الفصل 3 | من 3 فصل

الفصل الثالث

المشاهدات
12
كلمة
1,470
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية زهرة الأدهم الجزء الثالث 3 بقلم سارة أسامة نيل زهرة الأدهمرواية زهرة الأدهم الحلقة الثالثة إنها زهرة أمامه.! كيف؟! ولماذا؟! حالة عارمة من الفوضى تمور بداخله، يشعر أنه منفصل عن هذا العالم، عقله غير قادر على استيعاب ما يراه أمام أعينه. في البداية ظنّ أن هذا هلاوس من قلبه المُعذب لكن صديقه محمود الذي كان بجانبه والذي احتلتله الصدمة أكثر لكن في النهاية لم يكن أهلًا لتلك الصدمة مثل أدهم!

استفاق من صدمته وهو يردف مُسرعًا مُخرجًا هاتفه ليتصل بسيارة إسعاف: –لازم تتنقل المستشفى يا أدهم فوق.. هل المشفى؟! دقق أدهم النظر على تقاسيم وجه زهرة الباهت.. لماذا هي كذلك! هذا الشحوب الذي يعلم هويته تمام العلم. وهذا الوهن وانسحاب دماء الحياة من وجهها، غير هُزِلها.. ما الذي حدث وما الذي يحدث؟! بسرعة البرق نُقلت زهرة إلى المشفى تحت إشراف طبي من محمود بينما أدهم كان بعالم أخر..

وهنا خطت الشمس خطواتها تصحو من نومتها ليُشرق الاصباح وفي هذا الأثناء كان يُجرى لزهرة فحوصات وإجراءات طبية.. بعد مرور بعض الوقت خرج الطبيب إيثان والذي كان صديق كُلًا من أدهم ومحمود وأردف بهدوء: –ما صلة قرابتكم بتلك المريضة أدهم؟ ابتلع أدهم ريقه لكن كان حلقه جاف وقال وقلبه يتعصر ألمًا: –إنها قريبة لنا من بلدتنا تقابلنا هنا..

أخبرني إيثان ما بها وما الذي تُعاني منه إنك منذ ساعات تقوم بالكثير من الإجراءات والفحوصات المتنوعة. تشدق إيثان بهدوء ولم يكن مدرك بفداحة ما سيقوله وأن كلماته ستكون الطعنة التي ستؤدي بحياة أدهم: –في الحقيقة أدهم إن حالة تلك المريضة في المراحل الأخيرة يفصلها عن الموت بضع خطوات قليلة. إنها في حالة سيئة متهدورة جدًا لقد بلغ منها المرض مبلغًا وتمكن من جسدها..

إنها مصابة بكانسر ويبدو أنها لم تبدأ رحلتها في العلاج كان هناك إهمال جسيم، وأيضًا يبدو أنها لم تلقى أي رعاية أو تغذية.. انحلّت قوى أدهم وسقط أرضًا بخوار، تطاير كل ما فيه كالورق الجاف تحت الشجر ضربته الريح العاصف.. أصبح صدره يعلو ويهبط بجنون وهو لا يُصدق ما يسمعه، هل سمعتم يومًا عن تحطم القلب، لكن من المؤكد أنكم لم تستمعوا لصوت هذا التحطم!!

انطفأ نور الحياة في وجه أدهم الساقط على ركبتيه ويبكي بمرارة لم يُسبق له أن بكى في حياته أبدًا.. يبكي بكاءًا يُمزق القلوب.. –أنت بتقول أيه .. زهرة مالها .. كانسر أيه وموت أيه وبهدله أيه ومراحل أخيرة.. لا لا مستحيل .. لا أكيد دي مش زهرة صح.. حد يرد عليا.. طب أنا كنت راضي والله يارب كنت راضي المهم عندي أنها كانت تبقى مبسوطة في حياتها وكويسه.. مكونتش أعرف .. يا الله يا الله أعمل أيه..

