تبتسم للجميع، ثم بدأت تستقبل الهدايا منهم، ترك اليخاندرو الصغير جوار قدمه ليخرج العلبة التي تحتوي خاتمًا راقيًا من جيبه، لكن الصغير لم يتحمل أن يبقى ثواني دون أن يتحرك هنا وهناك، لذلك ركض في المكان يمسك بالبالونات الملونة بسعادة كبيرة، حتى وجد نفسه يصطدم بقدم أحدهم رفع رأسه لينظر له، لكن ذلك الاحدهم انحنى ليحمل قاسم وقد كان مارسيلو الذي قال بمزاح :
" أيها الشقي ما الذي تفعله هنا ؟! هل تريد أن يفجر جدي رؤوس الجميع هنا إن حدث لك شيء ؟!"
ضحك قاسم بصخب بسبب يد مارسيلو التي كانت تدغدغه أثناء حديثه، ابتسم مارسيلو وهو يقبل الصغير بحب ليسمع صوت اليخاندرو جواره يهمس براحة :
" ها أنت يا صغيري، لماذا تحركت من جواري ها !!"
لاعب مارسيلو خصلات قاسم وهو يقبله مرة أخيرة قبل أن يحمله اليخاندرو من بين يديه يردد :
" هيا سأحضر لك حلوى "
ابتسم مارسيل يراقب ما يحدث، قبل أن يشعر بمن يندس بين احضانه بالقوة ثم يغلق يديه عليه، نظر للاسفل ليلمح راسيل وهي تنظر بأعين ضبابية أمامها، وشفتيها منحنية للاسفل ليدرك أنها على وشك أن تدخل في موجة بكاء معروفة بسبب شيءٍ ما .
اغلق مارسيلو يديه حولها، يدير رأسها ملصقًا إياها في صدره مرددًا :
" ما بال سيلا حزينة ؟؟"
شعر مارسيلو بدموع راسيل تبلل ثيابه ليغمض عينه بوجع، ثم أبعدها قليلًا يمسك ذراعيها يضع قبلات صغيرة عليهما، يردد بلطف :
" هل ازددتٌ جمالًا أم أنني نمت طويلًا منذ آخر مرة رأيتك فيها ؟؟"
ضحكت راسيل من بين دموعها وهي تلقي برأسها على صدره مرددة بحزن :
" لقد نظرت احداهن لي بشفقة واشمئزاز مارسيلو، أشعر بالوجع، لقد..."
صمتت وهي تبكي بصوت خافت بكاء هادئ، رغم صخب قلبها، بكاء صامت رغم صراخ روحها .
ربت مارسيلو على شعرها مرددًا بهدوء :
" راسيل يا من أخذتِ من اسمي جزءًا، ومن قلبي كله، ألا يشعر قلبك بمدى الحالة المزرية التي وصلت لها في عشقك ؟! ألا يعينكِ أنني لا أرى في الوجوه سواكِ، ولا اهتم بأي نساء عداكِ"
علت شهقات راسيل وهي تردد من بين شهقاتها وقد نزفت جروحها المتقيحة مجددًا :
" أشعر بالتعاسة مارسيلو، الأمر ليس سهلًا مهما ادعيت عكس ذلك، اقسم أن الأمر خارج عن إرادتي، أشعر بانوثتي منتقصة مع كل نظرة تُوجه لي "
ربت عليها مارسيلو بلطف وهو يتحدث في موضوع اخر غير ذلك الذي تتحدث به :
" هل تريدين أن أغني لكِ ؟!"
رفعت راسيل عينيها الدامعة له بتعجب، ليكرر مارسيلو عرضه المغري الغريب مرة أخرى :
" يمكنني الغناء لك إن أردتِ !!"
" لكن...لكنك لم تغني سابقًا، أنا حتى لا أدرك أنك تستطيع الغناء، اعلم فقط أنك جيد في عزف الفلوت "
ابتسم مارسيلو :
" هذا صحيح فأنا من الاساس لا استطيع الغناء، لكنني قد افعلها لأجلك "
تأثرت راسيل بما يقول لتضع رأسها على صدره مرددة بهدوء ودموعها مازالت تتسابق على وجنتيها :
" شكرًا لك مارسيلو، هذا يعني لي الكثير، أنا آسفة لأنني دائمًا ما أفسد اوقاتك السعيدة "
ضمها مارسيلو بحنان كبير وهو يهتف بجدية :
" أي سعيدة تلك إن لم تكن جوارك سيلا ؟؟ أي اوقات بعيدًا عنك، هي مجرد دقائق وساعات تمر، لا يمكن وصفها بالسعيدة بأي شكل من الأشكال "
ابتسمت راسيل تحرك وجهها في سترته لتمحو دموعها، بينما قلبها يرفرف سعادة تحاول تناسي نظرات تلك السيدة التي قابلتها للتو حينما كانت تتحدث مع هايز، ابتلعت ريقها وهي تتشدق بجدية :
" النوم يخفي مواهبك في الغزل مارسيلو، أنت حقًا تقتل موهبتك بذلك النوم الكثير "
انحنى مارسيلو قليلًا يستند بذقنه على رأسها وعينه شاردة في السماء أمامه :
" إذن ما رأيك أن اتخلى عن وقتي المفضل اليوم ونسهر طوال الليل سويًا، واسمعك من الغزل احلاه ؟!"
