تحميل رواية «إعلان مُمَوّل» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول من #إعلان_ممول & فاطمة طه سلطان صلوا على نبي الرحمة . _________________ في إحدي المناطق السكنية الشعبية التي تجمع كثير من الفئات المختلفة أجتماعيًا، كان هذا المنزل يقف شامخًا محتفظًا بجماله وفخامته بمساحته الواسعة ورُبما سبب جماله هو نشأته الصلبة وحفاظ أهله على تجديده والإهتمام به فهو يتواجد وسط المباني القديمة والتي مر عليها الزمن، وحينما تنظر داخله تشعر بأنك في أحد القصور أو رُبما بالمصطلح الجديد "فيلا" كبيرة وحينما تنظر من شرفته ترى مهد غير متناسق تمامًا بتواجد فرن العيش أمامه يقف...
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الحادي عشر من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلو على نبي الرحمة.
__________
أستدار الاثنان صوب داوود الذي كان يرمقهما بشر كبير، وهم شعروا بالخوف من نظراته، وداوود تقدم منهما يقول بشر موجهًا إصبعه صوب وجه افكار، وكل ما يدور في عقل أن تلك الفتاة أمامه لن تتوقف يومًا حتى تهدم منزله أعلى رؤوسهم، تتفنن في الخروج بأفكار كارثية لتحضر لهم مصائب من حيث لا يعلمون :
_ هو أنتِ دماغك دي ايه ؟؟ محشية بلاوي ومصايب ومنكرات؟!
شهقت أفكار بحنق مدافعة عن نفسها:
_ منكرات ؟؟ ليه مخبية خمارة في شعري؟؟.
صرخ في وجهها غاضبًا منها لما تفعل بنفسها وما تلقي بنفسها إليه :
_ لا مخبية أفكار سودة كلها غلط في غلط، اسمك أفكار وكل فكرة فيهم أسوء من اللي قبلها، مش فاهم أنتِ عايشة ازاي مع كمية الغلط اللي في حياتك دي ؟؟
فتحت أفكار عيونها بصدمة من كلماته :
_ غلط ايه !! أنت بتقول ايه أنا مش ...
قاطعها داوود منفعلًا ولا يدري سبب غضبه في هذه اللحظة :
_ أنتِ يابنتي مش حاسة بجد بكل الأفكار السيئة اللي أنتِ غارزة فيها؟! وبيئتك الغريبة وأفكارك اللي بتدل على جهلك ودماغك الفاضية، ومش مكفيكِ كل ده وجاية تسحبي أهلي معاكِ، لو سمحتِ ملكيش دعوة بيهم ولا ليكي دعوة بمشاكلنا العائلية.
شعرت أفكار بالصدمة من نظرته لها :
_ أنت بتتكلم كده على أساس أيه بالضبط ؟؟ أنا يعني اللي اخترت بيئتي ؟؟ لو كان كده فحقك عليا كان ذوقي زبالة واخترت اتولد وسط الجهل والفقر وبعدين أنا أفكاري مش غلط ومسمحش ليك.
تنفس داوود يشعر بالارهاق والصدمة مما قال في حين أن حامد والذي قد نساه الاثنان في خضم نقاشهم، كان يشاهدهم بحسرة :
_ يا جماعة الله يكرمكم خلوكم معايا وحلولي مشاكلي قبل ما تكملوا .
لكن أحدٌ منهم لم ينتبه له، بل ازدادت النظرات بينهما حدة وقالت أفكار بغضب قلما يظهر منها :
_ لو جهلي معصبك اوي كده مقعدني عندك ليه؟ اطردني وريح نفسك وريحني..
مسح داوود وجهه يحاول تبرير ما قال منذ ثواني :
_ أفكار أنا...
لكنها لم تسمح له تتحرك بعيدًا تاركة إياه ينظر لأثرها بحزن وغضب من نفسه، يبدو أن قد بالغ في كلماته...
وما هي إلا ثواني وبدأ يسب ذاته متحركًا صوب غرفته تحت أنظار حامد الذي كان يشعر بالحنق مما حدث :
_ طب وأنا ؟؟؟ اعمل ايه طيب ؟؟؟
صمت يزفر بضيق ثم تذكر كلمات وخطة أفكار غير المكتملة لترتسم بسمة مخيفة أعلى شفتيه:
_ وماله نجرب ...
______________
العودة إلى المنزل لا تجعله يشعر بالراحة إطلاقًا...
وكأنه سيتم وضعه في القفص بعد غيابه، وأنه قد وجد الحرية في منزل والدته، سخر من نفسه فالأمر يُعاد من جديد نفس الشعور الذي كان يراوده عند عودته إلى المنزل ومقابلة ألاء...
خلع حذائه ووضعه مكانه وكاد يتوجه إلى غرفة النوم ولكن استوقفه صوت وسط الاضاءة الخافتة وهي تقول:
_ما لسه بدري يا أستاذ حامد؟!.
سار حامد بضعة خطوات وأقترب منها ثم ترك قُبلة على رأسها وجلس بجانبها متمتمًا:
_معلش يا حبيبتي أنا انشغلت عنك الفترة اللي فاتت بس ماما مكنتش قادرة على الولاد لوحدها هي وداوود وقولتلك البنت اللي كانت بتساعدها مشيت ولما رجعت البيت تاني أنا رجعتلك علطول أهو.
غمغمت أمنية بسخرية وانفعال طفيف:
_والمفروض أنا عبيطة علشان أصدق حاجة زي دي صح؟!!.
نظر لها محاولا كتم غضبه مقدرًا أنه انشغل عنها وحاول أن يتحدث بنبرة لطيفة:
_هكدب عليكي ليه يا أمنية؟! ده اللي حصل ولو مش مصدقاني تقدري تسألي ماما أو داوود، وبعدين المفروض في ثقة بينا ولا أيه؟!.
_من ساعة ما اتجوزنا يا حامد وأنا مش شايفة أي حاجة تخليني أقدر أثق فيك أنتَ بتبعد عني كل يوم عن التاني وكل شوية ليك حجة جديدة وأنا زهقت وقرفت.
أردف حامد بضيقٍ:
_أنا جنبك يا حبيبتي وبعدت فين بس؟! هي الظروف مش أكتر.
نهضت وهي تقول في انفعال وقد يأست من كل تلك الحجج الواهية :
_أنا قايمة ألم هدومي علشان تروح تقعد جنب عيالك براحتك وأنا اروح اقعد مع أهلي، وأنتَ روح اهتم بعيالك ولما تعرف أنك اتجوزت واحدة المفروض تكون في حساباتك ابقي عرفني يا حبيبي.
قال حامد بعد أن نهض هو الأخر ووقف أمامها:
_اعقلي شوية يا أمنية أنتِ مش عيلة صغيرة ومن الاول عارفة أني مخلف بدل العيل ثلاثة واني طبيعي هفضل ملزوم بيهم حتى لو طلقت أمهم.
ضحكت بسخرية وهي تتحدث باستنكار شديد:
_ايوة أمهم اللي أنتَ لسه حاططها في دماغك لو عايز ترجعلها يا حبيبي روح ارجعلها وطلقني وريح نفسك والباب يفوت ألف جمل لو هتبيعني وهتكون مش عايزني مش هعوزك يا حامد.
أردف حامد ساخرًا وهو يشعر بالضيق:
_خليكي في بيتك يا أمنية بدل ما تروحي تنكدي على أهلك علشان أنتِ غاوية نكد، وشيلي ألاء من دماغك ألاء أصلا هتتجوز فريحي نفسك وخرجيها من دماغك، وأنا رايح اقعد عند أمي لغاية ما تعقلي وتراجعي كلامي في دماغك أنا مش هبقى على حد ينكد عليا عيشتي وغاوي نكد وده كان سبب طلاقي وجوازي منك، لما تعقلي كده وتعرفي إني عايز اعيش في روقان كلميني وأنا هجيلك.
أنهى حديثه ورحل تحت جنونه تاركًا أياها في صدمة من تهديده الواضح والصريح لها بأنه سيقوم بتركها إذا استمرت في نهج زوجته؟!!!!!!!..
هل هذا ما كان يقصده؟!..
بينما هو رحل ليفكر في تنفيذ فكرة تلك المعتوهة المسماة بأفكار.
_________
تجلس على فراشها منذ عودتها تبكي في صمت، دون قول كلمة واحدة كعادتها أو تقوم بالشكوى من الحياة وما تفرضه عليها من صعوبات لأول مرة تبكي في صمت وتشعر بالقهر الرهيب، واجهت الكثير من الأشياء المحزنة في حياتها، وبكت كثيرًا ولكن للمرة الأولى بعد وفاة والدها تشعر بهذا الألم يؤجج صدرها وقلبها.
هل يراها شيطانة؟!..
هي ليست انسانة جيدة في نظره، في الواقع هي لا شيء أيضًا، يراها مذنبة فتاة غير عاقلة غارقة في الأخطاء!!!
ولجت إلى الغرفة والدتها سكر تستند على عكازها التي تستخدمه أحيانًا، منذ عودة ابنتها وهي تعرف جيدًا بأن هناك شيء أصابها هي تشعر بها جيدًا وهي خير من يعرفها فجلست بجانبها على الفراش متمتمة بتردد:
_مالك يا بنتي بس أيه اللي صابك، المهزق اللي اسمه محمد كلمك تاني ولا أيه؟!.
قالت افكارة بنبرة هادئة رغم الدموع التي تهبط من عيناها:
_ولا كلمني ولا عبرني ولا يفرق معايا اصلا في داهية هو وامه.
_طيب مالك يا بنتي بس هتخبي على سكر حبيبتك لو مقولتيش لامك هتقولي لمين يا روح قلبي؟!.
استرسلت حديثها بتأثر بالغ وهي تلقي نظرة على المناديل الورقية المستخدمة والمبتلة الموجودة بجانب ابنتها على الفراش وفي سلة المهملات المتواجدة غلى الارض:
_وبعدين براحة على المناديل يا بنتي أنتِ عارفة علبة المناديل بكام؟!.
تحدثت أفكار في ضيقٍ ولم تمرح كما كانت تظن سكر:
_يعني كل اللي همك المناديل بكام ومش هامك أيه اللي مزعلني؟!! وبعدين أنا اللي دافعة فلوسها.
ضربت سكر بعكازها الارض قائلة في حسرة:
_كمان هتذليني على اللقمة وعلى أنك بتصرفي عليا دي أخرتها يا أفكار يا بنتي يا عكازي اللي المفروض يسندني؟!.
لن تنتهي والدتها ولن تتوقف قبل أن تجعلها تقتل حالها.....
_يا اما ارجوكي مش وقته أنا اللي فيا مش في حد، بلاش التلكيك والكلام ده سبيني لوحدي ياريت.
غمغمت سكر في حنان:
_اسيبك لوحدك ده ايه وبعدين أنتِ مش عارفة حركات أمك يعني؟! أنا بعمل كل ده علشان تفكي يا بنتي وتتكلمي معايا أيه اللي عامل فيكي كده قوليلي؟! واللي مضايقك أكله بسناني هو أنا عندي أغلى منك.
بكت أفكار وهي تقول بانفجار وبنبرة مهتزة ومرتجفة وكأنها طفلة صغيرة:
_في أني وحشة يا ماما شوفت نفسي إني وحشة اوي بسببه.
أنهت حديثها في بكاء شديد مما جعل سكر تأخذها في أحضانها بقلق فابنتها لا تصل إلى تلك الحالة إلا لو هناك كارثة.
فهي مرت بالكثير والكثير ولم ترى ابنتها بتلك الحالة أبدًا...
_مين المهزق اللي امه لسه مخلفتهوش وضايق بنت سكر، قطع لسانه اللي قالك كده؟!.
غمغمت أفكار بنبرة مختنقة:
_داوود طلعني وحشة اوي قدام نفسي ياما خلاني أحس ان كل حاجة في حياتي غلط وأن كل أفكاري سوداء.
_هو الواد ده ابن جيهان من ساعة ما اتعصب ساعة الفنجان وأنا عرفت أنه مش سهل ومنزليش من زور أكمن امك بتفهم في الناس والواد ده معدنه مش حلو.
تحدثت أفكار في توسل وكأنها تريد لأحد أن يخبرها بأنها فتاة جيدة ترغب في سماع ذلك:
_يا اما أنا مش بهزر بجد أنا مضايقة أوي قالي كلام يضايق وأول مرة أحس أنه معاه حق.
_كسر حقه، أنتِ ست البنات كلهم يا أفكار يا بنتي وبنت بمليون راجل كفايا أنك شايلاني ومستحملة عقل أمك اللي خافف في عز أن اخواتك الرجالة مبيسألوش فيا.
أبتسمت أفكار بألم وعقلها لا يصدق فنادرًا ما تتحدث والدتها بتلك الجدية:
_متقوليش على نفسك كده يا امي ده أنتِ البركة بتاعتنا أنا مليش غيرك يا حبيبتي ده واجبي.
_أنتِ أحسن بنت في الدنيا وبقولك أيه سيبي الشغل عند الواد ابن جيهان ده هو كل شوية هيرجعك مضايقة هو فاكر نفسه مين ده؟! بكرا يجيلك شغل غيره.
حديث والدتها صحيح فلتترك العمل لما تتمسك به؟!...
لكن هناك شيء بداخلها يمنعها من ذلك تحاول تفسيره بأنه احتياج مادي رُبما ولأنها تعلم أنها لن تجد عمل بسهولة والمرتب جيد جدًا وهي لا تفعل مجهود كبير مقارنة بأي عمل أخر..
ثم أسترسلت سكر حديثها في جدية:
_وبعدين أنا اصلا لما مسكت فنجانه اللهم أحفظنا يا بت يا أفكار شوفت سواد الواد ده مش سالك.
ضحكت أفكار من وسط دموعها قائلة:
_يا امي بطلي بقا قراءة الفنجان دي شكلها هي اللي جايبة لينا الكافية.
تحدثت سكر بجدية شديدة:
_خلاص سيبك من الفنجان هاتيلنا حتة من قطره قبل ما تسيبي الشغل وأنا هشتغل له في الأزرق.
أردفت أفكار في استنكار من افكار والدتها المريبة :
_يعني أنا بقولك تبطلي قراءة الفنجان علشان جايبة لينا الكافية تقوليلي هشتغل له في الأزرق يا أمي أنتِ لو بتعرفي تشتغلي في الازرق مكنش ده بقا حالنا.
قالت سكر مدافعة عن نفسها في حنان:
_يابت بهزر معاكي وبعدين يلا نقوم نعمل لينا فنجانين قهوة.
_يالهوي عليا، يعني بقولك ايه وتقوليلي ايه.
_خلاص نعمل شاي مدام القهوة بتعصبك يا بنتي.
نهضت أفكار مع والدتها وتوجهت صوب المطبخ محاولة أن ينتهي ضيقها فهي تعرف نفسها هي انسانة جيدة ترغب دومًا في مساعدة من حولها لم تفضل نفسها يومًا، نعم رُبما طريقتها مختلفة واسلوبها مختلف لكن كل ذلك بسبب ظروف حياتها التي مرت بها، لم تكن دومًا تعامل نفسها بأنها فتاة بل دومًا تجد نفسها رجل عليه الحفاظ على البيت والبحث عن لقمة العيش......
تريده إخباره بأنها فتاة جيدة ولكن نفضت تلك الأفكار فمن هو داوود حتى تثبت نفسها له؟!!
هو رب عاملها ليس أكثر....
_____________
يجلس على فراشه وداخل عقله تدور مطاحن الذنب دون هوادة، كيف استطاع أن يحدثها بمثل تلك النبرة التي ستعطيها صورة هو لا يرغب في إيصالها، هكذا قد تعتقد به ما لا يقصد، لكنه بكل غباء أثبته، أثبت لها أنه يحتقرها وينبذها ويستنكر كل ما تفعل، وهو يشهد الله أنه يومًا لم ينظر لها بهذه الطريقة.
تنهد بصوت مرتفع يحاول أن يلغي شعور الذنب يقنع نفسه بحجج واهية لا أساس لها :
_ اكيد هي مش هتعلق على الكلمة وهتفهم إني مش قصدي حاجة، وهي أفكار عادي يعني ..
أبتلع ريقه وفي ثواني مرت لمحة لعيونها ونظراتها صوبه ليقول بتوبيخ :
_ لا مش عادي، مش عادي خالص مكنش ينفع تقول اللي قولته يا غبي .
واخيرًا صمت صوته الداخلي ليرتفع بالمقابل صوت آخر أشد قوة ولذوعًا، صوت ضميره الذي لم يتوانى لحظة عن تأنيبه بشدة عمل فعل ودون أن يشعر حمل هاتفه وامسكه ينظر له بشرود وداخل عقله لا يوجد سوى شيء واحد فقط ..
أن يصمت صوت ضميره وهذا لن يحدث إلا عندما يعتذر منها، لكن كيف يفعل ذلك، هل ينتظر للغد أم يتحدث معها الآن في الهاتف بعدما أجرى لها اتصالًا في وقت غير مناسب البتة ؟!
وفجأة عند تلك الفكرة انتفض جسده يحدق في الهاتف بصدمة كبيرة لا يصدق أنه اتصل بها، متى فعل ذلك ؟؟ هو لم يستوعب متى حمل الهاتف في الأساس، يالله ما الذي أصابه ؟!
وقبل أن يبادر بإغلاق المكالمة اختض جسده على صوت ناعس صادر من الجهة الأخرى :
_ الو ...
ابتلع داوود ريقه بصدمة وهو يحشر عقله في الزاوية يحاول أن يخرج منه بأي حجة تبرر اتصاله بها في هذا الوقت ..
وهي دون أن تقرأ الاسم أجابت:
_ ما ترد ردت المياة في زورك، متصل عشان تسمعني سكوتك ؟!
ورغم غيظه من وقاحتها إلا أنه تنحنح بهدوء شديد وهو يتحدث بصوت منخفض :
_ لا أنا بس كنت متصل عشان كنت ...كنت عايز...اصل...كنت عايز كوباية شاي .
وصل له صوت أفكار الناعس وبدأت تستوعب أنه داوود فهي تعرف نبرة صوته المميزة ونظرت إلى الهاتف لتجد اسمه يزين الشاشة :
_ اجي اعملك الشاي يعني ولا ايه ؟! عايز ايه أنت في ليلتك دي ؟!
_ لا أنا بس مكنتش لاقي برطمان السكر فبسألك يعني هو فين باين أنك غيرتي نظام المطبخ.
وصلت له سبة عبر الهاتف جعلته يبعده عنه بأعين متسعة وصدمة كبيرة، وقد على صراخ أفكار فيه :
_ متصل بيا ومصحيني من أحلاها نومة عشان مش عارف فين السكر ؟!
_ وأنا....أنا يعني اعرف منين أنك نايمة .
_ اه صح ازاي يخطر على بالك أن فيه انسان نايم الساعة واحدة بعد منتصف الليل، شيء غريب فعلا.
أبتلع ريقه وهو يبحث داخل عقله الاحمق عن حجة أخرى :
_انا قولت هجرب وأنتِ لو صاحية هتردي، بعدين أنتِ فتحتي بسرعة كأنك نايمة على التليفون .
_ أنا نومي خفيف، قصره برطمان السكر في الرف الوسطاني على ايدك اليمين، حلو كده ؟!
ابتسم داوود بسمة صغيرة يردد بهدوء :
_ حلو ..
وقبل أن يسمح لها حتى بغلق الهاتف سارع داوود بالقول دون شعور :
_ أنا آسف..
قابله صمت من الجهة الأخرى ليبتسم مدركًا أنه صدمها بمبادرته، محقة فهو صدم نفسه قبلها، لكنه لن يتمكن من النوم هانئًا قبل أن يعتذر منها...
لكن فجأة فزع عن فراشه حين سماع صوتها الحانق الصارخ :
_ آسف بعد ايه يا عسل ما أنت خلاص طيرت النوم من عيوني، يصحيني وبعدين يقولي آسف.
اتسعت أعين داوود بصدمة من ردها :
_ لا مش قصدي على كده انا قصدي إني آسف على ...
_ خلاص خلصنا مش حوار هو روح اعمل الشاي ومتدوشنيش عايزة اتخمد .
وقبل أن تغلق الهاتف قال بسرعة :
_ آسف على كلامي ليكِ النهاردة مكنش قصدي والله، حقك عليا، سلام .
وهكذا أغلق الهاتف بكل بساطة وهو يتنفس ببسمة واسعة مرتاحة :
_ عملت اللي عليا الحمدلله، كده انام مرتاح البال ....
وعلى الطرف الآخر كانت هي متسعة الأعين فاغرة الفاه لل تصدق ما وصل لها منذ ثواني منه .
___________________
وفي الصباح التالي ..
استيقظ داوود وتحرك صوب الخارج كي يتناول فطوره ويرحل لعمله، لكنه اصطدم فجأة بافكار التي تراجعت للخلف تقول بحنق :
_ ما تفتح يا جدع أنتَ ماشي تدوس على خلق الله في طريقك، يلا عشان تفطر .
تحرك خلفها داوود وهو يشعر أنه هو من يعمل لديها وليس العكس، جلس على الطاولة في المطبخ يقول بهدوء :
_ امال فين الباقيين ؟!
_ الاولاد وجيحي فطروا من بدري متبقاش غيرك ..
صمتت ثواني ثم قالت بسخرية :
_ تحب اعملك شاي ؟؟
نظر لها بعدم فهم لتحمل هي وعاء السكر تشير :
_ عرفت السكر فين ؟؟
غص داوود في طعامه يتذكر اتصال البارحة، لكنه هز رأسه بكل هدوء :
_ أيوة عرفت، تسلمي تعبتك معايا .
_ لا يا خويا متعبتنيش معاك، أنت صحيتني من النوم .
نظر لها بحنق ولم يتحدث وشرع يتناول فطوره، لكنها لم تصمت إذ أخذت تشير على جميع الأشياء داخل المطبخ وهي تقول :
_ وهنا الكمون والفلفل وكل التوابل اللي ممكن تحتاجها، والرف اللي تحت ده هتلاقي فيه السكر والقهوة والشاي، وعلى ايدك الشمال هتلاقي عندك لوازم الشوربة حبهان وورق لورى وكل ده عشان لو نفسك في نص الليل هفتك على شوية شوربة سخنين متبقاش تصحي خلق الله معاك .
زفر داوود منتفضًا عن المقعد يقول بغيظ :
_ خلاص آسف، قولت آسف ميت مرة، اقولك اول واخر مرة اتصل بيكِ يا افكار، ندمتيني إني رفعت سماعة التليفون يا شيخة .
نظر لها بحنق وغضب ثم رحل، ولكنه عاد مجددًا بسرعة يقول :
_ واحدة مستفزة ..
ختم حديثه يرحل تاركًا أفكار تضحك بصوت مرتفع خلفه وهي تهز رأسها بيأس عليه، تدرك جيدًا أنه داخله يمتلك شخصًا حنونًا طيب القلب، ولكنه فظ أحيانًا...
تنهدت وهي تجلس لتتناول فطورها مبتسمة بسمة صغيرة ...
__________
"بتعملي ايه؟!".
_اهو كنت قاعدة مع ماما بنرتب الدعوات ولما أتصلت دخلت جوا ورديت عليك.
أتاها صوته الساخر:
"غريبة يعني أنك مصممة تعملي دعوات كارت والكلام ده بطل في الغالب كله بيعمل دعوة على اي ابلكيشن وينزلها للكل وخلاص".
لم تعجبها سخريته من تفكيرها ولكنها هتفت في نبرة هادئة:
_لا أنا بحسها أشيك وأقيم أن كل واحد يروحله دعوة بأسمه وبعدين أنا كنت عايزة أكلمك في موضوع كده.
"اتفضلي يا حبيبتي".
_أنا عايزة أكون بشعري يوم الخطوبة...
وبلا وعي منها أخذت تقدم تبريرات قبل أن تسمع رفضه كأي رجل كما كانت تتوقع:
_يعني مش عايزاك تزعل كل البنات بتبقى أحسن بشعرها في الصور وفي كل حاجة يعني وبعدين ده يوم في الأول والأخر.
أجاب على حديثها موافقًا:
"خلاص اعملي اللي أنتِ عايزاه يا حبيبتي مادام هيريحك، أنا هقفل دلوقتي علشان أنا بس سايق لما أوصل هكلمك".
_خلاص ماشي سلام.
"سلام".
أنتهت المكالمة بينهما بسلام، وهي تشعر بالسعادة العارمة يبدو أن ياسر غير داوود الذي كان يتفنن لأن يتحكم بها، هو يريد راحتها وأن تصبح هيئتها جميلة ولا يجادلها من أجل أمر تريده.
ابتسمت ثم تركت الهاتف وخرجت من الحجرة لتجد والدتها جالسة على الأريكة ملتقطة أحد الأوراق تنظر لها في بلاهة ومجرد ما أن وجدت ابنتها أمامها صرخت في انفعال:
_أنتِ يا بنت أنتِ أيه اللي هببتيه ده؟!.
توترت روضة وأتى في عقلها فورًا ما فعلته ومع ذلك أجابت على والدتها بثبات:
_في أيه يا ماما عملت ايه يعني؟!.
_أنتِ عاملة دعوة هتبعتيها لعيلة داوود؟!...
هزت رأسها في إيجاب مما جعل والدتها تعقب بجنون:
_أنتِ اتجننتي ولا جرا لعقلك أيه؟.
_اتجننت ليه يا ماما بس؟! ايه المشكلة لما أعزم عيلة داوود مهوا جارنا هو ومامته ونعرفهم من سنين.
خرجت ضحكة ساخرة من والدتها قبل أن تقول:
_مفيش حاجة يا بنتي خالص بمنتهي البساطة كل الحكاية أنه كان خطيبك مش أكتر.
_أديكي قولتي كان، وبعدين المواضيع دي قدمت دلوقتي كل واحد بيعزم اللي كان خاطبها واللي كان متجوزها والعكس صحيح، يعني مبقاش حد حاطط الكلام ده في دماغه الناس فاهمة أن في الاول والاخر نصيب.
صرخت والدتها في انفعال:
_أنتِ عايزة تعملي مشكلة صح؟!! ولا عايزة ايه بالظبط مبقتش افهمك وبلاش كلام الأغاني وكل شيء قسمة ونصيب ويجوا خطوبتك عادي ده كلام فارغ..
قاطعتها روضة بإصرار:
_هعزمهم يا ماما وهبعت ليهم الدعوة النهاردة، لازم يفهموا ويعرفوا أن جه اللي يقدرني واللي بيحبني بجد، حتى لو مش هيجوا كفايا أن الخبر يوصل لغايت عندهم.
أدركت والدتها في تلك اللحظة أن ابنتها تخطط لشيء لن يكون بالسار أبدًا، وللحظة شعرت بالحسرة وهي تراها تتدحرج صوب الهاوية دون أن تستطيع مساعدتها، ووالدها هو من يدحرجها على منحدر أفكارها .
فقط تأمل أن ينتهي كل شيء على خير، وألا ينتهي ذلك المنحدر بسور تصطدم به بقوة ويهشم جسدها .
___________
فتحت جيهان الباب لتجد أمامها طفل صغير من أبناء أحدى النساء التي تعرفهم ليعطيها ظرف ورقي مكتوب عليه اسم العائلة، وأخبرها بأن روضة أخبرته بأن يعطيه أياها ثم ركض...
_من امتى الحداية بتحدف كتاكيت!!
كان هذا تعقيب جيهان وهي تغلق الباب، وتفتح الظرف أخرجت الورقة المتواجدة بداخله بفضول وعفوية شديدة وأثناء قرأتها للورقة بعيناها شهقت غير مصدقة وقاحتها.
شهقة هرعت على أثرها افكار وهي تراقب ما يحدث أمامها ..........
_____يتبع____
الفصل قصير، لكن أحنا والله مشغولين بالمعرض ومش حابين نلغي أو نأجل والبارحة كان يوم مرهق وبشدة انتهى علينا بتعب شديد، فنسأل الله التساهيل ونعدي الفترة دي بخير وتزود حجم الفصل .
ولو فيه تفاعل حلو ننزل يوم التلات فصلين مش واحد .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه FatmaSultan947
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الثاني عشر والثالث عشر من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمه طه سلطان
صلو على نبي الرحمة.
وعشان وعدناكم بفصلين فضلت ندمجهم ونخليه فصل طويل ليكم .
قراءة ممتعة .
__________
بعد صدمتها من تلك الدعوة التي لا تبشر بالخير تجلس على الأريكة تربط رأسها بإيشارب أسود وهي على أتم الاسعداد لإقامة حرب، ستقوم بنتف شعر تلك الفتاة التي تدعى روضة هل تستهزء بهم؟!..
حاولت أفكار تهدئتها بصعوبة بالغة فهي كانت في هائجة كالثور حين رؤيته لراية حمراء تلوح في الافق، وذهبت إلى المطبخ لصنع الكركدية لعله يساهم في خفض ضغطها المرتفع بعد قراءة تلك الدعوة، فقامت أفكار بقياسه لها ووجدت أن ضغطها قد أرتفع للغاية.
أتت أفكار من الداخل ووضعت كوب "الكركدية" على الطاولة أمامها قائلة برفقٍ:
_خلاص اهدي يا حجة جيجي، سيبك منها كأنك مشوفتيش حاجة.
غمغمت جيهان بانفعال وهي ترمقها بغضب يحرق الاخضر واليابس فهي كبركان ثائر الآن:
_اسكتي يابت أنتِ اهدى أيه بس؟!! ده أنا هروح اجيبها من شعرها أحطها تحت رجلي وهي تعزمني ليه أنا وعيالي على خطوبتها؟!! ليه ان شاء الله كنت من باقية أهلها، مش عارفة الواد داوود كان عاجبه فيها ايه؟!.
أردفت أفكار بتلقائية وهي تؤيد حديثها:
_والله معاكِ حق يا حجة جيجي البت لما شوفتها في السوق كانت رخمة رخامة ومنزلتش ليا من زور وأستاذ داوود رغم اللي بيعمله معايا إلا أنه راجل محترم بس اختياراته عرة بصراحة، بس أنا علمتلك عليها وخليت السوق كله يتفرج عليها.
غمغمت جيهان بفرحة وقد أتسعت عيناها بذهول:
_بتتكلمي بجد؟!..
_ايوة وجد الجد كمان يا جيجي...
قاطعتها جيهان بفضول:
_ لا ده أنتِ بقا لازم تقوليلي اللي حصل بالتفصيل الممل وأياكِ تنقصي حرف.
بدأت أفكار بعفوية شديدة تقص لها ما حدث ولم تنسى إضافة تعابير وجهها التي توضح مشاعرها وقتها وصوتها العالي نسبيًا وهي تصف لها كل ما حدث دون أن تنسى شيئًا فهي كانت تشعر بالغيظ الشديد من تلك الفتاة الشمطاء من وجهه نظرها، كانت أفكار تتحدث وبسمة جانبية تظهر على شفتي جيهان لم تفهم أفكار سببها كل ما كانت تفعله هو أنها كانت تخبرها بما حدث وحينما أنتهت أفكار وعم الصمت لمدة ثواني تحدثت جيهان بنبرة جنونية أفزعت أفكار:
_لقيتها، لقيتها بت يا أفكار كانت تايهة عني ازاي دي؟!.
_بسم الله الرحمن الرحيم يا حجة جيهان، لقيتي أيه وكان ضايع منك؟!.
أردفت جيهان بتوضيح لم يعد هناك مجال للصمت فهي وجدت فكرتها المجنونة على حد وصفها:
_مدام الحرباية دي عايزة تنكد عليا وبعقلها الصغير فاكرة أنها هتكيد ستها جيهان..
_مهي عملت كده فعلا يا حجة وعرفت تكيدك ده أنتِ ضغطك كان في السماء....
كانت أفكار تتحدث بنبرة منخفضة مما جعل جيهان تقاطعها وهي تغمغم:
_بتقولي حاجة يا بت يا أفكار؟!.
هزت أفكار رأسها نافية وهي تقول:
_هو أنا أقدر أقول حاجة يا حجة جيجي، أتكلمي وأنا سمعاكِ يا حبيبتي.
أردفت جيهان في ابتسامة واسعة:
_أنا بقى هكيدها، من كلامك البت دي غارت منك لما لقيتك مع داوود، يعني لو أخدتك وروحتي معايا الخطوبة هي اللي هتتفرس.
عقبت أفكار ببلاهة واضحة فهي لم تفهم شيء:
_تاخدي مين يا حجة جيجي؟!.
_هاخدك أنتِ طبعا يا بت هو في غيرك قاعد معايا؟!.
فكرة جميلة الذهاب إلى حفل خطبة فتلك المناسبات نادرًا ما تأتي لها ولكنها تبدو فكرة مُرعبة عن قُرب حينما تذكرت كلمات داوود وطريقته، وأفكاره عنها ولأن تلك الفتاة خطيبته السابقة تلك المرة سيقتلها حقًا ولن يلومه أي أحد...
_لا يا حجة جيجي أنتِ تروحي وتاخدي أحفادك القمرات العساسيل ومراتات ابنك اللي بيتجوز على نفسه ده وتروحي لكن أنا مش مستغنية عن عمري، ابنك لو عرف حاجة زي دي يا هيوديني القسم ويبلغ عني يا هيقتلني وأنا لسه صغيرة أمي عايزة تفرح بيا.
نهرتها جيهان في إصرار:
_لا هتيجي معايا ورجلك فوق رقبتك وهتجيبي فستان وتحطي ميكب وتيجي معايا على سنجة عشرة، وبعدين أنتِ هنا في بيتي داوود مين ده اللي تخافي منه أنا حرة اقول مين يقعد ومين يمشي في بيتي ومفيش أي حد تاني له الكلمة في البيت ده غيري.
كانت أفكار على وشك الرفض مرة أخرى...
لكن لم تعطها جيهان الفرصة وهي تهتف متوسلة:
_اكمني مليش بنت تروح وتيجي معايا وتأخد حق امها بتعملي فيا كده؟! كان قسمتي ونصيبي تبقى خلفتي عيلين يتعبوا قلبي، لكن أنا كنت محتاجة بنت تروح وتيجي معايا وتبقى سري، وأنا اعتبرتك بنتي وبطلب منك خدمة هتقولي لأمك لا؟!!..
رأت أفكار بأنه ما هي إلا دقائق وستبكي المرأة حقًا...
مما جعلها تقول بتأثر وعفوية:
_خلاص يا جيجي متزعليش نفسك يا اختي، هاجي معاكي ده لو أنتِ عايزاك أقتلهالك هي وامها بعد الكلام ده من عنيا الجوز..
______________
بعد ساعات قليلة...
انتهت أفكار من غسيل الصحون، وكانت جيهان تجلس في غرفتها بعد أن أخذت حمام دافئ فهي تريد الراحة بمفردها لبضعة دقائق عوضًا عن الجلوس مع الأطفال وسماع صراخاتهم، بينما داوود ذهب إلى المسجد..
وحامد يجلس على السفرة أمامه فنجان القهوة الذي صنعة لنفسه وولديه يجلسان في النصف الأخر أمام عينه يشاهدا التلفاز بعد أن جعلتهم أفكار ينتهون من واجباتهم المنزلية...
جاءت أفكار من الداخل بإرهاق لتجد هيئة حامد الشارد تمامًا وكأنه في عالم أخر، فأقتربت منه أفكار قائلة:
_أستاذ حامد حضرتك مشربتش القهوة لسه دي زمانها ثلجت.
نظر لها في انتباه وهو يقول:
_بتقولي ايه؟!..
أردفت أفكار مكررة حديثها للسابق مضيفه له لهجة ساخرة:
_يا أستاذ حامد بقول لحضرتك القهوة بردت أعمل لحضرتك غيرها؟!.
_لا لا مش عايز حاجة تسلمي اقعدي عايز أتكلم معاكي كلمتين.
جلست أفكار على المقعد المتواجد أمامه قائلة في استغراب شديد:
_خير يا أستاذ حامد في أيه؟!.
_في أن أنتِ معاكي حق أنا لازم أتصرف وأروح الخطوبة دلوقتي وأخد العيال لازم أبهدل ال*** اللي فكر يجي يخطب ألاء ده.
تذكرت حديث داوود..
مما جعل تشعر بالضيق من نفسها وكأن كلماته تتردد في عقلها بشكل مريب...
_لا يا أستاذ حامد أعتبرني مقولتش حاجة.
رمقها حامد بنظرات مبهمة تلك الفتاة معتوهة أم ماذا؟!.
هي من قامت بإلقاء الأفكار المجنونة تلك في عقله والآن تخبره بذلك؟!..
_هو ايه اللي اعتبرك مقولتيش حاجة؟!.
تحدثت أفكار في نبرة هادئة لا تليق بها أبدًا:
_يعني حضرتك تتقي الله في الست ألاء مهما كان في بينك وبينها عيش وملح وأولاد، وبعدين يعني هي مأجرمتش دي هتتجوز ومن حقها زي ما حضرتك عملت، بلاش خراب البيوت أدعي أن ربنا يتمم ليها الموضوع على خير.
_أنتِ بتهرجي صح؟!.
قالت أفكار بصدمة شديدة وهي تعاتبه:
_كل ده علشان بقول لحضرتك أتقي الله في أم عيالك؟!!!.
_بقولك أيه أنا مبحبش الشغل ده، أنا هروح يعني هروح خلاص مفيش حل تاني، لو داوود قالك كلمتين خوفوكي وصحوا ضميرك أنا بقا ضميري ميت.
رفعت أفكار حاجبيها وقالت في غرور وتعالي وقد اعماها الغضب عن التفكير بشكل صحيح، وقررت وللمرة التي لا تعلم عددها أن تلقي بذاتها في منتصف دائرة الاتهام وترتكب مصائب ظنتها بالخطأ أفكار :
_داوود مين ده اللي أخاف منه؟! أنا مبخافش من حد، بس مدام حضرتك مصمم أنا هقول العيال كام نصيحة علشان أنا بحب أعمل الخير وأرميه البحر، بس علشان تبقى عارف أنا بريئة من ذنبك ربنا يغفرلك أنتَ شيل ذنبك وليلتك أنتَ لوحدك....
_____________
في المساء...
وسط أجواء عائلية كانت تحتفل ألاء بخطبتها -بعد ضغط والدها وشجارها مع حامد- من المدعو "أحمد" شاب في الثالثة والثلاثين من عمره، أعجب بها وأراد الزواج منها ولم يهتم بأنها قد تزوجت من قبل، أو أنها لديها أطفال صغيرة في النهاية الكبار مع عائلة زوجها السابق، والصغيرة لا بأس بها ستعيش معهم بعض الأوقات والأوقات الأخرى مع جدتها.
كانت تجلس ألاء بفستانها الوردي الرقيق ومساحيق التجميل البسيطة وضعتها صديقتها على وجهها، كانت حزينة يبدو أنها تسرعت في تلك الخطوة، هي تريد أن تجعله يعرف جيدًا بأنها تستطيع فعل ما فعله، تستطيع الزواج من غيره ما الذي ينقصها؟!..
هل كان يظن بأنه سيقوم بتركها تبكي على الأطلال من بعده؟!!
حسنًا هي تبكي بالفعل ولكن لا تود الإعتراف اشتاقت له كثيرًا، بدأت تشعر بقيمته، وقيمة منزلها؛ ياليتها كانت أعطته القليل من الاهتمام حتى ولم تتجاهل حقيقة أنها أنثى يجب عليها الاهتمام بزوجها ليست فقط أم في المنزل، أدركت الآن في جلستها تلك بأن ما تفعله خطأ ولكن لا تستطيع التراجع اليوم رُبما تفعلها في الأيام القادمة .
فحتى إن لم تكن مستقرة داخليًا في هذه اللحظة، إلا أنها لا تريد أن تتسبب في ظلم شخص آخر معها ويعاني مع امرأة مثلها لا تدري ما تفعل وماتزال مذبذبة في حياتها .
قاطع حبل أفكارها أحمد الذي تمم بصوت رجولي هادئ:
_ألف مبروك يا ألاء.
عقبت على حديثه بعد شرودها التام وهي تنظر له بخجل رهيب وتوتر بالغ:
_الله يبارك فيك.
_مالك؟! ساكتة ليه وسرحانة في أيه؟!.
كانت على وشك أن تختلق أي حجة له، ولكن صوت طفولي متحمس بشكل مريب ردعها وهو يركض بجنون حتى أنه أصطدم بأكثر من شخص، لم يكن هذا الصوت سوى صوت ابنها "علي"..
_ماما...
رفعت ألاء بصرها باستغراب لتجد (علي) قد وصل لها بالفعل لتحتضنه بتلقائية شديدة منها وتقبل رأسه بحنان، كان يرتدي بدلة سوداء اللون وكأنه ذاهب لحضور حفل زفاف.
ابتسم علي وهو يقول باريحية كبيرة تحت نظرات أحمد المذهولة والمستنكرة من حضوره الغير متوقع:
_مقدرناش نسيبك في يوم زي ده يا ماما، جيت أنا وزياد بعد ما قولنا لبابا يجيبنا.
_بابا؟!!!!..
كان هذا التعقيب من أحمد الذي لم يصدق ما سمعه، مما جعل ألاء ترفع بصرها قليلا لتجد زياد يدخل برفقة حامد ويمسك يده وهو يرتدي بدلة هو الأخر...
بينما حامد كان يرتدي بنطال أسود وسترة بيضاء اللون وقميص أسود، وتزين بطريقة عجيبة لا تصدق ما تراه...
أقتربت والدة ألاء من حامد قائلة بتوتر:
_أنتَ ايه اللي جابك يا حامد يا ابني؟!..
غمغم حامد بابتسامة واسعة رغم سخريته:
_يعني ودي حاجة تفوتني؟!! أنا أصلا مع ثقافة العلاقة المرنة بين الولاد وبين جوز الأم لازم يجوا العيال علشان يرحبوا بجوز امهم المستقبلي ويعرفوه ويعرفهم أنا جاي أعمل الأصول مش جاي أعمل حاجة اديني هقعد مش هنطق بولا كلمة هاتيلي بس البت مريم وحشتني.
على الجانب الأخر ركض زياد وأقترب من والدته وانهال عليها بالاحضان هو الأخر تحت نظرات أحمد الذي يستشيط غضبًا من كل ذلك وهو من ظن بأن الأمور ستسير على ما يرام وسيتناسى مع مرور الوقت أنها أم.
هتف أحمد بغيظ:
_ممكن تقعدوا يا ولاد علشان تأكلوا جاتوة.
هز الأطفال رأسيهما ببراءة رهيبة، ثم ذهبوا وجلسوا بجانبهم والدهم وأتت أحدى أقارب ألاء وبدأت بتوزيع قطع الكعك للجميع فأخذ الأطفال أطباقهم وشرعا في التناول ووالدهما يحمل مريم بعد أن أتت بها والدة ألاء..
بعد نظرة والدهم نهض الابن الصغير وتوجه صوب ألاء متمتمًا:
_ماما أكليني مش عارف أكل لوحدي وبعدين هي ادتني فانيليا وأنا بحب الشوكلت.
_روح لتيتا تغيرها ليك طيب يا قلبي .
كان هذا تعقيب ألاء المتوتر من حضور حامد الغير مريح لها بالمرة، ولكن قال الصغير بانفعال مقصود:
_قومي هاتيلي أنتِ مش أنتِ ماما؟!!
نظر له أحمد في غضب وهو يقول بغيظ شديد ونبرته شبة مرتفعة:
_ما خلاص قالتلك روح لتيتا تغيرها ليك أيه مسمعتش؟!
كادت ألاء أن تعترض على طريقته ولكن قاطعها صياح الصغير بضيق وهو يلقي طبق الحلوى البلاستيكي في وجهه دون مقدمات:
_ متزعقش فيا تاني أنا محدش يزعقلي...
ثم ركض تحت صراخات أحمد ولعنه له، بينما حامد نهض حاملا ابنته يركض خلف زياد وهو يتمتم بصوت مرتفع وبغضب مصطنع:
_والله لاربيك يا قليل الأدب أنت...
بينما جاء علي وهو يجد ألاء ووالده العريس يحاولان مساعدة الاخير ومسح وجهه، وتصنع أنه قد تعثر ليقع من يده المشروب الغازي على بنطال أحمد الذي صرخ:
_ أنت يا زفت أنت اعمى ؟؟ اللي بيحصل ده تهريج.
تحدث حامد متصنعًا الحرج:
_فعلا تهريج أنا اسف ليك العيال شقية اوي بجد، قوم معايا أساعدك في الحمام تغسل وشك ونعمل ليك البنطلون بالمياة ونكويه بسرعة محلولة يا عريس.
ثم وجه حامد حديثه إلى والدة ألاء:
_شغلوا لينا المكواة دايما الأفراح بيحصل فيها العكوسات دي امسحها فيا يا بشمهندس.
دون أن يعرف أحمد من يحدثه لشدة غضبه نهض معه دون فهم، ليذهب إلى المرحاض ويغسل وجهه الملطخ من الحلوى وقام بوضع مياة على منشفة وحاول مسح البنطال بها، تحت حديث حامد الذي يقف في الخارج ويحمل الصغيرة:
_معلش امسحها فيا أنا.
بدأ أحمد تضح له الرؤية ويعرف هاويته فصمت وخرج من المرحاض، وسار بضعة خطوات إلى الخارج ليأتي زياد ويقوم بجذب بنطال أحمد إلى الأسفل قائلا:
_مينفعش تقعد بيه يا عمو كده ده مبلول...
صرخ الجميع من المشهد مما جعل حامد يعطي مريم التي بدأت في البكاء من الضجة المتواجدة حولها إلى ألاء المذهولة ولا تستوعب ما يحدث ووضعتها في أحضانها وكان حامد يركض وهو يقول:
_والله لاوريك يا ابن ال*** على اللي بتعمله ده.
صرخت والدة أحمد وهي تغمغم وتصرخ وقد انتشرت الضجة في الإرجاء :
_ارفع بنطلونك يا ابني أنتَ أيه اللي يصبرك على القرف ده بدل ما تتجوزي ربي عيالك يا حبيبتي؛ بدل ما تلبسي ابني في الهم ده فضحتونا قدام جاتكم القرف .
ركض أحمد إلى الرواق ليرتدي بنطاله بشكل جيد والذي لم ينخلع منه بالكامل، ثم خرج مرة أخرى بخجل رهيب ووجه أحمر يعاني من نوبة غضب جنونية، فقابله والد ألاء:
_أنا أسف يا ابني.
_انا مش عايز الجوازة دي خلاص كفاية أوي المهزلة اللي حصلت لحد كده..
لتعقب والدته بتحذير من الرضوخ:
_يلا يا ابني هو البنات خلصت من البلد...