يا رب العالمين دي زهرة إللي كنت بحكيلك عليها إللي كنت بدعيلها في كل وقت وفي كل سجدة.. أنت كنت معايا يارب في كل الأوقات، أنا كنت بحبها بس الحب ده لم يتخطى قلبي حتى ما حاولتش أوصله لها علشانك يارب.. لما القدر والنصيب أخدها لمكان تاني رضيت يارب رغم أن كنت بتقطع من جوايا وكنت بموت بالبطيء.. دا كله أهون على قلبي من أن أشوفها بتتوجع أو أن في مرض مسّ جسمها …. أو أنها تمو…. لا لا زهرة…

لم يكن من محمود أن جلس أرضًا يحتضن صديقه بحزن وقلبه يتمزق ألمًا لأجله، لم يكن يتوقع أن بعد تلك السنوات سيُقايل أدهم الذي تعذب بحبه لزهرة في صمت ببلدٍ غريبة… لينال بعد رحلة العذاب مع هذا الحب الصامت صدمة مرضها بمرضٍ قاتل.. يا الله.. ما كان يربت على قلب أدهم يقينه بأنها على خير حال سعيدة، فكيف له أن يتحمل رؤيتها تتألم بل أن يفقدها.! إنه اختبار يجب على أدهم أن يجتازه بصبر وإيمان ورضا.. **********************

أدبر النهار وأتى الليل وما زال أدهم حبيس غرفة بالمشفى يجلس في صمت بعد أن سفِك دموعه التي كانت تسقط من قلبه لا من عينه.. ما سمعه كان أشد وطْئًا من أي شيء مرّ عليه في حياته حتى أشدّ عليه حين علم حقيقة نسله.. كلمات الطبيب إيثان كانت ذات غُصّةٍ بقلبه المُنفطر.. الناس يعيشون في الحياة ثم يموتون، أمّا هو فعيشهُ هو سكرات الموت إلى أن يموت.. لهم عيش وموت، وله الموت مُكررًا.. عاد أدهم بذاكرته للماضي..

خرج أدهم من محلّ السمك الخاص به مسرعًا ليُدرك صلاة المغرب في المسجد.. وبعد انتهاء الصلاة يجلس يتنفس بهدوء فبعد يومٍ يمر عليه وهو يركض هنا وهناك لا يملك متسع من الوقت إلّا الذي يأتي به للمسجد يؤدي الصلاة فيشعر بالسكينة تسكن جسده وهنا يشعر أنه يستطيع التنفس.. –تقبل الله يا أدهم يا ابني.. سعِد أدهم وابتسم وهو يجلس بجانب العمّ سالم والذي لم يكن سوى والد زهرة وقال بأدب: –منا ومنكم يا عم سالم.

سالم سعيد رجلٌ طيب بشوش في الستين من عمره لم يُنجب سوى زهرة بعد مرور سنوات طويلة من زواجه رزقه الله بها، يُحب ابنته حبًا شديدًا وهي زهرته وجوهرته وأغلى من حياته.. قال العم سالم بلطف: –شغلك عامل أيه يا أدهم. –والله الحمد لله يا عمي ربنا كريم. –أنت مجتهد يا أدهم وتستاهل كل خير، شاب محترم وبتجاهد علشان أكل عيشك وتعليمك، من يوم ما جيت الحارة عندنا يا ابني والكل يشهد بأخلاقك وصلاحك.

أنا عارف أن الحياة صعبة وأنك بتتعب علشان تواجه دا كله، بس افتكر دايمًا إن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملا. –ودي ثقتي يا عم سالم، ربنا يعيني ويقويني وأنا الحمد لله معنديش مشكلة في الشغل أنا من صغري وأنا بشتغل الحمد لله وربنا بيعين. كان أدهم يترقب في أن يبدأ العم سالم حديثه عن زهرة كعادته، فقد كان حين يلتقى به أدهم في الصلاة يجلسون سويًا بعض الوقت ثم يخرجوا ويسيرون سويًا..

كان أدهم يعشق تلك الدقائق ويترقبها وتهون عليه يومه وتعبه، فبعفوية العم سالم كان يتحدث عن ابنته وعن بعض أخبارها والأشياء التي تحبها وأدهم يستمع للحديث بعذوبة وكأنما يُتلى على أذانه أبياتًا من الشعر بل قصائد ومُعلقات، وقلبه يرقص طربًا.. وأيضًا كان أدهم يُسجل بقلبه قبل عقله الأشياء التي تحبها زهرة، ما تحب وما تكره وما تتمنى والألوان التي تُفضلها. كان يستخرج من الحديث كل تفصيلة صغيرة وما بين الأسطر..