" عرض مغري لا استطيع رفضه بالطبع مارسي الحبيب "
________________________
بدأت الموسيقى تصدح في المكان بأكمله مما جعل الأجساد تتراقص هنا وهناك، حتى أن اليخاندرو كان يجلس مع الكبار الذين يشاهدون ما يحدث ببسمة واسعة، لكن هو فقط كان يشاهد قاسم الذي يرقص ويقفز في الأرض بسعادة بالموسيقى، كان يتجاهل كل ما يحدث، ويجلس فقط ليشاهد حفيده الحبيب، وقد كان جمهوره الوحيد .
وعلى أحد المقاعد يجلس انطونيو يراقب الجموع بأعين باردة لا يهتم بشيء، زوجته جواره وبخير، عدا ذلك لا شيء قد يحرك اصبعًا منه.
فجأة لمح روما وهي تنهض، لكنه أوقفها وهو يتحدث بريبة :
" إلى أين روما ؟؟"
نظرت له روما بتوتر وهي تنظر حولها تحاول إيجاد حجة للهروب منه والذهاب للفتيات :
" سوف ..أنا فقط كنت أود الذهاب للمرحاض "
حرّك انطونيو رأسه وهو ينهض من مكانه يرفع اكمامه قليلًا :
" حسنًا هيا بنا "
" إلى أين ؟!"
رفع انطونيو حاجبه :
" المرحاض "
ابتلعت روما ريقها بتوتر :
" لا، ارجوك ارتح لن اتأخر، سوف اذهب واعود سريعًا "
وما كادت تتحرك حتى شعرت بمن يجذبها للخلف مجددًا وقد كان أنطونيو الذي مد لها يده، زفرت روما بضيق وحنق وملل وهي تمسك يديه متحركة معه مرغمة تهمس في داخلها:
" ليت ليزا لاحقتك، على الأقل كانت ستخلصني من مراقبتك لبعض الوقت "
استمع لها انطونيو وهو يضحك بخفوت يميل كثيرًا ليصل لاذنها :
" أعلم أنكِ تريدين الهرب للرقص، لقد رأيت إشارة العجوز لكِ "
نظرت له روما هامسة:
" أنت لئيم "
تحدث انطونيو وهو يجذبها حوار منصة الرقص حيث احتلها اخويه وزوجاتهم :
" شكرًا لكِ"
نظرت روما بحنق للمنصة، تشعر بيد انطونيو تجذبها نحو صدره، ثم ضم يديه حول خصره كما لو كان يعتقل مجرمًا خطيرًا، يراقب بعينه رقصات جاكيري وجايك أعلى المنصة وتشجيع رفقة لزوجها للمرة الأولى بعدما كان رد فعلها الوحيد على رقص أخيه هو التذمر ...
كان جاكيري يرقص بسعادة وهو يتحرك هنا وهناك، ليجد فجأة توفيق يقفز للمنصة، يصرخ بسعادة يحرك جسده ببعض الصعوبة بسبب وجع عظامه الذي أصبح مصاحبًا له في الفترة الأخيرة .
ومعه تصفق رفقة وتصفر لهم، وبسبب ذلك تحرك لها جاكيري وهو يمد يده لها في دعوة صامتة للانضمام إليهم، ودون تردد وضعت رفقة يدها بين كف زوجها بكل ترحاب، لكن ما كادت يدها تستقر بين كفيه حتى وجدت جاكيري جذب جسدها بسرعة مخيفة وهو يدور بها في جنون يردد كلمات الأغنية بسعادة غامزًا لها، لتنطلق ضحكات عالية من فم رفقة وهي تنغمس معه في الرقصة، وفجأة وجدت جاكيري يمسك يدها، ثم يجبرها على الدوران حول نفسها بقوة حتى شعرت أنها كادت تسقط ارضًا، وكذلك حدث لكن مع تغيير طفيف أنها سقطت بين احضان جاكيري والذي مال بها غامزًا بحب يردد كلمات الأغنية لأجلها .