لتذهب والدته وهو خلفها دون الاستماع إلى أي شخص حاول تهدئته فهو قد فُضح أمام أقاربه الذين أخذوا يهبطون شخص تلو الأخر، في الوقت نفسه أتى حامد من الشرفة وهو يتصنع الغضب ممسك بكل طفل من أطفاله من ملابسه ويهبط بهم مغمغمًا بفرحة:
_ده انتم هتتربوا من أول وجديد يا جزم ...
____________
تسير مجبرة في الطرقات مع جيهان بعدما ابتاعت لها بالاجبار ثوبًا جديدًا كي تذهب به لخطبة روضة معها، وجيهان تسير فرحة مبتهجة وفي رأسها تُعد العدة للخطبة وتفكر فيما ستفعل بمساعدة أفكار..
أفاقت من شرودها على صوت تأفف افكار التي رددت بلا رضى :
_ برضو مكانش لازم نجيب الفستان ده يا حجة جيجي، ده الراجل تحسيه ما صدق خرجتي الفلوس وتبت في السعر، قولتلك سيبيني وأنا افاصل معاه، لأحسن البياعين دول فيهم شوية ياكلوا مال اليتيم.
ضربتها جيهان في كتفها بمزاح :
_ يا بنتي فيه ايه، هو أنتِ حياتك كلها حساب وفصال كده ؟! عادي فيه حاجات تستحق سعرها فعلا ومينفعش ينزل منها عشان يخسر
نظرت لها أفكار وقالت باقتناع شديد :
_ يا حجة جيجي لازم تعرفي شيء، عمر ما بياع هيبيع ليكِ قشاية لو خسران فيها شلن، عشان كده لو قِبل بالفصال وقِبل ينزل من سعرها، يبقى هو أساسا كان كسبان فوق سعرها الطاق طاقين .
هزت جيهان رأسها بيأس من حكم تلك الفتاة وتضحك بصوت منخفض :
_ محدش يفوز عليكِ في الحوارات دي، تعالي تعالي محل داوود هناك اهو هديله المفتاح بتاعه عشان نسيه في البيت لاحسن يجي وانا نايمة أو برة ولا حاجة .
وبالفعل تحركتا صوب المحل بهدوء، فدخلت جيهان تشير لها بهدوء :
_ هدخل للمكتب بتاعه اديله المفتاح وراجعة.
تحركت تاركة أفكار تسير بين أرفف العطور هنا وهناك، حتى اقتربت من مكتب داوود الذي يقع في نهاية المحل، تسمعه يتحدث مع والدته لكنها لم تهتم كثيرًا وهي تمسك بعض الزجاجات وتضع منها على يديها، ثم تنفرها وتعود لتجربة أخرى.
_ اووف يا ستير يارب، دي كولونيا بريحة القبر دي ولا ايه ؟؟
وعند داوود ابتسم يقول بهدوء :
_ مفيش مشاكل يا امي، أنا كده كده بعد الشغل كنت هروح اقعد مع صحابي شوية عشان وحشوني .
هزت جيهان رأسها، ثم قالت وهي تخرج بعض الاشياء من الحقيبة :
_ ماشي يا حبيبي، خد تفاحتين كلهم بدل ما أنت قاعد ملان كده ..
ابتسم داوود يلتقط منها ما تعطيه بحنان، يتناول قضمة، ثم ابعد عيونه صوب أفكار التي كانت قد انتهت تقريبًا من تجربة كافة الروائح في محله، ابتسم لها بطلف :
_ عجبك حاجة يا افكار ؟!
نظرت له افكار بملامح مقتضبة يظهر عليها عدم الرضى:
_ الصراحة الحاجات مش قد كده، شديدة اوي وريحتها تقرف ومن غير زعل.
أطلق داوود ضحكات صاخبة يبتلع ما بفمه :
_ لا وعلى ايه الزعل، اكيد لازم تحسيها شديدة اوي، ما دي مواد خام بتتخفف عشان تديكِ الريحة اللي بتحبيها عادي .
ابتسمت أفكار تقول بهدوء مشيرة حولها:
_ طب بقولك ايه، أنا هنفعك، عايزة اشوف المسك اللي عندك .
ابتسم لها داوود يتحرك صوب أحد الارفف وأحضر زجاجة متوسطة الحجم، ثم اقترب من أفكار يشير لها أن تمد يدها وكذلك فعلت، ليضع بها غطاء الزجاجة كي تشتم منه الرائحة ...
رفعت أفكار الغطاء قليلًا، لتنكمش ملامحها فجأة بشكل غريب وهي تقول :
_ ايه ده ؟؟
_ ده مسك، مش أنتِ حابة مسك، بس ده خام هخففه ليكِ و...
وقبل أن يكمل كلماته قاطعته أفكار باعتراض واستنكار :
_ مسك ايه، لا مش ده المسك اللي كان ابويا الله يرحمه بيجيبه من السعودية .
نظر لها بعدم فهم :
_ ازاي؟؟ ده مسك خام من اجود الانواع .
_ لا لا مش هو، ده المسك بتاع ابويا كان كده ريحته غريبة، وغير ده خالص، كان دايما الله يرحمه يجيبه من السعودية ..
ارتفع حاجب داوود :
_ من السعودية ؟؟ وهو والدك كان بيروح السعودية دايمًا ولا ايه ؟!
ابتسمت أفكار تندمج في حديثها بطلاقتها المعهودة :
_ لا ده كان بيجيبه من الواد مصطفى بتاع الكولونيا اللي على أول الشارع، والواد مصطفى ده كان عنده ابن عمه ليه صاحب على طول في السعودية فكان بيجيب ليه المسك من هناك و...
قاطعها داوود نادمًا أنه تجادل معها من الأساس :
_ اششش خلاص انا استاهل الضرب إني اتكلمت يا ستي، أنا مالي أنا بمصطفى بابن عمه اللي بيروح السعودية ؟
_ لا مش ابن عم مصطفى، ده صاحب ابن عم...
_ خلاص انا اسف أنا آسف، هاتي الغطا ده، معندناش برفانات للبيع خلاص .
ارتفع حاجب أفكار بحنق :
_ والله وايه كل الازايز اللي حوالينا دي ؟!
ابتسم لها داوود يقول ساخرًا :
_ دي توابل وماء مقطر ..
أطلقت جيهان ضحكات مرتفعة تجذب خلفها افكار خارج المكان :
_ يلا يا أفكار يا بنتي خلينا نمشي لو قعدنا نتكلم مع داوود مش هنخلص في يومنا ده، لاحسن ده بيموت في الكلام .
تشنج وجه داوود باستنكار شديد :
_ أنا برضو ؟؟
_______________
تقف داخل محل الذهب وهي تراقب ما يحدث أمامها بعدم رضى، تتأفف وهي تشاهد تلك المهزلة التي تحدث أمام عيونها، جذبت روضة والدتها وهي تهمس بحنق شديد :
_ ما تاخدي عمتي بعيد يا ماما خليني أعرف انقي شبكتي، بدل ما هي كل شوية نطالي في أي حاجة..
ابتسمت والدتها تربت على يدها هامسة:
_ معلش يا حبيبتي فرحتها الوحيدة وحابة تشاركه كل حاجة، أنا هاخدها بعيد وأنتِ شوفي عايزة ايه بسرعة كده .
وبالفعل ما هي إلا دقيقة واحدة حتى كانت والدتها تسحب والدة ياسر خارج المحل تاركة إياها لتحقق ما تريد واخيرًا، اقتربت بدلال لياسر وهي تقول بصوت رقيق ونبرة ناعمة :
_ مفيش حاجة عجبتك ولا ايه ؟!
ابتسم لها ياسر بسمة صغيرة :
_ لا ازاي دي شبكتك أنتِ، اختاري .
وكأنه أعطاها الضوء الأخضر لتنطلق، إذ بدأت تنظر يمينًا ويسارًا، تجرب هذا وتختار ذاك، وياسر أعينه تتسع تباعًا لما تمسك، شعر بالمكان يضيق من حوله والعرق يتجمع على جبينه ..
ليراها واخيرًا قد وقع اختيارها على بعض المصوغات والتي يبدو من مظهرها غالية الثمن...
_ ها ايه رأيك يا حبيبي ؟؟
نظر لها ياسر يحاول أن يزيح توتره جانبًا :
_ حـ.. حلوين، حلوين يا حبيبتي .
ابتسمت روضة باتساع تراقب بأعين ملتمعة تلك المصوغات والتي تعمدت أن تكون غالية الثمن كي تتفاخر بها في خطبتها وعلى الجميع وخاصة على جيهان والتي تدرك يقينًا أنها ستأتي، في تلك اللحظة سمعت صوت عمتها تقول :
_ ها يا حبايبي خلصتوا ؟؟
مدت روضة يدها أمام عمتها تقول بسعادة :
_ أيوة يا عمتو، بصي حلوين ازاي ..
وفجأة انتفض جسد روضة للخلف بين احضان والدتها حين سماع شهقة عمتها التي أحيت الاموات من قبورهم، ومن ثم اقتربت من روضة تسحب يدها قائلة بأعين متسعة :
_ ايه ده كله ؟؟ ايه ده ؟؟ هتتجوزي قارون ولا ايه ؟؟
نظر لها ياسر وهو يهمس :
_ مش كده يا ماما هتلمي علينا الناس ..
أبعدت والدته يده قائلة بحنق :
_ اوعى كده يا خويا، ايه ده يا روضة يا بنتي، ايه كل ده ؟؟ احنا مش اتفقنا أن الدهب على القد عشان ...
صمتت فجأة حينما رأت أن الجميع انتبه لها لتهدأ نسبيًا وتقول :
_ احم ...اصل ..اصل يا بنتي أنتِ عارفة اللي فيها، فلوس ياسر لسه برة وفيه حوارات كتير أنتِ مش تايهة عنها .
نظرت روضة للذهب بيدها في حسرة شديدة :
_ أيوة بس هو ...
قاطعتها عمتها وهي تخلع عنها الذهب قائلة ببسمة :
_ هعوضك، بس فلوس ياسر تيجي وأنا هجيبلك وزنك دهب .
نظرت روضة ليدها بحسرة تشعر برغبة عارمة في البكاء، لكنها تنفست بصوت مرتفع تذكر نفسها أنها بعد كل ذلك ستفوز بما انتظرته سنوات، وستصبح تلك القطع الذهبية هي ابخس ما تمتلك، لذلك ابتسمت بسمة صغيرة وهزت رأسها:
_ ماشي يا عمتو اللي تشوفيه ..
ابتسم ياسر بسمة واسعة يلتقط خاتم صغير خفيف الوزن يضعه في اصبعها متجاهلًا نظراتها المتحسرة :
_ بسيط وشيك اوي يا روحي مبروك عليكِ .
تحدثت روضة من أسفل أسنانها بغيظ :
_ اوي اوي يا روحي، الله يبارك فيك ...
_______________
خطى للمنزل بعد انتهاء عمله وقد قرر أن يغير ثيابه ومن ثم يتحرك لمقابلة رفاقه، صعد الدرج وغاب دقائق، ثم هبط وهو يرتب ثيابه وتحرك صوب الغرفة التي تجلس بها والدته عادة يقول وهو يعدل من وضعية قميصه:
_ أمي أنا خارج مـ
وقبل أن يكمل كلمته اتسعت عينيه بذهول شديد وقد شعر بتوقف أنفاسه فجأة من هول ما يرى، فتاة جميلة تقف في وسط الغرفة تدور حول نفسها كالملاك، ابتسم دون وعي يراقب خصلات شعرها و ملامح وجهها الـ ... أفكار ؟؟؟
هذه أفكار ؟؟
انتفض جسد داوود فجأة يستوعب ما يفعل ليستدير بسرعة يغمض عينه بصدمة :
_ أنا... أنا آسف مكنتش ...مكنتش اعرف أنك من غير حجاب و...معلش فكرتك مشيتي.
دُهشت أفكار مما حدث تتحسس خصلات شعرها، ثم سحبت حجابها تضعه أعلى رأسها تقول بصدمة :
_ ده شاف ...شاف شعري .
اعتذر داوود بسرعة كبيرة ولهفة :
_ أنا آسف والله ا...
لكن فجأة توقف عن حديثه حين سماعها تقول بصدمة :
_ الحمدلله اني سرحت شعري قبل ما أخرج انهاردة .....
لم يصدق داوود ما سمعه يقف مذهولا وكأن جسده قد تصلب، هل حقًا لهذا تحمد ربها؟!...
تلك الفتاة ستكون سببًا يومًا ما للذهاب إلى مستشفى المجانين.
تمتمت أفكار محاولة تصليح الوضع ولكنها في الواقع أفسدته:
_ولا يهمك يا أستاذ داوود عادي محصلش حاجة.
غمغم داوود في انفعال حاول جعله طفيفًا قدر المُستطاع:
_ممكن يا أستاذة أفكار لما تكوني بتعملي حاجة تقفلي الباب عليكي ثم أنتِ أصلا بتعملي أيه هنا لغايت دلوقتي؟!.
بكل عفوية كانت أفكار تجيبه بهدوء:
_أصلي أتأخرت علشان بوري الفستان للحجة جيجي علشان رايحة فرح ر....
قاطعتها جيهان بسرعة بعد أن نهضت حتى لا تفسد أفكار خطتها:
_رايحة فرح راندا صاحبتها وقالت توريني الفستان مش كده يا أفكار؟!.
لكزتها جيهان بقوة مما جعلها تتأوة في خفة ولحسن الحظ كان داوود يعطيهم ظهره فلم يرى تعبيرات وجهيهما:
_ايوة فرح راندا صاحبتي وأنا كنت بوري جيجي الفستان علشان عارفة أن ذوقها حلو فقولت أخد رأيها...
فجأة سمع داوود صوت باب الشقة يُفتح ويغلق ليسير بضعة خطوات ويقف في نهاية الرواق ليجد شقيقه مما جعل داوود يتمتم وهو يشير إلى أفكار التي كانت شبه تقف في منتصف الرواق:
_ادخلي الاوضة...
كان يتحدث بلهجة أمر وسمعت أفكار حديثه وولجت إلى الغرفة برفقة جيهان التي أخذت تلومها فهي كان على وشك أن تفضحهما، بينما افكار لم تكن تستمع لها هي فقط تحاول أن تلملم شتات نفسها وترحل فيجب عليها تبديل ذلك الفستان بأقصى سرعة...
بالرغم من حياتها ومواقفها العجيبة إلا أنها لم تتعرض لهذا الكم من المواقف المحرجة إلا مع هذا الرجل...
"في الخارج"
_أيه يا حامد في حاجة ولا أيه ؟!.
تحدث حامد في نبرة عادية:
_لا أبدًا أصلي سايب لأمنية البيت وامبارح نمت في المعرض فقولت هاجي أقعد معاكم كام يوم لغايت ما تعقل.
قال داوود في سخرية شديدة:
_هو أنتم لحقتم يابني علشان تسيب لها البيت؟!!..
_داوود أنا مش ناقص كلام..
قاطع حديثه صوت جرس الباب العنيف، فذهب داوود وفتح الباب ليجد ألاء أمامه بوجه غاضب على وشك أم ترتكب جناية.
_______________
_اللي حصل ساعة الشبكة مش مطمن قلبي يا روضة خالص.
استغلت والدتها غياب زوجها وتواجده في العمل فلو كان هنا كان سيدافع عن شقيقته بكل تأكيد...
غمغمت روضة في ضيقٍ:
_يا ماما هو أيه اللي حصل لكل ده؟!.
نظرت لها والدتها بذهول؟!
هل بعد كل ما حدث تسالها عما حدث ليزعجها إلى تلك الدرجة؟! هل باتت ابنتها عمياء حقًا؟!.
_عمتك فضحتنا في المحل وتقوليلي حصل أيه؟! دي كان ناقص تخطبك بجلدة أنبوبة علشان تقولي ساعتها حصل حاجة وطلعوا معهمش فلوس علشان كده أجلوا شراء الشبكة لغاية ما حجزنا القاعة وبعتنا الدعوة للناس وعزمنا الناس علشان ساعتها نوافق بأي حاجة ونسكت.
شعرت روضة بالخجل والانزعاج فهي أيضًا الأمر قد أحزنها ولكنها قامت بمواساة نفسها بأنها يجب عليها أن تكون زوجة صالحة وتقف بجانبه في أوقاته الحالكة وبالتأكيد بمجرد أن يقوم بحل أموره لن ينسى معروفها تحديدًا أنه قد قص لها الكثير والكثير عن النقود التي سوف يستلمها من الأرباح...
_يا ماما عمتو عندها حق لازم امشي حسب ظروف ياسر، وبعدين هو كان مفهمني الموضوع ده وأنا قولتله مش مشكلة وهو كان عايز يأجل بس أنا قولت له لا، يمكن لما شوفت الدهب سرحت شوية ونسيت اللي قولته ليه، وبعدين يعني بالعكس أحنا أخترنا حاجة شيك أوي وسيمبل ورقيقة مبقاش حد يركز في حوار الدهب ده زي الاول الناس بتتخطب بدبلة بس عادي..
قهقهت والدتها بسخرية وهي تقول:
_مكنش كلامك ده لما داوود جه خطبك ده أنتِ أصريتي تجيبي أغلى حاجة وجبتي دهب أكتر من اللي كنا متفقين عليه قبل ما تروحه.
حسنًا حشرتها والدتها في الزاوية فحاولت الخروج منها بكل براعة وهي تقول بحكمة وعقل لا يليق بها تمامًا:
_مش يمكن عقلت؟! ويمكن عرفت أنه مش بالفلوس وأني لازم اشتري الراجل اللي معايا وأقف جنبه علشان بعد كده يشيل ليا الجميل ويعرف أني وقفت جنبه؟!.
نظرت لها والدتها بحيرة...
_ياخوفي يا بنتي مش عارفة أخرة دماغك أنتِ وأبوكي دي هتودينا على فين..
أسترسلت حديثها في انفعال واستنكار شديد:
_وأنا أهو وأنتِ أهو عمتك عقربة وأنتِ مش عايزة تسمعي كلام أمك.
ضحكت روضة ثم قالت مداعبة والدتها:
_أنتِ بتعملي كده يا ماما بس علشان المشاكل القديمة اللي ما بينكم لكن عمتو طيبة واتغيرت.
_أنتِ مش فاهمة حاجة يا بنتي..
قاطعتها روضة بإصرار وثقة رهيبة رُبما ليست في محلها:
_لا أنا فاهمة كل حاجة يا ماما ومش عبيطة ياسر بيحبني وشاريني وانا متأكدة أنه هيجيب الدنيا تحت رجلي بعد ما الفلوس توصله....
_____________
ابتلع داوود ريقه من مظهر آلاء وقد أدرك أنها لم تأتي أبدًا لخير، لكنه رغم ذلك استقبلها بهدوء واحترام شديد مرحبًا بها في المنزل ..
_ آلاء اتفضلي، خير حصل حاجة ولا ايه ؟؟
لكن آلاء لم تكن في حال تسمح لها أن تكون بمثل هدوء واحترام داوود، بل اقتحمت البيت بقوة تتحدث بصوت مرتفع رن في الإرجاء :
_ حامد هنا صح ؟!
_ أيوة جوا بس حـ
وقبل أن يكمل سؤاله اندفعت آلاء كالقذيفة داخل المنزل وهي تصرخ باسم حامد وقد كانت شياطينها تتراقص حولها بكل سعادة...
وداوود المسكين يراقب ما يحدث بأعين متسعة :
_ عملت ايه المرة دي يا حامد بس ...
لحق بها داوود بسرعة صوب غرفة المعيشة حيث الجميع، ليبصر آلاء تقف قبالة شقيقه الأكبر وهي تصرخ بجنون :
_ أنت واحد حقير واناني، تعيش حياتك عادي وتتجوز وتحلل لنفسك فرصة تانية، وتحرمها على غيرك ..
نظر لهم داوود بعدم فهم لكنه يشعر من كلماتها أن حامد قد تخطى كامل حدوده.
والاء لم يرضها أن يظل أحدهم جاهلًا بفعلة ابنهم إذ صرخت بملء فاهها وبجنون وقهر من تحكم حامد في حياتها حتى بعدما نبذته :
_ الاستاذ المحترم مكتفاش أنه يفضحني كل شوية في الحتة بخناقة شكل وكل شوية يرمي كلام زي السم، لا جاب العيال وجه خطوبتي وطربقها فوق دماغ الكل والعريس طفش هو وأهله بسبب عمايله هو وعياله .
ومن ثم استرسلت تصف لهم كل ما حدث بالحرف داخل خطبتها
اتسعت أعين داوود بصدمة في حين شهقت جيهان وهي تحدج ابنها البكر بنظرات غاضبة، بينما افكار تراجعت للخلف بريبة وهي تقول باستنكار :
_ لا إله إلا الله، ايه التصرفات الزبالة دي، التصرفات دي متطلعش غير من واحد اناني ومريض نفسي ومترباش، ربنا يعافينا يارب .
اندفع داوود صوب حامد يصرخ بعدم تصديق :
_ أنت عملت كده يا حامد بجد ؟! أنت اتجننت ؟؟
نظر له حامد ببرود ولم ينبث ببنت شفة، أو يبدي أي ردة فعل لتبتسم آلاء بسخرية :
_ وانا يعني هألف ولا اكدب عليكم ؟؟ ابنكم مريض نفسي مش عارف يعترف إن خلاص مبقاش فيه بينا حاجة عشان يتصرف بالشكل ده كأني حبيبته وهطفش منه .
اشتعل جنون داوود يصرخ بصوت زلزل المنزل بأكمله وقد اكتفى من هذه اللعبة التي راح ضحيتها أطفالهم:
_ أنت بتستهبل ؟؟ بتحرض عيالك على امهم ؟! بتستغل اطفال عشان مصالحك الشخصية يا حامد ؟! فاكر ده ذكاء منه أو حاجة مضحكة ولطيفة يعني ؟! دي مصيبة ...اللي بتعمله ده مصيبة يا حامد وكده بتزرع افكار غلط داخل عقل عيالك .
قالت آلاء بقهر :
_ وهو لسه هيزرع ؟؟ اخوك ده غبي ومش بيفكر وعمره ما كان همه الاولاد في يوم، طول عمره عايش لنفسه ولمصالحه ومش في دماغه بقى عيال ولا مش عيال ..
هنا وانفجر حامد في وجه آلاء بعدما فاض به الكيل :
_ ايـــه ؟؟ هو أنا عشان ساكت هتسوقي فيها ؟! محسساني انهم مش عيالي واني ابن ستين *** كده ليه ؟! جاية تلوميني ومش شايفة نفسك بتعملي ايه يا ست هانم .
اشتد غضب آلاء لتصرخ في وجهه بجنون :
_ بعمل ايه يعني ؟؟ أنت مصدق نفسك وعايش دور الضحية ليه؟؟ فووق يا حامد فوق أنت الجاني هنا .
ومن تلك اللحظة اشتعلت المعركة بين حامد والاء وتدخلت جيهان في صف آلاء وهي توبخ ابنها بصوت مرتفع وبغضب شديد .
وافكار تقف جانبًا تضرب كفًا بالآخر، قبل أن تقرر كعادتها التدخل لحل تلك المعضلة :
_ يا جماعة استهدوا بالله دي لحظة شيطان والله، لا حول ولا قوة إلا بالله، فيه ايه بس يا استاذ حامد مش كده، يا ست آلاء المواضيع مش ...
وقبل أن تكمل جملتها شعرت بمن يسحبها من الخلف وقد كان داوود الذي نظر لها بشر قائلًا :
_ بالله عليكِ خليكِ بعيد، هي مولعة لوحدها .
_ الله وانا يعني هعمل ايه ؟؟ أنا ههدي الناس .
سخر منها وقال :
_ تهدي الناس ؟؟ اقطع دراعي أما كنتِ أنتِ بؤرة الفساد في الموضوع، أنا لو نخربت في الحوار متأكد اني هلاقي ليكِ دور، لازم ولابد يكون اسمك موجود طرف في الخناقة دي ولو ضيف شرف ..
فجأة سمع الجميع صوت رنين الباب، لكن لم ينتبه أحد بسبب الشجار ليتحرك داوود ويرى ما يحدث تاركًا افكار تندفع لحل المشكلة .
فتح داوود الباب ليقابله وجه أمنية التي ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تقول :
_ مساء الخير يا داوود، حامد هنا ؟؟
وقبل أن يجيبها سمعت صوت صرخات تأتي من الداخل ومنهم صوت حامد والاء لتضيق عيونها بريبة وتتحرك بسرعة صوب الاصوات، وداوود لحق بها وهو يقول :
_ يلا اهي كملت اهي ...
دخلت أمنية للغرفة لتصطدم بمشهد وقوف غريمتها قبالة زوجها، ولم تهتم أنهم في شجار أو أن آلاء ليست هنا لتتغزل بجمال حامد، لم تهتم لكل ذلك وهي تندفع صارخة بجنون :
_ الله الله وانا اللي قاعدة في البيت مفكراك مقموص وزعلان وقولت قومي يابت روحي صالحي جوزك، اتاريك جايب السنيورة هنا ولا على بالك الكلبة اللي راميها في البيت ..
وفي تلك اللحظة تحول الشجار من ثنائي الأطراف لثلاثي، إذ انفجرت آلاء في وجه أمنية والأخيرة ترد لها الكلمة بعشرة، وحامد يصرخ في الاثنتين، وجيهان توبخ حامد وافكار تقف في المنتصف وهي تصرخ :
_ يا جماعة صلوا على النبي مش كده، امال لو وسيم شوية كنتم عملتوا في بعض ايه ؟؟
فجأة أبصرت داوود يقف عن باب الغرفة يضم يديه لصدره وهو يردد ببرود شديد وقد اكتفى من كل ذلك، ينظر لساعة يده بهدوء مثير للاستفزاز :
_ طب يا جماعة لغاية ما تطفوا الحريقة والمولد ده ينفض اكون خلصت مشواري ورجعت، سهرة سعيدة ليكم.
وقبل أن يتحرك أمسكت افكار بكم ثيابه صارخة بعدم فهم :
_ أنت رايح فين وسايب الخناقة دي ؟؟ مش هتسلك ؟!
_ اسلك ليه ؟؟ دي مشاكل حامد وانا مليش علاقة بيها، خليه يعتمد مرة على نفسه ويحل مشاكله بدون تدخل حد .
اتسعت أعين افكار وهي تحرك اصبعها في وجهه بغيظ :
_ اه منك يا خراب البيوت أنت، تموت في المشاكل والخناقات زي عنيك، روح الله يسامحك يا اخي ده اخوك .
فتح داوود فمه بصدمة يردد مبتسمًا بعدم تصديق :
_ أنا برضو اللي بموت في خناقات وخراب بيوت ؟؟ يا شيخة اتكسفي على دمك .
فتحت افكار فمها لتجيب، لكن هو قاطعها وقد اصابه فتور وتعب شديد من كل ذلك :
_ من غير ولا كلمة، شايفة الخناقة اللي مولعة وراكِ دي ؟؟ روحي رشي عليها شوية بنزين وشوفي شغلك، أنا ماشي ...سلام .
وبهذه البساطة رحل تاركًا خلفه افكار تراقبه بصدمة قبل أن تعود للشجار وهي تحاول فكه ..
______________
يجلس مع صديقه صامتًا منذ أن أتى يشرب كوب الشاي بالنعناع المميز له في صمت رهيب..
مما جعل سيف يتحدث في استغراب من هذا الصمت فهذه ليست من عادة داوود فهو دومًا شغوف بالحديث في كافة النواحي فهو لا يمل من الجلوس معه لهذا السبب..
سأله سيف في نبرة حنونة ومهتمة:
_مالك يا داوود في أيه؟!.
غمغم داوود في نبرة مكتومة:
_مالي؟! ما أنا زي الفل .
_هو أنا أهبل يعني ولا مش عارفك، باين أوي أن في حاجة مزعلاك.
يبدو أنه يجب عليه الاعتراف لن يتركه سيف بحاله ولن يصدق أنه ليس به شيء، ورُبما هو يجب أن يخرج ما يتواجد بداخله قبل أن ينهار، هو بشر في النهاية لا يستطيع كتم مشاعره أكثر من ذلك...
_مفيش بفكر أجيب شقة قريب من أمي وأعيش فيها.
ضيق سيف عيناه ولم يصدق ما سمعه منذ متى وداوود الذي يعشق والدته وعائلته ولا يرغب أبدًا في الانفصال عنهم بل دومًا كان يخبره بأنه وقت زواجه سيقوم بشراء منزل بالقرب من منزل والدته حتى لا يتركها وحيدة، وليتغير رأيه مرة واحدة بتلك الطريقة هذا معناه بأن هناك كارثة أو شيء كبير جعله يتفوه بتلك الجملة..
_ليه في حاجة حصلت ولا أيه؟! ما تتكلم يا داوود لو محكيتش ليا أيه اللي مزعلك وأيه اللي مخليك متغير بالطريقة دي هتحكي لمين؟!.
تنهد داوود ثم قال بانفجار لابد منه:
_انا زهقت من القعدة في البيت ومن حل مشاكل حامد ومن كل حاجة حاسس أن حامد ده مش اخويا الكبير لا اخويا الصغير أحنا اللي شايلين مسؤولية عياله واحنا اللي عمالين نحل المشاكل اللي وراه وهو ولا هنا اتجوز واديه بيفكر يطلق ويرجع لمراته وعايش في دنيا تانية والعيال نشيلهم احنا بمسؤوليتهم، والله ما زعلان لوجودهم معايا بس ده كتير عليا .
أبتلع ريقه ثم أسترسل حديثه في ضيق شديد:
_أنا عايز أعيش لنفسي شوية يا سيف عايش أحس بحياتي أنا؛ مفضلش مسحول في حياة غيري عايز استمتع بحياتي أنا.
صمت لثواني ثم قال بعفوية:
-وكمان البلوة اللي اسمها أفكار.
لم يفهم مقصده..
مما جعل سيف يعقب في عفوية:
_قصدك أفكار بعد منتصف الليل؟!.
رمقه بسخرية، لكن فجأة تحدث داوود في غضب جامح:
_أفكار دي البلوة اللي أترمت في حياتي من تحت رأسك.
_وأنا مالي أنا ياخويا؟! أما أنا بسألك مين دي ومش فاهم؟!.
تحدث داوود في سخرية:
_أفكار دي يا حبيبي المصيبة اللي اتبليت بيها بسببك من ساعة ما قولتلي هات لروضة هدية وهي السبب في اللغبطة اللي حصلت في شركة الشحن، ولما عملت إعلان ممول علشان العيال اجيب ليهم واحدة جت هي بالصدفة وبتعمل كل بلوة والتانية...
قاطعه سيف في تهكم:
_طب مدام هي خاربة الدنيا كده مشيها ساكت عليها ليه؟!.
_أمي يا سيدي شايفاها أيديها ورجلها مش عايزة تسيبها أبدًا وكمان بتقعد تعملي صعبانيات علشان أنا السبب في قطع عيشها من الشركة.
صمت وكاد يضيف سببًا آخر، لكنه صمت فقط وفضل الاحتفاظ به لنفسه .
أين ستقوده حياته بعد كل هذا الخراب الذي تفشى بها ؟؟؟
_________________
صباح اليوم التالي وبعدما خمدت النيران وتحولت لرماد ...
كانت تجلس أعلى اريكتها كعادتها وجوارها افكار التي كانت تنتقي حبات الأرز الصالحة وتتخلص من الفاسدة، وقد انشغلا في حوار شيق حول مساء اليوم وحفلة الخطبة ..
_ برضو يا حجة جيجي أنا مش فاهمة لازمتي ايه في الحوار، يعني مش عارفة ..مش مستريحة للموضوع من أوله .
تناولت جيهان بعض التسالي أمامها تقول بجدية :
_ يووه يا أفكار هنعيده تاني ؟؟ بقولك البنت باعتة الجواب وهي ناوية تفرسني، عايزاني اروح بطولي كده عشان تشتغل فيا فرس هي وامها ؟؟
_ لا يا جيجي ما عاش اللي يفرسك بس....
وقبل أن تتم جملتها وجد الأثنان حامد يتقدم منهم حاملًا حقيبته بملامح مقتضبة ووجه اسود بعد معركة الأمس، رفعت جيهان حاجبها بعدم فهم :
_ فيه ايه يا حبيبي مراتك غضبتك ولا ايه ؟!
كتمت افكار ضحكة كادت تفلت منها، بينما حامد رد بملامح سوداء وكأنه كبر اعوامًا فوق اعوامه :
_ بالله عليكِ يا امي أنا ما ناقص على الصبح، لسه مخلص خناقة مع أمنية لرب السما وخدت هدومها وراحت لبيت اهلها وحالفة ما ترجع تاني ..
اعتدلت جيهان في جلستها تقول بحنق :
_ يعني مراتك سابتلك البيت تقوم جايلي أنت ؟؟ ده بدل ما تروح تصالحها بعد اللي هببته امبارح ؟!
تواقح حامد في وجه والدته رافضًا الاعتراف بجرمه :
_ هببت ايه ؟؟ هي اللي انفجرت في وشي مرة واحدة، يعني عاجبك يعني اللي عملته وزعيقها فيا ؟؟
التوى ثغر افكار بسخرية لاذعة :
_ وهو أنت سكت ليها يا استاذ حامد ؟؟ ده أنت امبارح مرحمتش حد من لسانك، إذا كان هي ولا الاولانية .
وافقت جيهان افكار الحديث وهي تكمل موبخة بكرها :
_ أنت مش بس طلقت واحدة وخربت عيشتها وحياتها بعمايلك، لا بتخرب على نفسك مع التانية، يعني يا بني أنت ربنا مش هيهديك وتستقر ابدا ؟؟
زفر حامد يشعر بثقل الحديث معهم في هذا الأمر :
_ قفلي على الحوار ياما ولو قعدتي هنا مزعلاكي اوي هاخد شنطتي واروح ابات في الشقة لوحدي .
ضربت جيهان كتفه بغيظ :
_ ما تقعد يا خويا هو أنت هتقعد فوق دماغي ؟؟ أنا بتكلم على مراتك اللي راميها دي ؟؟ اخرتها ايه يا ابن بطني ؟!
لوح حامد بيده في الهواء وهو يتحرك حاملًا حقيبته صوب شقته التي أسسها قديمًا له :
_ اللي فيه الخير يقدمه ربنا، أنا هطلع ارتاح شوية قبل ما اروح المعرض عشان منمتش طول الليل .
وهكذا صعد تحت أنظار جيهان التي قلبت كفًا بالآخر في حسرة شديدة تضرب فخذيها بقهر :
_ ربنا يصلح حالك يا بني، يعني لا قديمة نافعة ولا جديدة فالحة معاك، نعملك ايه يعني، ربنا يهديك يا حامد، ربنا يهديك يا بني ...
____________________
حانت تلك اللحظة التي كانت افكار متخوفة منها وها هي تخطو منزل تلك الفتاة الوقحة بعدما تجهزت وسارت رفقة جيهان .
دخلت وهي ترى جيهان ترحب بالنساء المصدومات من وجودها في هذه المناسبة، فهذه روضة كانت مخطوبة لولدها سابقًا .
جلست جيهان جوارها افكار وهي تربت على قدمها :
_ شوفتي الستات بتبصلي ازاي يا بت يا افكار ؟! اكيد مستغربين من وجودي وأن مقصوفة الرقبة دعتني، مفكرة اني مش هاجي وهيتحرق دمي، بس على مين والله لاحرق دمها هي واللي يتشددلها .
في تلك اللحظة اقتربت سيدة من جيهان وأخذت تتحدث معها في أحاديث مختلفة قبل أن تقول بفضول شديد :
_ بس متآخذنيش يعني يا حجة جيهان، جاية يعني تحضري الخطوبة وعادي ؟؟ هو مش آلاء دي اللي سابت ابنك قبل كده وفسخت منه الخطوبة ؟؟
لوحت جيهان بيدها في الهواء وهي تقول بصوت مرتفع نسبيًا ليستمع له الجميع :
_ مين دي اللي تسيب ابني ؟؟ أنا ابني سيد الرجالة وميت مين يتمناه، هي اللي مش وش خير وسابت الدهب وراحت للخشب ..
في تلك اللحظة خرجت روضة مع والدتها وهي تبتسم للجميع لتبصر فجأة جيهان تجلس بين المدعوين، ورغم صدمتها من وجودها إلا أنها ابتسمت بشر وقد لاحت رغبة عميقة في الانتقام منها ومن ولدها أمام عيونها، لا تزال تتذكر تلك الفتاة التي تشاجرت معها في السوق وحديث داوود ..
اقتربت منها روضة كي ترحب بها، لكن فجأة توقفت بصدمة حينما أبصرت الفتاة نفسها، أكملت الطريق وقد رأت أن والدتها تشير لها لتأتي ..
تجاهلت روضة والدتها وهي تسير صوب جيهان :
_ ازيك يا طنط، متعرفيش أنا فرحانة ازاي أنك جيتي والله ..
رفعت جيهان نظراتها لروضة تبتسم بسمة جانبية وهي تصافحها بقوة حتى كادت تحطم أصابعها تحت ضغطتها :
_ ازيك يا روح طنط، وانا برضو اقدر افوت مناسبة زي دي؟؟ ده مهما كان فيه بينا عيش وملح يا حبيبتي .
هزت روضة رأسها وهي تنظر صوب افكار التي كانت تلتزم الصمت مخافة أن تحدث مشكلة بسبب كلماتها كما يدعي داوود طوال الوقت ..
نادت والدة روضة لها :
_ يلا يا حبيبتي عشان تلبسي الشبكة، العريس مستني .
ابتسمت روضة بخبث وهي تنظر لجيهان :
_ عن اذنك بقى يا طنط لاحسن العريس مستني على نار، عقبال داوود يارب لما يلاقي بنت الحلال ..
صمتت ثم قالت بوقاحة لا حدود لها :
_ الا هو من بعد ما فسخ معايا مسمعتش عنه حاجة، هو كويس ولا ايه ؟؟
نظرت لها افكار بحاجب مرفوع :
_ مسمعتيش ايه يا ختي، ايش حال ما كنا في السوق وشوفناكي و...
قاطعتها جيهان بسرعة وهي تقول بلا مقدمات :
_ معلش يا حبيبتي مشغول في تحضيرات الخطوبة بتاعته اصل عقبال عندك هيخطب بعد اسبوع، واكيد مش فاضي لكل ده ..
اتسعت أعين روضة لتكمل جيهان وهي تشير لأفكار وتربت على كتفها ببسمة ماكرة خبيثة غير واعية لنظرات افكار التي اتسعت بصاعقة جراء ما سمعته منها :
_ ودي بقى يا حبيبتي تبقى افكار ...خطيبة ابني ومراته قريب اوي إن شاء الله......
___________________
بداية الحرب شرارة، وجيجي أعلنتها حربًا على الجميع بمن فيهم داوود نفسه .
الفصل طويل اهو زي ما وعدتكم، ولو التفاعل كويس هننزل ليكم فصول طويلة ولطيفة ..
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه FatmaSultan947
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الرابع عشر من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل& فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة .
لو فيه تفاعل كويس هننزل الثلاثاء باذن الله فصلين بدل فصل واحد .
____________
راقبت جيهان باستمتاع كبير ملامح روضة التي اسودت فجأة بمجرد سماعها للخبر ورؤيتها لأفكار المصدومة مثلها أمام عينيها، وجيهان تلك الخبيثة لم تكتفي ولم تطفئ نيرانها تلك النظرات، بل أرادت المزيد والمزيد :
_ داوود حبيبي اول ما شاف أفكار كده وقف اسم الله عليه مش قادر ياخد نفسه، تقوليش روحه حست أن هي دي اللي هيكمل معاها ؟؟ الواد عيونه لمعت كده وشهق وقال هي دي يا ماما هي دي نصي التاني .
كانت افكار تستمع للحديث وكأن جيهان تتحدث عن شخصين آخرين، داوود آخر وافكار أخرى:
_ دي أنا ؟؟
نغزتها جيهان بقوة تحدجها بنظرات محذرة :
_ المهم أنك كده كده معزومة يا روضة يا حبيبتي على الخطوبة ومن بعدها على طول كتب الكتاب لاحسن كده كده داوود قال مش عايز خطوبة طويلة، اصل بيني وبينك الخطوبات الطويلة دي للناس اللي عايزين نعرف اصلهم ونطمن ليهم، إنما داوود كده كده عارف افكار وحافظها وهما الاتنين ولفوا على بعض وزي السمنة على العسل
مالت افكار على جيهان تتحدث بصدمة من كم الكلمات الكاذبة التي خرجت للتو من فمها :
_ ولفنا ايه يا حجة جيجي ؟! ده ابنك لما بيشوفني بيبقى زي الطور اللي شاف قماشة حمرا، بعدين سمنة على عسل ايه؟ قولي بنزين على شرار، يا حجة كفاية كدب، كده الموضوع بيوسع منك .
حذرتها جيهان بعيونها وهي تكمل :
_ بس أنتِ والله ما أسبيبها تفرسني ..
_ وأنتِ عشان متفرسكيش تقومي تلبسيني أنا في حيطة مع ابنك ؟؟ ده مش بعيد يخلص علينا احنا الاتنين، ده مش بيطيق يسمع اسمي في بيتكم .
حدجتها جيهان بشر ثم نظرت لروضة التي كانت شاحبة تقول ببسمة :
_ روحي يا حبيبتي شوفي والدتك لاحسن شكلها كده على نار، وخطيبك كمان الحقيه لاحسن شوية وممكن يمشي .
نظرت روضة خلفها، ثم لجيهان دون أن تدري ما تقول، جاءت لتثير حنقها، فاثارت هي غضبها، تحركت صوب خطيبها تقف أمامه تمد يدها ليلبسها الخاتم الصغير والذي جعلها تقارن دون إرادتها بينه وبين تلك المصوغات التي أحضرها داوود لها، بل إنه يومها ترك لها حرية اختيار ما تريد وهو يمنحها بسمة هادئة يخبرها أن تنتقي ما تشاء ..
شتان بينه وبين ما حدث مع ابن عمتها .
فجأة انتفضت داخلها وهي تهمس لنفسها أن كل ذلك لفترة مؤقتة، ايام قليلة فقط وتحصل على المزيد والمزيد من ابن عمتها .
ابتسمت جيهان وهي تنظر لروضة بسخرية هامسة :
_ هو ده اللي سابت ابني عشانه ؟! عيل مش عارف يسند نفسه؟! يلا ربنا يهديهم ويسعدهم، ويبعدهم عن سكة ابني .
كانت تتحدث وهي تنظر لهم، بينما أفكار جوارها تفكر في الخطة التي ستتبعها لضمان سرعة هروبها من منزلهم قبل عودة داوود ومعرفته ما حدث، فهو سيعلم بأي شكل من الاشكال، وهي لن تنتظر لترى ردة فعله بل ستختفي من المنزل في ثواني معدودة تجنبًا لغضبه.....
____________________
_سيبتي البيت يا خايبة؟!..
لم تكف والدتها عن تكرار تلك الجملة منذ إتيانها على وشك أن تقتل نفسها حتى تتوقف والدتها..
_اه باين من شنطتي اللي جاية جراها ورايا إني سايبة البيت ومش راجعة لحامد يا ماما غير لما يجي لغاية هنا يعتذر مني ويقول أنا غلطت في حقك يا أمنية غير كده مش راجعة.
رمقتها والدتها بنظرات مستنكرة ثم قالت في غضب شديد:
_مهما حصل مكنش ينفع تسيبي البيت أبدًا كان ممكن تعلميه الأدب وأنتِ....
قاطعتها أمنية بجنون وهي تنهض من فوق فراشها بأعين متورمة من كثرة البكاء:
_أنتِ لسه هتقوليلي مكنش ينفع؟!!! ده ساب ليا البيت وأنا حطيت الجزمة في بوقي وروحت زي ما قولتليي علشان اصالحه وعلشان منكدش عليه، علشان ميبقاش مصيري زي الاولانية، أتاريه بيشتغلني، روحت لقيت حبيبة القلب هناك وتقوليلي لسه مكنش ينفع أسيب البيت.
حاولت والدتها تلطيف الأجواء وهي تمسك يدها وتحعلها تجلس مرة أخرى وتمسح دموعها بأناملها:
_يا عبيطة اهدي كده، أنا عايزة مصلحتك وبعدين يعني حتى لو لقتيها هي كانت معاه لوحدهم؟! وارد جدًا تكون جاية تشوف العيال ولا حاجة في بينهم عيال وطبيعي أنهم يتقابلوا...
ضغطت والدتها على الجرح دون أن تدرك ذلك..
مما جعل ألاء تتحدث بجنون:
_ماما متحاوليش تقنعيني بحاجة عكس اللي شوفته واللي أنا حساه.
تحدثت والدتها في نفاذ صبر وقلق من أن تفشل زيجة ابنتها بتلك السرعة الرهيبة ولأن حامد لن تجد مثله مرة أخرى ظروفه مناسبة لها تمامًا:
_بقولك أيه يا أمنية من الاخر حتى لو عايز يرجعها المفروض متعترضيش دي أم عياله ويعدل ما بينكم وخلاص؟!.
عقبت أمنية على حديث والدتها في ذهول:
_أيه؟!.
بقسوة كانت ترد عليها والدتها:
_زي ما سمعتي، أنتِ عارفة كويس أن حامد كويس ومحترم، وعريس لقطة لأي حد، وكمان لا هيقولك خلفه ولا غيره نسيتي قريبنا اللي سابك لما عرف قبل الفرح موضوع الخلفة؟! وراح طلقك قبل الفرح بأربع ايام؟! حامد محترم ولقطة رغم موضوع الخلفة إلا أنه....
قاطعتها أمنية بألم:
_حامد ميعرفش اصلا موضوع الخلفة يا ماما.
_ازاي؟!..
أسترسلت والدتها متذكرة كلمات ابنتها لها:
_ده أنتِ قولتلي أنك عرفتيه وأنه موافق.
_قولت كده علشان محدش فيكم يتكلم في حاجة تاني وتجرحوني، دي حاجة مش بأيدي وبعدين الدكاترة قالوا يمكن يكون فيه أمل لو أتعالجت ومرضتش أعرفه علشان محسسوش إني قبلت الجوازة بسب ضغطكم علشان موضوع الخلفة حبيت أحسسه باللي مراته مكنتش محسساه بيه أن رغم أنه متجوز ومعاه عيال أنا مفيش حاجة نقصاني وحبيته.
