تحميل رواية «إعلان مُمَوّل» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول من #إعلان_ممول & فاطمة طه سلطان صلوا على نبي الرحمة . _________________ في إحدي المناطق السكنية الشعبية التي تجمع كثير من الفئات المختلفة أجتماعيًا، كان هذا المنزل يقف شامخًا محتفظًا بجماله وفخامته بمساحته الواسعة ورُبما سبب جماله هو نشأته الصلبة وحفاظ أهله على تجديده والإهتمام به فهو يتواجد وسط المباني القديمة والتي مر عليها الزمن، وحينما تنظر داخله تشعر بأنك في أحد القصور أو رُبما بالمصطلح الجديد "فيلا" كبيرة وحينما تنظر من شرفته ترى مهد غير متناسق تمامًا بتواجد فرن العيش أمامه يقف...
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الاول 1 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الأول
من #إعلان_ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة .
_________________
في إحدي المناطق السكنية الشعبية التي تجمع كثير من الفئات المختلفة أجتماعيًا، كان هذا المنزل يقف شامخًا محتفظًا بجماله وفخامته بمساحته الواسعة ورُبما سبب جماله هو نشأته الصلبة وحفاظ أهله على تجديده والإهتمام به فهو يتواجد وسط المباني القديمة والتي مر عليها الزمن، وحينما تنظر داخله تشعر بأنك في أحد القصور أو رُبما بالمصطلح الجديد "فيلا" كبيرة وحينما تنظر من شرفته ترى مهد غير متناسق تمامًا بتواجد فرن العيش أمامه يقف أمامها كثير من الناس ممسكين ببطاقة التموين في صف خاص بالرجال وصف خاص بالنساء، وسائق "التوكتوك" الذي يتشاجر كالعادة مع أحد الرجال على الأجرة معللًا بأن أسعار البنزين في التزايد فيرد عليه الآخر
"أنتَ بتحط بنزين أصلا؟! ياسطا أنتَ مبرشم على الصبح بلاش اشتغالات الله يكرمك ده أنا لو واخد تاكسي هدفع أقل منه كده"
هذا مشهد بسيط من المشاهد التي يشاهدها مُلاك هذا المنزل كل يوم، وعلى الرغم من الثراء الذي يتملكهم يرفضون رفضًا تامًا من الخروج منه أو بيعه وترك المنطقة لا يريدون ترك جذورهم ووصاهم والدهم بذلك.
نهض "داوود" _البالغ من العمر سبعة وعشرين عامًا_ من نومه على صوت أذان الظهر فهذا هو وقت القيلولة الخاصة به، فيعود من صلاة الفجر يجلس في الهدوء ويقوم بقراءة ورده اليومي ويتناول فطوره ويقوم بمحاولة أن يصنع عطر جديد ومختلف بالأدوات البسيطة وبعض الروائح المتواجدة في زجاجات صغيرة يضعها في ركن غرفته، فهو يقوم بالعبث كل يوم حتى يخرج شيئًا جديدًا قبل ذهابه إلى متجره الصغير، ولكن اليوم لم يحاول أن يخترع تركيبه جديدة، ليس لديه طاقة لفعل ذلك عقله لم يكن فارغًا، مشغولًا وغاضبًا من خطيبته التي تشاجرت معه ولا تجيب عليه منذ ليلة أمس بعدما علمت أخيرًا بتركه لعمله في البنك بعد أن كان موظف كبيرًا يتمني الكثير الحصول على وظيفته وهو تركها بمحض إرادته..
وصفته بالمجنون ومبرراته لم تعجبها أبدًا كانت كلها هراء بالنسبة لها.
نهض ثم ذهب إلى المرحاض وتوضأ وبعدها قضى فرضه، وخرج من الرواق متوجهًا صوب غرفة المعيشة ليجد والدته كالعادة تقوم بمشاهدة التلفاز على "الشيف الشربيني" الطباخ الشهير وفي النهاية لا تقوم بفعل أي شيء من وصفاته الشهية بل تقوم بفعل أي شيء على عجاله أو تقوم "أم حسن" المرأة التي تساعدها في المنزل هى بصنع الطعام والذي غالبًا ما يكن تقليدي أيضًا.
أبتسم داوود وجلس بجانب والدته" جيهان" التي تبلغ من العمر خمسة وخمسون عامًا، ولكنها ترى نفسها في الثلاثينات من عمرها لا تحب أن يقوم أحد بتذكيرها بسنها مطلقًا فمن يفعل ذلك كما لو أنه إرتكب خطئًا فادحًا في حقها ولا تعفو عنه بسهولة، هى أمراة مرحة وجميلة محبة لأولادها وكرست حياتها من أجلهم برغم من موت زوجها وهى لم تكن أتمت عامها الأربعين قط.
_صباح الخير يا أمي.
وجدها تمسك بيدها ورقة وقلم وتقوم بكتابة الخطوات، فهو على يقين أنها لن تفعل أي شيء مما تكتبه كالعادة، أجابته في عدم تركيز فكل تركيزها مع التلفاز:
-صباح النور يا قلب أمك.
هتف داوود في تهكم طفيف:
_مش كفايا بقى الشيف الشربيني اللي أنتِ فكراه جرافيك ده ومفيش ولا مرة فكرتي تحني علينا وتعملي وصفة من وصفاته.
دافعت جيهان عن ذاتها في قوة مشيرة لما تحمل بين كفيها :
_ما أنا بكتب علشان أعمل أهو.
_كام مرة كتبتي ومعملتيش يا أمي؟!.
صاحت جيهان كالعادة في عصبية وانفعال شديد وهى تلقي بالورقة والقلم على الطاولة:
_أهو لسانكم الطويل وإحباطكم ده بيخلي الواحد ميفكرش ولا يجتهد في حاجة عالم غم، طب والله العظيم لأقعد أسبوع مدخلش المطبخ وهخلي أم حسن كل يوم تطبخ بامية وبسلة وكل الأكلات اللي بتأكلها غصب عنك.
هتف داوود في مرح:
_لا أبوس ايدك متزعليش مني زعلك وحش كده ليه؟! كله إلا البامية والبسلة.
قالت جيهان في كبرياء:
_لا يا شيخ داوود هتأكلهم دي نعمة ربنا هنكفر ولا أيه ؟؟غيرك مش لاقيها ما أنتَ هتكلمني في الدين هكلمك أنا كمان يا روح أمك.
ضحك داوود ثم حاول الدخول في صلب الموضوع الذي يريد الحديث فيه:
_خلاص يا أمي سيبك من موضوع الأكل ده وخلينا في موضوعنا انا متخانق مع روضة وعايزك......
قاطعته جيهان ولم تعطيه الفرصة لتكمله حديثه وتلفظت في سعادة حقيقية لمعت داخل عيونها الغاضبة في ثواني :
_ يا ألف نهار أبيض يا ألف نهار مبروك والله يا ابني لو بعرف أزعرط كنت زغرطت، أم حسن وبنتها لما يجوا هخليهم يملوا الدنيا زغاريط.
شعر داوود بالضيق الشديد من طريقتها فهو مدرك جيدًا أنها لا تحبها بلا سبب واضح ولكنه يحاول تحسين تلك العلاقة ولا يدري لما لا ينجح الأمر معه؟!.
لاحظت جيهان بتغيير ملامح وجه أبنها وعلى ما يبدو قد بالغت في إظهار سعادتها أمامه، لا بأس من ادعاء الحزن الآن، ولتظهرها عند رحيلة أفضل.
_متخانقين ليه؟!.
تمتم داوود شارحًا لها الأمر على مضض:
_هى عرفت إني سيبت البنك بشكل نهائي علشان الحرمانية وأتضايقت إني خبيت عليها من الأول وشايفة إني اتجننت أسيب شغلانة زي دي وأنا عارف أن اي حد غيرها هيقول كده بس لو هديت وسمعتني كويس هتفهمني هى علطول بتفهمني وبتسمع كلامي.
أردفت جيهان في همس لذاتها:
_ياريتها ما سمعت.
قال داوود في رجاء:
_علشان خاطري يا أمي كلميها اكيد هترد عليكي وحاولي تخليها حتى تكلمني وترد عليا وأنا هتناقش معاهم.
لمعت أعينها في خبث وقالت:
_صعبت عليا رغم إني بكرهها كره العمى إلا أني بعد العصر كده هكلمها أنا عندي كام داوود هعصر على نفسي طن ليمون علشان أعرف أكلمها.
عقب داوود في تهكم طفيف:
_طن مش كفاية عليكي، ارجوكِ يا أمي بلاش تقولي حاجة تضايقها علشان خاطري.
تحدثت في براءة عجيبة من نوعها:
_ عيب عليك هو امك عبيطة يا ابني؟! علشان بدل ما أصلح أخرب، انا هعمل اللي أنتَ عاوزه صدقني.
______________
في منزل هادئ صغير يقبع وسط إحدى الحارات المصرية الصاخبة، حيث اصوات الباعة تعلو فوق صوتك، ورائحة الرطوبة والمياه والصرف تغطي على رائحة طعامك...
كانت تجلس في منزلها متربعة أعلى أريكة مهترئة، وامامها طاولة ذات أرجل تكاد تتهاوى من كثرة ما مر عليها ..
ابتسمت تتناول تلك الأموال المرتصة أعلى الطاولة تعدهم للمرة التي لا تعلم عددها، تحاول أن ترتب أولوياتها في تجهيز نفسها لأجل زفافها الوشيك:
_ خمسة ... ستة...سبعة...تمانية، كده ٨ الآلاف جنيه بالتمام و الكمال، أنا كده هقدر اكمل عليهم الف ولا اتنين واشتري الغسالة، وهحتاج تقريبًا ضعف المبلغ عشان اجيب التلاجة .
_ والراديو، عايزين راديو بدل اللي باظ، هفضل اقولك كام مرة عايزة راديو ؟!
استدارت "أفكار" برأسها صوب والدتها الطاعنة في السن، والتي أوشكت على بلوغ الخامسة والسبعين من العمر، فقد أتت بها بعد سنوات وسنوات على ميلاد اصغر اشقائها، فأصبحت آخر العنقود لوالدين مسنين، توفي والدها منذ سنوات وبقيت والدتها التي تعاني من أمراض الدنيا كلها ..
_ راديو ايه بس ياما دي فلوس جهازي .
اقتربت والدتها أكثر بعدما كانت تجلس على بُعد صغير تراقبها وهي تردد ما يجب شراؤه :
_ يعني ايه ؟! مش هتشتري راديو ؟! ايه مش هسمع إذاعة القرآن الكريم ؟!
ودت أفكار لو تخبر والدتها فالحقيقة المرة، أنها تعاني من ضعف في السمع وأنها طوال اليوم بدلًا من محطة القرآن الكريم، تستمع لمحطة الاخبار .
_ يا امي يا حبيبتي، يعني يرضيكِ، ادفع من فلوسي اللي بحوشها من ميت وظيفة عشان اتجوز، واشتري راديو نركنه زي اللي قبله لغاية ما يصدي ؟؟
_ نركنه ايه يابنتي؟! ده انا طول النهار مشغلاه يونسني في البيت .
ابتسمت افكار وهي تقول بهدوء :
_ والله ياما من سنين وانا مش عارفة اصارحك ازاي بالحقيقة المرة دي، بس أنتِ اساسا طول النهار بتكوني قافلة الراديو ومفكراه شغال، وتيجي آخر النهار تفتكري أنه كان مقفول فتشغلي لينا النشرة الإخبارية وتصحيني وتصحي الجيران .
رفعت "سكر" حاجبها بحنق من كلمات ابنتها التي تسربت عبر سماعة أذنها الطبية :
" قصدك ايه ؟! قصدك ايه يا بنت سكر ؟! قصدي اني طرشة ؟!
_ لا يا امي العفو، طرشة ايه بس، أنا بس قصدي إن فيه حاجات مهمة استخدم الفلوس فيها، زي الثلاجة والغسالة والبوتجاز ..
أضافت سكر بلهفة كالطفل :
_ والراديو، عايزين راديو في البيت يونسني يابنتي .
كادت افكار تصرخ بجنون فها هي والدتها قد أدارت القرص في عقلها، لتبدأ المحادثة من البداية :
_ يا اما راديو ايه بس الله يكرمك، عايزة اجهز واتجوز .
_ يعني ايه مش هتجيبي ليا راديو؟! عايزاني اموت غضبانة عليكِ ؟؟
فتحت افكار عينيها في اتساع مذهولة من كلمات والدتها التي رمتها للتو على مسامعها:
_ هتموتي غضبانة عليا عشان راديو مش بتسمعيه اساسا ياما ؟؟
_ مش بسمعه ايه ؟! بقولك بشغل عليه إذاعة القرآن بصوت الشيخ محمود خليل الحصري الله يبارك له ويطول في عمره .
ضربت افكار كف بالآخر وهي تكاد تنفجر :
_ طب اقولها ايه دي طيب ؟؟ شيخ محمود خليل الحصري اللي ربنا يطول في عمره؟؟ الشيخ الحصري مات الله يرحمه، هو أنتِ آخر حاجة فاكراها ايه ياما ؟!
_ مات ؟! امتى ده ؟؟
_ من سنة ١٩٨٠ ربنا يرحمه يا حبيبتي .
انقلبت ملامح والدتها فجأة وكأنها للتو نُبأت بفقدان عزيز على قلبها، لتنهض من مكانها تندب، وهي تتحرك صوب غرفتها متكأة على عصاها:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، بقينا في زمن الابن فيه مش بيبر أهله والعقوق بقى عيني عينك .
صُدمت منها افكار ومما تردده :
_ كل ده عشان مرضتش اجبلك راديو، امال لو رميتك في دار مسنين يا ما ؟؟
نفخت بغيظ شديد وهي تنظر للأموال أمامها تحاول أن تُصبر نفسها بأن القادم بالطبع افضل ...
______________
كانت تجلس في غرفتها مع جارتها وصديقتها العزيزة، تتحدث معها في مواضيع مختلفة كوجبة دسمة للغيبة والنميمة التي تزداد في مثل تلك الجلسات .
لم يقطع حديث الفتاتين سوى رنين هاتف روضة والتي نظرت له بطرف عينيها، ثم عادت لتندمج في الحديث مع صديقتها سلمى، استنكرت سلمى ما تفعله :
_ يابنتي مش كده، ده الولد رن يجي عشر مرات في نص ساعة، ما تردي عليه .
نفخت روضة بلا اهتمام تشيح بوجهها عن الهاتف الذي أضاءت شاشته باسم خطيبها العزيز داوود :
_ بقولك ايه سيبك منه، أنا كده كده مش طايقة اتكلم معاه ولا اسمع صوته .
_ ليه كده ؟! مش ده اللي كنتِ هتموتي عشان تتخطبي ليه، وقمر يا سلمى، معاه فلوس يا سلمى، هيدلعني ياسلمى، حصل ايه بقى يا روضة خلاكِ تغيري رأيك كده ؟!
وكعادة روضة لم تخفي على صديقتها ما يدور في ذهنها، بل سارعت لتفرغ وعاء أفكارها في رأس رفيقتها قائلة :
_ اللي حصل اني الصراحة مبقتش حابة اكمل في الخطوبة دي، تخيلي يا سلمى البيه المحترم ساب شغل البنوك والمرتبات العالية، وفتحلي محل عطور معفن ؟؟ وقال ايه اصل شغل البنوك حرام .
رفعت سلمى حاجبها لا تعجبها تلك النبرة التي تتحدث بها روضة، لكن الأخيرة سارعت بالقول :
_ ولولا بس إن هو على قلبه قد كده من ورث ابوه أنا كان زماني سيبته .
صُدمت سلمى من حديثها :
_ ياه تسبيه؟! للدرجة دي ؟؟
ابتسمت روضة بسمة لم ترح صديقتها وهي تقول :
_ اه اسيبه واروح للي احسن منه .
_ أيوة بقى قولي كده، قولي انك حاطة عينك على حد تاني؟ وياترى مين الاحسن من داوود ؟؟
ابتسمت روضة بأعين ملتمعة وهي تردد :
_ فاكرة ياسر ابن عمتي اللي سافر الخليج من خمس سنين و ....
وقبل أن تكمل حديثها قاطعهما صوت رنين الهاتف، ظنته داوود لكن عينها التقطت اسم حماتها الحبيبة يعلو الهاتف، علت دهشتها بشكل جذب انتباه سلمى لتتساءل :
_ ايه ؟! هتردي عليه ولا ايه ؟!
_ ده مش هو
_ امال مين ؟!
التوت ملامح روضة بسخرية وغيظ مبطن :
_ دي امه وحماتي العزيزة .
رفعت سلمى حاجبها تراقب انتهاء الاتصال متعجبة من كره صديقتها لجميع أفراد العائلة، إذن لمَ وافقت على الارتباط بابن تلك العائلة ؟!
فاقت سلمى على صوت تأفف نابع من روضة بمجرد ارتفاع رنين الهاتف مجددًا :
_ ياباي على دي ست، مش بطيق اسمع صوتها .
أنهت روضة حديثها واضعة الهاتف على أذنها مجيبة بلطف مناقض تمامًا لحديثها السابق :
_ الو السلام عليكم .
وصل لها صوت جيهان واضحًا:
_ وعليكم السلام يا حبيبتي، عاملة ايه يا روضة ؟!
تصنعت روضة الحزن والهم :
_ الحمدلله يا ماما بخير
هنا وأتت فرصة جيهان للانقضاض عليها وهي تقول :
_ اكيد عارفة أنا متصلة ليه، والله يا بنتي الواد ابني حلف عليا اتصل واطيب خاطرك، عشان هو يا حبة عيني فيه اللي مكفيه ومش ناقص نكد .
_ نكد ايه يا ماما ؟! أنا برضو اللي بنكد؟! داوود اللي آخر فترة بقى يخنقني وبيعمل تصرفات غريبة، يعني يرضيكِ اللي عمله يا ماما ؟؟ يرضيكِ يسيب شغله في مكان الكل يحلم بيه ويروح يفتح محل عطور ؟؟
وصل صوت جيهان لها وقد اجادت اصطناع البكاء بمهارة :
_ معلش يا بنتي والله، ربنا وحده اللي عالم بحال الواد اليومين دول، أنا مش عارفة بس ايه اللي صابه عشان يعمل العمايل دي، الواد يا حبة عيني بقى يمشي يكلم نفسه ومبقاش واعي باللي حواليه، وبيته اتخرب وهو مش واعي بحاجة .
تعجبت روضة من نبرة الحسرة في صوت تلك المرأة، ولم تهتم حتى بمواستها، بل سارعت لقول :
_ اتخرب ايه بس يا ماما، ما هو ربنا يبارك في عمي ساب ليه ورث يقدر يبدأ بيه من الاول ويعوض أي خسارة ..
ولم يكن غرض روضة طمأنت المرأة على الطرف الآخر بقدر ما كان غرضها أن تسحب معلومات ستحدد على أساسها مستقبلها مع ذاك الداوود الذي تتحمله فقط لأجل تلك الأموال الكثيرة التي تركها له والده .
سمعت روضة صوت جيهان تمتص شفتيها بحسرة ومرارة، زافرة أنفاسها بوجع كبير وهي تردد بحزن :
_ ورث ؟! هو فين الورث ده يابنتي ما هو راح الورث .
انتفض جسد روضة بقوة من فراشها لدرجة أثارت ريبة سلمى التي رمقتها بتساؤل، لكنها لم تهتم وهي تقول :
_ يعني ايه راح ؟! ايه اللي حصل ؟؟
بكت جيهان بصوت مصطنع :
_ ابني، ابني اللي بختي قليل فيه بعد ما ساب الوظيفة، لقيته داخل عليا ماسك ورقة كده وبيقولي أنه أتنازل عن كل شيء لاخوه الكبير ومش عايز حاجة، الواد بقى زاهد الدنيا يا ختي .
وها هي جيهان تصيب هدفها بمهارة رامي محترف، فقد اتسعت عين روضة بصدمة تشعر أن الأرض تميد، هل وافقت على زيجة خاسرة ؟! خرجت خالية اليدين بعد كل ذلك ؟!
فاقت روضة على صوت نحيب جيهان التي لم تتوقف :
_ بس انا رغم كل ده مش مطمنة غير أنك هتفضلي معاه يا روضة يا بنتي، عارفاكِ بنت حلال وهتقفي جنبه وتساعديه يبني نفسه من الاول، مش كده يابنتي ؟؟
_ ها ؟!
_ ها ايه بس يا بنتي ؟! بقولك هتقفي مع ابني يبدأ من الصفر ؟! هو الحمدلله محل العطور بيدخله في اليوم قرشين واهي ماشية ومحدش بينام من غير عشا .
تحدثت روضة دون الاهتمام لنواح المرأة:
_ طب معلش هقفل عشان مشغولة ..
ولم تنتظر ردًا بل أغلقت المكالمة بكل وقاحة ومازالت عينيها متسعة بصدمة، بينما صوت سلمى جوارها يتساءل عن سبب حالتها تلك، لكن كل ما خرج من فم روضة هو :
_ أنا لازم انهي الخطوبة دي، لازم تنتهي وأشوف مستقبلي بعيد عن الغبي داوود اللي مش عارف مصلحته ....
_____________
_ما تجيبوا حد يصلح التلاجة دي المياة مبتسقعش وأحنا في عز الحر مش كده.
قال محمد تلك الكلمات وهو يأتي من المطبخ ويتوجه إلى الخارج فكان يريد أن يشرب كوب من الماء البارد يرويه قبل هبوطه وذهابه إلى الموقف، ويستلم الميكروباص الذي يقوم بالعمل عليه من صاحبه.
تمتمت والدته في سخرية:
_الناس تقول صباح الخير ياما الأول مش صاحي تقولي تلاجة وزفت.
أجابها محمد في ضيق فهو لم يأخذ كفايته من النوم فهو يقوم بتكثيف عمله في الميكروباص من أجل أن ينهي مصاريف زواجه من أفكار :
_صباح النور ياما مهوا برضو الواحد ميبقاش نايم أربع ساعات على بعض، وأصحى ألاقي مفيش بوق مياة يبل ريق الواحد وهدومي متغسلتش بسبب أن الغسالة بايظة.
هتفت والدته في ضيقٍ:
_أعمل أيه ياخويا هنجيب فلوس منين ده أقلها هيجي حد يصلحهم بألفين جنية، وأنتَ مبقتش إيدك معانا في المصاريف وكل جنية بتحطه علشان تتجوز، وكمان البركة في عروستك لما تجيب الغسالة والتلاجة كل المشاكل هتتحل.
ضحك محمد وقال في تهكم وهو يرتدي حذائه:
_ وهو أنتم هتيجوا المسافة دي كلها علشان تغسلوا عندنا؟!.
أستطردت والدته في تهكم مماثل له:
_نغسل عندكم أيه يا أبن الهبلة، السنيورة تجيبلنا غسالة وثلاجة وبوتجاز لينا أحنا.
قهقه محمد وهتف بعدها ومازال يظن أنها مزحة:
_دمك شربات ياما، ولما هي تجيب ليكم الحاجات دي، هتجيبلنا ايه؟.
تمتمت والدته في انفعال فهو يظن أنها تمزح على الأغلب:
_أنا مش بهزر معاك يا حبيبي دي عاداتنا من زمان وأختك الكبيرة لما اتجوزت جيبنا لحماتها، وابن خالتك لما اتجوز مراته جابت لخالتك شيء وشويات وأنتَ مش اقل من أي حد.
عقب في تردد:
_يا أمي بس دي مش من عواديهم وكمان أفكار هى اللي بتجهز نفسها وأنتِ عارفة هنا في الحارة مش بنمشي بالشكل ده، كل واحد على قده .
تحدثت والدته في أنفعال:
_مليش فيه هى اللي بتجهز.. اللي خلفوها بيجهزوا أحنا مش أقل من أي حد حوالينا وزي ما أنتَ مش مقصر معاها في حاجة هى كمان المفروض تشرفك وسط أهلك وناسك، ولازم نمشي تبع الأصول ده مرات ابن خالتك كانت جايبه ليهم حتى الميكرويف ومروحة كمان.
صمتت ثم أكملت في تهكم قاتل :
_ وبعدين أنت مفكرها هبلة، دي على قلبها قد كده، دي شغالة ٢٤ ساعة، وأنت اهو رغم شغلتك القليلة جهزت اختك وجبت لحماتها أجهزة برضو .
_ أيوة بس لسه مديون بيهم لغاية دلوقتي .
نهت والدته الحوار وقد اشتعلت عيونها غضب من خنوع ولدها لتلك الفتاة :
_ بس جبت وشرفت اختك، وجه الوقت اللي يتجابلك يا قلب امك ...
______________
كان يجلس أعلى مكتبه الابنوسي في محله الذي افتتحه منذ أيام قليلة بعدما ترك وظيفته في البنك، كانت اصوات زفراته تخرج بوجع كل دقيقة والاخرة، بينما صديقه يجلس أمامه يضرب كف بآخر.
_ يعني يا بني آدم خطيبتك زعلانة منك، تبعت امك تصالحكم على بعض ؟؟
_ وفيها ايه يا سيف ؟! ما أنت عارف امي بتحب روضة قد ايه وميهونش عليها تشوفني زعلان .
سحب سيف مقعده ليقترب من داوود يحاول فهم ما يدور داخل رأسه:
_ يابني بتحبها ماشي مقولناش حاجة، بس أنت اللي زعلتها يعني لازم أنت اللي تصالح .
رمقه داوود بعجز :
_ فكرك محاولتش ؟؟ أنا من امبارح مش مبطل رن عليها بس هي مش بترد .
_ رن ايه ؟! يابني افهم الحالات اللي زي دي ليها حل واحد بس .
نظر له داوود باهتمام وهو يقول :
_ ايه ؟! اروحلها ؟!
_ يا بني ادم هدية، هاتلها هدية حلوة تراضيها بيها .
استاء داوود من صراخ صديقه في وجهه، عاد للخلف مبتعدًا عنه قدر الإمكان وهو يقول بغيظ :
_ طيب متزعقش، هدية ايه بقى ؟!
_ وانا كمان اللي هقولك هدية ايه ؟! فكر أنت هي محتاجة ايه ؟؟ ذوقها ايه ؟؟ بتحب ايه ؟؟ ناقصها ايه ؟؟ فكر كده وشوف .
أنهى سيف حديثه وهو ينهض من مقعده يتمطأ بوجع، ثم اخرج هاتفه يتفحصه سريعًا مضيفًا :
_ همشي أنا بقى واسيبك تفكر .
رفع داوود عينه لصديقه بتعجب :
_ رايح فين يابني ؟! ما تقعد نتغدا سوا .
_ لا معلش عشان سايب الورشة لوحدها، شوف كده دنيتك وابقى اقابلك بليل تقولي عملت ايه ..
هز داوود رأسه موافقًا، ثم استراح في مقعده يتنهد بهدوء، ومن بعدها أخرج هاتفه من جيب بنطاله يلوح به أمام عينه محاولًا التفكير في هدية مناسبة لأجل روضة، هدية تحتاجها وبشدة، لكن وقبل أن يصل لقرار انتفض على رنين هاتفه..
زفر قبل أن يجيب بهدوء على والدته :
_ أيوة يا امي .
_ داوود الحقني تعالى شوف اخوك وعمايله عشان أنا خلاص جبت اخري منه .
نهض داوود من مكانه بفزع يخرج خارج المحل وعقله يضخ عليه مصائب لا حصر لها قد يكون شقيقه المتسرع فعلها :
_ اهدي بس يا امي، حصل ايه ؟! حامد عمل ايه ؟!
وصل له صوت والدته تقول بنفاذ صبر :
_ تعالى بنفسك شوف عمل ايه، أنا رميت طوبته وسلمت امري الى الله ...
هرول داوود للمنزل وعقله لا يتوقف عن التفكير :
_ يا ترى هببت ايه يا حامد المرة دي ؟؟؟
____________
_يالهوي ألطم على وشي الناس يقولوا الولية اتجننت في أخر أيامها، يا ابني مراتك زي الفل وبتحبك وعندك بدل العيل تلاتة، بتخلف ليه منها كل شوية مدام أنتَ مش طايقها هتخليني أقول كلام مينفعش ده بنتك الصغيرة عندها خمس شهور.
قالت جيهان تلك الكلمات وهى تجلس على المقعد وعلى الأريكة يجلس أبنها الأكبر حامد الذي يبلغ من العمر ثلاثين عامًا ومتزوج من ألاء التي تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، تزوج منها منذ ما يقارب عشر سنوات ولديه ثلاثة أبناء، ابنه الكبير يبلغ من العمر تسعه سنوات، والأوسط يبلغ من العمر ستة سنوات، وابنته الصغيرة تبلغ من العمر خمسة أشهر، وهو يعمل في معارض والده الخاصة "بالسيارات" فهو من أشهر المعارض في الجيزة والقاهرة.
تمتم حامد في ضيقٍ:
_جرا ايه يا أمي، هو أنا عيل صغير أنا راجل مقتدر أفتح بيتين، وعايز أتجوز تاني، ايه المشكلة وبعدين أنتِ متعرفيش احتياجاتي كراجل عايز يحس أنه متجوز واحده ست مش أم للعيال وبس، نفسي تهتم بيا اروح الاقيها مستنياني وتتكلم معايا كويس، وتبقى حنينة وتسمعني لما اكون في ضيقة، عايزة واحدة تشاركني حياتي مش جايبها تربي العيال بس .
سخرت منه جيهان قائلة:
_ياخويا متقوليش أنا احتياجاتك عرفها لمراتك وقولها ايه اللي أنتَ محتاجه.
قال حامد في ضيقٍ:
_يعني أنتِ فاكره إني متكلمتيش معاها؟! أتكلمت معاها ألف مرة وهى دايما تقولي العيال ومش العيال وطول ما أنا مهتمة بيهم ابقى عامله اللي عليا وتكلمني أن أنا اللي دماغي فاضية وبدور في تفاهات ومحسساني إني عندي خمسين سنة أنا راجل من حقي تكون واحدة في حياتي حاسة بيا وأنا لقيت ده في أمنية.
_وايه يخلي واحدة متجوزتش قبل كده تتجوز واحد متجوز وعنده تلت عيال؟! إلا انها طمعانة فيك طبعًا.
أجابها حامد في دفاع عنها وعن ذاته فالأمر ليس بعقلية والدته:
_يا أمي دي بنت ناس ومن عيلة كبيرة مش واقعة ولا حاجة، ومعاها عربية وأبوها دكتور كبير يعني من عيلة محترمة واللي يخليها توافق أنها بتحبني، وعارفة انه لا عيب ولا حرام.
فتح باب المنزل بواسطة "داوود" الذي أقترب منهما على عجالة وهتف في قلق فقد جعلتها والدته يأتي مذعورًا:
_خير يا أمي حامد ماله في ايه؟!.
كان قد أقترب منهما في نهاية حديثه وكاد حامد ان يطمأنه أنه بخير وليس به أي شيء، ولكن سبقته والدته في انفعال:
_متخافش على أخوك صحته زي الفل هو هيجلطني انا بس وهيموتني ناقصة عمر وأنا لسه في عز شبابي.
مازال داوود لم يفهم ما الذي يحدث مما جعله يتحدث في استغراب ولكنه بدأ أن يهدأ قليلًا وهو يجد شقيقه بخير:
_يا جماعة اهدوا وفهموني في أيه؟!!.
أجابه حامد في سخرية:
_ولا حاجة أمك كالعادة عاملة موضوع من لا موضوع كل الحكاية أنا جيت بقولها أنا عايز اروح اتجوز وأخدت ميعاد وعايزكم تيجوا معايا علشان أنتم أهلي.
حاول داوود أن يستوعب الأمر قائلا:
_تتجوز؟!!! طب ومراتك.
قال حامد في برود:
_مراتي على عيني وعلى رأسي مفيش حاجة هتأثر عليها قبل ما تطلب الحاجة واللي في نفسها هيكون عندها هى مراتي وام عيالي.
سأله داوود في شكٍ:
-يعني مراتك عرفت وموافقة؟!.
قهقهت جيهان ثم قالت في غضب:
_لا مش هيعرفها هيتجوز من وراها.
هتف داوود في نبرة محايدة:
_أنا مش برجح الحوار ده.
صاح حامد في انفعال فلا أحد يشعر به:
_بقولكم أيه أنا مش عيل صغير أنا جاي علشان انتم أهلي وناسي وعايزكم معايا لكن انا مش منتظر حد يقولي موافق ولا مش موافق، هتيجوا معايا ولا لا؟!!! انا مش بعمل لا حاجة عيب ولا حرام انا هتجوز على سنة الله ورسولة ولا أيه يا داوود هل أنا بعمل حاجة غلط؟!
عقب داوود على حديثه في بساطة:
_يا حامد محدش يقدر يقول على اللي ربنا شرعه غلط وحرام، لكن أنتَ عايز تنفذه غلط من شروط الزواج الاشهار يعني الناس كلها تبقى عارفة مش مراتك وأهلها، مدام أنتَ مقتدر زي ما بتقول ومش بتعلم حاجة غلط قول لمراتك انا هتجوز وافقت أهلا وسهلا موافقتش حقها تكمل او متكملش وأنا مش هاجي على باطل لو مراتك موافقة أنا معنديش مشكلة أجي معاك.
_هقولها بس مش دلوقتي.
قالت والدته في نبرة متهكمة من ولدها البكر :
_لما يجيب الرابع هيبقى يقولها أن شاء الله يا خيبتك في ابنك البكري يا جيهان اللي بيخرب بيته بايده.
نهض حامد وتلقظ في عصبية شديدة:
_انا ماشي مش هتفضلوا تسموا بدني الميعاد يوم الخميس الجاي لو موافقين أتصلوا بيا لو هتيجوا معايا مش هتيجوا أخد خالي وأروح.
______________
في الصباح التالي لكل ذلك ..
كانت تجلس وأمامها يتواجد صناديق كرتونية وتقوم بلصق الأوراق عليهم؛ اوراق المتواجد عليها البيانات الخاصة بكل صندوق منها الأسم والرقم والعنوان وفي بعض الأحيان تقوم بالتسهيل على نفسها وتكتب عليهما قبل لصقهما على الصندوق وهذا ما فعلته اليوم.
_والله كتر خيرك يا محمد تصدق كنت صاحية مش في مود الضحك خالص وخلتني أضحك مع إني لسه دابه خناقة مع أمي لرب السماء.
أتاها صوت محمد من الهاتف قائلا:
_يا حبيبتي أنا مش بهزر أنا بتكلم بجد.
هنا كانت قد بدأت بلصق الأوراق الخاصة بعناوين الطلبيات على الصناديق تفتح كل صندوق وتجد الورقة الصغيرة المتواجدة بداخله تقوم بأخذها وتقوم بلصق بعدها الورقة المطابقة لتلك الورقة الصغيرة التي تلقي بها في سلة القمامة.
فهي كانت تعمل في إحدى شركات الشحن كعمل اضافي جوار اعمال أخرى كثيرة .
غمغمت أفكار في سخرية:
_أنتَ منهم ولا أيه يا محمد مبلبع أيه على الصبح؟!!! ايه اللي أجيب لأمك غسالة وبوتجاز وتلاجة مش لما اجيبهم لنفسي؟! وده في شرع مين ده ولا في عرف مين يا عنيا ؟؟
تمتم محمد في لامبالاة:
_دي عوادينا يا أفكار العروسة بتجيب لحماتها أم عريسها كده ده العرف وانا مش أقل من حد.
صاحت أفكار ساخرة وهى تفتح الصندوق وأخذت الورقة دون ان تنظر فيها من غضبها وألقت بها في القمامة ولصقت اللاصقة المتواجد عليها بيانات غير متطابقة تمامًا معها على الصندوق :
_والله اجيب لأمك غسالة وبوتجاز وتلاجة؟؟ طب اجيب لأختك ايه؟؟ فريزر؟؟ ولا تحب اجيبلها ميكرويف؟! ولا مش في عرفكم أجيب لعمتي مع حماتي؟!.
_أفكار متتريقيش.
قالت أفكار في غضب وهي تلصق اوراق غير متطابقة على الصناديق، والنتيجة أنها بدلت البيانات:
_ بلاش هبل بقا وتخلي الواحد يغلط، وترجع تقولي أفكار متتريقيش الكلام اللي قولته ده انا هعتبره نكتة منك في الآخر عشان ميصدرش مني كلام يزعلك أنت وامك .
_يعني ده أخر كلام عندك؟!.
تمتمت أفكار في جدية:
_اه ده اخر كلام عندي ولما تقول كلام يدخل العقل يبقى نتكلم يا محمد .
تنفس محمد بصوت مرتفع وقد خطرت في رأسه فكرة أن يهددها بإنهاء الخطبة علها تتراجع، وإن لم تفعل حاول إقناعها مجددًا كي لا تغضب والدته وتفسد كل شيء :
_طيب وأنا هاجي النهاردة اخد شبكتي يا أفكار.......
______________________
وهذه فقط مجرد بداية تمهيدية لجنون آخر قادم وأمور أخرى ستذهلكم .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه FatmaSultan947
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الثاني 2 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الثاني
من #إعلان_ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة .
__________
تجلس روضة مع صديقتها وجارتها العزيزة سلمى التي استنكرت أفعالها ثم هتفت في ضيقٍ :
_والله حرام عليكي يا بنتي اللي بتعمليه ده، مش ده الشيخ داوود اللي كنتي هتموتي عليه وكنتي بتحاولي تلفتي نظره بكل الطرق وبقيتي تلبسي كويس علشانه وأنا اللي قولت أنه عرف يغيرك فعلا.
نظرت لها روضة في ضيقٍ ثم أستطردت محاولة إيجاد مبررات أمام صديقتها:
_أيوة بس أنا دلوقتي مبقتش حساه ولا حاسة أن هو الراجل اللي يملى عيني، ويسعدني ويحققلي احلامي .
تمتمت سلمى في نبرة صريحة:
_لا أنتِ من ساعة ما ابن عمتك جه وأنتِ اتروشتي وبقيتي شايفة نفسك على الراجل مع أنك اللي فضلتي تجيبي رجله في الأول وكانت أمنية حياتك يبصلك بس، راجعي نفسك يا روضة اللي بتعمليه ده غلط وميصحش تكون واحدة مخطوبة لواحد وبتبص لواحد تاني، لو كده سبيه وخلاص.
هتفت روضة في برود وكأن صديقتها جاءت بطرف الخيط التي تريده:
_والله أنا بقيت عاوزة أسيبه فعلا يا سلمى بس مفيش حاجة بيعملها غلط، وبعدين ماما مبهورة بيه وكل ما احاول أقول حاجة تقعد تقولي ده مفيش زي داوود.
ثم قالت في نبرة خبيثة وهى تقوم بالعبث في خصلاتها:
_بابا قال الصبح أنه هيعزم عمتو وياسر علشان هو اجازة، وبفكر انزل اشتري دريس جديد كده يكون شكله حلو يبهره كده أنا سمعت أنه....
قاطعتها سلمى بانفعال وهي تنظر لها:
_بصي على أيدك يا روضة.
أردفت روضة في قلق:
_مالها أيدي؟!
قالت سلمى بنفاذ صبر:
_ أنتِ لابسة دبلة راجل وبتحاولي تبهري واحد تاني على الاقل احترميها لغايت ما تسبيه زي ما بتقولي.
تنفست روضة الصعداء ثم غمغمت في راحة:
_يا شيخة حرام عليكي خضتيني أفتكرت في حاجة في ايدي وعموما قريب جدًا هقلعها متقلقيش المهم ساعديني وفكري معايا ممكن ألبس أيه.....
قاطعهم نداء والدة روضة من الخارج، لتنهض روضة موجهه الحديث إلى سلمى:
_هشوف ماما عايزة ايه وجاية.
ذهبت وبعد مرور ما يقارب عشر دقائق كانت تأتي وهي تحمل صندوق كرتوني وتشعر بالاستغراب فهذه هى المرة الأولى التي يقوم فيها بشراء هدية لها في الأوقات الذي يكن بينهما خِصام ولأنه معتاد على شراء الأشياء ويعطيها لها مباشرة لا عن طريق مندوب..
_أيه ده؟!.
هتفت روضة وهى تفتح الصندوق في فضول شديد وانبهار لا تعلم مصدره وكأنها نفسها كانت من الضعف الذي يجعلها تتقلب ما بين القبول والرفض، هي حتى لا تعلم ما تريد نفسها :
_ده داوود، شكلي هغير رأيي وهكمل معاه ولا أيه ده باعتلي هدية شكله .
تعجبت سلمى من جنون صديقتها، فهى معتوهة ومجنونة من الدرجة الأولى، وجدت روضة بداخل الصندوق كيس بلاستيكي قامت بفتحه في عجلة من أمرها وأخذت تخرج منه ما به لتُصدم بعض المنامات الحريرية الفاضحة..
شهقت في صدمة...
هل هذه الهدية التي وجدها داوود تليق بها!!!
ماذا يقصد هل فقد عقله؟!
هل هذا هو داوود الشاب صاحب الأخلاق الحميدة؟!.
هل يحاول أن يرمي لشيء ؟!
_أنا مش مصدقة أن داوود يبعتلي هدية زي دي؟! يمكن لو حد غيره أصدقها.
أعلن هاتفها المتواجد على الطاولة عن رسالة فألتقطته وقامت برؤية الرسالة التي وصلت لها من داوود والتي كانت تنص على:
"السلام عليكم يا روضة، يارب تكون الهدية عجبتك زمانها وصلت، أنا متأكد هتكوني زي الملاك فيهم، ومتعشم لما نتصالح أشوفك لبساه لما أجي ازوركم، أنا قدمت السبت ومنتظر الحد منك في رعاية الله"
قالت روضة في انفعال طفيف وكأنها وجدت الحجة التي ستتركه من أجلها:
_ده جاب أخره البيه وكويس أنها جت منه هخلع وأنا ضميري مستريح.
__________
تجلس أفكار أعلى الأريكة الوحيدة التي تتوسط بهو منزلها، صوت شهقاتها يعلو حتى كاد يغطي على صوت شجار النسوة أمام منزلها، ضربت أفكار قدميها في حسرة لا تصدق أن ذلك القذر أنهى الأمر بتلك السهولة بعد كل ما تكبدته لأجل الزواج ..
_ اه يا مرارك يا أفكار ياللي مش مكتوبلك الفرح، حتى القرد الوحيد اللي طلعت بيه من الدنيا مشي .
بكت وهي تردد بحسرة من بين شهقاتها :
_ كل ده عشان مرضتش اجهز أمه معايا ؟؟ هو أنا يعني لو جالها العريس هحوش عنها حاجة يا ناس ؟!
انغمست في بكاء حاد وهي تلمح بعض الأوراق التي توسطت الطاولة أمامها والتي كانت تخط عليها ما احضرته وما تبقى لتحضره من أجل زواجها، كل ذلك ذهب مع الريح، فقط لأن حماتها المصون تريد أن تحضر لها أجهزة كهربائية كما لو كانت على وشك الزواج ....
أمسكت الاوراق تمزقها بقهر وغل كبير وهي تصرخ:
_ منك لله يا محمد يا ابن أم محمد على قهرتي وحرقة قلبي دي، اللهي يارب يقعدلك يا شيخ وما تلاقي الراحة عشان تعرف وجعتني ازاي.