وعلى نفس المنصة كانت هالفيتي تصفق بسعادة جوار ادهم الذي ضحك عليها بقوة وعلى حركاتها وهي تشجع الجميع كما لو كانوا في مسابقة ....
_________________
على بُعد صغير كان يقف يراقب ما يحدث ببسمة صغيرة، يود المشاركة في الرقص، لكنه لن يفعل ذلك بالطبع أمام الجميع، لذلك تحركت عينيه في المكان بحثًا عن ركن نائي خفي عن الأعين .
وأثناء ذلك انتبه لاصطدام أحدهم به بقوة وسقط كوب من العصير عليه ملوثًا ثيابه ووجهه .
اغمض عينه بغضب يحاول الهدوء، رفع وجهه ببطء شديد يتحدث مبعدًا السترة عنه حتى يتفادى برودة السائل أعلى جسده :
" حسنًا هذا ليس جيدًا أبدًا "
نظرت الفتاة التي أمامه لما فعلت بخجل وهي تهتف :
" اووه اعتذر يا سيد هناك حمقاء دفعتني و...."
لم تكمل كلمتها بسبب الشهقة التي أطلقتها بعنف متراجعة للخلف وكأنها للتو أبصرت وحشًا، تردد بفزع مراقبة هوية الشخص الذي اصطدمت به :
" تبًا، أنا ... أنا لم اقصد اقسم لك، لم افعل فبريانو "
رفع فبريانو حاجبه يراقب رعب ليزا منه وكأنها رأت وحشًا للتو مشيرًا لثيابه :
" هذه السترة هدية من زوجتي لي "
نظرت له ليزا بخوف وهي تهتف أثناء تجول عينها في المحيط بحثًا عن والدها أو جدها :
" أنا...أنا آسفة لم اقصد ذلك اقسم لم أقصده "
كانت تتحدث بدموع مرتعشة من نظرات فبريانو التي كانت مخيفة _ بالنسبة لها_ وباردة عادية بالنسبة لأي شخص آخر، في ذلك الوقت عادت روبين وهي تقول بسعادة :
" فبريانو تعالى شوف ابن هالي وهو بيرقص ده بيـ..."
صمتت وهي تنظر لملامح الاثنين الغريبة والمريبة والنظرات المتبادلة بينهما :
" ماذا يحدث هنا ؟!"
نظرت لها ليزا بخوف وهي تشير لسترة فبريانو :
" اقسم لم اقصد، لقد دفعتني فتاة حمقاء واسقطت العصير عليه، أخبريه أنني لم اقصد "
تعجبت روبين من خوف تلك الفتاة من زوجها بهذه الطريقة، هو مخيف نعم، لكن ليس لهذه الدرجة، هل الفتاة تبالغ في خوفها منه، أم أن زوجها فعل معها ما يستحق كل ذلك الفزع الذي يملء ملامحها ؟!
" لا بأس لم يحدث شيء، اهدأي ما بكِ "
هزت ليزا رأسها وهي تنظر لفبريانو الذي كان صامتًا يرمقها بنظرات حانقة ضجرة، لكنها لم تنتظر لتفسر نظراته أكثر وهي تستأذن من الاثنين بكلمات غير واضحة راكضة بعيدًا عنهما، أو تحديدًا عنه هو .
نظرت روبين لأثر الفتاة وهي تهمس بانشداه :
" هو أنت عملت ايه بالضبط عشان تترعب منه كده ؟! البنت كأنها شافت عفريت "
زفر فبريانو وهو ينظر لاثرها بسخرية جاذبًا يد روبين :
" دعكِ من تلك الحمقاء، تعالي لتساعديني في تنظيف السترة، في الداخل حيث لا أحد ولا أعين تراقبنا"
رفعت روبين حاجبها بتعجب من جملته، لكنه لم يسمح لها بالتفكير أكثر جاذبًا يدها صوب الداخل حيث لا أحد يراه وهو يراقصها كما يحب، بينما روبين ملء الفضول قلبها حول سبب رعب تلك الفتاة من زوجها بهذا الشكل، أتُراها تبالغ كأي فتاة درامية، أم أنها ردة فعل طبيعية لشيء بشع فعله فبريانو بها ؟!