أردفت والدتها في نبرة عادية:
_خلاص مش مشكلة متشليش هم معتقدش أنه هيفكر في الخلفة ولو فكر ياستي روحي معاه للدكتور وكأنك أول مرة تعرفي محلولة، المهم بلاش تقفي معاه على الواحدة وفُكي كده وحتى لو عايز يرجع لمراته متزعليش عادي طبيعي يحن ليها دي أم عياله، وكده كده كان هيتجوزك عليها لولا أنها طلبت الطلاق
وهذا ما تعلمه هي، تدرك أنها كانت ستصبح الثانية وارتضت تلك المذلة رغم أنفها، بعدما دفع قريبها بلقب مطلقة لحالتها الاجتماعية ودون أن تتزوج حتى، ارتضت الأمر ورضخت، لكن قدر الله أن تكون هي زوجته الوحيد فحاولت بذل كامل جهدها لتحيا كما أي انثى، لكن حتى وهي وحيدة كان حامد ينبذها، يتركها وحيدة في المنزل دون أن يعطيها ذرة اهتمام واحدة إلا من بضع ساعات حين عودته، ماذا إن شاركتها واحدة به ؟؟ وتلك الواحد يعشقها كما يظهر ؟؟
لن تصبح فقط مجرد زوجة بالاسم، بل لربما دهس أنوثتها أسفل اقدام إهماله وتناسى حقيقة زواجهما، وهي لن توافق بهذا :
_حامد لو حب يرجع ليها تاني أنا هطلق.
وضعت والدتها يدها على فمها قائلة في رفض تام وبجدية:
_حسك عينك أسمعك تقوليها عايزة تشمتي عمك وابنه فينا ولا أيه؟! مش هتطلقي ولا غيره كلها كام يوم وتهدي وحامد يهدي وهيجي يصالحك ولو مجاش أنا اللي هكلمه...
نظرت لها ابنتها برفض تنتفض عن مقعدها وهي تركض لغرفتها تود الانعزال بذاتها تلعق جروحها وترمم أنوثتها، وتطيب خاطر تلك الأم داخل والتي كُتب عليها أن تظل مسجونة إلا أن يأذن الله بعكس ذلك ......
_______________
دخلت المنزل بسرعة مخيفة وهي تركض في أنحاء المكان تردد بجدية كبيرة :
_ لازم اختفي أنا ممكن اروح الجبل اعيش بين المطاريد أو اسافر البلد عند عيلتي و....
توقفت عما تفعل وهي تقول بصدمة :
_ أنا معنديش عيلة في البلد ...خلاص هروح أي قرية ريفية واشتغل في مزرعة، هختفي من وشه قبل ما يعرف اللي حصل ويطلعهم عليا .
كانت جيهان تراقب ما تفعل افكار بعدم فهم، تتحرك هنا وهناك تجمع أشياء كثيرة و هي تتحدث مع نفسها بفزع وبملامح شاحبة وكأن أحدهم انبأها بأن موتها في طريقه إليها..
_ ايه يابنتي فيه ايه ؟؟ مالك مسروعة على ايه ؟!
توقفت افكار عما تفعل وقالت برعب :
_ مسروعة على ايه ؟؟ ده ابنك يطيق العمى ولا يطيقني والود وده يمسك رقبتي يفصلها عن جسمي، ما أنتِ اصلك مش بتشوفي بيبصلي ازاي لما انطق كلمة أو اعمل حاجة مش عجباه، تقومي تقولي قدام كل الستات وخطيبته القديمة اني هبقى مراته ؟! ده يبقى كرم منه أما خلص عليا وتواني.
أنهت حديثها وهي تدخل لإحدى الغرف تبدل ثيابها، ثم وضعت الحجاب أعلى رأسها تتخيل ردة فعل داوود العاصفة، فهي تعلم أنه من ذلك النوع الهادئ، لكن حينما تثور ثائرته سيحيل المكان لجحيم، أولم تره بالفعل حينما غضب لثواني معدودة من حامد، ثواني فقط ورأت جحيم يعلو وجهه ..
ابتلعت ريقها ترفض أن تنتظر لتعلم ردة فعله على ما حدث، سيغضب، بالطبع سيفعل، فحتى إن كان عاشقًا لها فلن يحب أن تضعه والدته في مثل هذا الموقف، فما بالكم وهو يشتعل غضبًا كلما رآها ..
_ قاعدة تقول سمنة على عسل سمنة على عسل، لما ابنها هيجي يعملني سمنة .
تنفست بصوت مرتفع وهي تنظر لجيهان تعطيها الثوب قائلة:
_ اتفضلي يا حجة جيجي ده فستانك، فلوسي ابقوا ابعتوها فودافون كاش، هبعتلك الرقم واتساب، بس لما يهدى مش لازم دلوقتي عشان ميتعصبش ويحلف ما يبعتلي .
رمقتها جيهان باستنكار لما تفعل :
_ يا بنتي فيه ايه ما تهدي كده، محسساني أن الواد هيجي ياكلك، بعدين يعني حصل ايه لكل ده، ده عادي يعني أنا هقوله على الموضوع وهو هيفهم ..
ألقت افكار حقيبتها ارضًا تقول :
_ الظاهر يا جيجي أنك مش فاهمة، ابنك ...يطيق العمى ولا يطيقني ده جه آخر مرة رجعني الشغل على حباب عينه يا ختي .
تنفست جيهان بحنق :
_ أنتِ اوفر على فكرة، هو عادي و....
توقفت عن الحديث حينما قاطعتها افكار وهي تحمل حقيبتها :
_ طيب انا هسيبك تستقبلي العادي، ده ابنك ...ابنك يعني آخره زعيق من غير أذية إنما أنا لا، يا روح ما بعدك روح، أنا لميت كل حاجتي .
_ حاجة ايه دي اللي رايحة جاية تلميها يابنتي ؟!
_ الخيط بتاعي، بس فيه فردة شبشب مش لقياها، الله يكرمك لو لقيتيها خبيها وانا يبقى اجي أخدها، ودلوقتي فوتك بعافية.
ختمت حديثها تركض للخارج بسرعة كبيرة ولم تنتبه لداوود الذي كادت تسقطه ارضًا، نظر لها داوود بعدم فهم لشحوب وجهها :
_ فيه ايه يا افكار مالك ؟؟
نظرت له ثواني قبل أن تقول بهدوء :
_ عندك امك جوا اعرف منها، سلام .
نظر لها داوود بعدم فهم وهو يتحرك لداخل المنزل مشيرًا على الباب :
_ هي مالها افكار كده خارجة كأن فيه عفريت بيجري وراها، حصل ايه ؟!
ظهر التوتر والخوف على ملامح جيهان التي حاولت فتح فمها والحديث بما حصل، لكنها فشلت بسبب نظرات داوود المراقبة وهذا لم يساعد داوود ابدا في الاطمئنان ..
إذ اقترب من والدته يقول بريبة :
_ حصل ايه يا امي، عملتي ايه أنتِ والمصيبة اللي اسمها افكار ؟!
رفعت جيهان يدها تحاول الكلام :
_ هو ...هو يابني والله ...اللي حصل أنه غضب عننا يعني الموقف هو اللي حكمنا .
_ أيوة الموقف واللي حصل، ايه اللي حصل ؟! وايه الموقف ؟؟
ابتلعت ريقها وهو اقترب اكثر يقول بريبة وملامح بدأت تحتد :
_ عملتي ايه يا حجة جيجي ؟؟
نظرت له جيهان ثواني قبل أن تقول دفعة واحدة ودون توقف وكأنها تود إزاحة المصيبة عن كاهلها :
_ اصل احنا كنا في خطوبة روضة ...
اقترب منها داوود يقول بأعين متسعة يتساءل متمنيًا أن تكذب ظنه :
_ روضة مين ؟؟
_ روضة ..خطيبتك القديمة.
_ روحتي خطوبتها ؟؟
ابتسمت له بغباء :
_ لا استنى متتعصبش دلوقتي ما هو مش دي المشكلة، المشكلة إن هناك البت قلت ادبها وقعدت تلقح عليك يا حبيبي وأنت عارف انا مطيقش عليك الهوا هي تطول بنت الـ
ازداد غضب داوود يقول بصوت محتد:
_ اخلصي يا امي عملتي ايه ليها ؟؟
كان يتحدث بنفاذ صبر لتأتيه الصدمة وهو يسمع حديث جيهان تقول بصوت منخفض :
_ قولتلها أن خطوبتك بعد اسبوع على أفكار .
أنهت حديثها وهي تخفي وجهها ليظل داوود صامت، ثانية والثانية والثالثة حتى اهتزت جدران المنزل بصرخاته وهو يقول بجنون :
_ عملتــــــــوا ايـــــه ؟؟؟؟
__________________
مستلقي على الفراش بجانب طفله زياد بينما على الفراش الأخر ينام علي منذ وقت طويل قد خلد للنوم..
تاركينه يفكر في كل ما يحدث في حياته تحديدًا خلال الأشهر الأخيرة..
هل أرتكب خطأ حينما تزوج من أمنية؟!.
ما الخطأ الذي أرتكبه لم تشعر به زوجته لم تهتم لرغباته لم تعطيه الاهتمام الذي يستحقه كزوج بل قامت بالسخرية من طلباته، فتزوج من غيرها .
تزوج باكرًا ولكنه مازال شابًا يريد الشعور بالحب والاهتمام الذي لم تستطع ألاء فهمه أبدًا..
كلا، خاطب نفسه منزعجًا من اتهامه الثقيل النابع من قلبه الذي يخبره بأنه قام بظلمها بل هي من أجرمت في حقه لقد حاول معها أكثر من مرة ولكنها لم تبدي أي ردة فعل....
حاول وصف نفسه بأنه قد تسرع..
لم يتسرع في الطلاق منها لأنه أعطاها أكثر من فرصة ولكن من الممكن أنه قد تسرع في الزواج من أخرى وهو لم يتعافى بعد، بل لم يمهل نفسه الوقت لنسيانها فهو مازال يعشقها كالمجنون..
نعم يعترف لنفسه بأنه يعشقها لم يتحمل الفكرة بأنها قد تكون لغيره، فعل ذلك هو بكل حماقة منه وغرور رجل أحمق ولكنه لن يتحمل أن تكون ألاء لغيره..
ثم سأل نفسه في سخرية:
"طب وأمنية يا حامد؟!"..
أمنية!!!
لقد نساها وأهملها وكأنه يقوم بدور ألاء في تلك العلاقة!!
بات ظالمًا بعد أن كان مظلومًا..
هل كان مظلومًا حقًا ؟!
ولكن ما الذي يقع على عاتقه الآن؟!.
فهو لا يستطيع العودة بالزمن لتصحيح أخطائه بتلك السهولة....
الكثير من الاسئلة والحيرة التي لا يمتلك لها إجابات لذلك قرر أن يحاول النوم لا فائدة من اللوم والعتاب في بعض الأحيان فهو لن يستطيع تغيير شيء الآن على الأقل حتى لا يقوم بتزويد اخطائه، ويزيد طينه بلة....
______________
يبدو أن القلوب مترابطة ومتعانقة بشكل لا يفهمه أصحابها...
تجلس ألاء على الفراش في أحضانها صغيرتها مريم النائمة تسأل نفسها هل كان يستحق الأمر؟!!
هل والدتها كانت محقة من البداية حينما أخبرتها بأنها السبب في خسارة زوجها وأنها هي بإهمالها له هي من أعطت الفرصة لغيرها للتواجد في حياته وأنها هي من دفعت زوجها لفعل ذلك لأنها لم تهتم به؟!!.
ما الخطأ التي أقترفته؟!
كان يجب عليه أن يُقدر بأنها أم لثلاثة أطفال، نعم تحبه ولكنه ظل يحاول الظهور في موضع الفتى المدلل ولم يقدر حجم المسؤولية التي تقع على عاتقه وعاتقها يريدها فقط أن تتفرغ له ولكن كيف عليها أن تفعل ذلك؟!!!
لقد كبرت عائلتهما حتى ولو كان هناك من يساعدها تظل مسؤولية كبيرة عليها...
تذكرت أفعاله في خطبتها هو وأولادها لا تصدق هذا الهراء لقد قام بفضحها بشكل رسمي بمساعدة أطفالها..
وكذلك تذكرت شجاراته في منتصف الشارع على مرأى ومسمع من الجميع، وتحدثه بما لم يكن يجب أن يعبر جدران منزلهما، وهي فعلت المثل دون وعي .
كلاهما مخطئ بشكل يجعل من المستحيل تصحيح ما اخطأوا به .
هي أخطأت وهو ماذا فعل ؟؟
لا يرغب في زواجها بل يفعل هو ذلك ويتزوج من تلك الشمطاء التي تريد قتلها مثلما يريد؟!..
تنهدت بضيقٍ ثم قررت أن تخلد إلى النوم وتترك حنقها وغضبها وكل ما تريد التفكير به في الغد...
__________
تمتم داوود بحرج شديد وهو ينظر بخجل إلى صديقه المقرب سيف والذي بمنزله شقيق له:
_والله أنا مش عايز أتقل عليك....
قاطعه سيف بسخرية في البداية، ثم أسترسل حديثه بهدوء محاولا أن يرفه عن نفس صديقه بعدما قام داوود بقص كل ما حدث له مع والدته:
_والله عيب عليك، بطل الكلام اللي ملهوش لازمة ده وبعدين ده أنا ياما أتحايلت عليك علشان تيجي تبات معايا ما أنتَ عارف أنا علطول بايت لوحدي وأبويا وأمي وأخواتي البنات في الشقة تحت.
أبتسم داوود له فبادله سيف الإبتسامة وهو يقول:
_والله ده أنا المفروض أشكر أم حامد أو طنط جيجي علشان متزعلش أنها السبب أن داوود باشا هيبات معايا النهاردة.
أنقلبت ملامحه إلى أخرى عابسة وكأن ذكر سيف إلى اسم والدته كان يكفي ليجعل شجارهم يمر أمام عينه مرة أخرى..
_متفكرنيش يا سيف، أنا بجد مش مصدق اللي حصل ومش عارف ازاي تعمل كده.
يدرك سيف جيدًا بأن والدة داوود قد أخطأت خطأ كبير رُبما لو كان مكان داوود لقامت الحرب..
لكن ليس بوسعه أن يقوم بإشعال ناره أكثر بل على العكس هو يحاول التفكير في أي كلمات قد تجدي نفعًا وتجعل صديقه يشعر بالسكينة والهدوء...
ولأنه يعرف جيدًا بأن والدة داوود غريبة الأطوار والأمر يبدو أنه تزايد معها حينما كبرت في السن..
_أنا عارف يا داوود أن اللي حصل غلط بس يعني نحاول نفكر في الموضوع بشكل إيجابي.
خرجت ضحكة ساخرة من داوود وهو يقول:
_أه إيجابي اه، يعني لما أمي تروح خطوبة اللي كانت خطيبتي لا ومش بس كده تأخد المصيبة اللي اسمها أفكار معاها لا لا امي بتضحي مش بس كده تروح قايلالهم دي خطيبة داوود المفروض أنا أخد الأمور ببساطة صح؟!.
_هو أفكار دي يعني وحشة أوي كده؟!.
ضيق داوود عينه من هذا السؤال العجيب وعقد حاجبيه وهو يقول:
_قصدك أيه؟! هي المشكلة في حلوة ولا وحشة ولا المشكلة في اللي أمي عملته؟!.
تحدث سيف في عقلانية:
_مش القصد يعني حابب أعرف أنتَ شايفها شكلًا وكل حاجة ازاي، يعني فضول من كتر كلامك عليها ومن كتر حب أمك ليها حاسس أنك ظالمها شوية مهوا مفيش حد كله عيوب كده أكيد فيها مميزات أنتَ مش واخد بالك منها.
لوح داوود بيده دون اهتمام:
_فيها اللي فيها دي مش مشكلتي.
شعر سيف بأن صديقه يتهرب من الإجابة مما جعله يهتف في إصرار:
_بجد قولي شايفها ازاي شكلك ورأيك فيها وحاول تكون صريح بلاش تأفور وتكبر المواضيع.
أخذ داوود نفس طويل وحاول أن يجد مميزاتها فأخذ يسرد رغمًا عنه:
_أنا مقولتش أنها وحشة اوي، لو هتكلم من ناحية الشكل من كتر عمايلها مكنش عندي وقت أركز في شكلها ولا ده يهمني، بس هي فيها عيوب يمكن مش عيوب يمكن دي من طريقة تربيتها هي مختلفة عني خالص مختلفة عن أسلوب حياتنا تمامًا.
عقب سيف في حديث صديقه بنبرة هادئة تبث الراحة والطمأنينة في نفس صديقه:
_أيوة مختلفة عشان ده الطبيعي أنا عارف أنك ممكن تكون شايل منها بسبب أنها السبب في انفصالك عن روضة بس حاول تفكر في الموضوع بشكل تاني وكأن كل ده كان مقدر ومكتوب علشان أفكار دي تدخل حياتك ويحصل كل اللي حصل ده علشان حكمة أنتَ مش فاهمها، فكر مع نفسك يا داوود وأدخل نام وأهم حاجة تصالح أمك.
لم يقتنع ولكن دون وعي منه كان يعقب:
_أنا هصلي ركعتين وهخش أنام أحسن لأن التفكير هيجنني.
وبالفعل تحرك وهو يفكر للمرة الأولى في افكار كأنثى وليس ككارثة يتعامل معها في حياته، وللعجب وجد نفسه يبتسم دون وعي متذكرًا مواقفها ومساعدتها لوالدته .
___________________
في الصباح التالي .
يجلس على الفراش منذ ساعات دون حركة واحدة، نام بحالة واستيقظ بأخرى، لا يدري ما يحدث معه، أو ما يشعر به، تنفس بصوت مرتفع يمسح وجهه وهو يحدث نفسه بذهول :
_ ايه اللي بيحصل ؟؟ يكونش عملت ليا عمل طيب ؟؟
ثواني وسمع صوت رفيقه يصرخ من الخارج باسمه :
_ يا بني بقالي ساعة بناديك، مش هتيجي ولا ايه ؟؟ تعالى نفطر وبعدين سيبها على ربك وهو يدبرها و...
دخل سيف عليه وهو يتحدث بجدية، لكن فجأة قاطع حديثها صوت داوود الذي نظر له بريبة نظرات غريبة خاوية يقول :
_ أنا موافق، حاسس اني موافق .
نظر له سيف بعدم فهم ولم يدرك ما قال، لكنه اكمل ببساطة حديثه وهو يشير للخارج:
_ أنا جايب طعمية سخنة ومسقعة و...
_ أنا موافق... أنا موافق يا سيف .
قال داوود كلماته وهو ينهض عن الفراش ينفض عنه غبار الكسل وهو يردد بجدية وبلهفة :
_ أنا حاسس اني مستريح للموضوع، مش عارف ازاي بس انا مستريح وموافق .
حدق به سيف بصدمة وهو يراه يرتدي الحذاء ويخرج من الغرفة يقول بسرعة كبيرة حتى أنه كاد لا يفهم كلماته :
_ هروح اكلم امي وأشوف الموضوع ده معاها ولو كده هروح اتقدم ليها، و...
توقف عن الحديث ينظر لصديقه بريبة من نفسه :
_ هو ده طبيعي اللي بيحصل ؟! اني انام وأنا رافض الموضوع واصحى وانا مستريح ليه ؟!
هز سيف كتفه بجهل لا يدري ما يقول، ليتحرك داوود للخارج وهو لا يفهم حتى نفسه، هل ما يشعر به طبيعي، هو لا ينفر من أفكار أو يكرهها، لكنها تستفز كل ذرات صبره دون حتى أن تتحدث .
تنفس وهو يتوقف امام منزله بعد دقائق، دخل إليه ليجد الفوضى تعمه ووالدته قد أزالت جميع المفروشات وحركت جميع الاثاث في حملة تنظيف لم يرها منذ عامه العاشر ...
نظر في الارجاء بعدم فهم، يسير هنا وهناك يبحث عن والدته والتي سرعان ما ظهرت وهي تردد بصوت مرتفع بعدما ابصرته :
_ روح يا داوود يا بني الله يسامحك يا اخي دايما كده واجع قلبي .
أشارت داوود لنفسه بصدمة :
_ أنا ؟؟
لكن جيهان أكملت التحرك في كل المنزل وهي تقول بغيظ :
_ على طول كده، تيجي على البنت الغلبانة وتتعبني معاك، الله يسامحك يا اخي، فيها ايه يعني لو كنت اتخطبت ليها كام شهر وبعدين اتجوزتوا، الله يسامحك يابني ...
نظر لها داوود دون فهم، لكنه قال فجأة بلا أي مقدمات أو تمهيد :
_ أنا موافق .
لكن جيهان لم تنتبه لكلماته :
_ وبعدين ترجع تتكلم على الـ....ايه ؟؟ أنت قولت ايه ؟!
كانت تتحدث بصدمة واعين متسعة بعدما تركت كل شيء ليسقط ارضًا محدثًا صوتًا صاخبًا في نفس لحظة نزول حامد على الدرج وهو يفرك عيونه بنعاس :
_ فيه ايه هو العيد بكرة ولا ايه ؟؟
لوحت جيهان بيدها له أن يصمت :
_ اششش اصبر أنت لسه دورك جاي، أنا قعدالكم أنتم الاتنين انهاردة..... وأنت كنت بتقول ايه !! أنا سمعت صح ؟!
نظر داوود لوالدته وشقيقه وتنفس بصوت مرتفع وألقى كلماته دون أن يعلم ما يحدث له :
_ أنا موافق على موضوع الخطوبة ...
_____________________
ربما لحظة جنون قد تعيد حياتك لمسارها الطبيعي، أو ربما تلك اللحظة هي ما يعيد لك تعقلك ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الخامس عشر من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلو على نبي الرحمة.
كان من المقدر ينزل فصلين، لكن اعذروني قضيت يوم طويل بالخارج وللتو عدت مع صداع رهيب وفاطمة اعانها الله مشغولة بعض الشيء، لذلك باذن الله اعوضكم المرة الجاية لو الأمور اتيسرت .
قراءة ممتعة
__________
نظر داوود لوالدته وشقيقه وتنفس بصوت مرتفع وألقى كلماته دون أن يعلم ما يحدث له :
_ أنا موافق على موضوع الخطوبة..
لحظة!!!
هل ما سمعته حقيقة؟! أم أنها تتوهم؟!!..
سألت (جيهان) حامد الذي كان يقف بجانبها ببلاهة شديدة :
_هو اللي أنا سمعته ده صح يا واد يا حامد؟!!.
هز حامد رأسه في إيجاب مما جعل داوود يتحدث مؤكدًا على حديثه بشيء يدفعه من الداخل لا يفهمه حقًا، ولا يعرف ما الذي حدث بين ليلة وضحاها:
_أيوة يا ماما أنا موافق أتقدم لأفكار علشان اللي أنتِ قولتيه قدام الناس.
خرجت (زغروطة) رنانة من فم جيهان جعلت حامد يضع يده على أذنيه من قوتها، والتي قالت بعدها في حبٍ وهي تأخذه في أحضانها:
_ابني حبيبي داوود، اللي طول عمره مريح قلبي وعمره ما زعلني طول عمره متربي ربنا يخليك ليا يا ضنايا.
ضحك داوود وهو في حضن والدته التي تقوم بحبه وأحيانًا بكرهه فهذا يعتمد على الموقف نفسه، وعلى حسب رؤيتها للأمر هل هو ازعجها أم لا؟!.
أبتعدت جيهان عنه..
ووضعت يدها على رأسه قائلة بتوجس وقد تذكرت :
_واد يا حامد جس أخوك كده شوفه سخن ولا أيه؟!.
وضع حامد يده على رأس داوود متمتمًا بنبرة مسرحية فهو لا يفهم ما الذي ترغب والدته فعله:
_لا مش سخن يا ماما، زي الفل أهو.
تمتم داوود بعدم فهم:
_في أيه يا أما؟!!...
تحدثت جيهان في نبرة متوجسة وقلقة، جادة إلى أقصى حد:
_أحسن تكون الست اللي اسمها سكر ولا شاي دي عملت ليك يا ابني عمل، دي كانت مصممة أن أنتَ اللي في الكوشة جنب أفكار وأنكم جنب بعض، شكلها ليها صلة كبيرة مع اللهم أحفظنا يعني.
ثم أسترسلت حديثها بفزع:
_أحسن تكون البت أفكار أخدت قطرك ولا حاجة وأمها عملت ليك حاجة مهوا مش طبيعي تيجي تقولي تاني يوم أنا موافق.
لم يتمالك حامد نفسه ولم يستطع السيطرة على ضحكاته وكأنه قد خرج من همه بسبب كلمات والدته وبدأت الصورة تضح له قليلا ولكن والدته تضحكه على أية حال...
بينما داوود تحدث ساخرًا:
_يا أمي بطلي تفكري بالطريقة دي وبعدين أنا وافقت مني لنفسي هديها فرصة أعرفها بعيدًا عن أي حاجة وهو مجرد تعارف هنشوف هيوصلنا لفين.
مالت جيهان على حامد قائلة في نبرة هامسة:
_أقطع دراعي يا واد يا حامد أنه مجرد ما هيروح هيكتب على البت دي أمها شكل سرها باتع ده أنا هرقي نفسي قبل ما أدخل بيتهم تاني دي ولية عقربة وشكلها شديدة.
هتف حامد مداعبًا والدته في نبرة مرحة لا تصل إلى داوود:
-والله شوقتوني أشوف الست دي.
قاطع داوود هذا الهمس في نبرة هادئة:
_ربنا يهني سعيد بسعيدة أقعدوا كده ودودوا في ودن بعض وأرجعوا اشتكوا أنا على العموم داخل أنام ساعتين.
غمغمت جيهان في استغراب وهي ترمقه بنظرات مغتاظة:
_طب والبت أفكار هنروح ليها أمتى؟!..
قال داوود بلا وعي منه وبتلقائية شديدة وهو يتوجه صوب الغرفة:
_بكرا بقا....
وبعد رحيله قالت جيهان وهي تجذب حامد خلفها ناحية المطبخ وهي تمسكه من يده وكأنه طفل صغير:
_تعالى نبخر البيت يا ابني ونشغل سورة البقرة...
____________
خرجت سكر من الغرفة الخاصة بها في الصباح وهي تردد بعض الأدعية الصباحية المعتاد سماعها في بعض المناطق، تتحرك بصعوبة بسبب وجع فقراتها :
_ يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، بتاع الروبابيكيا معداش انهاردة ولا ايه ؟؟ راحت عليا نومة بسببه الله يسامحه.
فجأة توقفت عن الحديث شاهقة برعب حينما أبصرت جسد ابنتها تجلس وسط بهو المنزل الضيق وحولها حقائب من أدوات الزينة التي كانت قد ألقتها فوق خزانتها حينما عادت للعمل .
_ بسم الله الحفيظ، ايه اللي لسه مقعدك هنا يا بنتي؟؟ مروحتيش الشغل ليه يا للي اقول عليكِ ايه ؟! عايزة المدير يطردك ونتشرد ومنلاقيش ناكل تاني؟؟.
رفعت أفكار عيونها لوالدتها، ثم تمطأت بكسل فهي لم تحظى سوى بساعات نوم قليلة طوال اليوم بسبب تفكيرها بما حدث معها، وهل كان يستحق هربها من العمل أم لا؟!
حسنًا على أية حال كان داوود سيطردها في نهاية المطاف، فلا ضير أن تسبقه هي وتعود لعملها وشغفها الذي نمى داخلها في نصف ساعة فقط .
_ مش هروح الشغل تاني يا أما.
ضربت سكر صدرها بفزع مرددة :
_ اتطردتي يا حزينة تاني ؟؟
_ لا أنا استقالت بنفسي محدش طردني .
فجأة انتفضت حينما شعرت بعكاز والدتها يهبط فوق رأسها وهي تقول بغضب :
_ ومالك مبسوطة كده ليه يا كبد امك ؟؟ هنصرف ونأكل منين ياختي ؟!
تأوهت أفكار بغيظٍ شديد :
_ ايه ياما الهزار التقيل ده بس ؟؟ أما تنامي من غير عشاء ابقي اتكلمي، أنا اساسا هرجع افتح الكوافير الحريمي بتاعي تاني، بلا قلة قيمة وبهدلة بيوت .
أدركت والدتها سوء مزاجية ابنتها لتجلس على الأريكة جوارها مرددة بحنان غريب لا يتناسب البتة مع تصرفاتها السابقة :
_ مالك يا حبيبتي، مالك يابنتي شكلك كده دبلان ؟! الواد اللي وشه مقلوب طول الوقت ده هو اللي نكد عليكِ كده ؟!
نفت أفكار برأسها ثم أخذت تقص على والدتها ما حدث بالكامل وحينما صمتت قالت بعد تنهيدة طويلة :
_ وعشان كده سيبت الشغل وقعدت .
وعقل سكر لم يخرج سوى باستنتاج وحيد لما قالت :
_ سيبتي الشغل عشان هتتجوزي؟؟ لا بقولك ايه يا بنت بطني، لو فاكرة أنك لما تتجوزي هتتدلعي وتقعدي في البيت تبقي غلطانة، شغلك أولا ثم جوزك، اه مش عايزين مرقعة فارغة .
_ ياما أنا بقولك ايه وأنتِ تقولي ايه، بقولك أمه اللي لبستنا في الجوازة دي وهو لو عرف هيطين عيشتي .
شهقت سكر تقول بحدة :
_ ليه فاكرنا ايه الاستاذ ده منشبهش ولا منشبهش ؟؟
فجأة انتفض الاثنان على صوت رجولي يصدح بالقرب من الباب الداخلي للمنزل :
_ هو مين ده اللي فاكرنا منشبهش ؟؟
تحركت أنظار افكار بسرعة صوب ذلك الجسد الذي يقف أمامهم لتقول بملامح منكمشة وهادئة بعض الشيء :
_ مش حد، ده أنا وأمك كنا بنتكلم في حوار كده عادي ..
كان يبدو واضحًا للغبي أن افكار تحاول تلاشي أي تدخل من شقيقها الأكبر، أبعدت عيونها عنه وهي تعيد ترتيب ما يقبع في يدها، لكن فجأة رفعت رأسها بحدة لوالدتها التي قالت بحسن نية ودون أن تعلم شيئًا ..
_ ده المدير اللي اختك بتشتغل عنده واللي أمه عايزة تجوزه اختك .
اتسعت أعين افكار من حديث والدتها وقبل قول كلمة انتفض جسدها على صوت شقيقها الصاخب وهو يقول بجنون وهو لا يفهم أي شيء من الأساس، حتى لا يعرف مع من تعمل شقيقته بالضبط:
" وهي الحلوة رايحة تشتغل ولا توقع المدير ؟؟ ايه شغل الرخص ده ؟؟
انتفض جسد افكار بقوة تقف قبالة شقيقها تصرخ دون ذرة خوف:
_ اخرس قطع لسانك ولسان أي حد يقول عني كلمة عاطلة، الرخص ده ليه ناسه يا حبيبي وهما عارفين نفسهم، وانا الحمدلله في حياتي كلها ما عملت حركة رخص وعايشة بشرفي الدور والباقي على اللي رافع الرخص شعار في حياته.
اشتعل عيون شقيقها يهسهس جوار أذنها بشر :
_ قصدك ايه ؟؟
_ اللي فهمته يا غالي ويلا شد عجلك عشان عندي شغل ودلوقتي البيت هيتملي نسوان ومينفعش تكون موجود ..
نظر لها شقيقها بشر وقال :
_ بتطرديني من بيت ابويا يا أفكار؟؟
_ لا مش بطردك يا حبيبي بس انت اكيد مترضاش تفضل واقف والبيت كله نسوان، ثم بيت ابوك مين يا ضنايا ؟؟ مش ده البيت اللي كان أبوك الله يرحمه واخده إيجار قديم وأنا اللي بعدين اتملكته علشان منترميش أنا وأمك في الشارع وولا أنتَ ولا اخوك دفع جنية ولا فكر يساعدنا.
صمت شقيقها وهو يتنفس بحدة :
_ على العموم أنا كنت جاي اشوف امك ومفكر أنها لوحدها، مهانش عليا تكون لوحدها .
_ أصيل يا حبيبي .
تجاهل بسمة افكار المستفزة وهو يقبل رأس والدته ثم همس لها بكلمات بصوت منخفض كي لا تسمعه افكار وبعدها ابتعد، لتقول سكر وهي تربت على ظهره :
_ ماشي يا قلب أمك روح أنت وأما افكار تمشي من البيت هرن عليك تيجي عشان تقعد معايا لوحدك وتقولي الموضوع المهم اللي عندك .
اتسعت عينه لتطلق افكار ضحكات صاخبة وهي تقول :
_ الله يباركلك يا سكر مش بتستري خالص، كده بوظتي خطة الشاب ؟؟ على العموم ريح نفسك يا حبيبي لازقة ليكم ومش متحركة، لو عايز حاجة من امك ابقى تعالى خدها وأنا قاعدة .
رماها شقيقها بشر ثم تحرك للخارج تحت أنظار أفكار المغتاظة، تنفست بصوت مرتفع تتحرك بعيدًا عن البهو كي ترتب الغرفة استعدادًا لاستقبال النساء مرة أخرى ...
____________
على وشك أن ترتكب جناية منذ ليلة أمس...
لم تقم بإزعاجها، بل هي من فعلت ذلك بكل براعة، لم تحقق شيئًا مما كانت تريده وهو النيل منها، تلك المرأة التي منذ خطبتها بابنها لم تحبها يومًا، دومًا تشعر بالضيق تجاهها وكان الشعور متبادل فكانت جيهان تمنح حبها وتعاملها اللين للجميع عداها !!.
لقد قامت بدعوتها ولم تتوقع إتيانها ظنت أنها لن تأخذ تلك الدعوة على محمل الجد رُبما تنزعج فقط لكن لم يأتي في عقلها بأنها سوف تأتي ومعها تلك الشمطاء، بالإضافة إلى إعلانها الصريح جدًا بأن داوود سيتزوجها...
منذ رؤيتها في السوق وقتها شعرت بأن تواجد تلك الفتاة مع داوود شيء عجيب!!
ولكن كيف؟!!..
ومن تلك الفتاة التي ولجت إلى حياته بعدها فهي تعرف جيدًا بأن داوود ليس من أنواع الرجال الذي قد يسمح لأمراة تدخل حياته بسهولة هي نفسها سعت كثيرًا وكثيرًا حتى يراها ويشعر بها كانت تتردد يوميًا تقريبًا على المتجر الخاص به والذي كان يذهب له قليلًا بسبب عمله في البنك، فكانت تتحين أوقات وجوده، يوم لأنها تريد شراء عطر مميز لوالدها..
واليوم الأخر هدية إلى صديقتها وأحيانًا تتفق مع صديقتها بأن تذهب معها من أجل شراء عطر لوالدها او خطيبها فعلت الكثير والكثير لجذب رضاه..
توقفت عن تلك الأفكار، ثم أخذت نفس طويل فهي ستموت من فرط تفكيرها في الأمر بتلك الطريقة.
دخلت والدتها الغرفة متمتمة حينما وجدتها على تلك الحالة:
_أيه مالك يا روضة ؟!.
كانت تسأل سؤال تعرف إجابته لذلك تحدثت روضة بغضب شديد:
_يعني أنتِ مش عارفة أيه اللي فارسني يا ماما من امبارح؟! والله لأوريه.
تحدثت والدتها في سخرية:
_توري مين؟!.
_داوود وأمه.
غمغمت والدتها في انفعال:
_أنتِ مالك بيهم أصلا؟!! عزومتك ليهم من الاول غلط العيب على أبوكي اللي ماشي وراكي في كل حاجة وبعدين مش داوود ده اللي أنتِ سبتيه وقلبتي عليه مرة واحدة علشان سبب تافه وأنتِ عارفة أنه استحالة يعمل كده، شاغله بالك بيه ليه دلوقت ياست هانم؟؟.
أردفت روضة بجنون وعتاب غريب:
_هو أنا كل ما أتكلم كلمة تقعدي تلومي فيا، ده أنتِ أمي حتى.
_هو علشان أكون أمك أعوم على عومك وامشي على هواكي وأوافقك على العك اللي بتعمليه؟! ركزي في حياتك وفي الراجل اللي أنتِ لابسه دبلته وملكيش دعوة بحاجة تانية ربنا يهديكي يا بنتي.
نهضت روضة وتوجهت صوب الخزانة وأخذت ملابس لها حتى تأخذ حمام بارد لعل الماء البارد يخمد النار المشتعلة بداخلها وحتى تهرب من والدتها حتى لا يدب شجار بينهما لا تعرف نهايته فهى لا تتحمل أي شيء.
___________
صنعت كوب شاي لها ولحامد بعد نوم داوود وقرار حامد بأنه لن يذهب إلى المعرض اليوم هو فقط يريد العيش والجلوس في هدوء دون الاختلاط بأي حد أو سماع أي شيء قد يُعكر صفوه..
جلست جيهان قائلة في إرهاق:
_الواحد مبقاش حمل يقف يعمل حتى كوبيتين شاي.
ابتسم حامد ثم غمغم بهدوء:
_كنتي قولتيلي وأنا أعملك ياست الكُل هو أنا يهمني غير راحتك و....
قاطعته جيهان في تهكم وهي تنظر له نظرات ساخطة:
_أيوة بقا أدخل في دور الملاك اللي مش لايق عليك هو في حد غيرك معلي ليا الضغط؟!..
أنقلبت ملامح حامد المبتسمة إلى أخرى منزعجة وبعد أن تفرست والدته ملامحه ورأت هذا التغيير الجذري...
غمغمت جيهان في نبرة هادئة محاولة الخفض من انفعالها:
_هتروح ترجع مراتك امتى؟! هو أنتم لحقتم يا ابني؟!.
بلا اهتمام كان حامد يقول:
_بعدين.
نظرت له جيهان في عدم فهم:
_هو أيه اللي بعدين يا حامد؟! عيب عليك مينفعش تسيب مراتك كده لازم تروح تراضيها وترجعها بيتكم مش هيبقى خراب من كله وخلي مشاكلكم جوا بيتكم.
أردف حامد بنبرة جادة نادرًا ما يستعملها:
_ماما أنا محتاج أصفي دماغي شوية أنا محتاج أفصل لو روحت رجعتها هنتخانق تاني برضو هي محتاجة تصفى وأنا محتاح أصفى وكل واحد يهدى ويخرج اللي جواه، لو أحنا الاتنين مولعين الدنيا هتخرب.
_البعد بيولد الجفاء يا ابني...
لو كان كذلك حقًا...
لِم لم يبرد قلبه من ناحية ألاء؟؟!
لِمَ لم ينساها؟!!!!..
___________
على الجانب الأخر أمنية كانت تتحدث بجنون:
_أياكِ تكلميه يا ماما وترخصيني لو مجاش منه لنفسه أنا مش عايزاه مش هقلل من كرامتي.
كادت والدتها أن تتحدث بمثلها الشهير الذي تتبعه بعض النساء دون إدراك لمعنى تلك الكلمات، كلمات معناها مريب، لكن البعض مقتنع بها تمام الاقتناع .
"مفيش كرامة بين الراجل ومراته".
لكن أوقفتها أمنية بإشارة من يدها وهي تستلقي على الفراش:
_أرجوكي سبيني أمشي حياتي زي ما أنا عايزة وسبيني لوحدي..
بقلة حيلة تركتها والدتها مؤجلة الحديث معها إلى وقت أخر...
______________
يجلس في المنزل في انتظار انتهاء والدته من تحضير الطعام كي يتناول غداءه ويعود مجددًا لمحله لحين انتهاء فترة العمل، لكنه أحب أن يستغل تلك الفترة ويتحدث مع ابن شقيقه حول ما حدث بخطبة آلاء...
_ تعالى يا علي عايزك ..
اقترب منه علي " طفل حامد البكري"، ثم جلس جوار عمه مبتسمًا بلطف يقول :
_ نعم يا عمو ..
ابتسم له داوود يضمه أسفل ذراعه بلطف شديد، ثم مال عليه يقبل رأسه قائلًا بود ولهجة لينة حنونة :
_ مش احنا اتفقنا يا علي أن احنا كبار وعاقلين وكمان صحاب وأي حاجة تقولي عليها ؟؟
اومأ علي موافقًا حديث عمه، ليبتسم له داوود أكثر ويقول :
_ طيب ليه عملت اللي عملته في خطوبة والدتك يا علي ؟! دي حركات ناس كبار وعاقلين ؟!
نظر علي أرضًا يشعر بالخجل من عمه، ليتنهد داوود :
_ علي يا حبيبي اللي عملته أنت واخوك غلط، مينفعش نتدخل في حوارات بابا أو ماما، هما كبار وبيعرفوا يصرفوا أمورهم، وكمان باللي أنتَ عملته ده ظلمت ماما، أنت حابب تظلمها ؟؟
اتسعت عين الصغير من كلمات عمه :
_ اظلمها ؟؟ أنا بس مكنتش حابب تتجوز حد غير بابا .
شعر داوود أن أفكار الصغار معقدة وهو لا يود أن يقحمه في أمور تفوق عمره وتفكيره :
_ حبيبي دي أمور كبار، بابا وماما ناس عاقلين وعارفين اللي عايزينه وللاسف متفقوش مع بعض وعشان كده افترقوا بالحسنى وكل واحد منهم عايز يعيش حياته بهدوء، وده مش معناه أنهم نسيوكم، لا أنتم لسه عيالهم وهما لسه بابا وماما، لكن لو احنا مش سعداء مع بعض مينفعش نجبر نفسنا نعيش سوا صح ؟؟
اومأ الصغير وهو يفكر في كلماته عمه ليكمل داوود :
_ بابا وماما للاسف مش مستريحين مع بعض وعشان كده قرروا ينفصلوا وكل واحد يعيش مع اللي هيسعده، وباللي عملتوه ده وقفتوا في وش سعادة ماما وزعلتوها، حتى لو بتغيروا على ماما وعايزينها ليكم لوحدكم، روحوا وكلموها وهي تفهمكم بالراحة مش تعملوا اللي عملتوه ده، احنا ناس كبار ومحترمين ومش هنفرح لما حد يقول إن تربية آلاء وحامد مش كويسة صح؟!.
هز علي رأسه بنعم ينظر أرضًا خجلًا مما فعل، وداوود ضم رأسه له مقبلًا إياها بحب :
_ جدع يا علي، ياريت تروح مع اخوك بكرا و تعتذر لماما عشان اللي عملتوه غلط .
هز الصغير رأسه، ثم ضم خصر داوود يقول بحب :
_ حاضر يا عمو بس متزعلش مننا عشان احنا بنحبك اوي.
_ حبيبي انا مش زعلان منكم خالص .
ابتسم علي ثم قال :
_ احنا كلنا بنحبك اوي أنت وافكار .
شرد داوود بمجرد ذكر اسم أفكار، يشعر بفراغ وخواء غريب في المنزل لغيابها، يبدو أنه اعتاد ضوضائها ووجودها حوله، ابتسم قائلًا .
_ بتحبوا افكار ؟!
_ اوي اوي يا عمو أفكار دي صاحبتنا اساسا بتحبنا اوي واحنا كمان بنحبها، بس مش عارف هي فين ؟؟ هي ليه سابت البيت وسابتنا ؟؟
ابتسم له داوود ثم قال بهدوء :
_ لا يا سيدي هي بس استأذنت يوم عشان تعبانة، وانا بكرا هروح ليها عشان اخطبها بإذن الله، وأنتم في الوقت ده تروحوا لماما اعتذروا ليها .
انتفض الصغير بسعادة كبيرة يصرخ دون تصديق وهو يركض في المنزل تحت أعين داوود المصدومة :
_ عمو داوود هيتجوز افكار وهيجيبها تعيش معانا على طول وتعملنا كنافة يا زياد .
اتسعت أعين داوود بصدمة مما يحدث قبل أن تصل له صرخات سعيدة من الصغار يرددون أن افكار ستعيش معهم للأبد وتصنع لهم حلوى الكنافة يوميًا.
التوى ثغر داوود يردد بحنق :
_ بتوع مصلحتكم زي ابوكم بالضبط.
___________
في اليوم التالي.
كان الجميع يقف أمام المنزل ينتظر داوود الذي خرج يرتدي بدلة راقية وجميلة وقد كان في أكثر حالاته تألقًا، وبمجرد أن خرجت أخذت جيهان تطلق زغاريد عالية رسمت بسمة واسعة على فم داوود دون أن يشعر.
توتر كبير يشعر به ولهفة غريبة لم يشعرها سابقًا ولا حتى في خطبته الاولى من روضة، تنهد ينظر لحامد الذي كان يرتدي قميص وبنطال خامة الجينز يبتسم له :
_ ايه الحلاوة دي يا داوود ؟؟
_ تسلم يا حامد، أنتَ كمان شياكة انهاردة .
ابتسمت جيهان ثم أخذت تتلو الآيات تحصن ابناءها وهي تردد :
_ ربنا يبعد عنكم كل عين يا حبايبي يارب، وجوازتك تكمل على خير يا داوود، ويهديلك الحال يا حامد.
رفع حامد حاجبه ثم قال :
_ العيال عند امهم صح ؟؟
هزت جيهان رأسها بايجاب ليغلق حامد باب المنزل بالمفتاح يتحرك صوب سيارته قائلًا :
_ طب يلا عشان منتأخرش على الناس .
تبعه داوود يقول ساخرًا:
_ نتأخر ايه؟؟ هما ميعرفوش اساسا أننا رايحين، امك بتتبع خطة الهجوم وعايزانا نطب عليهم عشان ميعرفوش يهربوا مننا، بصراحة أنا كنت بفضل أننا نقولهم الأول.
عقبت جيهان بعفوية:
_لا خليها مفاجأة كده يا ابني هيفرحوا أكتر.
أطلق حامد ضحكات مرتفعة بينما جيهان رمقت ابنيها بغيظ شديد تسير معهما صوب السيارة وداوود ضمها بحب شديد يهمس لها :
_ يلا يارب بس تكوني راضية يا حجة .
ابتسمت له جيهان بسمة واسعة :
_ طول عمري راضية عنكم يا حبيبي.
وعند أفكار .
كانت تجلس كعادتها في الغرفة التي تطل على الشارع الرئيسي، وعلى النافذة هناك نساء تجلس حتى تجف وجوههن كما اخبرتهن افكار، وفي ركن الغرفة تجلس سكر كعادتها وحولها النساء بفناجين القهوة الفارغة كي تمارس هوايتها المفضلة دون وضع اعتبار لأي شيء أو لحرمانية ما تفعل، وكيف تدري ذلك وقد نشأت سكر وغيرها من النساء في تلك الغرفة في بيئة خصبة لنمو وانتشار الجهل كما لو كان وباء سريع الانتشار .
مشهد يتكرر مجددًا وكأن الشريط يُعاد .
_ يووه ما تثبتي يا ستي خليني اعرف ارسملك الانيانير ( الايلاينر ) شغلة ايه الهباب دي بس ؟!