ختمت حديثها وهي تتنفس بصوت مرتفع جراء المجهود الذي بذلته أثناء تمزيق الأوراق، لتبصر بطرف عينيها والدتها تتقدم منها، تستند على أثاث المنزل حتى وصلت لها، لتلقي بجسدها الهش على الأريكة جوار ابنتها:
_ مالك يا بنتي بقالك ساعة مش مبطلة عياط، ايه اللي حصل؟!.
نظرت لها أفكار من بين دموعها تعيد على والدتها نفس الحديث الذي أخبرتها به ثلاث مرات منذ عادت للمنزل فهى تنسى ما تقوله لها، لكن لا بأس هي على أية حال تود أن تتحدث في الأمر :
_ شوفتي يا ما اللي عمله محمد المعفن بعد ما اتكرمت عليه ووافقت اتجوزه؟!
تحدثت سكر بوجع لحديث ابنتها :
_ عمل ايه يا قلب امك ؟!
بكت أفكار تلقي بنفسها بين أحضانها تنفجر في بكاء حار وكأنها ترثي نفسها وأيام اضاعتها فقط لأجل تجميع أموال، عملت بالعديد من الوظائف حتى أنها لا تستطيع عدّهم لكثرتهم، وكل ذلك لأجل تجميع أموال زفافها، ليأتي رجل _ حُسب على الرجال خطأ _ ويأمرها أن تتحمل ما لا طاقة لها تحت ستار العادات والأعراف.
_ قال أيه يا ما، عايزني اجيب لامه أجهزة كهربائية وحاجات معايا، هو أنا كنت عارفة اجهز نفسي الاول؟؟
_هي امه أطلقت وهتتجوز تاني ولا أيه؟!.
بكت أفكار أكثر وهي تستمع بتربيتات والدتها الحنونة والتي أسترسلت حديثها بحزن :
_ معلش يا بنتي والله هو الخسران، أنا أساسا الجوازة دي مكنتش داخلة دماغي، بس قولت عشانك أنتِ بس وعشان كان باين عليكِ عايزة الواد ده.
رفعت أفكار عينها من احضان والدتها تقول بقهر :
_ أنا مكنتش عايزاه هو، أنا كنت عايزة اتجوز وبس، عايزة ابقى زي باقي البنات يا أمي، مش عايزة احس اني أقل منهم ومحدش معبرني عشان اللي انا فيه ده.
قالت سكر في حدة :
_ وأنتِ مش زي البنات ليه إن شاء الله ؟! ده أنتِ ست البنات، كفاية جدعنتك وتعبك يا بنتي وأنك شيلاني فوق دماغك رغم أن الكل سايبني وراميني.
بكت أفكار وهي تلقي بنفسها بين احضان والدتها تردد بمزاح خرج من بين قهرها :
_ اديني قاعدة معاكِ اهو ياما ومش هعرف اروح في حتة، خلاص مبقاش ليا غيرك لغاية ما واحد تاني يفكر يخبط الباب.
ربتت عليها والدتها بحب تلاحظ استكانة ابنتها بين أحضانها :
_ يعني مش هتشتري الأجهزة يا بنتي ؟!
_ لا ياما خلاص بقى هحوش فلوسي لغاية ما اشوف
أي مشروع اعمله، مبقتش عايزة أدخل في دوامة الجهاز والافراح خلاص.
ابتسمت لها سكر وهي تقول بسعادة كبيرة :
_ يعني هتشتري ليا الراديو؟!.
_____________
عاد بظهره للخلف بعدما كان منكبًا على أوراق بعض العطور لساعات وساعات، نهض يتمطأ يحاول تفكيك عضلات ظهره المتيبسة، لكن فجأة ظهرت بسمة على وجهه حينما تذكر ما فعل ..
نظر لساعة يده وهو يردد :
_الرسالة شافتها من بدري بس مردتش، معقول الهدية لسه موصلتش؟!..
اشتعل الحماس بين أوردته بقوة وهو يردد بسعادة :
_ يارب الهدية تعجبها، اكيد هتعجبها اوي دي ياما لمحت أنها عايزة تلبس الخمار.
شرد أمامه ببسمة بلهاء ولم يفق من خيالاته حول روضة التي ستتحدث معه وتخبره بأن الهدية أعجبتها وبأن الخصام بينهما قد انتهى حتى ابصرها أمامه وكأنها خرجت لتوها من عقله..
انفرج فم داوود عن بسمة مدهوشة لا يصدق أن الهدية أتت بتلك النتيجة السحرية، روضة تتقدم نحو محله بنفسها..
اعتدل في وقفته يلاقيها بترحيب كبير :
_ روضة ؟! ايه المفاجأة الحلـ
وقبل أن تكتمل كلمته تلقى بين أحضانه صندوق كبير كاد يخترق صدره بعدما دفعته روضة له وهي تصرخ بجنون لم يره قبلًا :
_ أنت فاكرني ايه يا محترم عشان تبعت ليا حاجة زي دي ؟؟
_ فاكرك ايه يعني يا روضة ؟؟ الهدية معجبتكيش ولا ايه ؟؟ ده انا مختارهم مخصوص عشانك واحد واحد بنفسي .
فتحت روضة عينيها بصدمة تحاول أن تخفي خجلها لتخيلها داوود ينتقي تلك الغلالات والثياب العارية القصيرة لأجلها ويرسلهم لها كهدية :
_ أنت اللي اخترتهم بنفسك عشاني ؟!
استغل داوود هدوئها الذي تولد من صدمتها بما فعل وقال بفخر يتذكر مجموعة الخمارات التي انتقاها بنفسه من أفضل محلات المحجبات :
_ اكيد، وانا بختارهم كنت متخيلك فيهم زي الملاك، أنتِ متعرفيش أنا حبيتهم قد ايه، اخترت ليكِ كل الالوان عشان معرفتش ايه اللي بتحبيه، ومن هنا ورايح حابب طول الوقت اشوفك بيهم .
أشارت روضة صوب الصندوق بصدمة :
_ بدول ؟! تشوفني بدول ؟؟
_ أيوة ياريت اشوفك بيهم على طول، ويا حبذا لو متطلعيش من البيت غير بيهم، حابب من هنا ورايح يكونوا عنوان ليكِ .
أشارت روضة لنفسها بفزع وهي تراه يتحدث عن الثياب العارية بكل اعتيادية وكأنه اهدادها حذاء أو ما شابه :
_ عنوان ليا ؟! عايز الحاجات دي تبقى عنوان ليا وتشوفني بيهم على طول ؟!
_ ده يوم المنى، ده أنا اتمنى أني أكون أول واحد يشوفك بيهم، وبالذات الاسود هيكون جميل عليكِ .
هنا وثارت ثائرة روضة وهي تخلع خاتم خطبتها قائلة بصدمة وصراخ :
_ أنت واحد قذر وحيوان، أنا كنت صح لما فكرت افسخ الخطوبة منك، اتفضل دبلتك اهي، مش عايزة اشوف وشك يا قليل الادب.
فتح داوود عينه بصدمة من ردة الفعل التي لم يتوقعها البتة، ما الذي حدث للتو هو لم يفعل شيئًا يغضبها، هل غضبت لأنها تظنه يحاول دفعها صوب الخِمار دفعًا دون إرادتها ؟؟ تظنه متحكم ويريدها مجبورة، بينما هو لم يقصد سوى تشجيعها .
_ لا، روضة أنتِ فهمتي ايه، أنا مش قصدي اجبرك تلبسيهم، والله براحتك أنا بس حبيت اشجعك لاني شوفتك مترددة تعملي كده .
اشتعلت أعين روضة أكثر وهي تصرخ بجنون :
_ اسكت أنت بتقول ايه؟! مترددة أيه وزفت ايه ؟! أنت مش واعي باللي بتقوله ؟؟
_ لا أنا واعي والله، جربي بس تلبسيهم وهيعجبوكِ دول خامتهم من الغالية، اقولك لو خايفة ميبقوش حلوين عليكِ أنا ممكن اجي معاكِ اشوفك لما تلبسيهم واجيب امي كمان تقولك رأيها هي بتفهم في الحاجات دي .
صرخت روضة بجنون :
_ امك، هتجيب امك كمان تتفرج ؟؟ ليه جايبني من شارع جامعة الدول؟ أنا قولت انكم عيلة مش مظبوطة والله، بقولك ايه دبلتك عندك وحسك عينك المح وشك تاني يا ديوث .
أنهت حديثها تركض من المحل بوجه مشتعل لا تدرك أغضبًا كان أم خجلًا، تاركة خلفها داوود يردد كلمتها بصدمة :
_ ديوث ؟؟ عشان جايب خمار ابقى ديوث .
سقط الصندوق أرضًا بصدمة من قوة الكلمة التي القتها بوجهه، لكن فجأة وحينما هوى الصندوق انفتح غطاءه كاشفًا عن تلك الهدية المزعومة، انحنى داوود ارضًا ببطء يبعد الغلاف الموضوع أعلى الهدية يضيق ما بين حاجبيه يحاول تبين قطع القماش مجهولة الهوية تلك، ما هذه الملابس الممزقة والـ...
فجأة صرخ داوود بصدمة متراجعًا للخلف وكأن وحشًا خرج من الصندوق، شحبت ملامحه وهو ينظر للصندوق مرتعبًا وقد استوعب هوية تلك القطع القماشية الغريبة يردد بجنون وبوجه محمر خجلًا :
_ ايه ده ؟؟ ايه ده ؟؟؟؟؟؟؟؟؟.
______________________
تجلس على الأريكة تضحك على تلك المسرحية الكوميدية التي تعشقها، فهى تعلم أن الوقت مازال باكرًا ولن يأتي زوجها الآن ويجلس بجانبها ابنها الكبير فلقد خلدت للنوم منذ قليل طفلتها الصغيرة وابنها الأوسط وبقى "علي".
بمجرد أن تنام صغيرتها تشعر بالراحة وتبدأ في ممارسة حياتها وتنظيف بيتها وأخذ حمام دافئ يريح أعصابها في نهاية اليوم....
وجدت باب المنزل يُفتح ويلج منه زوجها حامد، شعرت بالضيق فما الذي أتى به الآن؟!
الآن سيبدأ في سرد طلباته رُبما سيريد تناول الطعام بعد أن قامت بتنظيف المطبخ وأنهت كل شيء...
أبتسم لهم حامد وأغلق الباب ثم خلع حذائه وأقترب منهما وأردف في رفقٍ:
_مساء الخير، أيه البيت ساكت كده ليه؟!.
أجابه علي في هدوء:
_أبدًا مريم نامت يا بابا وكمان زياد نام وفضلت أنا وماما.
كاد أن يتحدث حامد فنظرت ألاء إلى الساعة قائلة في سرعة من أمرها:
_يالهوي دي الساعة ١١ وأنتَ لسه صاحي بكرا عندك يوم طويل في المدرسة يلا يدوبك تنام.
أنهت حديثها ونهضت وأخذت ابنها رغم رفضه في البداية فهو يريد السهر قليلا مع والده ولكنها تجد أنه من الأفضل نومه الآن من أجل المدرسة الذي سوف يستيقظ لها باكرًا..
فتوجهت إلى الغرفة تحت نظراته المنزعجة، ومع ذلك حاول أن يهدأ قليلًا وينتظر أن ينام "علي" ثم ستخرج من الغرفة على أية حال، فأغلق هو التلفاز ثم توجه إلى غرفة نومهما وقام بتغيير ملابسه ووضع عطره وأخذ ينتظرها..
بعد نصف ساعة تقريبًا أتت ألاء ونظرت على الصغيرة الموضوعة في فراشها الخشبي الصغير المتواجد معهما في غرفة النوم وقالت في خفوت:
_الحمدلله مريم نايمة، يدوبك ألحق أنام ساعتين قبل ما تصحى.
تحدث حامد في نبرة حاول أن يتمالك أعصابه بها قدر الإمكان:
_تنامي أيه يا ألاء أنا عايز أقعد معاكِ شوية واديني مروحتش القهوة وجيت علطول.
عقبت ألاء على حديثه في ضيقٍ وهى تصعد على الفراش وتدثر نفسها بالغطاء:
_مهوا برضو بتيجي متأخر يا حامد وأنا تعبانة وعايزة أنام ولا فايقة أتكلم ولا فايقة لأي حاجة، كنت بدرت شوية عن كده.
كز حامد على أسنانه ثم قال في غضب حاول كتمه قدر المستطاع ولكنه على وشك الانفجار:
_مهوا لو جيت بدري العيال هيبقوا صاحيين وهتقوليلي مش فاضية ولو جيت متأخر بعد القهوة هتكوني نايمة أصلا.
_ما طبيعي أكون نايمة يا اخي أنتَ ليه مش مقدر أني تعبانة من الصبح بصحي وألبس للمدرسة وبعدها اقعد طول اليوم مع مريم أغير وأرضع وأنيم وأعمل الفطار الصبح قبل ما يصحوا غير الغداء والعشاء، وأنتَ عايز تيجي تلاقيني فايقة ليك صح؟!!!.
تمتم حامد في سخرية شديدة:
_مش شايفة أنك مكبرة الموضوع أوي، ده ماما معاكِ وأمك ساكنة في الشارع اللي ورانا ودايما بتيجي تشيل معاكِ غير أم ياسين اللي بتيجي بتساعدك أنتِ مش شايلة الحمل لوحدك، أنا مبقتش عارف أقعد معاكِ عشر دقايق على بعض ولو قعدنا بتقعدي تشرحيلي قد اية أنتِ تعبانة، هو مفيش ست أتجوزت وخلفت غيرك؟!.
استغفرت ألاء ربها ثم أردفت:
_بقولك أيه يا حامد لو عايز تتخانق استنى لما أنام واصحى ونتخانق براحتنا، أصل أنتَ مش حاسس بيا ومهما كانوا كل دول بيساعدوني أنا أم لثلاث عيال مسؤولة عنهم.
في حاجة أنتِ نسيتها أنك كمان متجوزة والمفروض تهتمي بيا وتشوفيني محتاج أيه.
تحدثت ألاء في انفعال شديد:
_حامد أنا مش لاقية وقت أهتم بنفسي علشان أهتم بيك مش كل شوية هنتكلم في نفس النقطة دي استنى عليا واديني وقت البت تكبر شوية وأشم نفسي وبعدين أحنا مش لسه متجوزين علشان تقعد تقولي الكلام ده، في حاجات دلوقتي مهمة في حياتنا غير إني أهتم بيك وشغل المراهقين ده..
صاح حامد وهو ينهض في غضب شديد:
_تصدقي أنا غلطان إني بتكلم معاكِ، الكلام معاكِ مش نافع أنا غاير في داهية وسايب البيت ليكي.
عقبت ألاء في جمود:
_براحتك يا حبيبي، أنتَ أصلا بتدلع وعايز تعمل حوار وخلاص، المهم بس متزعقش علشان البت متصحهاش ولا العيال تصحى...
زفر حامد في ضيقٍ شديد وهو يصفع باب الغرفة خلفه بعد أن أخذ ميدالية مفاتيحه وهاتفه ثم غادر الشقة بأكملها دون حتى أن يغير ملابسه المنزلية وتوجه صوب منزل خاله...
وبالفعل بعد ساعة تقريبًا كان وصل إلى منزل خاله "جمال" الذي يبلغ من العمر خمسون عامًا وقام باستقباله في ترحاب رغم تأخر الوقت...
كان حامد يجلس أمامه غاضبًا لم يتفوه بأي حرف، حاول جمال أن يعرف ما يحدث مغمغمًا:
_مالك يا حامد أيه اللي جايبك في الوقت المتأخر ده يا ابني؟!.
تحدث حامد في نبرة مختنقة معتذرًا:
_معلش يا خالي جيتلك كده من غير ما أتصل وفي وقت زي ده...
قاطعه جمال في عتاب طفيف:
_عيب عليك يا ابني، أنا بس عايز أعرف مالك وبعدين ده بيت خالك يعني بيتك تيجي في أي وقت.
أردف حامد في احراج وغيظٍ:
_اتخانقت مع ألاء كالعادة، وبصراحة اتخنقت أنا هكمل في الجوازة دي حتى لو أمي وداوود مش هيحضروا.
______________
تقوم بمتابعة برنامج الطبخ المفضل لها، تحاول تدوين أكبر كم من الوصفات الشهية لأجل تجربتها في يومٍ ما.
فجأة ارتفع رنين جرس الباب تزامنًا مع ارتفاع طرقات حادة لحوحة جعلتها تنتفض من مكانها فزعة :
_ يووه جرا ايه مين اللي على الباب ؟! اصبر يا خويا مش نايمة وراه .
تحركت جيهان صوب الباب بحنق شديد تتوعد في نفسها لمن يطرق بهذا الشكل المفزع، لكن وبمجرد أن فتحت الباب وجدت مظهر صغيرها الحبيب بوجهه الشاحب وملامحه غير المقروءة والوجع المستوطن وجهه.
ضربت جيهان صدرها فزعة :
_ فيه أيه يا داوود مالك يا بني ؟! وشك مخطوف كده ليه ؟!
ألقى داوود نفسه بين أحضان والدته وقد اثقلت الاحزان صدره، استند برأسه على كتف والدته وهو يهتف بوجع :
_ حاسس أن الدنيا بتدور بيا.
شهقت جيهان بفزع تربت على ظهره بخوف شديد وكلمات ابنها الحبيب توغر صدرها بقوة :
_ بعد الشر عنك يا حبيبي، مالك ايه اللي حصل؟! قولي يا ضنايا.
قال داوود بحسرة وقهر شديد :
_ صورتي اتهزت في عين روضة وبقيت شخص زبالة، مفكراني واحد صايع دي قالت عني ديوث يا ما
_ قطع لسانها ده أنتَ سيد الرجالة، ما عاش اللي يهز صورتك ولا ينزل من قيمتك يا ضنايا، حصل أيه يا بني؟!
تنهد داوود بألم يستند على كتف والدته هامسًا :
_ روضة جاتلي وسابت دبلتها وفسخت الخطوبة يا امي، بعد كل اللي عملته، عشان...
وقبل أن يفكر حتى في أن يسترسل حديثه كلماته التالية كانت والدته تبعد عن كتفها تطلق زغاريد رنّ صداها في المنزل بأكمله حتى كادت أعمدته تهتز لها وصوتها يهلل فرحًا :
_ يا ألف نهار ابيض يا ألف نهار مبروك، يا دي المنى يا دي الهنى اللي انا فيه...
كانت تتحدث وهي تدور كفراشة خفيفة أمام المنزل وصوت زغاريدها ما يزال يرن وداوود واقف على أعتاب منزله مصدوم مما يحدث :
_ فيه ايه يا امي ايه اللي بتعمليه ده ؟؟
قالت جيهان وهي تكمل زغاريد حتى كادت أنفاسها تزهق :
_ اسكت ده أنا ندرتها يا حبيبي، أنا كنت نادرة يوم ما ربنا يخلصك من البنت دي لازغرط لغاية ما لساني يعطل.
مسح داوود وجهه بغضب يحاول السيطرة عليه :
_ أنا مستقبلي اللي كنت بخطط ليه ضاع وخطوبتي اتفشكلت وأنتِ بتزغرطي؟!.
شعرت جيهان بحزنه لتقترب منه قليلًا :
_ يا حبيبي دي والله ما كانت تنفعك، دي وخداك على فلوسك يا بني، ربنا يعلم اني عايزة مصلحتك ده أنت اقرب ليا من نفسي يا داوود، بس يا بني والله دي ما تنفعك والحمدلله ربنا خلصك منها بدري بدري .
ألقى داوود بجسده على الأريكة لا يعلم كيف يجيب والدته وصمت بشرود يحاول البحث عن عيب فيها تراه والدته ولا يراه هو، روضة لطالما كانت الفتاة الخلوقة الهادئة التي يحلم بها أي شاب، لا ينكر أنه أعجب بها ونال هدوئها استحسانه وارتضى بها زوجة له تحديدًا حينما بدأت في التغيير من أجله لكنه لم يُغرم بها للدرجة التي تجعله يبكي فراقها...
هو فقط حزين لتدمير مستقبل ظنه مشرقًا ملئ بالحب والدفء مع عائلة صغيرة لطيفة، يبكي صورته التي ظهرت أمامها كشخص بلا أخلاق رغم كل ما يظهره للجميع من محاسن اخلاق وكل هذا لأجل هدية ملعونة اختـ.
انتفض فجأة داوود من أفكاره بأعين مشتعلة جعلت والدته تتعجب من أفعاله وقبل أن تتحدث بكلمة سمعت كلماته الغاضبة :
_ اقسم بالله لافضحهم واحد واحد وهكلم الصفحة وشركة الشحن.
وبمجرد انتهاء كلماته هرول للخارج بجنون وفي رأسه شخص غاضب وثائر لأجل ذلك الخطأ الذي كلفه الكثير .
كانت جيهان تراقبه بأعين متسعة بذهول وهي تردد :
_ الولد ده حصله ايه ؟؟ منك لله يا روضة على اللي عملتيه في العاقل اللي حيلتي .....
_______________
في إحدى شركات الشحن، كانت تجلس رفقة بعض الفتيات اللواتي جئن لمواساة صديقتهن التي فكت لتوها زفافًا كاد يتم بعد فترة وجيزة، منهم الحزين ومنهم المتشفي..
كانت افكار تتوسط الجميع وهي تقص عليهم بغيظ وقهر :
_ وقال ايه عايزني اجيب أجهزة كهربائية لامه معايا هو أنا عارفة اجهز نفسي لما اجهز أمه معايا ؟؟.
تشدقت إحدى الفتيات جوارها بتقزز :
_ اخيييه عليهم عالم معفنة، ايه يا ختي النطاعة دي ؟؟ مش كفاية هتجهزي ليه شقته المقشف ابن المقشفة، لا وهتجهزي شقة أمه كمان ؟؟ يا ختي بركة أنه غار في داهية .
نظرت لها أفكار بحسرة :
_ ويقولك أصل اختي جابت كده، أخته مين الكداب هو لاقي ياكل عشان يجهز أخته وحماة اخته، ولما هو مقتدر أوي كده ميجهزش أمه ليه بالمرة معاهم .
ضحكت صديقة لها بصوت مرتفع جذب انتباه باقي زملائهم في العمل لكنها لم تهتم :
_ يووه عليكِ يا بت يا افكار، فكي كده يا ختي يعني هما اللي اتجوزوا خدوا أيه غير الهم والنكد، طب والله العظيم البعد عن الرجال غنيمة ياختي بلا وجع قلب .
رمقها أحد الرجال في المكتب بحاجب مرفوع وحنق استوطن ملامحه لتتحدث السيدة الثلاثينية مجددًا :
_ ايه يا مدحت بتبصلي كده ليه يا خويا، كدبت ولا كدبت ؟!
تجاهلها مدحت فهو لن يسلم من لسانها إن دخل معها بنقاش، فجميع من بالمكتب يدرك جيدًا لسان محاسن اللاذع .
امتصت محاسن شفتيها بسخرية :
_ والله الواحد بقى يشوف العجب .
في ذلك الوقت اندمجت افكار تقص عليهم معاناتها مع والدتها وخطيبها السابق وما حدث في نفس الوقت الذي ارتفع فيه صوت صياح في الخارج وشجار عنيف جذب انتباه جميع من المكتب .
تحدثت محاسن وهي تنظر لهم :
_ فيه ايه يا ولاد؟؟ ايه الصوت ده ؟؟
نهض الجميع من المكاتب في نفس الوقت الذي اقتحم فيه رجل المكان وهو يصرخ بجنون وغضب مخيف جعل الجميع يولي انتباهه له :
_ أنا عايز مدير المخروبة دي، عايز اعرف ازاي يا محترمين ابقى طالب اوردر شحن ويتشحن اوردر تاني؟؟ ازاي شركة كبيرة زي دي تعمل حاجة زي دي ؟!
انتبه له الجميع ولم يتحدثوا، عدا أفكار التي تقدمت منه وهي تقول بغيظ :
_ ايه يا أستاذ أنت مين أنت عشان تقتحم المكاتب بالشكل ده ولا كأنه حمام عام؟! بعدين اوردر ايه اللي اتشحن بالغلط؟! احنا شركتنا عمرها ما تغلط ابدا اكيد الغلط من عندك .
رفع داوود ورقة عليها شعار الشركة وعنوانه في وجهها وهو يقول :
_ مش ده بتاع شركتكم برضو ؟! أنا بقى عايز اعرف ازاي عنواني يتحط على صندوق فيه اوردر غير اللي طلبته ؟؟ أنا كنت طالب تشكيلة خِمرة ازاي يوصلي اوردر تاني ؟؟
نظرت أفكار للورقة بيده تتعرف على خطها بسهولة لتضربها ذكرى شجارها مع محمد أثناء العمل، وفي ثواني قليلة أدركت أن الخطأ كان منها هي ........
________________________
رب صدفة خير من ألف ميعاد .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه FatmaSultan947
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الثالث 3 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الثالث من
رواية #إعلان_ممول
بقلم رحمة نبيل& فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة
_________________
صمتت وبأي عين تتحدث، فهذه الورقة بين أصابعه لا تدل سوى أنها اخطأت مجددًا وللمرة التي لا تعلم عددها، حاولت أن تدفن صدمتها خلف صراخها، لربما تتخلص من تلك المصيبة التي ألقيت على رأسها ...
_ اسمع يا استاذ احنا شركة محترمة وعمرها ما حصلت أننا بدلنا أي شحنة، أحنا هنا عندنا فريق من أكفأ الفرق في مجال الشحن.
استشاط داوود من عنادها رغم أنه يحمل دليله بين أصابعه :
_ أنا مش شغال في فريق الجودة عشان حضرتك تحكيلي انجازات الشركة، أنا بس جاي عشان اعرف الشخص المتخلف اللي عمل كده .
انفجرت افكار في وجهه حانقة من سبته تدافع بشراسة عن نفسها :
_ احترم نفسك يا بني آدم، ده أنت اللي متخلف وستين متخلف .
اقترب داوود يقف قبالتها وهي كذلك حتى أصبح الاثنان كما لو كانا في حلبة مصارعة وعلى وشك القتال :
_ وأنتِ مالك محموقة كده ليه ؟؟ يكونش المتخلف من باقي عيلتك ولا تكونيش أنتِ نفسك المتخلف ده ؟!
ازداد غضب افكار وبشدة منه :
_ اهو أنت، بعدين مش فاهمة مالك عامل الحوار ده كله عشان مجرد اوردر اتسلم بالغلط، ايه وصلك قنبلة ولا سلاح نووي عشان تعمل كل الحوارات دي ؟؟ ما كنت تيجي بهدوء وتسلم الطرد اللي وصل غلط واحنا هنعوضك .
سخر داوود وضحكته انطلقت بقوة في المكان :
_ تعوضوني؟ تعوضوني عن ايه ولا ايه ؟؟ أنا بسببكم بيتي اتخرب وسمعتي بقت في الأرض .
_ ليه كنا بعتنالك شحنة مخدرات ولا ايه ؟!
صرخ داوود بأعلى صوته حتى اجتمع جميع من بالشركة حولهم :
_ يعني غلطانة وكمان بجحة، أنتِ المفروض اساسا تعتذري وتحطي عينك في الارض بعد غلطتك دي مش تبجحي .
وما كادت افكار تذيقه من ويل لسانها حتى سمع الجميع صوتًا مهيبًا يردد :
_ فيه ايه هنا ؟! ايه الدوشة دي ؟!
استدار الجميع صوب المدير والذي رمقهم بحزم وقوة، ثم حول نظره صوب داوود الغاضب مستفسرًا :
_ خير يا استاذ بتزعق بالشكل ده ليه ؟؟
استدار له داوود بتحفز وهو يحرك الورقة في وجهه:
_ بزعق عشان بيتي اللي اتخرب على ايد موظفين الشركة دي، بقى أنا أطلب اوردر يوصلي واحد تاني؟؟ دي لو شركة فاتحة في خرابة كانت عملت شغلها احسن من كده .
نظر له المدير ثواني قبل أن يطالبه بإعطاءه الورقة، وبالفعل اخذها منه يحاول التأكد أن شركته هي من أوصلت طرده ثم قال بصوت هادئ مخيف :
_ مين اللي كان مسؤول عن الطلب ده ؟؟
وصمت طويل عم المكان والجميع بدأوا يحدقون في بعضهم البعض حتى استقرت الأنظار على أفكار التي تمنت لو تبتلعها الأرض أسفلها وهي تسمع صوت مديرها يردد بتوعد :
_ أنتِ تاني يا افكار ؟؟
فزعت أفكار وهي تردد مبررة :
_ والله يا فندم هو ...
_ بلاش مبررات كتير لاني شبعت مبررات، اتفضلي صفي حساباتك وروحي .
بُهت وجه افكار مما حصل وارتعش صوتها :
_ بس يا فندم أنا مكانش قـ
قاطعها المدير مجددًا :
_ خلصنا يا افكار غلطة زي دي ممكن تضيع سمعة الشركة .
نظر بعدها لداوود الذي كان صامتًا بصدمة مما حدث وقال :
_ لو سمحت سيب بياناتك مع الموظف اللي في الاستقبال واحنا هنحل المشكلة ونرجع لحضرتك الاوردر الصح، واتمنى تكون راضي .
أنهى حديثه منصرفًا من أمام الجميع تاركًا أنظار الشفقة تحلق فوق رأس افكار، وداوود الذي لم يظن أن يقوده غضبه وسخطه للتسبب في قطع عمل أحدهم ...
______________
_أنتِ بتتكلمي بجد يا بت أنتِ؟!.
قالت والدة "روضة" تلك الكلمات وهى تقوم بطهي الطعام وابنتها تقص لها ما حدث.
تمتمت روضة في دفاع عن ذاتها:
_يعني قليل الادب يجيبلي هدية زي دي وعايزاني أسكت يعني؟! وهو طول النهار بيدعي عليا الفضيلة؟! ويقولي نفسي تلبسيهم قدامي لما اجيلكوا ده مترباش ولا أمه العقربة دي عرفت تربيه.
عقبت والدتها في عدم تصديق:
_أنا مش مصدقة اللي بتقوليه يا بنتي.
_يا ماما هو أنا هتبلى عليه أسالي حتى سلمى ده أنا الدم جرى في عروقي وروحتله فورًا وزعقت معاه وقولتله مش عايزاك.
سألتها والدتها في عفوية:
_هو أنتِ عرفتي أبوكي اللي حصل؟!.
هزت روضة رأسها في نفي ثم قالت في لا مبالاة:
_لا لسه هقوله وبعدين بابا مش هيقول حاجة ده هيفرح أني سيبته، مكنش موافق عليه إلا علشاني ومكنش نازله من زور وفعلا طلع بابا اللي عنده حق داوود ده مش سالك.
تنهدت والدتها في ضيقٍ فهى ترى في داوود الشاب الصالح التي كان يحاول تغيير ابنتها المدللة:
-اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا بنتي..
تحدثت روضة في تردد:
_يارب، وبعدين صحيح هتعزموا عمتو وياسر امتى؟.
غمغمت والدتها في لامبالاة:
_مش عارفة زي ما أبوكي يتفق معاهم.
ثم أسترسلت حديثها في شكٍ فهى خير من يعرف ابنتها فهى نادرًا ما تهتم:
_وبعدين أنتِ مالك أصلا شاغلة بالك بالموضوع ليه؟! أنا عمرى ما شوفت واحدة خطوبتها اتفركشت قاعدة بتفكر هنعزم مين ومنعزمش مين؟!.
قالت روضة في حرج:
_مش عمتي وأبن عمتي ولازم اهتم بيهم وده واحد جاي من سفر مش بنشوفه غير كل فين وفين.
ثم قالت في صراحة مُطلقة فهي تود أن تكسب رضى الجميع عن الأمر مقدمًا قبل أن تقدم على شيء :
_بصراحة بقا أنا حاسة إني معجبة بياسر يا ماما.
صاحت والدتها في غيظٍ:
_أنا مش عارفة أنتِ هتتغيري امتى وتحترمي نفسك يعني كرفتي للراجل ولما صدقتي عمل غلطة من غير ما تفهمي ايه اللي حصل، ودلوقتي علشان الهانم حاطة أملها في حاجة تانية.
حاولت روضة اقناع والدتها متمتمة:
_محدش بيقدر يتحكم في قلبه وأنا لما شوقته حسيت في حاجة غلط وأنا شايفة أن ده أحسن ليا ولداوود مش أحسن ما نتجوز وأكون بفكر في حد تاني؟!.
_______________
صعدت جيهان قاصدة شقة إبنها الأكبر، لتجلس مع ألاء وأحفادها ولكونها تعرف جيدًا أنه في العمل الآن فرُبما تستطيع أن تتحدث معها بحرية وأن تلفت نظرها إلى بعض النقاط دون قول أي شيء صريح.
وبالفعل جلست معها ورحبت بها ألاء، فنادرًا ما تصعد جيهان إلى الأعلى فتنتظر إتيانهم حتى لا تطفل عليها في النهاية هى أمراة وتعرف رغبة كل فتاة في الاستقلال وألا تشعر في أنها تقطن في بيت عائلة.
كان الولدان يلعبان في غرفتهما بينما ألاء صنعت كوب قهوة لجيهان وجلست على الاريكة، و صغيرتها "مريم" متواجدة في أحضان جدتها.
أردفت ألاء في حرجٍ:
_أسفة والله يا ماما البيت مكركب شوية بسبب العيال وعلشان أم محمد بنتها تعبانة ومجاتش بقالها يومين.
أبتسمت لها جيهان وقالت في حكمة:
_عادي يابنتي اللي عندهم عيال دايما بيتهم مكركب ده أنا زمان داوود وحامد مكنوش بيخلوا حتة في البيت إلا ويبهدلوها حتى لو لسه مروقة تحسي أنك معملتيش حاجة، خليهم يلعبوا ويعيشوا سنهم.
بادلتها الابتسامة ثم سألتها بعد تردد قصير لصدمتها من وجودها دون سبب أو علم مسبق كما اعتادت منذ سنوات :
_هو في حاجة يا طنط؟؟
خاطبت جيهان ذاتها قائلة:-
" الله يخربيتك يا جيهان خلاص كبرتي وخرفتي والبت قفشت كل حاجة في ثواني من غير ما تفتحي بقك"
ولكنها سألتها في دهشة أجادت صُنعها:
_ليه يابنتي؟!
_أصل مش من عوايد حضرتك تطلعي دايما بتتصلي بينا تطمني علينا وتقوليلي لما تفضي أنزلي.
غمغمت جيهان في ثبات:
_عادي يا حبيبتي قولت أطلع كده وأتحرك شوية بدل القعدة اللي هتكسحني بدري وأنا في عز شبابي، وأطلع أتكلم معاكي شوية ولا انا ضيف تقيل ولا أيه؟!.
قالت الأخيرة في مشاغبة، فردت ألاء عليها في سرعة من أمرها فلا شك انها محظوظة بوالدة زوجها:
_لا طبعا يا طنط ازاي ده أنتِ نورتي والله العظيم.
_البيت منور بيكي يا حبيبتي والله، ربنا يعلم معزتك في قلبي يا آلاء وقد ايه انا بحبك زي بنتي، وأنا لو عندي بنت عمري ما هبخل عليها بنصيحة، وانا شايفة يا بنتي انك لازم تغيري من نفسك شوية.
رددت ألاء حديثها كالبغبغاء:
_أغير من نفسي شوية؟! يعني أيه؟!.
شعرت جيهان بحماقتها فهي على ما يبدو بدل من أن تصلح الأمر تقوم بافسادها:
_قصدي يعني أنا شايفاكي مهتمة بالعيال على حساب نفسك وده غلط هيجي في وقت طاقتك هتخلص يا حبيبتي وحتى هما مش هتعرفي تقدمي ليهم حاجة، فقصدي تنزلي تخرجي وتأخدي جوزك معاكِ، ولا تغيري لون شعرك، أو تروحي تعملي تنظيف بشرة وتدلعي نفسك كده تجيبللك كام حاجة جديدة، أنا اللي هقولك يعني ده أنا دقة قديمة حتى.
سألتها ألاء في وضوح فقد أحتدم غيظها على أخره واشتعل الغضب داخلها وحدسها بنبأها أن خلف حروفها تختبئ كلمات حامد :
_هو حامد اشتكى ليكِ ولا قالك حاجة؟!.
هزت جيهان رأسها نافية ثم أستطردت:
_لا يابنتي مقالش ليا حاجة أنا بنصحك كأنك بنتي بالظبط، أنا مش محتاجة حد يقولي حاجة أنا شايفة بعيني كل حاجة والمثل بيقول أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة.
ثم أسترسلت حديثها في نصح وإرشاد لعلها تستمتع لها:
_يعني لو تخلي العيال تبات معايا النهاردة...
رفعت ألاء حاجبيها وقالت في عدم فهم مقاطعة أياها:
_تبات عندك ليه يا طنط؟!.
قالت جيهان في توضيح:
_يعني اخدهم تريحي بالك منهم شوية وتعملي عشا حلو لجوزك وتتصلي بيه تخليه يجي بدري هتبقوا لوحدكم، تاخدي دش حلو كده وتلبسي حاجة حلوة وتستنيه وتتكلمي معاه وتحاولي تقربي منه بدل ما أنتم كل شوية في شد مع بعض كده، أنتم لسه صغيرين يا حبيبتي يعني لازم تتمتعي بحياتك مش يومك كله يكون للولاد.
ابتلعت ريقها وأسترسلت حديثها:
_زي ما ولادك ليهم حق عليكي انهم يشوفوا أم كويسة مهتمة بيهم وبتراعيهم، جوزك كمان عليه ليكي حق ونفسك ليها حق، لازم تتمتعي بشبابك مع جوزك كده، أنتِ حصرتي نفسك في الدايرة دي بدري أوي يابنتي.
_يا طنط أنا بعمل اللي عليا بس......
قاطعتها جيهان في تفسير:
_اللي عليكِ مش أنك تكوني أم كويسة وبس فيه راجل في حياتك محتاجة تشوفي طلباته وتهتمي بيه، وبعدين الست مبتحسش أنها ست غير لما تشغل عقل وقلب جوزها، اعتبريه ابنك الرابع يا ألاء وكل اسبوع كده اخرجي معاه يوم وسيبي العيال عندي أو عند أمك، ويعني مشي الدنيا، الرجالة هبلة وبيضحك عليها بسهولة.
عقبت ألاء على حديثها في احترام رغم أنها تتوعد له فعلى ما يبدو أنه يخبر عائلته بأي شجار يدور بينهما، لن ترحمه:
_عندك حق يا ماما خلي العيال يباتوا عندك النهاردة.
____________
وعلى نفس الأريكة وبنفس الوضع كانت افكار تنتحب وتندب حظها العثر الذي يعيق كل شيء في حياتها، تضرب فخذيها باكية بحسرة على وظيفة كانت تدر عليها مالًا يكفيها شر السؤال .
_ أه يا مرارك يا أفكار ياللي عمر ما حاجة كملت ليكِ على خير يا افكار .
بكت وهي تجذب بعض المناديل تجفف وجهها بتعب :
_ يعني يارب خطوبة وشغل في اسبوع واحد، حظ ايه المنيل ده ياربي ؟!
خرجت والدتها في ذلك الوقت لتراها تبكي وتندب كعادتها، زفرت بحنق تتحرك بصعوبة صوبها ثم وحينما استقرت على الأريكة قالت :
_ خير يا افكار على ايه الندب المرة دي؟؟ المعفن فسخ خطوبته منك تاني ولا ايه ؟؟
نظرت افكار لوالدتها من بين دموعها تردد بوجع :
_ انطردت من الشركة ياما، شوفتي حظ بنتك اللي زي وشها؟! أنا عارفة إن مش مكتوبلي افرح .
_ يابنتي كفاية ندب بقى، هعيش آخر ايامي في حزن وقهر، ده انا كل يوم اصحى على عياطك وندبك.
نظرت لها افكار بحنق وقد سائها أن تقلل والدتها من أحزانها :
_ كده ياما ؟؟ ده بدل ما تاخديني في حضنك وتقوليلي ولا يهمك يا افكار؟! بكرة ربنا يعوضك يا افكار ؟!
لوت سكر شفتيها :
_ شوفي كل ده عشان مش راضية عنك، ما أنتِ لو كنتِ جبتيلي الراديو اللي نفسي فيه، كان ربنا باركلك ومحصلش اي حاجة من ده .
رفعت افكار عينها لها وهي تردد بسخط :
_ يعني كل اللي بيحصل في حياتي ده بسبب راديو ؟! فسخت خطوبتي وانطردت من وظيفتي عشان راديو يا ما ؟؟ امال لو كان تلفزيون كان اتخسف بيا الأرض ؟
تنهدت سكر وهي تقول وقد أثار مظهر ابنتها حزنها :
_ لا ياضنايا اكيد مش بسبب الراديو بس، ده تلاقيه عمل يا حبيبتي، عمل عملاه واحدة من نسوان الحتة الشوم دي وهو اللي موقف حالك بالشكل ده .
والصوت الساخر الذي خرج من حنجرة أفكار كان أبلغ رد على ادعاء والدتها والتي تخبرها أن حياتها البائسة قد أثارت حقد أحدهم لدرجة لعنها بعملٍ ما ...
_ عمل ؟! وده على ايه يا ما ؟؟ على الفلوس اللي مش عارفين نحطها فين ؟؟ ولا على طابور العرسان اللي واقف على الباب مستني إشارة مني، ولا يكونش على شعري الاصفر وعيوني الزرقة ؟!
نظرت لها سكر ثواني قبل أن تقول باقتناع :
_ يابت افهمي ما هو العمل ده هو اللي معطل كل الحاجات دي ؟!
ضحكت افكار تمسح دموعها :
_ معطل ايه ؟؟ ياما أنا حياتي اساسا خربانة بدون اعمال، اساسا العمل لو دخل حياتي مش هيلاقي حاجة يخربها فيها .
نهضت والدتها ببطء شديد جراء عمرها تردد بحنق وتهكم :
_ أنتِ حرة أنا قولتلك اللي فيها صدقتي أو لا مش مشكلتي .
_ مش مشكلتك يا ولية يا مفترية؟! ده انا بنتك ضناكي اللي جبتيها على آخر العمر عشان تبهدليها.
أنهت حديثها وهي تعتدل في جلستها تستغفر ربها محاولة التفكير في حل لكل تلك المشاكل التي سقطت على رأسها مرة واحدة، وفجأة تذكرت ذلك الرجل الذي جاء لعملها وتسبب في طردها :
_ اقول عليك ايه يا بعيد ...روح الله يسامحك.
_______________
يجلس حزينًا في متجره، قامت روضة بحظره من جميع حساباتها على مواقع التواصل الإجتماعي لا يجد أي شيء قد يمكنه من التواصل معها، ولا يدري لِم هناك شيء بداخله لم يدفعه للذهاب إلى بيت والدتها والتبرير لها، بل ما يجعله يشعر بالدهشة من ذاته ان تلك الفتاة الحمقاء عالقة في ذهنه، يشعر بالذنب الشديد تجاهها، فالنهاية هو تسبب بأنها فقدت عملها وضميره يؤنبه من وقت عودته، فهو يُدرك جيدًا أن فتاة في هيئتها وتتحمل ذلك العمل بالتأكيد هى شخص لا يعمل رفاهية ولديه التزامات.
أتصل بصديقه سيف وأخبره بأن يأتي له فهو يشعر بالضيق الشديد حتى أنه يغلق على ذاته باب المتجر حتى لا يلج أي أحد له فهو ليس بحالة تسمح له بمقابلة أحد، بعد ساعة من إتصاله بصديقه كان أتى له.