__________________
كانت سيلين تجلس على المقعد الخاص بها تستند على عكازها وهي تراقب تراقُص توفيق بسخرية وتهكم مرددة :
" ذلك العجوز يظن نفسه شابًا، انظر إليه يتحرك كما لو أن عظامه من البسكوت ويخشى أن تُكسر "
ضحك اليخاندرو وهو يراقب قاسم أمامه مصفقًا له :
" انظروا من يتحدث ؟! سيلين أنتِ انضممتِ منذ فترة قصيرة لفرقة باليه عزيزتي "
رفعت سيلين ذقنها بإباء مرددة :
" وهل تقارن ذلك العجوز بي اليخاندرو ؟! أنا وُلدت راقصة بالفطرة، عظامي خُلقت مرنة، أقدامي وجدت لتتراقص، بينما ذلك العجوز يحرك خصره وكتفيه في عشوائية قمئة"
قهقه اليخاندرو وهو ينحني ليحمل قاسم على قدمه حينما لاحظ اكتفاءه من الرقص وبداية نعاسه، يضمه بحب وحنان داخل سترته الثقيلة ليحميه من البرد :
" حسنًا لِمَ لا تعلمينه كيفية الرقص سيلين ؟! أره من هو الراقص هنا ؟!"
التمعت عين سيلين مستحسنة تلك الفكرة وهي ترمق اليخاندرو، قبل أن تنهض تُعدّل من وضعية فستانها الكلاسيكي، ثم استندت على عكازها رافعة رأسها بشموخ:
" اقتراح جيد "
وبهذه الكلمة أعلنت سيلين عن موافقتها الضمنية لتعليم ذلك العجوز درسًا في الرقص ....
_____________________
انطلقت ضحكات مارتن بقوة وهو يلحق بجولي التي كانت تسحب يده خلفها، تتحرك به على ذلك الدرج الخارجي الذي يؤدي لسطح المنزل المقام به الاحتفال، تبتسم بسعادة ولهفة :
" هيا لن تصدق ما وجدته في الاعلى "
ابتسم مارتن يدرك جيدًا أن ذلك الأمر الذي تكاد تطير لتريه إياه، هو مجرد شيء بسيط، لكنه ليس كذلك في عين زوجته التي تنبهر بأي شيء صغير .
فجأة توقفت جولي في مكانها أمام السور الخاص بالمنزل والذي يطل على القرية الريفية التي توجد بها المزرعة تشير صوب أحد الاتجاهات :
" ها انظر لذلك، هل رأيت يومًا ما هو اروع من ذلك ؟؟"
اقترب مارتن من سور المنزل يشرد في تلك المناظر البديعة والتي تدمج ما بين البحيرة التي ينعكس ضوء القمر عليها، وما بين الأرض العشبية الخضراء التي تمتص سواد الليل، والسماء التي تكثر بها النجوم وقد كان ضوئها مبهرًا عكس المدينة .
فتح فمه بانبهار يبتسم لذلك المشهد الجميل، رفع عينه ليتحدث مع جولي مخبرًا إياها أنها كانت محقة، لكن فجأة توقفت جميع الكلمات على باب فمه وهو يقف مفغور الفاه أمام ذلك المشهد الذي تفوق على ما رأى منذ ثواني...
حورية بهية المحيا تقف في وجه الهواء سامحة له بكل كرم أن يتلمس خصلاتها الحريرية، بل ويداعبها بحميمية محركًا إياها، بينما تغمض عينيها معطيًا إياها سببًا آخر ليخر ارضًا معترفًا المرة المائة بعد المليون أنها يهيم بها عشقًا .
كانت جولي تفرد ذراعيها في الهواء بينما خصلات شعرها تتطاير خلفها، وعينها مغلقة، وعلى فمها ترتسم أجمل بسمة رآها مارتن ...
" ساحرة ."
انتبهت جولي لهمسته، فتحت عينها بتعجب :
" ماذا ؟ هل قلت شيئًا ؟؟"
تنهد مارتن بتعب يفرك وجهه بين كفيه :
" أشعر أن الأمر يفوق قوة تحملي، قلبي يأن وجعًا من امواج عشقك التي ترتفع داخله حتى كادت تكسر حواجزه، وتخرج لتغرق المكان بأكمله"
رمشت جولي بصدمة من حديث مارتن الذي لم تتوقعه ابدًا، لكن مارتن لم يهتم وهو يفتح ذراعيه مرددًا بتعب :
" هيا تعالي لاحضاني قبل أن فقد السيطرة على نفسي "
فتحت جولي فمها ببلاهة وهي تطلق ضحكات عالية، تندس بين أحضان مارتن دون حتى أن تفهم مقصده من كل ما يقوله أو يفعله، هو طلب وهي لبت بكل بساطة...