ابتسمت السيدة والتي كانت تضع رأسها على فخد أفكار:
_ بالك يا بت يا أفكار لو الميكب ده عجب جوزي ليكي الحلاوة ومش هعمل غير عندك .
امتصت أفكار شفتيها وهي تجذب رأس السيدة أكثر كأنها ستخلعها :
_ ألا يعجبه، ده هيعجبه ويعجبه ويعجبه، ولو معجبوش يبقى مش بيفهم، أنتِ بتتعاملي مع اجدعها كوافيرة حريمي في المنطقة يا ختي .
تحدثت امرأة ممن يجلسون على النافذة :
_ اجدع كوافيرة أيه بس يا افكار، هو أنتِ كنتِ تعرفي حاجة ؟؟ ده أنتِ لسه فاتحة المكان من كام يوم بس .
نظرت لها أفكار تقول بحاجب مرفوع :
_ عشان ياختي مكنتش بشتغل غير مع الممثلين والناس الهاي بس، بروفيشنال يعني، بس قولت في الآخر اجي انضف ستات حارتي أولى من الممثلين دول، طب تعرفي اسم الله عليها الممثلة اللي بتلبس جلد النمر دي؟
_ ياسمين صبري ؟؟
_ أيوة هي دي، اهي دي مترضاش ايد تندب في وشها غيري، تموت كده ولا تقبل أن أي واحدة تعملها ميكب ارتست غيري، طب دي مرة كانت هتأجل مسلسلها بتاع رمضان عشان قولتلها مش فاضية احطلك ميكب ارتست، ياختي هرتني اتصالات وكل شوية تتحايل عليا.
اتسعت عين السيدة تقول بلهفة :
_ بجد يا بت يا افكار ؟!
مضغت أفكار العلكة تقول بتكبر واضح تروج لعملها بطريقة احترافية :
_ يووه وأنا هكدب عليكِ، من امتى وأنا بكدب عليكم يعني ؟؟
كادت السيدة تتحدث لولا صوت سيدة تقول بصوت مرتفع :
_ الله مش ده نفسه عريس أفكار ؟؟ ده جايب أمه وواحد أقرع معاه وورد وجايين، يكونش هيلبسوا الدبل؟؟ مفيش فايدة فيكي يا أفكار برضو مصممة تشتغلي في الأيام المهمة.
رفعت أفكار عيونها بتعجب صوب النساء لتسمع صوت الهمسات تزداد، ثم فجأة اندلعت أصوات الزغاريد عاليًا مما جعلها تبعد رأس المرأة عنها تتحرك صوب النافذة تنظر منها لتصدم بوجود داوود ببدلة سوداء وقميص أسود وهيئة مدمرة، يحمل بين يديه بعض الورود وجواره جيهان تقف مبتسمة وحامد يحمل حقائب كثيرة.
اتسعت عيونها لا تفهم ما يحدث، خرجت من المنزل بعدما بصقت العلكة، وهي تردد بعدم فهم :
_ هو فيه ايه ؟؟
وقفت أمام المنزل لترى داوود يتوقف أمامها مبتسمًا بسمة غريبة عليه تحديدًا أمامها، نظرت أفكار خلفه لحامد وجيهان :
_ ايه جايب المرة دي اخوك زيادة عشان تقنعني ارجع الشغل يعني ؟! لا بقولك ايه الحوارات دي مش هتاكل معايا تاني ولو زودت مرتبي للضعفين، أنا اتنازلت مرة ومش هعملها تاني و...
قاطعها داوود ليقول ببسمة ودون مقدمات يقاطعها قبل الانجراف في خطبة عصماء من لسانها :
_ لا المرة دي مش جاي عشان الشغل، المرة دي جاي عشان اتقدم بجد يا أفكار ....
____يتبع____
وكأن المشاهد القديمة تُعاد، كي تغير الماضي وتحسنه، نفس المشهد لكن النتيجة مختلفة .
للبنات اللي بتحب الروايات اللطيفة والرومانسية والاجتماعية وشوية كوميدي، هتلاقي فاطمة منزلة رواية جديدة اسمها ديجور الهوى، الرواية رائعة بكل المقاييس سوا بأبطالها أو القصص، واللي حقيقي حبكتها رائعة، والبطلة مختلفة شوية لأنها راقصة وحوارات كتير في إطار رومانسي كوميدي اجتماعي .
الرواية باسم ديجور الهوى هتلاقوها على صفحة فاطمة
FatmaSultan947
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه .
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رحمة نبيل
الفصل السادس عشر&السابع عشر من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
__________
قال داوود كلمته وترك صداها يرن داخل عقل افكار لدقائق أو ساعات أو ...لا تعلم كم من الوقت ظلت واقفة بهذا الشكل وهي تراه يبتسم لها بعدما قال بكل بساطة أنه يود التقدم لخطبتها، أو مهلًا ربما اساءت هي فهمه، ربما لم يأت للتقدم لها ويقصد معنى أخر من كلماته، لا تدري، لكن ما تعلمه أنه من المستحيل أن يتقدم داوود بالفعل لخطبتها، هذا مستحيل....
وداوود الذي لاحظ ملامح الاستنكار تعلو وجهها، تنحنح ثم قال :
_ مش هتدخلينا عشان نتكلم جوا ولا ايه يا افكار ؟!
_ نتكلم في ايه ؟!
رفع داوود حاجبه وقال مجددًا نفس ذات الكلمة التي تسببت في حدوث خطأ داخل أسلاك عقلها منذ ثواني :
_ موضوع الجواز يا أفكار.
شهقت أفكار بقوة ليتراجع داوود مرتابًا، وهي نظرت حولها تحاول الاستيعاب، وبعدها نظرت له مشيرة على نفسها :
_ أنا ؟؟ جاي تتقدم ليا أنا ؟؟
هز داوود رأسه بنعم لتتسع بسمة أفكار المصدومة شيئًا فشيء، ثم تحركت بسرعة كبيرة داخل المنزل الخاص بها تصرخ بعدم تصديق في النساء:
_ يلا يا حبيبتي منك ليها، يلا فضينا المولد، كل واحدة تروح تشوف مصالحها .
تحدثت امرأة بحنق شديد :
_ يووه هو ايه أصله ده يا افكار يا اختي، هو كل ما الجدع ده يجي تطردينا كده ؟! ايه خايفة الباشا يشوف خطيبته بتشتغل ايه ؟! بتستعري من شغلك ولا ايه يا أفكار !!
قالت أفكار وهي تدفع السيدة :
_ أنا بستعر منكم انتم شخصيا والله يا سامية .
شهقت سامية لتطلق أفكار ضحكات صاخبة وهي تخرج النساء من الغرفة :
_ كل واحدة تقعد في حتة ناشفة في البيت عشان تنشف، اقولكم خلوا اجوازكم يقبلوكم بشكلكم ده وبطلوا فرك شوية وكل يوم عند الكوافيرة .
خرج الجميع وهم يتهامسون بحنق شديد على ما تفعل أفكار، بينما داوود يراقبهم هامسًا بعدم فهم :
_ هم الستات دول منشفوش من آخر مرة ؟؟ أنا كل ما اجي الاقيهم في الشباك بيزغرطوا، ولا دي وظيفتهم ولا ايه بالضبط ؟؟
ضحكت أفكار تدعوهم للدخول على الرغم أنها لم تصدق حتى الآن وكأنها في حلم، وكما حدث آخر مرة جلس الجميع على الطاولة التي تقبع في غرفة الضيوف، لكن هذه المرة بوجود حامد الذي كان يحدق حوله بفضول شديد قبل أن تقع عيونه على سكر التي ابتسمت له وهي تقول بصوت منخفض مخافة أن يستمع لها داوود :
_ بقولك ايه يا أقرع يا قمر أنت، ما تيجي اقرألك الفنجان ؟؟
اعتدل داوود في جلسته وهو ينظر صوب أفكار يقول بجدية كبيرة :
_ زي ما قولت برة يا افكار أنا كنت جاي وحابب اطلب ايدك للجواز..
تنفست أفكار بعنف وهي تحاول تصديق ما تراه وتسمعه :
_ أيوة بس...بس حضرتك ...يعني ...
صمتت تحاول أن تقول ما تفكر به، منذ متى وينظر لها داوود نظرة الرجل لامراة يرغبها بالزواج، هي لطالما ظنت أنه ينظر لها نظرة المبتلى للمصيبة...
هي لا تصدق ذلك، وفي الوقت نفسه لن تنكر الفرحة العارمة التي دبت في أوصالها...
ابتسم داوود يشعر ما تفكر به :
_ عارف بتفكري في ايه، أنا نفسي مصدوم من القرار، امي لما بلغتني امبارح اللي حصل في خطوبة روضة مكدبش عليكِ اتعصبت ومكنتش حابب اني اتحط تحت الأمر الواقع، لكن لما نمت وصحيت حسيت فجأة براحة كبيرة أوي .
فجأة ومن بين ذلك الحديث انتفض الجميع على صوت سكر التي كانت تنتظر انتهاء حامد من شرب القهوة، ترفع يديها عاليًا تقول:
_ دي بركة دعايا كل صلاة فجر أصل أنا بيني وبين ربنا عمار.
نظرت لها جيهان بشك وريبة وكذلك فعلت أفكار التي أضحت مقتنعة أن قدوم داوود هنا إما أن يكون معجزة دعوات والدتها، أو أن والدتها فعلت له شيئًا..
عادت أفكار بنظرها لداوود الذي قال :
_ أنا جيت اتقدم ليكِ وأنا فعلا مقتنع بالموضوع رغم غرابته للبعض، لكني فعلا مستريح، بس عندي بعض الشروط أو نقدر نقول اني حابب احط النقط على الحروف .
في ذلك الوقت انسحب كلٌ من حامد وسكر صوب النافذة بعيدًا عنهم لقراءة الفنجان، بينما ظلت نظرات أفكار تحلق بصرها حول داوود بفضول شديد تستمع له يقول :
_ أنتِ متعملة يا افكار صح ؟؟
نظرت له أفكار بريبة :
_ اشمعنا ؟؟
_ سؤال عادي المفروض أنا كنت حاطط شرط وظيفة المربية مستوى جيد من التعليم .
هزت رأسها تقول بصدق وملامح مبتسمة :
_ أيوة أنا مستوايا التعليمي كويس اوي، انا اخدت شهادة تقدير وأنا في تانية اعدادي وكنت طالعة السابع مكرر.
ابتسم داوود بلطف لما تقول :
_ أنتِ تعليم ايه يا افكار ؟!
_ إعدادية ..
صُدم داوود من كلماتها :
_ إعدادية !؟ طب ليه مكملتيش للثانوي؟او اخدتي شهادة دبلوم ؟!
التوى ثغر افكار بحزن :
_ دخلت ثانوي بس مكملتش فيها خرجت قبل ما ادخل سنة ثانية وقتها كانت الظروف مش ولا بد بسبب مرض امي والبيت كان محتاج حد يشتغل فقعدت من الدراسة عشان اشتغل .
تنهد داوود يدرك أن أفكار تخفي خلف قشرتها الممازحة واللامبالية الكثير والكثير :
_ طب مش عايزة تكملي تعليم يا افكار ؟؟
نظرت له بعدم فهم ليوضح لها :
_ أنا هسجل ليكِ في الفصول المسائية يا أفكار وهحاول ارجعك تكملي دراسة، مش عارف هينفع ولا لا بس هحاول وبإذن الله تاخدي أي شهادة تساعدك في حياتك .
التوى فمها بحنق تردد :
_ بعد ما شاب ودوه الكُتاب .
ابتسم داوود يقول :
_ كويس أنك جيبتي سيرة الكُتاب .
_ ماله ؟!
_ هسجل ليكِ في حلقات دينية عشان تحفظي قرآن وتعرفي اكتر عن الدين وتستفادي لحياتك ونفسك قبل أي حد ..
اتسعت أعين افكار مما قال، هل يود تربيتها وتعليمها من الآن، أيخجل منها ؟؟
لماذا إذن جاء لخطبتها إن كان يفعل ؟؟
قال داوود وكأنه سمع صوت أفكارها الداخلية :
_ أنا بعمل كل ده عشان تكوني أنتِ راضية عن نفسك الاول وبعدين عشان اولادنا باذن الله لو الأمور اتيسرت، عشان تكوني قدوة حسنة ليهم، ووقت ما تتسألي تعرفي تجاوبي صح.
ختم حديثه ببسمة جعل رفضها لشروطه صعبًا، ابتلعت ريقها تهز رأسها كالمغيبة ثم قالت فجأة :
_ أيوة بس أنا مش هيكون عندي وقت بسبب الشغل و..
_ بخصوص الشغل فأنا مش حابب أنك تشتغلي يا أفكار، جه الوقت اللي تاخدي فيه نفَسك وتعيشي عشان نفسك وراحتها..
شعرت أفكار بقلبها ينتفض بقوة من كلماته، أبتلعت ريقها وهي تفكر أنه لم يسبق أن فعل أحدهم لأجلها هذا، لم يسبق أن فكر أحدهم في راحتها...
استفاقت على صوت جيهان تقول بحنان :
_ عندك حد نقدر نتكلم معاه يا افكار؟؟ عم خال أي حد نطلبك منه رسمي ياحبيبتي ؟؟
نظرت لها أفكار ثواني تقول بتردد :
_ عندي اخواتي الرجالة، عندي أخين.
أتسعت أعين داوود يهتف بصدمة :
_ عندك اخوات ولاد ؟؟ وهما فين من حياتك يا أفكار ؟؟
صمتت افكار ولم تتحدث بكلمة تنظر ارضًا بخجل من إخوتها وكل ما يفعلون بها، وقبل أن يتحدث داوود بكلمة إضافية انتبه فجأة لغياب حامد المريب :
_ امال فين حامد ؟؟
__________
من العادات المتعارف عليها بعد الخطبة أن تقوم عائلة العروس بدعوة العريس للغداء وعائلته ولكن امتنعت عائلة ياسر عن الحضور بسبب حفل زفاف أحد جيرانهم، لذلك جاء ياسر بمفرده..
جعلت روضة والدتها تصنع له وليمة تكفي أكثر من عشرة أشخاص، كانت تريد إبهاره حتى يشعر بحبها ووقتها سيصبح خاتم في إصبعها حينما تأتي النقود الذي أخبرها عنها...
في الطبق الكبير الموضوع أمامه كانت تقوم روضة بوضع الأصناف المختلفة به حتى يصبح كل شيء أمامه..
غمغم ياسر في نبرة باردة:
_صراحة يا طنط الورق عنب المرة دي مش مستوي كويس..
نظرت له والدة روضة لا تصدق وقاحته فهو بعد عدة دقائق سيقوم بابتلاعها وابتلاع الطاولة الخشبية مع الطعام وبكل وقاحة يخبرها بأن هناك صنف لم يعجبه..
ثم أسترسل حديثه وكأنه لا يفعل شيء:
_ولا البشاميل مش سايح كده زي اللي أمي بتعمله، أيه يا طنط عاملة الأكل من غير مزاج ولا أيه؟!.
ضحكت والدة روضة ثم قالت بغيظ شديد:
_هي امك من امتى بتعمل أكل ده من يوم عيد ميلادك وأنتَ عندك خمس سنين مشوفنهاش عملت حاجة.
رفع ياسر حاجبيه وتصنع عدم الفهم وهو يسألها ببراءة شديدة:
_قصدك ايه يا حماتي؟!.
تحدث والد روضة مستجيبًا لنظرات ابنته المستغيثة من تصرفات والدتها:
_يا ابني ما أنتَ عارف امك ومرات خالك دايما بيهزروا ويناقروا في بعض.
نهضت والدة روضة وهي تقول في تهكم:
_أنا هخش أشوف الكيكة اللي سبناها في الفرن وصلت لفين أحسن تتحرق ومتعجبش ياسر.
ثم رحلت بعدها..
وهنا تحدث ياسر في ضيق وكأنه يهدد به روضة ووالدها:
_هو في أيه يا روضة؟! في أيه يا خالي؟! هو أنا لو مكنش مرغوب فيا مكنتوش عزمتوني العزومة دي، بدل ما هي واقفة على الواحدة في كل كلمة هقولها.
غمغم والد روضة بهدوء وهو يلعن من داخله تصرفات زوجته:
_متزعلش يا ياسر يا ابني وبعدين أيه الكلام العبيط ده؟! ده بيت خالك وبعدين ده طبع مرات خالك مش عارفها يعني؟! وبعدين بصراحة بقى من ساعة ما قعدت عمال تطلع عيوب في الأكل.
قال ياسر في نبرة عادية:
_أنا بتكلم بعفوية معاها علشان واخد عليها ومعتبرني خلاص ابنها بما انها بقت حماتي معرفش هي مالها؟!
أردفت روضة بحجة استطاعت خلقها في ثواني:
_ما أنتَ عارف يا ياسر يعني أنا ماما متعلقة بيا شوية فهي هتلاقيها بس مضايقة شوية ففكرة اني اسيبها وكده متاخدش الموضوع على قلبك، وبعدين ده أنا عاملة ليك بسبوسة وجلاش يستاهلوا بوقك.
نهض ياسر وهو يقول بهدوء:
_ماشي شوية بقا هاتيهم وكده علشان أنا نفسي اتسدت دلوقتي بسبب اللي حصل سبيني أهدى.
أنهى حديثه وذهب ناحية المرحاض حتى يغسل يده مما جعل روضة تميل على والدها قائلة بضيقٍ:
_ياريت يا بابا تقول لماما تهدى شوية مش كده...
عاد ياسر مرة أخرى متمتمًا وهو يميل على والد روضة:
_في موضوع عايز أتكلم معاك فيه يا خالي افتكرت أقولك قبل ما أغسل ايدي.
سأله والد روضة باستغراب بينما روضة كانت لا تفهم شيء:
_موضوع ايه ده؟!.
_عايزين نحدد ميعاد كتب الكتاب.
ردد والد روضة مستنكرًا:
_كتب كتاب ايه يا ابني ده أنتم مكملتوش اسبوع على الخطوبة؟!..
تحدث ياسر بهدوء ومكرٍ وهو يجد روضة تنظر له بصدمة:
_علشان أكلم روضة براحتي وأحس إني في حرية لاني ملتزم بضوابط الخطوبة وكمان يا عمي أنا احتمال أسافر تاني وعلشان كده لازم اكون كاتب الكتاب علشان أخلص ليها ورقها وكل حاجة.
أتسعت ابتسامتها كالحمقاء لا تصدق...
هل حقًا سوف تسافر معه؟!...
___________
عقب جملة داوود بحث بعيونه عن حامد داخل الغرفة لكنه لم يبصره، وفجأة وجده يجلس على أريكة أسفل النافذة حيث كانت تجلس النساء سابقًا لتجف، وأمامه تجلس والدة افكار وتحمل بين يديها فنجان قهوة فارغ، وفورا فهم داوود ما يحدث.
انتفض من جلسته يقترب منهم بغيظ يسمع صوت حامد يردد وهو ينظر داخل كوب القهوة بفضول :
_ يعني انتي شايفة إن كل اللي بيحصل في حياتي ده من العين ؟!
هزت سكر رأسها وهي تشير لنقطة سوداء داخل الكوب :
_ اهو شايف النقطة السودة دي ؟؟ هي دي العين، عين كبيرة قد كده محشورة في حياتك، وفيه جنبها مناخير كمان .
اتسعت عين حامد قبل أن يضرب فخذه بحسرة :
_ عين ..أيوة هي عين فعلا أنا قولت اللي بيحصل ليا ده اكيد عين، ده أنا حياتي متدمرة، يعني جوازتين ومفلحتش، عين مين دي اللي جابت أجلي ؟!
نظر فورًا لسكر يقول بلهفة :
_ طب اعمل ايه عشان احل كل ده ؟!
ابتسمت سكر تنظر للفنجان وهي تقول ببسمة بلهاء :
_ تتجوز التالتة .
اتسعت عين حامد بصدمة قبل أن يضيقها مجددًا يقول بجدية واستنكار :
_ وده هينفع ؟!
_ ليه لا والعلم عن الله، اقولك ..اتجوز افكار بنتي اهو أنت عاقل وراسي وناضج مش زي اخوك التاني اللي اللهم احفظنا ملسوع كل شوية يقعد يزعق ويصرخ.
وعلى ذكر الصراخ انتفضت أجساد الاثنين على صوت داوود الذي صرخ بجنون :
_ أنتم بتعملوا ايه ؟؟ ايه الجهل والهبل ده ؟؟
أشارت سكر وهي تعتدل في جلستها ببرود :
_ اهو شوفت، ملبوس الواد ده، اقولك أنتم تاخدوه وتروحوا السيدة زينب تدعوله ربنا يهديه هناك .
أشار داوود بصدمة لنفسه :
_ يدعولي أنا ؟؟ أنا برضو اللي ربنا يهديني؟
هزت سكر رأسها في الوقت الذي انتفضت فيه جيهان صوب ولدها كي تمنع معركة وشيكة أخرى وأفكار تدخلت وهي تربت على صدرها :
_ معلش حقك عليا يا داوود ست كبيرة ومتقصدش والله .
نهضت سكر من خلفها تقول بعناد شديد :
_ لا اقصد الواد ده عايز يروح لشيخ ولا يعملوله جلسات زار يمكن يتعدل ..
صمتت ثم قالت وكأنها لا ترى قرب انفجار داوود :
_ اقولكم أنا هجوز البت أفكار لاخوك العاقل الراسي ده و...
وقبل أن تكمل جملتها انفجر داوود في وجهها يمنعه عن التخلص منها حامد ووالدته بينما سكر تختفي خلف أفكار وهي تتحدث من وراء ظهرها :
_ شوفتوا ؟! جالكم كلامي ؟؟ حد يقرأ عليه آية الكرسي خلي عفريته ينصرف.
_ ده انا هطلع عليكِ عفاريتي واحد واحد يا ست أنتِ...
قاطعته جيهان وهي تسحبه بعيدًا :
_ خلاص يا داوود هو كل ما نيجي هنا تتخانق معاها، مش كده يا بني ما تعقل شوية بس، أنت ايه اللي حصلك .
وافقتها أفكار وهي تترجاه أن يهدأ تدرك أن افكار والدتها التي ترعرت عليها تحتاج أوقات طويلة لتتغير :
_ أيوة والله دي سكر طيبة وعلى نياتها خالص بس هي عقلها برضو على قدها بسبب السن .
_ هو ايه اللي عقلها على قدها؟!، أنا زي الفل هو اللي ملبوس وعقله مش سليم .
نظر لها داوود بشر لتصرخ جيهان في حامد :
_ أنت واقف تتفرج، خد اخوك وأخرج برة يا بني خلينا نلم الليلة، وأنتِ يا افكار خدي لينا ميعاد مع اخواتك يا حبيبتي وبلغينا ماشي ؟؟
هزت أفكار رأسها وهي تراقبهم يسحبون داوود للخارج والذي كان يتوعد لوالدتها بأنه هو من سيصلح تفكيرها بنفسه ولو كان بالقوة .
تنهدت أفكار وهي تلقي نفسها على الأريكة تتنفس الصعداء، ثم فجأة ابتسمت تقول متجاهلة كل ما حدث:
_ داوود اتقدملي ...
وفجأة تلاشت البسمة حينما تذكرت حديث جيهان، هي ستحضر أشقائها ؟ أي كارثة تلك التي وقعت على رأسها؟؟
_________
بعد عودتهما من منزل أفكار بدل داوود ملابسه وكذلك والدته، ثم خرج ليجلس معها أمام التلفاز...
وأثناء جلستهم أتى حامد الذي قد تركهم أمام المنزل وذهب لشراء الحلوى وبعض المقرمشات التي يريدها أولاده وأعطاهم أياهم ووضعهم في غرفتهما ثم خرج من الداخل ليجلس مع والدته وشقيقه.
تحدثت جيهان في هدوء:
_بس والله البت أفكار دي غلبانة.
أبتسم داوود بسخرية شديدة وهو يعقب على حديث والدته:
_خلاص يا امي لسه هتقولي غلبانة؟! وبعدين أنا خلاص لبست فيها مش محتاجة تقنعيني بقا اللي جاي بتاعها هي وبس.
سألته جيهان بعدم فهم ، بينما حامد يعقد ساعديه ويستمع الحوار بفضول وأدب دون النطق بكلمة:
_يعني ايه الجاي بتاعها لوحدها؟!
أردف داوود بصرامة وجدية:
_يعني الخطوبة دي مش هتدخلي فيها وأي خطوة هتحصل يا امي ملكيش دعوة بيها سبيني أشوف الجوازة دي هتنفع ولا لا أنا هرتاح معاها ولا لا، وهي نفسها هتستريح ليا ولا لا من غير ما تدخلي في اي حاجة لو سمحتي.
تحدثت جيهان في لوم شديد:
_والله عيب عليك يا داوود يا ابني من امتى يعني وامك بتدخل في اي حاجة؟!.
حسنًا لو كان شخصًا غريبًا لكان قد صدق حديثها بسبب نظرات عيناها الساخطة ونبرتها التي تعاتبه بها..
_امي علشان خاطري مش وقته أحنا لو كنا عند أفكار النهاردة ده مكنش علشان أنا ميت في دباديبها لا ده علشان الحاجات اللي أنتِ بتقولي مبتدخليش فيها ومبتعمليش حاجة خالص.
ثم أسترسل داوود حديثه بجدية:
_المهم لازم تشوفوا واحدة تانية تيجي البيت تقعد مع الولاد علشان أفكار مش هتيجي تاني.
غمغمت جيهان في استنكار:
_ هو أحنا كنا بنعمل أيه يا ابني النهاردة لما تقولي أفكار مش هتيجي تاني؟!!.
عقب داوود بتوضيح لما يريد قوله:
_أحنا كنا هناك علشان نطلب ايديها مش علشان نرجعها الشغل، هشوفلك غيرها متقلقيش وبعدين يعني عيب تفضل تيجي وانتي تخليها تعمل كل حاجة في البيت وكمان انا مش هينفع اشوفها كل يوم وتكون معانا في البيت.
قالت جيهان بعدم فهم:
_بتقول كلام يقنع بس مش بيخش دماغي برضو يا ابني كالعادة بس أعمل اللي يريحك وخلاص هعملك ايه؟!! وبعدين هي أفكار هتوافق على الكلام ده؟!.
ضحك داوود ثم هتف بوعيد:
_ده عشرة في المية من اللي أفكار هتسمعه من تعليمات علشان ناخد خطوة كمان.
تحدث حامد أخيرًا خارجًا عن صمته في سخرية من تصرفات شقيقه:
_هو أنتَ رايح تتقدملها وتتجوزها ولا تكره البت عيشتها هي هتتجوز ولا هتتربى من أول وجديد؟! ده أيه الهم ده؟؟
كان قد نسى داوود وجود شقيقه بسبب صمته الذي طال لذلك عقب على حديثه في تهكم:
_اه وانا منتظر نصيحتك دي بصراحة هاخد نصايح منك أنتَ..
ولم يعطه فرصة أن يعقب بل أسترسل داوود حديثه بجنون وهو يتذكر ما فعله شقيقه مع والدة أفكار:
_وبعدين أيه اللي أنتَ عملته مع أم أفكار ده؟!.
أردف حامد ببساطة:
_ما تبطل بقا أفوره يا داوود عملت ايه يعني؟!! كنا بنتسلى وأنتَ عمال تكبر الموضوع زيادة عن اللزوم.
_تتسلى في قراءة الفنجان؟! أنتَ عارف ذنبها ايه يا حامد قبل ما تتكلم لو مش مقتنع بكلامي أبحث وأنتَ هتعرف ذنبها ايه وبعدين فنجان أيه اللي هتقرأه هو أنتَ هتعلق غلطاتك على شماعة الفنجان؟!.
نهض حامد بضيقٍ شديد وهو يقول بانفعال:
_لا أنتَ هتقعد تصدعني وتتكلم كلام ملهوش لازمة أنا هخش أقعد مع العيال أحسن، وبعدين خليك في جوازتك متفكرش في حاجة أنا هجيب حد يقعد مع عيالي ويساعد امي في البيت يا داوود بس ياريت تبطل تدي دروس للي حواليك وتوفرها لنفسك.
انهى حديثه ثم غادر تحت نظرات داوود المشتعلة وهو يغمغم بنبرة مسموعة:
_ دكتور ورئيس قسم ابنك ده في قلب الترابيزة وأنه يطلع نفسه الملاك البرئ.
أردفت جيهان في حنان وبنبرة خافتة:
_بلاش تقول كلام يضايق أخوك يا داوود أنا عارفة أنه غلطان من ساسه لراسه وخرب حياته بس مش هنقعد نتكلم على حاجات خلصت مهوا مفيش فايدة من الكلام اللي حصل حصل، وهو مضغوط نفسيًا أنا حاسة بيه.
_يا امي أنا عايزه يفوق لنفسه ويفوق لعياله ويبطل يحرضهم على امهم ويخرب دماغهم أكتر هما كده كده متأثرين باللي حصل فبلاش عك أكتر.
تحدثت جيهان مؤيدة حديثه صغيرها:
_معاك حق يا حبيبي خلاص متزعلش نفسك أنا هتكلم معاه بعدين على رواقة كده....
___________
بعد مرور يومان تقريبًا..
تجلس أفكار على المقعد الخشبي المتهالك أمام المرآة وهي تشعر بأن هناك خطب ما، صدقًا هي لا تفهم ما يحدث!!!
هل حقًا داوود يجلس في الخارج مع عائلتها من أجل أن يتقدم لخطبتها؟!
متى حدث كل ذلك؟!!.
أرتدت تنورة بيضاء وبلوزة من اللون الأزرق السماوي وفوقهما أرتدت حجاب مزركش، بناءً على اختيارات صديقتها وردة التي تجلس على الفراش خلفها بوجه عابس ويظهر انعكاسها في المرأة، فتجد أفكار دومًا أن وردة فتاة تستطيع تنسيق والفهم في تلك الأمور كالملابس والزينة أكثر منها، ولكنها لم تقبل أن تضع أي شيء على وجهها...
غمغمت أفكار في استغراب:
_مالك يابت يا وردة متنحة كده ليه؟!!.
أردفت وردة وهي تلوي فمها بتهكم:
_لا ياختي مفيش حاجة.
خرجت ضحكة ساخرة من أفكار وهي تنهض من مكانها وتجلس بجانب صديقتها على الفراش:
_والله وأنا هتوه عنك يا بت في أيه؟!.
قالت وردة في انفعال طفيف وهي تخفض نبرتها قدر الإمكان:
_صراحة بقا يا أفكار أنا زعلانة منك وقلبي كنافة بسببك مكنتش أتوقع أنك تعملي فيا كده.
سألتها أفكار بريبة فما الذي فعلته ولا تدركه:
_عملتلك أيه مش فاهمة يا وردة؟!!!.
تحدثت وردة بنفاذ صبر:
_في أنك بقيتي تكدبي عليا يا أفكار وتخبي عني حاجات كتير وأنا مش واخده منك على كده، من امتى يعني بتخبي عليا؟! وبقالك فترة منيماني وتقوليلي الراجل مبهدلني والراجل عاملي وأنتِ كنتي بتسرحي بيا أديه جاي يتقدملك أهو.
أردفت أفكار محاولة الدفاع عن نفسها:
_والله الموضوع مش زي ما أنتِ فاكرة والله يا بنتي أنا مش فاهمة أيه اللي بيحصل والله خايفة لما أطلع برا يطلع برنامج الصدمة مهوا اللي بيحصل ده مش طبيعي ومش قادرة أبلعه.
رمقتها وردة بعدم تصديق ثم قالت بعتاب شديد:
_ايوة يابت أسرحي بدماغي أسرحي، هتلاقيكي بتسمعي كلام أمك وفاكرة اني هحسدك، هو في حد هيفرح ليكي قدي ده أنتِ صاحبة عمري يا أفكار ده أنا مليش غيرك، وكنت فاكرة أننا قريبين من بعد.
غمغمت أفكار والدموع تجمعت في عيناها وتهدد بالنزول:
_والله وأنتِ صاحبتي الوحيدة يا وردة ومفيش واحدة في الدنيا دي بحبها قدك وصدقيني أنا مخبتش عليكي حاجة كل الحكاية إني لما روحت خطوبة المخفية خطيبته ياريتني ولا روحت ولا اتنيلت، حصل اللي حصل ...
__________
اليوم هو اليوم الموعود والذي ستجلس به بشكل رسمي مع داوود للاتفاق على الخطبة، الأمور تسير بشكل جيد، بل رائع، هذا إن استثنينا وجود شقيقها الأكبر والذي كان كالشوكة في الحلق ( خليل العزيز ).
تنهدت أفكار وهي تنظر لخليل والذي بمجرد وصوله حتى جلس في الغرفة التي عملت على تحضيرها للمقابلة، وبدأ يتناول الفاكهة ويرتشف من العصير الذي احضرته لأجل هذه المناسبة .
زمت شفتيها بغيظ، لكنها لم تتحدث بكلمة فقط تأمل أن تمر المقابلة على خير...
في الخارج وأمام الباب كان داوود يقف وهو ينظر لحامد بتحذير :
_ زي ما قولتلك يا حامد والله لو لقيتك قاعد مع سكر بتعمل التخاريف والهبل ده، ما هاخدك معايا في مناسبة تاني وهبلغ عنكم أنتم الاتنين .
زفر حامد بغضب شديد بسبب حديث داوود المتكرر عن ذلك الأمر منذ خرجوا من المنزل، حتى أنه كان يرفض إحضاره في البداية، لكن بعد إصرار والدته وحديث حامد له أنه لن يسلم أذنه مجددًا لسكر رضخ ووافق باحضاره..
طرق داوود الباب وانتظر ثواني حتى سمع صوتًا رجوليًا من الداخل يقول بنبرة رخيمة :
_ أيوة مين ؟؟
نظر داوود لوالدته قبل أن يفتح لهم خليل الباب ليبصره مع اهله، نظر لهم خليل يمرر عيونه عليهم ثم قال :
_ أيوة مين ؟!
رفع داوود حاجبه ينظر للحلوى بيده، ثم لعائلته، هل تلك الأمور لا توحي بهويتهم أم ماذا ؟!
_ مساء الخير يا فندم، أنا داوود ودي عيلتي، اعتقد الآنسة أفكار عطت لحضرتك فكرة عن حضورنا ؟؟
نظر لهم خليل يفرك ذقنه ثم أشار لهم بالدخول :
_ أيوة عارف طبعا بس كنت بتأكد.
وبمجرد أن خطوا للمنزل انتزع منهم خليل الحلوى يقول ببسمة صغيرة :
_ عنكم أنتم، اتفضلوا اتفضلوا .
أعطاها له داوود ببسمة وحسن نية، ثم تحرك للداخل تاركًا خليل يرمق العلبة ببسمة واسعة يمني نفسه بالعودة لمنزله وتناولها مع زوجته واولاده، فجأة سمع صوت أفكار ينادي باسمه فاخفى العلبة داخل المطبخ بين الأواني كي لا يراها أحد، وتحرك للداخل يقول بصوت حاول تضخيمه :
_ يا اهلا يا اهلا، نورتونا والله ...
جلس الجميع واستقروا على المقاعد ليستهل حامد _ وباعتباره الكبير _ الحديث وهو يتحدث بهدوء وبسمة واسعة :
_ اعتقد أن حضرتك عندك فكرة عن سبب وجودنا هنا انهاردة ..
_ لا والله انا معرفش اوي أنتم عايزين ايه ؟!
رفع داوود حاجبه وقد كان ذلك الرجل ومنذ دخوله يثير حنقه وريبته، لكنه لم يتحدث احترامًا لأفكار وعائلتها .
تنحنح حامد يقول ببسمة :
_ احنا هنا انهاردة يا استاذ عشان نطلب ايد الآنسة أفكار أخت حضرتك لاخويا داوود، ويكون شرف كبير اوي لينا لو وافقت ..
نظر لهم خليل من أعلى لاسفل نظرات لم تنل اعجاب داوود المرة، ثم قال :
_ أيوة أيوة ..ويا ترى بقى الاستاذ داوود اخوك بيتشغل ايه ؟!
نظر له داوود ثواني قبل أن يقول بهدوء :
_ أنا فاتح محل عطور كبير، غير أن عندي عمارة مأجرها ..
تدخل حامد يقول بجدية :
_ وعندنا معارض أثاث بتاعتنا احنا الاتنين ورث من والدنا، بس أنا اللي بديرها عامة، لكن داوود ليه فيها .
ابتسم خليل وقد شعر بأن واخيرًا طاقة القدر قد فُتحت أمامه:
_ عال عال...
تدخلت جيهان تقول ببسمة :
_ أمال فين أفكار ؟؟ مش باينة يعني .
قال خليل بهدوء واضعًا قدم فوق الأخرى بجدية :
_ موجودة أفكار وهي هتروح فين يعني ؟؟ الاول نتفق على الأساسيات وبعدين نشوف أفكار مش يمكن ميعجبنيش الكلام أو نختلف في الموضوع ونلغي الحوار كله ؟؟
علت الدهشة والصدمة ملامح داوود الذي لم يفهم المعاني المبطنة خلف حديث ذلك الرجل، لكنه افترض حسن نيته وقال مبتسمًا :
_ ربنا ما يجيب أي اختلاف، هنختلف على ايه يعني ؟!
ابتسم له خليل يقول بجدية :
_ المهر والشقة وكل الامور دي ...
اعتدل داوود ينظر لوالدته، ثم حدق بخليل يقول:
_ اللي تطلبه أفكار هعمله أنا معنديش اي اعتراض على شيء ولا ...
قاطعه خليل دون أي مقدمات يلقي في وجهه ما يريد دون مواراة مبتسمًا بسمة مثيرة للاستفزاز :
_ ٢٠٠ ألف..
اتسعت أعين حامد بشدة من ذلك الوقح وكذلك جيهان التي تعجبت حديثه بتلك الأمور قبل التعارف وموافقة شقيقته، هو فورًا طرح عليهم ما يريد دون أي مقدمات.
نظر له داوود قليلًا وما كاد يفتح فمه حتى انتفض الحميع على صرخة أفكار التي اقتحمت الغرفة غاضبة وقد كانت تراقب من بعيد حتى فاض بها الكيل :
_خليل......
انتفض جسد خليل، بينما استدارت الرؤوس جميعها صوب باب الغرفة حيث تقف افكار حاملة بين يديها صينية عليها العديد من اكواب العصير، تقدمت ووقفت أمام الطاولة منصف الغرفة تحديدًا تضع الاكواب أمامها، ثم استقامت تحدج خليل بشر جعله يبتلع ريقه وهو يبعد عيونه عنها مدعيًا عدم الاهتمام .
تنفست افكار بصوت مرتفع، ثم نظرت الجميع مبتسمة :
_ بعتذر يا جماعة بس هو كده خليل دايما بيحب يهزر..
اعترض خليل على حديثها بقوة :
_ لا مش بهزر، أنا بتكلم بجد، مهرك يكون ٢٠٠ ألف هو أنتِ شوية ولا ايه ؟؟
كان يتحدث بجشع جلب العار لنفس أفكار وهي تشعر برغبة عارمة في البكاء، هو يجلس هنا ويتاجر بها كما لو كانت بضاعة يود كسب أكبر سعر من خلفها .
عضت شفتيها تقول بقهر :
_ خليل لو سمحت مـ
قاطع داوود كل ذلك يقول دون مقدمات :
_ موافق ... أنا اساسا اللي كنت هعرض عليكم اكتر من كده بكتير، افكار تستحق ملايين الدنيا، والمبلغ ده قليل كمان .
كان يتحدث وهو ينظر لأفكار ببسمة صغيرة بعدما همس داخله أنه لن يجاري ذلك الجشع في حديثه، لكن التماع أعين افكار بالدموع جعلته يتراجع عن قراره، ابتسم لها يغمض عيونه وكأنه يطمئنها .
ابتلعت افكار ريقها وهي تحاول التنفس كي تتجنب سقوط دموعها تنظر لوالدتها بحزن، ترفع يدها تمسح دموعها دون أن يراها أحد، لكن داوود والذي لم يكن ينزع عيونه عنها رآها، ليشعر بالضيق الشديد ..
_ اللي تطلبه افكار أنا تحت امرها تشاور بس وكل اللي تحبه هيكون عندها على طول .
نظرت له افكار بأعين تلتمع بالدموع وهو ابتسم لها، في تلك اللحظة سمع داوود صوت والدتها تقول أثناء جذبها للجلوس :
_ واحنا مش عايزين غير أنك تحافظ على بنتي، لا عايزين اكبر مهر ولا افخم قاعة، أنت بس حافظ على بنتي وصدقني مش هتلاقي حد يشيلك في ضيقتك ولا يقف جنبك زي افكار، جدعة وبتشيل الكل وتبدي مصلحتهم على مصلحتها.
نظرت لها افكار بحب، بينما خليل أطلق صوتًا حانقًا رافضًا ولم يكد يعترض حتى زجرته سكر بأعين تطلق لهيبًا محذرة إياه أن يتدخل في الحديث، تؤكد على ما قالت :
_ أنا المسؤولة والوصية على بنتي وانا الكبيرة هنا وكلمتي هي اللي هتمشي، أنا مش ببيع بنتي، أنا بشتري راجل، الفلوس آخر همي، كل اللي عايزاه تاخد بالك من أفكار وبس .
نظر لها داوود ببسمة ثم حدق في وجه افكار بحنان شديد :
_ في عيوني يا امي .
ابتسمت سكر تربت على فخذ ابنتها التي تجلس جوارها، لتميل عليها افكار بحب شديد وهي تحاول كتم دموعها تشكرها في قلبها وتنظر لها بحب وامتنان كبير .
بينما سكر والتي لم تمتلك يومًا في هذه الحياة اغلى من صغيرتها، تلك الفتاة التي رُزقت بها في سن كبير ليُصدم الأطباء من حملها بعد كل تلك السنوات، وتشعر هي بالقلق والخوف من خطورة حملها أن تتأذى بسببه، لكن يشاء الله أن يصبح ذلك الحمل سببًا في رزقها بأفكار، الوحيدة التي ضمتها حينما نبذها الجميع، من كانت تعتني بها وتتحمل كامل مشاكلها وتذمرها وحنقها، رفيقتها الوحيدة .
ابتسمت جيهان لأفكار بحنان وحب :
_ موافقة يا افكار يا بنتي على داوود ابني مش كده ؟؟
نظرت افكار بطرف عيونها صوب داوود الذي كان مبتسمًا ببشاشة كعادته، ثم هزت رأسها بنعم تخفي رأسها في كتفه سكر بخجل شديد، وفورًا أطلقت سكر زغاريد عالية سعيدة، بينما خليل كان يشعر بالنقمة على كل ما يحدث والقهر لضياع فرصته في الخروج ببعض الجنيهات، لكن لن يدع الأمر يفوته دون أن ينال بعض المكاسب لنفسه ...
بدأ الجميع يقرأون الفاتحة تحت نظرات متبادلة من الجميع، وحينما انتهوا تحدث حامد بسعادة لأجل شقيقه الصغير :
_ باذن الله حابين الخطوبة تكون اخر الاسبوع ده لو مفيش مشاكل...
نظرت لهم افكار بخجل وخليل اعترض سريعًا :
_ لا طبعا، آخر الأسبوع ايه ؟؟ مش هنلحق نجهز الدنيا و...
قاطعه داوود يعلم جيدًا أنه سيقف كالشوكة بحلقه خلال هذا الزواج، لكن لا بأس هو ليس غرًا ويستطيع التعامل مع هذا النوع .
_ الخطوبة هتكون للعيلة بإذن الله الحلويات والحاجة السقعة علينا حسب العادات، وكمان فروع النور والفراشة وكل ده هدية من حامد اخويا هو نادرها زمان يعملي خطوبتي على حسابه، مش كده يا حامد ؟!
نظر له حامد بدهشة شديدة، لكن فجأة فهم ما يرنو إليه داوود ليبتسم ويقول بهدوء :
_ اه صحيح أنا فعلا عملت كده، كل الفراشة على حسابي أنا، أنا عندي اغلى من داوود وافكار ؟؟ ولو تحبوا نشوف أي قاعة عادي، أنتم بس اطلبوا .
ابتسمت افكار لهم وهي تشعر بأن الحياة واخيرًا بدأت تبتسم لها وتفتح لها الاحضان ..
لكن فجأة اعترض خليل سريعًا :
_ لا قاعة ايه وحوارات ايه، احنا عايزين فراشة في الشارع عشان الناس كلها تحضر، وحتى الفرح مش هنعمله في قاعة هنعمله هنا في الشارع، في حتة ارض على اول الشارع واسعة نعمل فيها فراشة واجيب درامز واعمل الف ليلة وليلة .
التوى ثغر داوود يهز رأسه:
_ باذن الله وقت الفرح يبقى نتكلم في الموضوع، الفرح بيكون على العريس يا استاذ خليل وقتها باذن الله كل اللي تحبه افكار هيحصل، اظن كده اتفقنا ؟؟
نظر له خليل بحنق لتبادر سكر وتقول :
_ اتفقنا يا بني، شوف لما روحت السيدة زينب ودعيت هناك وشك نور ازاي وربنا هداك ..
_ ليه كده يا حجة سكر ما كنا ماشيين كويس وكنتِ زي الفل من شوية .
قالت سكر بحنق :
_ يووه وانا قولت ايه يعني ؟؟ أنت يابني شيطانك قوي على فكرة .
تدخلت جيهان قبل اشتعال النقاش مجددًا تقول ببسمة واسعة مطلقة الزغاريد :
_ خلاص يا جماعة عدوها لبعض، الف مبروك يا بت يا افكار .
ختمت حديثها تنهض وهي تطلق زغاريد عالية تعانق افكار وداوود ينظر لها ببسمة، خجلت منه افكار بشدة تدفن رأسها داخل كتف جيهان تتلاشى النظر له، لكن من يوقف ضربات قلبها الذي يكاد يثقب صدرها ويقفز منه ؟؟؟
_____________
_أحنا اسفين يا ماما.
خرجت تلك الجملة من فم "علي" و "زياد" في الوقت ذاته، أثناء جلوسهما مع والدتهما في غرفتها وهي تجلس على الفراش تحتضن الصغيرة مريم..
تمتمت ألاء بضيقٍ وهي تنظر على الحائط تتجنب النظر لهم:
_والله أسفين على أيه ولا أيه؟!.
تحرك زياد ووقف أمامها مباشرة:
_يا ماما أحنا بنحبك وعرفنا غلطنا ومش هتتكرر تاني سامحيني لو سمحتي.
كان ينظر لها بمهارة وهو يغلق ويفتح عيناه ببراءة تجعلها تنسى ما أقترفه هذا الصغير..