وأخذ يقص له خيباته واستمع صديقه جيدًا فهو مستمع جيد له، وعقب سيف حينما أنتهى صديقه نهائيًا من حديثه:
_أتكلم ولا هتلوي بوزك؟!.
قال داوود في استسلام:
_أتكلم.
أردف سيف في عفوية وصراحة شديدة:
_روضة واضح اوي أنها كانت بتتلكك ليك يا داوود، مفيش واحدة بتحب واحد هتعمل مشكلة على حاجة تافهة زي دي خصوصا أنها عارفة ومتأكدة أنك استحالة تعمل حاجة زي دي، وكان لازم تسمعك، لكنها زي ما صدقت، علشان كده يا صاحبي فكك منها وخلاص بقى هي مش نصيبك.
أبتسم داوود في ضيقٍ على ما يبدو أن الجميع كان يشعر بأنها لا تناسبه عداه هو الذي لم يشعر بذلك، أي مغفل كان؟!.
_مهوا أنا مش مضايق علشان روضة بس البت اللي روحت ليهم شركة الشحن بعد ما أصريت على الصفحة تديني أسمعها المدير مشاها وأنا حاسس بالذنب الله اعلم بنت زيها بتشتغل شغلانة زي دي محتاجة ازاي، بس أنا كنت رايح متعصب أوي والراجل لما صدق باين، بجد مخنوق أوي وحاسس إني اتسرعت.
استطرد سيف في تهكم من صديقه :
_ياعم فكك بقى هو أنتَ مخلوق علشان تحس بالذنب وبس؟؟
_لا أنا شايف أنه لازم أروح وأتكلم مع الراجل يمكن أكون سبب في أنها ترجع.
أردف سيف في اعتراض:
_أنا شايف أنك مكبر الموضوع وبعدين ما البت فعلا غلطانة.
_هروح أجرب لأخر مرة احتياطي برضو.
بعد مرور ساعة ونص، كان داوود يجلس في مقر شركة الشحن مع صاحبها ليخبره بأن تلك الفتاة جديدة وأنه لم يكن الشخص الوحيد التي قامت بتبديل صندوقه، وأنها تلحق الخسارة بالعمل ولابد أن يتم فصلها وحدث ما كان صحيحًا.
خرج داوود ليجد صديقه يقف مستندًا على السيارة فقال:
_اهو الحمدلله طلعت خاربة حاجات كتير مش أنا السبب بس كده الواحد يقدر ميحسش بعذاب الضمير وأنام وأنا مستريح.
______________
كانت تجلس في بهو منزلها تترقب وصوله وهي تجلس على جمر، كلمات والدته تتكرر في أذنها لتثير شياطينها، ذلك الرجل الذي لا يعلم للرجولة طريق يذهب ويبكي لوالدته كطفلٍ، ويشتكيها لديها، لتأتي والدته تطالبها بترك الاطفال لديها مشفقة عليها ...
فجأة انتفضت على صوت غلق الباب وظهور وجه زوجها في مرمى بصرها لتندفع صوبه كالبركان الثائر بعد سنوات من الخمول :
_ واخيرًا شرفت يا استاذ ؟!
تعجب حامد من ملامحها المتحفزة الغاضبة، وتعجب أكثر من بقائها حتى هذا الوقت مستيقظة وهي التي تتحين الفرص للهروب منه، هل ...هل علمت بأمر زواجه؟!
نظر لها قليلاً قبل أن يقول :
_ اهلا يا آلاء، غريبة يعني لسه صاحية .
كان يتحدث وهو يتحرك بعيدًا عنها صوب المطبخ للحصول على كوبٍ من الماء يروي عطشه ويساعد في ترطيب حلقه الذي جف خوفًا من معرفتها والوقوف في وجهه .
_ أنت ايه يا اخي ؟؟ جبل مش بتحس ؟؟ يعني فوق ما أنا تعبانة معاك ومع عيالك ومستحملة وساكتة تعمل عملتك دي ؟!
استدار لها حامد وقد شحب وجهه يخمن ما حدث لتصل لتلك المرحلة من الغضب لا بد أن والدته أخبرتها بأمر زواجه :
_ هي امي كلمتك ؟؟
ابتسمت آلاء ساخرة :
_ طب كويس إن أنت عارف اللي حصل وفرت عليا كتير .
تسرع حامد وهو يقول محاولًا التماسك :
_ الموضوع ده يخصني لوحدي و...
هنا وانفجرت الاء في وجهه بعدما نفذت قدرتها على التحمل، يقف أمامها ويتبجح أنه يذهب ويشتكي لوالدته منها، لتبدو في نظر الجميع سيدة لا قلب لها ولا تستطيع إدارة منزلها :
_ لا يا حامد ...لا مش يخصك لوحدك، لما تروح تشتكي لامك زي العيل الصغير أن مراتك مش واخدة بالها منك يبقى مش يخصك لوحدك .
_ اشتكي لامي منك ؟؟
كانت تلك الكلمات المتعجبة صادرة من حامد والذي لا يفهم ما تقصده تلك المرأة، هل أخطأ الفهم وهي الآن لاتشاجره لأمر زواجه !؟
_ أنتِ بتتكلمي في ايه بالضبط ؟!
تخصرت حانقة وهي تحاول كبت سبة كادت تخرج منها لادعاءه الجهل :
_ والله ايه؟ يعني مش عارف بتكلم في ايه يا خويا ؟؟ بتكلم في امك اللي جاية تقولي اسيب العيال عندها واهتم بيك شوية، وبتبصلي كأني عاملة جريمة، وكل ده عشان ايه ؟؟ عشان بهتم بعيالي زي اي ام ؟؟ ارميهم يعني عشان ترتاحوا ؟!
استفزت حامد بدفاعها عن نفسها وتبرير ما تفعل وكأنه هو الصحيح، تتحدث وكأن مهمتها في الحياة تلخصت بالكامل في تربية الأطفال، ماذا عنه ؟! الا حق له أن ينال اهتمامًا منها كما تفعل مع أطفاله ؟! هل تزوج بمربية ؟!
ثار في وجهها وقد انفلت غضبه :
_ لا يا هانم مش بقولك ترميهم، بس على الاقل تفتكري أنك زوجة كمان مش بس ام، تقدري تقوليلي آخر مرة لبستي لبس زي باقي الستات كان امتى ؟! ولا اخر مرة رجعت لقيتك مستنياني كان امتى؟!
صرخ بأعلى صوت لديه وقد برزت عروقه :
_ آخر مرة حسستيني فيها اني مهم عندك كانت امتى يا آلاء ؟؟ أنا حاسس اني عايش مع خدامة كل همها المسيح والطبيخ والعيال، مش شايفة غير نفسها وعيالها وانا مليش مكان بينكم واولع.
صُدمت آلاء من صراخه واتهامه لها، لِم لا يفهم أنها تفعل كل ذلك لأجل اولادها شأنها كشأن أي امرأة أخرى، تعوضهم غيابه وتحنو عليهم بعدما نبذهم والدهم الغير مسؤول :
_ أنت واحد اناني مش شايف غير نفسك، مش شايف عيالك ولا تعرف عنهم حاجة، كل همك نفسك وبس، لا بتقعد مع عيالك ولا بتحن عليهم زي أي اب، ده أنت حتى يا اخي متعرفش هما في سنة كام، وفي الآخر جاي تلومني اني بحاول اعوضهم عن غيابك ؟!
مسح حامد وجهه وقد فاض به الكيل، تقف أمامه وتتبجح أن ما تفعله هو الصحيح وأنه هو الاناني بعد كل شيء :
_ عندك حق يا آلاء أنا فعلا اناني ومش شايف غير نفسي، وعشان اديكي فرصتك تأدي دورك كأم على أكمل وجه، أنا برفع عنك مسؤوليتك كزوجة ده لو كنتِ بتعملي المسؤولية دي اساسا، وهديها لغيرك .
صمتت الاء تحاول تبين ما يقصد من حديثه ذاك، اقتربت منه خطوات صغيرة علها لم تسمع ما قال :
_ تديها لغيري يعني ايه ؟!
_ يعني اللي فهمتيه يا آلاء، أنا هتجوز تاني، وقريب اوي .
شحب وجه الاء من اللامبالاة التي يتحدث بها ورددت بخوفت وكأنها إن تحدثت بصوت عالي سيتحقق حديثها :
_ تتجوز عليا ؟! عشان بس بهتم بالعيال ؟!
ارتفع صوتها تدريجيًا حتى بدأت بالصراخ:
_ تتجوز عليا بعد كل السنين دي يا حامد ؟؟ بعد ما ضحيت بمستقبلي عشان اربيلك عيالك ؟!
_ دلوقتي بقوا عيالي ؟! واه يا آلاء هتجوز عليكِ عشان العيشة معاكِ مبقتش تنطاق.
هزت آلاء رأسها وهي تتحرك كالمجنونة أمامه، ثم رفعت نظرها له تردد بجدية :
_ تمام يا حامد، تمام يا عريس، مبارك عليك وياريت تكون فهمت عروستك أنها هتدخل على ضرة وهتربي عيالك .
انكمشت ملامح حامد بتساؤل :
_ تربي عيالي ؟!
ابتسمت ألاء بحقد وقد احترق وانكوي قلبها على تلك السنين التي تخلت فيها عن نفسها لأجله ولأجل اطفالهم وفي المقابل يتركها هو ترثي نفسها وحياتها ليتنعم بحياته مع أخرى غير آبهًا بها أو بمشاعرها :
_ مش أنت دايما مش حابب تضيع مستقبلك مع واحدة زيي؟؟ وانا كمان يا حامد مش هدفن نفسي هنا كزوجة تانية ومربية لعيالك، شيل شيلتك يا عريس وابقى وريني هتعرف تعيش ازاي من غيري ؟!
أنهت حديثها وهي تبتعد عنه ليلحق بها يمسكها من ذراعها بقوة وعينه تركزت في خاصتها :
_ قصدك ايه يا آلاء ؟؟
ابتسمت آلاء بحسرة وقهر تلقي في وجهه قرار نتج عن قهرها وحسرتها مقابل قرارٍ منه نتج عن غضبه وملله، وتناسى الاثنان أن هناك بين حسرتها وغضبه فجوة ابتلعت اطفالًا لا ذنب لهم :
_ قصدي اني هسيبلك البيت والعيال وابقي وريني هتشيلهم ازاي يا سيد الرجالة، واه متنساش تبعتلي ورقتي على بيت ابويا، طلقني يا حامد .........
_________________________
هو قرار تتخذه في لحظات، وتعاني نتائجه المتبقي من حياتك ..
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه FatmaSultan947
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الرابع 4 - بقلم رحمة نبيل
طبعًا التفاعل في الأرض وحقيقي شيء مخيب للآمال، فـأقل تقدير يا جماعة تعلقوا برأيكم وتضغطوا فوت، لأن حقيقي الموضوع مش لطيف .
الفصل الرابع من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل &فاطمة طه سلطان
______________
ثلاثة أشهر ...ثلاثة أشهر وهي تعاني من هذا العذاب فقط لأنها أنجبت صبيًا لا يستطيع التفكير بشكل سليم، أياليتها ابتاعت خروفًا وقامت بتربيته، ثم استفادت بلحمه فيما بعد، ليتها وليتها، امنيات كثيرة كانت تدور في عقل جيهان في هذه اللحظة، لكن الأمنية الاثمن والتي كانت تتمناها بكل كيانها هي أن تتوقف تلك الضوضاء دقائق، دقائق قليلة فقط تتنفس فيها براحة.
فجأة شعرت جيهان بكرة تُقذف في وجهها ومن ثم صوت حفيدها الأكبر يردد ببسمة بلهاء تشبه ولدها :
_ آسف يا تيتة، جات بالغلط .
أمسكت جيهان الكرة بين أناملها تشعر بكامل غضبها يتصاعد منهم وهي تصرخ :
_ والله انا اللي جيت على العيلة دي بالغلط، يارب صبرني يارب، أنا مبقتش قادرة خلاص هطق يا ناس، هطق يا عالم .
سحب منها الصبي الكرة وركض بعيدًا دون أن يهتم بصراخ جدته، فهذه حالتها منذ تولت هي رعايتهم قبل ثلاثة أشهر حينما تركتهم والدتهم وكذلك تخلى عنهم والدهم ..
نهضت جيهان من مكانها وقد شُحنت بطاقة غضب مهولة وهي تصرخ مع نفسها :
_ ما أنا لو كنت ربيت ابوكم مكانش سابكم كده، انما اقول ايه، واطي مترباش، رايح يرميكم عشان الست هانم اللي اتجوزها، وقال ايه ذنبها ايه تربي عيال واحدة تانية، ذنبها أنها اتجوزت نطع زيه .
أنهت حديثها تقف أمام التلفاز بعدما استطاعت الهروب منهم، وها هي لحظتها المفضلة، سوف تسترخي أمام التلفاز وتشاهد " الشيف الشربيني " وتدون المزيد والمزيد من الوصفات، لكن مهلا اين هو جهاز التحكم ؟؟
_ اه يا شوية شياطين ...فين الريموت ؟؟؟
خرجت من الغرفة تصرخ :
_ أنت يا ولد أنت وهو فين الريموت عايزة اتفرج على البرنامج .
تحدث أحدهم وهو يقفز على الأريكة أمامه وقال ببسمة واسعة وكأنه قام بإنجازٍ ما :
_ معرفش أنا شوفته مكسور جنب الباسكت بتاعة الزبالة .
شهقت جيهان بصدمة وهي تركض صوب سلة المهملات لترى الجهاز التحكم محطم أشلاء، ارتفعت صرخاتها :
_ اه يا ولاد الـ...، بس خلاص لغاية هنا وخلاص، أنا هشوفلكم صرفة أنا معتش قدكم، لغاية التلفزيون وجبتم الناهية.
وبالفعل أمسكت هاتفها لتحادث حامد وبعد رنات عديدة، لم تصل لشيء منه أبعدت الهاتف بتذمر :
_ طبعا تلاقيه غرقان في العسل وسايبني أنا هنا غرقانة في الطين، بس ماشي يا حامد يا بن بطني أما المحك بس .
ومن ثم لم تجد أمامها سواه هو، منقذها من كل الأزمات....
كان داوود يجلس في مكتبه رفقة صديقه يتحدثان في أمور عديدة ومختلفة حتى على رنين هاتفه، أجاب بعد ثواني وهو يقول :
_ السلام عليكم.
وفجأة سمع صرخات والدته تكاد تفجر سماعة هاتفه وهو يبعده عنه قليلًا يغمض عينيه :
_ يا امي اهدي طيب، وقوليلي أنا اعمل ايه؟؟ كلمي ابوهم وهو يتصرف .
صمت قليلًا يستمع حديث والدته ليصرخ بفزع :
_ طب وانا مالي، تغضبي عليا أنا ليه ؟؟ هما عيالي ؟؟ ما تشوفي حامد اللي جابهم ونسيهم.
نفخ بتعب :
_ لا يا امي مش بعصيكِ طبعًا، بس انا ذنبي ايه اشيل شيلة حامد، طب اهدي بس وقوليلي عايزاني اعمل ايه ؟!
_ تشوفلك صرفة معاهم أو مع اخوك، اعمل اي حاجة المهم ارجع اشوف الشيف الشربيني في سلام زي الاول .
رفع داوود حاجبه بتعجب ومن ثم استدار في جلسته وهو يولي ظهره لرفيقه :
_ مش فاهم يا امي ايه علاقة كل ده بالشيف الشربيني، ما تتفرجي عليه براحتك ولا الاولاد محرجين عليكِ ما تشوفيهوش ولا ايه ؟!
_ الأساتذة ولاد اخوك اللي جايين يفسدوا عليا آخر ايامي، كسروا الريموت ومش عارفة اغير من قناة الكرتون .
ابتسم داوود على والدته وقال ببساطة وكأنه وجد حلًا لكل ذلك :
_ طب حاضر هجبلك ريموت جديد مبسوطة كده ؟؟
وفجأة انتفض على صرخات والدته التي طفح كيلها :
_ هو أنت فاكرني واحدة من عيال اخوك هتراضيني بشكولاتة ؟! أنا عايزة حل جذري يا داوود، يا تشوف دادة ليهم، يا تشوفلي أنا دار مسنين وارتاح .
_ يا امي حسك معانا في البيت، منقدرش طبعا، طيب طيب اقفلي وانا هشوف الحوار ده .
اغلق داوود هاتفه وهو يلقي بجسده مرة أخرى على مقعده تحت أعين سيف الذي كان قد علم مشكلته تقريبًا :
_ ايه عيال اخوك تاني ؟!
نفخ داوود بسأم وقد كدر هذا الأمر أيامه منذ ثلاثة أشهر، لا يدري هل يعتني بهم ليعوضهم طيش والديهم، أم يراضي والدته التي تعاني معهم أثناء عمله، ام يهتم لنفسه التي ضاعت بين هذا وذاك ؟!
_ تعبت يا سيف ومش عارف اعمل ايه ؟؟ مش عارف اجيبها منين ولا منين، وبدأت أفكر فعلا في حوار الدادة دي وهكلم أي مكان متخصص في الحاجات دي يبعتلي واحدة .
تفهم سيف ما يمر به صديقه لذلك ربت عليه بمؤازرة :
_ أنا فاهمك يا داوود، لكن نصيحة من واحد شاف مرمطة أخته على الدادات، بلاش تروح أي مكان من الأماكن دي لأنه هتفضل تبدل في الستات اكتر ما بتبدل شرباتك .
نظر له داوود بعدم فهم ليوضح له صديقه أكثر :
_ يعني أنت عارف أن مريم عشان شغلها بتحتاج حد يقعد بالاولاد فبدأت تروح مكاتب خاصة بالبيبي سيتر وهكذا وكان كل مرة يبعتوا واحدة يطلع فيها عيب وتمشي وهكذا، لغاية ما مريم راحت لواحد بتاع اعلانات ممولة على الفيس والسوشيال عملها اعلان محترم، حطت كل شروطها اللي مناسبة ليها ونزلته وبس يا سيدي جالها واحدة مناسبة أخيرا .
نظر له داوود وقال كأنه يحدث نفسه :
_ يعني اعمل اعلان ممول ؟!
هز صديقه رأسه يشجعه على الأمر :
_ بالضبط، اعمل اعلان وتوكل على الله ...
____________
ولج إلى شقة الزوجية فهو تزوج أمنية منذ شهرين تقريبًا، فقام بتأجير تلك الشقة من أجل أن تكن شقة الزوجية فهي رفضت رفضًا تامًا بأن يسكنا في بيت العائلة، كونها لن تستطيع أخذ راحتها وكونها تدرك جبدًا بأن بقاءه بجانب أولاده طوال اليوم شيء سيشغله ولن يجعلها تشعر بأنها عروس جديدة يجب أن تتمتع مع زوجها في حرية، هي لا تمنعه اولاد لكن حقها أن تقضي أول أيام زواجها في سعادة كأي فتاة، خاصة أن تلك هي زيجتها الاولى ...
كان الشقة معطرة كالعادة الأضواء خافتة ورومانسية على حد وصف زوجته، فهي تهتم الاهتمام الذي يشعره برجولته وكيانه، ومع ذلك عودته إلى المنزل تلك تجعله يشعر بالكثير من المشاعر المتناقضة، فهو على الرغم من سعادته وشعوره بأن جميع احتياجاته تلبيها زوجته من أكبر شيء لأصغر شيء ولكن دخول المنزل دون سماع صوت أولادته شيء يؤلم جزء من قلبه، حنى رائحة طعام زوجته ألاء يفتقدها دون إرادة منه .
خرجت بسمة من الغرفة تبتسم ابتسامة أنثوية رائعة ترتدي فستانًا من الحرير يخطف الأنظار وأقتربت صوبه قائلة في عفوية:
-أنتَ جيت يا حامد؟!.
هز حامد رأسه في هدوء وبادلها الابتسام فأقتربت منه وحاوطت عنقه متمتمة:
_ايه اللي أخرك كده؟!.
أحابها في نبرة خافتة وهو يحاوط خصرها بحنان :
_كنت عند ماما بشوفها وبشوف العيال، أصلها طول اليوم بتشكتي منهم بس الحمدلله سمعت أن داوود هيتصرف وهيجيب حد يقعد معاهم.
_حلو جدًا علشان طنط ترتاح شوية.
ثم غمغمت في دلال:
_بس متتاخرش عليا تاني علشان بقعد زهقانه من غيرك وبحسب وقت شغلك بالعافية عقبال ما يخلص وبعد الدقايق مبقدرش أقعد من غيرك.
أبتسم لها في هدوء وثقة، رُبما حديثها يبدو تافهًا لبعض الناس، أو غير مهمًا ولكنه يعزز نقطة لديه ويقوي غرورة بشكل كبير تحديدًا بأنه كان شخص يعاني من فقده لتلك الكلمات، ولكنه عاتبها:
_مهو لو كنا في البيت هناك مكنتش أتأخرت عليكي ولا حسيتي بحاجة، بصراحة بقا أنا لسه مش واخد على القعاد هنا.
_بكرة تأخد عليه يا قلبي.
رفع حاجبيه قائلا:
_بكرة هاخد عليه؟! مش كنا أتفقنا أننا هنا مؤقتًا علشان في الاول بس.
هزت رأسها في تأكيد:
_أيوة طبعا علشان بس أحس أني عروسة وبعدين هنقعد هناك مع طنط.
_____________
صرخت للمرة التي لا تعرف عددها، فكلما اخرجت قطع الدجاج المقلية من الزيت يأتي الصغار ويأخذوا منها ولم يتركوا "المحشي" حتى ...
وأخرهم كان شقيق العروس الأصغر مما جعلها تمسك يده قائلة في عنفٍ:
_أنتَ مين يا ولا؟!! مش أنتَ أخو العروسة؟!.
رد عليها الصبي الذي يبلغ من العمر عشرة سنوات في نبرة عالية وصوتٍ مرتفعة :
_أيوة أنا، عايزة أيه يا ست أنتِ؟!.
ست؟! أنا ست؟!!! هكون عايزة أيه يا ابن...
كادت أن تخرج الكلمات البذيئة من لسانها ولكنها تحاملت قائلة وهى تكز على أسنانها:
_يا ابن الناس الكويسة، ناديلي أمك يالا، وبقولك ايه لو لمحتك بتيجي تمد إيدك على الفراخ أو اي حد من العيال اللي برا جه ياخدله صباع محشي أو كفتة أنا هعقلك على باب القهوة اللي على الناصية لا ميغركوش الإيشارب اللي أنا ربطاه على رأسي ده أنا عربجية يالا، فاهم!؟!.
بالفعل شعر الطفل بالخوف قليلًا وقرأت ذلك في عيناه فغمغمت في شجاعة أكثر حينما رأت تأثيرها عليه:
_حلو شكلك فاهم يلا ناديلي أمك أجري.
ركض الطفل في سرعة من أمره وأختفى في ثواني، وأستكملت أفكار صُنع الطعام فبجانب عملها الأساسي التي تركته منذ عده أشهر كانت تقوم بصنع الطعام في الأفراح وتقوم بعمل بعض المشغولات اليدوية وبيعها على مواقع التواصل الاجتماعي، وحاولت أن تكثف أوقاتها في تلك الهوايات التي كانت يومًا عمل إضافي حتى تحصل على عمل دائم فلا تستطيع الاعتماد كليًا على تلك الأشياء...
وأتت والده العروس "أم عبدالله" قائلة:
_في أيه يا أفكار، مالك بتشخطي في العيال كده ليه؟!.
تحدثت أفكار في ضيقٍ:
_مهوا مش معقول يا أم عبدالله كل ما أعمل حاجة يجي يأكلوها وبيأكلوا كمان من الإطباق اللي اتظبطت.
_ياستي ما شاء الله ما تسيبي العيال تأكل.
غمغمت أفكار ساخرة فهى أكثر شخص يغضب من شقاوة الصغار:
_أم عبدالله انا بحب اشتغل في رواقة ومبحبش الوش ولا التنطيط، ولا بحب محايلة العيال، خليهم يركنوا في اي جنب علشان نخلص كده مش هتلاقي حاجة ياكلوها ضيوفك في الحنة، وبعدين دول مش عيال دول شياطين.
عقبت أم عبدالله على حديثها بعد ضحمة مائعة خرجت منها:
_ياختي ده الأطفال أحباب الله بكرة ربنا يديكي.
غمغمت أفكار في ثبات:
_المهم بس متخليش حد يدخل وحضري الحساب أنا ساعة وهمشي.
قالت أم عبدالله في عتاب:
_اخس عليكي يا أفكار أنتِ دايما حماقية وحامية في الفلوس كده، ده أحنا حتى ولاد حتة واحدة مش كفايا مرضتيش تعملي ليا أي واجب.
_أنا عاملة معاكي أحلى واجب.
-فين الواجب ده وأنتِ واخده أزيد من فرح البت شيماء؟!
أستطردت أفكار ساخرة:
_يا أم عبدالله ده فرح شيماء كان من أربع سنين الحاجة غليت وولعت، وبعدين أنتِ بس لو تخفي عيال مكنش ده بقى حالك.
ضحكت أم عبدالله البالغة من العمر خمسة وأربعون عامًا:
_أخف أيه؟! ده أنا ناوية بعد فرح البت سوسن، أسمع كلام أبو عبدالله وأجيب السادس، البيت بيفضى عليا يا أفكار.
_ ربنا يعين ابو عبدالله عليكم ويعرف يأكلكم
قالت أم عبدالله في مرحٍ:
_ أيوة يا ختي ادعيله ربنا يرزقه، يلا هروح أشوف المعازيم عقبال ما تكوني خلصتي.
عقبت أفكار في تهكم :
_ هيرزقه بس أنتم خفوا شوية لاحسن وزارة التموين شوية وهتشيل المواطن نفسه من البطاقة بسبب أنتِ وجوزك وعيالك والأزمة اللي عملتوها .
أمسكت هاتفها وهى مستمرة بقلي الدجاج وأخذت تبحث فمنذ أن أصبحت تبحث عن فرص عمل بات يأتي لها كثير من الإعلانات الممولة، وترسل لهم ولكن في الغالب لا يقبل بها أحد بسبب حصولها على الشهادة الاعدادية فقط، ورُبما هذا ما جعل صاحب شركة الشحن يستغنى عنها بسهولة على الرغم من كفائتها في العمل.
أستوقفها إعلان عن شخص يريد جليسة لثلاثة أطفال أخذت تقرأ الإعلان في سعادة فهي تعلم من العنوان بأنها ليست مهنة بالصعبة عليها، بالتأكيد لن يطلبوا منها شهادات جامعية وغيرها، وقرأت الشروط أولها
"الثبات الانفعالي واللباقة في الحديث والقدرة علي التعامل مع الأطفال" وبجانبها يذكر أعمارهم:
_سبحان الله كأنه بيحكي عني، ده مفيش أكثر من الثبات الانفعالي عندي، ده الأطفال دول أحباب الله يا شيخ.
قرأت الشرط الثاني "تجيد اللغة الإنجليزية" مما جعلها تعقب ساخرة:
_ انجليزي ليه هما بيحضروا الدكتوراه ده عيال اكبر واحد فيهم مجابش عشر سنين، وبعدين it's easy يعني اللي بعده وربنا ما أنا عاتقة الشغلانة دي.
الشرط الثالث والأخير هو عدد الساعات التي تعتبر اليوم بأكمله من عودتهما من المدرسة حتي نومهما مما جعلها تعقب:
_انا لاجئة للشغلانة دي....توكلنا على الله .
وبالفعل بدأت ترسل لصاحب الإعلان أكثر من عشر رسائل وكلما تنظر وتجده لم يجيب عليها ترسل له رسالة اخرى، حتى لا يختار أحد غيرها، فهي في أشد الحاجة لهذا العمل....
_____________
طلقها، تألم قلبها لا يتحمل فراقه عنها وكونها تعرف جيدًا بأنه تزوج وبين أحضان أخرى، وهناك أمراة غيرها في حياته شيء كلما تفكر به يجن جنونها وللأسف الشديد لا تستطيع الاعتراف بذلك أمام أحد، بل تظل تخبر الجميع بأنها لم تشتق له وكل ما يهمها هو أولادها فقط الذين تذهب لزيارتهما مرتين في الأسبوع فقط بأمر من أبيها فلو عليها لتذهب لهما وتقضي معهما اليوم بأكمله ولكنه يرفض ذلك فهي اتخذت قرار ويجب أن تنفذه لا مجال للعواطف ويجب عليه بأن يتحمل مسؤولية صغاره مثلما تحدى الجميع وأستكمل في زيجته الثانية وطلقها تحت ضغط منها..
لم تقبل بأن تبقى على ذمته بينما هناك أمراة أخرى تدخل حياته...
اليوم جاء والدها من العمل وبعد تناولهما العشاء وصنعت لوالدها كوب الشاي ثم جلست معه ومع ووالدتها بدأ هو الحديث قائلا:
_النهاردة كنت عند محمد صاحبي وعرفت أن بنته لسه شغاله في شركة وعايزين ناس كتير لأن الشركة لسه جديدة وأنا شايف أن تروحي يا ألاء وتشوفي الدنيا مش معقول هتفضلي حابسة نفسك كده في البيت بقالك شهور على الحال ده لازم تشوفي حالك وشغلك.
شعرت ألاء بالتوتر، لا ترى ذاتها أمراة عاملة أبدًا، فحتى دراستها أخذت الجامعة بصعوبة بتقدير مقبول بعد أن تزوجت، حياتها كانت نزرتها لذاتها طوال الوقت بأنها أم وزوجة وكانت مرتبة الأمومة عندها أهم من أي شيء وترى أنها خُلقت لتعطي أولادها وقتها بأكمله.
لم تعطيها والدتها فرصة للحديث بل عقبت ساخرة:
_خليك أنتَ ورا البت كده لغايت ما هتوديها في داهية بنصايحك دي.
تحدث طلعت وهو يدافع عن نفسه تحت نظرات ألاء التي تراقبهما:
_مالها نصايحي يعني يا فوزية؟! مش لازم البت تشوف حالها بقا هتفضل قاعدة تندب في حظها لازم يكون ليها كيان وحاجة تصحى كل يوم تعملها ويكون ليها حياة دي كانت حابسة نفسها في البيت معاه ومع العيال وياريته قدر ده.
تمتمت فوزية في ضيقٍ:
-بنتك اللي غلطانة لما الراجل يشحت منها الأهتمام وهي متعبرهوش منتظر ايه؛ وياريتها وقفت على كده وبس صممت على الطلاق كان ممكن يكون في مفاوضات لكن أنتَ وبنتك أتهورتوا وكمان سايبة العيال مع ست كبيرة مبتقدرش تقوم تجيب كوباية مياة لنفسها هترعي عيال في السن ده ازاي.
أجاب طلعت في هدوء:
_بنتي أتجوزته لوحدها يبقى تطلع من الجوازة لوحدها وتشوف حياتها مين هيتجوز واحدة معاها عيال ؟؟
تحدثت ألاء في كبرياء زيّن لها حديث والدها وجمله أفعال حامد معها :
_بابا عنده حق وأنا مغلطتش يا ماما، ما أنا معايا مريم كمان، هعملهم ايه تاني؟!! زي ما هو كان عايز يشوف نفسه يشوفها أنا بس سيبتله الكبار علشان عارفة انهم لو وقفوا على صوابع رجلهم مش هيقدروا يراعوا مريم.
_بقولك أيه أنا كلامي بيقف ليكي في الزور أنتِ وأبوكوا أعملوا اللي تعملوه أنا قولت اللي يريح ضميري وأنتم مش سامعين الكلام بكرا تعيطي أن بيتك أتخرب بسبب عِندك.
________________
بعد يوم عمل شاق، كل ما يحتاجه الشخص هو حمام دافئ ووجبة ساخنة ومن ثم فراش مريح ليلقي بنفسه بين أغطيته وينال قسطًا من الراحة، وهذا ما كان يلزم داوود، لكنه ولسوء الحظ لم يحصل عليه، بل كل ما قابله حينما خط للمنزل اصوات اطفال وضحكات كبار وضوضاء في كل مكان كما لو كان قد دخل أحد الموالد الشعبية دون إدراك .
نظر حوله بأعين مصدومة وهو يبحث عن وجه والدته لكن كل ما اصطدم به هو " تيمور " صبي القهوة المجاورة للمنزل وهو يمر بين الحشود حاملًا أعلى كتفيه صندوق مشروبات باردة مرددًا بصوت جهوري لينافس اصوات الجميع :
_ حاجة ساقعة، حاجة ساقعة، أي حاجة ساقعة .
وقبل أن يمر من أمام داوود امسكه وهو يقول بصدمة لوجوده :
_ تعالى هنا هو فرح؟! أنت بتعمل ايه هنا في البيت يا تيمور ؟؟
حاول تيمور ابعاد يد داوود عنه وهو يردد :
_ الله وهي جات عليا يا استاذ داوود، ما الحارة كلها هنا، عندك بياع غزل البنات وبتاع الفشار في اوضة الضيوف ولا هي كلها بقت تيجي على الغلبان .
حدق به داوود وهو يفتح عينيه يحاول استيعاب ما يحدث :
_ هو أنتم فتحتم مولد في البيت ولا ايه ؟؟ ايه ده كله ؟؟ فيه ايه عشان ده كله ؟؟
ابتسم تيمور يعدل من وضعية الصندوق أعلى كتفه :
_ اصل عقبالك يارب انهاردة عيد ميلاد الحجة امك، والحارة كلها جات تهنيها وتبارك لها وتعمل الواجب .
أنهى تيمور حديثه وهو يتحرك من أمام داوود مستغلًا ملامحه الشاحبة بصدمة وهو يحدق بالجميع وصوته يعلو في الأجواء :
_ حاجة ساقعة ...حاجة ساقعة .
ردد داوود بملامح جاهلة لما يحدث :
_ عيد ميلاد الحجة امي ؟؟ ده لو عيد ميلاد أبو تريكة مش هيبقى بالشكل ده .
ضرب داوود كف بكف وهو يبحث بين الوجوه عن والدته، التي اختفت في تلك اللحظة، كان الجميع يحمل اطباق حلوى في جميع أركان المنزل، والفتيات، عدد كبير من الفتيات في جميع أنحاء المكان وكأنه حمام نسائي .
واخيرًا أبصر وجه والدته تقف بعيدًا مع مجموعة من السيدات وهي تتضاحك غير آبهة لما يحدث حولها، ركض ناحيتها وهو ينادي :
_ امي ...يا امي .
انتبهت له جيهان لتتسع بسمتها وهي تقول :
_ اهو داوود جه اهو، تعالى يا داوود يا حبيبي سلم على بنت طنط نجوى .
اقترب منهم داوود وحياهم باقتضاب هامسًا في أذن والدته :
_ معلش عايزك في كلمة بعيد عن الدوشة دي .
نظرت له والدته وردت بحنق :
_ مش وقته، مش شايفني واقفة مع النسوان ؟! اقولك روح خد لفة كده في البيت شوف يمكن تعجبك واحدة من البنات اللي هنا .
جذب داوود مرفق والدته برفق وهو يقول من بين أسنانه :
_ هي طماطم، يا امي بقولك عايزك الله يكرمك قبل ما انفجر في الكل هنا .
تحركت معه جيهان حينما رأت الغضب قد بدأ يخط فوق ملامحه وهي تعلم جيدًا أنه حينما يغضب لا يبصر أمامه أحد، استأذنت من النساء وهي تسير معه :
_ عايز ايه يابني مش عارف تصبر لما اخلص كلام معاهم .
أشار داوود لما يحدث حوله وقال :
_ ايه اللي بيحصل ده ؟! فاتحة مولد في البيت ؟؟ مولد يا اما ؟!
قالت جيهان وهي تنظر حولها للجميع السعيد وقالت :
_ مولد ايه يابني ده عيد ميلادي؟؟
_ عيد...يوم ميلادك ايه ؟؟ مش يوم ميلادك كان من شهر ؟! ولا هو أنتِ بتتولدي كل شهر ولا ايه الحوار، ثم بزمتك ده عيد ميلاد ؟! ايه الهيصة دي ؟! ده الاستاد مش بيكون زحمة كده .
صمت قليلًا ثم تساءل :
_ والعيال فين ؟؟ اوعوا يكونوا تاهوا في المولد ده ؟؟
أشارت والدته خلفه صوب أحد الأشخاص الذي يرتدي دبًا محشوًا :
_ لا هناك بيلعبوا مع ميكي، المهم سيبك منهم وقولي مفيش بنت كده ولا كده عجبتك !!
حدق فيها داوود بعجب لتضيف والدته حتة توضح الصورة أمامه :
_ أنا قولت اعمل مناسبة الم فيها بنات الحارة كلهم عشان تشوف وتختار اللي تعجبك ونروح نخطبها ليك، وكفاية قعدتك دي يا بني، ها عجبك حد ؟!
وهنا أدرك السر وراء كل ذلك، والدته أقامت ذلك المولد لأجل ايجاد عروسة له.
_ عشان كده عملتي المولد ده كله ؟؟ وهو انا لو عايز اتجوز هتجوز من مولد يا امي ؟! ليه طبال ؟! بقولك ايه عشان متعصبش، لو سمحتي فضي البيت كله عشان انا راجع من الشغل تعبان وعايز استريح .
قالت والدته وهي تحاول اقناعه :
_ طب بس شوف و...
نظر لها داودد وقد بلغ منه الغضب مبلغه صارخًا :
_ يا امي لو سمحتي مش عايز اهين أو اطرد حد، لو سمحتي فضي المولد ده .
وقد كان فبعد ساعة ونصف تقريبا ومع رحيل آخر شخص أغلقت جيهان الباب وهي تنظر صوب الأطفال الذين ناموا من التعب أعلى الارائك وقالت :
_ الاولاد انبسطوا انهاردة .
صمتت وهي ترى ابنها يجلس بتحفز على مقعده يرمقها بنظرات لائمة غاضبة يحاول تقليلها .
_ ممكن اعرف ايه اللي حصل انهاردة؟ ارجع البيت ألاقي بتاع الكازوزة معدي ؟! ده انا كان ناقص اروح الحمام الاقي واحد قاعدلي بكرسي وتذاكر قدامه، ما هي بقت حديقة عامة .
تنهدت جيهان وقالت بحنق :
_ اعمل ايه ؟؟ ما أنت اللي من وقت خطوبتك باللي ما تتسمى دي وأنت قافل على نفسك لا راضي تروح لحد .
_ فقولتي تجيبي الحارة كلها ليا.
_ أنا عملت كده يمكن تشوف واحدة تعجبك وتتجوز، مش لو كنت اتجوزت كان زمان مراتك متمرطة معايا في تربية عيال اخوك ؟؟
فتح داوود عينيه بصدمة وهو يردد باستنكار :
_ وانا هتجوز عشان اجيبها تتمرمط في عيال اخويا ؟؟ أنتِ بتقولي ايه يا امي وهي ذنبها ايه ؟؟ ده امهم سابتهم وابوهم قال مش هوقف نفسي عليهم، نقوم نجيب بنات الناس نمرمطهم .
تنهدت والدته وهي تلقي نفسها على الأريكة جوار احفادها تربت على خصلاتهم بحنان وحب رغم صراخها الدائم بسببهم :
_ اعمل ايه يا بني، ما أنا كبرت ومبقتش حمل تربية العيال، واخوك محدش يعتمد عليه، وانا خايفة على العيال دول من البهدلة .
زفر داوود وهو يقول :
_ وانا ميرضنيش ولاد اخويا يتمرمطوا وانا عايش يا اما، مهما كان دول من لحمي، عشان كده انا عملت اعلان وفيه دادة بكرة هقابلها عشان الشغل ولو تمام هعينها تاخد بالها منهم ومن كل حاجة تخصهم وانا هدفعلها، بس مش انا اللي امرمط واحدة معايا باسم امها زوجتي .
ابتسمت والدته وهي تهز رأسها ومن ثم قالت :
_ تمام يابني، ربنا يريح قلبك زي ما مريحني كده، يلا تعالى معايا ننيم الاولاد وبكرة نشوف الدادة دي ايه حوارها ....
______________
في صباح اليوم التالي كانت تقف أمام المنزل الذي وضع عنوانه في اعلان التوظيف، عدلت افكار من هيئتها وهي تناظر ذلك المنزل الرائع أمامها مبتسمة .
_ يا حلاوة، اللهم صلي على النبي، ايه البيوت اللي تشرح القلب دي ؟؟
تحركت الهوينة صوب جرس الباب وهي تنظر في ساعة يدها القديمة والتي حازت عليها منذ سنوات طويلة حينما استلزم أحد الأعمال وجود ساعة معها .
تنفست بعمق لتهدأ :
_ اهدي يا افكار بإذن الله تاخدي الوظيفة دي، احنا جينا على الوقت نعمل المقابلة ونبدأ نشتغل و...
كانت ترن الجرس وهي تتحدث وقبل أن تكمل جملتها فُتح الباب لتقابلها سيدة كبيرة في العمر وقد كانت ملامحها غاضبة مقتضبة وهي تقول بحنق :
_ أيوة ؟!
ابتلعت افكار ريقها وهي تشير صوب نفسها :
_ أنا ..أنا الدادة اللي كلمتكم عشان...
وقبل حتى أن تكمل جملتها كانت جيهان تجذبها صوب الداخل بقوة وهي تتحدث وكأنها وجدت القشة التي ستنقذها من الغرق :
_ أخيرًا جيتي، تعالي ساعديني مع شوية الهمج دول .
نظرت افكار ليد تلك المرأة التي تجذب ثيابها بهذا الشكل وهي تحاول الحديث :
_ أيوة بس مش هنتفق الأو....
قاطعها منزل غرفة الأطفال التي كانت تشبه منقطة القرود داخل حديقة الحيوان والأطفال يقفزون هنا وهناك، ودون أي تفاهم ألقتها السيدة في الغرفة وهي تغلقها عليها وقالت من الخارج :
_ اتصرفي معاهم أنا جبت اخري منهم ...
كانت جيهان تجلس أمام التلفاز تحمل المدونة الخاصة بوصفاتها تستمع بذلك الهدوء المريب والذي عم المنزل منذ ساعة، أي منذ جاءت تلك المربية .
ابتسمت وهي تنظر خارج الغرفة مرددة :
_اول مرة تجيب حاجة عدلة يا داوود يا بني، دي شكلها خبرة مع الاطفال والله .
ابتسمت وهي تسمع الشيف في التلفاز بدأ في سرد المكونات لتقول :
_ يوووه واحدة واحدة يا خويا فيه متابعين بيكتبوا وراك ..
ومرت ساعة أخرى، وقد أنهت افكار ما يجب فعله من واجبات وغيرهم مع هؤلاء القرود الصغار واجبرتهم على التزام الغرفة للانتهاء من باقي المذاكرة، فهؤلاء ومهما بلغوا من الهمجية لن يصلوا لنصف همجية الاطفال في حارتها والتي كانت تعتني بهم لحين عودة أمهاتهم من السوق .
سارت في المنزل لا تدري أين تذهب حتى سمعت صوت يصدر من أحدى الجهات، سارت صوبه لتجد تلك المرأة الكبيرة تتوسط أريكة مريحة امام التلفاز هي تتحدث في الهاتف بجدية :
_ يا شيف بقولك عايزة وصفى البسبوسة بعين الجمل يا خويا، اللي هي عملتها من اسبوعين في برنامج ( طبق حلويات على سفرة الست عنايات ) .....أيوة يا خويا هو ده...طيب انا هقفل التليفون وأنت قول وانا هكتب وراك في امان الله .