" أنت غريب مارتن، ما هذا المزاج الرومانسي ؟؟"
ضمها مارتن بقوة وهو يردد بجدية :
" أنا غريب طوال الوقت، منذ ذلك اليوم الذي رأيتك به توبخين رجلًا أعلى المسرح فقط لأنه تأفف من غنائك"
ضحك وهو يقول :
" وقتها شعرت بالغرابة، فكانت تلك المرة الأولى التي أرى بها مطربة توبخ المستمعين وتجبرهم على سماعها، وعندما كدت أرحل، التقطت آذاني ترنيمة سحرية قيدتني باغلال عشقك، ومنذ ذلك الوقت الذي استمتعت فيه لغنائك وأنا أسير صوتك "
كانت جولي تستمع لما يقصه عليها بانبهار شديد، تكتشف لأول مرة طريقة معرفة مارتن لها :
" إذن إن كنت تذمرت ذلك الوقت ورفضت الغناء كما كنت أفعل غالبًا، لم أكن لأصبح بين أحضانك الآن ؟!"
نظر لها مارتن ثواني يفكر في ذلك الاحتمال، هو كان سيرحل متجاهلًا كل شيء لولا أن أسره صوتها :
" نعم اعتقد ذلك، ما جذبني لكِ في البداية هو صوتك، ثم بعدها عندما تقربت منكِ وقعت صريعًا لعشقك"
رددت جولي بشرود :
" أنا عندما كنت اتشاجر مع هؤلاء السكارى كنت ألقي مكبر الصوت ارضًا واغادر المكان، لا أتخيل أنني كان من الممكن ألا اعرفك، ماذا كان يمكن أن يحدث إن لم تكن معي وجواري، أين يمكن أن أكون إن لم تكن أحضانك مارتن "
انحنى مارتن يتسند بخده على خاصتها :
" كنتِ ستكونين بين أحضاني كذلك، فهذا هو مصيرك بنية العينين، فإن لم تكن عينيكِ، فأين كنت سأجد سلامي ؟!"
تنفس ببطء وهو يقبل وجنتها :
" هذا قدرك بنية العينين، أن تكوني لي، وملكي، خُلقتِ لأجلي، وخُلقتُ لأكون جوارك .."
___________
كانت تتحرك في ممرات المنزل حاملة أعلى كتفها الصغير وقد أفسد ملابسه حينما أسقط الحلوى أثناء نومه على وجهه وثيابه بأكملها.
ابتسمت هالفيتي وهي تحرك من المرحاض مرددة بمشاكسة :
" يعني هو لازم تنام وانت حاضن حتة الجاتوه، شوف بوظت البلوفر الابيض ازاي ؟؟"
نظر لها قاسم بعيون ناعسة يريح رأسه على كتفها مبتسمًا، لترد له هالفيتي البسمة بأخرى أكثر حنانًا، تربت عليه وهي تتحرك صوب الحديقة حيث الجميع والحفلة، لكن فجأة توقفت في مكانها بصدمة وهي ترى أمامها إثنان يتبادلان القبل بشكل فج ودون مراعاة لأحد في منتصف البهو الداخلي، دفنت هالفيتي وجه ابنها في كتفها تسرع من خطواتها نحو الخارج بينما وجهها كان يزداد احمرارًا مما رأت ....
لكن أثناء خروجها وصل لمسامعها جملة جعلت أقدامها تتوقف في مكانها وقلبها يقرع بقوة، وفي هذه اللحظة بالتحديد تمنت لو لم ترتدي السماعة الخاصة بالترجمة، لو لم تفهم ما قيل، فكم يريح الجهل احيانًا ...
" هيييه احضري لنا مشروبًا باردًا، واخبري السيدة ليزا أننا بالداخل "
ضيقت هالفيتي ما بين حاجبيها بتعجب ليعلو صوت الشاب حانقًا :
" هل اصبتِ بالصمم ؟! أتفهمين ما اقول حتى، أم أنكِ لا تجيدين غير الأفريقية ؟!"
رددت الفتاة بصوت حانق متهكم :
" لا أدري حقًا ما المميز في هؤلاء السود ليجلبهم والد ليزا للخدمة هنا، اعتقد أن ذلك الرجل مهووس باقتناء العبيد ولا يدرك حقًا ما يتسبب به هؤلاء المرتزقة في البلاد من مشاكل وجرائم "
ابتسم لها الشاب وهو ينظر لظهر هالفيتي هاتفًا :
" امممم يبدو أن ذلك العجوز لم يتعلم من خطأه مع آخر خادمة، حينما سرقت كل ما يمتلك من أموال "
ابت هالفيتي أن تستدير وهي تتحرك صوب الخارج دون كلمة تود الرحيل من هنا بسرعة، لتقابل أثناء ذلك ليزا التي دخلت البهو تهتف بحنق :
" ها أنتم أيها الحمقى، لقد بحثت عنكم في المزرعة بأكملها و....هذه أنتِ مجددًا؟! حسنًا من أنتِ يا فتاة ؟"
تحدثت ليزا بتعجب وهي ترمق هالفيتي التي رمقتها في بداية الحفل جوار ذلك الوسيم ولم تعلم حتى من هما وما علاقتهما بعائلة اليخاندرو فهم جاءوا معهما .
