-يعني أنت طلقتني علشان مرضي.!
-أيوا علشان أنتِ مريضة وأنا مش هتحملك بمرضك، كدا انتهت صلاحيتك وأنا مش هعالج فيكِ.
تقدري ترجعي لأبوكِ يعالجك.
هي لم تكن تسأل، لم يكن مجرد سؤال، بل استنكار أو لنقل أنها كان استيعاب لما يحدث ولتلك الطعنة التي أتتها مَمِن حسبته مأمنها..
وبغض النظر عن تلك الكلمات التي خرجت منه وأوقدت نارها على الدم..
حاولت زهرة جاهدة بأعين مليئة بالدموع إلّا أنها أبت الهطول أن تستوعب ما هي بِه الآن..
مريضة، اكتشفت مرضها حديثًا بمرضٍ قا’تل، في بلدٍ أجنبية بعيدة عن الأهل، زوجٌ طلقها لأجل مرضها وعَايرها بِهِ ثم تخلى عنها..
نعم حياتها معه كانت على غير المتوقع تمامًا، لم تكن حياة وردية..
ورديةٌ ماذا!!
كانت حياة بعيدة عن الألوان من الأساس، حتى الأسود لم تنال حظًا منه.
أخذت تنظر حولها بتيهة وداخلها يرتجف خوفًا والهلع ينسج على وجهها سحابة قاتمة اللون..
ابتلعت ريقها لتشعر بغُصة كوخز الإبرة بحلقها الجاف من فرط هذا المرار الذي تعيش بداخله..
لكن ما كان أشد وطئًا مما مضى حين قال زوجها بقسوة وهو يستقيم من هذا المقعد القابع بأحد المقاعد العامة في حديقة ما كانت تحسبه زهرة أنه أتى بها للترفيه عنها واستنشاق الهواء العليل رغم البرودة القارصة ليتلو على مسامعها:-
-كدا كل حاجة انتهت عيشي حياتك زي ما تحبي، ومش بقى لكِ مكان في بيتي.
واستدار راحلًا لتتجمد زهرة في مكانها وسرعان ما تستفيق وتركض خلفه وهي تتحدث بنبرة متلعثمة:-
-يعني إزاي مش فاهمة، هتسيبني في الشارع كدا، بس أنا معرفش حاجة في البلد دي..
طب رجعني مصر طيب..
لم يُعيرها إهتمام وهو يهم بركوب سيارته وأردف:-
-مليش علاقة ولا ليا دعوة عارفه ولا مش عارفه ترجعي مصر ولا مترجعيش صرفي نفسك.
معدش في علاقة تجمعنا ولا بقى في بينا حاجة..
ثقلت أنفاسها وهي تطرق بكفيها على زجاج السيارة بعدما أغلق الباب والهلع احتضن ملامحها:-
-بالله عليك مش تسيبني في الشارع كدا، طب أنام النهاردة في البيت ومن بكرا الصبح همشي.
أنا معرفش حاجة هنا، هروح فين..
هنام بس الكام ساعة دول للصبح وهاخد علاجي وهمشي وهكلم بس أهلي في مصر، حاجتي كلها في البيت..
متسبنيش في الشارع بالله عليك..
لم يستمع لحديثها المفزوع وانطلق بسيارته غير مهتم بركضها خلفه وهي تلهث برجائها ورحل دون أن يلتفت خلفه..
سقطت زهرة على ركبتيها بقسوة وهي تشاهد طيف سيارته يرحل دون عودة..
انهمرت دموعها تتساقط على وجهها بغزارة وهي تحتضن جسدها الذي ينخره البرد بقسوة.
أعينها تدور بالأرجاء وبالوجوه، لا أحد..
ماذا تفعل وأين تذهب؟!
ران على قلبها الفزع وهي تتخيل نهايتها البائسة..
استندت على كفيها واستقامت ثم ذهبت وجلست على أحد المقاعد الخشبية التي تقبع داخل الحديقة المظللة بالأشجار عَلها تقيها البرودة ولو قليلًا..
ظلت تسعل بشدة وهي تفرك يديها وتنفث فيهما مستمدة الدفء.
تنظر من حولها وهي تتكوم على نفسها وتبكي بكاءً لا يُقارن ببكاء قلبها من الداخل..
وحيدة..
وسط شوارع مجهولة..
ببلدٍ أجنبية لا تعرف بها شيء..
مريضة..
البرودة تحاربها..
مخزولة مِمَن كان زوجها..
ماذا تفعل!
وأين ستذهب!
وإلى مَن تلجأ!
غرقت في البكاء ثم نظرت للأعلى تُقلّب أعينها في السماء وانفطر قلبها وهي تتحدث بانعدام حيلة:-
-اعمل أيه وأروح فين، طب اتصرف إزاي..
أنا في الشارع، طب أنا معرفش حاجة هنا والبلد هنا مختلفة..
أروح فين يارب..
أنا خايفه أوي يارب، طب أروح لمين.
طب أعمل أيه..