وهي ترمقه بضعف شديد، بينما تحدث علي في توضيح ودفاع عنه وعن شقيقه:
_وبعدين يعني أحنا عملنا كل ده علشان أنتِ وبابا ترجعوا مش أكتر، لأن بابا كان زعلان أوي وهو قاعد معانا بقاله فترة وبيبات معانا.
كررت ألاء كلمة طفلها الأخيرة بعدم فهم، حتى أنها ظنت أنها قد أخطأت في السمع:
_بيبات معاكوا؟!.
هز علي رأسه في إيجاب، بينما زياد الذي كان يقف أمام والدته أستطاع أن يشعر بفضولها الرهيب لذلك تحدث بمكر طفولي وقد لمعت عيناه بخبث:
_أقولك ليه يا ماما بابا بايت معانا وتصالحينا؟!.
لم تتحدث ألاء فضولها قوي جدًا، ولكن في الوقت نفسه ما أقترفوه كان كبير...
لذلك تحدث متصنعة اللامبالاة:
_والله تقول أو لا مش مشكلتي، ثم عيب تنقل الاخبار بين الناس.
تحدث علي بالنيابة عن شقيقه في ضيقٍ يبدو أن تلك الذريعة لا تهم والدتهما فتحدث وقد أنطلت عليه الخدعة دون الاهتمام بشيء :
_متخانق مع مراته وسايب ليها البيت وسمعته بيتكلم مع ستو ومش عايز يروحلها..
هل ظهر شبح ابتسامة على شفتيها؟!...
نعم ظهر..
فرح قلبها كالحمقاء وكأن ذلك الخبر اسعدها مهما حاولت أن تدعي عكس ذلك في قرارة نفسها تعترف.
____________
أتصلت بها جيهان في الصباح الباكر لتخبرها بأنها جالسة في المنزل حزينة ووحيدة، بعد ذهاب الأطفال إلى منزل ألاء، ووجود أولادها في العمل وطلبت منها الاتيان لمساعدتها في صنع الغداء ولتأنس بها...
ولم ترفض لها أفكار الطلب، تحب تلك المرأة رغم شعورها في بعض الأحيان أنها تستغلها، ولكنها تراها ذات عقل صغير مثل والدتها تمامًا لذلك تلبي طلباتها ولا تعترض على أي شيء.
جاءت وصنعت مع الطعام أو بمعنى أصح بمفردها لا تدري أفكار كيف وصلت تلك المرأة إلى هذا العمر ولا تستطيع صُنع أغلب أصناف الطعام؟!..
أرتدت أفكار حجابها وقررت أن تذهب فلقد تأخرت وتعلم أن موعد داوود على المجئ قد أتى وهي تشعر بالخجل الرهيب من رؤيته بعد تقدمه لخطبتها رسميًا.
أردفت جيهان بهدوء:
_ما تخليكي يا أفكار شوية.
تحدثت أفكار برفض سريع:
_خليني أيه بس يا جيجي ده أنا أتأخرت أوي يدوبك أروح.
قالت جيهان في حب:
_طيب يا بنتي اللي تشوفيه، بس انا مبسوطة أوي باللي حصل وأن داوود اتقدم ليكي..
غمغمت أفكار بشكٍ وخجل رهيب للمرة الأولى يراودها صدقًا لم تشعر بهذا الخجل كله في خطبتها السابقة:
_بعني مش حضرتك اللي اجبرتيه؟!
خرجت ضحكة عالية من جيهان وقالت بعدها في سخرية:
_شكلك لسه متعرفيش داوود يا بنتي، مهما حصل داوود مش بيعمل حاجة مش على هواه ولا بيمشي ورا حد طول عمره من وهو عيل صغير ماشي بدماغه وبالصح وبالغلط اللي فيها ومهما الدنيا اتقلبت مش بيسمع كلام حد غير نفسه وهو اللي جه وقالي عايز يخطبك أنا نفسي مصدقتش.
بتلك الكلمات البسيطة عززت جيهان من ثقة أفكار فهي مازالت لا تصدق ما حدث حقًا وكأنها تعيش حلم جميل، هل حقًا ستصبح خطيبة لداوود؟!..
هو رجل يتخطى مواصفات فارس أحلامها التي تمنتها يومًا ما في مراهقتها حتى..
ترى بأنها لا تستحقه...
كلام جيهان جيد وأسعد قسم بداخلها ولكن القسم الأخر مازال يشعر بالقلق لفرق الحياة بينهما .
قاطع أفكارها مع ذاتها صوت باب الشقة يُغلق ويُفتح ويطل منه داوود وهنا أنتفضت أفكار مرة واحدة ووقفت بينما داوود أقترب منهما وأتضحت له الرؤية أفكار هنا؟!
ماذا تفعل هنا؟!
وفي هذا الوقت؟!..
تمتمت داوود في استغراب:
_أنتِ بتعملي أيه هنا يا أفكار؟!.
حاولت أفكار أن تجد أي تعقيب قد يخرج منها، وتحدثت بعفوية وكأنها مازالت تتعامل معه كأنه رب عملها:
_أنا جيت علشان الست جيهان طلبتني.
رمق داوود والدته في غيظ شديد، فقد أخبرها بألا تتحدث معها وألا تعاملها أنها مازالت تعمل في منزلهم!!!!..
حاولت جيهان أن تدافع عن نفسها بسبب نظراته القاتلة متمتمة بارتباك:
_ده يا ابني أفكار هي اللي اصرت تيجي تشقر عليا لما عرفت إني قاعدة لوحدي مش كده يا أفكار؟!
قالت أفكار كاذبة:
_أيوة أيوة صح أنا اللي جيت أشوفها علشان لقيتها قاعدة لوحدها صعبت عليا، وبعدين خلاص ده أنا كنت ماشية حالا اهو.
رمق داوود والدته بوعيد ولا يريد الحديث في الأمر أمام أفكار، لذلك تحدث بهدوء محاولا السيطرة على أعصابه قدر المستطاع...
_ماشي أنا هوصلك علشان الوقت اتأخر جدا.
____________
تحركت بسرعة صوب باب المنزل تفتحه بعد عدة طرقات، وبمجرد أن فعلت صُدمت من رؤيته بعد هذه الأيام يقف وهو ينظر لها ببسمة صغيرة :
_ مساء الخير يا أمنية عاملة ايه ؟؟
تراجعت أمنية للخلف بملامح مكفهرة :
_ مساء النور يا حامد، اتفضل .
خطى حامد للمنزل وهو ينظر ارضًا يسعل بخفة كي ينتبه أهل المنزل لوجوده، نظرت له أمنية تقول بهدوء :
_ تعالى مفيش غير امي اللي هنا وبتصلي جوا .
هز رأسه يلحق بها، ثم استقر على أحد المقاعد في البهو وبمجرد أن جلست أمامه بادرته أمنية تتساءل بفضول رغم معرفتها الإجابة :
_ خير يا حامد ؟؟ فيه حاجة ولا ايه !!
تعجب حامد حديثها وطريقتها في طرح سؤاله بكل هذا التهكم والحنق :
_ خير إن شاء الله، أنتِ نسيتي أنك ليكِ بيت وزوج المفروض ترجعي ليهم ولا ايه ؟! عجبتك القعدة في بيت أهلك يا أمنية ؟!
ابتسمت أمنية بكل سخرية لكن داخلها كانت تقفز انتصارًا، لقد جاء لها وحده بعدما اشتاق لها وشعر بالوحدة في غيابها :
_ لا منستش، بس أنت اللي شكلك نسيت، بدليل سايبني كل الايام اللي فاتت هنا من غير ما تفكر ترفع سماعة تليفون حتى وانت اللي غلطان يا حامد .
زفر حامد بخفوت، ثم رفع عيونه لها يقول بجدية :
_ أمنية أنتِ كمان غلطانة، مكنش يصح تقفي تزعقي في وشي برة البيت وقدام اخويا وامي ومربية العيال .
_ قدام مربية العيال ولا ام العيال يا حامد ؟؟
نفخ حامد بحنق شديد :
_ ايه يا أمنية هو أنتِ بتحولي الكلام على مزاجك؟!
_ يعني تنكر اني جيت شوفتكم بعيوني واقفين سوا ؟!
صرخ حامد بصوت حاول أن يخفضه قدر الإمكان مذكرًا نفسه أنه خارج المنزل :
_ وهو أنتِ شوفتينا واحنا بنرقص سلو ولا كنت واخدها في أحضاني ؟! دي كانت بتتخانق معايا يا أمنية .
نظرت له أمنية تتساءل بحدة :
_ وياترى بقى الأستاذة ايه اللي جابها تتخانق معاك وليه ؟؟
انتفض حامد بقوة يشعر بدمه يفور :
_ يوووه يا أمنية، هو أنتِ حالفة بالله تلاقي أي سبب للخناق والنكد، يعني أنا جاي كل ده عشان وحشتيني واصالحك وأنتِ قاعدة تدوري على أي حاجة تنكدي بيها؟؟ مش عايزة ترجعي معايا قوليلي متفضليش تتحججي بحوارات تانية .
في تلك اللحظة وقبل أن تتكلم أمنية تدخلت والدتها والتي فرغت لتوها من الصلاة :
_ روحي يا أمنية جهزي شنتطك عشان ترجعي مع جوزك .
نظرت لها أمنية برفض شديد، هي لم تفرغ بعد من التحدث معها، لكن نظرة من والدتها جعلتها تنظر مرة أخيرة صوب حامد تقول بهدوء :
_ ماشي يا حامد هرجع معاك بس اتمنى تكون دي آخر مرة تزعلني بالشكل ده .
ختمت حديثها تتحرك للغرفة وحامد يراقبها بعيون غامضة، وفجأة أفاق على صوت حماته تردد جواره ببسمة :
_ كويس يا بني أنك سمعت كلامي وجيت تراضيها، حافظ على بيتك يا حبيبي وسيبك بقى من أي حاجة تبوظ حياتك .
نعم هو جاء بناءً على طلب تلك المرأة، حدثته في الهاتف وطلبت منه أن يأتي ليأخذ زوجته ويكفيه بعادًا، بعدما كان قد قرر ألا يأتي في هذا الوقت ابدًا، هو ما يزال يحتاج فرصة للتفكير، لكن حديثها معه اخجله وجعل يرضخ لها ويأتي لأخذ زوجته .
دقائق وخرجت أمنية تودع والدتها ببسمة، ثم تحركت مع حامد للخارج تحت نظرات والدتها التي ابتسمت تدعو لهما بالتوفيق..
وحامد يسير جوار أمنية ببال شارد وقلب تائه، أين الطريق الصحيح له ؟؟ لا يدري هو فقط يسير دون وجهة محددة ..
________________
تجلس جواره في السيارة وهي تشعر بالخجل الشديد، فهذه أول مرة تصبح مع داوود في مكان واحد وحدهما، راقبت حركات يده على المقود وهو يقود باحترافية، تحركت عيونها ببطء على ملامحه تكتشف في هذه اللحظة فقط أنها معجبة بملامحه، معجبة بها منذ الوهلة الأولى التي رأته بها .
وسيم هو لا تنكر .
ابتسمت دون وعي وهي ترى بسمته تتسع شيئًا فشيء، صعدت بعيونها حتى عيونه لتُصدم أنه ينظر لها، شهقت تبعد عيونها بسرعة صوب النافذة وداوود أطلق ضحكات صاخبة وقد ادهشه هذا الجانب الأنثوي الخجول من أفكار .
ياالله تلك الفتاة لغز كبير كلما ظن أنه فك احجيته وجد نفسه مكتشفًا احجية اضافية، لكنه وللحق يستمتع بفك كل رموزها وشفراتها .
فجأة شعرت افكار بتوقف السيارة، نظرت حولها تقول بعدم فهم :
_ وقفنا ليه هنا ؟؟
نظر لها داوود ببسمة، ثم هبط من السيارة يقول بجدية وهو يتحرك صوبها يفتح لها بابها :
_ تعالي هشتريلك حاجة حلوة ..
نظرت له افكار لثواني بعدم فهم، فتلك الكلمات التي سمعتها تسببت لها في بلاهة لحظية حتى أجبرها داوود بعيونه أن تهبط .
هبطت تنظر له بعدم فهم وهو أشار لها كي تتبعه، تراه يدخل محل كبير مبتسمًا :
_ علي قالي أنك بتحبي الايس كريم والكيكات اللي بالشكولاته مش كده ؟!
هزت أفكار رأسها تقول بخفوت :
_ أيوة .
ابتسم لها داوود يتوقف جوار ارفف الحلوى يحمل العديد والعديد من حلواها المفضلة يضعها بين يديها دون حسبان لتتسع أعين افكار بصدمة تراه يشير لها كي تتبعه :
_ تعالي نجيب عربية عشان كده مش هينفع.
فجأة وجدته يسحب عربة يضع بها ما تحمله، ثم أشار لها كي تسير خلفه، تراه يضع الكثير من الحلوى، حلوى تعرفها وأخرى تراها للمرة الأولى، شعرت بقلبها يرتجف وهي ترى بسمته لها حينما يسألها إن كانت تفضل هذه أو تلك ؟؟
هل تحلم ؟؟ نظرت حولها تحاول ايجاد إشارة على أنها تحلم، كأن ترى طبق اسباجتي يتسوق جوارها، أو ترى هرة ترتب أرفف البضائع، لكن لا شيء، كان كل شيء طبيعي ..
إذن هذه حقيقة ؟؟
ولهذه الفكرة انتفض قلب أفكار بقوة تشعر بشعور مخيف، شعور مخيف أو ربما لم يكن، ربما هو ليس مخيفًا، بل هو فقط ...غريب .
أن يهتم بها أحدهم...شعور لم يسبق أن جربته افكار، والآن هي تراه وتشعر بها، هناك من يهتم بها، بل ويدللها ويفسدها اهتمامًا .
يهتم بها أحدهم، بعدما عاشت حياتها لا تهتم هي بنفسها .
توقف داوود أمام ثلاجة المثلجات يخرج منها الكثير والكثير لأجلها وهو يحاول انتقاء من كل نوع واحدة.
وإن جاء أحدهم الآن وسأله ما الذي يفعله، ستكون إجابته هي لا اعلم ..هو لا يعلم ما حاجته لكل ذلك، فقط ...فقط يود اسعادها، بعدما رأى ما حدث البارحة مع أخيها واستشعر كم الإهمال الذي تعانيه افكار من اخوتها، وساءه أن يراها تكابد وتحمل مسؤوليات عدة فوق أكتافها، حتى أنها لم تكد تتفرغ لتدلل نفسها، شعر أنه يود لو يشعرها ببعض الدلال، بعض الاهتمام، يود أن يسعد افكار، ولم يعلم كيف يفعل ذلك مع امرأة، فالمرة الوحيدة التي قرر اهداء امرأة هدية من اختياره حدثت كارثة وكاد يُفضح وكل ذلك بسبب تلك الفتاة خلفه .
ابتسم داوود لا يصدق كيف ساقه القدر لها، كيف وصل لتلك اللحظة مع افكار ؟!
ابتسم بسمة واسعة وهو يسحب العربة ليدفع ثمن كل ما اشتراه، ثم استدار صوب افكار التي كانت تراقبه بأعين ملتمعة بالدموع وملامح مصدومة ..
حمل الحقائب يخرج من المكان مبتسمًا يقول :
_ بتحبي ايه تاني نجيبه ؟؟
نظرت له افكار، ثم نظرت حولها لا تعلم ما تقول، وفجأة انفجرت في بكاء عنيف جعل داوود يرتعب وهو يقترب منها حاملًا الحقائب :
_ افكار مالك ؟؟ حصل ايه ؟! بتعيطي ليه ؟؟ مالك يابنتي حصل ايه كنتِ كويسة .
بكت افكار بتأثر لكل ما يفعل لها، يالله هل هكذا شعور أن يهتم بك أحدهم ويحنو عليك، لتعترف دون شعور منها وبكامل الأسف :
_ أنا... أنا أول مرة ... أول مرة حد يعاملني حلو كده ويجيبلي كل الحاجات الحلوة دي .
نظر لها داوود يتأوه بشفقة ممازحًا فقط ليخرجها من لحظة الرثاء تلك، يالله كيف دفنوها خلف كل تلك المسؤوليات التي لم تكن واجبًا حتى عليها :
_ خلاص يا افكار، حقك عليا بعد كده مش هعاملك حلو وهديكِ بالجزمة لو تحبي .
ضحكت افكار من بين دموعها بلا شعور ليبتسم لها يشير لها بعيونه أن تتحرك صوب السيارة :
_ ليكِ عليا يا ستي كل ما تخلصي الحلويات هجبلك غيرها لغاية ما تبقلظي واطفش منك .
ضحكت افكار أكثر وهي تنظر له بشكر وهو شرد بضحكاتها، ونظراتها، اه من تلك الفتاة، اين كانت تدفن تلك الرقة والهشاشة، كل ذلك كان تحت أكوام القوة الوهمية التي كانت تدعيها ؟!
ابتسم لها يقودها صوب السيارة حتى يعيدها للمنزل قبل أن تتأخر، صعد يعد نفسه سرًا أن يحافظ على ضحكاتها ويعوضها كل ماسبق وعانته ....
__________
_قولت أيه يا خالي؟!.
تحدث ياسر بتلك الكلمات وهو يجلس مع خاله في المقهى بعيدًا عن المنزل؛ حتى لا ترفض زوجته، فهو يريد إقناعه كما أستطاع أن يقنع روضة..
تمتم والد روضة بعد أن أخذ رشفة من كوب القهوة المتواجد أمامه على الطاولة:
_والله يا ياسر مش عارف أقولك ايه يا ابني بس حاسس أنه لسه بدري أوي ده معدهاش يابني غير كام يوم على الخطوبة.
هتف ياسر بأصرار رهيب من نوعه:
_يا خالي ما أنا قولتلك هسافر ولازم علشان أسافر وأحضر ورق روضة أننا نكون كاتبين الكتاب علشان الإقامة وغيره وبعدين دي بنت خالي يعني أخاف عليها من نفسي من قبل أي حد وأحنا واحد وعمري ما هظلمها أبدًا، وبعدين هو كتب الكتاب أيه يعني؟! هو مجرد ورقة وكل حاجة هتكون زي ما هي.
لا يدري والد روضة هل هو اقتنع حقًا..
أم أنه شعر بالملل من اصراره..
لكن على أي حال أردف بنبرة هادئة وهو يحاول انهاء الحديث:
_خلاص هشوف روضة رأيها ايه..
إذا أتى الأمر إلى هنا..
الباقي سهل فهو اقنع روضة بكل سهولة وكلمتها يعرفها قبل أن تنطق بها...
__________
بالقرب من منزلها كان داوود يسير بجانبها بخطوات هادئة وهو ينظر أمامه...
كان الصمت يعم عليهما وكان هو سيد الموقف بعد اقترابهما من المنزل...
لكن قرر داوود أن يقطع هذا الصمت بعد أن توقف عن السير لتتوقف هي الأخرى وتنظر له بنظرات مستفهمة...
_أفكار ممكن أطلب منك طلب؟!.
رمقته بقلق هل يود فسخ الخطبة التي لم تبدأ بعد؟!.
_أتفضل يا أستاذ داوود.
غمغم داوود في تهكم وهو يرمقها في نظرات مغتاظة:
_أعتقد اللقب ده المفروض يتلغي ولا أيه؟!.
رغم صعوبة أن تتحدث معه دون ألقاب ولكنها هزت رأيها مؤيدة حديثه؛ فابتلع هو ريقه متمتمًا بهدوء:
_ياريت لما أمي تتصل بيكي مرة تانية متروحيش البيت غير ضيفة طول ما احنا ماشيين في موضوع الخطوبة دي.
حاولت أفكار أن تقول أي شيء ولكن منعها داوود بحركه من يده وأسترسل حديثه بوضوح ولطف:
_أنا عارف أني كويس وعارف أنها اللي طلبت منك كده هي ست كبيرة وطول عمرها مش متعودة تعمل حاجة بنفسها ولما بتصدق حد يشيل عنها ومتقلقيش أصلا خلال أقرب وقت أنا هجيب حد يساعدها في البيت، وحامد قال أنه بيدور على واحدة تقعد مع الولاد، أنا مخطبتكيش علشان تفضلي تقومي بنفس الدور أحنا محتاجين ندرس بعض وبس فاهمة يا أفكار؟!
هزت رأسها بإيجاب مما جعله يتحدث مداعبًا أياها:
_هو أنتِ هتفضلي تهزي في رأسك طول الطريق؟!.
أبتلعت أفكار ريقها بخجل ثم قالت:
_فاهمة خلاص، يلا علشان أنا اتأخرت وأمي عماله ترن وأنا عماله أكنسل عليها...
ثم قالت حينما ألقت نظرها على المكان حولهما:
_وبعدين تقدر تمشي خلاص أنا كلها كام خطوة وأكون في البيت.
هتف داوود رافضًا وهو يسير لتتبعه:
_لا لازم اوصلك لغايت البيت...
أمام منزلها كان شقيقها يخرج بانفعال رهيب من المنزل وخلفه سكر وهي ترتدي ملابسها المنزلية وفوقها خِمارها المنزلي وهي تحاول أن تردعه:
_يا ابني استني الغايب حجته معاه.
تحدث خليل بغضب جامح:
_والله لاوريها أصل البت دي عيارها فالت مهو كله من تربيتك ليها يا اما، سايبة ليها السايب في السايب دايما علشان كاسرة عينك وبتصرف عليكي..
رفع بصره بتلقائية ليجدها تأتي برفقة هذا الشاب الذي تقدم لخطبتها منذ أيام، وهنا تراقصت الشياطين أمام عينه وهو يقترب منها هاتفًا وهو يجذبها من ذراعيها بجنون قائلا:
_أنتِ كنتي فين يا بت أنتِ معاه؟! وراجعة متأخر ولا همك أيه ملكيش حاكم والله لأكسر عضمك...
أستنكر داوود طريقته فهو منذ رؤيته لهذا الرجل لم يرتح له أبدًا لذلك وضع داوود يده على يديها التي يمسكها بعنف رهيب وغمغم داوود:
_أنتَ مجنون ولا شكلك كده ما تحسن ملافظك وتراعي أننا في الشارع متتعاملش معاها بالاسلوب ده.
تحدثت أفكار بتوتر وهي تبتلع ريقها:
_روح يا داوود وسيبني أنا هتفاهم معاه..
قاطعها خليل الذي أمسكها بعنف أكثر:
_لا حنينة يابت والله لاوريكي يا أفكار هربيكي من أول وجديد أنا لغاية ما تحترمي نفسك..
كان داوود ينظر له بغضب رهيب حتى أنه على وشك أرتكاب أفعال جنونية تأتي في مخيلته لم يفعلها يومًا.......
_________________
أن تعيش وحدك لهو أمر صعب، لكن لا بأس به، لكن أن تعيش وحدك في الضراء ويركضون هم لمشاركتك السراء لهو أمر مخزي مرفوض ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه
رواية إعلان مُمَوّل الفصل السادس عشر 16 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الثامن عشر من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة ...
_____________
قاطعها خليل الذي أمسكها بعنف أكثر:
_لا حنينة يابت والله لاوريكي يا أفكار هربيكي من أول وجديد أنا لغايت ما تحترمي نفسك..
كان داوود ينظر له بغضب مخيف حتى أنه كان على وشك أرتكاب أفعال جنونية تأتي في مخيلته يومًا..........
تمتم داوود في غضب يحاول كتمه قدر المُستطاع فهو لن يتحمل هذا الرجل كثيرًا :
_يا أستاذ خليل ميصحش تكلم أختك بالشكل ده في الشارع قدام الناس وحتى لو عايز تديها نصيحة متكنش على الملأ هي كانت في زيارة لوالدتي وأنا جيت أوصلها علشان متروحش لوحدها مش مستاهلة اللي أنتَ بتعمله ده.
خرجت ضحكة ساخرة من خليل ولحقها بلفظ بذئ وهو يقول ساخرًا:
_وأنتَ بقى اللي هتقولي أتعامل مع اختي ازاي؟! أختي غلطت وبأدبها وأحنا معندناش بنات تفضل داخلة خارجة كده ويدوبك شاربين شاي عليها..
عقب داوود ولم يستطيع كبح لسانه :
_دلوقتي أفتكرت أنها أختك؟!.
هل تذكر حقًا؟! بعد تلك السنوات فهو يستطيع تخيل الأشياء والمواقف ورُبما الأزمات التي مرت على أفكار وجعلت شخصيتها تصبح بهذا الشكل...
غمغمت أفكار بانفعال وهي تنظر له:
_ خليل لم لسانك، ما تتكلمي يا أما..
تحدثت سكر أخيرًا وهي تقترب من ابنها وتقف حاجز بينه وبين داوود الذي كان على وشك أن ينقض عليه:
_يلا يا واد يا خليل روح لمراتك وعيالك يلا، وبعدين نتكلم بكرا يلا روح بقى يا ابني عيب متفرجش علينا الناس على أخر الزمن.
قال خليل في وعيد:
_علشان خاطرك أنتِ بس ياما وعلشان أنا بكبرك هروح بس، وبكرا ليا روقة معاها.
عقبت سكر بلا مبالاة فهي تعلم أنه لن يأتي غدًا:
_ماشي بكرا أعمل اللي أنتَ عايزه، يلا سلام..
لم يعقب على حديث والدته، بل غادر وهنا غمغمت أفكار بخجل رهيب أمام داوود:
_والله أحنا أسفين مش عارفة أقول أيه..
تمتم داوود محاولا الحديث بنبرة عادية حتى يخفف عنها الحرج الذي استشعره من نبرتها:
_حصل خير يا أفكار، المهم ادخلي أنتِ ارتاحي وخلي بالك من نفسك .
ومجددًا ترى تعقله مقابل الجهل الذي تغوص به، هدوءه مقابل التعصب الذي تحياه، تناقضات دفعتها لنطق كلمات لا تدري إن كانت تعنيها أو خرجت دون إرادتها :
_أنا لو منك أخلع.
رمقها داوود بعتاب وضيق حقيقي، ثم أردف:
_تصبحي على خير يا أفكار، تصبحي على خير يا حجة سكر.
تمتمت سكر بتمني وهي ترفع كفيها :
_يسمع من بُقك ربنا يا حبيبي يارب أحج بجد.
أبتسم لهما داوود، ثم غادر وهو يتجه بخطوات سريعة نحو المكان الذي أصطف بسيارته به فهو يشعر بالضيق الرهيب بسبب ما حدث كان يجب عليه فعل ما هو أكثر من ذلك، كأن يضربه حتى يدمي جسده .
ذلك الرجل يثير به زاوبع غضب تفوق وبمراحل الغضب الذي كانت شقيقته تتسبب به له...
كانت أفكار شاردة، تنظر لموضع رحيله، تشعر بالخجل الرهيب من تصرفات شقيقها تحديدًا مع شخصية مثل داوود، خطيبها السابق كان يعتبر من معارف شقيقها ويمتلك الشخصية ذاتها لذلك كان يعرف خليل حق المعرفة، لا يسوءه حديثه، ولا ينزعج من كلماته، بل في بعض الأحيان يوافقه على ما يقوله حتى لو كان ضد أفكار...
لكن داوود شخصية مختلفة...
فهي مازالت تظن أن اجتماعها به بتلك الطريقة ما هو إلا البرنامج التلفزيوني التي تشاهده "الصدمة" أو "الكاميرا الخفية" لا يوجد سبب أخر...
تمتمت سكر منتشلة ابنتها من أفكارها المبعثرة:
_جدع الواد ده من ساعة ما شوفته وأنا حاسة انه فيه شيء لله..
ضحكت أفكار رغمًت عنها من حديث والدتها فمن تلك التي تتحدث، سكر التي لم يمر لقاء لها مع داوود دون أن ينتهي بكارثة؟!
توقفت أفكار عن الضحك وهي تجد والدتها تجذبها إلى المنزل:
_تعالي أما أعرف أتاخرتي كده ليه يا مقصوفة الرقبة فكرك أنك خلصتي من أخوكي هتكوني خلصتي مني؟! وبعدين أيه الشنط دي كلها اللي أنتِ شايلاها.
أبتسمت أفكار وهي تسير معها نحو المنزل:
_دي شوكلاتات وحاجات كتير داوود جابها ليا...
امتصت سكر شفتيها تقول باستحسان :
_الله جدع والله ربنا يوفقله ولاد الحلال أنا عايزة أحلي بوقي.
_____________
وضعت الحقيبة في الغرفة بسعادة بالغة يبدو أنه أحبها بالفعل لم يقو على فراقها، وهي أيضًا قد اشتاقت له ولمنزلها كثيرًا..
خرجت من الغرفة لتجده جالسًا على الأريكة مثلما تركته..
جلست بجانبه على الأريكة وهي تضع يدها على كتفه حتى ينظر لها:
_وحشتني أوي يا حامد وكنت عارفة أنك مش هتقدر تبعد عني وهتيجي كنت واثقة..
كيف يخبرها بأنه لم يشتاق لها بالطريقة التي تتخيلها؟!
كيف يخبرها بأنه ذهب إلى المنزل من أجل والدتها فقط وحتى لا يخيب رجاء تلك المرأة وبسبب شعوره بالحرج .
كيف يخبرها بما يخجل اخبار نفسه به، بالله لم يعلم يومًا من هو لمثل حقارته .
لم يكن بوسعه سوى رسم إبتسامة باهتة على وجهه وهو يقول:
_وأنتِ كمان يا أمنية وحشتيني.
بادلته الإبتسامة وهي تقول:
_وأنا أوعدك يا حبيبي إني هفهمك ومش هعمل مشاكل تاني بس أنتَ متحاولش تخبي عليا حاجة علشان ميحصلش سوء فهم.
هز رأسه في إيجاب فأسترسلت حديثها بحماس:
_بمناسبة أني رجعت ايه رأيك نطلب أكل ونتغدى مع بعض و....
قاطعها حامد متهربًا بعد أن ألقى نظرة على ساعة يده متصنعًا أنه هناك حدث قد فاته:
_ده أنا نسيت صحيح كان عندي ميعاد مع حد في المعرض ولازم أمشي.
عبست أمنية بملامحها وهي تردد في استنكار:
_يعني معقول تمشي وأنا لسه راجعة بدل ما نقعد مع بعض شوية؟!.
غمغم حامد بهدوء:
_بكرا ان شاء الله نعوضها بس لازم امشي دلوقتي يا حبيبتي أطلبي أنتِ وكلي بالهنا والشفا...
هزت رأسها بإيجاب بعد أن ترك قُبلة على رأسها وهو يهرب من الجلوس معها لا يدري السبب، كان يريد فقط أن ينفرد بنفسه ويفكر جيدًا ولكنه لم يستطع أن يرد طلب المرأة منه فهو لم يكن ينوي إرجاعها الآن على الأقل ليصفي ذهنه.
أراد أن يعطي نفسه فرصة التفكير دون وجود ضغط من أحد أو وجود أحد حوله سواء كانت هي أو آلاء، لكن حتى تلك الفرصة كانت كثيرة ورفاهية لشخص مثله، عوقب بأن يظل حائرًا المتبقي من حياته ...
___________
عاد لمنزله بعدما انتهى من ذلك اللقاء العاصف مع خليل، لكن العاصفة لم تمر مرور الكرام على قلبه بل أثارت خرابًا داخله تاركة إياه في حالة يرثى لها .
دخل المنزل يتحرك بغضب شديد صوب غرفته دون أن يرى والدته التي كانت في انتظاره ليقص عليها ما حدث بينه وبين افكار، لكن دخوله بهذا الشكل جعلها تبتلع ريقها بريبة :
_ هو خلص على البت ولا ايه !!
انتفضت تتحرك خلفه تراه يضرب هذا وينفض هذا بملامح واجمة ..
ابتلعت ريقها تقول بقلق :
_ مالك يا داوود يا بني ؟؟ حصل حاجة ولا ايه ؟! اتخانقت أنت وافكار ؟!
نظر لها بأعين مشتعلة يقول بصوت خرج غاضبًا وبشدة :
_ محصلش حاجة ..محصلش حاجة و ..
صمت فجأة، ثم انتفض يتحرك صوب الباب حيث تقف والدته والتي حين رأت تقدمه عادت هي إلى الخلف برعب شديد صارخة، وهو وقف أمامها يقول بقوة :
_ لا فيه ...الزفت اللي اسمه خليل اخو افكار ده، محدش له دعوة بيه، ولا حد يتناقش معاه في حاجة، أي كلمة يقولها ولا كأنه نطق بيها حتى، تجاهلوه تماما عشان هو اكيد هيحاول يبوظ الجوازة بأي طريقة واضح يا امي ؟!
_ واضح، واضح يا حبيبي، بس أنت أهدى كده وقولي حصل ايه لكل ده ؟! عملك ايه اللي اسمه خليل بوز الأخص ده ؟؟
نظر لها داوود ومازال غضبه متقدًا ليس لما دار بينه وبين رامي، بل لما حدث بين هذا الحقير وشقيقته، مقهور لأجلها، انكسارها وتدمير سعادتها التي عمل ساعات على بنائها قتله .
تنفس بصوت مرتفع يقول :
_ مفيش يا امي، بس بلغي حامد ونبهي عليه ملهوش دعوة بالزفت ده مهما قال وعاد قولوا ماشي وحاضر وبس، وفي الآخر مش هيحصل غير اللي أنا عايزة واللي افكار عايزاه .
_ ماشي يا حبيبي اللي تشوفه، اهدى أنت بس وروح غير هدومك وانا ...أنا هعملك حاجة تشربها .
قاطعها قبل أن ترحل :
_ لا، متتعبيش نفسك، المهم أنا كلمت سيف يشوف المركز اللي أخته بتتعامل معاه ويشوفلك واحدة كويسة تساعدك في البيت ده لأن أنا قولت لأفكار متجيش تاني، هي خطيبتي يا اما خطيبتي وبس .
_ حاضر يا حبيبي اللي تشوفه .
ابتسم بسمة صغيرة برضا ثم قال بهدوء شديد :
_ تمام يا حبيبتي روحي ارتاحي أنتِ وانا هقعد اخلص شوية شغل وانام ..
_ ماشي يا داوود بس بالله عليك ما تزعل نفسك يابني.
_ أنا بخير متخافيش .
ربتت عليه بحب، ثم تحركت للخارج وهو اغلق الغرفة وألقى بجسده على الفراش يتنفس بصوت مرتفع يفكر في افكار وما حدث معهم .
_________________
" نعم ؟؟ يعني ايه الكلام ده ؟؟ بنتي أنا تدخل على عفش قديم بتاع ايه ؟؟ أنت بتهزر يا ياسر ولا ايه ؟؟"
ابتلع ياسر ريقه ينظر لوالدته، ثم نظر لروضة والتي كانت للمرة الأولى ملتوية الثغر ناقمة على قرار أصدره هو، للمرة الأولى لا تسانده ولا تبتسم له، شعر بالخوف أن تتراجع الآن بعد تصريحه المتردد بأمر من والدته .
حاول الحديث لتحسين الأجواء :
_ يا مرات خالي الموضوع أنه يعني، كده كده أنا بعد الجواز مش هستقر هنا مع روضة، وهاخدها واسافر الامارات، وهناك عندي شقة دوبلكس جاهزة ومستنية بس روضة تنورها، وجودنا هنا في مصر مجرد وقت صغير يعني لغاية ما نخلص الاوراق ودوشة الفرح تخلص والزيارات وبعدين أخدها واسافر، يعني الموضوع كله اسبوع او اتنين، مش معقول اشتري عفش كامل جديد عشان أسبوع او اتنين ..
ابتسمت والدته تتدخل سريعًا في الحوار محاولة أن تقنع الباقيين بالحديث بعدما ظهرت علامات الرفض واضحة :
_ أنا العفش بتاعي والله زي الجديد لاني بحافظ عليه، وليكم عليا اشتري ليها اوضة نوم جديدة يا ستي وكده كده هما في الشقة معايا لغاية ما يسافروا بالسلامة، واهي الفلوس اللي نوفرها من العفش هما اولى بيها، وبعدين يا خويا أنت عارف اللي فيها، الفلوس بتاعته كلها شغالة برا .
نظر والد روضة لابنته لا يدري ما يقول، هو منذ البداية كان أول الداعمين لتلك الزيجة، لأمور تخصه لكن مع مرور الوقت ورؤية ما يحدث مع ابنته وشقيقه بدا مترددًا بعض الشيء، لكن ابنته هي من أصرت على الأمر وتحب ابن شقيقته وهو يفعل المثل، لذلك لم يرد أن يصبح هو شرير الحكاية لذلك تنهد وقال :
_ مش انا اللي هعيش معاكم، روضة اللي هتعيش وهي اللي ليها الحق تقبل أو ترفض .
اعترضت زوجته سريعًا رافضة أي تنازل من جهتهم، يكفيهم كل ما حدث سابقًا من تنازلات :
_ أنت بتقول ايه يا ....
قاطعها زوجها بنظرة صارمة، ليتدخل ياسر لطرق الحديد وهو ساخن يقول ببسمة :
_ ها يا ست العرايس قولتي ايه ؟! نستحمل اسبوع في شقة اهلي لغاية ما تروحي وتنوري بيتك في الامارات ولا ايه ؟؟
اطالت روضة النظر في وجهه، ثم هزت رأسها ببساطة شديد تقول بعدما تذكرت أنها بالفعل تنازلت لأجل هذا لن تأتي الآن وتتوقف، تنازلت وتنازلت حتى أصبحت لا تملك المزيد لتفعل، لتننازل القليل بعد حتى تنعم في النهاية بكل ما ارادته..
تنهدت بتعب وريبة وشعور بالاختناق وقتل فرحتها :
_ تمام يا ياسر موافقة .
ابتسم ياسر بسعادة وهو يردد :
_ مش هتندمي ابدا يا ست البنات، ما تسمعينا زغروطة يا ما ..
اخذت والدته تطلق الزغاريد العالية تحت نظرات مستسلمة من الاب ورافضة من الام، لكن أمام رغبة ابنتهما وسعادتها تسقط نظراتهم ويتلاشى رفضهم ...
_________________
كان ما يزال يتقلب في فراشه كمن ينام على جمر مشتعل، لا يستطيع النوم دون أن يطمئن عليها، يود الاطمئنان فقط، سماع صوتها أنها بخير.
حمل الهاتف واطال التحديق به قبل أن يقرر أخيرًا الاتصال بها وليحدث ما يحدث، لا يدري ما يحدث له منذ أيام، فجأة شعر بالراحة تجاه افكار، ومن بعد تلك الراحة تدافعت داخله العديد من المشاعر الأخرى والتي تخص بدورها افكار، كالمسؤولية والحنان والقلق عليها، وكأنه كان يمنع كل تلك المشاعر بسد وبمجرد أن رفع رايته البيضاء لها أنهار ذلك السد محدثًا فيضان مشاعر لم تستطع سدود التعقل الصغيرة منعه والتحكم به.
وضع الهاتف أعلى أذنه يهتف داخله برجاء أن تجيب، وكالعادة ثواني حتى وصل له صوتها أبح لشدة بكائها، فهي وبعد أن ادعت أمام والدتها أن ما حدث لم يؤثر بها مما جرت العادة، دخلت غرفتها تنفجر في بكاء مرير كما جرت العادة، تظهر أمامهم بمظهر صخري لا مبالي، وحين تختلي بنفسها تتذكر كم هي ضعيفة بائسة .
خرج صوتها به نبرة بكاء واضحة :
_ الو...
ابتسم داوود بحنان يردد :
_ تعرفي أنا ترددت كتير اني اكلمك في الوقت ده ..
مسحت افكار دموعها من الجانب الآخر تقول بتقرير :
_ اكيد عشان الوقت متاخر والموقف الزفت اللي حصل ..
وصلتها اجابة داوود والذي أراد أن يزيح القليل من حزنها جانبًا :
_ لا عشان آخر مرة عملت نفس الموقف ندمتيني عليه يومين كاملين .
فجأة وصل له عبر سماعات الهاتف صوت ضحكات صاخبة من فم افكار التي قالت مجففة دموعها :
_ ما هو أنت اللي غريب اساسا، يعني ايه تتصل بيا في نص الليل تقولي عايز السكر ؟؟ يعني هي كوباية الشاي هي اللي احيتك ؟!
صمت داوود يتنفس بشكل ملحوظ لها وصوت مرتفع قبل أن يقول :
_ عايزة الحق ؟؟ أنا اساسا وقتها مكنتش عايز شاي، خدي الكبيرة أنا اساسا مليش في الشاي، أنا بس كنت متصل عشان اعتذر منك بس محبتش ابقى مقفوش اوي فجبتها في الشاي .
ابتسمت افكار من الجانب الآخر تردد بهدوء وقد بدأت تندمج معه في الحديث :
_ عايز الحق؟؟ كان واضح على فكرة أنك مش متصل عشان الشاي وانا مرضتش ابينلك عشان متحسش أنك مقفوش اوي ..
اتسعت عين داوود قبل أن ترتسم بسمة على فمه :
_ بجد والله ؟؟
_ بجد والله .
_ طب بعد كده فكريني محورش كتير طالما هتقفش .
ضحكت افكار بسعادة لكلماته الهادئة والرقيقة، ودون أن يشعر ايًا منهما قضيا ليلة في الحديث دون وعي لا للزمان أو المكان ..
وفي النهاية تحدث داوود بجدية :
_ افكار مش عايزك تزعلي من اي حاجة، لا من اخوكِ أو من أي حد، صدقيني أنا والله هعمل كل اللي اقدر عليه عشان اخلي الفرح يخرج بالشكل اللي عايزينه، أنتِ بس اي شيء يتقال قدامك متحرقيش دمك عليه وخليه يعدي، وانا هتصرف اتفقنا ؟؟
همهت افكار بخجل شديد ثم قالت تخرج ما يعتمر صدرها من أفكار وشكوك :
_ أنا حاسة بجد أن الموضوع بيتقل اكتر عليك و...
ولم تكد تكمل كلماتها حتى قاطعها هو بجدية ونبرة حادة بعض الشيء :
_ افكار أنا مش بقول كده عشان تحسي نفسك تقيلة او غيره، أنتِ باذن الله قريب جدا هتكوني زوجتي فاوعي تفكري في يوم أنك بتتقلي عليا أو بتعملي شيء بيزهقني، أنا كل خطوة بخطيها في الموضوع ده بكون متحمس ليها وسعيد بيها .
ابتسمت افكار بخجل وصوته يصل لها هادئًا :
_ واضح ؟؟
_ واضح .
ابتسم ثم قال كي ينهي ذلك الاتصال مخافة أن يطول بينهما الحديث، فهو اتصل لغرض وحققه، تنفس بهدوء يقول :
_ طيب يا افكار روحي نامي يلا ومتزعليش من حاجة. .
ابتسمت افكار وودت لو تخبره أن وجوده يلغي كل حزن داخلها، لكن كل ما خرج منها هو :
_ حاضر ..تصبح على خير.
_ وأنتِ من أهل الخير، سلام عليكم .
اغلق المكالمة يتنهد واخيرًا براحة يمنح عيونه البطاقة الخضراء كي تسقط في النوم بعدما اطمئن عليها.
وعلى الجانب الآخر كانت افكار عكسه تمامًا فالسعادة داخل صدرها منعتها لذة النوم، لكنها أبدًا لم تكن متهكمة، بل كانت وللمرة الأولى في حياتها ....راضية .
____________
في اليوم التالي..
وتنفيذًا لوعوده لها جاء داوود اليوم طالبًا أن يأخذ أفكار معه من أجل أمر هام وحينما سألته أفكار ووالدتها عن الأمر أخبرهما بأنها مفاجأة.
ووافقت سكر على مضض وهي تقف أمام باب الشقة تودعهما قائلة بصرامة:
_خلي بالك على نفسك يا أفكار، وأنتَ يا داوود يا ابني بلاش تعملنا مشكلة زي المرة اللي فاتت وبعدين أحنا عيلة محافظة ياريت ترجعها الساعة ١٢ لو بعد كده هيحصل مشكلة كبيرة.
ضيق داوود عيناه وتحدث ساخرًا:
_عيلة محافظة وعايزاني أرجعها ١٢ أومال لو مكنتوش عيلة محافظة بقى يا سكر ؟؟
ضحكت بتوتر ثم قالت محاولة أن تتفادى أي كارثة على وشك الحدوث، كشجار جديد ينضم إلى قائمة الشجارات الطويلة بينهما:
_بتهزر معاك يا داوود ماما بتحب تهزر مع اللي بتحبهم..
مالت عليها سكر وهي تقول بنبرة هامسة:
_بحبه أيه؟! هو علشان شكرت فيه مرة أبقى بحبه أيه الدم السم ده؟؟
سمعها داوود ولكنه أردف ببشاشة متجاهلًا حديثها:
_يلا يا أفكار علشان منتأخرش..
___________
أمام مركز تعليمي أصطف داوود بسيارته..
وطلب منها أن تهبط هي الأخرى لمحت اللافتة الكبيرة العريضة للمركز ولكنها أخبرت ذاتها بأنه فقط سيصطف سيارته هنا، ثم سيأخذها إلى مكان أخر وصراحة لم تستطع أن تكبح فضولها أكثر من ذلك..
_هو أيه بقا المفاجأة وأنتَ جايبني فين ممكن افهم؟!.
تحدث داوود وهو يشير على اللافتة مفجرًا القنبلة:
_جايبك هنا.
مركز تعليمي..
مركز تعليمي..
مركز تعليمي...
أخذت تقرأ اللافتة الذي أشار عليها أكثر من مرة ظنًا منها بأنها قد أخطأت في القراءة.
تحدثت أفكار ساخرة:
_هو دي الكاميرا الخفية ياخويا ولا أيه في يومك ده جايبني سنتر هو أنا جاية أخد درس؟!.
تمتم داوود بعد أن هز رأسه نافيًا:
_لا النهاردة مفيش دروس ده مجرد تحديد مستوى.
نظرت له بعدم فهم ثم قالت:
_يطلع أيه تحديد المستوى ده؟! مش فهماك..
تحدثت داوود موضحًا:
_صاحب بابا الله يرحمه..
قاطعته أفكار قبل أن يستكمل حديثه:
_ربنا يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت رأسه قادر يا كريم.
غمغم داوود في نبرة هادئة:
_المهم يعني السنتر ده بتاع صاحبه مدرس لغة عربية وابنه مدرس إنجليزي وأنا كلمتهم عنك وقولتلهم يعملولك قياس مستوى بسيط علشان يعرفوا يبدوأ معاكِ من فين، علشان لما نقدملك على المدرسة يكون مخك شغال لأن عدى كتير أوي وننعشه .