نظرت لها هالفيتي بتوتر تخشى أن تحدث أي مشكلة فهي جاءت هنا بناءً على عرض جد الفتاة الذي ارشدها للمرحاض واخبرها أن تتصرف كأنها في منزلها .
ابتلعت ريقها تحاول تجميع بعض الكلمات التي سبق وعلمها لها أدهم بالإنجليزية :
" جدي ...هو .....جدي "
رفعت ليزا حاجبها بتعجب لتسمع صوت رفيقتها التي صاحت في الخلف وقد كانت مخمورة قليلًا :
" مهلًا أليست تلك الخادمة الجديدة؟!"
" لا نحن لم نحضر خادمة منذ رحيل تلك اللصة الأخيرة "
ضحك الشاب والذي كان يريح جسده على الأريكة بهدوء شديد :
" ظننت انكم لم تتعلموا الدرس واحضرتم أفريقية أخرى، حسنًا حري بكِ تفتيش تلك الفتاة لقد خرجت من الممر الذي يحوي مكتب جدك "
نظرت ليزا لهالفيتي من أعلى لاسفل تقترب منها مرددة :
" هل كنتِ حقًا هناك ؟؟ من أين احضرتي تلك الجرأة التي دفعتك لدخول منزلنا ؟؟ ماذا أخذتِ ها ؟؟ هل سرقتي أموال أم قطع أثرية عتيقة ؟؟"
" أنا.. أنا.. لم أفعل"
أشارت ليزا لقاسم الذي كان يرمقها بتعجب :
" ربما تخفين ذلك داخل ذلك الطفل، لقد فعلت خادمتنا السابقة نفس الشيء، هل أنتِ قريبتها ؟! هل جئتِ لإكمال ما فعلت تلك الحقيرة ؟؟"
سقطت دموع هالفيتي بقوة وهي تهز رأسها بلا، وإن كانت حتى ضليعة في اللغة فإن الموقف كان لينسيها التحدث، وقبل أن تتحدث بكلمة وجدت ليزا تختطف قاسم من بين يديها تحت صيحات الاخير الحانقة تفحص ثيابه بقوة بينما الصغير يتحرك في يديها بضيق وتأفف يشير لهالفيتي أن تأخذه بينما الأخيرة تفتح عينها بصدمة مما يحدث يحدث معها ومن تلك الإهانة التي لم تتوقع يومًا أن تتعرض لها، ثواني وافاقت مما يحدث لتجذب صغيرها بقوة من بين يدي ليزا تعيده لاحضانها وقلبها يقرع بقوة وقد بدأت نظراتها تتحول للشر، بينما كانت ليزا تنظر لها من أعلى لاسفل بشكل مهين:
" اخرجي من هنا ولا تدعيني اراكِ وإلا أبلغت الشرطة عنكِ"
تحركت اقدام هالفيتي ببطء صوب الخارج تضم ابنها بقوة تحاول أن تستمد القليل من القوة منه، هي ليست سوداء لهذه الدرجة، ثم حتى وإن كانت ما هو العيب في أن تمتلك بشرة سوداء، هل اصبح لون البشرة دليلًا على هويتك؟!
هي لم تسمع هكذا حديث عنها منذ كانت تعيش لدى عمها، حينما كانت تستمر زوجة عمها في اهانتها باستمرار ..
ارتفع صوت الشاب ظنًا منه انها لا تفهمه :
" هل سمعتِ عن مقتل ذلك النيجيري منذ أيام في السوق الشعبي؟! يقولون أن أحد المواطنين قتله بعد شجار عنيف معه، أراهن أنه حاول سرقته فهؤلاء الأشخاص عنيفين ومجرمين "
سقطت دمعة من عين هالفيتي مبتسمة بوجع، تتحرك صوب الخارج ويدها ترتجف، تخشى أن تلتفت لهم، تخشى أن تواجههم، لا تريد أن ترى انعاكسها في اعينهم، فبالتأكيد ستكون قبيحة، لا تريد أن ترى نفسها من خلال منظارهم..