أنت مطلع وعالم، أنا هنا يارب ومليش غيرك.
أنا والله معترضتش على المرض وقولت اختبار وأن حُب منك.
أنا كنت راضيه بيه والله..
أنا كان عندي أمل كل حاجة تتصلح..
طب هفضل في الشارع، طب اسأل مين، أنا حتى مش عارفه اتكلم اللغة بتاعتهم..
انقطع الرجاء إلا بك يا الله، خارت قوتي وانقطع حبل الرجاء من الجميع، لا حِيلة لي يا الله..
ظلت على هذا الحال، عندما تنظر إليها ترى فقط حالة من الصمت والشرود..
صامتة ولكن داخلها يصرخ..
قلبها يئن وعقلها توقف عن العمل.
تمرّ هي بالمعنى الحرفي للعجز..
تارة ترفع رأسها للسماء بأعين تعج بنظرات الإنكسار ثم تخفضها مرةً أخرى…
وكانت هنا وفي وسط تلك الأشجار سقطت أخر أوراق زهرة…
وكان لطف الله بها أن غشيها النعاس لتغفو ويسحبها النوم بأحضانه وهي متكومة حول نفسها فوق المقعد والطقس يعصف بالبرودة..
وداخلها يرجو أن يأتي الموت لينقذها من كل هذا..!
**************
انتهى من عمله أخيرًا عندما قارب الصبح على الخروج من نومته وطرد ظُلمة الليل، تنهد بتعب وهمّ بأن يركب سيارته..
– اااه أدهم باشا، ماشي ونسيني ولا أيه يا معلم..
علق أدهم بسخرية وهو يحكم غلق معطفه جيدًا من شدة البرودة:-
– باشا ومعلم أيه يا ابني إحنا بنتاجر في السمك ولا أيه..
– اللاه اللاه وأنت الصادق يا معلم، تنكر حاجة زي دي..
أردف أدهم بنفاذ صبر:-
-أركب أركب يا محمود خلصني علشان أنا هلكان تعب..
انطلق أدهم بسيارته عائدًا لمنزله والإرهاق يرتسم على تقاسيمه المُتعبة..
تشدق محمود بتذمر:-
-ما كان زمانك عايش ملك دلوقتي ولا على بالك بس أنت غاوي فرهدة يا سي أدهم..
رمقه أدهم بتحذير ليهتف محمود:-
-خلاص سكتنا يا عم أدهم.
قال أدهم وأعينه أمامه لم تنجرف نحو محمود:-
-أنت عارف أن مش بحب كدا يا محمود، أنا كدا مرتاح أكتر.
وأكمل بسخرية:-
-وبعدين ما شاء الله بعد اليوم دا كله لسه عندك طاقة للكلام والرغي.
-عادي طبعًا يا عم أدهم عندي طاقة هو أنا فرفور زيك ولا أيه.
-اااه قولتلي فرفور، أنا فعلًا فرفور أنت أسد.
-أيوا أنا عارف تعبت أنت النهاردة مش راحم نفسك وكان عندك عملية صعبة وطويلة أووي.
قال أدهم وقد اقترب من البناية التي يقطنون بها:-
-أيوا العملية كانت صعبة بس مرت بفضل الله.
قال محمود:-
-المفروض كنت تخلص العملية وكدا دوامك ينتهي أنت مش مجبر تعمل إللي أنت بتعمله ده.
أوقف أدهم السيارة ورمق محمود قائلًا:-
-أنا طالع جري على السرير حابب تكمل مع نفسك..
وانطلق صاعدًا نحو الأعلى..
يهرب من إجابات الأسئلة التي يطرحها صديقه محمود، هو حقًا لا يملك لها إجابات..
لا يعلم ما الذي جاء به إلى تلك البلاد!
لا يعلم لماذا هو هنا.!
*************
ألقت أشعة الشمس الأولى بثوبها على وجهها المتربد بالتعب والإرهاق، فتحت أعينها وهي تعتدل فقد غفت على هذا المقعد الخشبي، شعرت بالتعب بأنحاء جسدها ليتجعد وجهها بألم وهي تنظر من حولها بتعجب لتتوافد أحداث الأمس على عقلها فيتلبسها العجز مرةً أخرى..
همست زهرة لنفسها:-
-خليني أقوم أمشي أكيد مش هفضل قاعدة عالطول كدا..
استقامت تنظر حولها وتعود قائلة:-
-طب هروح على
فين طيب، خايفه معرفش أرجع للمكان ده تاني..
– لا لا يا زهرة أمشي وأكيد ربنا هييسرها.
وسارت زهرة رغم التعب الذي يأكل جسدها، تسير تتأمل أرجاء المدينة المجهولة تلك وأعينها مليئة بالخوف من الناس..
لا تعلم وجهتها ولا تُدرك ما يُخبئه القدر لها..
في كل هذا وفي هذا العالم الذي هي به زهرة لا تعلم أحد.!
لا تعرف سوى الله..
ليس لها إلا الله..
وما ظنكم برب العالمين.!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!