–يلا بقى هتمشى معاك شويه هروح أجيب لزهرة هريسة أصلها بتحبها أوي، وأجيب لها مانجا أصل نفسها فيها.. أتت فقرة قلبة المفضلة، إذًا زهرة بعيون الظباء خاصته تحب حلوى الهريسة والمانجو.. –يلا بينا يا عم سالم دا في طريقي.. وبعد إنتهاء اليوم بعدما عاد أدهم إلى منزله والذي لم يكن سوى منزل صغير قديم على أسطح أحد المنازل، به غرفة ومرحاض صغير وركن لأشياء الطبخ وإعداد الطعام..

ركض أدهم يُخرج دفتره الخاص ثم أخذ يُدون التاريخ وأخذ يكتب.. “اليوم علمت أن زهرتي بعيون الظباء تُفضل حلوى الهريسة وتُحب حبات المانجو. يا لحظ المانجو، ويا لحظ أي شيء تُحبه زهرتي.” في الصفحة المقابلة كان مكتوب.. “اليوم علمت أن زهرة بعيون الظباء تُفضل اللون الوردي.. وماذا كنت أتوقع، فما يليق بهذه الزهرة إلا لون رقيق سيأخذ رقته منها وستزيده هي بهاءًا وجمالًا.. لتكون أجمل زهرة في الحديقة..

لكن حديقتي لا يوجد بها سوى زهرة واحدة.. زهرة بعيون الظباء خاصتي.” استفاق أدهم من ذكرياته على ولوج محمود إلى الغرفة والذي هتف به ببعض الحدة: –فوق بقى يا أدهم، أنا مش متخيل أن ده يكون موقفك، مش ده أدهم إللي أعرفه.. لازم يكون عندك إصرار وتطلب من ربنا ويبقى عندك يقين بالله.. وتحاول وتعافر علشان زهرة تخف ربنا قادر على كل شيء. ربك رب المعجزات هو رب الأطباء ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

كلمات محمود انعشت قلب أدهم الذي ألجمته الصدمة ليستمع لبقية حديثه يقول: –زهرة فاقت ولازم تروح علشان تكلمها وتفهم منها إللي حصلها ولازم تساعدها يا أدهم.. ************************ بخطوات مضطربة جاهد جعلها ثابتة دخل أدهم الغرفة لتقع أعينه على زهرة القابعة فوق الفراش، ارتعش داخله حين رأى الإبر والأجهزة المتصلة بجلدها.. ليتها كانت منغرسة بي، ليتني أمسح عنكِ كل هذا وأخذه بدلًا عنكِ.. إن الله مع المنكسرة قلوبهم..

وأنا يا الله منهم فكن معي ولا تتركني.. أدارت زهرة رأسها تجاهه أخذت تتأمله قليلًا ثم تسائلت بصوتٍ ضعيف: –حصل أيه .. أنا أغمى عليا صح .. كنت بحسب أن خلاص مت وكانت دي أخر حاجة.. إلى أين المفر..! بربك يا زهرة هناك من يموت وجعًا لأجلك من يتحسر ألمًا وأنتِ تتمنين الموت! ما أشد قسوة قلبك زهرتي! –هو أنت دكتور صح. اقترب منها وسحب مقعد بجانب فراشها لتُدقق النظر إليه مرةً أخرى وهذه المرة هتفت بتعجب: –أدهم!

أغمض أعينه يُشدد على جفونه، إنها المرة الأولى التي يستمع لحروف اسمه منها. حاول التماسك وأن يعود إلى رشده وابتسم بهدوء وقال: –أيوا أدهم يا زهرة. ابتسمت زهرة وأشرق وجهها بسعادة قائلة: –الحمد لله يارب اللهم لك الحمد. ربنا لطيف أوي، أنا كنت خايفه جدًا أن أموت في الشارع ومحدش يعرفني ومش عارفه مين هيكفني ويدفني، وأخيرًا قابلت حد أعرفه ويعرفني علشان لو مت ترجعني مصر عند بابا.

لو سمحت يا دكتور أدهم ساعدني أرجع مصر عند بابا وأموت هناك وأندفن في بلدي وجمب أمي الله يرحمها. استطاعت أن تزيد من حُطام قلبه بجداره، تحكم بلجام نفسه بشق الأنفس. وقال بثبات وعليه رَجَفان من الغضب بينما أعينه يندلع منها النيران: –أنتِ مش هترجعي مصر يا زهرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...