فقط لأنها تختلف عنهم في لون البشرة يحكمون عليها بكافة الاحكام، فقط لأنها مختلفة، هكذا نحن ننظر لأي شخص مختلف بازدراء، لا نتفهم أننا جميعًا غير متشابهين، لا نقدر الاختلاف بل ننبذه.
سمعت هالفيتي سابقًا الكثير والكثير عن التصرفات العنصرية في الغرب تجاه السود والمسلمين وكل من يخالف طباعهم، لكنها لم تتخيل أن تكون هي واحدة من هؤلاء الذين كانت تنظر لهم ذات يوم بشفقة، هل هي تشبههم حقًا، هل هي أحد المهمشين ؟؟ أهي أحد المنبوذين؟؟
سقطت دموعها تسير بلا هدى، لا تشعر بما يحدث حولها وكأن جميع الاصوات حولها اختفت، حتى صوت الموسيقى الصاخبة تلاشى، شعرت في لحظة أنها تريد العودة الآن لبلادها، أصبح هواء تلك البلاد خانقًا .
كانت تحاول كتم شهقاتها حتى لا يشعر بها قاسم، لكن الصغير شعر بها وبانتفاضة جسدها، رمقها بعدم فهم يسحب وجه والدته له وهو يردد بحزن ويده الصغيرة تتحرك على وجنتيها بحنان :
" ماما .."
ومع نطقه لتلك الكلمة انفجرت هالفيتي في البكاء، انفجرت في بكاء مخيف لم تستطع اصوات الموسيقى أن تخفيه، نظرت حولها كانت جميع الوجوه ضبابية، تبحث عن وجه واحد بين جميع الوجوه، تبحث عن فارسها الوحيد من تستطيع الارتماء أعلى صدره وتفرغ ما بقلبها باكية، لكنّ لم تلمحه ...
على مقربة من هالفيتي كان انطونيو يقف وهو يكتف روما بقوة مانعًا إياها من الحراك، والأخيرة مستمرة في التذمر تقلب عينيها يمينًا ويسارًا بغيظ :
" انطونيو أخبرتك الطبيبة أن تعتني بي لا أن تقيدني"
لم يهتم انطونيو وهو يقبل وجنتها بحب :
" هذه هي العناية التي استطيع تقديمها لكِ، وهذا تعريف الاهتمام عـ...."
قاطع كلمات انطونيو صوت آدم الذي كان يجلس على طاولة مجاورة له، ينظر باتجاه معين بضيق عينيه :
" مهلًا هل هذه هالفيتي التي تبكي هناك؟!"
ارتفعت رأس انطونيو بحدة مخيفة صوب الاتجاه الذي أشار له آدم ليجد هالفيتي تقف في منتصف الحديقة تضم الصغير بين أحضانها باكية، ابتعد سريعًا عن روما، يركض صوبها بجنون، بينما انتفض آدم من مقعده راكضًا بسرعة مخيفة أثارت انتباه جاكيري وجايك اللذان كانا على المنصة جوارها لينتبها لما يحدث ويركضا صوب هالفيتي...
في نفس اللحظة التي انتبهت لورا لهالفيتي بعدما كانت تحضر مشروبًا لتركض سريعًا صوب مايك لاخباره...
كان فبريانو ما يزال مختليًا بزوجته في أحد الأركان، قبل أن يشعر برنين هاتفه، أخرجه ليرى اسم آدم ينير شاشته، أجاب بحنق :
" ماذا آدم ؟؟"
" فبريانو أين أنت ؟؟"
اعتدل فبريانو في جلسته بعدما كان يتكأ على إحدى الأشجار وبين أحضانه تقبع روبين :
" ماذا حدث ؟!"
" لا نعرف لقد وجدنا هالفيتي منهارة في الحديقة، تبكي دون توقف ولا يعلم أحد ما حدث وكذلك الصغير يبكي "
انتفض فبريانو بقوة وهو ينظر لروبين ثواني ثم قال :
" حسنًا أنا قادم "
نظرت روبين له بخوف وهي تردد :
" لقد سمعت اسم هالفيتي، هل حدث لها شيئًا ؟!"
تحسس فبريانو سلاحه وهو يركض بقوة صوب الحديقة وروبين خلفه :
" لا أعلم..."
ومن فوق المبنى لمح مارتن حركة غريبة في الحفل، دقق النظر ليرى ابناء عمومته واخوته يركضون بشكل مثير للريبة صوب أحد الاتجاهات، ودون حتى أي تفكير، جذب جولي بسرعة :
" لنهبط جولي"
كانت هالفيتي تبكي بعنف، لا لأجل تلك الكلمات التي استمعت لها، بل لأجل تلك الذكريات المهينة التي جلبتها تلك الكلمات، لأجل تلك الجروح التي ضغطت عليها حديثهم ......