رمقته أفكار باستخفاف وهي تغمغم في استنكار وتكبر شديد :
_يكون مخي شغال؟! أنتَ غلبان أوي بجد، أنتَ متعرفش مخي، ده أنا مخي يوزن بلد بحالها مش بالعلام هو، وبعدين ده أنا فاكرة كل حاجة كأنها امبارح .
صمتت تلوي ثغرها بحنق وسخرية من ذاتها :
_ ده انا قولت عازمني على الغدا أو رايحين كافية أو رايحين أي مكان حلو ولبست الحتة اللي على الحبل وأنتَ تقولي قياس مستوى مكنش العشم يا داوود .
نظر لها داوود ثم تنهد يقول بهدوء شديد :
_ افكار عشان نكون على نور بس، أنا كل اللي بعمله وهعمله عشانك وعشان نفسك، عشان لما يعدي ليكِ العمر متحسيش إن حاجة فاتتك، أو أنك اتاخد منك كل فرصك أنك تعيشي زي ما أنتِ عايزة، عايزك تحسني حياتك عشان نفسك، أنا والله العظيم وحلفان اتحاسب عليه لا هاممني تعليمك ولا غيره، اصل مش همشي بشهادتك في الشارع، أنا بس بعمل كده عشان افكار وبس .
ابتسم يكمل :
_ عشان افكار تكون فخورة بأفكار.
تنهد بصوت مرتفع ثم تحدث في رجاء:
_اوعدك بعد الامتحان هاخدك نروح المطعم اللي تشاوري عليه وأغديكِ وأعمل ليكِ اللي أنتَ تعوزيه بس نطلع علشان أحنا أصلا اتأخرنا على الراجل.
ابتسمت له بسمة واسعة وقد تحمست للأمر:
_إذا كان كده من عنيا امتحن وهشرفك ده أنا هجيب امتياز استنى عليا بس...
بعد وقت صعد فيه داوود هو وأفكار إلى الأعلى وقابلوا ذلك الرجل الذي تحدث عنه داوود والذي كان صديق لوالده.
ترك أفكار في غرفة بمفردها تنهي الإجابة على الأوراق المتواجدة أمامها وبعد أن أنتهت أعطت الورقة للرجل ليقوم بتصحيحها ..
مرت دقائق وهي تراقب ملامح المعلم الذي كان يراجع اجابتها بملامح غير مفسرة، وهي تنتظر، واخيرًا نهض ليعطيها إياها.
تلقفت أفكار الاوراق بين يديها بلهفة، متسعة الأعين ، على وشك أن تخرج "زغرودة" منها، ولكنها تمالكت نفسها بصعوبة وهي تخرج لداوود مبتسمة الفاه، ليسارع هو لها يردد:
_ها عملتي أيه؟!.
تمتمت أفكار والورقة بين يديها بتفاخر:
_قولتلك معايا اعدادية، اعدادية يا ابني وكنت دخلت الدبلوم بس مكملتش وأنتَ بتسأل عملت أيه؟! عيب عليك بتقل مني والله يا داوود، وبأخد على خاطري منك.
تحدث داوود بحماس لا يستطيع تحمل لهفته :
_قولي جبتي كام؟!!!!..
هتفت أفكار بكل فخر واعتزاز:
_ستة.
رمقها بعدم استيعاب، ثم غمغم داوود في نبرة عادية:
_الساعة لسه مجتش ستة، متقلقيش مش هنتأخر...
قاطعته أفكار متهكمة:
_جبت ستة، ساعة ايه اللي بتتكلم عنها؟؟
أتسعت أعين داوود بذهول إذا حصلت على تلك العلامة كيف لها أن تخرج بتلك الابتسامة؟!..
_أنتِ بتهزري صح؟!
هزت أفكار رأسها نافية ثم أستطردت:
_لا مش بهزر جبت ستة من ثلاثين أينعم الراجل كان جايبلي خمس ورقات معرفش أيه دا كله يعني؟!! بس انا شرفتك.
_ستة من ثلاثين وتقولي شرفتيني؟!!!..
هتفت أفكار بتعالي:
_جرا أيه يا داوود مالها الستة من ثلاثين ده أحمد ربنا أنا مكنتش محضرة ولا مذاكرة دي كلها معلومات بحاول استحضرها من سنين، بالك أنتَ لو كنت عرفتني كنت استحضرت المعلومات كلها وجبت الدرجة النهائية .
_أيه هتعملي ليها زار وتجبيها ولا أيه؟!.
_أنتَ بتقول فيها.
أردف داوود بحسرة يضع يده أعلى رأسه:
_العوض على الله.
خرج صديق والده ويعطيه الورقة الخاصة بالدرجات وتوزيعها وكل ما يخصها، ويتحدث في نبرة جادة:
_جابت خمسة ونص من ثلاثين.
رمقها داوود في ذهول وهو يرى النتيجة الموضوعة على الورقة وبعد ان استمع لكلمات الرجل وقال مستنكرًا:
_مش قولتي جايبة ستة يا أفكار ؟؟
ردت أفكار بتلقائية شديدة:
_ انا قولت النص بيترفع..
ثم وجهت حديثها للرجل:
_هو النص مش بيترفع ولا ايه هنا يا مستر؟؟؟؟؟؟؟؟
_____________________
«وكأنه كان يمنع كل تلك المشاعر بسد وبمجرد أن رفع رايته البيضاء لها أنهار ذلك السد محدثًا فيضان مشاعر لم تستطع سدود التعقل الصغيرة منعه والتحكم به. »
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه
رواية إعلان مُمَوّل الفصل السابع عشر 17 - بقلم رحمة نبيل
الفصل التاسع عشر من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة.
بنعتذر على التأخير بسبب ظروف لينا، وراجعنا الفصل والله بسرعة، باذن الله المرة القادمة يكون اتنين .
قراءة ممتعة
__________
تجلس أفكار أمامه في المطعم تقوم بتناول طعامها في نهم رهيب لا يدري حقًا من أين أتى لها؟!!..
كيف شعرت بتلك الرغبة في تناول الطعام بعد ما حدث؟! هو يراقبها فقط ولا يتناول شيء مازال الطبق المتواجد أمامه ممتلئ مثلما وضعه النادل، هو أتى فقط لأنه قد قطع على نفسه عهدًا أنه سيذهب معها لتناول الغداء، ولكنه فقط شهيته بعد ما حدث وتلك العلامة المنخفضة جدًا.
انتبهت أفكار أخيرًا وهي تبتلع الأرز الذي يحملق به بنظراته مما جعلها تبتلع الطعام بتوتر وهي تقول في اعتراض:
_ عارف أيه أكتر حاجة بكرهها؟!.
نظر لها داوود بعدم فهم مُعقبًا:
_أيه هي؟!.
تحدثت أفكار بضيقٍ:
-أن حد يفضل مبحلق في أكلي مش عارفة أبلع اللقمة لو كان نفسك في الرز البسمتي والفراخ المشوية مكنتش طلبت الخضار المشوي وحتة اللحمة دي بدل البحلقة دي في أكل غيرك.
ينتابه شعور غريب برغبته في قتلها وهذا الشعور ليس غريب عليه، فهو منذ رؤيته لها وتراوده تلك الفكرة، بل الغريب حقًا بأنه رغب في أن يضحك بسبب تعبيرات وجهها، لكن في كل الاحوال لم يفعل هذا أو ذاك بل تحدث ساخرًا:
_أنا مش عارف ازاي ليكِ نفس تأكلي بعد اللي عملتيه ده، جايبة خمسة ونص من ثلاثين وعماله تأكلي ولا همك.
أردفت أفكار في تهكم وهي تنظر له في نزق:
_وأيه يعني هموت نفسي يعني؟! وبعدين هو كان امتحان البكالوريا؟! ما أنا طول عمري مستوايا كده وبأكل وبشرب وزي الفل ولا ناقصة ايد ولا ناقصة رجل، ومخي يوزن بلد ودي....
قاطعها داوود في نبرة متهكمة:
_لا مش محتاجة تقوليها المعلومة دي أنا عارفها كويس وعارف افكارك كلها، أنتِ أفكار وكلك أفكار.
ابتسمت أفكار رغم إدراكها الكلي أنه يسخر منها بعض الشيء ويقصد بعض المواقف التي فعلتها ولم تعجبه، ولكنها أحبت ملامحه وشعرت بأن حديثه قد يحمل معنى جيد، لا تدري هل هذا من حماقتها أم أنها باتت تتلاشى الغضب منه؟!...
لكنها على أي حال في أقصى مراحل سعادتها بسبب جلوسها معه..
شعور عجيب لا تستطيع وصفه..
تمتمت أفكار وهي تقطع جزء من الدجاج المشوي المتواجد في طبقها وتضعه في طبقه متمتمة:
_كُل بس ياخويا الامتحانات بتروح وتيجي أهم حاجة الغدا الحلو اللي يصلب طولك، كل علشان شكلك ضعفان شوية اليومين دول.
ردد كلمتها الاخيرة باستنكار:
_ضعفان؟!.
_ايوة يعني خاسس كده، شكلك في اللغة العربية مش كويس أبقى أحضر معايا الدروس بقى.
ضحك داوود من قلبه رغمًا عنه وهو يقول:
_معاكِ حق أنا محتاج أحضرها فعلا، يبقى نحضرها سوا يا افكار .
نظرت له ببسمة وكأنها تشجع تلك الفكرة لينفجر في الضحك على ملامحها تلك ويبدأ في تناول طعامه بهدوء وهو يتحدث لها بكلمات لطيفة، وقد تقبل كليًا أن أفكار تعجبه لأنها أفكار...
____________
ذهب وأخذ الكثير من المقرمشات والحلوى التي يفضلها أبناؤه ولن ينكر أنه أختار بعض الاشياء التي تروق إلى ألاء جدًا فهو مازال يتذكر كل شيء يخصها ما تحب وما تكره، قرع الجرس وظل واقفًا أمام الباب بحماس كبير ويقوم بضبط ياقة قميصه وينتظر أن يُفتح الباب له..
وبالفعل ما هي إلا دقائق وفتحت ألاء الباب بنفسها، وهي ترتدي إسدال الصلاة الخاص بها فقد أنتهت لتوها من أداء فريضتها ..
_حامد!!.
تمتم حامد في بشاشة:
_أنا جيت علشان اشوف العيال أصلهم وحشوني أوي.
قال كلمته الأخيرة بتلميح ملحوظ فهي تستطيع قراءة عينه ومعرفة ما يقصده وما يخبئه خلف كلماته ولكنها تحدثت بانزعاج واضح:
_ ومتصلتش ليه قبل ما تيجي؟!..
أردف حامد في تهكم:
_هو أيه اللي متصلتش ليه؟!! كلنا في نفس المنطقة قولت بس هديهم الحاجات وأسلم عليهم وامشي أيه الغلط في كده؟!.
تمتمت ألاء بجمود:
_ولا غلط ولا حاجة بس هما جوا في الاوضة وأنتَ مش هينفع تدخل البيت علشان ولا بابا ولا ماما هنا فكان المفروض تتصل قبل ما تيجي.
بكل جدية كان حامد يسألها:
_ليه راحوا فين؟!.
كانت على وشك الصراخ فيه وهي تقول بغضب:
_أبقى أتصل اسألهم لو قلبك واكلك عليهم.
مد حامد يده بالأكياس البلاستيكية مغمغمًا بأدب لا تصدق أنه يخرج منه:
_خلاص طيب مدام مش هينفع أدخل ادي دول للعيال.
أخذت منه الأكياس قائلة بنبرة عادية:
_ماشي.
أخيرًا قرر الاعتراف بخطئه وهو يعتذر لها متمتمًا:
_أنا اسف بسبب اللي عملته في الخطوبة أنا غلطت واتصرفت بطريقة غلط خصوصًا لما شجعت العيال على كده.
_طيب.
ردد كلمتها البسيطة باستغراب وهو ينظر لها هل حقًا هذا ردها:
_طيب!!!.
هزت رأسها في إيجاب ثم غمغمت بتسلية:
_عموما مكنش ليا نصيب ان شاء الله ربنا هيعوضني بالاحسن واللي يستاهلني، وأنا مش زعلانة كده كده مكنتش بحبه ربنا يرزقني بالانسان اللي احبه ادعيلي، اللي مزعلني بس على فكرة أنك شجعت الولاد على حاجة زي كده.
أتبعت حديثها ببساطة:
- يلا مع السلامة.
أنهت حديثها وأغلقت الباب في وجهه دون أن تسمع رده تاركة أياه يحترق بنيران أشعلتها قاصدة، فليحترق قليلا كما يفعل بها...
____________________
"بعد مرور بضعة أيام"
في أحد المساجد كان يتم عقد قرآن ياسر وروضة بحضور العائلة وعدد محدود جدًا من الأصدقاء حسب رغبة ياسر بألا يقوموا بدعوة الكثيرون فهو لا يحب الازدحام فليفعلوا ما تريد في حفل الزفاف..
بعد أن عقد الشيخ عقد القرآن وقال جملته الشهيرة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"
تعالت "الزغاريد" والتهليلات والسعادة كانت تغمر الجميع تحديدًا حينما نهضت روضة وأخذها ياسر في أحضانه تاركًا قُبلة على رأسها وبعدها ذهبت إلى صديقاتها وأقاربها كي يقوموا بتهنئتها تاركة له الحرية أيضًا مع الأصدقاء..
على أحد الجوانب كانت والدة روضة تقترب من والدة ياسر التي كانت تذرف دموع الفرح، فقالت الأولى بهدوء:
_أم ياسر، ايه فين الكانزات عايزين نوزع على الناس كتب الكتاب خلص.
ضربت والدة ياسر يدها على صدرها قائلة في صدمة كبيرة وتصنع واضح وضوح الشمس:
_يالهوي ده أنا نسيتهم في البيت الواد ياسر الله يسامحه فضل يستعجلني أنا وأبوه بعد ما خلص لبس ونسيت خالص.
تحدثت والدة روضة وهي تكز على أسنانها:
_وهي دي حاجة تتنسي؟!!.
غمغمت والدة ياسر في انفعال:
_ما خلاص بقى يا مرات اخويا أعمل ايه يعني؟! نسيت واللي حصل حصل..
هي ليست مجنونة حتى تفتعل شجار في هذا اليوم الخاص بابنتها فتركتها وذهبت ناحية زوجها قائلة:
_اختك بتستعبط وبتقول أنها نسيت الحاجة الساقعة ومش عارفة تعمل ايه؟! أيه الناس تقول علينا أيه؟!!.
رمق شقيقته من بعيد بضيقٍ، ثم غمغم بهدوء محاولً ألا يعطي المساحة لزوجته للحديث أكثر من ذلك:
_خلاص حصل خير أنا هبعت الواد محمود يجيب من أي حته قريبة ويجي متقلقيش.
في الوقت نفسه كانت روضة قد أقتربت منهما فكانت تشعر بالدهشة بأنهما في هذا الوقت الهام بالنسبة لها لا يقفا بجوارها وسمعت حديثهما ولم تدعهما يشعرا، بل سارت بخطواتها وتوجهت صوب ياسر الذي أبتعد عن صديقه بمجرد أن رأها وأقترب منها قائلا في ابتسامة واسعة:
_أيه يا قلبي؟!.
تحدثت روضة بضيق شديد:
_هو أيه اللي أيه يا قلبي؟! يعني ازاي تنسوا الحاجة الساقعة دي أمك قصدها بقى تبوظ اليوم..
غمغم ياسر متصنعًا أنه لا يفهم عن أي شيء اتحدث:
_أنتِ بتتكلمي عن أيه؟!.
بملامح غاضبة ونبرة مغتاظة كانت روضة تجيب عليه:
_يعني مش عارف بتكلم على أيه؟! بقولك مجيبتوش الحاجة الساقعة معاكم وأبويا رايح يتصرف بدل ما نتفضح قدام الناس....
قاطعها ياسر بانفعال أربكها جعلها تصمت حينما وجدت أن الجميع بدأ ينتبه لهما:
_مدام أبوكِ هيتصرف يبقي تنقطينا بسكاتك نسينا وخلاص مش هتفتحي لينا محضر يا روضة، إيه من أولها نكد هو أحنا لحقنا؟! لا بقولك أيه أنا مبحبش النكد والقرف ده اتعدلي يا روضة..
اتسعت أعين روضة في تلك اللحظة وقد شعرت لثواني بصدمة ضربت رأسها كمطرقة، ابتلعت ريقها وهو أدرك فجأة أنفعاله، فتنفس بصوت مرتفع يقول بهدوء :
_ أنا آسف يا روضة بس أنا مش بحب نعمل نكد من لا شيء، طالما الموضوع اتحل لازمتها ايه نتكلم ونبوظ يوم زي ده ؟؟
نظرت له باستنكار شديد ولم تكد تجيبه، حتى أقترب منهم رجل ما قائلًا ببشاشة جابرًا روضة أن تصمت:
_ألف مبروك يا ياسر...
انشغل معه ياسر سعيدًا أنه أنقذه من دقائق كان سيقضيها لتبرير موقفه لها، وهي فقط ابتعدت ببطء صوب أحد الأركان حيث رفيقاتها دون كلمة ودون رد ...
____________________
كان منزل أفكار البسيط يبدو الآن كجنة بالنسبة لها، فروع الإضاءة الملونة في كل مكان، وكذلك الزهور موضوعة في جميع الأركان، وهناك العديد من الرجال يحملون الحلوى والمشروبات لوضعها أعلى طاولة في ركن المنزل، وأمام المنزل تزينت الحارة احتفالًا بخطبة افكار، أمور لم تحدث في خطبتها الأولى حيث رأى خطيبها السابق أن تلك الأمور صورية ولا فائدة ترجى منها، لا والله، فرحتها الآن هي أكبر من أكبر فائدة ..
ابتسمت أفكار وهي تخرج من غرفتها مع خليل الذي جاء يناديها، كانت تشعر أن دقات قلبها قد وصلت لأعلى معدل لها، هي سعيدة، سعيدة لأنها الآن تعيش كأي فتاة، تستشعر لحظات حلمت بها قديمًا ..
وفي أحد أركان المنزل حيث تنتظر عائلة داوود كان يشير داوود بعيونه لحامد صوب شقيق أفكار الأوسط والذي كان يسمى راضي يقول بهمس :
_ أنت عارف اللي هتعمله يا حامد ..
ابتسم له حامد غامزًا يتحرك بعيدًا عن داوود، ثم اتجه صوب راضي الذي كان يقف على باب المنزل يدخن سيجارة بشراهة، ربما هذه هي الثالثة التي يخرجها ويرتشفها بكل نهم..
_ مساء الخير .. ألف مبروك لاخت حضرتك يا استاذ ...
استدار راضي صوب حامد يبتسم له بسمة بسيطة :
_ راضي .
_ أيوة اتشرفت يا استاذ راضي، أنا حامد اخو العريس الكبير .
_ أيوة شوفتك وانت داخل معاه .
ابتسم له حامد ثم تنحنح وهو يقف جواره قائلًا :
_ أنت بقى الاخ الصغير ؟؟
_ لا أنا الوسطاني اللي بعد خليل على طول .
هز حامد رأسه ثم ابتسم يفتتح معه الحوار الذي اتفق مع داوود عليه :
_ أيوة بس شكلك مش زي خليل ابدا، يا جدع خليل شكله شديد شوية، إنما أنت ماشاء الله باين عليك فرفوش كده.
ابتسم له راضي يهز رأسه ببطء، ليسمع صوت حامد يقول :
_ بص يا راضي أنا ارتحت ليك، الصراحة أنت عارف أن خليل اخوك عليه طلعات مش لطيفة، وانا زيي زيك خايف الخطوبة بتاعة اخويا تبوظ، وأنت كمان دي اختك فـ ..
أخرج علبة سجائر يمدها لراضي وهو يقول ببسمة ماكرة :
_ فايه رأيك تساعدني في أننا نعدي اليوم على خير ؟؟
نظر راضي لعلبة السجائر يلتقطها من يد حامد وهو يقلبها بين أنامله، فقد كانت من نوع فاخر للغاية، ثم ابتسم يقول :
_ اكيد طبعا دي اختي يا جدع، بس نعدي اليوم ازاي لا مؤاخذة يعني نعمل ايه ؟؟
نظر حامد حوله لا يود أن ينتبه له أحد :
_ يعني كل ما تشوف خليل هيتدخل ويعكها شده بعيد وهديه وخليه يمرر اليوم، اقولك الزق لخليل وخليه ميقربش من العرسان لغاية ما نخلص .
أخرج راضي السيجارة من فمه وهو ينفث سمومها قائلًا بصوت أبح :
_ أيوة بس اني الزق لخليل دي مش سهلة، ده عيل ايده تقيلة وميقدرش عليه غير الشديد القوي، وعلبة السجاير دي مش كفاية عشان أضحي اوي كده .
انقبضت ملامح حامد بحنق شديد من هذا الشاب الجشع، يتنهد بشفقة وهو يدعو الله أن يخلص تلك المسكينة أفكار منهم على خير، الآن فقط أدرك أن شقيقه ألتقط جوهرة نادرة من الوحل، تلك الفتاة عزيزة النفس التي ترفض أخذ قرش دون أن تكد وتتعب به كيف نشأت بين هذين الاثنين؟!!! .
_ أنا مش معايا علبة تانية، بس ممكن ادفعلك حقها اتفقنا ؟؟
ابتسم راضي غامزًا :
_ اتفقنا ..
وعند داوود كان يعدل ثيابه وهو يراقب حامد يتمنى أن ينجح في إقناع الصغير بمراقبة خليل وإبعاده اليوم عنهم، هو سيفعل المستحيل كي يتأكد من مرور اليوم بسلامة وعدم إفساده لأجل أفكار فقط ..
ثواني ولمح حامد يقترب منه مبتسمًا، تحرك داوود صوبه بسرعة يهمس له بلهفة :
_ ها يا حامد عملت ايه ؟!
_ معفن اوي بعلبتين سجاير سكت .
تنفس داوود براحة لا يهم أي شيء، فقط تمر الليلة بسلام :
_ مش مشكلة يا حامد، اهم حاجة محدش يعرف باللي عملته ولا حتى امك يا حامد، مش عايز كلمة توصل لأفكار وأنت عارف لسان امك في ودان افكار ..
هز حامد رأسه:
_ عيب عليك محدش هيعرف باللي حصل ده ابدا .
تنهد داوود براحة قبل أن يسمع صوت حامد يردد بهدوء وهو ينظر خلف ظهره :
_ أفكار جات .
استدار داوود بسرعة كبيرة ولهفة لا يدري مصدرها، ليراها تتقدم منه وهي تتأبط ذراع خليل الذي كانت ملامحه لا تخبرك أنه يحضر خطبة شقيقته، بل هو أشبه بعاشق ذاهب لحضور جنازة محبوبته ..
لم يهتم له داوود وهو يتحرك صوب المكان المخصص لهم، والذي اوصى بتزيينه بالورود البيضاء والأضواء المبهجة، ابتسم يستقبلها بنظرات حنونة وهي كانت تنظر له بخجل، وبمجرد أن نزعت يدها عن مرفق خليل حتى جاء راضي وسحب الاخير بسرعة من بينهم بحجة الحديث في أمر هام .
ابتسم داوود باستحسان لراضي، على الأقل هو مخلص في عمله...
توقفت جواره أفكار وهي تبتسم بخجل، ليميل عليها داوود هامسًا :
_ تبارك الله زي القمر يا افكار ..
اتسعت أعين افكار بصدمة ترفع رأسها له بسرعة هامسة:
_ بجد والله عجبك الفستان والميكب ؟؟
ضحك داوود لملامحها التي تلاشى منها الخجل وحلت الصدمة محله :
_ بجد يا افكار .
اتسعت بسمة أفكار بقوة وهو نظر لها ببسمة هادئة، ليسمع الجميع صوت زغاريد النساء يصدح في المكان وقد بدأ الرجال يوزعون المشروبات على الجميع، واقتربت جيهان تحمل علبة من القطيفة بها الذهب الذي انتقاه الجميع سابقًا .
فتحت العلبة تمدها لأفكار والتي بدأت تلتقط منها الخاتم ترتديه وكل شيء وهي تشعر بالحرارة تجتاح جسدها بأكمله، وكذلك حمل داوود خاتمه الفضي يرتديه، ثم نظر لها يقول بهدوء :
_ مبارك يا أفكار ..
رفعت أفكار عيونها له، ثم نظرت حولها لفرحة الجميع التي تشهدها للمرة الأولى والدتها ترقص وهي ترحب بالجميع وكأنها تزوج اول ابنائها، الجميع حولها فرح واليوم يمر بسلام لم تتوقعه :
_ شكرا يا داوود، شكرا جدا .
مال داوود عليها بعض الشيء يهمس بنبرة شبه مرحة ولكنها خرجت منه سعيدة، هو حقًا سعيد بشكل لم يتخيله أو يعلم سببه ولن يرهق عقله في هذه اللحظة لمعرفته :
_ العفو ..العفو يا افكار .. أي وقت وأي لحظة .
أبعدت أفكار عيونها عنه بخجل شديد وهي تراقب فرحة الجميع وهو يراقب فرحتها، كلٌ يراقب ما يحب وما يفرحه ...
_______________
دخل المنزل بعد انتهاء الخطبة وهو يجر قدمه بتعب وإرهاق شديد، كان قد ترك أمنية أمام المنزل قبل أن يذهب ناحية منزل أمه لتوصيلها فهي عادت بمفردها معه، فأصرت أفكار ووالدتها على أن يتعشى معهما داوود، بينما حامد أستأذن بأدب وكذلك جيهان تاركين داوود يجلس على راحته ويستمتع بيومه..
إرهاق شديد أصابه، لكن الحقيقة إرهاق ممتع وإرهاق جميل، أن يشاهد سعادة شقيقه بأعينه لهي متعة بحد ذاتها، في حين كانت وقتها أمنية كانت منطوية وتجلس على المقعد الخاص بها طوال الخطبة لا تتحرك من فوقه، فهي لم يعجبها الحي بأكمله، الفتاة تبدو جيدة رغم كل تصرفاتها السابقة التي قامت بها في اللقاءات القليلة بينهما، ولكنها ترى أنهما مختلفان جدًا عن بعضهما، تشعر أن داوود يبعد عن أفكار بعد المشرق والمغرب، لكن في النهاية هي لا علاقة لها بكل تلك الأمور حقًا، ليكتب لهما الله الخير .
تحرك حامد صوب غرفته كي يرتاح قليلًا، لكن فجأة توقف على صوت أمنية التي قالت :
_ حامد، مش عايز تاكل؟!.
ابتسم حامد ينظر لها بهدوء :
_ لا يا أمنية أنا اكلت قبل الخطوبة ومليش نفس، ممكن لو جعانة تأكلي أنتِ أو لو عايزة اطلبلك اكل ..
تغيرت ملامح أمنية وتلاشت بسمتها التي حاولت أن ترسمها على وجهها :
_ لا تسلم يا حامد أنا مش جعانة اكل، أنا جعانة اهتمام، وكنت واخدة الاكل ده حجة عشان نقعد مع بعض زي زمان ..
نظر لها حامد قليلًا يشعر بإحساس سييء داخله، هل يظلمها، ويظلم نفسه كذلك معها ؟؟ هو يرغب، يرغب وبشدة أن يهتم بها، ويحبها ويجلس معها للتحدث بود كأي اثنين، لكن ...لا يستطيع، هذا هو سبب أنه لم يرد أن تعود في هذا الوقت، لم يرد أن تعود قبل أن يفكر جيدًا في الأمر، أراد استراحة مع ذاته بعيدًا عن الجميع، لكن والدتها جرته من تلك الاستراحة لتلقيه في أعماق الحيرة .
_ أمنية أنا بس ..أنا بس عايز ارتاح مش اكتر وبكرة ...
قاطعته بصراخ وقد فاض بها :
_ وانا برضو .. وأنا برضو عايزة استريح يا حامد، أنا برضو عايزة استريح، عايزة أرسي على بر بدل ما أنا من بحر لبحر ومن موجة لموجة ومش عارفة أنت عايز ايه مني ؟!
سقطت دموعها وقد شعرت بالقهر يملئها، وحامد مسح وجهه بقوة يشعر بالعجز عن إيجاد الراحة له ولمن حوله :
_ وأنتِ يعني مفكراني مبسوط ؟! مفكراني مبسوط بحياتي وكل اللي عايشة ده ؟! هو فيه انسان هيكون مبسوط وهو عايش حياة مش عارف هو عايز ايه فيها ؟؟
نظرت له بدموع تشعر بأنها فاشلة، فاشلة كبيرة، لا تحسن الحفاظ على منزلها، لم تنجح في مساعدة زوجها لتخطي حياته السابقة، لم تحافظ على علاقتها معه...
ابتلعت ريقها تقول بصوت منخفض وتعب :
_ أنتَ... أنتَ عايز ايه يا حامد ؟؟ عايز ايه وانا هعمله ؟!
نظر لها حامد قليلًا يشعر بالوجع لأجلها، يقترب منها يضمها لصدره بحنان شديد لتنفجر أمنية في بكاء عنيف وهي تتمسك به تردد دون وعي من بين شهقاتها كلمات كانت تتردد على لسان والدتها سابقًا :
_ ايه يريحك وانا اعمله ؟؟ قولي يا حامد ...
_ أنك تكون مرتاحة يا أمنية، أنا آسف اني معرضك لكل الضغط ده، حقك عليا، أنا عايزك بس تديني فرصة، فرصة صغيرة أفكر فيها واقدر ارجع فيها زي ما كنت .
نظرت له من بين دموعها ثم تنفست :
_ تمام يا حامد ...تمام، اللي تحبه، حاضر يا حامد .
ضمها حامد يشرد بعيدًا وهو من الأساس لا يسمع كل كلماتها تلك، كل ما يسمع هو صوت السوط الذي يجلده من الداخل، إلى متى ؟؟ إلى متى سيستمر كل هذا ؟؟
________________
صباح يوم جديد، يوم انتظرته بفارغ الصبر، يوم تحقق أحلامها، يوم زفافها على ياسر، لا تصدق أن الأمور سارت بخير حتى الآن ورغم كل المؤشرات التي كانت تدل على العكس .
صعدت للسيارة التي استأجرتها خصيصًا لليوم، بعدما دفع لها والدها كافة تكاليف اليوم الخاصة بها لتسعد فقط، فعمتها العزيزة كانت تود أن تكتفي بالذهاب لإحدى نساء الحارة كي تزينها، هي أرادت أن تتزين في أشهر المراكز في القاهرة، وبعد بكاء لم يكن لوالدها سوى أن يأخذ من ياسر ما كان سيدفع لأي امرأة هنا ويكمل هو عليه .
والآن ها هي مع صديقتها وجارتها الحبيبة تتحرك بالسيارة صوب واحد من أشهر مراكز التزيين في العاصمة، سعادة لا تضاهيها سعادة، قلبها يتراقص داخل صدرها ..
هبطت من السيارة تتحرك داخل المركز ليستقبلها أحد الرجال هناك يقودها صوب جناح العرائس وبمجرد أن خطت له شهقت بانبهار، ثم نظرت لجارتها بسعادة كبيرة تتلقى المعاملة الملوكية بصدر رحب ..
تحركت لتبدأ في عمل جلسات للبشرة وهي تستمتع بكل لحظة من لحظات يومها، ثم جاء وقت عمل شعرها...
جلست على مقعد أمام المرآة وهي تتحدث بسعادة مع صديقتها :
_ والله ولا أنا كنت مصدقة، يا بنتي بابا دخل عليا امبارح فجأة وقالي ولا عاش اللي يزعلك روحي المكان اللي تحبيه .
فجأة قاطع حديثهم صوت رجولي يقول :
_ ها يا عروسة جاهزة عشان نعمل شعرك و ....روضة؟؟ مش معقولة.
استدارت روضة صوب الصوت المتعجب لتصدم من وجه معروف مألوف لها، وكيف لا وهو جارها منذ الصغر، جارها ورفيق ياسر المقرب....
ابتسمت روضة تقول بصدمة :
_ ايه ده حسن ؟؟ أنت رجعت امتى من الامارات ؟؟
ابتسم لها حسن يجيب بهدوء :
_ ايه يا بنتي ما أنا رجعت مع ياسر.
_ أيوة صح أنتم كنتم مع بعض في نفس الشغل ..
نظرت حولها بانبهار ثم قالت بسعادة :
_ هو البيوتي سنتر ده بتاعك ؟؟ والله جدع أنك رجعت بلدك وعملت فيه مشروع كبير وفخم زي ده بالفلوس..
ولم تكد تكمل كلماتها أن ياسر لم يفعل مثله وقرر ترك أمواله هناك للاستثمار، حتى قاطعها حسن بسخرية :
_ بتاعي ايه بس صلي على النبي، بعدين فلوس ايه يا حسرة وهو احنا شوفنا فلوس ولا مسكنا فلوس ؟؟ ده انا يادوبك القرشين اللي عملناهم هناك كنا بناكل ونشرب بيهم، ده الحمدلله أننا لقينا فلوس نرجع البلد .
بدأ يجهز أدواته ولم يلحظ الشحوب الذي على ملامح روضة ولا التعجب الذي ملئ وجه رفيقتها، وبدأ يكمل كلماته :
_ يا شيخة ايًا كان البهدلة في بلدك احسن ميت مرة من البهدلة برة، الكفيل اللي روحنا معاه ده ابن حرام الله لا يوفقه، بهدلنا واخد مننا الاوراق وشغلنا زي العبيد، لولا واحد هناك ابن حلال ومحترم هو اللي ساعدنا .
ابتلعت روضة ريقها تشعر أنها لا تفهم ما يقال كأنه يتحدث بلغة أعجمية :
_ مش فاهمة يعني ايه ؟؟ كنت أنتَ ومين !!
_ أنا وياسر والواد محمد ابن ام مصطفى بتاعة الخضار، شوفنا هناك ايام ما يعلم بيها إلا ربنا، وقولنا كفايانا قرف بقا وننزل هنا نشوف رزقنا في البلد بعد ما رجعنا ايد ورا وايد قدام .
سمعت روضة صوت تكسير داخلها وإشارات تتابع أمام عيونها، لا تصدق ما تسمع منه تقول ببسمة غير مصدقة :
_ يعني ايه ؟؟ أنت تقصد ايه بالضبط ؟؟ أنتم مش معاكم فلوس كتير بسبب شغلكم هناك و..
قاطعها حسن ضاحكًا بصوت مرتفع، ثم ألقى على مسامعها حقيقة ظاهرة كالشمس، لكنها طوال الوقت كانت تنظر لها من خلف نظرات سوداء ترفض رؤيتها مدعية أن هناك سحابة تغطي تلك الشمس، وفي الحقيقة تلك السحابة لم تكن سوى كتلة من الغباء بالإضافة لعناد تمسكت به :
_ فلوس كتير ؟؟ هو ياسر مقالش ليكِ ولا ايه؟؟ احنا روحنا مفلسين رجعنا مفلسين، يعني من الاخر ضيعنا سنين عمرنا من غير ما نكسب قرش واحد هناك.....
_______يتبع___________
أن تشاهد تحطم احلامك لشظايا أمام عيونك، بداية دمار حقيقي لمستقبل وهمي رسمته في لحظات حماسك؛ حماس لم يكن يتناسب مع الظروف حولك، عاندت في أحلامك، وجميع الظروف تخبرك ( أفق)، لكنك لم تفعل .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه
رواية إعلان مُمَوّل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رحمة نبيل
الفصل العشرون & الواحد والعشرون من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة.
________________
تقف معه أمام سيارته والتي استقرت جوار مبنى كبير لا تعلم له هوية، زفرت أفكار للمرة التي لا تعلم عددها وهي تستدير صوب داوود :
_ احنا جايين هنا ليه ؟؟
_ هو مش احنا اتفقنا أنك تتعلمي ؟؟
نظرت له ثواني ثم هتفت باستنكار :
_ طب ما أنا امتحنت ونجحت عايزين ايه تاني ؟؟
تشنج وجه داوود بسخرية كبيرة من كلماتها، بالله هذه الفتاة لن تريحه ابدًا، تجادل في كل شيء وأي شيء، تود أن يسير الكون حسب تفكيرها .
_ ده كان تحديد مستوى يا أفكار وسقطتي فيه مش نجحتي للعلم يعني، والمفروض كنا نعرف منه هنبدأ معاكِ منين، والحمدلله هنبدأ من حروف الهجاء، اتفضلي بقى قدامي عشان المدرس مستنيكِ .
استنكرت أفكار واعترضت على كل ما يصدر منه، لا تقبل أن تُعامل معاملة الصغار :
_ يعني ايه مدرس ويذاكرلي دي ؟؟ هو بعد ما شاب نوديه الكتاب ؟! اقولك حاجة هاتلي شغل، لافيني شغل وأنا هفرجك على دماغي ولا تقولي تعليم ولا دروس ..
ابتسم داوود ينتظر أن تنتهي من كل ذلك، ثم هتف ببساطة :
_ خلصتي ؟؟ يلا عشان منتأخرش.
_ هو ايه اللي منتأخرش هو احنا رايحين مدرسة، بعدين يا خويا ما توفر فلوسك شوية، دول بتوع الدروس دول بياخدوا على قلبهم قد كده، اقولك طلعهم صدقة بنية أن ربنا يكرمني ويديني الصحة .
أشار لها داوود أن تسير أمامه وبالفعل سارت بضعة خطوات، فهو وجد أن الاقناع ليس سبيلًا للتحدث معها :
_ حاضر هطلع فلوس لله عشان يكرمك ويهديكِ، ويديني أنا الصحة عشان اعرف اتعامل معاكِ.
نظرت له أفكار ولم تكد تتحدث حتى سمعت صوتًا رجوليًا يقول :
_ أستاذ داوود، كنت مستني حضرتك .
ابتسم داوود يصافح المعلم وهو يرى أفكار تتحرك لتختبأ خلفه وكأنه أحضرها لمسؤول المذبح كي يتخلص منها.
_ اهلا بحضرتك، معلش اتأخرت بس الطريق كان زحمة شوية.
_ لا ولا يهمك، جبت الآنسة أفكار؟!.
ابتعد داوود من أمام أفكار يشير لها ببسمة :
_ أيوة اهي، عايزك يا أستاذ رأفت تبدأ معاها من الاول وكل شيء تشرحه ليها، وهي أفكار ما شاء الله عليها ذكية وعقلها نضيف وبتفهم بسرعة.
هزت أفكار رأسها بتكبر تردد :
_ أيوة امال ايه، ده انا عقلي يوزن بلد .
ضحك المدرس وهو يشير لها أن تسبقة صوب الغرفة المجاورة والتي كان يقبع بها بعض الكبار في العمر الذين تأخروا عن الالتحاق بالتعليم، حالهم كحال افكار :
_ واضح فعلا، طب يا آنسة افكار ممكن تنتظريني مع زملائك في الغرفة دي ؟!
هزت أفكار رأسها وهي تنظر لداوود، ثم همست له قبل أن تتحرك :
_ لو معجبنيش الموضوع مش هاجي تاني أنا بقولك اهو .
رد عليها بكلمات خافتة وهو يضغط على أسنانه:
_ حاضر يبقى نشوف، روحي يلا يا افكار .
تحركت أفكار تزفر بغيظ وغضب لا تقبل ما يحدث بها في هذه اللحظة، بينما المدرس ابتسم وأخذ يتحدث مع داوود حول ما يجب فعله، وفي النهاية صافحه داوود بود قائلًا :
_ تمام يافندم بإذن الله هبقى اتواصل معاك كل فترة عشان اعرف التطورات في مستواها.
ابتسم له المعلم، ثم ودعه ليرحل داوود متنفسًا الصعداء، ولم يكد يخرج من المكان حتى وجد أفكار تطل برأسها من النافذة وهي تقول :
_ داوود أنت رايح فين مش هتستنى لما اخلص ؟!
_ استنى ايه؟! أنتِ ايه اللي خرجك، ادخلي يا افكار هبقى اجي اخدك لما تخلصي يلا ادخلي عشان المدرس هيبدأ .
هزت رأسها موافقة :
_ ماشي بس متتأخرش لأني مش هستحمل كتير .
ابتسم لها يودعها وخرج ركضًا من المكان، ثم تحرك بسيارته صوب محل بيعه، وحينما دخل واستقر على مقعده تنهد براحة وبدأ يركز بأعماله المؤجلة لظروف خطبته ..
وأخيرا وبعد نص ساعة قد بدأ يندمج في العمل، سمع صوت رنين هاتفه، نظر له بعدم اهتمام في البداية قبل أن يرى اسم المعلم الذي أرسل له أفكار يلوح على هاتفه، أجاب بتعجب :
_ أيوة يا أستاذ رأفت، خير فيه حاجة ولا ايه ؟!
_ هي الآنسة أفكار مع حضرتك يا استاذ داوود ؟؟
انتفض جسد داوود بعدم فهم :
_ يعني ايه مع حضرتي ؟! أنا سيبتها في السنتر من نص ساعة ؟!
وصل له صوت المدرس يقول بعدم فهم :
_ اصل هي بعد ما حضرتك مشيت بعشر دقايق قالت خارجة تجيب عصير وراجعة ومن وقتها مجتش..
تلقى داوود صدمته وقد شعر بالصدمة يهمس بعدم تصديق :
_ هربت ؟؟؟؟
_________________
شعرت أن الدنيا تدور بها، هي تحلم بالطبع تحلم، لا لا بل كابوس، هي في كابوس، شعرت روضة أن المكان يدور بها، جسدها يرتجف ويختض كما لو اصابتها حمى عنيفة، ترى الجميع حولها من خلف سحابة ضباب، لكنها لا تسمع شيئًا، ترى صديقتها تصرخ لكن الصرخات لا تصل...
خدعها ؟؟ خدعها وهي من تخلت عن كل شيء لأجله ؟؟ تنازلت عن كل حقوقها بزفافٍ عادل لأجله ؟؟ وعدها واخلى بوعده، لا لا بالطبع لن يفعل بها هذا، هي زوجته وابنة خاله، لن يتجرأ على ذلك بالطبع لا لن يفعل، يجب أن تتحدث لياسر، هو لن يفعل بها ذلك.
ولم تكن روضة تدري أنها خلال كل تلك الأفكار تبكي بقوة وصوت شهقاتها يرن في المكان، حتى أن حسن نظر لها بريبة وقد شعر بفداحة ما فعل، ياالله هو لم يقصد، هو لم يعلم أن ياسر كذب بشأن ما فعلوه هناك ..
_ أنا آسف يا روضة والله العظيم ما اعرف أن ياسر محكاش ليكِ .
لكن روضة في ذلك الوقت، كانت مسجونة هناك في اللحظات التي مرت عليها منذ تقدم لخطبتها حتى الآن، تراجع شريط غبائها، كم إشارة ظهرت أمامها وهي من تعامت عنها ؟! هروبه في كل مرة يخرجون سويًا وقت الدفع بأي حجة كانت، يوم انتقاء الذهب، والشقة ...الشقة ؟؟
شهقت بصوت مرتفع وقد اتضح لها الآن أنها تلقت أكبر صفعة قد تتلقاها في حياتها، لا يوجد خليج ولا أموال ولا شقة فاخرة، ولا المزيد من الذهب كما وعدها، لا يوجد سوى المزيد والمزيد من تلال هيبتها، هي الآن ستتزوج شاب مُعدم .
_ لا ..لا اكيد أنا في كابوس ..لا لا .
تدخلت سيدة في المركز وهي تقول :
_ خير يا حسن حصل ايه ؟؟ مالها العروسة ؟؟
نفى حسن علاقته بالأمر خوفًا أن يُطرد :
_ أنا معرفش يا مدام اجلال، هي مرة واحدة كده لقيتها بالحالة دي .
تدخلت السيدة تحاول أن تتحدث مع روضة والتي انفجرت في بكاء حار ورثاء وندب، واستمر الأمر لساعات حتى استطاعوا إقناعها بإنهاء طلتها قبل حلول وقت رحيلها، وجارتها أخذت تتحدث لها باكية :
_ يا روضة متعمليش كده اهلك ذنبهم ايه وابوكِ اللي دفع دم قلبه في الجواز، خلصي ياقلبي وافهمي منه يمكن فيه سوء تفاهم .
وهي هدأت، هدأت تعطي نفسها املًا زائفًا أنه لن يخدعها، وفي قرارة نفسها تدرك أنه استهلك مخزون أملها ..
وفي المساء سمعت صوت الأبواق تصدر من الخارج والغناء والزغاريد، وعلى عكس المتوقع شعرت بانقباضة صدر مرعبة كما لو جاءوا ليسوقوها صوب مذبحها ..
لحظات ورأت والدتها تدخل المكان بالزغاريد والاغاني والسعادة، وهي تنظر لها بندم شديد تتمنى لو صدقت للحظة أن هناك شيء مريب يحدث، لكنها كانت عمياء.
اقتربت منها والدتها تبتسم :
_ ايه يا حبيبتي القمر ده، بسم الله ماشاء الله، خسارة في الواد ياسر وامه .
وحينما اقتربت لتضمها انفجرت روضة في بكاء عنيف جعل السيدة التي زينتها تدخل :
_ لا لا ارجوكِ هتبهدلي الميكب كله يا عروسة، فيه ايه كده افرحي ده النهاردة يومك .
نظرت لها والدتها بعدم فهم وهي ترى الشحوب يعلو وجهها رغم كل تلك الألوان التي تغطيه، وعيونها كانت حمراء وكأنها قضت ليلتها تبكي :
_ ايه ده ؟؟ مالك يا بنتي ؟؟ فيه حاجة زعلتك ؟؟
نطقت روضة من بين شهقاتها ولم تتمكن من الصمت وكأنها كانت تنتظر وصول والدتها لتشكوها غبائها :
_ ضحك عليا يا ماما، كان عندك حق، ضحك عليا هو وأمه، أنا مش عايزة اتجوز، ابوس ايدك روحيني معاكِ أنتِ وبابا .
شهقت والدتها بفزع وهي تنظر حولها مخافة أن يسمعهم أحد:
_ أنتِ اتجننتي يا روضة ؟! تروحي فين؟! انهاردة فرحك والناس كلها وعريسك مستنيين برة، أنتِ بتهرجي جاية تقولي كده دلوقتي؟!! استهدي بالله يا بنتي ده شيطان و ...
قاطعتها روضة بفزع وهي تقول ببكاء عنيف :
_ لا لا يا ماما ده ...ده كدب عليا، ده خسر كل فلوسه في الامارات ومش معاه شلن أساسا، ورجع مفلس، مش معاه حاجة، ونصب علينا هو وعمتي .
ضربت والدتها صدرها شاهقة :
_ أنتِ بتقولي ايه يا بنتي ؟؟
_ حسن ...حسن جارنا اللي كان مسافر معاه بيشتغل هنا وقالي كل حاجة، ابوس ايدك روحيني مش عايزة اتجوز الكداب ده .