أغلقت جيهان الهاتف لتبصر تلك الفتاة تقف أمامها :
_ ايه خلصتي يا ...اسمك ايه قولتيلي ؟؟
ابتسمت افكار وقالت ببسمة :
_ افكار يا هانم
_ أيوة أيوة اسمك غريب يا افكار، ما علينا، خلصتي مع الاولاد ؟!
هزت افكار رأسها وقالت :
_ أيوة خلصت معاهم وهما دلوقتي بيعملوا الواجب .
ابتسمت لها جيهان بتقدير وقالت :
_ عال عال، طيب يلا روحي بقى جهزي لينا لقمة نأكلها سوا .
تعجبت افكار من حديثها، فحسب الاعلان هي ستعمل مربية اطفال لا اكثر ولا اقل :
_ احضر الاكل ؟!
_ ايه مش بتعرفي تطبخي ولا ايه !!
_ لا لا بعرف طبعا، بس هو ...
قاطعتها جيهان وهو تلوح بالدفتر :
_ مبسش، روحي يلا اعملي اكل لاحسن الواحد واقع من الجوع، هتلاقي كل الطلبات عندك في المطبخ اعملي اللي يجي معاكِ .
هزت افكار رأسها وهي مازالت تنظر لها بتشوش ورغم ذلك تحركت صوب المطبخ لتبدأ مرحلة جديدة في ذلك العمل الغريب، بينما جيهان اتأكت على الأريكة تتنفس براحة وهي تردد :
_ واخيرًا السلام النفسي ...
بعد انتهاء عمله، عاد داوود للمنزل وهو يتنفس بتعب شديد، ينظر في ساعة هاتفه وقد تأخرت تلك الفتاة عن معادها، فقد ابلغها عبر الرسائل أن تأتي لمحله الخاص في نفس الحارة ولكنها لم تأت، الآن سيضطر لسماع تذمر والدته ليوم آخر.
لكن وعلى عكس توقعه وجد والدته تجلس براحة كعادتها ايام الخوالي على الأريكة وهي تدون المزيد والمزيد من الوصفات التي لم تر النور بعد .
جلس جوارها يلقي بالمفاتيح على الطاولة :
_ مساء الخير .
_ مساء النور يا حبيبي، عامل ايه ؟!
تعجب داوود أكثر من مزاج والدته الرائع :
_ الحمدلله زي الفل، ايه مش سامع يعني صوت الاولاد في المكان ولا شايفك رابطة دماغك من الصداع .
ابتسمت له جيهان وهي تلقي بالمدونة والقلم على الطاولة وقالت ببسمة واسعة :
_ لا خلاص من وقت ما المربية جات وانا بقيت عايشة زي الملكة، تخيل الولاد ما اخدوش في أيدها نص ساعة وكانوا خلصوا كل الواجبات واكلوا وناموا كمان .
_ مربية ؟؟ مربية ايه ؟؟ هي جات ده انا كنت مستنيها من الصبح عشان اقابلها واتفق معاها .
هزت جيهان رأسها وهي تقول ببسمة :
_ أيوة ربنا يكرمها يارب جات من هنا وانا ارتحت من هنا شكلها شاطرة اوي البنت دي، أنا حبيتها اوي .
هز داوود رأسه وقد بنى فكرة رائعة عن الفتاة قبل رؤيتها فوالدته ذات ذوق صعب، لا ينال أي شيء اعجابها بسهولة .
_ تمام، طب هي لسه هنا ولا روحت؟ كنت عايز اتفق معاها على المرتب .
هزت والدته رأسها وهي تبدل محطة الطبخ لأخرى خاصة بالمسلسلات الدرامية :
_ لا دي في المطبخ بتطبخ .
انتفض جسد داوود جزئيًا وقال بدهشة :
_ بتطبخ ؟؟ بتطبخ ايه يا امي ؟؟ دي جاية دادة مش طباخة .
ادعت جيهان المسكنة وهي تردد بجدية :
_ وانا اعمل ايه يابني دي هي الله يكرمها خلصت مع العيال وأصرت أنها تدخل تعمل الاكل بنفسها، اقولها يابنتي يهديكِ يرضيكِ تقولي والله يا جيجي لانا اللي اعملك الاكل، يابنتي هتتعبي نفسك، تقولي تعبك راحة يا جيجي .
تشنج داوود بعدم تصديق لحديث والدته :
_ جيجي؟!
هزت والدته رأسها وقالت :
_ أيوة، مش قولتلك البنت شاطرة .
نظر داوود لحالتها تلك وهو يقول بريبة :
_ لا شاطرة ايه ؟؟ دي وصلت لجيجي يعني خارقة .
وقبل ان يضيف جملة أخرى سمع صوتًا نسائيًا يهتف من الخلف :
_ الاكل خلص تحبي اغرفه دلوقتي يا جيجي ؟؟
ضيق داوود ما بين حاجبيه وصوتًا داخليًا يخبره أن هذا الصوت مألوفًا له، استدار ببطء صوب تلك الفتاة الخارقة وهو يردد :
_ مساء الخير يا......
وصمت فجأة حينما أبصر وجهها وهي تصممت لرؤية محياه واتسعت عيناها وهي تتذكر ملامحه رغم مرور اشهر على تلك المقابلة بينهما ..
نظر الإثنان لبعضها البعض بصدمة واستنكار شديد صارخين بتذكر :
_ أنت ؟؟
_ أنتِ ؟!
____________________
ونعم هذه البداية فقط ..
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه FatmaSultan947
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الخامس 5 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الخامس
من #إعلان_ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة ...
________________
كانت الصدمة تعلو رؤوس الاثنين حينما ابصروا وجوه بعضهم البعض، داوود لا يصدق أنه وبعد كل تلك الشهور التقى بمن دمرت سمعته واسمه، وسببت له ارقًا وشعورًا قاتلًا بالذنب، داخل منزل .
وأفكار تحدق به وهي لا تعي أن من يقف أمامها الآن هو نفسه من تسبب في تسريحها من العمل قبل ثلاثة أشهر..
حركت جيهان أنظارها فيما بينهما وهي تقول بتعجب :
_ ايه مالكم هتاكلوا بعض كده ؟! هي مش اول مرة تشوفوا بعض ؟؟
وضعت افكار صينية الطعام أعلى الطاولة بقوة ونظراتها اللائمة تحلق حول رأس داوود والذي بدأ شعوره بالذنب يتدافع داخله مجددًا وهو يستمع لصوتها تقول بحنق :
_ لا يا هانم احنا اتقابلنا قبل كده، وابن حضرتك عمل فيا خدمة لا يمكن انساها ليه العمر كله .
ابتسمت جيهان وهي تربت أعلى كتفه ابنها في فخر شديد :
_ حبيبي طول عمره صاحب واجب وبيساعد الكل، ربنا يحميه لشبابه يارب .
وكان الرد من أفكار بسمة ساخرة :
_امال يا هانم صاحب واجب اوي .
حاول داوود دفع ذلك الشعور المقيت بالذنب جانبًا ويُذكّر نفسه أنه لم يخطأ، بل هي من أخطأت في حقه ودمرت اسمه وسمعته أمام من كانت في يومٍ ما مخطوبته، لذلك رفع رأسه وهو يقول بجدية متجاوزًا كل ذلك :
_ أنتِ بقى اللي جاية للوظيفة هنا ؟!
التوى ثغرها بحنق :
_ أيوة يا باشا أنا اللي جاية.
هز داوود رأسه وهو ينظر صوب والدته التي جلست وانشغلت بتناول الطعام تردد بنهم شديد واستمتاع :
_ ونفسها حلو كمان في الاكل .
أعاد داوود نظراته جهة افكار التي كانت تراقب والدته ببسمة فخورة، تنحنح يجذب انتباهها :
_ أنا المفروض كنت بعتلك اني هقابلك في المحل بتاعي على اول الشارع، بس حضرتك مردتيش .
_ أيوة التليفون بتاعي تقريبا بيعلق، بس انا خلاص يعني جيت للست والدتك واستلمت منها الشغل وبدأت فيه كمان .
تحدثت جيهان من بين مضغاتها :
_ أيوة فعلا هي استلمت الشغل مني، بس انا فكرتها قابلتك .
هز داوود رأسه يجلس على أحد المقاعد، ثم أشار لها أن تجلس أمامه ليجري لها مقابلة متأخرة، مقابلة بعد استلام العمل .
_ قوليلي بقى يا ...
سارعت افكار بالقول :
_ افكار، اسمي افكار .
تعجب داوود اسمها، لكنه لم يعلق كثيرًا، رغم أن هناك تساؤل كان على أبواب شفتيه :
_ تمام، قرأتي شروط الوظيفة طبعًا .
_ أيوة كلها وحفظتها كمان .
هز رأسه وهو يشعر بسخافة ذلك اللقاء، هو من قبل لم يوضع بمثل هذا الموقف، حاول أن يسألها في تفاصيل خبراتها :
_ تمام أنا كنت كاتب أننا محتاجين شخص عنده صبر وواعي ومسؤول و معاه انجليزي لأن الأطفال بيحتاجوا اوقات شخص يذاكر ليهم لأنهم في مدارس لغات، اعتقد كل ده متوافر فيكِ صح ؟!
ورغم بلاهة التعبيرات أعلى وجهها إلا أنها هزت رأسها وهي تردد :
_ أيوة طبعًا امال .
رفع داوود حاجبه بشك :
_ معاكِ انجليزي كويس؟؟
علت نظرة كبرياء وثقة عيون افكار وهي تضع قدم أعلى الاخرى بتكبر تستعرض خبرة لا تمتلكها ضاغطة على حروفها بقوة :
_ اوف كورس سيير .
_ سيير ؟؟
ابتسمت له افكار وهي توضح مقصدها من تلك الكلمة فهو يبدو ابلهًا لا يفقه في اللغة شيئًا :
_ أيوة سيير يعني سيد .
تشنج وجه داوود بعدم فهم :
_ سيير ايه يابنتي هو أنا جذماتي ؟؟ هي دي خبرتك في الانجليزي ؟! ايه اللي بتقوليه ده ؟!
_ أنا مش فاهمة أنت ماسك في الموضوع كده ليه ؟؟ ما أنا لغتي زي الفل اهو، طب ده انا كنت اتفرج على الفيلم الاجنبي اقعد أردد الحوار بتاع الابطال ولا اجدعها أجنبية .
مسح داوود وجهه لا يفهم ما تريده من ذلك الحوار :
_ مش فاهم يعني انتِ مش واخدة كورسات ولا اي حاجة؟! يعني ده تعليم ذاتي ؟!
_ اوف كورس، اوف كورس .
_ يابنتي هو ايه اللي of course هو كل ما اقولك حاجة تقوليلي of course، هو ده اخرك في الانجليزي ؟
زفرت هي بملل شديد :
_ هو يعني الموضوع ده مهم ؟؟ مش أنت اهم حاجة عندك حد يشكم العيال اللي متربوش دول ؟؟
فتح داوود فمه وعيونه بصدمة من حديثها على أبناء شقيقه :
_ متربوش ؟؟
لكن افكار كانت تكمل حديثها دون اهتمام :
_ خلاص يا سيدي مع أول مرتب هتديه ليا هاخد بيه كورس انجليزي تمام كده ؟؟ هديت ؟؟
نظر لها وهو يشعر أنها لا تناسب العمل بأي شكل من الاشكال، لكن شعوره أنه قد يتسبب لها في خسارة عمل آخر وقطع عيشها جعله يتراجع عن الكلام، وشجعه سعادة والدته وحديثها عنها أنها ماهرة في التعامل مع الاطفال لذلك قال بهدوء وهو يتنهد بصوت مرتفع :
_ تمام كده، مبارك عليكِ الوظيفة .
_______________________
بعد ساعات .
تربط رأسها بطريقة مضحكة وتجلس على الأرض بجانب الأريكة المتهالكة التي تجلس فوقها أمها وهي ممسكة بفنجان القهوة التي قامت ابنتها بشربه وتريد أن تقرأ لها الفأل فهي ووالدتها مغرمين به، خصيصًا والدتها التي تقوم بجمع اغلب نساء الحارة وتقوم بقراءة الفنجان لهما كل خميس حتى أنها أحيانًا تأخذ نقودًا منهم مقابل ذلك وبعضهم مهووس بها ويرى بأنها ترى أشياء كثيرة صحيحة وتحدث معهم لذلك يدفعون لها ما تريده حتى تقرأ لهم، ومن حين لأخر تظهر لها منافسة ولكنها لم تكن بقوتها.
فهذا كان المعتاد في مثل تلك الأماكن، حيث ينتشر الفقر متسيدًا المنطقة ومعه أتباعه المخلصين، الجهل واليأس، فما لهؤلاء المساكين من ملجأ لهم سوى أن يتمسكوا يآمال واهمة مرسومة داخل قاع فنجان قهوة.
والآن تمسك بفنجان ابنتها "أفكار" وقد مرت خمس دقائق تقريبًا وهي على نفس الحال تنظر في الفنجان ولا تتفوه بأي شيء، مما جعل أفكار تتحدث في سخرية:
_في أيه ياما قلقتيني ما تقولي في ايه باصة في الفنجان وساكتة قوليلي حصل أيه عرفيني بختي المنيل هيوديني على فين؟!
أردفت سكر في صدمة:
_أنا مش هقدر أتكلم يا بنتي.
ضربت أفكار على صدرها في توتر وأهتز قلبها قلقًا فماذا رأت والدتها حتى تقول ذلك؟؟ هل هناك شيئًا سيئًا سيحدث لها ؟!
_ في أيه يا أما أنا اتوغوشت، للدرجاتي فيه مصيبة؟! وبعدين هيحصلي أيه أكتر من اللي حصلي جوازتي واتفركشت، وشغل وطردوني منه، وفي الاخر الشغل اللي فكراه هينصرني طلع هو سبب طردي بس زي الجزمة مضطره أستحمل، قوليلي بقى شايفة أيه أنا قلبي وقع في رجليا.
صاحت والدتها في عنفٍ وتهكم:
_مش شايفة حاجة يا بنت الغبية قولتلك كذا مرة متقعديش تندبي في حظك بتسحبي الطاقة اللي حواليا وتنرفزيني.
قبلت أفكار كف والدتها وأعتذرت منها متمتمة:
_أسفة يا ست الكل عرفيني بقى شايفة ايه؟!.
سخرت سكر منها وهي تقوم بوضع الفنجان على الطاولة:
_هو أنا اللي سمعي تقيل ولا أنتِ؟! بقولك مش شايفة حاجة، انا مش بشوف غير لما أخد فلوس ثمن قرايتي للفنجان هو أنا همقق عيني فيه ومن غير ما تدفعي.
أردفت أفكار في تهكم صريح:
_جرا أيه يا أمي هو اللي أنتِ بتعمليه مع سكان الحتة هتطلعيه عليا؟! وبعدين فلوس ايه اللي هتاخديها مني، مش كفايا الراديو اللي خلتيني أجيبه علشان تبطلي تدعي عليا بأني أخلف ابنة عاقة زيي في الرايحة والجاية كمان عايزة فلوس علشان تقولي كلمتين.
_هتحطي الفلوس يا بنتي هقرأ الفنجان، مش هتحطي مش هقرأ، اللي معهوش ميلزموش.
وضعت أفكار يدها في جيب بنطالها المنزلي وأخرجت منه ورقة قدرها خمسين جنيهًا ووضعتها أسفل الطبق الصغير ثم قالت:
_يارب نخلص ونقول أي كلمتين علشان أخش اتخمد.
تمتمت والدتها في هدوء وهي وترتدي نظارتها الطبية وأمسكت الفنجان وبدأت تقرأ في تركيز، وافكار ترمقها بغيظ :
_لبستي النضارة وفوقتي صحيح الفلوس بتغير النفوس.
_اسكتي بقا علشان أقرا بضمير.
بالفعل صمتت أفكار تاركه والدتها تنظر جيدًا لعلها تخبرها بأي خبر سعيد قد يجعلها تطمئن قليلًا، تحدثت والدتها في استنكار:
_في بومة في فنجانك يا أفكار واحدة باصة في حياتك وحسداكي وعنيها هي السبب في اللي حصلك يابنتي، حتى بصي كده.
أقتربت منها أفكار وهي تنظر إلى داخل الفنجان وتحاول رؤية أي شيء ولكنها لا تصل إلى أي نتيجة فتمتمت :
_مش شايفة يا أمي حاجة.
صاحت والدتها في إستهجان:
_طبيعي متشوفيش حاجة يا عامية القلب والنظر ما العقربة والبومة بتحوم حواليكي وأنتِ مش شيفاها في الحقيقة هتشوفيها في الفنجان، ياما قولتلك يا أفكار الناس حسداكي تقعدي تتريقي على كلامي وتقوليلي هيحسدوني على ايه.
رددت حديث والدتها في استغراب:
_مهوا هيحسدوني على ايه فعلا؟!.
تمتمت والدتها في تعالي وكبرياء:
_على حاجات كتيرة أوي يا بنتي مش واخدة بالك منها، ده كفايا أسمك المميز ده أنتِ كلك أفكار، وطبعا باصيين لشغلك في الافراح وشغلك في الشركة والكروشية وفاكرين أن تحت القبة شيخ، حاسدينك على دماغك، أنتِ دماغك الماظ.
قهقهت أفكار في سخرية من حالها:
_على رأي المثل قيراط حظ ولا فدان شطارة وعلى يدك مبقاش حيلتي إلا جهازي كل فلوسي راحت عليه كنت بستخسر البس اللبس الجديد وأقول خليه لما أتجوز......
قاطعت والدتها حديثها في حسرة:
_وكنتي مستخسرة في أمك الراديو.
على وشك أن تلعن الراديو التي لن تتخلص من سيرته، وقبل أن تغضب تداركت والدتها الامر وغمغمت في اقتراح:
_طب ما تطلعي يابت يا أفكار كام هدمة جديدة كده ومتعي نفسك هو الواحد ضامن يعيش لغايت ما تتجوزي وتلبسيهم اتمتعي اليوم بيوم...
قاطعتها أفكار في سخرية:
_خلاص موتيني يا أمي؟!! شكرا يا ستي.
_مش القصد يا بنتي أنتِ عارفة عقل أمك فوت بقا السن له حكم.
فكرت في حديث والدتها، لِم تبخل عن ذاتها فكانت تقوم بشراء كل ما هو جديد وغالي من أجل زفافها وكثير من الملابس المنزلية والملابس التي تخرج بها فلمَ تقوم بتخزينها؟!!!
_تصدقي أنتِ عندك حق طب والله يوم اجازتي لاطلع ليا كام حاجة كده للبيت وكام حاجة للخروج، وبعدين يلا كملي الفنجان.
نظرت والدتها إلى الفنجان مرة أخرى وقالت جملتها الشهيرة التي تسمعها أفكار تقريبًا منذ أن كانت في المرحلة الإعدادية:
_في عريس وراجل واقف وهيدق بابنا قريب.
نهضت أفكار وقالت في تهكم عند هذه النقطة :
_لا واضح كده با أمي انك ناوية تشتغليني زي ما بتتشغلي سكان الحارة ده الكلام ده بتقوليه ليا من ايام ما كنت في اعدادي وبتقوليه لكل واحده بتقرأي ليها، واقولك انا مش عايزة فنجان ولا غيره هي خربانة خربانة، وهاتي الخمسين جنية دي .
وبالفعل أخذتها من أسفل الطبق فأردفت والدتها:
_سيبي الخمسين جنية يابت.
تحدثت أفكار في غيظٍ:
_لا مش هسيب يا أما، طلعيني يلا عاقة وادعي عليا يرزقني ببنت عاقة زيي.
_براحتك كل اللي بيحصل في حياتك ده علشان مش راضية عنك ولما الراجل ده يدخل بابك هتقولي أمي عندها حق.
أردفت أفكار في نبرة ساخرة:
_أول مرة قولتيها كان السباك اللي دخل الباب علشان يغير المواسير اللي بتسرب علينا واتغرمت فلوس قد كده، وتاني مرة كان النجار لما كسرتي أوكرة الباب، وتالت مرة كان بوز الاخص وادينا سيبنا بعض.
_مش مشكلتي نجار ولا سباك المهم أنه في راجل بيدخل وكلامي بيحصل.
___________________
"مالك يا ابني من ساعة ما البت دي مشيت وأنتَ ساكت وكأن في حاجة هي معجبتكش ولا أيه؟! ولا ايه القصة الموضوع فيه حاجة مش فهماها "
كانت تلك أسئلة جيهان التي وجهتها إلى ابنها بعد ذهاب تلك الفتاة، ونوم الصغار.
ولم يخفي داوود عن أمه فأخذ يقص لها مع حدث دون إخفاء كلمة أو أضافة كلمة، فوالدته هي صديقته الأولى ولا يستطيع أن يكذب عليها أبدًا على الرغم من أختلافهما في الآراء إلا أنه لا يخفي عنها شيء علاقتهما مقربة أكثر من علاقة جيهان بحامد.
هتفت جيهان في تساؤل وكأنه تأكيد أخير:
_يعني أنتَ متأكد ان البت دي هي السبب في كل اللي حصل؟!.
عقب داوود على حديث والدته في عفوية شديدة:
_يعني هي سبب ربنا سخره علشان الموضوع يفشكل واحنا ملناش نصيب مع بعض.
_يعني البت دي السبب؟!.
تحدث داوود في عدم استيعاب:
_جرا ايه يا أمي حضرتك علقتي ولا أيه؟! ايوة هي بقولك شوفتها بعيني وأتكلمت معاها هي دي فيها أه أو لا.
ظن داوود أن أمه لن تقبل بالفتاة مرة أخرى بسبب فعلتها تلك وأهمالها في عملها السابق، ذلك يظهر على ملامح الاستنكار التي تعلو وجهها فقال في نبرة جادة:
_وبعدين اللي حصل حصل، دي غلطة بسيطة ممكن يقع أي حد فيها وهي كانت سبب من ضمن الأسباب وزي ما قولتلك هو في الأول والآخر نصيب ياريت بس يا أمي بلاش تقطعي بعيشها بعد اللي قولته علشان محسش بالذنب أكتر، ولا تزعلي منها...
قاطعته والدته في سعادة عارمة:
-أقطع عيشها أيه يا ابن الهبلة، ده أنا فرحانة أن البت دي ربنا خلاها سبب علشان أفرح، أنا برضو أول ما شوفتها قلبي أتشرح واتفتح ليها من غير حساب ومكنتش أعرف ليه أتاريها السبب إني أخلص من الحرباية دي، طب والله بكرا لما تيجي لأتصل بالعبد وأعمل اوردر حلويات وتورتة وأحلي بوقها على اللي عملته.
على وشك أن تصيبه بجلطة!!
لمَ تكره روضة بهذا الشكل؟!
ولا تقدر مشاعره أيضًا.
تحدث داوود في نبرة صارمة:
_ماما خلاص ياريت نقفل على سيرة روضة دي الموضوع خلص وكل واحد راح لحاله وأحنا في حالنا زي ما دخلنا بالمعروف خرجنا بالمعروف.
عقبت جيهان في تهكم وهي تعقد ساعديها:
_قصدك بتشوف حالها.
ضيق داوود عيناه ثم قال في عدم فهم :
_قصدك أيه يعني أيه بتشوف حالها؟؟
أستطردت في لامبالاة:
_ولا قصدي ولا مقصدتيش انا هخش أنام العيال هلكوني طول اليوم تصبح على خير يا ابني.
_وأنتِ من اهل الخير يا أمي.
___________
في السيارة كانت عائلة "ياسر" متوجهه صوب منزل عائلة "روضة"، فأخذت "بثينة" ابنها الوحيد فقد توفى زوجها منذ عدة سنوات وبقى لها وحيدها ياسر فقط.
كانا في طريقهما إلى بيت شقيقها "خالد" الذي قام بدعوتها لتناول الطعام إحتفالًا بعودة ابن شقيقته من السفر بعد سنوات طويلة قضاها في الغربة .
وعلى عكس ظن البعض، فياسر ولم يجني منها أي شيء بل أنه خسر أمواله بسبب ذلك المشروع الذي حاول أقامته مع صديق له والذي قام بسرقته وأختفى بعد أن ترك عمله الثابت واستقال منه ولم يكن هناك أي أمل بأن يعود له، فأضطر الهبوط إلى مصر خالي الوفاض.
تمتمت بثينة في تحذير شديد:
_أياك يا ياسر تقعد تهرتل بالكلام قدام خالك ومراته وبنته، ولا تقول أي حاجة من اللي حصلت، أنتَ واحد كنت في الخليج ونازل معاك قرشين ولا تقول حاجة خالص لازم الناس تكون فاكرة أنك معاك خميرة كويسة وخصوصا خالك وبنته.
منذ أن عاد وهو يسمع نصائح والدته أو بمعنى أصح توبيخاتها المستمرة فلا تمر ساعة دون أن تخبره بفشلة ومرارة ما فعله في حماقة منه مذكره أياه كيف قامت بتجميع النقود اللازمة حتى يستطيع السفر ويغتنم تلك الفرصة فغيره لا يستطيع الحصول عليها بسهولة ومع ذلك أضاع كل ما فعلته من أجل مشروع فاشل.
_ليه يعني هو أنا عامل عمله؟!.
تحدثت بثينة منفعلة وهي تحاول توضيح خطته له:
_أه عامل عملة وهتضحك الناس علينا، وبعدين أنا قولتلك البت مهتمة بيك وكل شوية تكلمني وسابت خطيبها يعني البعيد يفهم ويفضلوا فاهمين أنك معاك قرشين كويسين علشان تتجوز البت في أسرع وقت، دي بنت خالك الوحيدة وساعتها خالك هياخدك تحت جناحه ويشغلك معاه في المعارض بتاعته وبعدين بعد العمر الطويل لاخويا كل حاجة تكون في أيدك أنتَ مش هتبقى خراب من كله نلحق أي حاجة.
قال في تأييد لخطة والدته:
_فعلا يا أما حضرتك معاكي حق.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا كان الجميع يجلس على السفرة يتناولون طعام الغداء.
كانت روضة مفتونة به تقريبًا الجميع لاحظ نظراتها له مما جعل والدتها تلكزها من أسفل الطاولة في فخذيها حتى تتتبه لما تفعل، لا تدري لمَ أبنتها تفعل ذلك ..
وما يزعجها ويجعلها على وشك الجنون تأييد والدها له، بل إنه يرى ياسر هو الزوج المثالي الذي يستحق ابنته ويستطيع الاتكاء عليه والاعتماد عليه في كثير من الأشياء، ويساعده في أن يفتتح فرع جديد ويشاركه به، الكثير من الخطط في عقله ولكنه ينتظر فقط بأن ينطق ياسر يومًا هو ووالدته بأنهم يريدون خطبة ابنته ووقتها كل شيء سيكون بخير وسوف تسير الأمور وفقًا لما يرسمه في عقله.
تمتمت بثينة في خفة:
_تسلم إيديكم والله الأكل جميل تعبتوا نفسكم والله.
أردفت روضة في سرعة من أمرها قبل أن تجيب والدتها:
_الله يسلمك يا عمتو وبعدين دي حاجة بسيطة جدًا، والله من الفجر عماله أعمل الاكل مبسوطة أنكم جيتوا بجد.
نظرت بثينة إلى ابنها معطية له الإشارة بأن يقول بأي شيء، فرسم ابتسامة هادئة على شفتيه وقال في ثناء:
_ما شاء الله عليكي يا روضة بجد نفسك حلو أوي في الأكل بصراحة أكلك أحسن من أمي.
ضحكت بثينة وغمغمت في تهكم طفيف وهي تري أعين روضة اللامعة من حديث ابنها، وضحكات شقيقها:
_شوف الواد، بقا كده أبقى تعالى كل يوم عند خالك يا خويا .
هتف خالد في ترحاب:
_يجي طبعا ده بيت خاله وينور في أي وقت.
أردف ياسر في نبرة هادئة وامتنان تحت نظرات والدة روضة التي لا يعجبها أي شيء مما يحدث:
_شكرا يا خالي ربنا يخليك ليا .
صمت يعتدل في جلسته ثم قال ببراءة موجهًا حديثه لروضة:
_ ماما قالتلي في الطريق أنك فسختي خطوبتك يا روضة، حقيقي زعلت علشانك.
تحدثت والدة روضة في نبرة خالية من التعبير:
_كل شيء قسمة ونصيب وبنتي ملهاش في الخير والشاب كان شخص محترم جدًا..
قال خالد معقبًا على حديث زوجته:
_ليه هو أحنا بنتنا قليلة ده ألف مين يتمناها .
وأضافت بثينة بعد كلمات شقيقها:
_طبعا بنت اخويا مش قليلة ده ألف مين يتمناها، وبعدين محدش عارف النصيب والخير فين؟!
كلماتها الأخيرة تركت بها تلميح ملحوظ وهي تنظر إلى داخل أعين روضة التي ابتسمت في خفة وفي خجلٍ شديد نظرات عمتها كانت تخبرها بكل شيء على الأغلب.
________________
دخل المنزل وهو يفرد جسده بتعب شديد، بعدما انتهى لتوه من العمل وفكر بالمرور على والدته لرؤية أبناءه قبل عودته لزوجته العزيزة ..
نظر حامد حوله في المنزل يبحث عن والدته أو الاولاد حتى سمع صوت قادم من غرفة التلفاز ليتحرك نحوه وهو يحمل حقائب كثيرة لابنائه وزوجته، وبمجرد أن دخل الغرفة فتح يديه وهو يقول بسعادة :
_ حبايب بابا اللي وحشوني ...
استدار الجميع صوبه ليهرع الاولاد لاحضانه، وهو يضمهم بقوة وحب شديد، يقبل هذا ويضم ذلك :
_ وحشتوني اوي يا عيوني عاملين ايه ؟؟
ابتسم اكبر أبنائه وهو يقول :
_ احنا كويسين اوي يا بابا، وكمان تيتة جيجي جابت لينا دادة جديدة بتقعد معانا وتساعدنا .
ابتسم لهم حامد وهو ينظر لوالدته التي كانت تجلس على الأريكة أمام التلفاز قبل أن تشير له بالاقتراب ببسمة :
_ ابن حلال والله لسه كنت بفكر فيك من شوية .
ابتسم لها حامد يقترب مقبلًا كفيها :
_ اخبارك يا ست الكل .
_ الحمدلله يا حبيبي زي الفل، أنت ايه اخبارك مع العروسة الجديدة ؟!
ابتسم لها حامد ليقول بسعادة كبيرة كطفل حاز أخيرًا على لعبته الجديدة التي بكى شهورًا لأجلها :
_ الحمدلله الدنيا زي الفل، وامنية معيشاني في جنة يا ماما .
ربتت على اكتافه جيهان بحنان امومي كبير :
_ رغم اني لسه شيفاك غلطان عشان اللي عملته، بس خلاص طالما أنت مبسوط والاء التانية نسيت وشافت حياتها مع ابن الحلال يبقى خلاص خير يابني ..
انتبهت جميع حواسه لجملة والدته غير المفهومة بالنسبة له، نظر لها ثواني يحاول معرفة ما تقصد :
_ مش فاهم، يعني ايه شافت حياتها مع ابن الحلال ؟؟
شهقت جيهان وهي تضرب كتف ابنها بخفة ممازحة :
_ شوف نسيتني كنت عايزاك ليه، مش انا روحت انهاردة مع العيال عشان اشوف الاء وعرفت أن فيه واحد اتقدم ليها وقابلته كمان هناك، بس ايه يا واد يا حامد العريس زي العسل وعرفت كمان أنه متجوزش قبل كده والاء اول فرحته .
اشتعلت أعين حامد ونيران غامضة المصدر تشتعل بصدره وبقوة :
_ نعم تتجوز ده بتاع ايه ؟!
رفعت امه حاجبها مستنكرة حدة ولدها :
_ ومالها يا قلب امك أما تتجوز، ما هي خلاص اتطلقت منك والعدة كمان خلصت من اسبوع يا ضنايا، متتجوزش ليه ؟؟ هتترهبن ولا تعيش على ذكراك يا عين امك ؟؟
توتر حامد من هجوم والدته، ولم يدري ما السبب لكنه لا يتقبل تلك الفكرة، أن يأتي من يفوز بالاء بعدما كانت له ومعه، حاول التحدث بهدوء :
_ مش قصدي يا امي بس يعني هو ...دي شهور العدة لسه خالصة هي ما صدقت ؟؟
_ وأنت مالك يا حامد تتجوز طالما خلاص بقت حرة، بعدين هي برضو اللي ما صدقت، يا خويا ده أنت مستنتش ترمي عليها اليمين وجريت اتجوزت .
زفر حامد بغيظ شديد ليشعر بمن يجذبه من بنطاله، اخفض نظره لأكبر أبنائه الذي قال ببسمة سعيدة وكأنه يزف له نجاحه :
_ أنا كمان شوفت عريس ماما يابابا، كان طويل وحلو اوي، كان كمان عنده شعر اكتر منك .
تحسس حامد خصلات شعره القصيرة والتي اعتاد أن يقصها بشكل دوري، ليشعر بطفله يكمل بشغف كبير وكأنه يصف حبيبة غالية على قلبه وليس زوج والدته :
_ وكمان يابابا هو مش عنده كرش زيك وشكله جميل اوي .
ومجددًا تحسس حامد ذلك النتوء الصغير في معدته وهو يلوي ثغره بحنق وتذمر:
_ هي امك مسلطاك عليا ولا ايه ؟؟
لكن الطفل لم يفهم وهو يصف له جمال وكرم زوج والدته الجديد :
_ وكمان جبلنا حلويات كتير اوي اوي وقالنا أنه المرة الجاية هياخدنا في رحلة بالعربية بتاعته، وطلع معاه فلوس كتير اوي اوي .
رمقه حامد وهو يتمتم بغيظ من بين أنفاسه :
_ امال ما هي امك مش بتقع غير واقفة.
تنفس بصوت مرتفع وهو يبعد ابنه من أمامه والذي لم يتوقف عن تعديد صفات العريس الجديد :
_ خلاص يا حبيبي مش هروح اتجوزه أنا .
لكن الطفل لم يكن يفهم شيئًا وهو ما يزال يتحدث بالكثير رمن الكلمات المنبهرة عن زوج الاء الجديد وحامد يشتعل ويشتعل وهو ينظر لوالدته التي كانت تبتسم لما تراه أمامها .
_ ايه ياما كنت واخدة العيال تعرفيهم على جوز أمهم الجديد ولا ايه؟!
_ اعرفهم ايه ده ؟؟ أنا كنت رايحة عشان آلاء تشوفهم اصل العيال وحشتهم امهم، وهناك شوفته اسم الله عليه يا خويا ربنا يحميه لشبابه يارب .
نفخ حامد وقد فاض كيله :
_ لا بقى ده أنتم قاصدين تحرقوا دمي على المسا، اوعوا أنا ماشي .
وبتلك الكلمات فر حامد من أمامهم ووالدته تنظر له ببسمة جانبية ساخرة :
_ ليه يا حبيبي ما أنت قاعد تتعشى معانا ...
________________________
في الصباح التالي وفي اليوم الثاني من العمل كانت افكار تربط حجابها أعلى رأسها في شكل مضحك، حاملة بين يديها المنفضة والمكنسة وهي تمر على جميع حجرات المنزل للتنظيف، تتذكر حينما وطأت المنزل صباحًا لتجد جيهان تخبرها أن تنظف المنزل لأنها تشعر بالتعب ..
ورغم أن ذلك لم يكن من ضمن مهمات المربية إلا أنها رددت بينها وبين نفسها :
_ يلا اهو كله بحسابه .
وبالفعل ما هي إلا دقائق وبدأت تندمج في التنظيف حتى وصلت لغرفة رجالية استشفت من الصور المعلقة على جدرانها هوية صاحبها ..
كانت لذلك الداوود الغريب والذي لم تحدد حتى الآن هل هو جيد ام سيء .
شرعت تنظف جميع اركان الغرفة باهتمام شديد، وهي تغني وتردد كلمات عالية تحرك قطعة قماشة أعلى طاولة الزينة الخاصة بداوود، لكن وأثناء ذلك ودون اهتمام أسقطت زجاجة عطر متوسطة الحجم ارضًا لتتهشم إلى أجزاء وتفوح رائحتها في كل أرجاء الغرفة بسرعة كبيرة ..
_ ايه يا ختي الريحة دي، ده ولا كأن قنبلة كولونيا انفجرت في الاوضة .
أنهت حديثها تنحني ارضًا لجمع قطع الزجاج، ثم ألقت بهم في سلة القمامة التي تقبع جوار طاولة الزينة، ومن ثم قامت بمسح السائل العطر من الأرض ونهضت وهي تنظر للغرفة ببسمة واسعة :
_ الله ينور عليكِ يا بت يا افكار، شملولة بصحيح ..
خرجت افكار من الغرفة لتكمل عملها، وبعدها توجهت يجسد مجهد صوب غرفة الاطفال تردد باستمتاع شديد :
_ واخيرا الواحد هيرتاح، وكمان العيال لسه نايمين يعني هاخد راحتي واخلص اللي ورايا ..
في ذلك الوقت كان داوود يدخل المنزل يتحرك صوب غرفته بسرعة ليحضر تلك الزجاجة من العطر الخام المستخلص من أحد الزهور النادرة والتي نسي اخذها حين ذهابه صباحًا للعمل.
فتح باب غرفته وما كاد يطأها ليُصدم برائحة قوية تغشى جميع حواسه، نظر في الإرجاء بتعجب :
_ هما العيال لعبوا في الاوضة تاني ولا ايه ؟؟
تحرك نحو طاولة الزينة الخاصة به لأخذ زجاجة العطر الخام، لكن وللصدمة لم يجدها، بحث في كل مكان لربما نسي أين وضعها لكن لا شيء، وتلك الرائحة التي تعبق في غرفته تثير فزعه من فكرة أن يكون مصدرها هو زجاجة العطر التي دفع فيها أموال عديدة.
جُن جنونه وهو يبحث عنها، يحاول تتبع الرائحة ومصدرها لكنها كانت تفوح في الغرفة بأكملها حتى أبصر فجأة شظايا زجاج صغيرة جوار طاولة الزينة.
انحنى داوود يجلس القرفصاء وهو يمسك تلك الشظية يشتمها بريبة يشعر بضربة عنيفة أعلى رأسه وهو يردد :
_ اه يا شوية شياطين ..
خرج من غرفته كالرصاصة وهو يصرخ بصوت محتد وجنون باسم والدته :
_ يا امي ...يا امي أنتِ فين ؟!
وكعادتها خرجت جيهان من غرفة التلفاز فزعة من صراخ ابنها :
_ فيه ايه يا داوود مالك يابني بتزعق كده ليه ؟!
رفع داوود الزجاجة المهشمة وهو يردد بغضب اسود :
_ أنا مش قولت ميت مرة محدش يسيب الاوضة مفتوحة للعيال؟! بيدخلوا يلعبوا في حاجتي ويبوظوا حاجات الشغل .
نظرت جيهان لاصابعه التي حملت تلك الزجاجة :
_ يابني الولاد لسه نايمين اساسا ومحدش منهم خرج من أوضته من وقت ما مشيت .
_ امال ايه دي ؟؟ انكسرت لوحدها ولا ضاقت بيها الحياة فطارت رمت نفسها على الأرض ؟!
قالت جيهان وهي تحاول معرفة لِم هو غاضب بهذا الشكل :
_ عادي يا بني ليه العصبية دي كلها عشان ازازة برفان، تلاقي افكار وهي بتروق اوضتك وقعتها بالغلط ولا حاجة .
اشتعلت أعين داوود وهو يردد بغيظ :
_ افكار ؟!
_ أيوة أنا قولتلها تـ
وقبل أكمال جملتها كان داوود ينطلق كالصاروخ في المنزل بحثًا عن تلك الأفكار التي تسببت له للتو في خسارة فادحة، فتلك الزجاجة لا تحوي عطرًا بل تحوي مادة خام لصنع العطور، قطرات قليلة منها كافية لصنع قارورة عطر كبيرة الحجم ...
كان يبحث عنها في كل مكان حتى هداه عقله لغرفة أبناء شقيقه، ودون تفكير اقتحم الغرفة وهو يصرخ :
_ أنتِ اللي كـ.
لكن فجأة توقف عن الصراخ وهو يرى ذلك المشهد المريب أمامه، شعر بجسده يتشنج جهلًا، يرى افكار تحمل إبرة عملاقة وخيوط عريضة اصنع الحقائب الصوفية وتلك المشغولات اليدوية وهي منهمكة في صنعهم، والغريب لم يكن في ذلك، بل الغريب أنها كانت تلف الخيوط حول إصبع أحد أبناء شقيقه وكأنه بَكرة خيوط، وتضع علبة الابر والخيوط أعلى معدة الآخر، وبين كتفها ورأسها تضع الهاتف وتتحدث به بجدية :
_ لا يا ام منصور أنا قولت مش بحب اشتغل مع حد، أنا لو هشيل اكل الفرح بشيله لوحدي يا ختي، اصل انا زي الفريك مش بحب الشريك .
صمتت وهي تستمع لرد ام منصور وداوود يفغر فاهه لا يستوعب ما تفعل تلك الفتاة :
_ أيوة عايزة المبلغ لوحدي وهو حد يكره الرزق، بعدين ياختي فرح كبير ولا صغير أنا بسد فيه متقلقيش بس انتم تلاحقوا عليا بس .
فجأة انتبهت لجسد داوود الذي يسد باب الغرفة لتقول :
_ طب يا ام منصور هبقى اعدي عليكِ وانا راجعة من الشغل انهاردة اقولك على الطلبات اللي عايزاها، سلام دلوقتي .
وبمجرد أن أغلقت الهاتف قالت بتسائل :
_ فيه حاجة ولا ايه ؟؟
نظر داوود لأبناء شقيقه وهو يقول :
_ أنتِ بتعملي ايه ؟؟
_ يعني هكون بعمل ايه ؟؟ بعمل شنطة ومفرش لواحدة .
أشار للاطفال الذين تستخدمهم كبكرات خيط :
_ كده ؟؟ بالمنظر ده ؟؟
_ ماله المنظر ده ما هم زي الفل ونايمين براحة اهو، بعدين عشان الخيط ميتخلفنش في بعضه، فيه حاجة يا باشا ؟؟
وفجأة تذكر داوود أمر العطر والذي جاء خصيصًا لأجله ليشتغل الغضب به مجددًا :
_ أنتِ دخلتي الاوضة بتاعتي ؟؟
_ أيوة كنت بروقها ليك، ايه رأيك بذمتك مش فلة ؟!
رفع داوود بقايا الزجاجة أمامها يردد بغيظ وغضب مكبوت لأجل وجود الصغار :
_ ودي ؟؟ مين اللي كسرها ؟؟
نظرت افكار ليده وهي تقول ببساطة :
_ اه ازازة الكولونيا دي وقعت مني وانا بنضف، بس ايه يا ستير يارب ريحتها مكانتش حلوة، شديدة كده تعبتني.
شعر داوود بقرب سقوطة بذبحه صدرية ارضًا وهو يسمتع لحديثها :
_ كولونيا ؟؟ كولونيا؟؟؟ أنتِ بتهزري ؟!