ثواني، هي ثواني فقط حتى وجدت هالفيتي نفسها محاطة بالتسع رجال والجميع يحدق بها في شكل مرعب يتحدثون مع بعضهم البعض في نفس الوقت ..
نظر الجميع لبعضهم البعض قبل أن يصدح صوت انطونيو بنبرة متحفزة مخيفة :
" هل فعل لكِ أحدهم شيئًا ؟!"
كان الجميع ينظرون لها برفق وخوف عليها، الكل يحيط بها يحاولون معرفة ما حدث، تحدث مارتن بحنان شديد :
" هيييه هالفيتي انظري لي عزيزتي أخبريني، هل هناك ما احزنك، فقط اخبرينا ونحن سنتولى الأمر اعدك "
ازدادت شهقات هالفيتي أكثر حتى على صوت بكائها وهي تضم الصغير لها قائلة بجزع وقهر :
" ادهم، أنا عايزة أدهم"
ابتلع الجميع ريقهم وفكرة واحدة تضرب رؤوسهم، وهي إن وصل ما حدث لاليخاندرو قبل حله، فسيضمنون بذلك أن يقيم جدهم جحيمًا فوق رؤوس الجميع هنا، هذا إن لم يفعلوا هم ذلك قبلًا .
نظر لها فبريانو بشكل مرعب ليهمس بطريقة اخافتها :
" لا أود معرفة ما حدث، أود معرفة المتسبب في بكائك فقط، سمي شخصًا، أو اشيري له لا يهمني، هل تستطيعين هالي ؟! "
بكت هالفيتي بقوة وهي تهز رأسها لا تود الحديث في هذا الأمر رعب لن تخبرهم ما سمعت، لن تخبر أحدًا عدا زوجها فقط.
وبسبب حالتها تلك غفلت عن الصغير الذي كان يتمسك بقدمها باكيًا، حتى لمح بعينه اليخاندرو الذي كان يقف رفقة والده، ليركض لهم بخطوات متعثرة باكيًا.
في الوقت الذي كان ادهم يحاول ايجاد زوجته التي اختفت فجأة :
" لا أعلم أخبرتني أنها تحتاج لشيء يرطب حلقها، لذلك ذهبت أنا لإحضار شراب غير كحولي خوفًا أن تخطأ وتحضر آخر كحولي، لكنني عدت لاجدها اختفت"
تحدث اليخاندرو مطمئنًا :
" لقد أسقط قاسم الحلوى على ثيابه وذهبت لتنظيفها، ثواني وستكون هنا "
قلب أدهم عينه بملل :
" اسمه فتحي وليس قا...."
" بــــــــابــــا "
كانت تلك الصرخة الباكية الصادرة من فم الصغير كشرارة ألهبت حواس ادهم الذي التفت كالرصاصة لابنه ملتقطًا إياه من الأرض، يمسح وجهه برعب بسبب بكاءه العنيف :
" حبيبي مالك ؟! حد زعلك، مالك يا قلب بابا بتعيط ليه كده ؟!"
" ماما "
نظر له ادهم بعدم فهم :
" ماما ؟! مالها ماما ؟! فين ماما يا فتحي ؟!"
بكى قاسم بقوة وهو يضع رأسه على كتف والده وكأنه للتو أتم مهمته والقاها على عاتق والده، أشار بيده باكيًا :
" ماما "
نظر أدهم حيث ينظر، في اللحظة التي كان اليخاندرو ينظر للصغير بجنون وترقب لمعرفة ما يحدث، لكن مع إشارة الصغير لأحد الاتجاهات وبكاءه بكلمة ماما، استقام جسد اليخاندرو وقد بدأت عينه تضيق بشكل مخيف يلمح تجمع أحفاده جميعهم حول شيء، تحرك بخطوات قوية مرعبة صوب ذلك التجمع، عكس ادهم الذي ضم صغيره وهو يركض برعب صوب التجمع، قلبه يقرع بفزع أن تكون هالفيتي قد تأذت، لا ليس هي، ليس هي ....
جُنّ جنون الكل بسبب ازدياد بكاء هالفيتي، لتشتعل النيران بأعين التسعة ويهمس أنطونيو بصوت مرعب وبنظرات مخيفة :
" أغلقوا باب تلك المزرعة ولا تسمحوا لأي وغد بالمغادرة ....."
________________________
ربما هي كلمة فقط ...لكنها تمثل للبعض رصاصًا؛ لذلك قبل فتح فمك تعلم انتقاء الفاظك.
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!