_ وأنتِ جاية تقولي كده انهاردة ؟! يوم فرحك ؟! عشان ابوكِ يروح فيها بسببك ؟؟ لا يا بنت بطني خلاص أنتِ مراته والموضوع خلصان وقت التراجع خلص، استهدي بالله واخرجي دلوقتي عشان الناس وبعدين يبقى نشوف المصيبة دي .
فتحت روضة فمها للحديث، لكن فجأة قاطعهم صوت زغاريد تخرج من فم عمتها وهي تسبق ياسر والذي دخل مبتسمًا لهم كي يأخذها للسيارة .
نظرت له روضة كما لو كان وحشًا، تشعر بالكره داخلها يزداد تجاهه، تنفست بعنف وهي تسمع صوت والدها تقول :
_ اهدي كده وعدي ليلتك لابوكِ يحصله حاجة ويروح فيها يا روضة..
نظرت لها روضة بقهر تشعر بنيران تحرقها حينما مال ياسر وقبل جبينها، ارتجف قلبها وهو يمسك يدها ويتحرك بها، وهي تسير معه بلا إرادة، تسمع صوت والدتها يخبر الجميع أنها تبكي لأنها ستتركهم، والحقيقة هي أنها تبكي حياتها والجحيم الذي ألقت نفسها به لجشعها .....
_____________
نهضت مبكرًا على غير العادة وقامت بتحضير الفطار له تحاول كسب وده وجذب اهتمامه لها كما كان في السابق، وقامت بإيقاظه واخبرته بأنها قامت بتحضير الفطور له حاولت اللعب على تلك النقاط التي هزت زيجته السابقة هو عدم شعوره بالاهتمام منها وحاولت أن تفعل هي العكس، بائسة لتفعل ذلك .
بالفعل جلس حامد على المقعد ناظرًا لها باستغراب فقامت بوضع مساحيق التجميل البسيطة وغيرت ملابسها وقامت بإعداد الفطور من أجله، إذ توقفت عن تلك العادة بعد أيام زواجهما الأولى، أخذ يتناول الطعام بشهية لأنه يشعر بالجوع وحتى لا تشعر بأنه لا يهتم بما تحاول فعله فهو ليس جاحدًا إلى تلك الدرجة.
قاطعت أمنية هذا الصمت في لطف متبعة خطة جديدة:
_ما تجيب الولاد يقعدوا معانا كام يوم يعني هنا برضو بيت أبوهم وأهي فرصة يتعرفوا عليا وأنا أتعرف عليهم كويس لازم يكون في علاقة كويسة ما بينا.
ابتسم حامد بتوتر وتوقف عن الطعام قائلا بهدوء:
_ملهوش لزوم يا أمنية.
نظرت له أمنية في استنكار مغمغمة:
_هو أيه اللي ملهوش لزوم يا حامد؟! مش المفروض العيال يعرفوني وأعرفهم وأنا بعمل كده علشانك علشان ميحسوش أنك انشغلت عنهم.
حاول حامد الحديث موضحًا:
_يا حبيبتي أنا فاهم قصدك بس العيال أشقية جدًا امي نفسها مش بتقدر عليهم، وأنا قصدي انك مش هتستحمليهم فمش عايزين مشاكل أقصد ولا أنتِ تضايقي ولا غيره.
أردفت أمنية بإصرار:
_لا أنا هتحمل أي حاجة علشانك ومدام هما ولادك لازم اتحملهم، وأحسن علاقتي بيهم وأنا كمان عايزة أنزل أجيب ليهم شوية هدايا.
تمتم حامد باستسلام وحتى لا يفتعل شجار في الصباح فهو يعلم أنها لن تتحملهم ولا يعلم هل ألاء ستوافق على ذلك أم لا خصوصًا أنهم يجلسون معها تلك الأيام..
_خلاص نكمل الفطار ونشوف الموضوع ده بعدين.
_ماشي يا حبيبي، هنتكلم بعدين بس علشان تبقى عارف أنا مصممة مش بقول عزومة مراكبية.
قال حامد في موافقة وهو يقوم بنزع القشرة الخاصة بالبيض المسلوق المتواجد أمامه:
_حاضر يا حبيبتي هكلم ألاء اقولها لأن الولاد عندها الفترة دي.
رفضت أمنية الأمر قائلة وهي تحاول أن تتحكم في أعصابها بصعوبة:
_اسمها هكلم ماما تكلم ألاء.
بنفاذ صبر كان يجيب عليها:
_حاضر اللي تشوفيه.
____________
صراخات جنونية انتابتها منذ دخولها إلى المنزل بعد كلمات هذا الرجل واعترافاته كانت على وشك الجنون، طوال الحفل كانت حزينة وغاضبة لم تفرح كأي عروس لم تستطع الرقص مع أصدقائها أو التقاط الصور الفوتغرافية التي كانت تحلم بها، قد دُمرت أحلامها بمنتهى السهولة..
لم يكن حفل زفاف من وجهة نظرها بل كارثة حلت عليها.
جلس ياسر على الأريكة ينظر لها في غضب وبدأ الوجة الأخر في الظهور:
_ده أنتِ بومة قسمًا بالله بومة، وتقفلي الواحد من حياته طول الفرح مكشرة ومصدرة الوش الغضب مش عارف أيه القرف اللي ابتليت بيه دا.
كانت والدته تمكث تلك الليلة في منزل أحد الأقارب تاركة أياهم بحرية في أيام زواجهما الأولى...
تمتمت روضة وقد أحتدم غيظها على أخره:
_أنا جبت أخري منك يا ياسر، ده أنتَ بجح بقولك عرفت كل حاجة عرفت كدبك عليا وازاي كنت بتسرح بيا، عرفت أنه ولا في فلوس ولا غيره...
قاطعها ياسر وهو يضع قدم فوق الأخرى أثناء جلسته وينظر لها بتسلية أثناء وقوفها بفستانها زفافها وهي تضع يديها في جانبيها:
_عرفتي طب كويس ها قوليلي هتعملي أيه؟!..
نظرت له روضة بعدم تصديق وقاحته:
_هو أيه اللي هتعملي أيه؟!..
بكل بساطة كان يجيبها:
_يعني أديكي عرفتي وأعلى ما في خيلك أركبيه يا روضة أحنا اتجوزنا يا حبيبتي والنهاردة كان فرحنا، تحبي أطلقك يوم فرحك؟!.
ثم أسترسل حديثه بجدية:
_عارفة اللي بتطلق ليلة دخلتها بيقولوا عليها أيه؟! متخربيش على نفسك عيشي يا حبيبتي وأرضي بنصيبك وأنا نصيبك.
هبطت الدموع من عيناها في ألم رهيب...
_أنتَ واحد كداب وملهوش أمان و....
قاطعها بنبرة صارخة أخافتها حينما نهض ووقف أمامها:
_أياكي تغلطي يا روضة وإلا مش هكون مسؤول عن اللي هعمله، أنا مضربتكيش على ايدك يا حبيبتي أنتِ اللي عينك لمعت أنتِ وأبوكي وحبيتوا تتعشوا بيا بس أنا اتغديت بيكم الأول وكملت في لعبتكم وخليتك تحسي أنك عرفتي توقعي ابن عمتك اللي لسه جاي من السفر وعامل خميرة قد كده كنتم رُخاص وبدوروا على الفلوس وأنا كملت السيناريو اللي أنتم رسمتوه فزعلانة ليه بقا دلوقتي؟!..
نظرت له بخجل رهيب فقد أشتعل جسدها بأكمله بسبب كلماته، لا تصدق ما يحدث لها وما تسمعه في ليلة زفافها، اهانها ووالدها بشكل جعل سواد عيونها يشتد ...
لكن لم تجد حتى كلمات مناسبة تستطيع الرد عليها بها...
فأسترسل هو حديثه بعد أن أقترب منها واضعًا يده على كتفها يراقب دموعها التي تسيل من عيناها بلا مبالاة:
_يلا ادخلي يا حبيبتي كده امسحي وشك وغيري هدومك علشان الشيطان اللي ماسكنا ده يبعد عننا نصلي ركعتين علشان ربنا يكرمنا، هي عين وصابتنا أنا عارف، يا قلبي يلا....
____________
فتحت أفكار الباب بعد أن قُرع الجرس لتجد داوود أمامها، كانت على وشك أن تغلق الباب في وجهه بسرعة من الصدمة فهو لم يخبرها بأنه سيأتي..
تمتم داوود في ضيقٍ:
_أنتِ بتهربي يا أفكار منهم؟!.
ضيقت أفكار عينيها وقالت في نفي كاذب:
_أنا برضو ههرب يا داوود والله عيب عليك تقول عني كده زعلتني والله كده أفكار زعلت.
عقد داوود ساعديه وهو يسألها منتظرًا الإجابة التي ستبهره بها:
_قولي بقا اشجيني.
جاءت سكر من الداخل وهي تستند على عكازها التي أحيانًا تقوم باستخدامه حينما تشعر بأنها تحتاجه، وصاحت في غضب :
_في أيه يابت الزبال جه ولا أيه؟!.
أستدارت أفكار وهي تنظر إلى والدتها بضيقٍ، ما كان ينقصها حقًا هو تصرفات والدتها الغير محسوبة مثلها تمامًا يكفي ما تفعله هي..
ابتلعت سكر ريقها وقالت بترحاب شديد حينما شعرت بأنها قامت بتخريب الوضع ووجدت أمامها داوود:
_أيه دا داوود؟!! خش يا ابني.
ثم وجهت حديثها إلى أفكار بعتاب:
-موقفة خطيبك على الباب والله عيب عليكي..
أفسحت أفكار له الطريق وبالفعل ولج داوود وجلس على الأريكة وذهبت أفكار لتصنع له عصير طازج فهى علمت أنه ليس من محبي المشروبات الساخنة ولا يفضلها..
وضعت كوب العصير أمامه وهو يجلس بجانب والدتها التي قالت:
_متأخذنيش يا ابني أنتَ جيت من غير ميعاد والساعة لسه ٧ وأحنا عيلة ملهاش إلا سمعتها.
سخر داوود بكلمات مقتضبة يائسة من سكر :
_بس نرجع ١٢ عادي؟؟
هزت سكر رأسها ضاحكة وهي تقول:
_مدام برا البيت والحارة أنتَ في الأمان.
ضحك داوود رغمًا عنه فتلك المرأة عجيبة على أي حال لا يعلم متى تتحدث بجدية ومتى تمزح..
وبعد أن توقف عن ضحكاته وتذكر ما فعلته أفكار تغيرت ملامحه مرة واحدة مما جعل سكر تنظر له في ريبة:
_والله أنا بحس أن الواد ده بيتحول لو بس يسمع كلامي ويروح السيدة زينب.
تحدث داوود متجاهلا أياها:
_أنتِ مشيتي ليه يا أفكار؟!..
تنهدت أفكار بضيق وبنبرة جادة:
_بصراحة بقا أنا كبرت على اللي بيحصل ده ومش عاجبني مش كل حاجة العلام ما أنا بعرف أقرأ وأكتب وعارفة كل حاجة وبعرف اشغل ودماغي أحسن من دماغ أي حد، وبعدين مش عاجبني أنك بتتشرط عليا.
عقب داوود على حديثها في نبرة هادئة وجادة تحت مراقبة سكر لهما:
_أنا مش بتشرط عليكي يا أفكار قولتلك كده كذا مرة، أنا عايزك للأحسن مش ده اللي هيخليني أشوفك زوجة صالحة ليا أو لا، بس التعليم شيء مهم بالاضافة لكل حاجة فيكي، يعني التعليم ده هيفيدك وهيفيد عيالنا في المستقبل ان شاء الله وكمان في مدارس معينة ممكن ميرضوش يدخلوا فيها عيالنا لأن الاب والأم بيخضعوا لاختبارات وأنا عايز أكمل أي حاجة ناقصة في حياتك يا أفكار عشان نفسك قبلي..
تنهد ثم قال حتى لا يزعجها مستسلمًا:
_لكن لو ده شيء هيضايقك ومش متحملاه خلاص مش هغصب عليكي براحتك أنسي الموضوع أهم حاجة تكوني مرتاحة.
لا تدري لما شعرت بالراحة وأنها بالفعل ترغب في فعل ذلك من أجل مستقبلها فهي مرت بكل تلك الصعوبات لأنها ليست معها شهادة تثبت أنها حاصلة على مؤهل ولأنها تريد مستقبل جيد من أجل أولادها..
_خلاص يا داوود اوعدك أني هلتزم بجد علشان نفسي قبل أي حاجة أوعدك من بكرا هتكون بداية جديدة ان شاء الله، بس هقول لوردة صاحبتي ممكن تيجي معايا صح؟!
_أكيد ممكن لو هي عايزة وأهو تشجعوا بعض.
بعد وقتٍ..
خرج داوود من منزلها وهو يبتسم ببلاهة، لا يصدق حقًا ما تفعله تلك الفتاة، هو يومًا لن يفهم ما تفكر به أو ما يدور داخل عقلها، امرأة معقدة ذات أفكار متطرفة عن الجميع .
تنهد يخرج مفاتيح سيارته التي يصفها خارج الزقاق الضيق، إذ لا يسمح له الشارع الذي يسبق شارع افكار بالدخول بسيارة كخاصته لضيقه، أخرج هاتفه يسمع صوت رنينه، ولم يكد يضعه أعلى أذنه ليجيب حتى سمع صوت بوق مزعج خلفه يليه سباب لاذع، وقبل أن يستدير ليعلم ما يحدث لم يشعر سوى بشيء يصدمه بقوة مسقطًا إياه ارضًا لتصدح صرخات داوود في المكان بأكمله ويتحمع حوله العديد من الرجال ....
_____________
في الصباح التالي استيقظت أفكار بفزع على صراخ والدتها وهي تولول وتندب وتصرخ بصوت مرتفع حتى كادت تحطم المنزل فوق رأسها .
_ اه يا غالية ياللي انخطفتي خطف، دي لسه كانت معايا امبارح، اه يا حبيبتي اه .
خرجت أفكار من غرفتها تفرك عيونها بنعاس لم يذهب عنها بعد :
_ ايه ياما بتندبي من الصبح كده ليه ؟! ايه اللي حصل بس ؟؟
نظرت لها سكر بلهفة تقول من بين بكائها :
_ شوقية، شوقية الانتيمة بتاعتي يا أفكار ماتت، صحيت الصبح على خبر موتها، دي كانت لسه معايا امبارح .
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، الله يرحمها يا اما، هي كانت تعبانة ولا حاجة ؟!
نظرت له سكر باكية :
_ لا ولا كان فيها حاجة، حتى امبارح شربت كوباية القهوة وبعد ما خلصت قرأتلها الفنجان زي كل مرة عادي، وكان منور على الاخر .
فركت أفكار خصلات شعرها تردد وهي تتحرك صوب الزجاجة كي تشرب بعض المياه :
_ تلاقيه كان النور الاخير يا حاجة، يلا اهي استريحت .
_ أنتِ بتعملي ايه، روحي البسي أي عباية سودة من جوا عشان نروح نعزي .
نظرت لها أفكار بتعب شديد :
_ يا حاجة طب دي صاحبتك رحمة الله عليها، أنا اروح أعزي فيها ليه أنا مش فاضية والله، بعدين داوود ..
قاطعتها سكر بسرعة حانقة :
_ أيوة داوود ...قولي كده بقى اتخطبتي ونسيتي امك عشان الجدع خطيبك ده .
_ ياما أنا نطقت بحاجة ؟؟ أنا بس مشغولة و..
نظرت لها سكر بحدة لتزفر أفكار وتقول بغضب مغلقة الثلاجة بقوة :
_حاضر هروح اتنيل اياكش نخلص.
_ أيوة أيوة خبطي في التلاجة حلو، أنتِ عارفة تجيبي ليا راديو لما تجيبي تلاجة، جاتك الهم عيلة خنيقة .
توقفت فجأة عن التذمر، ثم انفجرت في البكاء والعويل مجددًا :
_ اه يا شويقة يا حبيبتي اه ...
_____________
كانت أفكار وبعد نصف ساعة تجلس بين النساء داخل العزاء، تسمع احاديث مترامية للبعض، منهم من يتحدث عن زفاف جارتهم، والآخر يتكلم عن الاسعار، ليس وكأنهم في جنازة .
تنهدت بتعب وهي تفكر بالنهوض والرحيل يكفيها ذلك، لكن فجأة سمعت صوتًا جوارها يقول :
_ خير يا أفكار يا بنتي طمنيني ايه اللي حصل امبارح ده ؟!
نظرت لها أفكار بعدم فهم تفكر إن كان داوود نشر أمر هروبها في المنطقة بأكملها ؟؟
_ ايه اللي حصل يا ام احمد ؟؟ مش فاهمة .
_ هو ايه اللي مش فاهمة، يا ختي مش اسم الله عليه خطيبك هو اللي الواد حماصة خبطه بالتوكتوك امبارح؟! وقتها الواد ناجي ابني حبيب امه ما أنتِ عارفاه جدع وابن بلد و...
اشتد غضب أفكار وقد شعرت أن أعصابها بدأت تحترق:
_ اخلصي يا أحمد عرفنا أن ابنك ماشاء الله عليه، قولي ماله داوود ؟؟
_ يووه ايه يا ختي بتزعقي كده ليه وأنا ايش عرفني أنك نايمة على ودانك ومتعرفيش اللي حصل، هو الواد حماصة خبطه بالتوكتوك والرجالة اخدوه امبارح على المستشفى .
اتسعت أعين افكار بصدمة كبيرة تشعر بالرعب قد بدأ يسير في جسدها تنتفض بقوة راكضة خارج المكان بأكمله وقد نسيت والدتها وهي تصرخ بخوف تخرج هاتفها :
_ داوود ....
_____________
لا تدري كيف اوصلتها قدمها إلى هنا سالمة، كانت تتحرك بين الطرقات كالمجنونة وهي تشعر بالرعب عليه، ولم تمتلك حتى وقت لتبديل ثيابها إلى ثياب أخرى، بل جاءت له بثياب جنازة رفيقة والدتها ..
لم تعتقد يومًا أنها قد تتعلق بداوود بهذا الشكل، لكن يبدو أن الفترة التي قضتها معه كانت أكثر من كافية لتفعل .
طرقت الباب بلهفة شديد تنتظر ردًا من قاطنيه، ولم تهدأ إلا حينما سمعت صوت جيهان تقول :
_ والله لاكسر دماغك ياللي بتخبط، ايه فاكرنا قاعدين ورا الباب و...
وقبل أن تكمل كلماتها صُدمت لرؤية افكار تندفع للداخل خايفة :
_ داوود ماله يا جيجي، حادثة ايه دي اللي عملها امبارح ومحدش قالي ؟؟
كانت تتحدث باكية دون أن تشعر وتشكر حظها أنها قد أخذت سهوًا تلك المناديل الورقية التي اوصتها والدتها بها قبل الذهاب للعزاء حتى تستخدمها عند البكاء على رفيقتها وقت حمل كفنها، والآن افكار هي من تستخدمها تاركة والدتها تجفف دموعها في ثيابها ..
_ ايه يا بنتي اهدي هو كويس بس امبارح فيه عيل خبطه بالتوكتوك، رجله اتكسرت بس و..
وقبل أن تكمل كلماتها قالت افكار :
_ رجله انكسرت ؟! طب والله لاكسر رقبة اللي اسمه حماصة الشمام ده، طب هو فين يا جيجي؟؟ ينفع اشوفه ؟! هو كويس؟
هز جيهان رأسها بتعجب من لهفة افكار، ترشدها صوب غرفة داوود التي يجلس بها حانقًا مرغمًا ..
وبمجرد أن دخلوا اندفعت افكار صوب داوود تنتحب وتولول وتندب حظها وحظه، وقد ساعدت ثيابها السوداء بالكامل وهيئتها في رسم صورة كاملة للتعاسة..
اتسعت أعين داوود دون فهم لما يرى :
_ ايه فيه ايه ؟! عاملين المناحة دي ليه ؟!
اقتربت منه افكار لينتبه لها قائلًا باستنكار :
_ لابسة اسود في اسود يا افكار ؟! بتفولي عليا يا مصيبة ؟؟ مكانتش خبطة عربية دي .
مسحت افكار دموعها وهي تبكي :
_ لا يا خويا ده بعد الشر عليك كنت مع سكر في عزا صاحبتها وجيتلك بطقم العزا من خوفي، بعدين عربية ايه هو مش أنت اللي خبطك الواد حماصة بتاع التوكتوك ؟؟
نظر داوود بحدة صوب والدته ولوم شديد إذ أخبر الجميع أن يذكروا أنها حادثة سيارة وليس توكتوك، فأن يقضي ايامًا على فراشه فقط بسبب ذلك الشيء الصغير الذي يشبه الحشرة، لهو أمر سخيف محرج من رأيه.
اقتربت افكار تجلس على مقعد أمام الفراش بينما جلست جيهان على الفراش جوار ولدها تسمع صوت افكار تقول بلوم وعتاب واضح :
_ كده يا جيجي ؟؟ مكانش العشم والله، بقى اعرف من الناس في الحارة أن داوود عمل حادثة امبارح والواد حماصة خبطه بالتوكتوك بتاعه، وانا زي الاطرش في الزفة ؟؟ يعني محدش كلف خاطره يتصل بيا يقولي إن الواد حماصة خبطه بالتوكتوك ؟؟ افرضوا يعني الواد حماصة ...
قاطعها داوود حانقًا :
_ ايه يا امي ايه ؟! أنت فرحانة فيا ؟! كل شوية الواد حماصة خبطه بالتوكتوك، خلاص عرفنا أن حماصة خبطني بالتوكتوك، يعني أنا مش عايز حد يقول توكتوك ولا نيلة عشان الموضوع يعر لوحده وأنتِ ذكرتيه تلات مرات في جملة واحدة .
نظرت له افكار بعدم فهم :
_ يووه وأنت زعلان عشان حماصة ولا التوكتوك؟؟
_ أنا زعلان على حالي والله اني خطبتك يا افكار .
نظرت له افكار باستنكار شديد وهو رمقها بغيظ مقابل لتصرخ فجأة في وجهه :
_ يعني متعظتش من اللي حصل فيك امبارح لما جيت عليا وزعقتلي عشان موضوع الدرس، ويادوبك ملحقتش تخرج كنت واقع على الأرض مكسور، ودلوقتي بتزعق ليا عشان خايفة عليك، مش بعيد تتسخط قرد وأنت قاعد .
_ ليه يا ختي ؟! بتكلم مع دجالة ولا مشعوذة .
ابتسمت افكار باستفزاز :
_ لا مع واحدة بركة وصافية وسالكة وقلبها ابيض زي البفتة، عشان كده ربك بينصرني دايما ..
رمقها داوود بحدة وغضب شديد لكنها لم تهتم لتقول مبتسمة :
_ تعالي يا جيجي معايا عشان عايزاكِ .
ومن ثم سحبت جيهان خلفها كي تساعدها في إعداد الطعام دون أن تظهر لداوود الذي بالتأكيد سيرفض بينما داوود رمق رحيلها بغيظ شديد :
_ هي بلوة وانا رميت فيها نفسي أنا عارف ...
____________
منذ ليلة أمس...
تجلس في غرفتها تغلق الباب على نفسها، أصيبت بحالة هستيريا بعد كلماته، ولولا صراخها وجنونها لكان لن يعبأ بها، ولكنه تركها حتى لا تقوم بفضحه فهي كانت في أشد حالاتها الجنونية..
بدلت فستان زفافها وأرتدت منامة قطنية لم يكن بوسعها الاختيار أو البحث في الملابس المختلفة بل ما خرج من الخزانة في يديها قامت بارتداءه، هي ليست لديها طاقة للاختيار أو التركيز تقسم بأنها على وشك أن تُصاب بأزمة قلبية..
لم تستطع أن تغلق عينيها طوال الليل تبكي فقط وتلعن نفسها على ما فعلته وما أوقعت نفسها فيه
ولم يحاول ياسر الاقتراب منها فهو لا يتحمل صراخات جنونها، بل تركها في الغرفة بمفردها وقام بالنوم في غرفة والدته حتى أشرقت الشمس وبعدها بعدة ساعات أستيقظ ياسر من نومته على صوت جرس الباب الذي قام أحدهم بقرعه، خرج من غرفة النوم وبعدها توجه صوب باب الشقة ليدخل ويفتح الباب ليجد أمامه والدة زوجته ومعها والدته، ولم يأتي والد روضة رأي أن هذا اليوم قد يخص النساء أكثر منه..
على الرغم من عدم الوفاق المعروف بين الاثنين إلا أن الزغاريط كانت تخرج من فمهما منذ أن ولجا من باب البناية، تمتمت والدته بحماس وحب:
_ألف مبروك يا نن عين أمك، صباحية مباركة يا ابني.
تمتم ياسر على مضض :
_الله يبارك فيكي يا ماما.
تحدثت والدة روضة بهدوء:
_روضة فين يا ياسر!!
_في اوضتها.
عقب وهو يكز على أسنانه، بينما والدته تحدث في إشراقة وحب:
_ادخلي يا ام روضة ليها جوا هتلاقيها مكسوفة تخرج.
بالفعل وضعت والدة روضة الطعام والأواني التي أتت بها على الطاولة ثم توجهت إلى نهاية الرواق الذي يتواجد فيه غرفتهم.
تحدث والدة ياسر في حماس:
_ها عملت أيه؟!.
تحدث ياسر منفعلًا:
_هعمل ايه في أيه يا أمي دي بومة ونكدية عرفت اللي فيها ونكدت عليا في ليلة فرحي وسيبتها في اوضتي تهري مع نفسها لغاية الصبح..
قالت والدته بسخرية وهي ترمقه بشذر:
_يعني مش عارف تلاين دماغ البت يا غبي؟! ما تقول أي كلمتين.
_ألاين أيه وأنيل أيه بقولك فضلت تصوت وكانت هتفضحني وطول الليل تزعق انا خدعتها وأنا نيلتها أعلى ما في خيلها تركبه هو أنا ناقص وجع دماغ.
_لا لازم تصالحها..
"داخل الغرفة"
كانت تبكي في أحضان والدتها التي تحاول أن تصبرها، فهي علمت كل شيء ليلة أمس ولكن كان قد تأخر كل شيء...
ليس بوسعها المساعدة...
تمتمت روضة في قهر بعد أن ابتعدت عن أحضان والدتها ونظرت لها:
_ماما خديني معاكي أنا لازم أطلق مليش فيه.
وضعت والدتها يدها على فمها قائلة في قسوة لابد منها:
_اخرسي تطلقي أيه في يوم صباحيتك أنتِ عارفة الناس هتقول عليكي أيه؟!!!!!...
_مش مهم الناس.
صاحت والدتها في عنف وهي تتحدث:
_بقولك أيه يا بت أنتِ كل اللي فات كان بمزاجك وأنا ياما قولتلك لا ياما قولتلك مينفعكيش، واديه كان بيحور عليكي بس الوقت عدى، أنك تقوليلي خديني معاكي، أنتِ بقيتي مراتك مش هتفضحينا على أخر الزمن أرضي بنصيبك واختيارك..
قاطعتها روضة في جنون ونبرة مرتفعة وصلت لمن يقفا أمام باب الغرفة:
_لا مش هسمع الكلام أنا لازم أطلق استحالة أعيش يوم واحد مع البني أدم ال*** ده.
أقترب ياسر منهما وبدون سابق أنذار صفعها صفعة دوى صوتها في جميع أركان الغرفة تحت شهقة خرجت من والدتها لا تصدق مما جعلها تصيح بغضب :
_عيب كده يا ابني أنتَ اتجننت؟!! أعمل حساب أني موجودة آمال هتعمل ايه لما امشي،
غمغم ياسر بجنون:
_العيب أنك تسمعي بنتك بتتكلم كده على جوزها ومتديهاش أنتِ القلم ده يا مرات خالي، بنتك متربتش ولو معرفتوش أنتم تربوها ياريت تسيبوها ليا..
كانت روضة تبكي ولكنها لم تستطع أن تعقب بشيء بسبب الصدمة التي تملكتها، بينما تحدثت عمتها في خبثٍ:
_سيطر على أعصابك شوية يا ابني وبعدين دي روضة عاقلة وراسية وأكيد هتهدي وتعرف أنها غلطانة في حقك دي غلبانة وبتحبك.
تحدث ياسر في تهديد واضح وصريح:
_عقلوها وخلوها تحترم نفسها وتعرف ازاي تحترم جوزها وإلا والله العظيم أنفذ اللي هي عايزاه وأطلقها وخلي اللي ميشتري يتفرج وتشوف الناس هيقولوا عليها أيه..
قاطعته والدته بمكرٍ شديد وهي تلمح نظرة الانكسار في وجه زوجة أخيها:
_لا ربنا ما يجيب طلاق يا ابني أطلع أنتَ بس كده وأنا وامها هنهديها ونفهمها كل حاجة أصل الست لازم تقف جنب جوزها في كل الأوقات الوحشة قبل الحلوة مش كده يا مرات اخويا؟!
____________
ينادي عليها بل كاد ان يصرخ باسمها....
جاءت أفكار من المطبخ تلبي ندائه أثناء جلوسة على الأريكة ويضع ساقه على المقعد الخشبي، تمتمت أفكار بلهفة حقيقية:
_في حاجة يا داوود؟! محتاج حاجة؟!.
تحدث داوود بغضب فهو لا يقبل هذا وأخبرها ألف مرة وأخبر والدته أيضًا التي مازالت تقف في المطبخ بجانب الأواني:
_هو مش أنا قولتلك من بدري روحي، خلاص اطمنتي عليا؟! قاعدة ليه لغاية دلوقتي؟!.
عقبت أفكار على حديثه في عتاب وهي تنظر له:
_والله عيب عليك يا داوود يعني بتطردني؟؟
صاح داوود في نبرة مرتفعة فلا تفقده أعصابه:
_أفكار أبوس أيدك بلاش الطريقة دي أنتِ عارفة أنا بتكلم عن أيه.
أبتلعت أفكار ريقها وقالت بجدية حقيقية:
_مهو ازاي امشي وأسيب الست جيجي لوحدها في البيت من غير ما أساعدها في الأكل على الأقل ويعدين الأكل ده أحنا بنعمله لمين يعني؟! ما أحنا بنعمله ليك وبعدين الست جيهان محتاسة وأنتَ مجبتش حد يساعدها لسه....
قاطعها داوود بعدم تصديق لتلك القصص التي تستطيع أن تختلقها في ثواني معدودة:
_ هو ايه اللي الست جيهان محتاسة مهي طول عمرها كده محسساني أن علشان رجلي أتكسرت الدنيا وقفت على أساس أن أنا اللي كنت بقوم ليها بالبيت مثلا؟!!.
تحدثت أفكار في نبرة مرتفعة متجاهلة حديثه:
_جيجي أطفي على الرقاق اللي في الفُرن.
ليأتيها رد جيهان في الحال بأنها ستفعل، فقالت أفكار بنبرة هادئة:
_خلاص متزعلش نفسك بُص، تأكل وأطمن انك كلت وأخدت علاجك وأن جيجي مش محتاجة حاجة وهمشي علطول مش هطول.
قال داوود باستسلام:
_ماشي يا أفكار النهاردة وبس.
_حاضر..
بعد وقت كانت جيهان تجلس على السفرة، وأمامها جيهان ويترأس الطاولة داوود والجميع يتناول الطعام، تضع جيهان قطعة في طبقه من العديد من الأصنفة التي صنعتها أفكار؛ ثم تقوم أفكار بوضع شيء أخر من صنف أخر...
_خلاص يا جماعة في أيه مكنتش رجل اتكسرت ده أنا على نظامكم ده هتخن عشرين كيلو عقبال ما أفك الجبس.
تمتمت أفكار بهدوء:
_لا لا أبدًا المهم كل واتغذى وبعدين مقولتش رأيك في أكلي يعني؟!.
رمقتها جيهان بتحذير مما جعل أفكار تحاول تصحيح حديثها:
_أقصد أكل جيجي يعني.
ضحك داوود فهو يقرأ نظرات والدته التي تحولت بعد تعقيب افكار الأخير إلى أخرى لينة..
_تسلم أيديكم أنتم الاتنين.
فُتح باب الشقة ليلج حامد، ثم أغلق الباب خلفه برغم زواجه مازال يعتاد على تلك الحركة، بأن يدخل المنزل وكأنه مازال يقيم فيه تحديدًا أثناء زيجته الثانية..
تمتم حامد في ترحاب:
_ازيك يا أنسة أفكار عاملة أيه؟!
كان ردها بسيط وهي تقول:
_الحمدلله.
ثم وجه حامد سؤاله إلى داوود:
_أيه يا داوود عامل ايه دلوقتي؟!.
رد عليه داوود في سخرية من حالة:
_زي ما أنتَ شايف عاملين مسابقة مين فيهم اللي هتخليني أتخن أسرع..
ضحك حامد، ثم توجه ليجلس بجانب والدته وهو يقول:
_ممكن أنضم للمسابقة.
تحدثت جيهان في رفض:
_أنتَ ايه اللي جابك يا ابني؟!.
تعقيب حامد كان بسيط وتلقائي جدًا:
_جيت علشان اتغدى معاكم، قولت أسيب المعرض ساعة أرجع.
ضيقت جيهان عيناها في شكٍ:
_تيجي تأكل معانا أحنا؟! ما تروح تأكل مع مراتك يا ابني هي مش في البيت ولا أيه؟!.
أبتلع حامد ريقه قائلا في خجل:
_لا في البيت يا ماما.
تمتمت والدته في عتاب:
_يبقى روح اتغدى معاها مش لازم تخرب بيتك التاني يا ابني البت على تكة...
قاطع حديثهما رنين الجرس مما جعل أفكار تنهض وتتوجه صوب الباب لتقوم بفتحه وتجد أمامها أمنية فقالت بعفوية:
_والله فيكِ الخير لسه كنا بنجيب في سيرتك.
أبتسمت أمنية بعفوية وقالت وهي مازالت تقف عند الباب:
_تخيلي وأنتِ كنتِ على بالي يا أفكار، حامد قالي في التليفون أن داوود رجله اتكسرت فقولت أجي أطمن عليه.
أفسحت لها أفكار الطريق مغمغمة:
_فيكِ الخير والله خشي ده حامد هنا..
رددت أمنية كلمات أفكار ببلاهة وهي تلج إلى الداخل وتتضح لها الرؤية:
_حامد هنا؟!!........
فهي خرجت من المنزل قاصدة الذهاب إلى داوود أولا وبعدها ستمر عليه في المعرض وتعطيه الطعام الذي قامت بتحضيره من أجله فهو أخبرها بأنه جالسٌ في المعرض لن يستطيع الإتيان وقررت أن تقوم بمفاجاة من أجله وتذهب هي لتناول الطعام معه مدام مشغولًا لكن الآن هو بيده الملعقة ويجلس على طاولة والدته؟!.........
دخلت تطيل النظر بزوجها مستنكرة أفعاله معها، وحامد مستمر في تناول الطعام دون أن ينتبه لوجودها في الجوار، فجأة سقطت الملعقة من يده حينما سمع صوتها تردد بسخرية لاذعة :
_ ما أنت فاضي اهو يا حامد وجاي تاكل، امال لما كلمتك قولت الشغل كله فوق دماغك واحتمال تاكل هناك في المعرض ليه ؟؟
ارتفعت رأس حامد عن طبقه بسرعة شديد وقد غص أثناء بلعه للطعام، نظر حوله للجميع الذي يتابعون ما يحدث جاهلين الوضع .
ابتلع حامد الطعام بصعوبة يقول :
_ اصل ...اصل امي هي ...امي كلمتني وقالتلي أنها عاملة ليا الاكل اللي بحبه فاقترحت يعني اجي أكل مع داوود واهو بالمرة اشوفه.
كان يكذب والجميع حوله يعلمون ذلك، لكن لم يتحدث أحدهم بكلمة، لم ينفوا ولم يثبتوا حديثه، بينما أمنية حاولت أن تصدقه، فقط كي تخمد الصرخات المقهورة داخلها :
_ وماله يا حامد ..
نظرت صوب داوود تقول بود :
_ ألف سلامة عليك يا داوود
ابتسم لها داوود بهدوء :
_ الله يسلمك يا أمنية، اتفضلي اقعدي كلي معانا .
كادت أمنية ترفض، إلا أن افكار سارعت القول :
_ أيوة اقعدي كلي، الاكل هيعجبك، هروح اجبلك معلقة استني .
وبالفعل ركضت بسرعة تحت نظرات داوود الرافضة، فهو لا يرغب أن تضع نفسها طوال الوقت في إطار مدبرة المنزل لهم، يكره هذا الشيء، من يريد شيئًا فليحضره لنفسه .
وبينما كانت افكار تحضر ادوات الاكل لامنية سمعت صوت جرس المنزل يصدح، تحركت صوبه بتعجب لتستقبل اطفال حامد الذين اندفعوا بسرعة لرؤية عمهم بعدما وصل لهم أمر حادثته عن طريق جدهم.
لحقت بهم افكار وهي تضع أمام أمنية ادوات المطبخ ترى الاطفال ينقضون على داوود مبتسمين وهم يطمئنون أنه بخير .
وهي تراقبهم ببسمة لعلاقة داوود الحسنة مع الاطفال، سيصبح وبحق والد جيد لأطفالهم، داعبت تلك الفكرة عقل افكار، لكن فجأة استفاقت على صوت الأطفال وهم يعانقون والدهم ..
ابتسم لهم حامد يعانقهم بحب بعد غيابهم عن المنزل ايام قصيرة عنت له الكثير :
_ وحشتوني اوي يا حبايبي .
ابتسم له الصغار وأخذوا يقبلون وجنته بحب شديد والجميع يراقبهم بحب شديد .
وفجأة تحدث علي :
_ واحنا كمان يا بابا وحشتنا، أنت ليه لما جيت اخر مرة عند ماما مدخلتش تشوفنا ؟؟ جبت الحاجة ومشيت .
رفعت فجأة أمينة رأسها عن الطعام الذي كانت شاردة به دون وعي لأي شيء حولها، ونظرت نظرات مرعبة صوب حامد الذي ابتلع ريقه بصعوبة :
_ هو يا حبايبي أنا اساسا يعني كنت جاي عشان ...
قاطع حديثه صوت أمنية التي قالت بهدوء يسبق العاصفة وقد شعرت أن كل شيء يضغط عليها حتى كادت تنفجر :
_ مقولتش يعني أنك روحت بيت مراتك القديمة يا حامد .
نظر لها حامد بتحذير ألا تتحدث في شيء الآن لكنها لم تعد تهتم أو تعبأ بأحد أو شيء، وهو فقط صمت لتقول هي ببسمة :
_ ايه ما صدقت أنها فسخت، والطريق خلي ليك فقولت ترجع المايه لمجاريها ؟!
اتسعت أعين حامد من حديثها، في الوقت الذي قال به داوو :
_ علي خد اخوك يا حبيبي وروحوا اوضتكم غيروا لغاية ما تيتة تجهز ليكم الاكل .
هز علي رأسه بطاعة يتحرك للخارج رفقة شقيقه تاركًا الحرب على أوجها، تنفس حامد يقول بهدوء فقط كي يمتص غضبها :
_ مش هنا يا أمنية أي كلام يكون بينا .
ضحكت أمنية بسخرية :
_ وليه مش هنا؟! هو يعني اهلك ميعرفوش قذارتك واللي بتعمله ؟؟
اشتد غضب حامد لينتفض صارخًا :
_ أمنية الزمي حدودك .
وقفت أمنية في المقابل تصرخ بنفس الشكل بل أشد :
_ أنا ملتزمة حدودي يا حامد الدور والباقي على اللي مش عارف يعمل لنفسه حدود وكل يوم والتاني ينط لطليقته ولا كأن فيه واحدة متخلفة قاعدة في البيت قايدة صوابعها العشرة شمع عشانه ..
صمتت تتنفس ثم هتفت بانهيار وقد انفلت عقال صبرها، جُنت وكُسرت وجُرحت أنوثتها، فقدت يومًا الأم داخلها وهو لم يتهاون في إجبارها على فقدان أنوثتها، لتصل لحافة اليأس والوجع، هذه الزيجة استنزفت آخر ما تبقى من اشراقها واملها :
_ كل شوية ادادي فيك وأراضي فيك وأنت اللي فيك فيك، عشت زبالة وهتفضل زبالة يا حامد .
كان داوود في ذلك الوقت يمسك بيد حامد يحاول أن يجذب انتباهه كي يتم حل الأمور وتخفيف الغضب، لكن حامد في تلك اللحظة لم يرى أمامه سوى اللون الاحمر وهو يرفع كفه الحر يصفع به أمنية صارخًا في وجهها :
_ اخرسي، لا عاش ولا كان اللي يقول كلمة عليا، وانتي يا ست هانم لو كنتِ فعلا زي ما بتوصفي كده كنتِ قدرتي تشديني ليكِ، إنما أنتِ عكس كل اللي قولتيه .
ها هو مجددًا يتبع نفس أسلوبه السابق في قلب الطاولة على رأس من يحدثه، ورمي الحمل والذنب كلها على أكتافها .
وأمنية التي كانت في تلك اللحظة تعيش جحيمها قالت بصدمة من تجرأه على لمسها :
_ أنا اللي مش قادرة اشدك ليا، ولا أنت اللي مش حابب اني اشدك ليا ولسه عايش على اطلال الماضي ورايح جاي على حبيبة القلب، ولما أنت لسه بتحبها كده طلقتها ليه وبهدلتني معاك ..
فجأة انقضت عليه تصرخ بكل ما فيها باكية :
_ ليه خليتني كل يوم ابص لنفسي في المرايا وانا بسأل ايه اللي ناقصني ؟؟ ليه مش مهتم بيا ؟؟ طب اعمل ايه عشان ارضيك، ليه تخليني احط نفسي في مقارنة مع واحدة أنا اساسا معرفهاش، وكل يوم أسأل ايه اللي ناقصني عشان تهتم بيا وتعاملني كويس ؟؟ ليه ؟؟ ليه يا حامد ؟؟
صمتت تحاول التنفس، بينما افكار تتابع ما يحدث بصدمة وهي تنظر صوب حامد تستنكر كل ما يفعل، بالله ذلك الرجل من أي طينة خلق ؟؟
_ صحيح راجل واطي .
نظر لها داوود باستنكار لتردد :
_ متبصش كده اخوك اللي زبالة .
تنفست أمنية واخيرًا ثم قالت :
_ أنا خلاص جبت اخري ومش مستعدة اعيش الباقي من عمري عشان اراضي في واحد اناني زيك يا حامد وعشان كده ورقة طلاقي توصلني عند أهلي، عايزة اتنفس واعيش زي البشر .
وبهذه الكلمات ختمت أمنية وجودها في منزل حامد وفي حياته بالكامل تاركة الجميع خلفها يتجرع صدمة ذلك اللقاء الناري ونتيجته التي حلت كالكارثة للمرة الثانية على رأس حامد ........
_____________________
شهر بأكمله مر على ذلك اليوم الذي سقطت فوق رؤوسهم مصيبة طلاق حامد الثانية، شهر ولا يعلم كيف تخطى حامد الأمر وتجرع خسارته الثانية، لكنه ما يزال يحاول أن يتقبل حقيقة كونه المخطئ الأكبر فيما يحدث ..
توقف داوود أمام أحد محلات الأثاث وجواره تجلس افكار والتي كانت مبتسمة بسعادة كبيرة، فها هم يتخذون خطوتهم الاولى في تأسيس منزل الزوجية.
هبطت من السيارة تتبع داوود صوب ذلك المحل وهي تقول :
_ ماشي بس افتكر نروح بدري عشان عندي درس ديني انهاردة مش عايزة أتأخر عليه .
ابتسم داوود يقول بمرح :
_ لا طبعا يا شيخة افكار، هترجعي قبل الدرس متقلقيش .
نعم صدقوا أو لا تصدقوا، افكار في هذا الشهر المنصرم قطعت شوطًا طويلًا في حياتها سواء الدراسية أو التعليمية الدينية، وكان لداوود الفضل الأول من بعد الله في ذلك .
دخلت معه تنظر حولها بانبهار :
_ بسم الله ماشاء الله كل دي دولابات نختار منها ؟!
حدق بها داوود مستنكرًا :
_ دولابات ؟! ده اللي هو ايه ده ؟!
_ جمع دولاب .
هز رأسه مقتنعًا :
_ اه جمع دولاب، قولتيلي مين اللي بيدرسلك عربي ؟!
ابتسمت وهي تتطلع على كل ما يحيطها تحاول أن تنتقي من بينهم :
_ ميس احلام .
_ ميس احلام اه، ربنا يباركلها ميس احلام .
توقف داوود وهو يرى أحد الرجال يقترب منه مرحبًا به :
_ استاذ داوود ازي حضرتك نورت المعرض كله والله مشوفتش حضرتك من وقت ما جيت مع استاذ حامد عشان يجدد عفشه من سنة .
صمت الرجل ثم قال :
_ ألا هو عامل ايه ؟!
اجاب داوود بهدوء :
_ طلق واتجوز تاني وجه ياخد العفش من عندكم برضو بس حسام اللي كان موجود وقتها .
ابتسم له الرجل يجيب بهدوء :
_ ربنا يعوضه يا رب، ويسعده في التانية وبإذن الله العفش يكون وشه حلو و ..
_ لا مهو طلق التانية برضو .
فجأة شعر داوود بأفكار تقترب منه هامسة بريبة :
_ أنت جايبنا هنا ليه ؟؟ عايزة تقفلهم تلات مرات طلاق ولا ايه ؟؟ الراجل كل ما رجليكم تخطي ليه في جوازة تنتهي بطلاق، أنت مش بتتعظ
نظر لها داوود يكتم ضحكته بصعوبة، افكار ومهما تغيرت أفكارها سيظل هناك جزء داخلها يعود لتلك القديمة التي عرفها .
تنحنح وهو يحاول ألا يضحك أمام الرجل :
_ المهم أنا كنت جايلك عشان يعني فرحي قريب وبدأت اجهز شقتي، فكنت عايز اشوف الاوض كده.
ابتسم له الرجل بسعادة وهو يقوده داخل المحل حيث يعرض اثاثه المبهر :
_ اكيد يا استاذ داوود اتفضل، باذن الله تكون جوازة العمر والخير عليك .
تمتمت افكار بحنق وهي تسير خلفهم:
_ عمر ايه بقى يارب نلحق نوصل للفرح.
نظر لها داوود بتحذير لتصمت، ثم شيئًا فشيء انغمست في انتقاء اثاث منزلها رفقة داوود، الذي ترك لها حرية اختيار ما تشاء دون أي تدخل منه.