جزعت افكار من صراخه :
_ براحة يا باشا لاحسن تفزع العيال، بعدين مالك يعني زعلان كده ليه عليها، مكانتش ازازة كولونيا ده حتى ريحتها مش قد كده، ويا سيدي لو زعلان بكرة اجبلك اجدعها ازازة كولونيا من عند الواد صبري جارنا، عنده شوية روايح انما ايه ترشها عليك تقعد يومين على جتتك .
عض داوود شفتيه بعصبية كبيرة يحاول ألا ينفجر في وجهها وهو يحرك الزجاجة صارخًا بجنون :
_ كولونيا ايه يا بني ادمة؟؟ أنتِ عارفة اللي كسرتيها دي بكام ؟؟
استاءت افكار منه بسبب صراخه في وجهها بهذا الشكل لأجل زجاجة عطر :
_ كام يعني، ١٠٠ جنيه ؟! ٢٠٠ جنيه ؟؟ اجيبهم على الجزمة، اول قبض ليا هدفعلك تمنها ولا يهمني على فكرة، كله إلا كرامتي .
ابتسم داوود بسمة مغتاظة وصوته خرج يقطر سخرية من حديثها :
_ الكولونيا دي يا استاذة تمنها يساوي راتب تلات شهور من بتوعك يا ام كرامة .....
______________________
أفكار مستودع للأفكار ...
وداوود كان من البؤس ليضل داخل ذلك المستودع الواسع ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه FatmaSultan947
رواية إعلان مُمَوّل الفصل السادس 6 - بقلم رحمة نبيل
الفصل السادس من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل& فاطمة طه سلطان.
صلوا على نبي الرحمة
______________
كان داوود يراقب ملامح البلاهة على وجهها، يراها تحدق فيه بأعين متسعة وفاه مفغور كما لو أنه انبأها للتو أن السماء تُمطر فطيرًا، أو أن البحر قد تلون بالاسود .
_ كام ؟؟ قولت كام ؟!
ضم ذراعيه لصدره بغضب ما يزال يشتغل داخله :
_ زي ما سمعتي يا آنسة، الازازة اللي كسرتيها دي تبقى زيت عطري خام بمرتبك لمدة تلات شهور، ها تحبي تعوضيني زي ما قولتي على الجزمة ؟؟
نظرت له افكار ثواني دون ردة فعل قبل أن يلتوي ثغرها بقوة وتبدأ امارات البكاء تنتشر أعلى وجهها :
_ تلات شهور ايه ؟؟ ليه كسرت ازاز مايه دهب؟ حرام عليك يا باشا ده انا مسكينة وعلى باب الله، لما تاخد مني مرتب تلات شهور اعيش ازاي؟!
أنهت حديثها وهي تنخرط في موجة ندب وتحسر معتادة منها، لكن ليس أمام والدتها كالعادة، بل هذه المرة كانت أمام داوود الذي فغر فاهه وهو يعود للخلف ينظر لها بعدم فهم وهي تزيد من كلمات الندب والعويل :
_ أنا كان قلبي حاسس انك مش طايقني من اليوم اياه، يعني مش مكفيك قطعت عيشي قبل كده وجاي دلوقتي تخرب عليا في شغلي الجديد .
صمتت قبل أن تعض شفتيها بقوة، تمسح دموعها تنهض من مكانها تكمل ذلك الدور الدرامي الذي تتقنه أكثر من أي شيء في حياتها، وداوود فقط يشاهد العرض مصدومًا من قدرتها على التمثيل بهذه الحرفية يفكر أين هم المخرجين من تلك الموهبة الفزة ؟؟
سمع صوتها تجمع بكرات الخيط الخاصة بها :
_ بس خلاص يا باشا طالما أنت اساسا شكلك كده لسه شايل في قلبك ضغينة من وقت الغلط بتاع الشغل الاول ومش طايقني هنا، فقول من غير كل الحوارات بتاعة الكولونيا بتاعتك .
افتر ثغر داوود عن بسمة غير مصدقة :
_ الفيلم ده كله ليه طيب ؟! كل ده عشان بقولك سعر الازازة اللي كسرتيها ؟!
نظرت له تعيش دور الضحية جيدًا :
_ لا عشان أنا حاسة اساسا أنك مش قابل اعيش حياتي زي البشر، في الاول اتسببت في طردي من وظيفة كانت معيشاني أنا وأمي المريضة ودلوقتي عايز تقطع عيشي من عندك بسبب ازازة كولونيا.
ها هي مجددًا تتلاعب بمهارة على شعور الذنب لدى داوود، والذي تتمثل كل نقاط ضعفه في أنه لا يطيق أن يكون سببًا في مشقة أي إنسان في هذه الحياة، لذلك سارع بالقول :
_ والله ابدا أنا مجبتش سيرة قطع ارزاق أنا بس كنت بقولك أن البرفان غالي مش اكتر .
_ عرفنا أنه غالي، بس لا يمكن يكون اغلى من كرامتي .
رفع حاجبه مدهوشًا من مدى تحريفها للكلمات :
_ كرامتك ايه ؟؟ أنا جيت جنب كرامتك دلوقتي ؟! انا عملت ايه ؟؟
نظرت له بطرف عينيها تكمل دورها بمهارة فنان مخضرم :
_ حضرتك بتحاول تقلل مني قدام نفسي أن شغل تلات شهور بتمن ازازة كولونيا، تقدر تقولي اصرف على نفسي وامي ازاي التلات شهور دول ؟؟
مسح داوود وجهه يحاول الانتهاء من كل ذلك فهو يعلم أنه في النهاية لن يصل لشيء معها :
_ خلاص انا اسف، مكانش قصدي، يا ستي مش هاخد منك حق ازازة الزيت، بس الله يكرمك بعد كده متقربيش من اوضتي عشان بسيب فيها حاجات غالية
_ تمام اتفقنا .
ابتسم داوود يتنهد براحة وقد نفض عنه شعوره بالذنب ...
ثم نظر لها ثواني قبل أن يستأذن ويرحل وبمجرد أن خرج وتحرك صوب عمله كان يفكر في الطريقة التي سيحضر بها نفس الزجاجة مجددًا و...
توقف فجأة عن التفكير حينما استوعب أنها للتو جعلته هو من يشعر بالذنب ويعتذر ويترجاها ألا تحزن، وهي في النهاية من اخطأت .
___________
كان يمشي بخطوات سريعة وغاضبة جدًا، كيف ستتزوج رجل غيره؟!!
نعم ينكر عليها الفعل الذي فعله هو بنفسه فهو تزوج من أمراة غيرها، ومع ذلك لا يريدها أن تتزوج، على وشك أن يُصاب بالجنون منذ أن أخبره ابنه الأكبر ووالدته عن ذلك الرجل..
موعد تواجده أمام المنزل الذي كان على وشك أن يقتحمه ليتشاجر معها دون أي وجه حق وهو يعلم ذلك ولكن النار تأكله من الداخل ولا يتحمل أبدًا ما يحدث، صادف موعد عودتها من السوق لشراء بعض احتياجات والدتها ووجدتها فرصة حتى تنفرد بذاتها..
وما أن رأته ووقفت أمامه وهو ينظر لها متأهبًا للنزاع على أكمل وجه لا يتخيل حتى كيف يمكنها أن تكن لرجل غيره..
_حامد!!.
تحدث حامد منفعلا:
_أيوة حامد يا هانم، إيه فيه عروسة تنزل بنفسها تحيب حاجات السوق؟!
طريقته لم تعجبها نهائيًا، فهى نست هذا الأمر!!
ذلك العريس الذي تقدم لخطبتها ويحاول ولدها اقناعها، رُبما لم تنس بقدر ما اندهشت بأن حامد يعلم.
_عروسة أيه وأيه الطريقة اللي بتتكلم بيها دي؟!.
تحدث حامد ساخرًا:
_يعني الهانم مش عارفة؟! مبروك يا عروسة مش هتتجوزي ولا أنا غلطان؟!
كان صوته عاليًا بالفعل لدرجة أنه جذب أنظار بعض المار من النساء والرجال وكونهم يعرفون جيدًا من هو حامد وأنها طليقته..
أسترسل حامد حديثه في غضب جامح :
_أنا ميهمنيش تتجوزي ولا يهمني تترهبني، بس على الأقل اتكسفي قدام عيالك مش قاعده ترفجيهم على عريسك..
صرخت به آلاء بانفعال شديد على الرغم من أنها لا توافق على الزواج للمرة الثانية لأنها ببساطة لا ترى رجل غير هذا الثور الذي يقف أمامها ولكن طريقته أغضبتها:
_وأتكسف ليه يا حبيبي هعمل حاجة في الحرام؟! وأنتَ متكسفتش ليه لما روحت أتجوزت الشملولة اللي عرفتها وأنا لسه على ذمتك، أنا مبعملش حاجة غلط ولا حرام أخاف منها.
تحدث حامد وهو يكز على أسنانه:
متخلنيش أتغابى عليكِ يا آلاء.
وضعت آلاء يظها في جانبيها وقهقهت ساخرة:
_وريني أخرك ايه يا حامد.
قالت أمراة تقف بجانبهم ولكنهما كان في عالم أخر لا يهتموا بهذا الحذد الذي تجمع حولهما:
_عيب كده يا حامد يا ابني دي أم عيالك.
هدر حامد في غيظٍ:
_بتقوليلي أنا بس اللي عيب ما تقوليلها هي يا حجة.
صرخت آلاء في انفعال شديد:
_عيب ليه يا حبيبي؟! طب أنا هتجوز غصب عنك يا حامد زي ما أنتَ عملت هعمل وكله بشرع ربنا.
_وريني هتعمليها ازاي.......
تحدث رجل في نبرة جادة وهو يتدخل في الحديث:
_حقها تتجوز..
عقبت ألاء على حديث هذا الرجل:
_قوله يا حج.
قال حامد غاضبًا:
_أنتَ مالك يا راجل أنتَ واحد ومراته بيتخانقوا بتدخل في أم الحوار ليه؟.
تحدثت آلاء في شراسة وهي تصحح حديثه:
-أسمها طليقته، طليقته أوعى تنسى.
______________
استيقظت من نومها بعد أن فتحت النوافذ المتواجدة في غرفتها، فأجبرت جيهان على الاستيقاظ من غفوتها القصيرة وأخذت حمام دافئ.
قامت أفكار بترتيب غرفتها، ثم صنعت الافطار الخاص بها وقهوتها المفضلة ووضعتهما على الطاولة المتواجدة أمام الأريكة المفضلة والمحببة إلى قلبها وجاءت جيهان بكل فخامة وكبرياء وجلست على الأريكة وبدأت في تناول الطعام وهي تراقب أفكار الصامتة ولكنها كانت مرتبكة جدًا، في الصباح وقبل غفوة جيهان لم تسنح لها الفرصة بالحديث .
والآن وبعدما استيقظت، هي مازالت لا تعرف ردة فعل والدته على ما فعلته بالتأكيد أخبرها عن أنها السبب في فسخ خطبته، بالتأكيد ستتغير معاملتها لها، هذا الشيء الذي جعلتها تأتي مبكرًا مستخدمة هذا المفتاح التي أعطته لها دون أن تخبر داوود الذي لن يعجبه بأن تأخذ فتاة غريبة مفتاح المنزل بل سيصف والدته بالتهور ورُبما الحماقة لكنه يخجل من قولها ويهذب نفسه إلى أقصى درجة.
تمتمت جيهان في تهكم:
_هو أنتِ هتفضلي مبحلقة فيا ولا ايه؟! باصة في الأكل؟!.
عقبت أفكار على حديثها في إحترام:
_لا أبص أيه، أنا بس كنت سرحانة حضرتك.
أمتصت جيهان شفتيها ثم قالت في شكٍ ومشاغبة وهي تتقمص الدور على أكمل وجه:
_متأكدة انك مش باصة في أكلي؟.
تلفظت أفكار في سرعة:
_لا والله حضرتك، أيكش ما أوعي أروح بيتنا ولا يفرمني قطر، ولا عربية تخبطني مش ببص في أكل حضرتك.
صاحت جيهان بغضبٍ وهي تنظر لها في عيون غاضبة فهي امراة غريبة الأطوار وسريعة الغضب في كثير من الأوقات:
_يالهوي عليكي، أنتِ بت بومة كده ليه؟! كل دي حوادث مرة واحدة، ما تبصي في أكلي أسهل.
ثم قالت في أمرٍ:
_بعدين بلاش حضرتك، حضرتك هو أنتِ ملبوسة يابنتي ؟!
-أسفة.
تحدثت جيهان في توضيح لتعاليمها وقوانينها المنزلية:
_بقولك أيه يا أفكار يا حبيبتي أنا لما شوفتك دخلتي قلبي كده وربعتي جوا، لكن أنا اللي يخش بيتي لازم يكون حد فرفوش كده، حاكم أنا أكره النكد قد عنيا، وربنا رازقني بعيال تاعبين قلبي والضغط عندي على طول عالي ومش حمل نكد حد جديد.
_حاضر.
أبتلعت أفكار ريقها ثم عادت تسترسل حديثها في شجاعة مؤقتة:
_أنا بصراحة كده عايزة أعتذرلك على اللي عملته في حقكم وده لأني بصراحة حبيت حضرتك جدًا فلازم اعتذر.
تجاهلت جيهان لقب "حضرتك" وضربت على صدرها في عنف، ثم قالت وهي على وشك أن تصاب بأزمة قلبية وقد بدأت الأفكار السيئة كلها تتدافع لعقلها :
_أوعي تكوني كسرتي كوباية وجاية تعتذريلي بقولك أيه كوبيات جيجي في كافة وبرفانات داوود في كافة تانية ومتجيش جنب كوباياتي .
هزت افكار رأسها في توتر نافية ذلك لتقوم جيهان باستكمال تحقيقها وأكثر الأشياء التي قد تؤلمها:
_ مهو مدام مكسرتيش كوباية يبقى جرحتي الطاسة التيفال وأنتِ بتعملي الفطار صح؟!.
هزت رأسها للمرة الثانية بأنها لم تفعل مما جعل جيهان تصيح:
_يبقى حطيتي مسحوق الغسالة العادية في الغسالة الاوتوماتيك، قلبي هيقف انطقي بسرعة قولي عملتي أيه بدل ما أخش في احتمالات أسوء من كده.
تحدثت أفكار بالسبب الأساسي والذي عرفته فيما بعد :
_إني كنت السبب في خطوبة أستاذ داوود من خطيبته والله اللي حصل غصب عني، أنا عارفة أنك حضرتك اكيد هتكرهي وجودي بس أنا بجد محتاجة الشغل ده جدًا، وعارفة أنك اكيد زي أي أم عايزة تفرحي بابنك خصوصا لو كان فرحه قرب.
قهقهت جيهان، وضحكت كما لم تفعل منذ سنوات طويلة مما جعل أفكار تظن بأنها مجنونة لا أكثر أما ستقوم بطردها بعد أن تستيقظ من صدمتها..
أردفت جيهان بعد أن حاولت السيطرة بصعوبة بالغة على ضحكاتها:
_رغم إني معرفكيش يا أفكار كويس إلا إني أبصم ليكي بالعشرة أن دي من أحسن الحاجات اللي عملتيها في حياتك والله يا بنتي.
أبتسمت أفكار في إرتباك وسألتها في تردد:
_يعني ايه؟! يعني حضرتك مش زعلانة من اللي حصل؟!.
_أزعل ده أيه؟! ده أنتِ عملتي اللي أنا معرفتش أعمله لأول مرة حد يتفوق عليا بس مش مشكلة المهم البت التقيلة دي بعدت عننا، كانت تقطع الخميرة من البيت بشوفها عفاريت الدنيا بتنطنط في وشي وكانت طماعة وابني على نياته.
قالت أفكار في فضول لم تستطيع كبحه وهي تنهض وتأخذ فنجان القهوة من فوق الطاولة:
_لا حيث كدة بقا أنتِ تكملي فطارك يا جيجي وأنا هعملك فنجان قهوة بدل اللي برد ده واجيلك وتحكيلي من الاول.
هزت جيهان رأسها في موافقة فهي تعشق الثرثرة على أي حال، وبالفعل أنهت جيهان فطورها وما أن أنتهت منه كانت أفكار تأتي بالقهوة، ثم أخذت جيهان تتناولها في متعة شديدة، هذا يصنف من أفضل أكواب القهوة التي قد تناولتها طوال حياتها وأثناء شربه كانت تقص لها حكاية داوود وخطيبته الشمطاء التي لم تحبها يومًا....
لكن حينما أنتهت من اخر رشفة فيه هتفت مبدية إعجباها الشديد:
_تسلم إيدك يابت يا أفكار ده من أحلى فناجين القهوة اللي شربتها.
أردفت أفكار في عفوية شديدة:
_الله يسلمك أومال لو شوفتي بقا فنجان القهوة اللي
أمي بتعمله، بتاعي ميجيش فيها حاجة وكمان هي أحسن حد يقرأ فنجان.
قالت جيهان في شوقٍ تتذكر تلك الأيام القديمة :
_ياه شوقتيني أقابل مامتك في يوم من الأيام وتقرأ ليا الفنجان، فات خمسة وعشرين سنة ومقرأتش فنجان أخر واحدة قرأت ليا كانت جارتي الله يمسيها بالخير بس دلوقتي عزلت، ساعتها جوزي طين عيشتي وقعد يقولي حرام، وداوود وقتها كان هينزل البيت فوق دماغي لما عرف، ايام والله .
طال الحديث بينهما وبدأ يتشعب لأمور كثيرة ومختلفة، وقد انسجمت جيهان مع أفكار وألفت الحديث معها، تعالت ضحكات الاثنتين بصخب وجيهان تراقب افكار تقوم بقطف اوراق الملوخية :
_ طب والله أنتِ جدعة يابت يا افكار وبميت راجل، قال تجيبي أجهزة لامه قال، ده عبيط ده ولا ايه ؟!
التوى ثغر أفكار بحنق شديد :
_ والله يا هانم الكل شايفة عبيط، إلا أمه شيفاه بطه بكشك حبيب أمه .
ضحكت جيهان أكثر وهي تردد :
_ يلا اهو ربنا نجاكِ من الجوازة الشوم دي .
وقبل أن تجيبها افكار ارتفع صوت صياح صبي في بهو المنزل الخارجي والذي رنّ صداه في البيت بأكمله وهو يقول بصوت جهوري :
_ يا ست جيهان الحقي الاستاذ حامد بيتخانق عند بيت أبلة آلاء..
انتفضت جيهان من مكانها وهي تركض صوب البهو الخارجي وخلفها افكار التي لحقت بها تهتف بعدم فهم :
_ مين حامد ده والاء مين !!
_ دي جوازة شوم تانية، ربنا يتوب عليا من بلاويها ..
خرجت جيهان تمسك الصبي من ثيابه تدفعه للخارج بلهفة :
_ أنت جاي تقولي أنا ؟؟ ما تروح يابني نادي لداوود وقوله يلحق اخوه .
ركض الصبي ينفذ أوامر جيهان بسرعة الصارخ بينما تحركت جيهان بشبه هرولة خارج أسوار المنزل وخلفها افكار التي لم تفهم شيئًا مما يحدث، لكنها سارت خلفها حتى إذا احتاجت إليها .
ثواني حتى توقف الاثنان أمام أحد المنازل التي نشبت على اعتابه شجارات صاخبة بين العديد من الأشخاص لا تعلم منهم سوى شقيق داوود الذي ركضت له جيهان تحاول جذبه بعيدًا عن فتاة أخرى وهو لا يتوقف عن الصياح :
_ براحتك يا آلاء، لكن بعيد عن عيالي وإلا والله لهيكون ليا تصرف تاني معاكِ .
صاحت آلاء في المقابل بقهر لتهديده لها بهذا الشكل وأمام الجميع :
_ ما هو براحتي يا حامد امال براحة مين؟! بعدين عيال مين يا ابو عيال ؟! دلوقتي افتكرت أنهم عيالك يا حبيبي ؟؟ الله يرحم ايام ما كنت بتشوفهم في صلاة العيد بس عشان تديهم العدية.
وقبل أن ينهرها حامد بردٍ يصمتها، تدخلت افكار كعادتها أثناء فض شجارات حارتها المتتالية :
_ يا جماعة مش كده ده شيطان ودخل بينكم، يسوى ايه تخربوا بيتكم عشان شوية كلام زي ده .
صرخ حامد لا يرى ابعد من غضبه وهو يود لو يقفز ويجذب آلاء من حجابها ويلقيها في منزلهم ساجنًا إياها بلا خلاص :
_ الأستاذة المحترمة ما صدقت تخلص العدة وجريت على طول تدور على عريس ..
نظرت افكار لالاء وهي تستنكر عليها هذا الفعل :
_ لا لا مينفعش يا مدام كده بلاش تسرع في الحوارات دي .
لكن آلاء لم تصمت وهي تدافع عن نفسها أمام افكار دون شعور :
_ يا سلام ؟! ما الاستاذ المحترم مستناش حتى يطلقني وكان متجوز عليا .
نظرت افكار لحامد بحنق :
_ لا لا مينفعش يا استاذ كده ..
صرخ حامد بجنون في وجه آلاء وقد اعماه غضبه عن التصرفات الصحيحة أو الخاطئة نسى أنهما في منتصف الطريق وليس في المنزل تجاهلوا كل شيء ولم يروا إلا غضبهم :
_ وانا يعني كنت لقيت اللي ياخد باله مني عشان مبصش برة .
نظرت افكار لالاء باستفسار :
_ ايه يا مدام مكنتش بتغسلي ليه شرباته ولا ايه ؟!
اجابتها آلاء بقهر وقد شعرت به يجرحها وأمام الجميع في منتصف الطريق ولم يضع أي اعتبار أنها كانت في يوم من الأيام زوجته، والآن هي والدة أطفاله :
_ الاستاذ مش عاجبة اني تعبانة وطالع عيني عشان يجي يتأمر.
نظرت له افكار وودت لو تبصق في وجهه :
_ تصدق أنت راجل ناقص ؟؟ أنتِ كنتِ مستحملاه ازاي ؟!
صرخ حامد بجنون في وجهها :
_ هي اللي مستحملاني برضو ؟؟
هزت الاء رأسها واجابته بسخرية :
_ كتر خيري والله، وياريت نفع معاك .
تدخلت مجددًا افكار تزيد من الطين بلة :
_ والله أنتم فعلا خسارة في بعض، أنا شايفة إن الانفصال افضل حل، هو راجل ناقص وأنتِ ست خلقك في مناخيرك متنفعوش لبعض .
وفي ثواني أتت كلمات افكار ثمارها حينما اشتعل الشجار أكثر وأكثر عن سابقه وهي ما تزال تقف في المنتصف تساهم في تزويد نيرانهم بالحطب، في الوقت الذي وصل به داوود سريعًا ليُصدم بذلك المشهد ...
تحرك صوبهم وهو ينظر لافكار بغضب :
_ أنتِ بتعملي ايه هنا ؟؟
صرخت افكار وهي تحاول إبعادهم عن بعضهم باستنكار :
_ بشوف العالم اللي متربتش دي .
اشتعل غضب داوود وقد وصلت حمم بركانه للفوهة وهو يصرخ بجنون في وجه افكار :
_ ارجعي البيت يا مصيبة أنتِ، مش همشي الملم البلاوي من وراكِ .
رمقته افكار بحنق قبل أن تتحرك بعيدًا عن الشجار تاركة له حرية التدخل والتصرف لفض الأمر :
_ يارب تولعوا في بعض ...
_____________
بعد أن تقدم لخطبتها رسميًا، كانت صدمة تحديدًا لوالدة روضة التي لا تقبل بتلك العلاقة مُطلقًا، ولكن رأيها لم يشكل فارقًا مع ابنتها المغرمة به وزوجها الذي يراه الزوج الرائع لابنته..
الشرط الوحيد التي وضعته والدة روضة لهما هو أن يكن هناك فترة تعارف مناسبة قبل أن يقام حفل الخطبة بطريقة رسمية ووافق زوجها على مضض حتى يتخلص من أزعاجها المستمر له وكلماتها الحادة.
اليوم أستأذن ياسر عمه بأن يقوم بدعوة "روضة" لتناول الطعام سويًا حتى تكن فترة تعارف حقيقية ولم يكن هذا اقتراحه بكامل أرادته بل كان هذا نابع من إلحاح روضة المستمر عليه، وقرر أنه لا بأس سيتناول طعام جيد في النهاية وسيكن يوم لطيف إذا كانت تريد بهذا الشكل لتفعل ليست مشكلة بالنسبة له...
تجلس على المقعد أمامه ويتناول هو الطعام معها في لذة وسعادة ويتحدث معها في مواضيع مختلفة وقال في وسط حديثه:
_بس أنتِ غريبة أنك وافقتي عليا مع أني أعرف أن في بينك وبين خطيبك الاولاني قصة حب.
أبتلعت الطعام في صعوبة ثم قالت في توتر:
_لا ولا قصة حب ولا غيره هو كان عاجب ماما وشافته متدين وكده وعلشان كده وافقت بيه بس هو طلع غير كده خالص، وأهو تجربة وعدت خلينا في اللي جاي أحسن...
وافقها ياسر الرأي وغمغم بهدوء شديد وصوت خافت بعض الشيء:
_على فكرة أنا حابب أصارحك بحاجة علشان نكون داخلين على نور.
_تصارحني بأيه؟!.
أردف ياسر في ثبات وكأنه يضمنها :
_أنا أتجوزت أربع مرات قبل كده.
شحبت ملامح وجه روضة في ثواني، أي زواج هذا الذي يحكي عنه؟!!.
وتزوج من أربعة؟!!!
قالت روضة في استنكار:
_أنتَ بتهزر معايا صح جواز أيه؟!.
تحدث ياسر في وقاحة شديدة:
_لا والله مش بهزر أنا أتجوزت أربع مرات قبل كده.
غمغمت روضة في عدم تصديق:
_ازاي؟!!! عمرنا ما سمعنا أنك أتجوزت.
_يعني كانت جوازات عرفي كلها وانا مسافر وواحدة هنا
رددت كلماته في بطء شاعرة أن قلبها سيتوقف :
_عرفي!!.
هز ياسر رأسه مؤكدًا حديثه ثم أضاف في سلاسة ونيرته خرجت حزينة مهمومة :
_بصراحة كنت بحب أجرب اللي معايا لو حسيتها بتحبني علشان أنا ياسر مش علشان فلوسي كنت هكمل معاها الجوازة لكن كل واحده أتجوزتها كانت باصة للي معايا محدش فيهم بص ليا ولا حبني علشان كده كل الجوازات دي مكملتش، لكن أنتِ بنت خالي وأنا متأكد في تربيتك وأصلك وعارف كويس أنك عمرك ما هتبصي لفلوسي لأنك بني أدمه شبعانة ونضيفة ومتربية، أنا محبتش نبدأ حياتنا بكذب على بعض وحسيت إني لازم أعرفك.
أبتلع ريقه وأسترسل حديثه في خفوتٍ:
_لازم أعرفك أيه أكتر حاجة بضايقني أن الست اللي قدامي تحسسني أنها مش عارفة تتصرف لوحدها أو أنها بتستغل الراجل اللي معاها، وبكره البخل وبكره أي حد بخيل خصوصًا الست، بحبها نزيهة وبتحب تدلع نفسها واللي حواليها وأن تكون أخر حاجة تهمها الفلوس، وياريت المعلومة اللي قولتها دي متبوظش جوازتنا.
تحدثت روضة في حيرة شديدة وقد شعرت بصدمة ضربت رأسها، ما الذي يتحدث عنه في هذه اللحظة ؟؟ هل تقبل به بعد كل ما علمت ؟؟ لكنه اعترف في النهاية وهذا يعني حسن نيته صحيح ؟؟
_أنا مش عارفة أقولك أيه يا ياسر.
غمغم ياسر في هدوء شديد :
_تقوليلي أن اللي فات ميهمكيش، وصدقيني أنا شايف فيكي الزوجة الصالحة اللي تشيل أسمي وتجيب ليا عيال تورثني، وشايف إني استأمنك على شرفي وعلى عرضي واسمي.
خجلت قليلا من عبارته البسيطة ثم سألته:
_هو أنتَ لو يعني موضوعنا مشي على خير هنسافر أنا وأنتَ ؟؟
_يعني نص السنة هنبقى هناك ونص السنة هنبقى هنا، هنظبطها.
قالت روضة في هدوء ومازالت الحيرة والتردد يعلوان وجهها، لكن رغبتها في زفاف الاحلام تتغلب على أية اعتبارات، لذا رأت أن تنهي هذا النقاش حتى تستقر على قرار :
_أنا شايفة أننا نطلب الشيك أحنا أتاخرنا اوي ومخلصين أكل من بدري والكلام أخدنا.
أعلن هاتفه عن رسالة من والدته ليزفر ياسر بصوت مرتفع قائلًا وكأنه يتحدث لنفسه :
_ بكره انا الرسايل من البنك كل ما حد يعملي تحويل لازم أتصل بالبنك وحوارات، هخرج اتكلم برا براحتي اطلبي الحساب عقبال ما أخلص وأجي.
هزت رأسها في إيجاب وبالفعل أشارت إلى النادل ليأتي لها بالفاتورة وسلمها الدفتر المصنوع من الجلد، كادت تضعه أمامها وتنتظره، لكن فجأة فتحته وحديثه يرن في عقلها ...
"_لازم أعرفك أيه أكتر حاجة بضايقني أن الست اللي قدامي تحسسني أنها مش عارفة تتصرف لوحدها أو أنها بتستغل الراجل اللي معاها، وبكره البخل وبكره أي حد بخيل خصوصًا الست بحبها نزيهه وبتحب تدلع نفسها واللي حواليها وأن تكون أخر حاجة تهمها الفلوس"..
أخرجت المحفظة من حقيبتها وقررت أن تقوم بدفع الحساب وبالفعل وضعت النقود، ثم أغلقت الدفتر وسلمته للنادل وجاء ياسر في هدوء قائلا على الرغم من أنه قد رأها من بعيد تفعل ذلك:
_جابولك الحساب؟!.
_أه جابوه وأنا حاسبت.
زفر ياسر متحدثًا بانفعال شديد يظهر رفضه الشديد :
_حاسبتي أزاي ده؟! وأنا مليش لازمة ازاي تحاسبي وأنا موجود ؟؟
توترت روضة من انفعاله ثم قالت:
_خلاص يا ياسر عادي أحنا هنبقى واحد أنا أو أنتَ مش فارقة وبعدين مرة تانية أعزمني أنتَ..
___________
ابتعدت عن النافذة المطلة على الشارع الرئيسي وقد يأست من عودة زوجها، فمنذ غادر صباحًا لم تر وجهه على عكس العادة .
نفخت بيأس وهي تقرر أن تذهب لزيارة حماتها وتستفسر منها على مكان زوجها العزيز .
وسريعًا وضعت ملحفة سوداء أعلى جسدها تخفي بها تلك الثياب المنزلية التي تتفنن في انتقائها بنفسها لأجل إشعال جنون حامد بها .
خرجت من المنزل تغلق بابه خلفها، ومن ثم سارت الهوينة في الحارة، تتمختر براحة شديدة حتى وصلت على اعتاب منزل زوجها الذي نبذته كي لا تصبح أسفل أعين حماتها وتتقيد حركتها...
وقفت أمام الباب تطرقه منتظرة الرد بفارغ الصبر ...
في تلك اللحظات كانت افكار تستعد للرحيل وهي تودع جيهان، ثم تحركت صوب الباب الداخلي للمنزل تتفحص حقيبتها كي تتأكد أنها لم تنس شيئًا، وحينما كادت تفتح الباب سمعت طرقًا عليه .
فتحت افكار الباب وهي تستقبل فتاة تتشح بالاسود وتقف بشكل متعرج تقول ببسمة مغوية:
_ مساء الخير يا شاطرة طنط جيهان هنا ؟!
نظرت لها افكار من أعلى لاسفل بتفحص :
_ طنط جيهان جوا، اقولها مين ؟!
تحدثت أمنية وهي تدخل المنزل بصوت هادئ مبتسمة :
_ قوليلها أمنية جات عشان تسألها على حامد .
وبمجرد سماع افكار لاسم حامد حتى امتصت شفتيها بقوة وبانت ملامح الحسرة والقهر أعلى وجهها، وشرعت تمارس هوايتها المفضلة، ألا وهي الندب والنحيب :
_ سي حامد ؟؟ عيني عليه حظه قليل في الدنيا يا هانم .
نظرت لها أمنية بعدم فهم وقالت :
_ ليه كده ؟؟ حصل ايه ؟!
_ حصل ايه ؟؟ ده حصل وحصل وحصل يا ست هانم، انهاردة حصلت خناقة في الحارة بين سي حامد ومراته اللهي ربنا يهدي سرهم يارب ويبعد عنهم ولاد الحرام اللي دخلوا بينهم ..
اتسعت عين أمنية بعدم فهم :
_ مراته ؟!
هزت رأسها تقول بحسرة :
_ أيوة مراته الست الاء، ست زي حتة الدهب لو عاش يدور على واحدة زيها ما هيلاقي ضفرها، طب والله اقطع دراعي أما كانت فيه ست حرباية في الموضوع، هي تلاقيها ست دخلت لفت على حامد وخطفته من مراته، بس على مين يمهل ولا يهمل، بكرة ربنا يوريها الويل ويجمع شملهم تاني .
كانت أمينة تنظر لها بشر وعيون متسعة بغضب في اللحظة التي ارتفع بها صوت جيهان تقول بتعجب :
_ ايه ده أمنية عندنا في البيت ؟؟ خير يابنتي ؟؟
نظرت افكار لجيهان بفضول وهي تقول :
_ حضرتك تعرفيها يا ست جيهان ؟!
قالت جيهان متعجبة تعابير وجه أمنية التي كانت توحي بقرب انفجار مخيف ..
_ أيوة دي أمنية مرات حامد ....
وعند تلك الكلمات رأت افكار نهايتها في ذلك المنزل لاعنة لسانها الطويل وهي تهمس بصدمة مبتلعة ريقها :
_ مراته ؟؟؟؟؟
_____________________
ذلك النوع الثرثار الذي يتعجل نهايته بكلمة، نعم ذلك النوع هو أكثر الأنواع ازعاجًا في الحياة، لكن ما السبيل وقد ارتبط قدره بها ؟؟
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه. FatmaSultan947
رواية إعلان مُمَوّل الفصل السابع 7 - بقلم رحمة نبيل
الفصل السابع من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل& فاطمة طه سلطان
صلو على نبي الرحمة.
بعتذر للتأخير بسبب ظروف عندي أنا وفاطمة فتأخرنا في مراجعة الفصل .
قراءة ممتعة
____________
- مراته؟؟؟؟؟
أومأت لها جيهان متعجبة وقفة الاثنتين المتحفزة تحديدًا أمنية وكأنها على وشك خوض حرب عاتية :
_ فيه أيه أنتِ وهي واقفين على الباب كده ليه ؟! ما تدخلوا جوا، ما تدخلي يا أمنية يا حبيبتي.
توترت أفكار وهي تلعن لسانها فهي تعلم، تعلم أن نهايتها ستكون بسبب لسانها الذي لا تتحكم به ابدًا، ماذا كان سيحدث لو أنها بكل بساطة فتحت الباب لتلك الفتاة وتركتها لجيهان ورحلت لمنزلها ؟؟ على الأقل كانت تجنبت تلك الورطة..
وأمنية جوارها كانت طاحونة تدور داخل رأسها، تجمع حطب غضبها لتشعل بركانًا في صدرها لن يجد غير حامد ليثور في وجهه..
أبتسمت أفكار بتوتر وهي تحاول أن تجد كلمات تسعفها في تلك الحالة :
_ أصل هي كانت جاية تسأل على الأستاذ حامد وأنا قولتلها يعني أنه مش هنا..
وافقتها جيهان وهي التي ظنت أن ولدها قد عاد لمنزله بعد تلك المعركة الحامية بينه وبين طليقته، ولكنها امتنعت عن التفسير ولا تعلم أن أفكار أخبرتها بكل شيء بسرعة رهيبة:
_ أيوة صح يابنتي هو مجاش انهاردة غير الصبح وبعدين مشي.
كانت بسمة أمنية تنذر بقرب عواصف ستزيل راحة حامد المزعومة بزواجه الجديد، هزت رأسها ببطء وقالت :
_ وبعدين راح فين ؟؟
صمتت جيهان لا تدري ما تريده من وراء ذلك السؤال، لكن أمنية لم تنتظر منها سؤالًا لتوضح وقالت :
_ راح عند طليقته مش كده ؟؟ أيه مش قادر يستحمل بعدها وراح عندها يبوس الأيادي ؟؟
ضربت جيهان صدرها باعتراض على تلك النبرة وذلك الحديث فهي لا تدري من أخبرها بالأمر :
_ أنتِ بتقولي أيه يابنتي بس ؟؟ مين اللي جاب سيرة طليقته كل واحد راح لحاله.
أشارت أمنية بغضب صوب افكار التي لم تكد تهرب حتى سمعت صرخة السيدة بها :
_ البنت دي اللي قالتلي، بقى أنا ابنك اللي قعد يبوس الأيادي ويحفى عشان اوافق عليه، يروح لمراته عشان يصالحها ؟!
ابتلعت أفكار ريقها وهي تحاول التدخل لتحسن أكبر قدر ممكن مما فعلت :
_ لا أنتِ فهمتي غلط دول كانوا ماسكين في بعض وهيموتوا بعض أساسًا .
قالت جيهان بتريث وتعقل وهي تلعن أفكار بداخلها :
_ اهدي بس يابنتي الموضوع ميستاهلش ..
ثارت ثائرة أمنية وهي تصرخ بجنون :
_ ميستاهلش ؟؟ لما يروح لطليقته قدام الكل ويحاول يرجعها وهو سايب كلبة في بيته يبقى ميستاهلش !!
استغلت أفكار ذلك الصراخ الذي نشأ بين جيهان وأمنية وتحركت صوب الباب لتهرب منه، لكن ما كادت تخطو خارجه حتى قابلت داوود الذي قال بتعجب :
_ أيه الصوت العالي ؟؟ في أيه يا أفكار.
نظرت له أفكار وهي تكاد تبكي خوفًا من خسارة وظيفتها :
_ والله يا باشا ما اعرف هي اللي أول ما فتحت ليها الباب اتعصبت وانفجرت في الست جيجي، أنا مليش ذنب .
مسح داوود وجهه بعصبية وقد أدرك أن هناك كارثة أخرى حدثت في منزله من وراء رأس تلك المصيبة التي تسمى أفكار :
_ هو أنا يابنتي مفيش مصيبة إلا والاقيكِ فيها ؟؟ اتقي الله بقا.
_وأنا مالي يا بيه مليش ذنب معملتش حاجة.
نفخ وهو ينظر للمنزل الذي خرج منه اصوات الصراخات المتزايدة :
_ اما نشوف عملتي ايه المرة دي ؟؟؟.
_________________
تجلس في حيرة شديدة...
تستمع إلى حديث والدها ووالدتها، أحدهما يشجعها على شجارها معه وأن هذا هو ما يستحقه رجل فاسق مثله وكان هذا الشخص هو والدها، بينما والدتها حانقة ورافضة لكل ما يحدث أما هي لا تتفوه بشيء فقط تأخذ وضعية المشاهد.
صاحت والدتها في ضيقٍ شديد:
_أنا مش عاجبني كل اللي أنتم بتعملوه ده، أصلا هي ملحقتش تقعد مع نفسها وتفكر بعد طلاقها، وبعدين دي واحده عندها بدل العيل تلاتة، رايح تجوزها بالسرعة دي جوازة لقدر الله تجيب الرابع منها وتقعد بيهم جنبك؟!.
أردف والد ألاء في انفعال تحت أنظار ألاء المتوترة والتي لا تعرف ما الذي حدث حقًا حتى أصبحت في منزل والدها وتطلقت من زوجها مازالت لا تدرك فكل شيء حدث بسرعة رهيبة لا تفهمها:
_أومال عايزة البت تقعد تبكي على الأطلال علشان ذكرى الباشا؟! ما يغور ما في داهية وبعدين العريس لُقطة مفيهوش عيب ده اللي مشافتش جواز تتمنى واحد زيه، يعني هو يروح يتجوز ويشوف حياته وبنتي أنا اللي هتقعد للنكد والهم ما تشوف حياتها هي كمان.
تمتمت والدتها في عقلانية:
_مقولناش تقعد على ذكرى حد بس أحنا في مجتمع لو الراجل أتجوز عشرين مرة محدش بيقوله أنتَ من جماعة مين، لكن الست لا، وهي لسه نازلة الشغل يعني تشوف حياتها ودنيتها الأول وبعدين تفكر في الجواز ده الكلام اللي العقل بيقوله.
ثم أردفت في نبرة ذات مغذى وهي توجه حديثها إلى ابنتها:
_وبعدين بنتك لو عايزة تتجوز ولا بتحب الجواز أوي كانت حافظت على جوزها وشافت طلباته مكنتش تعيش ليه دور الأم وبس كان لازم تكون له زوجة، أبو ولادها كان أولى من أنها تفكر تتجوز غيره.
رد عليها زوجها في سخرية:
_نقطينا بسكاتك أنتِ بس وأنا عارف أنا بعمل أيه، عياله هو يشربهم، لما اديته بنتي كنت مديهاله لوحدها ورجعتلي لوحدها وأجوزها مجوزهاش محدش له فيه.
سألتها والدتها في غضب شديد:
_هو أنتِ عايزة تتجوزي يا ألاء؟!.
أرتبكت ألاء بسبب نظرات والدها الثاقبة لها وغمغمت في تردد على الرغم مما فعله معها حامد إلا أنها لا تجد نفسها تصلح زوجة لرجل غيره حتى الآن:
_يعني أنا شايفة إني أخد وقت أفكر أحسن بعدين أقول رأيي.
تحدث والدها في تشنج وهو يوجه أنظاره إلى والدتها في لوم:
_البت هترفع ضغطي، وهتسمع كلامك، الفرصة دي لو ضيعتها من ايدها مش هتلاقي زيها تاني، الراجل شاريكي.
عقبت ألاء في خفوت وتوتر:
_أيوة بس أنا من حقي أفكر علشان ولا أظلمه ولا أظلم نفسي في تجربة تانية، يعني ممكن يسيبني فترة أفكر أحسن علشان ماخدش قرار أندم عليه.
صاح والدها في انفعال شديد وغضب جامح:
_براحتك يا ألاء أسمعي كلام أمك لغايت ما الراجل يطفش ووريني بقا الفرصة دي هتجيلك تاني ازاي.
أردفت زوجته معقبة على حديثه في صوت مرتفع مما جعل ألاء تعلم بأن الشجار لن ينتهي تلك الليلة على الأغلب:
-متضغطش على البنت وسيبها تفكر براحتها.
__________
كان مستلقي على الأريكة بتعب شديد وقد سقط في النوم دون شعور، فبعد ساعات طويلة لمحاولة إخماد غضب زوجة أخيه استطاع اخيرًا أن يفعل ويعيدها لمنزلها مع نظرات توعد من جهتها لأخيه، ومن بين كل تلك الأفكار ظهرت هي ...أفكار، تلك الكارثة التي أُلقيت أعلى رأسه لتحيل المتبقي من حياته لجحيم .
سقط داوود في نومة عميقة دون شعور وهو يتذكر كل ما مر به خلال الأيام السابقة، ولا يدري كيف اجتازه وهو ما يزال يحتفظ بعقله .
انتفض جسده فجأة على هزة خفيفة، حرك عيونه ليجد أنه غفى على الأريكة في منزله وصوت والدته تقول
_ بسم الله عليك يا حبيبي، أنا بس جيت اصحيك عشان تتعشى بدل ما تنام على لحم بطنك يا عنيا ..
نظر لها بنعاس شديد يحاول أن يتغلب على كل المغريات للعودة إلى النوم وهو يقول :
_ أنا صحيت اهو يا حبيبتي، أنا فايق ..
وضعت جيهان صينية أمامه مليئة بالعديد من الأصناف تردف بسعادة :
_ طب كل يا حبيبي كل وقول رأيك، ده انا اللي عملاهم بأيديا
ابتسم داوود على تلك المزحة وهو يمسك الملعقة يسمي الله ثم تناول بالطعام ليستشعر طعمًا في غاية اللذة :
_ الأكل جميل اوي .
ابتسمت جيهان باتساع وفخر شديد ليفاجئها داوود بجملته التالية :
_ جبتيه منين ؟؟
نظرت له بعدم فهم :
_ يعني ايه جبته منين ؟! أنا اللي عملته .
ضحك داوود بصخب يشرب بعض المياه ثم قال :
_ لا والله بجد جبتيه منين ؟!
استاءت جيهان من كلماته تلك وتشكيكه في قدرتها قائلة :
_ على فكرة أنا ممكن اعمل أكل احسن من كده، بس أنا مش فاضية فخليت افكار هي اللي تعمل وانا اللي كنت بشرف عليها واقولها تعمل الاكل ازاي .
هز داوود رأسه يدعي الاقتناع :
_ أيوة امال ...لحظة، بتقولي افكار ؟؟
هزت والدته رأسها تمرر له قطعة دجاج :
_ أيوة افكار هي اللي بتطبخ لينا .
تشنجت ملامح داوود مرددًا بعدم فهم :
_ أنا بس عايز افهم هو أنتِ مشغلة البنت دي ايه هنا بالضبط! يعني شوية مربية، وشوية بتروق البيت، وشوية تعمل الاكل، ناقص ايه مشغلتيهاش فيه..
وضعت جيهان يديها على صدرها باعتراض وادعاء مسكنة :
_ أنتَ بتقول أيه بس يابني ؟؟ هو أنت بتتكلم كأني بعذبها ليه، طب ده هي اللي دايما بتتحايل عليا أنها تساعدني وانا برفض، لكنها بتصر وبتزعل مني فأنا مش بحب ازعل حد مني أنت عارف .
هز رأسه وهو يبتسم بسمة جانبية :
_ عليا يا جيجي، ده انا عارفك، والله تلاقيكِ بتضحكي على البنت المسكـ ...على البنت القادرة دي .
زفرت جيهان بغضب وحنق شديد وهي تنهض :
_ أنت هتعمل تحقيق عليا، أنا هقوم اجبلك عصير.
ضحك عليها بصوت عال وهي تسير صوب المطبخ تتمتم بغضب وصوت مرتفع عن كم هو ولد قليل التربية وناكر للجميل وعدو للنجاح وآكل لمال اليتيم..
_ طب والله أكلها حلو اللي اسمها افكار دي ...
_____________
أقتربت من المنزل بتعب شديد، لا تدري أمن عمل اليوم أم مما تكبدته من عناء أثناء مشاجرات اليوم؟! حسنًا على أية حال هي عليها أن تتعلم فقط أن تتحكم في كلماتها أو على الأقل تقوم بالعد حتى المليون قبل التحدث، فإما أن تدرس كلماتها قبل النطق بها، وإما يمل منها الواقف أمامها ويغادر ولا يكلفها عناء تبرير سخافة حديثها .
وقفت أفكار أمام باب المنزل تبحث عن مفتاحه في الحقيبة، لكن فجأة سمعت صوتًا ليس بالغريب عليها، لكنه أيضًا أصبح غير مألوفًا لمسامعها في الفترة الأخيرة.
اقتربت بأذنها من الباب ترهف السمع لذلك الصوت الذي كان يتحدث مع والدتها ..
_ والله وأنتِ وحشتيني أوي يا أمي، بس اعمل ايه الشغل والبيت اخدوا وقتي كله .
سمعت أفكار صوت والدتها تجيب على شقيقها الأكبر وهي تربت على ظهره بحنان :
_ يا حبيبي ربنا يعينك، كفاية أنك بتسأل عليا، أنا أساسا مليش غيرك يسأل عليا وكلهم راميني كده، اللهي تكسب وتربح يا بني ويرزقك يارب بالخير، مليش غيرك في الدنيا دي .
فتحت أفكار عيونها بصدمة تفتح الباب على حين غرة لينتفض الاثنان بالداخل ويتحدث شقيقها بغضب مشحون :
_ ايه يا زفتة مش تخبطي الباب ؟!
رفعت أفكار حاجبها بحنق وهي تقول :
_ اخبط باب ايه ؟! ده بيتي .
كانت تتحدث وهي تنظر لوالدتها تنتظر أن تدافع عنها ضد ذلك المتطفل الذي يُسمى _ ظلمًا _ أخيها، وكذلك فعلت والدتها حين هبت للدفاع، لكن ليس عنها بل عن ابنها وهي تقول :
_ سيبها يا حبيبي، سيبها دي واحدة شلق أساسا وبتاعة مشاكل ولسانها اطول منها، مش كفاية سيباني طول اليوم في البيت لوحدي، لا وجاية تبجح في الوحيد اللي بيقعد معايا وبيسأل عليا فيكم .
اتسعت أعين أفكار بصدمة وهي تشير لشقيقها :
_ الوحيد اللي بيقعد معاكِ ايه يا حاجة ؟؟ ده أنتِ آخر مرة شوفتيه فيها كان لسه بشعره.
تحسس شقيقها رأسه الخالي من الشعر وهو يقول باعتراض :
_ أيوة ..أنا .. أنا باجي ازورها على طول بس أنتِ مش بتبقي هنا، صح يا أمي ؟؟
ربتت عليه سكر بحب كبير :
_ صح يا قلب أمك وهو أنا ليا غيرك يا ابني، ده كفاية دخلتك عليا كل يوم شايل أكل قد كده وجايبلي اللي نفسي فيه .
كانت تتحدث سكر بحب وهي تشير للطعام الموضوع أمامها والذي لم تتناول لقيمة واحدة منه حتى، بل إن خليل هو من أنهاه بالكامل وحده.
تشنجت ملامح أفكار وهي تشير صوب خليل الذي دفع بكامل الطعام لفمه حينما أبصر قدومها :
_ أكل ايه يا حاجة ؟؟ ده طفحه كله على بؤق واحد .
استاءت سكر من كلماتها التي تسببت في إزعاج ابنها، لتهب قائلة :
_ جرا ايه يا بنتي هتبصي لاخوكِ في اللقمة ؟! مش كفاية مكدرة عليا عيشتي وحرماني من اللي نفسي فيه ؟!
أشارت أفكار على نفسها بصدمة :
_ أنا ؟! أنا حرماكِ ؟! وهو اللي مدلعك يعني ؟! يا امي يا حبيبتي ده نسي أنك عايشة أساسا ..
نظر لها شقيقها مستنكرًا تلك الكلمات التي تتهمه ذاك الاتهام البشع، يبتلع الطعام في فمه ليكون قادرًا عن الدفاع عن نفسه :
_ سامعة يا امي، سامعة بنتك ؟! بتحاول توقع بينا .
نظرت لها سكر كالقطة التي تهب للدفاع عن أولادها لتستشعر أفكار بالغيظ الشديد :
_ يا أمي أنتِ هتصدقيه وتقفي معاه !! ده أنا أفكار حبيبتك اللي بعملك كل اللي بتحبيه وبشتغل عشان اشتريلك أي حاجة عايزاها .
_ والراديو ؟! جبتيلي راديو ؟؟
ضربت افكار كف بالآخر حانقة من ذلك الأمر الذي تعود له كلما اشتد الحوار بينهما :
_ يا امي هو احنا كل ما نتكلم كلمة لازم ندخل الراديو بينا ؟! وبعدين أنا جيبته هو أنتِ نسيتي ولا أيه في يومنا ده؟!..
زفرت ثم نظرت لشقيقها وقالت :
_ طالما هو حبيب قلبك كده مجابش ليكِ الراديو ليه؟!
نظر لها شقيقها وقال رافعًا إصبعه في الهواء :
_ بعونك يارب اخلص بس الشغلانة اللي داخلها واجبلك اجدعها راديو يا حاجة وأحدث من اللي جابته ليكي كمان.
نظر لوالدته وقال بصوت منخفض متوسل :
_ بس أنتِ يا حاجة هاتي اللي اتفقنا عليه عشان اخلص الشغلانة.
وسريعًا بدأت سكر تخلع الاساور الذهبية التي تزين يدها لتعطيها لابنها الذي التمعت عينه بالسعادة الكبيرة، وأفكار نظرت لهما بصدمة تنقض على والدتها وهي تمنعها من خلع اسورة واحدة :
_ أنتِ بتعملي ايه يا اما ؟؟ هتديله الدهب بتاعك ؟؟
نظرت لها والدتها بعدم فهم :
_ وفيها ايه ؟! مش ضنايا واسنده في زنقته ؟!
_ وأنا في زنقتي مسندتنيش ليه ؟؟ ده أنتِ كنتِ فضحاني في الحارة عشان الراديو حتى بعد ما جبته وكنت مش عارفة اكمل جهازي يا حاجة ولا عبرتيني، جاية دلوقتي تقلعي الدهب وأنتِ مبتسمة وبنفس راضية عشان جابلك ربع فرخة وبجنيه مخلل وهو اللي أكلهم في الآخر ؟!
هب شقيقها سريعًا يحاول أن يدافع عن نفسه كي لا يخسر صف والدته وأيضًا ذهبها :
_ أنتِ بتقولي ايه؟! بتتكلمي كأني واحد غريب، دي امي.
وقفت أفكار أمامه تتحداه :
_ دلوقتي افتكرت أنها أمك ؟؟ أمال مين اللي بيرميها بالسنين مش بيفكر حتى يسأل عليها ؟! ولا هو وقت المصلحة تفتكر أن ليك أم وأخت ؟؟
نظر لها شقيقها بتوتر وهو يحاول انتقاء كلماته، لكن أفكار قاطعت أي محاولة عليه وهي تقول بجدية مشيرة لباب المنزل :
_ حابب تقعد هنا عشان تطمن على أمك، فده بيتك ومطرحك، لكن تقعد هنا عشان مصلحتك وتقلب أمك في آخر كام حتة دهب معاها يبقى اسفين تقدر تمشي .
رمقها بشر :
_ يعني ايه يا أفكار ؟!
_ يعني اللي سمعته، زق عجلك وروح شوف مراتك قبل ما تشم خبر أنك جيت عند امك واشتريت ليها أكل عشان تأكله أنت.
ابتلع شقيقها ريقه قبل أن ينظر إلى والدته التي كانت تنتظر منه أي كلمة، لكنه فقط هز رأسه وتحرك ببساطة خارج المنزل وهو يستأذن منهم .
بينما أفكار ظلت ترمقه بلا كلمة حتى عبر الباب ورحل، أستدارت أفكار لوالدتها كي تتحدث بكلمة تراضيها بها، لكن سمعت فجأة صوت والدتها تقول:
_ شوفي الواد القليل الأصل جاي يقعد معايا وعايز يبيعني البيت وقال ايه عايز يضحك عليا بفراخ مشوية، والله انا ما ليا غيرك يا أفكار يا بنتي .
نظرت لها أفكار بصدمة لتبتسم سكر وهي تقول :
_ ما تقومي كده تعملي لينا لقمتين لأحسن على لحم بطني من الصبح ..
_____________
تجلس في المنزل..
منتظرة إتيانه، على وشك أن تصاب بالجنون، كلمات تلك الفتاة التي جعلتها مشتعلة بحق تريد أن ترتكب جناية، نيران بداخلها، لم تكف عن تدليله بكافة الطُرق والوسائل لم تترك شيء إلا وفعلته حتى تجعله يشعر بالفرق بينها وبين زوجته، كانت له أمراة وأنثى يحتاجها ويحتاج وصلها وروحها واهتمامها به..
ليست أم تشكو طوال الوقت، كانت تسمع أحاديثه باهتمام بالغ حتى وإن كانت لا تهمها في أي شيء، برعت في تدليله وبعد كل ما فعلته له يفكر بزوجته السابقة؟!.
أفكار جعلت بداخلها نيران لن يقدر أحد على إطفائها وما يغضبها أنه لا يجيب على مكالمتها بل أختفى تمامًا عن الأجواء متأثر جدًا على الأغلب سخرت من نفسها ومن حظها، ما ينقصها حتى يشعرها بهذا الشعور المؤلم؟!! يريد جعلها تشعر بأنها لا تكفيه.
جالسة على الأريكة تترقب بين الثانية والأخرى ولوجه إلى المنزل...
وها قد أتت اللحظة التي دخل فيها المنزل بوجه جامد جدًا كان يحاول إطفاء بركان غضبه تلك الساعات التي قضاها بمفرده ولكنها لم تكن كافية لتهدأ لهيب قلبه، كيف لها بأن تفكر في الزواج من رجل غيره، بينما لم تكن زوجة له كما يحب كيف لها بأن تكن زوجة لرجل أخر؟! هذا السؤال كان يفقده عقله طوال اليوم كلما يعيد تكراره داخل عقله يغضب بشكل أكبر.
وجدها جالسة على الأريكة كمن يستعد إلى المعركة، غمغمت أمنية في نبرة ساخرة:
_أهلا يا حامد بيه، مبتردش على تليفونك ليه، وكنت فين طول اليوم؟!.
لم يركز في طريقتها بل ظن بأنها تتحدث بطريقة عادية فقال أول كذبة أستطاع عقله أن يخلقها:
_أبدًا الموبايل نسيته في المعرض وكنت عند ماما كان عندها دور برد.
كان يعلم بأن علاقة أمنية ليست قوية بعائلته ولا تتحدث مع والدته يوميًا بالتأكيد لا تعرف حالتها وستصدق كذبته...
أردفت أمنية متصنعة القلق:
_ياه ألف سلامة على طنط، كنت جيت أخدتني وروحتلها عملت الواجب برضو دي في مقام والدتي.
قال حامد بهدوء وهو يخلع ساعة يده ويضعها على الطاولة:
_لا متتعبيش نفسك كانت حاجة بسيطة الحمدلله.
صرخت أمنية وهي تنهض ثم وققت أمامه:
_أنتَ كداب يا حامد.
_أيه؟!.
تحدثت في انفعال شديد للمرة الثانية تؤكد حديثها:
_زي ما سمعت أنتَ كداب يا حامد وطنط مش تعبانة ولا حاجة أنا روحت بنفسي ليها لما لقيت جوزي مختفي ولا بيرد عليا، ولا أعرف له طريق روحت لأمك وعرفت اللي حصل يا عيني حبيبة القلب هتتجوز فأنتَ قلبك وجعك ومقدرتش تتحمل والنار قادت جواك.
ماذا فعلت والدته؟! هل كان يجب أن تخبرها ما حدث بالتفصيل؟! أين عقلها؟!!
أردفت حامد في توتر:
_أنتِ فاهمة الموضوع غلط يا أمنية.
صرخت أمنية في هياج:
_لا أنا فاهمة الموضوع صح أوي يا حامد، مدام لسه بتحب السنيورة مكنتش اتجوزتني، ده أنا قدت صوابعي العشرة شمع علشانك وعلشان أرضيك وعلشان أعرفك الفرق بين اللي بتحبك وبين اللي أنتَ مش فارق معاها.
أسترسلت حديثها في ثوران رهيب لا يقدر أن يسيطر عليه:
_ده أنتَ اتحايلت عليا وعلى بابا علشان أوافق أرتبط بيك مش أنا اللي جريت وراك ولا خربت بيتك، أنا معملتش حاجة حرام.
كان حديث أفكار يرن في أذنها وكأنها كانت تتهمها ولمست ضميرها بشكل ألمها لذلك كانت تحاول أن تثبت العكس أمام نفسها وأمامه.
اندهش حامد من طريقتها الغريبة مما جعله يتفوه:
_أنتِ جيبتي الكلام ده منين؟!.
_جيبته مكان ما جيبته، لو عايز ترجع لمراتك يا حبيبي ارجعلها أنا مش حاشياك لو عايز تكون زيك زي أي كرسي في البيت مع واحده مش مقدراك ولا معتبراك راجل في حياتها..
صرخ حامد بها تلك المرة في غضب مقاطعًا حديثها:
_أمنية أحترمي نفسك...
قاطعته أمنية في تهكم:
_دي الحقيقة معلش أصلها بتوجع، قبل ما تقل من نفسك وتقل من الست اللي بقت على ذمتك كنت أفتكرت الكلام ده من قبل ما أقوله..
هتف حامد وهو يكز على أسنانه في غضب شديد:
_يعني أنتِ مش هتجبيها لبر ولا هتلمي لسانك في أم الليلة دي؟!.
_لا.
أردف حامد وهو يلتقط ميدالية مفاتيحه التي وضعها بجانب ساعة يده على الطاولة:
_هسيبلك البيت تكملي خناق مع نفسك، علشان شكلك محتاجة تقعدي مع نفسك يمكن تعقلي وتعرفي أنتِ بتقولي ايه.
صاحت أمنية في غضب:
_يعني أنتَ بتهددني كده؟!! أنا عاقله يا حبيبي وعارفة بقول أيه لكن لو أنتَ بتتلكك فالباب يفوت ألف جمل.
رحل وأغلق الباب خلفه في عنف شديد جعلها تصرخ في انهيار:
_بالسلامة يا حامد، بالسلامة.
غادر المنزل وبعد وقت من قيادة السيارة بلا هدف ذهب إلى منزل العائلة ليفتح الباب ناسيًا أن يغلقه خلفه بسبب افكاره المزدحمة وكان الجميع خلد إلى النوم على الأغلب فتوجه صوب غرفة ابنائه مقررًا النوم بجوارهم....
_____________________
في الصباح الباكر..
ولجت أفكار إلى المنزل من البوابة الكبيرة، فهي كل يوم تأتي في الصباح الباكر في تمام السادسة لتقوم بعمل الصناديق البلاستيكة الخاصة بالأولاد تضع لهما الطعام فيهم وتجعلهم يستيقظوا للذهاب إلى المدرسة وتساعدهم في إرتداء ملابسهم، بعد سيرها لبضعة خطوات وصلت إلى باب الشقة وقبل أن تصل إلى الباب، وضعت يدها في حقيبتها لتخرج النسخة التي قامت جيهان بإعطائها أياها حتى عندما تأتي في الصباح الباكر لا تقوم بإزعاجها، وتجعل الأولاد تستيقظ وتقوم بتوصيلهم إلى الأتوبيس الخاص بالمدرسة..
أخرجته وما أن اقتربت من الباب وجدته غير مُغلق، فشعرت بالشك لوهله، تلك المرة الأولى التي تأتي بها وترى الباب مفتوحًا، ولجت إلى الداخل بهدوء شديد وخطوات بطيئة جدًا لمحت خيال رجل يرتدي زي مخطط ويتحرك في الرواق في وسط الظلام يحمل سكين أستطاعت أن تلمحها ويدخل غرفة الأطفال، سارت بخطوات بطيئة جدًا وطلت برأسها لتنظر إلى داخل الغرفة بقلق شديد وذعر وجدته يفتح باب الخزانة، هنا لم تتحمل وأخذت تتسائل هل هو قاتل، أم سارق؟!.
الجريمة كاملة حقًا هي كاملة كما تشاهدها في المسلسلات ولو صرخت من الممكن أن يقوم بقتلها ويهرب لذا يجب عليها أن تفكر في أسرع وقت ليس لديها متسع من الوقت، سارت في سرعة من أمرها ودخلت إلى غرفة داوود دون أن تطرق الباب فكانت تشعر بالخوف..
أقتربت من فراشه وضعت يدها على كتفها قائلة في نبرة خافتة:
_يا أستاذ داوود، يا داوود بيه أصحى، أصحى بسرعة.
فتح داوود عيناه بسبب نداء أنثوي ويد وضعت على كتفه فتحرك بذعر في الفراش وقال في صوت ناعس:
_أنتِ مين؟!
لم تفتح أفكار المصباح لذلك لم يكن يراها..
تحدثت أفكار في سخرية:
_أنتَ لسه هتتعرف عليا!! ألحق في حرامي ماسك سكينة في أوضة عيال أخوك جيت لقيت باب الشقة مفتوح حاولت ملفتش الأنظار قوم نلحقه قبل ما يعمل حاجة...
ثم أخذت تمارس هوايتها المفضلة وهي الندب:
-بسرعة يالهوي عليا، يا مصيبتك يا حاجة جيجي على أحفادك اللي هيروحوا في شربة مياة.
بعد كلماتها تلك لم يجد أي تعقيب مناسب يقوله، لم يفعل شيء سوى أنه نهض بذعر شديد حتى أنه كان على وشك أن يتعثر في الغطاء الذي بات أرضًا، وركض ناحية غرفة الأطفال وهي خلفه...
وجد شخص يقف ويعبث في الأغراض المتواجدة في الخزانة، هجم داوود على شقيقه، وهو يغلق باب الخزانة عليه تحت صراخات حامد ويلكمه في جسده بكل أوتي من قوة وما تصل يده له سواء في وجهه أو جسده وبسبب الصدمة والاختناق الذي شعر به حامد لم يستطيع أن يتحدث، أتت أفكار من الخارج وهي تضغط على زر المصباح تحمل في يدها حذاء منزلي، كانت تضربه بالجزء الظاهر من جسده بينما داوود يغلق عليه الباب بقدر المستطاع يخنقه بالفعل..
قالت أفكار وهي تضربه بالحذاء بالجزء الذي يظهر من جسده:
_أديله يا داوود بيه، محدش بقا عنده ضمير، حسبي الله ونعم الوكيل فيك وفي أمثالك
يصرخ حامد...
ولا أحد يهتم لأمره..
أستيقظ علي الذي رأي والده ليلة أمس فلم يكن قد ذهب في نوم عميق وشعر بإتيانه على قال بنعاس:
_أنتم بتعملوا أيه؟!.
أردفت أفكار بهدوء وابتسامة استطاعت رسمها:
_متاخدش في بالك يا حبيبي أنتَ روح عند ستك في اوضتها صحيها بسرعة
أستجاب الولد لأمرها ونهض من فوق الفراش وما أن كان على وشك مغادرة الغرفة نظر ناحية الخزانة ليجدهم محتجزين والده، عرفه من ملابسه..
فقال الولد وهو يصرخ:
_أنتم بتعملوا في بابا أيه؟!
أصابتهم الصاعقة..
وهما يرددا في نفس واحد وأرتخت قبضتهم وجسدهم الذي كانوا يحتجزوا به باب الخزانة:
-بابا!!!.
بمجرد أن سمع حامد الحوار الدائر بينهما وحديث ابنه وشعر بارتخاء إيديهم دفعهما ليسقطا الأثنان أرضًا، ثم ..........
___يتبع___
بعتذر لو الفصل قصير، لكن هي الفترة دي فاطمة مسافر وخلاص باذن الله هترجع على بكرة، وانا مشغولة في أمور كثيرة وعشان كده مراجعة أكثر من فصل هتكون صعبة بالنسبة لظروفنا..
وبإذن الله الأمور تستقر والفصل هيكون حجمه اكبر
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه FatmaSultan947
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الثامن 8 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الثامن من #إعلان_ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
باذن الله لو فيه تفاعل حلو على الفصل هينزل واحد تاني قبل السبت الجاي، يعني نخلي الاسبوع ده ثلاث فصول .
صلوا على نبي الرحمة
________
عم صمت خانق في الغرفة بعد كلمة الصغير التي أزاحت غيمة الغباء عن أعين افكار وداوود، اللذان سقطا ارضًا حينما دفعهما حامد عنه بعصبية كبيرة صارخًا ممسكًا برأسه التي تضررت بسبب ما تلقاه منذ ثواني، وجسده الذي يأن وجعًا، والكدمات التي بدأت تنتشر على وجهه، كل ذلك حدث دون أن يعلم السبب أو يدرك ما جناه ..
تأوه بصوت مرتفع صارخًا في وجوههم :
_ أنتم اغبية ؟؟ ايه ما صدقتوا تلاقوا حد وتنزلوا فيه ضرب ؟!
نظر داوود صوب شقيقه بتعجب، ومن ثم حدق بأفكار التي كانت تنظر لهما بريبة كبيرة، حتى أنها كادت تنسحب من المكان بأكمله..
_ أنا ... أنا فكرتك حرامي، هي جات صحتني وقالتلي إن فيه حرامي دخل اوضة الاولاد .
وعلى الفور سارعت افكار تبرر لهما بكلمات مندفعة دون أن تمهلهما فرصة واحدة لتوجيه أي كلمة إضافية لها قد تظلمها :
_ أنا مالي، هو أي بلوة افكار ؟؟ أنا دخلت اوضة العيال عشان اصحيهم زي كل يوم، لقيتلك ده يا خويا دافس نص جسمه جوا الدولاب، ايش عرفني أنه ابوهم ؟؟ وهو من امتى بيجي حد في الوقت ده يعني ؟!
كانت تتحدث وهي تحرك يديها في الهواء بقوة معترضة على مثل تلك الكلمات الجاحدة في حقها، وداوود رمقها بحنق شديد وفتح فمه للحديث، لكنها أوقفته حينما اسعفها عقلها بحجة أخرى قد تفيدها، تشير صوب حامد الذي يقف في الغرفة مرتديًا ثياب بيضاء بخطوط سوداء :
_ بعدين ما هو اللي جاي ولابس لبس الحرامية جاهز، يعني ثابت التهمة على نفسه .
نظر حامد لثيابه بدهشة كبيرة، ثم رفع عيونه يحدق بوجه داوود :
_ هي دي اللي جايبينها تاخد بالها من عيالي ؟؟
نظر داوود صوب افكار وهو لا يعي ما يحدث، هو حتى لم يقم بغسل وجهه ليستفيق :
_ تقريبا، أنا كنت جايبها على أساس مربية بس أمك كان ليها رأي تاني .
نهضت افكار تعدل من وضعية ثيابها تحدجهما بنظرات غاضبة، ليس وكأنها هي من كادت منذ ثواني تتسبب في قتل أحدهما على يد الآخر ودون أن يعلم كليهما ذلك حتى، زفرت تعدل من وضعية حجابها ترفع رأسها بغيظ شديد :
_ اللي مش عجباكم دي هي اللي ممشية شوية الغجر عيالكم زي الألف، ودلوقتي اتفضلوا برة الاوضة عشان بتعطلوني عن شغلي .
نظر داوود وحامد لبعضهما البعض لثواني، وحامد اقترب من شقيقه يهمس بريبة وهو يحدق في افكار التي بدأت تصول وتجول في الغرفة جاذبة الاطفال خارج الفراش :
_ قول لامك لو عايزة تربيني وتعلمني الأدب زي ما بتقول فبلاش عن طريق عيالي دول مهما كان احفادها يا داوود .
نظر له داوود بعدم فهم بعدما كان شاردًا في تصرفات افكار الغريبة، يمنح شقيقه نظرة جاهلة لا يفهم ما يرنو إليه، لكن حامد قال بغيظ شديد :
_ أنا همشي عشان الشغل، بس خلوا بالكم من عيالي، محدش يسيبهم لوحدهم مع البنت دي ..
زفر داوود باستنكار لتصرفات شقيقه، وقال بصوت هادئ :
_ مش للدرجة دي يا حامد، مش عشان يعني غلطت تفكرها واحدة خطيرة، طب لعلمك دي اكتر واحدة اخدت بالها من العيال وبتعاملهم بحـ..
وقبل أن يتمم جملته لمح الاثنان افكار تخرج من الغرفة وهي تحمل أحد الأطفال فوق كتفها، والصغير تجذبه من ثيابه مرددة بحنق شديد :
_ يعني ايه اسيبكم تناموا تاني ؟؟ امال مين اللي كان نايم طول الليل ؟؟ أنا ميعجبنيش الحال المايل ده، اتعدلوا في يومكم عشان تفطروا وتشوفوا هتعملوا ايه ...
ختمت حديثها بمجرد خروجها من الغرفة وكلًا من حامد وادوود يراقبون ما يحدث، ليستدير حامد ببطء صوب أخيه وقد كانت أعينه مشتعلة، ابتسم له داوود يردد بصوت خافت :
_ يعني ساعات بتاخد بالها منهم مش دايما، بس والله طيبة وبنت حلال، أمك دايما تقولي كده ...
____________
بعد المعركة التي دارت بينه وبين شقيقه بسبب تلك المعتوهة أو الكارثة التي حلت على رأسه يظن حتى أن جملة ( كارثة أصبحت في بيته) لا تصف ذرة مما يعاني، فهو منذ أن ربطه القدر بها بسبب ذلك الطلب الذي طلبه عن الإعلان الممول، وأنقلبت حياته رأسًا على عقب في ظرف أيام بسيطة جدًا .
مازال لا يصدق ما حدث في الصباح حينما وجدها بجانب فراشه تقوم بإيقاظه بعد دخولها غرفته دون استئذان، والابشع حينما ضرب شقيقه بسببها بل أنه كان على وشك أن يقتله، يشعر معها بأنه بجانب موقد يقوم بإشعاله، أخيرًا أتى الوقت المحبب لقلبه، و هو مغادرة المنزل حتى لا يحتك بها شكرًا لعمله الحبيب الذي يعطيه تلك الفرصة الذهبية..
خرج من الغرفة بخطوات هادئة، بعدما قام برش عطره الرجولي والمميز، خرج إلى الخارج ليجد والدته على الأريكة فألقى التحية تحت سُّعَالُ أصاب أفكار بمجرد أن أتى في أنفها رائحة عطره في أنفها:
_عايزة حاجة يا ماما؟! أنا رايح المحل.
قاطعته جيهان في توسل ونبرة عالية:
_أيوة يا حبيبي عايزاك في خدمة كده.
أقترب منها داوود ووقف أمامها بكامل انتباهه فلا يستطيع أن يتجاهل حديث والدته، مما جعل أفكار التي تجلس بجانب جيهان تسعل بقوة أكثر وعقبت تعقيب لاذع:
_جرا ايه يا أستاذ داوود هو أنتَ راشش أيه لكل ده؟!.
مبيد حشري...
يريد أن يخبرها بذلك ولكنه تمالك نفسه بصعوبة فهي فتاة تجعله على وشك أن يفقد الباقي من تحضره بسبب أفعالها وكلماتها وهو لم يكن يومًا من هذا النوع من الرجال .
تحدث داوود متجاهلها وكأنه لم يسمعها من الأساس:
_عايزة أيه يا ماما؟!.
غمغمت جيهان في هدوء:
_خد البت افكار وديها السوق ورجعها قبل ما تروح الشغل البيت ناقص حاجات كتير أنا مليتها كل حاجة محتاجاها وهي كتبتها في ورقة.
ضيق عينه وهو يحاول جاهدًا استيعاب كلمات والدته مما جعله يهتف في حيرة وحنق :
_هو سؤال واحد أفكار دي شغاله ايه؟!.
عقبت أفكار على حديثه ببشاشة على وشك أن تتسبب بقتله:
_أنا شغاله أي حاجة وبعدين أمك رجلها وجعاها وتعبانة نفسيًا من اللي بتعمله أنتَ وأخوك فيها حرام عليكم أتقوا الله ده الجنة تحت أقدام الأمهات يا أستاذ داوود، وبعدين لو هي منزلتش وأنتَ ماخدتنيش، طلبات البيت مين يجيبها؟!.
بكل ضعف غمغمت جيهان في نبرة جعلت داوود يود إعطائها جائزة الاوسكار بكل براعة:
-قوليلهم يا بنتي أنا خلاص والله تعبت من كل ده .
تشنجت ملامح داوود بحنق شديد، يرى افكار تربت على كتف والدته بحنان :
_ بقوله يا جيجي هدي أنتِ نفسك بس يا حبيبتي .
كان داوود غاضبًا جدًا بسببها فلمَ تحدثه وكأنها فرد منهم أو أنها لها سلطة عليه ؟؟ وهذا يتمتم في غيظٍ شديد:
_أنتِ هنا علشان الأولاد وبس على فكرة لو ناسية...
قاطعته أفكار بكل برود:
_أه بس لما حد يحتاجني أقف جنبه، والست جيهان عايزاني أجيبلها الحاجة، وبعدين أنتَ أيه مشكلتك لما تأخدني السوق؟!! لو يعني خايف تتعطل على الشغل وديني وسيبني هناك وأنا هتصرف، بسلك في الحديد ميهمنيش، وسيبلي فلوس وخلاص.
لمَ عليه أن يجادل أمراة تشبه والدته بطريقتها العجيبة والتي لا تتفق مع طريقته في التعامل عادة، مما جعله يتحدث في انفعال:
_طيب خلصي يلا علشان متأخرش حصليني.
غادر المكان من أمامهم والشرار يتطاير من عينه، مما جعل أفكار تقوم بضبط حجابها وتهتف في حبٍ:
_يلا يا جيجي بقا هسيبك وأروح أجيب ليكي الطلبات أسلقي الكُرنبة اللي جبتها وأنا جاية الصبح علشان لما أجي أعمل الخلطة ونحشيها.
غمغمت جيهان بكسل :
_أنا مش قادرة أقف يا بنتي.
-خلاص يا جيجي انا هاجي أعملها مضايقيش نفسك.
أنهت حديثها بحب حقيقي لتلك المرأة، لا تدري لما أحبتها بتلك السرعة وتعلقت بها، في البداية كانت تفعل ذلك من أجل النقود التي تعطيها لها جيهان يوميًا دون علم داوود، ولكنها تفعل ذلك الآن لأنها شعرت بأن تلك المرأة تمتلك قلبًا حنونًا وهي تشفق عليها من العيش مع هذين الإثنين .
_____________
هبطت معه وأخذت تسير خلفه تحت صمته المُريب، لو لم تسمعه يتحدث من قبل لكانت ظنت بأنه يعاني من (الخرس)، حسنًا يبدو أنه منزعج، لكن بالتأكيد ليس منها فهي لم تفعل شيء له حسب ظنها....
في بداية السوق تمتم داوود بجدية شديدة:
_السوق أهو عرفتي هترجعي لوحدك ازاي؟!.
قالت أفكار بعفوية:
_أخيرًا يا أستاذ داوود أتكلمت ده أنا افتكرتك بلعت لسانك...
لولا عيناه التي أظلمت فجأة لكانت أسترسلت حديثها المرح، لكنها تجاهلت كل ذلك تقول بجدية :
_أه عرفت متشغلش بالك وأنا راجعة هركب توكتوك، تقدر تمشي تروح شغلك علشان متتأخرش.
كاد أن يلقي التحية عليها ويرحل، لكن فجأة توقف لسماعه صوت والدة ألاء متمتمة بعد أن رأته من بعيدًا كطوق نجاة:
_ازيك يا داوود يا ابني، كويس أني لاقيتك.
عقب داوود وهو ينظر لها في احترام:
_انا الحمدلله يا خالتي بخير، هو في حاجة ولا أيه؟!.
أردفت والدة ألاء بتوضيح وهي تمد يده بابنه حامد وألاء الصغيرة ليحملها داوود برد فعل طبيعي منه:
_أصل البت صاحية مقريفة النهاردة وأمها في الشغل وكمان أبو ألاء في الشغل وأنا نازلة أجيب طلبات، شيلها شوية لغايت ما أخلص وأقابلك يا ابني...
لم تعطيه فرصة للتعقيب سواء بالرفض أو القُبول بل رحلت بعدها تحت نظرات أفكار الفضولية ولم تكبح نفسها لقول :
_مين دي؟!.
_دي بنت أخويا الصغيرة.
ضحكت أفكار ثم تحدثت بسخرية:
_يعني دي التالتة ولا في تاني؟! أما اخوك ده قادر صحيح مخلف بدل العيل تلاتة ومراته زي الوردة المفتحة راح يتجوز عليها، صحيح ما كل الرجالة ميملاش عينهم إلا التراب عادتهم ولا هيشتروها ابن غفير ولا ابن وزير كله نفس القطعية.
كان على وشك قتلها هنا في السوق أمام الناس وليشهد الجميع جريمته .
الآن يتساءل إن كانت تعهدت جميع النساء اللواتي يعرفهن على أن يفقدنه أعصابه؟!..
تحدثت أفكار مقاطعة كل أفكاره الداخلية تلك:
_بما أن الحجة أم ألاء سابت ليك السنيورة لف معايا في السوق بقا وأهو تشيل معايا.
كانت تريد أن تتشفى به وتخبره بالعدالة الإلهية التي أخذت لها حقها منه، ولكنها خشيت أن يفعل بها شيئًا فهو يكز على أسنانه بشكل مخيف...
أخذت تسير وهو يسير خلفها محاولًا السيطرة على بكاء ابنه أخيه المتذمرة بشكل غير مفهوم فهو رجل وليس لديه خبرة في التعامل مع الأطفال كانت أفكار تقف أمام كل متجر أو بائع تخرج دفترتها الذي يظهر عليه علامات الزمن التي مرت عليه، فقد دونت فيه ما تريده جيهان وتخرج قلمها تقوم بوضع علامة (صح) بجانب كل سطر أنتهت من شراء ما كان مكتوب فيه وهو يراقبها بصمتٍ، فلقد أعجب بشكل كبير بخطها الجميل جدًا، وكأنها تقوم برسم الكلمات باحترافية لكن على الرغم من ذلك، قرر أن يعقب ساخرًا وقبل أن يحمل الأكياس منها رفع يده ليلمس الدفتر بفضول شديد وكأنه قطعة أثرية ثمينة :
_هو أيه الكشكول ولا الكراسة اللي مر عليها الزمن دي؟!.
وضعت القلم على يده قائلة في لهجة لا تقبل النقاش:
_أوعى أيدك كده بس دي فلوس ناس، وشقى عمري اللي فيه الورث اللي هسيبه لعيالي، ده مش مجرد كشكول ده عمر يا أستاذ داوود، حاجات ميفهمهاش الناس اللي زيك كده.
أنهت حديثها ورحلت من أمامه ليحمل الأكياس قبل أن يقوم بتعذيبها ويستسلم لرغباته الجنونية...
ذهبت أفكار صوب بائع الخضار، لتقوم بسؤاله عن الأسعار فهي تريد الطماطم من أجل صُنع المحشي اللذيذ التي تريده جيهان..
_بكام الطماطم؟!.
أجابها الرجل بعد أن أخذ جرعة من كوب الشاي المتواجد في يده:
_الكيلو ونص بخمسة وعشرين يا مدام.
صرخت أفكار بطريقة جعلت داوود يبتعد خطوة للخلف حتى أن الصغيرة أنتفضت بعد أن كانت على وشك النوم بين ذراعه وهي تستند برأسها على كتفه:
_أيه اللي بخمسة وعشرين الكيلو ونص أنتَ حرامي على فكرة في كل حتة الكيلو بعشرة.
وقبل أن يعقب البائع عليها بكت الصغيرة مما جعلها تأخذها من يد داوود الذي لا يفلح في تهدئتها طوال الطريق لتاخذها في أحضانها وتقوم بهزها قليلًا حتى تهدأ تحت ضحكات داوود المذهولة فهو لا يصدق أنها سحبتها من ذراعه بتلك الطريقة.
غمغم البائع في ضيقٍ:
_ ده سعرها في السوق يا مدام.
كان تهز الطفلة وتبتسم لها وهي تقول في الوقت نفسه:
_هاخد الاتنين كيلو بخمسة وعشرين علشان نخلص الخسارة عليا وعليك.
_لا مينفعش.
قالت أفكار في غضب:
_أنتَ كده بتبيع الكيلو الطاق طاقين تقريبًا ومش عاجبك ده انا أقعد من غير لا شغلة ولا مشغلة وأجيب عربية كارو واقعد أبيع طماطم جنبك.
تمتم الرجل بضيقٍ وهو يوجه حديثه إلى داوود:
_ما تأخد مراتك يا بيه وتمشي عايزين نبيع، ده السعر عاجبكم أهلا وسهلا مش عاجبكم خلاص.
تحدثت أفكار غير مهتمة لظنه بهما وهي تقول:
_ما تتكلم عدل يا راجل أنتَ، وهو أنا واقفة على دماغك.
ثم وجهت حديثها إلى داوود الذي يحاول استعاب ما يحدث:
_بقولك أيه بعد كده تديني الفلوس وأنا هجيب ليك الحاجة من عندنا كلها وأنا جاية الصبح.
عقب الرجل تعقيب لاذع:
_أما صحيح أحنا في زمن النسوان اللي بتمشي رجالتها....
كاد داوود أن ينفعل عليه ولكن قاطعه صوت أنثوي يأتي من خلفه :
_داوود في السوق بنفسه؟!..
____________
عاد منزله بصعوبة شديدة، فبعدما حدث ما حدث ونال من شقيقه ضربات موجعة بمشاركة تلك الفتاة التي يصفونها _ ظلمًا_ مربية اطفال، قرر العودة للمنزل، بعدما شعر بتعب شديد يتملك منه ويمنعه من الذهاب للعمل .
دخل المنزل وقد كان هادئًا بشكل خانق، نفس الهدوء الذي تسبب في نبذه لحياته السابقة، الهدوء الذي كان يوحي بأن زوجته العزيزة انتهت من مهامها اليومية ونامت دون أن تضيفه ولو بالخطأ لقائمة مهامها .
تنهد بصوت مرتفع ولا يدري كيف سحبه عقله لتلك اللحظة، ما باله أصبح يربط كل شيء بما عاشه سابقًا، أو بالأحرى بها هي، هل كانت تعني له الكثير حقًا ؟؟
ألقى جسده على الأريكة يتنفس بصوت مرتفع، لكن حتى أنفاسه لم تكن بتلك السهولة إذ امسك صدره يتأوه بصوت مرتفع :
_ ده انا لو كنت قاتلهم قتيل مكنوش عملوا كده، الله يسامحكم ..
_ هما مين دول ؟؟
انتفض جسد حامد فجأة على ذلك الصوت خلفه، وضع يديه أعلى قلبه يردد بضيق شديد وهو يراقب جسد زوجته التي تستند على اطار الباب الخاص بغرفتهما، ترمقه بسخرية وبعض التشفي وكأن ما تراه يسعدها، وقد كان ذلك حقيقة ....
تحركت أمنية تتمختر في مشيتها بدلال كبير، ثم مالت بعض الشيء تتحسس جروح وجه حامد الذي أطلق تأوهًا معترضًا ..
وهي ابتسمت تقول بصوت سوداوي :
_ ايه هما أهلها تقلوا ايدهم المرة دي ولا ايه ؟؟
نظر بعدم فهم :
_ أهلها ؟؟
_ امممم أهل السنيورة اللي كل شوية حضرتك تنط ليها في بيتها ولا كأنك مش طايق بعدها، ولما هو الحوار كده يا حبيبي كنت طلقتها واتجوزتني ايه ؟؟ اياكش تكون فاكرني كوبري عشان ست الحسن تغير وترجع جري ؟؟
والبلاهة التي كانت تعلو وجه حامد منذ ثواني تحولت فجأة لصدمة وهو ينتفض في جلسته مستنكرًا ما تلمح له :
_ أنتِ بتقولي ايه ؟؟ أنتِ فهمتي غلط، أنا مكنتش عند حد، أنا كنت في البيت واللي عمل فيا كده داوود والـ
قاطعته أمنية رافضة كل السبل التي يسلكها في سبيل أن يخدعها ويزيد من جرعة المخدر التي يعطيها لها يوميًا كي تتغافل عما يفعل ورغبته الواضحة للجميع باسترجاع زوجته السابقة :
_ والله ؟؟ يعني اللي عمل فيك كده هو داوود اخوك ؟؟ لا صدقتك، تعرف يا حامد أنت واحد كداب وهتفضل طول عمرك كداب، والشويتين دول تعملهم على حد غيري، إنما أنا فهماك كويس اوي .
زفر حامد ينهض عن مقعده وقد شعر فجأة برغبة عارمة في الابتعاد عن كل هذا، يقول باختناق وغيظ شديد :
_ أمنية، أنا مش ناقص الله يكرمك، انا راجع على اخري وبدل ما اسمع كلمة كويسة أو ألف سلامة قاعدة تقطمي فيا وتلوك لوك بحاجات اساسا محصلتش، أنا اساسا مش ناقص وجع قلب.
أنهى حديثه يهرول صوب باب المنزل يشعر برغبة عارمة في الهروب من هذا الحصار، مابه لا يستطيع أن يشعر يومًا بألفة في منزل أسسه، كلما ظن أنه بدأ حياة سعيدة، وجد شيئًا يعكر صفوها ...
كاد يخرج لولا صوت أمنية التي صرخت بغضب شديد :
_ رايح فين ؟؟ احنا مخلصناش كلام يا حامد .
_ رايح في ستين داهية يا أمنية أنا خلاص مبقتش ناقص وش، يعني راجع تعبان عشان ارتاح تقومي تعباني اكتر، وبالنسبة للكلام فهو خلصان بس انتي اللي بتحبي تعيدي وتزيدي في كلام ملوش فايدة اساسا ..
ختم كلماته تزامنًا مع اصطدام الباب صوت الباب في الجدار بقوة يتحرك خارج المنزل وقد قرر أن يذهب للعمل يلغي من عقله فكرة الراحة، سيذهب للعمل، على الأقل لن يجد هناك من يتذمر منه ومن حياته، أين أخطأ ؟؟
تنفس بصوت مرتفع يمسح وجهه مستغفرًا ربه داعيًا داخله أن يحصل يومًا على الراحة التي ينشدها ...
فتح عيونه كي يسير للمعرض الذي يعمل به، لكن فجأة توقفت أقدامها بصدمة كبيرة حينما أبصر زوجته، أو زوجته السابقة تقف أمام المنزل مع رجل مهندم الثياب مبتسم الوجه، وهي كانت تبادله البسمة بالمثل...
_______________
لا يصدق بأنها أتت أمامه...
وتحدثه بكل وقاحة بعد ما فعلته وبعد أن تخلت عنه..
رغم أن الجميع يدرك أن داوود من غير الممكن أن يشتري شيئًا كهذا لخطيبته، لكن يبدو أنها أخذت الأمر حجة كما تخبره والدته، نعم لم يكن بينهما مشاعر قوية ولكنه تعلق بها في النهاية، فكانت في حياته لفترة ما وكان يحاول جعلها الزوجة الصالحة له وهي كانت تستجيب له في كل الأحوال، لا يصدق أنها أنقلبت عليه في ليلة وضحاها...
تحدثت روضة في سخرية:
_أيه لحقت تخطب ولا مين دي يا داوود يا اللي كنت هتموت وتصالحني؟!..
كاد داوود أن يفسر لها من هي بكل هدوء وكأن عليه واجب لفعل ذلك ليس من أجل روضة كشخص، لكن سمعته واسمه شيئان لا يحب المساس بهما، وقبل أن يفعل سبقته أفكار التي حدثتها في انفعال لم تدري سببه وضعت أن السبب لجنونها هذا هو أحاديث جيهان المطولة معها مخبره أياها عن سوء تلك الفتاة:
_وأنتِ مالك أنتِ أنا مين، خطيبته ولا مش خطيبته هتستجوبي الراجل؟!!!.
تعجبت روضة من هجوم تلك الفتاة التي لا تعرفها من الأساس مما جعل البائع يهتف موجهًا حديثه إلى أفكار:
_اهدي يا مدام.
صرخت أفكار فيه بثورة وهي تعطيه الصغيرة ليحملها عنها حتى تتفرغ للشجار:
_أستنى أنتَ عليا يا حج دورك جاي هخلص مع السنيورة وهجيلك لما نشوف الطماطم عندك كنت بتزرعها بمياة معدنية ولا أيه علشان تبقى بالسعر ده.
أردف داوود وهو ينظر لها في غضب:
_ممكن تسكتي.
تحدثت أفكار وهي ترفع حاجبيها في رفضٍ:
_لا مش هسكت.
غمغمت روضة ببرود شديد وهي تريد استفزازه على أكمل وجه لا شك أنها بالرغم من كل ما حدث إلا أنها شعرت بالغيرة من تلك الفتاة بعد نظرة نسائية تحليلية لها، الفتاة جميلة وجذابة جدًا رغم ملابسها البالية وملامحها التي لم تضع لها أي شيء قد يُزينها:
_برافو عليك يا داوود اختيارك المرة دي حلو رغم سرعته إلا أنه على مقاسك بالظبط، واحدة مش محترمة وبيئة هتقبل بواحد زيك طبعا.
ضربت أفكار على صدرها بصدمة وهي تمد يدها إلى البائع بالصغيرة ليأخذها منها بعفوية..
_مين دي اللي مش محترمة زيه؟!!!.
غمغم داوود مستنكرًا طريقتها وهو يقف بينهما:
_يعني أنا مش محترم؟! فاضايقتي أنك زيي.
عقبت أفكار على حديثه وهي تضع يديها في جانبيها:
_أيوة ما أنا هدافع عن نفسي مش لما دافعت عنك مكنش عجبك؟!.
ثم وجهت حديثها إلى روضة قائلة بعنفٍ لا مثيل له:
_بقولك أيه يا بتاعة أنتِ لولا إني محترمة لكنت جيبتك تحت رجلي وعرفتك يعني أيه واحدة بيئة ومش محترمة، بس أنا جزمتي فوق رأسك، وبعدين روحي شوفي سكتك فين، واللي مش محترمة دي اللي تمشي تتمسح في الراجل اللي كان خطيبها وتيجي تكلمه، وهو ولا هيموت يصالحك ولا غيره ده راجل محترم وعارف ربنا وألف مين تتمناه يا حبيبتي، ويلا أتكلي على الله بقا علشان مقلش منك أكتر من كده.
لا يدري داوود أنه في لحظة ما أعجبه حديثها...
وكأنه كان يرغب بشخصٍ يدافع عنه بعد أن سحقت كلمات روضة ذلك اليوم كبريائه الرجولي، ولكنه عاد يشعر بالغضب مرة أخرى مما فعلته وهو يرمق الناس من حوله فهم يحلقون بأبصارهم حولهم...
رغمًا عن أنف روضة ذهبت دون تعقيب على حديث أفكار، حديثها كان قوي وصادم جدًا لم تتوقعه فهي لا تستطيع مجابهتها، كل ما فعلته أنها أبتعدت من وسط الجميع.
وجهت أفكار حديثها إلى البائع وهي تعيد ضبط حجابها الذي كان على وشك أن يتساقط فهي تضعه بعشوائية شديدة وأحيانًا تظهر بعض خصلاتها الناعمة من أسفله:
_هات البت يا حج.
ثم قالت موجهة حديثها للجميع وهي تستدير بعد أن أخذت الصغيرة منه التي توقفت عن البكاء وتتابع الشجار:
_يلا كل واحد يروح يشوف حاله المولد أنفض.
بالفعل بدأ الجميع في الرحيل وأنعقد لسان داوود فالكلمات لا تسعفه، لن يفهم هو غاضب ويريد قتلها، أم سعيد بمدافعتها عنه، أم يشعر بالحرج....
غمغم البائع بهدوء:
_علشان أنتِ ست جدعة وبتردي كرامة الراجل اللي معاكي، أنا هديكي الكيلو بعشرة.
تحدث داوود ساخرًا:
_أنا معرفهاش ولا مراتي وغيره.
ضحك الرجل ظننًا منه أنه يمرح وأردفت أفكار بعد ضحكة خرجت منها:
_ما كان من الأول يا حج يلا هاتلي حاجة أنقي فيها هاخد أربعة كيلو بخمسة وتلاتين .
_______________
كان حامد يحدق فيما يحدث بصدمة كبيرة وهو يحاول أن يستوعب ما يراه، زوجته تقف مع رجل وتتحدث معه بأريحية وبسمات كما لو أنه شيء طبيعي ..
نظر حوله ينفث نيرانًا يتبين إن كان أحدهم قد رآها بهذا الوضع ام لا، ومن ثم تحرك هو صوبهما بخطوات غاضبة يود لو ينقض على ذلك السمج ينتزع عنه بسمته المستفزة، لكن كل ما فعله هو أنه توقف جوارهما يقول بلهجة حانقة متهكمة :
_ صباح الخير يا مدام آلاء.
استدارت الاء صوب الصوت الذي تعلمه تمام العلم، ولم تكد تتحدث لتتفاجئ بنظرات حامد المستهجنة والغاضبة، ما باله هذا .
_ صباح النور يا استاذ حامد، خير ؟؟
نظر حامد صوب الرجل الذي يتابعهما بصمت متعجبًا :
_ خير إن شاء الله، بس مش شايفة يعني إن وقفتك في الشارع دي مع الشخص ده مش كويسة، أنا فاكر ايام الخطوبة كان ابوكِ مش بيرضى حتى تنزلي توصليني لباب البيت ولا هو الحاج بقى شايل أيده اليومين دول ؟
شهقت آلاء بصدمة من تجاوزه الحدود معها والحديث بذلك الشكل الذي يهينها ويهين والدها، لذلك انتفضت تدافع عنهما صارخة في وجهه :
_ احترم نفسك يا حامد، أنت اكتر واحد عارف أنا مين واهلي مين، واياك تتجاوز حدودك معايا والا والله لاروح أقرب قسم أقدم فيك بلاغ عدم تعرض .
اقترب منها حامد وعيونه قد بدأت تطلق شرارًا والشر يلتمع في نظراته وحديثها ما كان سوى حطبٍ اشعل به غضب خامد داخل صدره :
_ أنا محترم غصب عنك يا آلاء الدور والباقي على اللي واقفة مع واحد في نص الشارع بدون خشا ولا احترام لنفسها .
اشتد غيظ آلاء وأحمر وجهها حتى شعرت بقرب انفجارها، لكن ما كادت تأخذ خطوة للحديث معه والصراخ في وجهه، إلا ووجدت خطيبها المزعوم يهب في وجه زوجها السابق مشعلًا شجار تجمع على أثره الجميع للمرة الثانية ....
_____________
عاد للمنزل وصوت تأففاته تعلو وسخطه كان واضحًا وضوح الشمس في منتصف الظهيرة، وخلفه كانت افكار تحاول أن تلحق بخطواته، وبمجرد أن خطى للمنزل ترك الحقائب في الأرض مناديًا والدته بغضب :
_ يا امي ...يا حجة جيهان .
هرولت جيهان من غرفة التلفاز بعدما كانت كعادتها في خضم كتابة وصفة رائعة من تلك الوصفات التي لم تر النور بعد، خرجت لتجد ابنها يقف أمام باب المنزل الداخلي بملامح وجه غاضبة وخلفه تقف افكار بكل هدوء :
_ ايه يابني ؟؟ فيه ايه وقفت قلبي، مالك ؟؟
أشار داوود صوب افكار يتحدث بلهجة حادة قلما تخرج من فمه :
_ فيه إن أنا بعد كده اللي هجيب ليكم الطلبات، اياكم ثم اياكم تبعتوا حد يجيب طلبات البيت وخاصة البنت دي .
شهقت افكار وقد شعرت بغضب شديد يتلبثها بسبب طريقته في نطق كلماته التي وجهها لها :
_ الله ومالها البنت دي إن شاء الله ؟؟ ده بدل ما تيجي تشكرني وتقولي ألف شكر يا افكار تعبناكِ معانا يا افكار، لولاكِ كانوا البياعين نصبوا علينا وخسرنا فلوسنا يا افكار ؟
استدار لما داوود يقول بغضب شديد :
_ وادينا اهو بسببك خسرنا علاقتنا مع جيرانا يا افكار، يارب تكوني مبسوطة يا افكار .
اشتعلت أعين افكار تصرخ في وجهه بغيظ وغضب مشتعل :
_ جيران مين دول اللي خسرتهم بسببي، هو أي بلوة ترميها فوق دماغي ؟؟ ولا يكونش قصدك على الحلوة اللي نطت لينا زي عفريت العلبة في نص السوق ؟؟
تنفس داوود بصوت مرتفع وهو يرمقها بتحذير أن تتخطى حدودها لتلك النقطة، لكن افكار لم تتوقف عن الصراخ والاعتراض والدفاع عن نفسها .
وجيهان تتابع ما يحدث بجهل تحاول الدخول في الحديث الذي نُبذت منه قبل أن يبدأ:
_ فيه ايه ؟؟ جيران مين وبنت مين دي يا داوود ؟؟
لكن داوود كان في أقصى حالاته غضبًا إذ لم يصل لعقله كلمات والدته، بل كانت عصبيته هي ما يسيطر على أفكاره وهو يصرخ بجنون :
_ وأنتِ تدخلي ليه ؟؟ أنتِ مالك اساسا بيا ولا بحياتي ولا بعيلتي ؟؟ أنتِ شغلتك هنا معروفة فياريت متتجاوزيش حدود وظيفتك سامعة ؟؟ أنتِ هنا جاية تشتغلي وتاخدي مقابل شغلك وبس .
اشتعلت أعين افكار وشعرت بكرامتها تُخدش بفعل كلماته، وقد حاولت الرد لولا صوت جيهان التي قالت :
_ مالك بس يا ابني بتخانق البنية ليه ؟؟ هي كلمتك دلوقتي ؟؟ ما هي ساكتة اهي ومعملتش حاجة .
في هذه اللحظة نظر لها داوود يقول مبتسمًا بغيظ شديد :
_ معملتش حاجة ؟! وانا اللي اخانقها ؟؟ القادرة المسكينة اللي واقفة تدافعي عنها اتخانقت مع كل بياعين السوق نفر نفر، وحتى الناس المساكين اللي هناك معتقتش حد منهم، دي عاثت الفساد في السوق .
نظرت والدته لأفكار التي كانت ملامحها منقبضة بشكل غريب تستمتع بكلماته بعدم رضا، وهو يتنفس بصوت مرتفع وقبل أن يبادر بقول كلمة إضافية سمع صوت طفل يصرخ من خارج المنزل بصوت مرتفع :
_ الحق يا عم داوود، عم حامد بيتخانق عند بيت أبلة آلاء.
صرخ داوود وقد فلت عقال صبره يلوح بيديه في الهواء بجنون :
_ اهو اتفضلي، الاحق على مين ولا مين، على ابنك اللي مش هيجيبها لبر، ولا على البلوة دي ..
ختم جملته مشيرًا لأفكار التي تراجعت للخلف، تراه يندفع خارج المنزل كي يلحق بشقيقه، وحينما كادت تتبعه، أوقفها محذرًا :
_ هو أنتِ أي بلوة تجري وراها، ايه ما ترحمي نفسك شوية مكفاكيش كل الخناقات في السوق، اقعدي هنا ومتتحركيش .
ركض للخارج عقب كلماته تاركًا افكار تشيعه بنظرات غاضبة، جعلتها تنفجر فجأة حينما نظرت لها جيهان بتسائل، تصرخ دون توقف :
_ هو ابنك ده فاكرني الخدامة اللي اهله جابوها ليه ؟؟ عمال يبيع ويشتري فيا ؟؟ ايه معنديش كرامة ولا ايه ؟؟ أنا مستقيلة من الشغل ده، ومش هتشوفوا وشي تاني .
تحركت بسرعة خارج المنزل وهي تشعر بالقهر لكنها فجأة توقفت ونظرت لجيهان التي كانت لا تدرك ما يحدث :
_ صحيح أنا هبعتلك رقم عم سعيد البقال على الواتس عشان تبعتوا عليه حق الايام اللي اشتغلتها، مع السلام .
تحركت للخارج غاضبة تاركة جيهان تنظر لها بعدم فهم وهي تشعر بالغباء، ما الذي يحدث حولها وما سبب الشجار من الأساس، كل هذا لأجل ماذا ؟؟؟
________
يجلس في المتجر الخاص به حتى أنه أغلق الباب لا يريد استقبال أي أحد اليوم، يريد الجلوس بمفرده فقط يفكر في حياته كلها تحديدًا أحداث اليوم العجيبة.
يريد معرفة لِمَ فعلت روضة به ذلك من البداية؟!...
يشعر بجرح كبير يفتك به، رُبما ليس بسبب حبه الشديد لها هو مدرك أنه مجرد تعلق وسيذهب مع الوقت، ولكن بسبب نظرتها له وهو أنه شخص مُنحل أخلاقيًا..
ضحك رغمًا عن أنفه حينما تذكر دفاع أفكار عنه، رغم شجاره معها إلا أنه أحب ذلك لا يُنكر، فهي فعلت ما كانت والدته ستفعله في موضعها، أضحى متيقنًا الآن أن افكار هي صورة مصغرة لشباب والدته ..
تركيبة عجيبة تلك الفتاة..
قاطع خلوته مع ذاته اتصال من والدته، فأجاب عليها الفور:
_ألو يا حبيبتي.
جاءه صوت والدته الضعيف وهي تقول:
_تعالى يا ابني بسرعة على البيت عايزاك .
أعتدل داوود في جلسته متمتمًا في قلق:
_في حاجة يا اما ولا ايه؟!.
_تعالى يا ابني أنتَ لسه هتسأل.
هناك كارثة لن تفعل والدته ذلك إلا لو كان هنا كارثة..
لذلك تحدث داوود في ارتباك:
_خلاص مسافة السكة وهتلاقيني عندك.
_ماشي يا ابني سلام.
أنتهت المكالمة بينهما لينهض داوود على عجالة من أمره ليغلق المتجر ويذهب ناحية إلى البيت وهو يشعر بالقلق الشديد...
دخل إلى المنزل وصعد ثم فتح الباب وسار بضعة خطوات ليجد والدته تجلس على الاريكة تربط رأسها بوشاح أسود بشكل مخيف وابناء شقيقه يجلسون بجانبها بوجوه حزينة شاحبة، ورؤوس منكوسة ....
هناك كارثة بالتأكيد...
_____________________
وعند كرامتي ليذهب العالم والعمل للجحيم ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه
رواية إعلان مُمَوّل الفصل التاسع 9 - بقلم رحمة نبيل
الفصل التاسع من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل& فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة ...
________
دخل إلى المنزل وصعد، ثم فتح الباب وسار بضعة خطوات ليجد والدته تجلس على الاريكة تربط رأسها بوشاح أسود بشكل مخيف وابناء شقيقه يجلسون بجانبها بوجة حزين وشاحب، منتكسة رؤوسهم....
هناك كارثة بالتأكيد...
أقترب من والدته وجثى على ركبتيه قائلا في تردد من شدة قلقه:
_أيه اللي حصل يا أمي؟! حامد كويس؟!.
لا يدري لما ظن بأن شقيقه قد أصابه مكروه مما جعل والدته تهز رأسها في إيجاب بمعنى أنه بخير ليسألها داوود في الاحتمال الأخر:
_طلق مراته؟!..
هزت رأسها نافية مما جعل داوود يتحدث في استغراب:
_أيه فتح دماغ الواد اللي متقدم لطليقته؟!.
تحدث ابن شقيقه الكبير نافيًا:
_أنتَ مصمم تشوه صورة بابا وخلاص.
غمغم داوود مستنكرًا:
_أسكت بس أنتَ أبوك مش محتاج حد يشوهه وبعدين ما تنطقوا وحد يتكلم يقول في أيه، ما تقولي في أيه يا جيهان جبتيني على ملى وشي ومش عايزة تقولي في أي!
تمتمت جيهان في نبرة درامية من الدرجة الأولى:
_قلبي مش مطاوعني أنطقها يا ابني، حد يقوله يا عيال.
تحدث ابن شقيقه الأخر متمتمًا في توضيح:
_أفكار سابت البيت والشغل ومش جاية تاني خلاص.
ضيق داوود عيناه وقال مستفسرًا:
_ليه سابت الشغل ليه؟!.
غمغمت جيهان هنا بانفعال واضح:
_مش عارف سابت الشغل ليه؟! سابت الشغل من زعيقك ومعاملتك ليها، البت عندها كرامة، شايلاني وشايلة عيال أخوك ومن ساعة ما دخلت البيت وأنا عايشة في راحة ولاقية اللي يونسني بس هقول أيه حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب وقطع بعيشها للمرة الثانية..
لا يدري لما تقوم والدته بجعله يشعر بالذنب هناك جانب منه بالفعل بدا في عتابه ولكن الجانب الأخر لم يهتم بذلك وهو يقول في نبرة حازمة بعد أن نهض وأعتدل في وقفته:
_براحتها الباب يفوت جمل، أنا اصلا كنت شفقان عليها علشان كده مشغلها، وبعدين هي اللي مقموصة بعد البلاوي اللي عملتها دي؟!.
غمغم ابن شقيقه ببراءة:
_بس طنط أفكار كانت طيبة وواخده بالها مننا وأحنا اتعودنا.
لا يصدق ما يحدث!!
من الذي أعتاد عليها؟!!!!
لم يمر الكثير على إتيانها من الأساس وجعلوها جزء من العائلة سُيصاب بأزمة قلبية بسبب ما يسمعه....
الأطفال الصغار تأثروا بها كما لو كانت والدتهم
تحدث داوود في نبرة حاسمة:
_ أتعودتم أيه؟!!!! أنتم لحقتوا، وبعدين محصلش حاجة زي ما جيبتها هجيب غيرها متقلقوش.
نهضت والدته لتعقب قبل رحيلها حتى تنفرد بنفسها في الغرفة:
_مش هتلاقي زي أفكار مهما حصل..
أردف داوود مستنكرًا بنبرة هامسة:
_ليه سميرة موسى؟!!...
_____________
منذ عودتها من السوق وهي على وشك أن ترتكب جريمة كاملة الأركان..
بدل من الحزن والندم عليها، بحث عن فتاة غيرها بكل سهولة، صرخت وهي تحدث نفسها بجنون بالتأكيد والدته المصون هي من وجدتها حتى تجعله ينساها، سخرت من نفسها لمَ يهمها أمره؟؟ فليذهب للجحيم، أتى من هو أجمل وأفضل منه بكثير حسب مقاييسها هي ووالدها العالية فهو سيظل بائع عطور....
رجل ليس لديه أي طموح...
كان يجب عليها الرد على تلك الفتاة، كيف صمتت ولم تردع تلك الحمقاء التي ألجمت لسانها بالفعل وجعلها غير قادرة على إهانتها كما فعلت هي بحقها..
ولجت والدتها إلى الغرفة متمتمة في سخرية:
_الجزار ضاحك عليكي في اللحمة كلها دهن وأنا عايزاها حمراء كان لازم تتحمقي وتنزلي ياريتني كنت نزلت أنا.
أردفت روضة في ضيقٍ شديد هي تعقد ساعديها وتجلس على الأريكة المتواجدة في الغرفة:
_معلش يا ماما أنتِ عارفة إني مبعرفش اشتري حاجة وحاولت أجرب، وبعدين كويس أنك جيتي كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع.
سألتها والدتها باستغراب:
_موضوع ايه ده؟!.
أردفت روضة بوضوح وتحدي فهي تريد إثارة غضب داوود على حسب ظنها:
_موضوع أننا نعلن خطوبتنا انا وياسر رسمي ونعمل خطوبة ونفرح والناس كلها تعرف.
_معداش كتير على فسخ خطوبتك أنتِ وداوود وفي نفس الوقت خدي وقتك يعني مستعجلة على أيه؟؟ لازم تعرفوا بعض كويس علشان متتحسبش عليكي خطوبة تاني يا بنتي أفهمي.
قالت روضة في إصرار رهيب:
_لما بابا يجي أنا هفتاحه في الموضوع لازم ناخد خطوة مش هيفضل داخل خارج علينا هو وعمتي على أساس قراءة فاتحة وأنا من حقي أصحابي وكل اللي حواليا يفهموا ويعرفوا إني مخطوبة أنا مش عاملة عملة ومش أول واحدة يتفسخ خطوبتها ومش هستنى أكتر من كده.
كانت والدتها تنظر لها بنظرات عجيبة فهي لا يعجبها تصرفات ابنتها وزوجها من الأساس وبعد أن أقتنعت روضة برأيها في التريث والانتظار ما الذي حدث جديد لتكون بهذا الإصرار والرغبة....
_براحتك يا بنتي أنا نصحتك وخلاص أمشي بدماغك أنتِ وأبوكي لغايت ما نشوف أخرتها معاكم.
__________
-لا، لا الشغل ده مش عاجبني يا وردة، عملت الحوار ده من سنة ونص ومش جايب همه، فين وفين عقبال ما واحدة تتجوز وتجيب حد يرصلها الحاجة، أنا عايزة حاجة ليها مكسب يومي.
كانت أفكار تتحدث مع جارتها الحبيبة "وردة" التي تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا تعمل في أحد المطاعم نادلة ولكنها تركت العمل منذ عدة أيام وتبحث عن عمل أخر...
غمغمت وردة في نبرة ساخرة:
_ما تتهدي يا أفكار بقا صدعتي اللي جابوني، ياستي مش كده ده أنتِ ملحقتيش تأخدي نفسك نامي وبعدين نفكر هتعملي أيه.
قالت أفكار بسُخطٍ:
_هو أنا لسه هستنى، هستنى لما الفلوس اللي معايا تخلص وملاقيش أكل ولا أنا ولا أمي؟!! لازم ألاقي حاجة أعملها، والله عارفة يا بت يا وردة أنا كل يوم بتأكد إن اللي زينا ملهمش نصيب في الحياة غير الشقى..
-ليه بس كده يا افكار وهو يعني احنا مش عايشين كويس ؟؟!.
تنهدت أفكار وهي تهتف لها بتأثر:
_مهوا اللي معهوش شهادة بيتمرمط علشان يعرف يلاقي شغل زينا كده أقل حاجة لازم يكون معاكي دبلوم، غير كده هتروحي فطيس ولا مكان هيرضى ياخذك، والكل بيتنك علينا زي اللي اسمه داوود ده قلبي وربي غضبانين عليه حسبي الله ونعم الوكيل من ساعة ما دخل حياتي وهي خربت على الأقل شغلي في الشركة كان أرحم شوية.
تحدثت وردة محاولة أن تواسيها:
_ياستي ياما دقت على الرأس طبول أنتِ بس نامي وريحي والصباح رباح أنا هقوم أمشي علشان عايزة أروح للبت منى تكويلي شعري علشان حنة بنت عمتي بكرا بليل.
مسحت أفكار دمعة هبطت من عيناها بالمنديل الورقي المتواجد في يدها متمتمة في استغراب:
_صحيح أنتِ جيتي مرة واحدة ليه؟! من ساعة ما جيتي وأنا دخلت في الموضوع وعماله اشتكيلك من اللي حصلي غريبة أنك جيتي وأبوكي سابك كده...
تحدثت وردة في عفوية وهي تسرد لها السبب الذي جعلها تأتي:
_مهوا فرح وحنة بنت عمتي بقا وعمتي هي اللي قالتله يسيبني أكوي شعري وأظبط حالي علشان بتوعده إني هطلع بعريس من الفرح فروحت للبت منى في الكوافير لقيت قدامي عشرة والدنيا زحمة قولتلها هروح واجي تاني قولت اقعد عندك بدل ما أطلع عندنا السادس وأبويا يزرجن عليا وميرضاش ينزلني تاني.
كانت أفكار تسمع حديثها وخطر في عقلها تلك الفكرة المجنونة..
ثم سألتها في غموض:
_هي بتاخد منك كام على شعرك؟! وأي حاجة بتعمليها عرفيني الأسعار.
اندهشت وردة من طلب صديقتها فهي دومًا لا تذهب إلى صالون التجميل وتفعل كل ما تريده دون الذهاب إلى تلك الأماكن ترى بأنها تدخر تلك الأموال أفضل بكثير ورُبما لأنها ليست مهووسة عمومًا في شخصيتها بتلك الأمور ولكن كانت تخبرها بما تريده لعلها تريد التغيير بعد ما مرت به مؤخرًا من أزمات...
صرخت أفكار قائلة بحماس وهي تنهض من الفراش التي كانت شبه مستلقية عليه:
_لقيتها، لقيتها يابت وردة.
أنتفضت وردة وهي تقول بعدم فهم فما أصاب تلك المعتوهة:
_لقيتي أيه يا مجنونة براحة ؟!
تحدثت أفكار وفي نهاية حديثها كانت تشير للشرفة التي تطل على الشارع وعلى أرجاء الغرفة:
_أنا قررت افتح كوافير وأنضف ستات الحتة المقشفين دول تبقى الولية منهم تنشف ريقي لما أعملهم أكل عزومة ولا أعملهم حاجة تفاصل في الخمسة جنية وتروح تدفع بالميات وألالاف في شعرها ووشها في الكوافير كانت تايهة مني فين الفكرة دي من زمان، وكمان أعملها هنا في الاوضة والشباك على الشارع.
_أنتِ تعرفي حاجة عن الموضوع اساسا، أنتِ اتهطلتي صح؟!
هزت أفكار رأسها نافية وهي تقول:
_لا ده أنا عقلت خلاص وعرفت اللي هعمله.
لم تستطع وردة أن تتجادل معها أكثر من ذلك..
_طيب يا أفكار ياختي فكري مع نفسك كده واحسبيها ونبقى نشوف.
نهضت أفكار وتوجهت صوب الخزانة وهي تخرج عباءة سوداء منها:
_هو أنا لسه هفكر أنا فكرت خلاص يا حبيبتي ومن بكرا هتبقى الاوضة دي كوافير أفكار، هلبس العباية ونروح الموسكي ونيجي نجيب لينا شوية بضاعة وحاجات زي اللي عند البت منى وكده كده المكوى والاستشوار والحاجات دي عندي كنت جيباهم لجهازي وكنت بدفع قسطهم من دم قلبي المشروع أولى بيهم.
كانت وردة تفتح عيناها على أخرها لا تصدق بأنها تتحدث في جدية:
_أنتِ بتهزري صح؟!.
هزت أفكار رأسها نافية وتحدثت بنبرة جادة:
_لا مش بهزر.
_هو أنتِ تفهمي أيه في شغل الكوافيرات؟!
ضيقت أفكار عيناها وغنغنت في استنكار شديد:
_وهي البت منى بنت بياعة البليلة كانت تفهم أيه، يلا علشان منتاخرش فردة كعب ونيجي، وبعدين هطلع شوية ميكب كانوا في جهازي والدنيا هتتظبط ولما نرجع أنا اللي هكويلك سعرك بنص الثمن.
_هتعملي مني أنا كمان مصلحة يا أفكار ياللي كلك أفكار.
_خمسة في عينك يا حبيبتي وبعدين البيسنيس مفيهوش عواطف ده أنا حتى هعملك ديسكوند واستفتح بيكي.
___________
ألا يستطيع الإنسان أن يحيا وينام في منزله بهناء وسكينة، لمرة واحدة فقط، ما بال هذا المنزل يعج بالازعاج والضوضاء ؟! كل يوم يستيقظ على صياح وصراخ ..
تأفف بصوت مرتفع يتقلب في فراشه محاولًا الابتعاد قدر الإمكان عن الضوضاء، لكن ذلك الصوت لم يتوقف، وتلك النغزات في كتفه والتي تكاد تثقبه لم تهدأ.
زفر بصوت مرتفع صارخًا بحنق :
_ يوووه بقى فيه ايه تاني ؟؟ لقيتوا حامد بيخطط لانقلاب عسكري ؟؟ ما هو أنا مبقاش ورايا غير حامد ومصايب حامد و...
وقبل أن يكمل جملته انتفض للخلف صارخًا بصوت مرتفع حينما قابله وجه والدته يكاد يلتصق في خاصته، وضع يده أعلى صدره يحاول التنفس :
_ ايه يا امي، فيه ايه ؟؟ هتجبيلي صرع حرام عليكِ
_ أنت لسه نايم لغاية دلوقتي !؟ بقالي ساعة بصحيك.
نظر لها بأعين شبه مغلقة ونعاس واضح على ملامح وجهه، ينظر حوله بعدم فهم :
_ مش فاهم لغاية دلوقتي ايه ؟؟ هي الساعة كام ؟؟
نظر جواره للمنبه الخاص به ليتفاجئ أنها لم تدق الثامنة بعد، فرك وجهه يعتدل في جلسته يقول بغيظ شديد :
_ ايه يا حاجة جيهان بس، ايه اللي بتعمليه ده ؟! لسه الساعة مجاتش ٨ حتى، أنا مش ببدأ شغل بدري كده .
ختم حديثه يرتاح بجسده على الفراش مرة أخرى مرددًا بصوت ناعس على وشك الدخول في غيبوبة نوم لذيذة أخرى :
_ شوية كده ويبقى اقوم اجهز يكون الفطار جهز و...
لكن فجأة انتفض جسده مرة أخرى عن الفراش بسبب صرخات والدته المتهكمة والمستهجنة لما يقول :
_ فطـــار ؟؟ فطار ايه يا ابو فطار ؟؟ امال أنا بصحيك ليه ؟!
_ عشان أفطر ؟!
_ لا عشان تعمل الفطار، وقبلها تصحي عيال اخوك وتجهزهم وبعدين تجيبهم عشان يفطروا وبعدين لو فيك صحى قبل الشغل يبقى تساعدني في شغلة البيت .
حدق فيها داوود ثواني وكأنه ينتظر أن تضحك ملء فاهها وتخبره أنها فقط كانت تمازحه، لكنها لم تفعل، هي ظلت بنفس الملامح الجادة التي توحي بمقدار صدق حديثها .
_ نعم ؟! هو ايه أصله ده ؟؟ هو أنا هشتغل خدامة هنا ؟!
_ اهو ده اللي عندي مش أنت اللي مشيت أفكار يبقى تشيل لغاية ما تجيب حد تاني .
انتفض يلقي بالغطاء بعيدًا صارخًا :
_ وأنا ذنبي ايه أشيل الهم ده ؟! هو اخويا يخلف وانا اشيل الطين من وراه ؟؟ حرام عليكم عايز اعيش زي البني ادمين ..
صمت يتنفس بصوت مرتفع :
_ بعدين أنا عايز اعرف حاجة واحدة، لما كل ده كانت افكار بتعمله أنتِ كنتِ بتعملي ايه ؟؟
ابتسمت له جيهان تجيب ببرود شديد وهي تتحرك خارج غرفته تنهي ذلك الحديث :
_ مشرفة ..
تشنج وجه داوود يراقبها يحاول أن يتنفس بصوت مرتفع فقط ليهدأ فورة غضبه التي بدأت تشتعل، وصدره يعلو ويهبط بقوة، مسح وجهه وهو يفكر فيما يحدث :
_ يارب الصبر من عندك يارب، أنا مبقتش قادر اعيش وسط كل ده .
فجأة اخترق صوت والدته الحاد مسامعه :
_ يلا يا داوود لأحسن العيال يتأخروا ..
_ حاضر ...هتنيل، يارب أنت العالم بيا .
تحرك بسرعة يغسل وجهه، ثم توضأ وانهى فرضه متحركًا للخارج يستغفر ربه ويدعوه أن يلهمه الصبر على هذه الحياة، تحرك صوب الغرفة الصغار مرورًا بوالدته التي كانت قد بدأت ندبها مبكرًا:
_ اتبهدلت من بعدك يا افكار، مين يشيلني في غيابك يا حبيبتي، مليش غيرك يا غالية .
زفر داوود يتجاهلها متحركًا صوب الصغار، يحاول أن يوقظهم، وبصعوبة فعل، ليتسائل خفية عن قدرة افكار الخارقة في جعلهم يستيقظون ...
خرج وهو يسحبهم للخارج بصعوبة شديدة، يمر بوالدته مجددًا والتي كانت مستمرة فيما تفعل بإصرار عجيب :
_ البيت والحياة بقت باهتة من غيرك يا افكار .
التوى ثغر داوود وهو يتحرك بالصغار صوب المرحاض ساحبًا إياهم خلفه متهكمًا :
_ ده أنتِ معملتيش كده لما ابويا مات ..
وجيهان التي لم يصل لها تعليق داوود زادت ورفعت صوتها :
_ ياللي كنت مريحاني ومهنياني يا افكار، مكنتش أشيل الهم وأنتِ موجودة .
_ ندب مسمعتوش يوم عزا المرحوم جوزك والله، ده ولا كأنها كانت بتصرف علينا .
دخل المرحاض يجبرهم على الاغتسال والتوضأ، ثم دفعهم للخارج آمرًا إياهم بالصلاة حتى يعد لهم الفطور والطعام الذي سيحملونه معهم، ثم نادى والدته لتتناول الفطور.
تقدمت جيهان من الطاولة وجلست وهو تنفس براحة أنها واخيرًا صمتت عن النحيب والندب وانشغل فمها بالطعام، لكن فجأة انفجرت مجددًا حاملة بين أناملها كسرة خبز محروقة بعض الشيء :
_ اه يا افكار ياللي عمرك ما شيطتي العيش يا حبيبتي .
وضع داوود رأسه بين يديه يصيح بصوت مرتفع وجنون :
_ يــــارب، يارب رحمتك يارب، هو أنا كنت جايب افكار دي دادة للعيال ولا ليكِ يا اما، أنا اساسا كنت جايبها ليه ؟؟ البنت من كتر الوظايف اللي كانت بتعملها نسيت هي كانت جاية ليه؟! دي ناقصها رخصة ونشغلها سواق وتبقى مسكت كل الوظايف عندنا .
تنفس بصوت مرتفع يرى الجميع تراجع للخلف من صراخ ليبتلع هو ريقه بضيق ويتنفس بصوت مرتفع يمسح وجهه بغضب :
_ تمام، تمام يا امي، بعد الشغل هروح لخطوبة واحد صاحبي ومن بعدها اعدي عليكِ نروح نستسمح السيدة المحترمة افكار ونرجعها .
وفجأة ودون أن يستوعب أطلقت والدته زغرودة عالية وكأنه للتو وجد نصفه الآخر ويخبرها أنهم ذاهبون لزيارتها والاتفاق على موعد الزواج .
تنفس بحنق يتمتم :
_ يارب بس نعرف نعيش زي البني ادمين....
_______________
_ يعني ايه يا آلاء ؟؟ مش قولتي شوية لما تعلني الموضوع رسمي ؟!
ابتلعت آلاء ريقها تحاول تلاشي نظرات والدته التي تتهمها صراحة بالتسرع وتخبرها أنها تعلم يقينًا السبب وراء تلك الخطوة المفاجئة، لكنها عقدت العزم ولن تتراجع .
نظرت لوالدها تستمد منه القوة :
_ أنا خلاص شايفة أنه كفاية اوي كده ونعمل خطوبة رسمي ونعلن للكل، يعني ...هو أنا خلاص حاسة براحة وأنه...
وقبل أن تكمل جملتها قاطعتها والدتها بسرعة وصوت حانق حاد :
_ كل ده عشان طليقك ؟؟ كل ده عشان الخناقة اللي كل شوية تندب بينكم وعشان كلامه ؟؟
بُهت وجه آلاء تحاول أن تدافع عن نفسها :
_ لا أنا مش ...مش كده أنا بس شايفة أنه خلاص كفاية اوي كده هفضل لغاية امتى مخطوبة سكيتي ؟؟
_ يا بنتي أنا عارفاكِ اكتر من نفسك وعارفة اللي في دماغك كويس اوي، أنتِ عايزة تثبت لنفسك قبل أي حد أنك خلاص نسيتي حامد، لكن يا بنت بطني أنتِ كده بتغلطي .
انتفضت آلاء رافضة ذلك التحليل الجاحد من والدتها :
_ أنا مش حابة اثبت حاجة لحد، أنا عايزة اعيش واستمر في حياتي، مش هوقفها عشان تجربة فاشلة يا ماما، يعني هو يتجوز ويعيش وأنا اللي افضل ابكي على اطلاله؟؟
نظرت لها والدتها بشفقة :
_ يا بنتي أنا بس مش...
تدخل والدها في الحوار يقول منهيًا كل ذلك :
_ خلاص خلصنا مش كل يوم هنفتح مناظرة ونفضل نتكلم ونحلل تصرفات البنت ونخنقها، اللي هي عايزاه هيكون .
نظرت له آلاء شاكرة مساندته بينما والدتها رمقتهما بعدم رضا، ووالدها أصدر قراره وانتهى الأمر :
_ اتصلي يابنتي بخطيبك وحددي معاه الميعاد المناسب عشان نعملكم خطوبة رسمي والحارة كلها تعرف أنك خلاص اتخطبني عشان أي كلب بيقول كلمة عليكِ يخرس خالص .....
_______________
في مساء نفس اليوم ...
يسير بين الأزقة الضيقة حاملًا علبة فاخرة من الشوكولاتة وجواره والدته تنظر حولها بفضول شديد، وهو يتأفف، فها هو جاء للإعتذار رسميًا من( المربية الطباخة المساعدة ) التي أحضرها لتحمل منزلهم فوق اكتافها وحدها ..
كان يدور بين الشوارع وهو يرى نظرات الجميع له بأعين متسعة وفضول شديد، والبعض مستنكر لهيئته داخل مثل تلك الأماكن المتواضعة، وفي الحقيقة هو لا يلومهم البتة، فهو كمن جاء للتقدم إلى وظيفة أو التقدم لفتاة بهذه البدلة الرسمية الفاخرة والتي كان يحضر بها خطبة صديقه قبل المجئ .
_ اعتقد كان لازم تسبيني اغير لبسي يا امي بدل المنظر اللي انا فيه ده، حاسس اني رايح اقدم على الخارجية .
نظرت له والدته بحنق شديد :
_ يا بني ما أنت زي القمر اهو، بعدين يعني هي البدلة عشان الخارجية بس ؟؟ دي هيبة ماشاء الله وجمال، امشي أنت بس خلينا نسأل على بيتها..
زفر داوود وسار خلف والدته التي كانت تسأل كل امرأة في طريقها عن منزل افكار وهو غير مرتاح لما يحدث في تلك اللحظة .
وعند افكار في المنزل...
كانت تجلس في إحدى الغرف التي تطل على الشارع الرئيسي بنافذة كبيرة أسفلها تقبع أريكة مهترئة بعض الشيء يقبع فوقها بعض النساء بالعديد من الألوان في وجوههن.
وفي أحد أركان الغرفة كانت والدة افكار تجلس وتجمع حولها بعض النساء اللواتي ينتظرن دورهن في الزينة على يد ابنتها الخبيرة صاحبة خبر عشر ساعات في مجال تزيين النساء، تقرأ لهن الفنجان .
لوت سكر فمها تقرأ لواحدة الفنجان بين أناملها :
_ يا مايلة ده شكله البت اللي شغالة مع جوزك لفت عليه .
ضربت السيدة صدرها بقوة وهي تدس رأسها داخل الفنجان تحاول رؤية كل ما تقوله سكر :
_ يا مصيبتي ؟! فين دي يا سكر ؟؟
أشارت سكر لإحدى البقع الغير واضحة الملامح :
_ اهي اتعميتي ولا ايه ؟! البت لافة عليك اهي، الحقي جوزك قبل ما يطلق .
نظرت لها السيدة بصدمة وملامح شاحبة وهي تكاد تبكي :
_ طب اعمل ايه يا حاجة سكر ؟! شوري عليا الله لا يوقعك في ضيقة .
ابتسمت سكر تربت على فخذها تقول بجدية :
_ كل يوم تيجي للبت افكار تعملك شوية الوان في وشك زي الستات دول وهو هيتهبل وهينسى البت دي ..
وفي منتصف الغرفة كانت تجلس افكار وهي تمسك بعض علب الزينة وتقوم بدهان وجه السيدة أمامها بشكل مبالغ به عملًا بمقولة ( كل ما الدهان بقى اتقل، كل ما الحلاوة بقت اسهل) ولم تكن تلك المقولة معروفة أو معترف بها، فافكار هي من ابتدعها للتو حينما سألت أمرأة عن سبب زيادة الطبقة الأولى عن الحد .
انتهت افكار من وضع طبقة كريم الاساس حتى أضحى وجه الفتاة كالشبح، لتشير لها وهي تضع تحت أسنانها قلم الكحل :
_ يلا يا حبيبتي روحي انشفي جنب اخواتك في الشباك لغاية ما اخلص اللي بعدك وبعدين تعالي احطلك الطبقة التانية ونشطب .
نهضت السيدة من أمامها تتحرك بين أجساد النساء المحتشدين في الغرفة كما لو كانت افكار تقدم خدماتها مجانًا، لكنها لطالما كانت ماهرة في التسويق لما تفعل .
جلست السيدة في الشباك كي يجف وجهها كما أخبرتها افكار، لكن وأثناء جلستها مع الباقيين لمحوا شاب وسيم غريب عن أهالي الحارة يحمل علبة حلوى ذات غلاف اسود وذهبي فاخرة مرتديًا بدلة فاخرة ومعه سيدة يتحركون متسائلين عن منزل افكار .
شهقت واحدة من النساء في النافذة تقول بسعادة :
_ ايه ده ؟؟ عريس لأفكار ولا ايه ؟؟
نظرن الجميع لبعضهن البعض لتقول فتاة :
_ يووه يا افكار بتشتغلي يوم ما العريس جايلك يا مخبولة .
نظرت لها افكار بعدم فهم :
_ عريس ايه ؟!
لكن الفتاة لم تهتم وهي تهتف في النساء مشيرة صوب النافذة :
_ عريس لأفكار يا ستات، العريس زي القمر .
وفي ثواني بدأت الزغاريد تعلو من أفواه النساء والجميع يتدافع صوب النافذة لرؤية ذلك العريس المزعوم حتى أصبحت الأجساد ملتصقة ببعضها البعض وافكار تجلس وحدها في منتصف الغرفة بعدم فهم، بدأت تمسح يديها الملوثة بالكريمات في ثيابها تتحرك صوب باب المنزل بتعجب :
_ عريس ايه ده اللي جاي ؟؟
وبمجرد أن خرجت لمحت داوود يتقدم منها حاملًا بين يديه علبة حلوى مرتديًا بدلة جميلة وجواره جيهان تبتسم لها بحب، وفورًا فغرت فاهها بعدم تصديق وهي تنظر لهما بصدمة ..
هل جاءوا لطلب يدها ؟؟ داوود جاء ليطلب يدها ؟؟ هل لهذا كان يتشاجر معها طوال الوقت؟! لأنه يحاول أنكار اعجابه بها أمام قلبه كما ترى في المسلسلات التركية .
وفورًا ارتسمت بسمة واسعة على فمها تعدل من وضعية الحجاب وهي تقول بصوت واثق حينما توقف الأثنان أمامها :
_ كنت عارفة أنك هتيجي على فكرة، مش واكل معاك جو التقل ابدا، باين اصلا عليك من اول يوم أنك واقع .
صمتت ولم تنتبه لنظرات داوود الغير مدرك لما تقول ووالدته التي كانت تتعجب كم النساء المتجمع داخل منزلها، لكن افكار أكملت حديثها :
_ بس يعني مكانش له لزوم تزعق وتمشيني عشان تيجي تتقدم بالشكل الدرامي ده ...
عند تلك الكلمات اتسعت أعين داوود يردد بعدم فهم مبهوتًا من حديثها :
_ اتقدم ؟؟؟؟؟؟؟؟
________________________
ربما يكون الفصل قصير بعض الشيء، لكن احبائي اعذروني فنحن منشغلون بمعرض الكتاب، وبإذن الله بمجرد تفرغنا هتكون الفصل اكبر .
ومن هنا اقدر اقولكم إن المتعة بدأت.
متنسوش إن أنا وفاطمة طه هنكون في معرض الكتاب باذن الله يومي ( الاثنين والجمعة)
من الساعة ١٢ ظهرًا
في صالة 1 جناح a53
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه
رواية إعلان مُمَوّل الفصل العاشر 10 - بقلم رحمة نبيل
الفصل العاشر من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلو على نبي الرحمة.
__________
كانت الصدمة قوية على داوود الذي اتسعت عيناه في محاولة يائسة منه لاستيعاب ما سمع منذ ثواني، ما الذي نطقت به للتو ؟! هل جُنت أم ماذا ؟! ربما...
ربما أخطأ السمع .
لكن جملة والدته التي تشدقت بها جعلته يلتفت لها في صدمة أكبر من صدمته الاولى وهو يسمعها تقول لأفكار:
_ يا حبيبتي واحنا نفديكِ الساعة لما نيجي كده ونتقدم ليكِ ؟!
همس داوود بذهول :
_ أنتِ بتقولي ايه يا أمي ؟؟ بتقولي ايه أنتِ ؟! هتعومي على عومها ؟!
نظرت له جيهان ببسمة متمنية :
_ وماله يا حبيبي لما نتقدم ليها دي البت عسل والله وهـ
قاطعها داوود قبل أن تسترسل حديثها الجنوني:
_ أنتِ بتقولي ايه ؟؟ ايه لزقتي في الكلمة ؟! اتقدم ايه وجواز ايه ؟؟ هو أنتِ نسيتي احنا جايين ليه ؟؟
فتحت والدته فمها للتحدث، لكنه اصمتها على الفور للمرة الثانية:
_ لا متتكلميش، أنا اللي هتكلم.
تنهد بصوت مرتفع ينظر صوب أفكار التي كانت تنتظر أن ينتهوا من الحديث لترى ما سيفعلون في المستقبل، ابتسمت حينما رأت داوود ينظر لها قائلًا :
_ آنسة أفكار، الظاهر كده حصل سوء تفاهم في الموضوع .
تحدثت أفكار ببسمة وهي تظنه يقصد ذلك الشجار بينهما :
_ متاخدش في بالك دي مشاكل بتحصل عادي بين الكل، وبعدين سوء التفاهم ده وارد في المواضيع اللي زي دي ..
نظر لها بعدم فهم :
_ مواضيع ايه دي ؟؟ أنتِ ليه بتتكلمي في أمور أنا حتى مقربتش ناحيتها، ليه بتسحبيني لمنطقة أنا مروحتش ليها في الكلام ؟؟!
نظرت له أفكار محاولة فهم ما يريد لكن خاب أملها في النهاية :
_ أنا مش فاهمة أنت عايز ايه الحقيقة ؟؟ بس مبدئيًا القاعة هتكون على النيل ..
اندفعت جيهان تقول بسعادة :
_ زي ما تحبي يا حبيبتي، ايه رأيك نعملها في مركب ؟!
ابتسمت لها أفكار وقد اعجبتها الفكرة :
_ حلوة، وتبقى بليل ونعلق فروع نور في المركب..
صاح داوود مقاطعًا كل هذا الحديث بغضب شديد :
_ أنتم بتغنوا وتردوا على بعض، وأنتِ يا امي الله يباركلك اسكتي لو سمحتي .
_ يا بني اسمع بس، البنت والله زي العسل و....
_ يا حاجة الله يباركلك بس، بس احنا جايين في ايه وأنتم بتتكلموا في ايه ؟؟ قاعة ايه ومركب ايه ؟؟
تنهد بصوت مرتفع، وقال بلهفة قبل أن تسبقه إحداهما وتخرج له بكارثة أو ثرثرة أخرى ليجد نفسه في النهاية جد لاحفاد أفكار...
_ احنا بس كنا جايين عشان نعتذر عن اللي حصل في البيت عندنا ونقولك ترجعي الشغل تاني ..
حركت أفكار جفنيها وهي تنظر في وجوههما بجمود وبلاهة لحظية ثم قالت :
_ بس كده ؟!
_ بس كده ..
فجأة انتفض داوود للخلف مع جيهان وهو يسمع شهقة أفكار ومن ثم حديثها الحاد المغتاظ :
_ وأنت فكرك يعني لما تيجي وتلبس ليا بدلة زي دي وتجيب علبة شوكولاتة من اللي لونها دهبي، هقبل وانسى الإهانة اللي اهنتها ليا ؟!
اندهش داوود من كلماتها :
_ إهانة ؟؟
_ لا فوق يا بابا مش أفكار اللي تدوس على كرامتها وترجع تقول معلش، إلا كرامتي، دي خط أحمر عندي والكل في الحارة يشهد بكدة، ارجع الشغل عندك دي خلاص بقت في احلامك الوردية يا ...
قاطعها داوود في محاولة يائسة لرجوعها قبل أن يصبح عبدًا لوالدته التي تعانده :
_ ارجوكِ يا أفكار أنا آسف والله حقك عليا، هزودلك المرتب الضعف لو تحبي ..
فجأة توقفت أفكار عن التلويح بيديها في الهواء وهي تقول بأعين ضيقة وبتفكير :
_ الضعف ؟!
_ أيوة .
فجأة ابتسمت، ثم تحركت داخل المنزل ومنه للغرفة التي كانت تجلس بها تصفق بكفيها في الهواء :
_ يلا يا حبيبتي كل واحدة تروح تشوف مصالحها عشان مش فاضية .
تحدثت إحدى النساء بصوت ساخط :
_ أروح فين أنا لسه وشي لسه منشفش يا افكار .
_ ابقي انشفي في بيتك يا حبيبتي، اقعدي فوق السطح كده في حتة مهوية وانشفي براحتك بعد كده خدي وش سنفرة .
_ والجمال اللي هنبهر بيه اجوازنا يا افكار ؟!
_ عنهم ما انبهروا يا ختي، يعني هما عاشوا كل السنين دي واستحملوا هنيجي نبهرهم دلوقتي ؟! بعدين يعني هما اللي حلوين اوي ؟؟ يلا بس الله يكرمكم عشان الناس واقفة برة .
وشيئًا فشيء بدأ المكان يتفرغ ممن فيه ولم يتبقى سوى سكر التي ظلت جالسه أمام شعلة صغيرة تصنع عليها القهوة للنساء، ابتسمت أفكار باستحسان لما فعلت ومن ثم خرجت سريعًا تدعو داوود ووالدته للداخل ببسمة :
_ اتفضلوا نورتوا البيت ....
___________
مر بجانب منزلها ليجد الأضواء والانوار معلقة وكأنه هناك حفل زفاف في المنزل، انقبض قلبه من الفكرة، فهي تقطن في منزل العائلة لا يتواجد غير عائلتها به وليس لديها أشقاء مهلًا هل هي المقصودة؟!..
أقترب من البقال الذي يتواجد أمام المنزل والذي يعرف صاحبه العجوز منذ أن كان صغيرًا "العم مجدي".
_ازيك يا عم مجدي أيه الاخبار؟!.
رفع العجوز رأسه بعد أن كان يقوم بوضع بعض الصناديق الكرتونية فوق بعضها..
_الحمدلله يا واد يا حامد لسه فاكر عمك مجدي؟!، ده أنا نادرًا لما أشوفك ولو شوفتك بتكون معدي بالعربية والعيال بينزلوا يشتروا حاجة مش أكتر.
غمغم حامد في حرج:
_معلش يا عم مجدي الحياة مشاغل، وبعدين أنا مقدرش أنساك.
أستند العجوز على عكازه، ثم سار خطوتين وجلس على مقعده الخشبي المتهالك:
_على رأيك، بس أيه اللي مخليك ماشي على رجلك مش شايف عربيتك يعني مش بعادتك؟!.
كانت نبرته خبيثة نوعًا ما ولكن أجابه حامد في صدقٍ فهو يشعر بأنه ضل طريقه لم يعد يعرف ما الذي يجب أن يفعله:
_زهقان شوية يا عم مجدي وقولت أتمشى.
ثم أسترسل حديثه في انفعال طفيف، رُبما غضب مكتوم، وقلق شديد يفتك بقلبه من الظنون التي رافقته:
_هي أيه الكهارب والانوار اللي متعلقة دي؟!...
أردف عم مجدي في نبرة جادة وكأنه لا يقول شيء:
_الست ألاء خطوبتها بكرا ولا بعده باين لسه أبوها معدي من شوية وقايلي أنه هيأخد من عندي الحاجة الساقعة
قاطعه حامد وهو يقول بعدم فهم:
_نعم؟!!.
_زي ما سمعت يا ابني.
تحدث حامد في جنون واستنكار رهيب:
_خطوبة أيه اللي هتتعمل؟!! أنا ههد البيت على اللي فيه...
كان بالفعل على وشك السير مما جعل العجوز يهتف في حكمة:
_أرحم وخلي رحمة ربنا تنزل يا حامد، هي حرة وتعمل اللي هي عايزاه وهي أم عيالك في الآخر بلاش فضايح أكتر من كده يا ابني، يا أخي عشان عيالك اعقل شوية بلاش كل خمس دقايق تلموا الحارة عليكم يابني....
لكن حامد كان غضبه وانانيته هم من يسيرونه في هذه اللحظة، مشاعر غريبة تلبسته ولا يدري ما السبب، يفعل ما يمليه عليه غضبه دون إدراك للصحيح والخطأ .
___________
يجلس في تلك الغرفة الفسيحة التي تفوح منها روائح لمواد كيميائية متنوعة يطلق عليها البعض ( أدوات تزيين)، حاول داوود تجاهل الأمر وهو يتنفس بصوت مرتفع بعض الشيء يريح ذراعه جوار جسده محاولًا الاعتدال في جلسته، لكن فجأة شعر بشيء لزج أسفل قبضته، ضيق ما بين حاجبيه وهو ينظر صوب ذلك الشيء ليُصدم أن يده أضحت ملطخة بتلك المواد التي تضعها النساء على وجوههن .
اتسعت عينيه وهو يردد بحنق شديد :
_ ايه القرف ده بقى ؟؟
في ذلك الوقت سمع داوود صوتًا يأتي من أحد أركان الغرفة حيث لم يكن ينتبه أحد لجلوس سكر، انتفض جسده للخلف وهو يسمع صوت (بسبسة) من فم سكر :
_ بقولك ايه يا عسل يا قمور أنتَ، تشرب قهوة ؟!
نظر لها داوود يحاول تهدئة خفقاته هامسًا لوالدته:
_ يلا يا أمي الله يكرمك نمشي من هنا، وأنا هقفل المحل واقعد اخدمك والله .
حدجته جيهان بغيظ شديد، ثم نظرت حيث سكر وقالت ببسمة :
_ تسلمي يا حجة مش عايزين نتعبك معانا .
تشنجت ملامح سكر بحنق من كلماتها وتمتمت بصوت خفيض وصل لهما واضحًا :
_ حجة مين يا ختي هو البعيدة عديمة النظر ولا ايه ؟!
اتسعت أعين جيهان بصدمة ولم تكد تجيب حتى تجاهلتها سكر وهي تنظر لداوود ببسمة :
_ ها يا قمر اعملك قهوة ؟؟
تنحنح داوود وهو يحاول الاعتدال في جلسته والتنفس بشكل جيد :
_ لو مش هتعبك يا امي يعني ممكن واحدة مظبوطة .
_ لا يا حبيبي مفيش تعب، أنت تؤمر .
وبالفعل بدأت سكر تعد له القهوة وهو يجلس متأففًا من تأخر أفكار عليهم، وما هي إلا ثواني وطلت عليه افكار مبتسمة بعدما ابدلت ثيابها التي خربت جراء عبثها بالألوان والذي كانت تسميه هي تجميل النساء.
_ معلش اتأخرت عليكم شوية ..
قالت جيهان ببسمة متغاضية عن تصرفات والدة أفكار باعتبارها سيدة كبيرة في العمر :
_ لا يا حبيبتي مفيش تأخير ولا حاجة، أنتِ عاملة ايه، طمنيني عليكِ والدنيا كانت عاملة ايه معاكِ بعد ما سيبتي الشغل ؟!
نظرت لها أفكار بحزن شديد وقد شعرت فجأة بالقهر يحاصرها، لا تدري كيف مرت بكل هذا في حياتها البائسة .
وما بين كلمات والدته وتنهيدات افكار، كان داوود يقلب نظراته بينهما بملامح متشنجة متعجبة مما يحدث :
_ هو فيه ايه ؟! ايه المشهد البائس الحزين ده ؟! دي يا دوبك سابت الشغل امبارح.
رمقته أفكار بحنق وغيظ من افساده لشعور القهر والحسرة داخلها، وداوود لم يصمت وهو يتحدث بكل الغضب داخله :
_ وبعدين يا امي أنتِ بتتكلمي كأنها يا عيني اتشردت وملهاش حاجة تعيلها، دي ما كدبتش خبر اول ما اتطردت وهوب اتصرفت وجابت شغلانة تانية من تحت الارض .
تخصرت أفكار بغضب :
_ يعني عايزني اقعد احط ايدي على خدي واستنى حسنة من الناس عشان حضرتك طردتني ؟! ايه فاكرني هاجي ابوس ايدك بعد ما الدنيا تضيق بيا ؟!
اتسعت عين داوود يردد باستنكار كبير :
_ أنتِ بتقولي ايه ؟؟ ده أنتِ مكملتيش يوم من غير شغل ....
زفرت أفكار بصوت مرتفع تحاول الهدوء من حالة الغضب العجيبة والدخيلة عليها :
_ قصره، عايز ايه يا ابن الذوات ؟؟
_ ابن الذوات ؟؟ هي البت دي عبيطة يا امي؟؟ والله العظيم عبيطة ؟؟ هي ليه محسساني أننا قاعدين في فيلم ابيض واسود ؟؟
نظرت له أفكار وهي لا تنفك تفاجئه بتصرفاتها :
_ عايز ايه يا استاذ داوود، حلو كده ؟؟
_ اه حلو كده يا استاذة افكار، أنا قولتلك اني جاي عشان ترجعي الشغل وهعملك اللي عايزاه .
نظرت له قليلًا ثم قالت بتشفي :
_ ايه عرفت أنك متقدرش تمشي امورك من غيري ؟؟
_ لا وأنتِ الصادقة امي والعيال كلوا دماغي وانا عايز اشتري راحتي مش اكتر.
هزت رأسها تطرح كل شروطها :
_ بس هتزود مرتبي الضعف زي ما قولت مترجعش في كلامك.
_ موافق
_ ومش هيكون ليك أي دعوة بيا أو بشغلي .
_ قال يعني أنا واقفلك بالعصايا وبراقبك، هو أنا يابنتي بشوفك غير لو فيه بلوة أنتِ السبب فيها ؟؟
تنهدت افكار برضى متغاضية عن كل ما نطق به منذ ثواني ولم تكد تدلو بموافقتها حتى رأت والدتها تضع القهوة أمام داوود وتجلس معهم، بدأ داوود يرتشف قهوته باستمتاع شاكرًا إياها ثم قال :
_ تسلم ايدك ...ها يا أفكار كده متفقين ؟؟
هزت أفكار رأسها:
_ تمام متفقين، بكرة باذن الله هرجع الشغل .
ابتسم داوود براحة أخيرًا، يرتشف رشفاته الأخيرة من القهوة، ثم وضع الفنجان على الطاولة، وهو يقول :
_ كده تمام بكرة هسيبلك مع امي ا....
وقبل إكمال كلماته سمع سكر تقول وهي تسحب فنجانه من أمامه:
_ هات أما اقرألك الفنجان .
اتسعت أعين داوود بصدمة من تلك المرأة وقال بهدوء ولين وهو يراها تحاول سحب الكوب من أمامه بإصرار، ليبتسم متحدثًا بكلمات ناصحة هادئة :
_ قراءة فنجان ايه يا امي، استغفر الله، سيبي الفنجان لو سمحتي وبلاش الحوارات دي عشان فيها كفر لو سمحتي بلاش تمشي ورا التخاريف دي، استغفري ربك وتوبي .
لكن سكر كانت مصرة إذ انتزعت منه الفنجان عنوة تحت نظراته واستغفاره واستنكاره الشديد لذلك الفعل، لكن والدته ربتت على قدمه تهمس له :
_ أهدى يا حبيبي دي ست كبيرة عديها.
_ اعدي ايه يا امي، مش لدرجة الكفر ده استغفر الله العظيم، أنا اساسا مخنوق من اول ما دخلت، بقولك ايه لو خلصنا خلينا نمشي من هنا.
نظرت له أفكار بتعجب لنظراته واسوداد ملامحه والتقطيبة التي علت وجهه :
_ خير يا أستاذ داوود مالك فيه حاجة ؟؟
اندفع داوود وكاد يتحدث لها، لولا ارتفاع صوت والدتها وهي تقول :
_ أنا شايفة فيه نور خارج من الفنجان، نور شديد اوي اوي يا بني .
رمقها داوود بسخرية لاذعة :
_ والله ؟! ايه فيه فرح في الفنجان ولا ايه ؟!
رفعت سكر حاجبيها وقالت بتهليل :
_ أيوة صحيح فيه فرح عرفت منين يا واد، أنت بتقرأ الفنجان برضو؟!
أشاح داوود بوجهه مستغفرًا ربه بصوت مرتفع وقد شعر بقرب انفجاره في هؤلاء المجانين، وسكر تكمل خرافاتها وهي تقول :
_ النور ده فرح، فرحك وفيه عروسة زي القمر هي اللي منورة الكوشة جنبك، استنى كده ...أنا أعرف العروسة دي ..
نظر لها الجميع بفضول عدا داوود الذي كانت ملامحه توحي بمدى كرهه ورفضه واستنكاره لما يحدث، لكن فجأة انتفضت الأجساد على صرخة سكر وهي تقول :
_ دي أفكار بنتي .
أشارت افكار لنفسها بذهول :
_ أنا ؟!
_ أيوة يا بت اهو في الفنجان قاعدة جنبه بسم الله ما شاء الله عليكِ زي القمر، حتى الحلو جوزك ده قاعد بسمته واكله نص وشه اهو حتى شوفي ...
رفعت الفنجان أمامهم لتقترب أفكار وكذلك فعلت جيهان دون وعي وبفضول شديد لينتفض جسد داوود صارخًا بحنق وغصب :
_ لااا كده كتير، ايه يا حجة التخاريف دي ؟؟ حرام عليك اللي بتعمليه في نفسك، مفيش حاجة اسمها قراءة فنجان، ارجعي لربك وأنتِ على اعتاب الأخرة كده .
اشتد غضب سكر تقول باستنكار :
_ أنت بتقول ايه يا جدع أنت ؟؟ اعتاب أخرة ايه جاك كسر عتبتك، مين الجدع ده، أنت بتعمل ايه في بيتي أساسا؟!.
اقتربت منها أفكار بسرعة تربت على ذراعها :
_ ايه يا امي مش كده ده استاذ داوود اللي بشتغل عنده .
_ استاذ مين ؟؟ وأنتِ بتشتغلي في مدرسة ولا ايه ؟؟ بعدين أستاذ على نفسه مفكرني تلميذة عنده ولا ايه ؟؟
تأفف داوود يحاول تهدئه نفسه لكن سكر لم تكن بنفس الهدوء إذ صاحت :
_ اوعاك تكون مفكر يعني عشان حليوة ومسمسم هقبل اجوزك البنت دي، لا ده غيرك كتير حفي وزحف وانا رفضت .
قبلت أفكار يدها وهي تهمس لها :
_ ابوس ايدك يا شيخة خلاص، استرينا واسكتي شوية .
تحدث داوود بملامح غاضبة ووجه أحمر :
_ والله لولا أنك ست في عمر جدتي أنا كان ليا كلام تاني معاكِ، يلا يا أمي قومي عشان نمشي من هنا .
شهقت سكر بصوت مرتفع وهي تتجهز للانقضاض على داوود الذي تحفز جسده، لولا أن أفكار امسكتها وهي تقول :
_ خلاص امسحيها فيا أنا الله يكرمك، امشي من وشها دلوقتي يا أستاذ داوود لأحسن هي لما بتتعصب مش بتشوف ..
نظر لها داوود بغضب وأخذ يصرخ في وجه سكر لكن بصوت متزن وبكلمات حاول أن يخرجها محترمة مرعاة لسنها:
_ يعني فوق ما أنتِ ماشية ورا تخاريف كمان بتعاندي في الغلط، ايه حالفة لتدخلي النار من اوسع ابوابها ؟؟
جذبته والدته للخارج وهي تعتذر لهم، وأفكار تسحب والدتها بصعوبة بعيدًا عنهم والتي كانت على وشك الامساك في داوود ...
وهكذا انتهى اللقاء بكارثة أوشكت أن تسفر على وجود ضحايا من الطرفين.
____________
تجلس معه في المطعم بعد أن قام بدعوتها على الغداء بعد أن طلب الأذن من أبيها الذي رحب بالأمر جدًا، وأثناء تناولهم الطعام لاحظ ياسر صمتها التام وتوقفها عن تناول الطعام فهي شاردة جدًا.
_مالك يا روضة سرحانة في أيه؟! أيه اللي واخد عقلك ومش مخليكي تأكلي، الأكل أو المكان مش عاجبك؟! لو كده نروح مكان تاني فورًا.
أنتبهت له روضة وأردفت في سرعة من أمرها:
_لا أبدًا يا ياسر مفيش.
_هتخبي عليا ده احنا بقينا واحد يا روضة.
ابتسمت له ثم غمغمت بتردد وهي تحاول أن تتخلى عن خجلها:
_صراحة أنا مضايقة من وضعنا يعني أننا قراءة فاتحة بس، أنا عايزة الناس كلها تعرف أني مخطوبة ليك ونعمل خطوبة بشكل رسمي أعتقد يعني أحنا عرفنا بعض بالشكل الكافي.
قال ياسر في رغبة منه وبحديث معسول يجيد صُنعه:
_أنا نفسي نتجوز النهاردة قبل بكرا مش خطوبة بس يا روضة أنا لقيت الأمان فيكي كأني كنت بدور عمري كله عليكي، بس والدتك هي اللي شارطة كده.
أردفت روضة في حماس شديد وهي تنظر له:
_لا متقلقش من حكاية ماما دي أنا هقنعها أنتَ تيجي وتتكلم مع أبويا في كل حاجة وكل حاجة هتمشي متقلقش.
رُسمت ابتسامة على شفتيه سرعان ما اختفت مما جعلها تسأله في قلق رغم علمها بأنها لم تفعل شيء:
_في حاجة يا ياسر وشك قلب مرة واحدة كدة ليه؟!.
تمتم ياسر في حرج:
_يعني يا روضة بصراحة في موضوع لازم أتكلم معاكي فيه ضروري.
_في أيه يا ياسر متقلقنيش؟!..
نظر لها ياسر في تأثر وهو يحاول أن يقوم بضبط كلماته:
_يعني في حاجة هتعطل جوازنا وكل ده.
قاطعته في ذعر:
_أيه بس اللي هيعطل لو على ماما....
قاطعها هو تلك المرة مصححًا الأمر:
_المشكلة مش في أمك بس يا روضة.
عقبت باستغراب:
_اومال في أيه تاني يا ياسر؟!..
_زي ما أنتِ عارفة أن هستقر هنا وطبعا القرار ده قررته أنا وامي مرة واحدة وأكيد مكنش ينفع أسحب فلوسي كلها من هناك مرة واحدة دي شراكة كبيرة، ومش هاخد أرباحي قبل نهاية السنة، ولازم طبعا أجيب ليكي شبكة تليق بيكي وتشرفك، وأجيب الشقة اللي الكل يدخلها ينبهر بيها بس للأسف لسه كتير اوي عقبال ما أعمل ده ومليش عين بصراحة أتمم الخطوبة والجوازة بقول نستنى الكام شهر دول....
غمغمت روضة في نفي وهي تتذكر تلك المرأة التي كانت تتواجد بجانب داوود في السوق:
_لا مينفعش نستنى أكتر من كده.
_أنا معيش مصاريف الجواز والخطوبة دلوقتي.
صمتت روضة ليطيل الصمت بينهما لمدة دقائق ثم قالت باقتراح غبي وكأنها تحقق له غايته:
_طب ما تطلب من بابا يسلفك لغاية ما الفلوس توصل؟!.
أحتدت ملامحه وتحدث في انفعال طفيف:
_أنتِ اتجننتي يا روضة؟! عايزاني أقول لخالي يسلفني أتجوز بنته ليه مش راجل بتقلي مني يا روضة ومش شايفاني راجل ولا أيه؟!!!..
قاطعته روضة في توتر من نبرته المرتفعة وملامحه التي تغيرت تمامًا وحاولت تصليح الوضع هاتفة:
_لا يا حبيبي والله مش قصدي حاجة أنا بس قولت مفيش حاجة لما بابا يساعدك أنتَ ابن اخته وزي ابنه وكمان هتبقى جوز بنته وبابا مش هيقول لا، أنا شايفة أنك تخلي عمتو تقوله من تحت لتحت..
نظر لها في خبثٍ وغمغم متصنع الضيق فهو يقوم باستغلال الأحوال التي تمر بها روضة من انفصالها:
_الصراحة هي فكرة مش وحشة بس كرامتي...
قاطعته للمرة التانية وهي تقول:
_كرامتك متصانة يا ياسر وفي الأول والأخر أحنا أهل مفيش بينا الكلام ده.....
_____________
يوم طويل وعجيب جدًا...
لا يصدق تلك الفتاة مجنونة، يقسم أنها مجنونة ولكن لا يستطيع الإنكار بأنها فريدة من نوعها رغم جنونها ومنطقها الغريب والظروف التي تمر بها وتتخطاها بسهولة، امرأة جديرة بالاهتمام رغم أنها مفعمة بالعيوب أو ليكون صادقًا مع نفسه مفعمة بالصفات التي لا تعجبه أبدًا.
أبتسم لنفسه وهو يتذكر ردة فعلها وتوقعها بأنه أتى ليتقدم لها كان موقفًا جنونيًا ومضحكًا إلى حد ما قطع خلوته مع نفسه ابن شقيقه الذي ولج إلى الغرفة ولم يكن داوود قد أغلق بابها..
تحدث داوود باستغراب:
_علي أنتَ لسه صاحي؟!.
أردف علي بضيقٍ وهو يقترب من الفراش ويجلس بجانب عمه:
_أيوة مش جاي ليا نوم يا عمو، زهقان ومخنوق.
ضيق داوود عيناه وأعتدل في جلسته ثم غمغم باهتمام:
_مالك يا علي أيه اللي خانقك؟!.
نظر له الصغير ثواني وكأنه يخفي الكثير داخله، لكن وحينما أضحت الكلمات على حافة فمه، تراجع وقال في تردد:
_ولا حاجة يا عمو أنا خلاص هقوم أنام.
نهض علي وكان على وشك أن يذهب ولكن أمسكه داوود من يده جابرًا أياه على الجلوس مرة أخرى هاتفًا في حب وحنان:
_لا فيه حاجة وبعدين أحنا صحاب ولا ايه يا علي؟! لو محكتش ليا هتحكي لمين؟!.
نظر له الصغير ثواني قبل أن يردف بصوت مختنق بعض الشيء، وبكلمات أكبر من عمره قال :
_ولا بابا مهتم يسألني مالي ولا ماما، حضرتك وبعدك تيتا وأفكار بس اللي مهتمين.
أبتسم له داوود وحاول تجميل صورة شقيقه في عين طفله:
_أنا بحبك ومهتم بيك وستك كمان بس مهما حصل محدش هيحبك وهيشيل همك قد بابا وماما يمكن أكتر مننا كمان، ده أنت ابنهم ومحدش عندهم اغلى منك ومن اخواتك.
تمتم الصغير بألم واضح شعر به داوود وكأن من أمامه شاب في الثلاثينات على الأقل:
_مش باين يا عمو.
_بص يا علي أنتَ لسه صغير علشان كده مش هتفهم أي حاجة من اللي بتحصل، في حاجات كتيرة بتضايقنا من اللي حوالينا بس أحنا مجربناش نكون مكانهم ولا فهمنا هما بيعملوا كده ليه، وأكيد أنتم اهم حاجة عندهم بس الفترة دي هما مضغوطين وفي مشاكل شوية كل واحد بيحاول يضبط حياته.
تحدث الصغير في انفعال طفيف:
_مصطفي ابن عمو محمد النهاردة أتريق عليا في المدرسة علشان ماما خطوبتها بكرا.
لأول مرة يدرك داوود عمق الألم المتواجد في الصغار ورُبما يحاولون إخراج طاقتهم وحزنهم في فرط حركتهما وشقاوتهما، يبدو أنهم يستشعرون جيدًا ما حدث في حياتهم من شرخ كبير لا يشعر به أحد ويظن بأنهم لا يدركون الوضع...
_ماما مبتعملش حاجة غلط علشان حد يتريق عليها.
_لا غلط مدام سيبنا بيتنا وبابا عايش لوحده وماما عند عيلتها يبقى غلط، ليه منرجعش تاني كلنا مع بعض في بيتنا.
ابتسم له داوود ورفع يده يداعب وجنتي الصغير الذي لم يعد صغيرًا بسبب الموقف الذي تعرض له:
_كل حاجة بتحصل في الحياة بيكون ليها سبب يا علي، ثم مين عالم أدعي لربنا كتير أن كل حاجة ترجع زي الأول ويمكن ترجع.
_يعني أنا لو دعيت هترجع كل حاجة زي الأول ازاي؟! بابا اتجوز وماما هتتجوز حد تاني أنا كبير وفاهم أن مفيش حاجة هترجع زي الأول.
_مفيش حاجة اسمها كده أنتَ ادعي بالخير وأن كل حاجة تكون كويسة زي الأول مُسْتَحيلُكَ، على اللهِ هَيِّنٌ.
سأله علي بعدم فهم:
_يعني ايه؟!.
_اي حاجة شايف أنها صعبة تحصل هي سهلة عند ربنا وهينة أوي، ادعي أنتَ بس وتعالي نام جنبي علشان الوقت اتأخر وبكرا في مدرسة.
تحدث الصغير في لهفة:
_صدق معاك حق يا عمو بكرا أفكار هتيجي تصحيني بالعافية.
فرصة جيدة ليعلم داوود حجم العلاقة بين الصغار وافكار :
_هي كويسة معاكم؟!.
غمغم الصغير في أدب:
_طنط افكار كويسة جدا معانا يا عمو هي عصبية ساعات بس قلبها أبيض.
ضرب داوود كفًا على كفٍ، فهو متأكد أن تلك الفتاة ما هي إلا ساحرة لم تكتفي بوالدته سحرت لابناء أخيه أيضًا.
_____________
في اليوم التالي..
عادت أفكار على رأس عملها، غرفة نوم الأطفال أصبحت فوضى بشكل مرعب بينما المطبخ لا تستطيع وصفه بمسماه السابق من الممكن أن تستبدله بأنها كارثة.
لا يتواجد أي شيء في مكانه بالرغم من انه تقريبًا يومين، الكثير من الصحون المتسخة التي يجب عليها غسلها، مما جعلها تخاطب نفسها أثناء رؤيتها لهذا المشهد:
_والله يابت يا أفكار البيت من غيرك ولا حاجة، ولا يعرفوا يعملوا حاجة، والله مش عارفة مين اللي كان بيمشي أمورهم قبل ما أنا أجي، المفروض يحمد ربنا إني وافقت أرجع للمخروبة دي تاني.
_كتر خيرك.
دون أن تنتبه لمن يتفوه بتلك الكلمة ردت بكل عفوية:
_طول عمري خيرة وطيبة وخيري بوزعه....
قبل أن تستكمل وصلة مدحها لنفسها...
أستدارت برعب وهي تجده واقفًا عند باب المطبخ ولكنه سمعها، لا تعلم كيف أستطاع فعلها أم أن صوتها كان مرتفعًا نوعًا ما؟!..
يا لكِ من حمقاء يا أفكار...
هكذا خاطبت نفسها وبتلقائية منها أخذت تحاول تبرير موقفها:
_أنا مش قصدي يا أستاذ داوود أنا قصدي يعني...
قاطعها بملل:
_ولا قصدك ولا غيره، ولا يهمك عموما معاكي حق، وبعدين قبل ما تيجي كان في واحدة بتيجي تساعد امي في البيت بس حصل ليها ظروف واما الولاد جم كل ده جه ورا بعضه وعلى العموم أنا قريب هجيب حد يساعدك في البيت.
تحدثت أفكار مسرعة في حماس:
_لا تجيب أيه يا أستاذ مهو حضرتك لو جيبت حد هتقلل من فلوسي، ممكن تزود الفلوس شوية كمان وأنا أعمل للست جيهان وللاولاد اللي هما عايزينه حتى لو عايزين لبن العصفور.
ضحك داوود رغمًا عنه، ثم غادر دون قول شيء مما جعلها تندهش لأول مرة يضحك أمامها هو دائمًا غاضب، ضحكته جميلة ورائعة لن تنكر ولكنها أخذت تفكر مخاطبة ذاتها:
_ضحكته حلوة بس برضو مقالش هيزودني الشهر ده ولا اللي بعده؟!.
_____________
تقف داخل مطبخ جيهان تنتهي من جلي الأواني بعدما اطعمت الصغار وانتهت من كل شيء حتى الآن، تنفست الصعداء وهي تجفف قطرات العرق المتواجدة على وجهها بمنديل ورقي، ثم استندت على طاولة المطبخ أمامها والتي تطل على البهو الخارجي للمنزل ..
أمسكت بعض الفواكه تتناولها بنهم وتلذذ قبل أن تبصر جسد حامد الذي كان ملقيًا رأسه على الأريكة مستندًا على ظهرها برأسه وهو يشعر باختناق شديد داخل صدره، ما الذي يحدث في حياته، كيف يستطيع الخروج من تلك الدوامة ويعيش سعيدًا كما كان يتخيل قبل زواجه الثاني ؟!
أين تلك الآمال الحمقاء التي رسمها لنفسه ولونها بتجارب الآخرين حوله، ليقنع ذاته أنه سيلقي بماضيه الباهت ويستبدله بحاضر مزهر، والآن ماذا ؟؟
حاضر شاحب ..
مرحى يا حامد .
_ خير يا استاذ حامد مالك كده يا خويا زي الفرخة الدايخة بعد التطعيمات ؟؟
انتفض جسد حامد بقوة بعد خروجه من أفكاره وجو الحزن الذي كان يطوف به على صوت الصراخ جواره.
رفع رأسه ينظر لأفكار التي كانت تقف في المطبخ وهي تتناول بعض التفاح متحدثة من بين مضغاطها :
_ شيفاك يعني شايل طاجن ستك، اتخانقت مع الاولانية تاني ولا مع التانية ولا بتفكر تجيب تالتة تتخانق معاهم ؟؟
حدجها حامد بشر، لكنها لم تهتم البتة :
_ ايه بتبصلي كده ليه، طب قولي مالك وأنا اساعدك .
أطلق حامد صوتًا ساخرًا من حنجرته :
_ أنتِ تساعديني ؟!
_ يووه .. وبتقولها من تحت ضرسك كده ليه ؟؟ أنت شكلك متعرفنيش .
ابتسم ساخرًا يتحسس رقبته التي نالت منها ضربًا يكفيه لسنوات عمره البقية :
_ لا ازاي ؟؟ عز المعرفة .
ابتسمت هي بخجل:
_ لا يعني بعيدًا عن كل ده، اللي قدامك دي وبلا فخر عقل الحارة بتاعتي، أي حد بيغلب في حاجة مش بيلاقي غيري يستشيره عملًا بمقولة ( أفكار مستودع الأفكار ) يعني أي حاجة بالصلاة على النبي هتلاقيها عندي هنا .
أشارت لراسها ثم خرجت من المطبخ تتقدم صوبه جالسة على مقعد أمامه وهي تمد جسدها بفضول :
_ قولي مالك كده، يمكن اقدر اساعدك ؟؟
نظر لها ثواني يشعر بأن حالته قد أصبحت من السوء الذي جعله يجلس مع عاملة في منزل والدته والتي هي نفسها التي كادت تخرب حياته وتضيع عمره سابقًا، ليتحدث معها عن مشاكله، لكن ومن له غيرها؟!.
_ آلاء خطوبتها انهاردة ..
_ آلاء مين دي ؟؟
تنهد بصوت مرتفع :
_ الاولانية .
وفجأة انتفض جسده بقوة على صوت زغاريد افكار التي قالت بفرحة :
_يا الف نهار ابيض يا الف نهار مبروك، طب والله بركة أن ربنا رزقها بابن الحلال اللي يعوضها عن عيشتها معاك، ربنا يسعدها ويهدي سرها ويبعد عنها ولاد الحرام.
كانت تدعي وهي تنظر له بتلميح ليصرخ حامد في وجهها:
_ ايه يا ستي أنا جايبك عشان تدعي عليا، أنا عايز حل .
_ حل ايه لا مؤاخذة ؟؟ هي مش طليقتك ؟!
توتر حامد بشدة :
_ أيوة بس ...بس يعني أنا كنت...
ابتسمت أفكار لنظراته وقالت بتلميح وخبث :
_ بتحن صح ؟! وعايز ترجع ؟؟
_ ايه ؟؟ لا طبعا انا بس ...عشان ...عشان الأولاد خايف بس يمنعها تشوفهم أو تبعد عنهم، وأنا مش حابب عيالي يتربوا بعيد عن امهم .
امتصت أفكار شفتيها بتأثر مصطنع :
_ فيك الخير يا خويا، لهو أنتم اللي زيكم بيحس وبيفكر في مشاكل الولاد ؟! تلاقيك محروق من جواك كده أنها هتتجوز وتعيش مبسوطة باذن الله وأنت تعيش عمرك كله متنكد عليك كده.
صوب تجاهها حامد نظرات كالرصاص يستشعر رغبة عميقة في التخلص من تلك المصيبة المتنقلة، لكن فجأة تلاشت كل تلك الأفكار حينما صوت صوت أفكار تقول :
_ بس رغم كل ده هساعدك عشان أنتم شكلكم لسه متعلقين ببعض والاولاد كذلك، بص يا سيدي، ايه رأيك تاخد العيال وتروح هناك بيهم الخطوبة وهما بقى يتصرفوا مع عريس الغفلة؟؟
نظر لها حامد ثواني يحاول معرفة ما تقصد، لكن فجأة سمع الاثنان صوت داوود الذي عاد من عمله بعدما نسي بعض الأوراق يقول :
_ ايه اللي بتقوليه ده ؟؟؟
____________________
كلها كوارث، لكنها صنفتها بالخطأ " أفكار"
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه FatmaSultan947
متنسوش إني أنا وفاطمة طه، باذن الله هنكون في معرض الكتاب يوم الجمعة
في صالة 1 جناح a53
جميع روايتنا الورقية موجودة هناك كذلك.