وحينما انتهوا، دفع مبلغًا للرجل :
_ تمام يا سليمان، زي ما بلغتك عايز أعلى جودة عندك وخشب يستحمل، بس اهم حاجة الوقت يا سليمان الله يكرمك، عشان عايز اخلص فرش الشقة .
ابتسم له سليمان يلتقط منه الأموال بلهفة :
_ ولا يكون عندك شك يا داوود باشا، باذن الله هتلاقي كل اللي أنت عايزة .
ودعه داوود بهدوء يأخذ معه افكار للخارج، صعدوا للسيارة وهو ينظر لها يقول بهدوء :
_ تحبي نروح في حتة ناكل ؟؟
كادت افكار توافق بلهفة، لكن فجأة صمتت تفكر في شيء ثم نفت :
_ لا معلش أنا يا دوبك ألحق الروح واستريح قبل الدرس بتاعي .
ابتسم لها داوود فخورًا بها، يفكر في افكار التي كانت تهرب من المعلمين في بداية الأمر، والآن تتلهف للذهاب، حسنًا هذا إنجاز يمكن وضعه في قائمة انجازات حياته .
وللحق كانت هي أكبر تلك الإنجازات التي يفتخر بها ....
___________
_السلام عليكم.
خرجت من فم أفكار بعد ولوجها إلى المنزل لتجد والدتها تضع على سور النافذة كوب الشاي الخاص بها..
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
غمغمت أفكار في هدوء وهي تقترب من والدتها:
_عاملة أيه يا اما دلوقتي حضرتك بخير؟!.
ضربت سكر على صدرها قائلة:
_حضرتك؟!! لا الواد ده شقلب حالك ابن جيهان استحالة دي تكون افكار بنتي استحالة.
ضحكت أفكار وهي تقول بنبرة مشاغبة:
_يعني هكون أفكار بنت الجيران يا أما؟! وبعدين هو انا قولت ايه لكل ده؟! كل ده علشان قولت حضرتك؟!.
هزت سكر رأسها في إيجاب:
_أيوة هي حضرتك دي قليلة؟! أنتِ طول عمرك بتناطحي فيا وكمان من ساعة ما جيبتي ليا راديو جديد وأنا قلقانة منك بقيتي بارة بيا وهادية وبتسمعي كلامي من أول مرة.
_يعني هو أنا كنت رميتك في دار مسنين يا أما قبل كده؟! علشان تحسي يعني أني اتغيرت؟!
قالت سكر في رفض لما يحدث:
_لا أنا قلبي مش مطمن الواد ده عملك حاجة شكله بدل ما راح السيدة زينب راح السيدة نفيسة ولا عيشة وعملك حاجة، هي امه يمكن يكون معاها قطرك، خشي أعملي فنجان قهوة بسرعة..
عقبت أفكار على حديث والدتها في رفضٍ صريح:
_ يا اما حرام بقا حوار الفنجان ده بطليه.
أخذت سكر تصيح بجنون:
_يالهوي يا ميلة بختك في بنتك يا سكر، بعد ما تعبتي وشقيتي عليها بتقولك ده حرام وده حلال هو ابن جيهان اللي شقلب كيانك وجننك كده أنا عارفة.
تحدثت أفكار في نبرة هادئة غير مكترثة فهي أعتادت على والدتها التي لن تتغير بعد هذا العمر بسهولة:
_خلاص وطي صوتك يا أما، هخش أخد دش علشان تعبت وهلكت من اللف طول اليوم، وبعدين أجيلك ونشوف حل فيا.
رحلت تحت كلمات سكر المعترضة:
_أيوة طبعا لازم نشوف حل وبسرعة كمان..
بعد وقت أخذت فيه أفكار حمام دافئ بعد عناء اليوم وخرجت من الحمام وأرتدت ملابسها، بعدها قررت أن تخلع الدبلة فهي تشعر بأن أصابعها منتفخة اليوم فقررت أن تضعها في العلبة الخاصة بشبكتها..
لتجدها فارغة شهقت وهي تحاول استيعاب ما يحدث اين الذهب الخاص بها؟!!..
اخذت تعبث بين ملابسها عن شيء، ولكنها لا تجد شيء يبدو أن ما يتواجد بداخلها قد تم أخذه بالكامل فهو ليس مجرد قرط او خاتم فقط تستطيع ان تظن بأنه قد سقط....
خرجت من الغرفة لتجد والدتها تتحدث مع بائع البص من الشرفة التي تطل على الشارع:
_أنتَ مغلواني أوي بقولك خلي الثلاثة كيلو بخمسة وثلاثين كده حلو أوي.
عقب الرجل بعدم رضا:
_لا والله يا حجة كده مينفعش..
أنتفضت سكر على صوت أفكار وهي تقول:
_فيه حرامي يا امي حراميه دخل بيتنا...
صرخت سكر فيها في انفعال مشيرة للبائع:
_ ما أنا بقول من الصبح الراجل ده حرامي ومغلو...
لكن افكار قالت ببكاء ورعب :
_ راجل ايه ؟! الحرامي في بيتنا ...
_حرامي أيه يا بنت المجنونة هو في حرامي هيدخل بيتنا على أيه يا حسرة، وبعدين أنا قولت والله لراضي أختك هتعمل أزعرينا لو أخدت الشاحن بتاعها.
راضي ؟؟؟؟
بدأت الرؤية تضح لها....
مما جعلها تصيح:
_ابنك سرق شبكتي ياما.......
_____________________
هي حياتك فتقبلها كما هي، لكن إن أعطتك الدنيا فرصة إصلاح ما أخطأت به قديمًا، فلا تتردد بسلب تلك الفرصة .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه
رواية إعلان مُمَوّل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الثاني والعشرون من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلو على نبي الرحمة.
______________
صمت قاتل هو كل ما قابل افكار بعد صراخها بتلك الكلمات في وجه والدتها والتي اتسعت عيونها تنتفض عن الأريكة مدافعة عن ابنها بحسرة ورفض لتلك الفكرة :
_ أنتِ بتقولي ايه يا افكار ؟؟ لا لا ابني لا يمكن يسرق، ده هو دخل الاوضة بس عشان الشاحن اكمن يعني المحمول بتاعه كـ
قاطعتها أفكار باكية منهارة، لا تصدق أن شقيقها وصل لهذه الدرجة من الخسة والوضاعة، أن يسرقها، وحينما يفكر في سرقتها يسرق ذهبها الذي أحضره لها داوود، لم يفكر فيما ستفعل، أو كيف ستواجهه عائلته إن تساءلوا يومًا عن عدم ارتدائها للذهب ؟!
_ يا ما الله يكرمك بطلي تدافعي عنه، يعني مين اللي هيدخل يفتح دولابي وياخد الدهب بتاعي ؟؟ مين دخل البيت غير راضي ؟؟
شعرت سكر بالصدمة وهي تحاول التحدث من بين صدمتها :
_ هو أخد الشاحن و...
صمتت فجأة حينما تذكرت مظهر ولدها وهو يخرج مهرولًا من المنزل يضع يديه داخل سترتة، لكنها وقتها لم تهتم وهي تتحدث مع جارتها .
صمتت لتنهار أفكار ارضًا تشعر بالمكان يدور من حولها، يالله ألا يمكنها أن تعيش حياة هانئة هادئة كأي شخص في هذا العالم، ألم يكفيها ظلمًا طوال تلك السنوات؟؟
شعرت بكف والدتها يربت على كتفها وهي تحاول تبرير ما حدث من قبل ولدها وقلبها يرفض تصديق حقارة ما وصل له ولدها، فهي أم وصدمتها بابنها أكبر من غيرها ..
_ معلش يا بنتي يمكن معذور ولا احنا ظالمينه و...
لكن أفكار لم تدعها تكمل حديثها وهي تنتفض راكضة للخارج وكأن الشياطين تتبعها، ستريه الويل إن لم يعد لها ذهبها، ستفعل.
ركضت في الطرقات الضيقة لا ترى أمامها سوى منزل شقيقها، وحينما وصلت أمامه أخذت تطرقه بعنف شديد حتى كادت تحطمه أعلى رؤوس قاطنيه.
ولم تتوقف حتى أبصرت راضي يفتح الباب حانقًا مستنكرًا :
_ جرا ايه يا اللي على الباب هـ
صمت بصدمة وعلى التوتر والقلق ملامحه وهو ينظر خلفه داخل المنزل، ثم حدق بأفكار يقول محاولًا الابتسام :
_ افكـ...أفكار، خير يا افكار امي كويسة ؟؟
لكن أفكار لم تجادله أو تتحدث بكلمة، بل قالت دون مقدمات وبعنف شديد وكأنها تبصق الكلمات في وجهه :
_ فين دهبي يا راضي ؟؟
اتسعت أعين راضي بقوة ورعب وهو يدفعها، يخرج من المنزل تمامًا يغلق الباب خلفه بسرعة مخافة أن يسمعهم أحد من ابنائه او حتى زوجته.
_ دهب ايه يا افكار ؟؟ أنتِ جاية ليه على المسا وعايزة ايه ؟!
_ دهب ايه ؟؟ دهبي اللي دخلت البيت واخدته يا راضي، أو خليني اقولها ليك بشكل احسن، دهبي اللي سرقته من دولابي يا اخويا.
أبتلع راضي ريقه ثم اشتدت ملامحه يصرخ في وجهها :
_ دهب أيه وعبط ايه ؟! ومين قالك اساسا اني روحت البيت ولا شوفت اللي بتقولي عليه ؟؟
_ امي ..امي اللي قالتلي أنك دخلت اوضتي عشان الشاحن، بس الست المسكينة مكنتش تعرف أن ابنها داخل يسرق أخته ويعرها قدام عيلة خطيبها .
كانت تتحدث وهي تبكي بحسرة وقهر، لا تصدق ما وصل به الحالة، يسرقها ويتبجح في وجهها.
وراضي الذي يبصر أمامه انهيار شقيقته لم يتأثر مقدار شعرة يدفعها بقوة :
_ بقولك ايه أنا وأنتِ عارفين كويس اوي إن امك عقلها على قدها وتلاقي حد تاني دخل واقنعها أنه أنا، أنا لا روحت البيت ولا أخدت دهب، روحي ارمي بلاكي على غيري .
وقبل أن يتحرك خطوة شعر بصفعة تسقط على وجهه وصوت أفكار يعلو هادرًا :
_ يعني مش حرامي وبجح، لا وزبالة كمان، بتتهم امك بالجنون عشان تفلت بعملتك.
فجاة امسكت ثيابه تهزه بقوة كبيرة تصرخ في وجهه بجنون :
_ اقسم بالله يا راضي أما خرجت بالدهب لأكون مودياك في ستين داهية وابقى وريني هتخرج منها ازاي يا ابن امي وابويا .
نظر لها راضي بشر متحديًا إياها:
_ هتعملي ايه يعني ؟!
ابتسمت له بجنون ثم هتفت من بين أسنانها :
_ فاكر وصولات الأمانة اللي كنت ماضيها على نفسك بتلاتين ألف وجيت تعيطلي وتقولي هتحبس وعيالي يتشردوا وأنا بغبائي روحت سددتها وأنت ضربت الطرشة ونسيت الموضوع؟؟ فاكرها ؟؟ اللي دفعتها من ورث ابويا ومن حقي عشانك، اهي الوصولات دي معايا يا غالي في البيت ومتقطعتش ودلوقتي أما خرجت الدهب هطلع بيهم على البوليس وأبلغ عنك ومش بس كده هقولهم أنك سرقت الدهب واشهد كل اللي في الحارة عليك يا نصاب يا حرامي.
شحب وجه راضي بقوة وشعر بالصدمة من كلماتها، ابتلع ريقه يردد :
_ الوصولات لسه معاكِ ؟؟ ماسكة عليا وصولات يا افكار؟؟ مش قولتي قطعتيها؟!
ابتسمت أفكار بسمة مرعبة تهمس بكذب فهي مزقت تلك الوصولات منذ استلمتها من الرجل، لكنها بالفعل لم تخبره بذلك ولن تفعل :
_ قليلة الأصل بقى معلش، طالعة ليك يا راضي، ودلوقتي هتطلع بالدهب بتاعي ولا تتفضح في وسط الحارة وعيالك وتضيع عمرك في السجن؟
تنفس راضي بصوت مرتفع وهو يشعر بالغضب يتملك منه :
_ أنا ...أنا بيعتهم .
اشتد جنون أفكار وهي تصفعه مجددًا صارخة بجنون في وسط الشارع حتى بدأ الجميع ينتبه لهما، يالله باع ذهبها وهدية خطبتها، كيف ستنظر لوجه داوود وأي حجة ستخرج بها :
_ بيعته ؟؟ بيعت دهبي يا حرامي يا شمام يا زبالة .
كانت تصرخ وهي تضربه بكل قوتها وتخدش وجهه وقد تعاظم داخلها شعور القهر، تشعر بالغضب قد سيطر عليها حتى عماها عما تفعل، عماها عن وجودهما في منتصف الطريق على مرأى ومسمع من الجميع.
_ هتيجي معايا دلوقتي ترجعه، هترجع ليا الدهب بتاعي، سامع هتيجي معايا وإلا وأقسم بالله لاضيعك واضيع عمرك كله يا راضي.
ارتعب راضي من تلك الفتاة التي لا تمت لأفكار بصلة، كانت عيونها محمرة بقوة ووجهها شاحب وجسدها يرتجف لا يدري غضبًا كان أم خوفًا، هز رأسه لها :
_ ماشي ...ماشي هاجي معاكِ...بس سيبني أدخل اجيب الفلوس اللي لسه واخدها من الراجل زي ما هي مصرفتش منها حاجة..فضحتيني في الحتة.
خففت أفكار قبضتها شيئًا فشيء وهي تستوعب الآن ما حدث، ابتلعت ريقها ببطء تترك أخيها كي يذهب ليحضر الأموال وهي نظرت حولها من خلف دموعها تتجرع خزيها كؤوسًا، حاولت أن تتجاهل أعين الجميع حتى سمعت صوت راضي يقول بصوت لم تتبين نبرته :
_ يلا ..
__________
ولج داوود إلى المنزل، ثم خلع حذائه ليجد حامد جالسًا على الأريكة من النظرة الأولى السطحية قد تظن أنه يشاهد التلفاز ولكن حينما دقق داوود فيه شعر بشروده الشديد حتى أنه لم يدر رأسه لينظر ناحية الباب ليعرف من أتى...
سار داوود بضعة خطوات بإتجاه الرواق ليدخل غرفة الصغار يجد كليهما منهمك يحاول إنهاء واجباته المنزلية بأقصى سرعة حتى يستطيع اللعب كيفما يشاء.
ابتسم لهما داوود ثم سأل ابن شقيقه الكبير "علي":
_هي ستكم فين؟!.
عقب علي بهدوء بعد أن رفع رأسه لينظر له بعد أن كان يُسلط بصره ناحية الدفتر الذي يقوم بالكتابة فيه:
_راحت تزور واحدة صاحبتها علشان رجعت من العمرة.
_ماشي كملوا يلا اللي وراكم.
تركهما داوود ثم خرج مرة أخرى من الرواق ليجد أن شقيقه مازال ينظر في اللاشيء جلس داوود بجانبه على الاريكة قائلا لينتشله من شروده:
_أيه يا عم حامد أيه اللي شاغلك للدرجة دي أنتَ ماخدتش بالك اني جيت ودخلت وخرجت، اللي هو لو في حرامي دخل من الباب هتقوله مكان الحاجات اللي تعجبه واللي جاي علشانها فين.
لم يبتسم حامد على غير العادة، فهو دومًا شخص مرح جدًا مع عائلته، تمتم حامد بضيقٍ:
_مش فايق ليك يا داوود سيبني في اللي أنا فيه.
غمغم داودد شارحًا وجع شقيقه:
_أنتَ زعلان علشان طلقت أمنية صح؟! ندمت؟! في النهاية أمنية يعني غلطت أه بس وقت عصبية واللي كانت حاسة بيه مش شوية أنا شايف أنها أكيد هديت خلال الشهر ده لو عايز تروح ترجعها وتردها مش مشكلة يعني....
قاطعه حامد بعصبية مُفرطة:
_أرد ايه بعد اللي هببته ده، دي غلطت فيا يا داوود وأنتَ تقولي رجعها؟! ده غير كلامي ليها واللي حصل بينا، احنا الاتنين بهدلنا بعض بشكل مينفعش نرجع بعده، وبعدين جوازي منها كان غلطة أنا اتسرعت..
ضيق داوود عيناه قائلا بعدم فهم:
_أومال مدام مش أمنية اللي شاغلة عقلك ولا عايز ترجعها أومال أيه اللي شاغل دماغك؟!.
قال حامد بتردد وهو ينظر له بطرف عين:
_أنا عايز أروح أتكلم مع ألاء وأقنعها أنها ترجعلي..
حقًا لو أصيب داوود بأزمة قلبية يومًا يود أن يعرف العالم بأن السبب الأول هو شقيقه، بينما أفكار هي السبب الثاني فبعد التغييرات البسيطة التي طرأت عليها أحتلت المرتبة الثانية بدلا من الأولى فقد تفوق حامد عنها ويستحق نيل هذا الشرف بجدارة.
تمتم داوود في هدوء حاول تصنعه:
_ممكن يا حامد تبطل تأخد قرارات في لحظات غريبة، أنتَ نفسك لسه بتقول أنك اتسرعت في جوازتك من أمنية، حاول تتريث شوية المرة دي وتفكر قبل ما تأخد أي خطوة وتبطل تظلم غيرك أو تظلم نفسك، اقعد فترة كويسة مع نفسك كده ربي عيالك وأهتم بيهم وأهتم بنفسك وفكر أنتَ عاوز أيه بجد بلاش أي قرار دلوقتي...
أبتلع ريقه ثم ختم حديثه قائلا:
_ ودي مجرد نصيحة عايز تسمعها هيكون ده الأفضل مش عايز اعتبر نفسك مسمعتش حاجة ولا انا قولت حاجة ليك.
__________
تبكي أمام والدتها...
ليست المرة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة...
كل يوم تبكي تشتكي مما تراه لوالدتها أما في الهاتف خلسة أو حينما تسنح لها الفرصة لزيارتها...
لكن اليوم ها هي تجلس معها في الشرفة حتى تستنشق الهواء العليل فتقيد عمتها حركتها بشكل كبير في المنزل، فهي لا تشعر بأنها عروس جديدة ولا تشعر بأي نوع من أنواع السعادة، غير أن عمتها تجعلها تفعل كل شيء في المنزل بسبب تهديدات ياسر لها، فهي تخشى أن يقوم بصفعها أو ضربها مرة أخرى...
قالت روضة بحسرة شديدة:
_أنا مش عارفة ازاي جوزي يشوفني تعبانة وحراراتي عالية ولا يفكر يوديني دكتور ولا يجيب ليا علاج، ولا عايز يديني فلوس أجيب لنفسي، يقولي خلي أبوكي يدفعلك ويعالجك أنا مش مُلزم بده.
غمغمت والدتها بتوتر من أن يأتي زوجها فجأة ويسمع هذا الحديث:
_خلاص أنا هديكي اللي أنتِ عاوزاه خلي معاكِ الفلوس وهاتي علاجك واللي تحتاجيه وملكيش دعوة بيه، ولا تطلبي منه حاجة بس بلاش الكلام ده أحسن ابوكي يجي فجأة يابنتي ويسمع الكلام ده كفايا اللي حصله بعد الفرح لما اشتكيتي له واتخانق مع اخته والجلطة اللي جاتله؛ والدكتور قال منعرضهوش لأي حاجة وحشة لو ضغطه علي غلط جدًا عليه.
بكت روضة أكثر وهي تتذكر تلك الأيام....
ما الذي فعلته بنفسها؟!!...
ولأول مرة تشفق عليها والدتها مهما فعلت هي ابنتها، مهما اخطأت، كانت تمانع تلك الزيجة ولكن لم يسمعها أحد، لكن بعد كل ما حدث لا يمكنها عتابها أو قول كلمات تكن بمثابة وضع الملح على الجرح المفتوح ولأنه لن تستفيد شيء سوى تعذيب ابنتها....
تمتمت والدتها بهدوء:
_اقعدي كده وبطلي عياط وأنا هقوم اعملك عصير المانجا اللي بتحبيه واجي.
نهضت والدتها بالفعل لتفعل ما أخبرتها به، ثم عادت بعد ربع ساعة تقريبًا ووضعت العصير أمام ابنتها التي كانت تنظر على الرائح والغادي من الشرفة بملل رهيب ولكن فجأة رأت داوود يسير في الشارع بجانب ابن شقيقه لتعود تبكي مرة أخرى تحت أنظار والدتها التي لاحظت الأمر قائلة:
_ندمانة؟!.
أبتسمت روضة بسخرية من وسط بكائها:
_ندمانة دي كلمة قليلة، داوود اللي كان بيحترمني وبيقدرني وأنا مهتمتش بكل ده واتلككت له وسيبته، داوود راجل حظ لأي واحده تقابله، ونعمة أنا مقدرتهاش، يمكن لما كسرت قلبه ده كان عقابي.
_ملهوش لازمة الكلام ده يا بنتي اللي حصل حصل، حاولي تشوفي اي ميزة في جوزك وتحاولي ترضيه وأدعي أن ربنا يصلح حاله.
مسحت روضة دموعها لا تستطيع تزويد هموم والدتها أكثر، فهو يعاملها وكأنها خادمة في بيته لا زوجة هو ووالدته التي من المفترض أنها عمتها لكنها تتمتع في اهانتها، مهما اشتكت منهما لوالدتها لن تشعر بالذل التي باتت محاطة به ولا تستطيع في الوقت الحالي فعل شيء سوى الصبر والانتظار حتى تستطيع التخلص من هذا الرجل.
_____________
بعد هبوطه، وذهابه إلى المقهى للجلوس مع صديقه، قابل ابن شقيقه أثناء عودته من المقهى، فكان على يقوم بشراء الحلوى له ولشقيقه الأصغر.
عاد داوود إلى المنزل وهو يشعر بالدهشة الشديد، طوال اليوم لم تتصل به أفكار كعادتها، نعم فلقد أعتادت في الفترة الأخيرة على أن تتصل به كل ساعة تقريبًا تخبره إلى أين وصلت في دروسها، وكيف كان درس الفقة وكيف أنها قامت بتسميع آيات القرآن لمعلمتها جيدًا، تخبره بكل تطور تفعله ويفتخر بها جدًا، طوال الوقت كانت تشعره بحماسها كطفلة صغيرة تريد ثناء والدها ووالدتها عليها لم تكن متصطنعة أبدًا كروضة التي تفعل أي شيء من أجل كسب وده فقط، ولكنها كانت عفوية بشكل تلمس قلبه بكل سهوله، وحتى في عز انشغالها في دروسها أو المنزل لا تكف عن إرسال رسائل له أيضًا بها التطورات لو لم تستطع الاتصال به وهذا الشيء هو الذي جعله يتسائل ما الذي حدث؟!! هو يفتقدها بشكل بشع...
مشاعر رهيبة تتملكه لم يشعر بها من قبل تجاة المرأة الوحيدة التي لم يكن يراها مناسبة له.
ولج إلى غرفته ولم ينتظر أن يغير ملابسه بل ألتقط هاتفه وقام بالاتصال بها، لم تجب في المرة الأولى هذا الشيء قلقه ليست عادتها أبدًا فهو يعتاد منها على الإجابة السريعة في أي وقت، فقام بالاتصال للمرة الثانية وها هي تجيب عليه:
_ألو.
عقب داوود عليها بلهفة لم يستطع أن يخفيها:
_ألو يا أفكار أنتِ كويسة؟!.
هل بالغ في الأمر؟! قالت أفكار تلك الكلمات في عقلها فهي ليست معتادة منه على تلك اللهفة التي يستعملها للمرة الأولى تقريبًا، خفق قلبها وبشدة أثر نبرته ولأنها شعرت بأنه يقلق عليها ويفتقدها أيضًا، لن تكن كاذبة هي أيضًا كانت تكبح نفسها بصعوبة طوال اليوم من أجل ألا تتصل به وتبكي، ترغب في الشكوى له لأنها ببساطة تشعر بأنه ملاذها الوحيد، ولكن ليست كل الأمنيات نستطيع تحقيقيها، فهي لا تستطيع اخباره بما حدث أبدًا...
لكنها تصنعت عكس ذلك متجاهله أياه وهي تجيبه:
_أنا كويسة الحمدلله هو في حاجة ولا أيه؟!.
ردها كان بارد وجاف بشكل ازعجه وأشعرته بأنه قد أرتكب خطأ لا يفهمه؟! لكنه متأكد من شيء واحد هذه ليست طريقة أفكار هناك شيء لا يفهمه يحدث.
_يعني أنتِ مختفية طول اليوم ومتصلتيش ولا بعتي حتى لو رسالة واحدة فأنا قلقت عليكي.
_يعني كويسة مفيش حاجة بس أنا كنت مشغولة.
سألها داوود باهتمام:
_مشغولة في أيه؟!
عقبت أفكار بجفاء تخفي عنه حالتها المنكسرة:
_ كان عندنا ضيوف.
سألها داوود باستغراب فهي معتادة على أن تخبرها كل شيء:
_ضيوف مين يعني؟!.
أختلقت أفكار كذبة وهي تقول:
_ناس قرايبنا من بعيد متعرفهمش.
مجددًا ليس هذا ما انتظره منها، سألها داوود بوضوح:
_أفكار هو في حاجة؟!.
قالت أفكار بنفي وبرود أزعجه جدًا:
_لا مفيش حاجة، هقفل دلوقتي بس علشان ماما بتنادي عليا، سلام.
تمتم داوود بغضب مكتوم:
_ماشي سلام..
وأغلقت أفكار المكالمة تحت غيظ داوود الشديد، لم تعطه حتى المساحة لمعرفة ما الذي حدث لها؟.
هي ليست أفكار التي يعرفها، فهل أقترف شيئًا ازعجها وهو لا يدري؟! أخذ يفكر فأخر لقاء بينهما كان جيد للغاية لم يصدر شيء منه قد يزعجها، جعلته يجلس في حيرة بين أفكاره المشوشة مثلها...
_____________
وبسبب تلك المكالمة لم يستطع أن يدعي غضبًا وحنقًا أكثر ..
ففي اليوم التالي.
ها هو يحمل حقائب عدة وهو يقف أمام منزلها، لا يدري كيف خرج من المنزل وذهب لشراء كل ما يعلم أن افكار تحبه، شعور داخلي مجهول المصدر انبأه أن يفعل ذلك .
نبرتها في الهاتف وردوها أخبرته أن يفعل هذا .
تنهد داوود يطرق الباب دون توقف ينتظر أن تجيبه أفكار بحنق صارخة أن ينتظر الطارق فهي لا تجلس خلف الباب .
لكن ما سمع لم يكن صوت أفكار، بل صوت سكر التي قالت بنبرة خافتة وتعب شديد وكأنها فجأة استوعبت عمرها الحقيقي :
_ أيوة جاية.
فتحت سكر الباب لتصدم بوجود داوود الذي حاول الابتسام متجاهلًا ملامحها الشاحبة والمرهقة :
_ مساء الخير يا سكر، أفكار جوا ؟؟
نظرت له سكر، ثم هزت رأسها تتحرك من أمام الباب :
_ أيوة جوا ادخل هناديها ليك
تحرك معها داوود للداخل لا يدري ما بها سكر، لكنه قرر سؤال أفكار، لربما كانوا يواجهون ضائقة مالية أو ما شابه، أي شيء قد يستطيع أن يساعدهم به ولن يتأخر أبدًا.
دخلت سكر للمنزل وهي تتحرك ببطء شديد منحنية الظهر كعادتها، جلس داوود على الأريكة التي تقبع أسفل النافذة واضعًا الحقائب أمامه، ودقائق طويلة مرت ولم يخرج أحد، شعر داوود بوجود خطب ما وما كاد ينادي أحدهم، حتى أبصر افكار تخرج له بخطوات بطيئة وتردد شديدة تنظر أرضًا.
ابتسم لها يقول :
_ أنا جيت في ..
توقف فجأة عن الحديث حينما رفعت أفكار رأسها له، ليصدمه شحوب وجهها وملامحها الحزينة على غير العادة:
_ فيه أيه يا أفكار ؟؟ حصل حاجة ولا ايه ؟؟
ابتلعت أفكار ريقها تحاول أن تتظاهر بأن لا شيء حدث:
_ لا أنا كويسة، بس ...بس هو دور برد مبهدلني .
ختمت حديثها بضحكة في محاولة يائسة لإقناعه، وهو ورغم عدم اقتناعه، إلا أنه هز رأسه لها ببسمة واسعة :
_ أنا عارف اني مبلغتكيش بأني جاي، بس حسيت لما كلمتك امبارح أنك مش بخير ومخبية فقولت اجي اشوفك، لولا الوقت كان متأخر امبارح كنت جيت والله.
صمت ثم سأل بصدق :
_ أنتِ بخير يا افكار ؟؟
رفعت أفكار عيونها له تحاول أن تتماسك :
_ أنا..أنا بخير ..بس هو البرد زي ما قولتلك مش اكتر .
فجأة انتبهت للحقائب التي أحضرها ليبتسم هو قائلًا :
_ قولت تلاقي الحلويات اللي عندك خلصت، فجيبت ليكِ تاني.
لِم عليه أن يكون بكل تلك المثالية وهي تكون بكل تلك الشوائب، لِم عليه أن يكون جيدًا في كل شيء، وهي السييء نفسه ؟؟ لِم لم تقابله في ظروف أخرى، حياة أخرى ؟؟ هو كثير عليها، هو يستحق فتاة غيرها، هي محاطة بالوحل من كل مكان، وهو نظيف بشكل تشفق عليه من تلوثه بوحلها .
التمتع الدموع بعيون أفكار، لكنها كتمتها مبتسمة :
_ أنا... أنا مش عارفة اقولك ايه بجد يا داوود، تسلم يارب منحرمش منك .
وكانت تلك الكلمات أكثر من كافية لداوود، ومكافئة عادلة لمجيئه، وأخيرًا تنهد براحة وهو يندمج معها في أحاديث ليست مهمة البتة، لكن الغرض منها فقط هو أن يخرجها من ذلك الحزن الذي يعلو وجهها.
وبعد ساعة تقريبًا استأذن منها داوود على وعد بالمجئ لها بعد يومين في موعده الطبيعي، وهي ودعته ببسمة واسعة سرعان ما تلاشت وسقطت دموعها بقوة، دخلت المنزل لتجد والدتها تجلس على الأريكة تتفقد الحقائب وهي تقول بلطف محاولة اخراج أفكار من سحابة الحزن التي غيمت حياتها منذ عادت بالذهب ..
_ ابن حلال الواد ده، أنا أول ما شوفته كده قلبي ارتاح ليه، وعرفت أن ربنا كرمه عشان كده رزقه بيكِ، والله كويس ده جايب حلويات كتير، محترم والله .
كانت أفكار شاردة وهي تستمع لكلمات سكر تقول بصوت خافت :
_ امممم ابن حلال كويس اوي، كويس اوي لدرجة أنه ميستحقش في النهاية يكون معايا.
نظرت لها سكر بعدم فهم، لكن أفكار كانت قد اتخذت قرارها وانتهى الأمر، وغدًا ستنفذه .
__________________
في صباح اليوم التالي.
انتهى داودد من ارتداء ثيابه يتعطر مبتسمًا، ثم خرج من غرفته يسير صوب طاولة الفطور، ليجد أن الجميع لم يستيقظ بعد، نظر في ساعة يده، يدرك أنه هو من استيقظ مبكرًا، حسنًا هو لم ينم من الأساس ..
لا يدري السبب، لكنه طوال الليل يشعر بانقباضة صدر منعته النوم الهنيئ، هل مرض أفكار سبب في ذلك ؟؟ لكن منذ متى كان يتأثر نومه بمرض أحد ؟؟
تنهد داوود بتعب وهو يتحرك في المطبخ مقررًا أن يعد كوب لبن له وهذا نادر حدوثه تقريبًا ويتناول عليه بعض البسكوت، وتذكر مكالمته مع أفكار حينما تحجج بأنه يود شرب الشاي وهو لا يفضله من الأساس..
وبالفعل دقائق حتى انتهى وجلس يتناول فطوره..
وبعدما انتهى جمع كل شيء وغسله، ثم حمل مفاتيح سيارته ومحفظته وتحرك خارج المنزل .
فتح الباب ولم يكد يخطو للخارج حتى صُدم بوجود أفكار أمام الباب، فتح عيونه بعدم فهم :
_ أفكار ؟؟ بتعملي ايه في الوقت ده هنا ؟؟ حصل حاجة ولا ايه ؟؟
لولا نوم والدته لظن أنها هي من أتصلت بها.
نظرت له أفكار بخجل وهي تحاول الحديث :
_ لا بس...أنا بس ...كنت عايزة الحقك قبل ما تنزل الشغل عشان عايزاك في موضوع .
هز رأسه يفسح لها الطريق تاركًا باب المنزل مفتوحًا، ثم جلس مقابلها على أريكة في البهو الخارجي وقد صدق حدسه، أفكار ليست بخير وذلك الشحوب ليس مجرد مرض أو ما شابه.
كانت أفكار تفرك يديها بتردد ولا تدري كيف تتحدث أو كيف تقول ما أتت لأجله، وهذا ما لاحظه داوود الذي نطق بهدوء :
_ خير يا افكار أنتِ بخير ؟! والدتك بخير ؟؟ محتاجين حاجة ؟؟
كبتت أفكار دموعها بصعوبة كبيرة :
_ لا لا تسلم كلنا بخير والله انا بس ...أنا بس كنت جاية عشان اقولك حاجة بس ...بس مش عارفه.
توقفت عن الحديث وهي تنظر له بحزن وتوتر ليزداد انقباض صدره :
_ خير يا أفكار خوفتيني، حصل ايه ؟!
أمسكت أفكار الحقيبة التي جاءت بها والتي انتبه لها داوود الآن فقط، يراها تخرج منها علبة مخملية يعلمها جيدًا، ازدادت ضربات صدره وهو يتعرف على علبة المصوغات الذهبية التي أحضرها لها في خطبتهما، يراها تدفعها على الطاولة أمامه، ثم تحدثت بكلمات كانت له كوقع الرصاص على الجسد :
_ ربنا يرزقك اللي احسن مني يا داوود، احنا مننفعش لبعض ابدا، عشان كده ده الدهب بتاعك كفايا لحد كده يا ابن الناس ملناش نصيب.....
_______يتبع_______
لحظات إدراكك لما حولك هي أكثر لحظات الحقيقة وجعًا ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه
رواية إعلان مُمَوّل الفصل العشرون 20 - بقلم رحمة نبيل
الفصل الثالث والعشرون من إعلان ممول
بقلم رحمة نبيل & فاطمة طه سلطان
صلوا على نبي الرحمة
______________
صمت هي كل ما استطاعت أفكار أن تشعر به عقب إلقاء قنبلتها في وجه داوود، دون مقدمات ودون تفكير حتى .
تنفست بصوت مرتفع وهي تحرك يديها أمامها محاولة التحدث أو إيجاد كلمات لتخبره أي أسباب وحجج واهية تبرر بها قرارها الغبي الذي اتخذته في لحظات يأس منها .
لكن كل ما خرج منها هو تمتمات غير مفهومة لم تصل حتى لحدود أذن داوود والذي كان متسع الأعين فاغر الفاه مصدومًا بما وصل له منها، وعيونه معلقة على علبة الذهب ينتظر أن تتبخر وتثبت له أن ما سمعه كذبة ليس إلا..
لكن لم يحدث ذلك، بل فقط كل ما حدث هو استقامة افكار عن مقعدها، ثم نظراتها له وتحركها للخارج دون سماع أي شيء منه، هي حتى لم تمنحه فرصة إدراك ما حدث ليجيب عليها ..
وافكار سارت للخارج بقلب ممزق وشعور ملح بالانهيار على حلم جميل عاشته أيام قليلة قبل أن تستيقظ على كابوس واقعها البشع.
هو حتى لم يعترض أو يخبرها ألا تفعل، فقط صمت، أولم يقال أن الصمت علامة الرضا ؟؟
كان داوود يتنفس بصوت مرتفع عقب خروجها يحاول أن يفهم ما حدث ولم يخرج من أفكار سوى على صوت والدته التي استيقظت لتوها تقول بنعاس :
_ داوود ايه اللي مقعدك كده يا بني و...
فجأة انتبهت لعلبة الذهب أمامه، ابتسمت باتساع وسعادة وهي تركض لتجلس على المقعد المقابل له حيث كانت تستقر افكار منذ ثواني و...لحظة هل كانت هنا حقا أم أن كل ذلك أضغاث احلام ؟!
وتلك العلبة التي لوحت بها والدته في وجهه صفعته مخبرة إياه أنها حقيقة ..
_ جبت ليا هدية يا داوود ؟؟ جايبلي أنا الدهب ده صح؟
كانت تتحدث وهي تفتح العلبة بلهفة شديد معتقدة أنها لها، لكن فجأة تعجبت حين أبصرت مصوغات ذهبية تعلمها تمام العلم :
_ الآه مش دي شبكتك يا بني؟ هي بتعمل ايه هنا ؟! أنت هتغيرها ؟؟
نظر لها داوود والصدمة ما تزال على ملامحه يهمس بصوت خرج بصعوبة :
_ أفكار جابتها .
_ افكار جابتها ؟؟ امتى ده ؟؟ هي افكار كانت هنا ولا ايه ؟! مصحتنيش ليه طيب ؟؟ بعدين هي جابت الدهب ليه ؟؟
قال داوود دون تصديق :
_ فسخت الخطوبة ... افكار فسخت الخطوبة يا امي، أنا... أنا....هي مش عايزة تكون مخطوبة ليا .
شعر بقلبه يكاد يقفز خارج صدره، للمرة الثانية يمر بذلك الموقف، لكنها المرة الأولى التي يشعر بتلك المشاعر .
شهقت جيهان بصدمة :
_ فسخت ايه الحزينة دي ؟؟ وفسخت ليه ؟؟ أنت عملت ليها ايه يا بني يخليها تفسخ ؟؟
_ والله ما عملت ليها حاجة أنا ...أنا آخر حاجة امبارح كنت قاعد معاها عادي وهي ...
صمت يتذكر ملامحها وشحوبها، ليبتلع ريقه وتتأكد ظنونه أن هناك سبب قوي خلف ما فعلت افكار .
تنفس بصوت مرتفع ينتزع العلبة من يد والدته بهدوء قائلًا :
_ أنا لازم اروح ليها افهم سبب اللي حصل، اكيد حصلت ليها مشكلة، أفكار عمرها ما هتعمل كده بدون سبب .
قالت جيهان بلهفة وقد اوجعها قلبها على ابنها الذي لم يقدّر له يوما أن يسعد كالباقيين :
_ أيوة يا حبيبي روح شوفها وبإذن الله يكون سوء تفاهم يا ضنايا .
شرد داوود في العلبة بين أنامله يضغط عليها بقوة وإصرار :
_ هروح ومش هرجع غير لما اعرف ايه اللي حصل ...
__________
منذ أن عادت تبكي وبشدة حتى أنه من كثرة انهيارها وألمها النفسي لم تكن بوسعها شرح ما يحدث إلى والدتها بل أكتفت بالبكاء فقط...
وحينما وجدت سكر الأمر هكذا نهضت وذهب إلى المطبخ لصنع عصير الليمون وتلك خطوة كبيرة منها تنتظر أن تقدرها أفكار عليها، فهى لم تفعل أي شيء مهما كان بسيطًا في المنزل بنفسها بل تترك كل شيء على أفكار فهى باتت أمرأة مُسنة، ولجت سكر إلى الغرفة وجلست بجانب أفكار على الفراش ووضعت الليمون على الطاولة الخشبية المتهالكة قائلة:
_ما تقولي يا بنتي أيه اللي معيطك كده ومنكد عليكي عيشتك، هتخبي على أمك حبيبتك.
لم تجب عليها أفكار فقالت سكر بانفعال:
_ما تردي عليا يا بنتي وتفهميني عمل أيه ابن جيهان فيكي؟!
تحدثت أفكار بوجع فهو تخلى عنها لم يفكر حتى بأن يتمسك بها :
_معملش حاجة يا امي سبيني لوحدي.
_يابنتي ما تنطقي بقى متتعبيش قلبي ده أنا عاملة ليمون علشانك وعلشان تروقي دمك.
ابتسمت أفكار من وسط دموعها، متمتمة:
_تعبتي نفسك ليه ياما بس؟!.
تمتمت سكر وهي تأخذ الكوب وتأخذ جرعة منه وتبتلعها بتلقائية:
_هو أنا عندي أعز منك يا حبيبتي؟!!...
_أما هو أنتِ بتشربي الليمون اللي أنتِ عاملاه ليا؟!! ده أنتِ معملتهوش ليا من أيام ما كنت في اعدادي..
قالت سكر بعد أن أدركت ما تفعله مدافعة عن نفسها:
_اعمل ايه ؟! أنتِ نشفتي دمي وحسيت ضغطي علي فقولت أشرب بوق عصير أيه مستكتره على أمك بوق عصير؟!.
_لا مش مستخسرة يا أمي، بالهنا والشفاء.
أبتلعت سكر الباقي ثم سألها وهي تتثائب:
_الله يهنيكي أبقي قومي اعملي لنفسك واحد بقا علشان مفاصلي وجعاني، المهم قوليلي يا بنتي بتعيطي ليه؟! عملك ايه الواد ده من ساعة ما دخل حياتك وأنتِ كل يوم والتاني ترجعي تعيطي صراحة ربنا وشه فقر بس أنا مبحبش أجيب سيرة حد أنتِ عارفة.
ردت أفكار على حديث والدتها الطويل بجملة واحدة:
_انا اديت داوود شبكته يا ماما.
ضيقت والدتها عيناها بريبة وتحدثت بقلق ناسية تمامًا ما فعله راضي بابنتها:
_ليه عملك ايه قولي وأنا هشتغله في الأزرق هو وامه مش هسيبهم انا برضو كنت حاسه أنه في حاجة غلط في الموضوع عايزني أبطل حوار الفنجان علشان مكشفهوش ما أنتِ عارفة فنجان أمك كلمتي مبتنزلش فيه كان خايف اكشفه.
_يا امي فنجان ايه بس حرام بقى والله كل ده .
ضربت سكر على صدرها وهي تقول:
_اهو ده اللي كنت عاملة حسابه احنا نروح نزور السيدة زينب وبعدها نطلع على الحسين علطول الموضوع ده ميتسكتش عليه.
قالت افكار حتى تنتهي من ثرثرة والدتها:
_ داوود معمليش حاجة يا امي أنا اصلا من الاول مكنش ينفع أوافق داوود راجل محترم ومتربي ونضيف اوي، ويستاهل واحدة تشرفه وتكون نضيفة زيه.
بكل سذاجة عقبت والدتها بهدوء:
_ما أنتِ نضيفة يا بنتي وزي الفل هو في حد في نضافتك؟!.
أبتسمت فأحيانًا طريقة والدتها تهون عليها وأحيانًا أخرى قد تكون السبب الأساسي في أن تفقد أعصابها:
_أقصد نضافة القلب.
_وأنتِ قلبك بفتة بيضا .
ضحكت أفكار ثم قالت في وجع:
_بس مش كفايا يا امي، انا مش مناسبة لداوود من أي ناحية وكمان لو فضلت مكملة اخواتي هيفضحونى فامشي من غير ما شكلي يكون وحش أكتر من كده قدام داوود.
____________
هي في صدمة...
نعم صدمة...
تلك الحبوب التي أشترتها من الصيدلية مع والدتها سرًا حتى تأخذها من وراء زوجها ووالدته لم تجدي نفعًا...
أم أنها فعلت شيء خاطئ باستخدامها حتى لا تعطيها المفعول التي تنتظرة منها..
قامت بإجراء أكثر من فحص منزلي بعد شعورها ببعض الأعراض وجميع الاختبارات تؤكد شيء واحد أنها (حامل) كارثة حقيقية..
خرجت من المرحاض، ثم توجهت إلى غرفة النوم ومازالت تنظر إلى الاختبارات ببلاهة هي لا تستطيع تحديد شعورها، ولكنها تعلم شيء واحد أنها ليست سعيدة على الأقل.
ولج ياسر إلى الغرفة بعد أن تناول العشاء الذي قامت روضة بتحضيره لهما ومن وقتها تركتهما ولم يهتما بسؤالها لمَ لن تتناول الطعام أو ماذا تفعل بل كل ما يهتموا به هو...
_امي بتقولك اغسلي الاطباق وشطبي المطبخ قبل ما تنامي هي دخلت تنام وبقالها ساعة الأطباق مكانها ومعرفش انتِ بتعملي ايه؟؟
كان يتحدث وهو يغلق النافذة المتواجدة في الغرفة ويستعد للنوم فسمعها تقول بنبرة مترددة:
_أنا حامل.
أستدار لها بريبة قبل أن يبصر ملامحها المصدومة ويدها التي تحمل شيئًا خمن أنه يعرفه، قائلا بحماس حقيقي:
_أنتِ بتتكلمي بجد؟!.
هزت رأسها في إيجاب لتجده سعيدًا بطريقة لم تتوقعها حقًا مما جعلها تسأله باستغراب:
_هو أنتَ فرحان كده ليه؟!.
_ ومفرحش ليه؟! ألف مبروك يا رورو ياللي كلها شوية وتجيبي لينا ولي العهد.
تحدثت روضة ساخرة في حنق :
_عهد ايه يا ابو عهد مش لما يكون فيه عهد الأول؟!.
قال ياسر محذرًا أياها من التمادي فهو لن يتحمل كثيرًا وبعدها يده ستتصرف وهي تعلم ذلك جيدًا ويحاول ان يكبح نفسه من أجل حملها:
_بطلي طولة لسان لأن ممكن ميهمنيش اللي في بطنك واديكي علقة تحلفي بيها عمرك كله، شوفي كل ما أحاول أصفى ليكِ يا بنت الناس ترجعي تتعوجي بس انا مش هقعد أناكف فيكِ كتير هروح أشوف امي لو لسه منامتش وأبشرها أنها هتكون جدة..
خرج تاركًا إياها تراقب أثره وشعور قوي يتضخم في قلبها، شعور تجاهلته طويلًا حتى برز بهذا الشكل ..الخسارة والنهاية .
___________
كالعادة حينما يشعر داوود بالوحدة والضيق يكن الملجأ الخاص به والذي يذهب له هو صديقه الحبيب سيف الذي كان بمثابة روحه، وتوأمه الذي يكون بالحديث معه كيفما يشاء وبكل حرية ولا يقوم بانتقاء الألفاظ معه فهو يأمن له، ويحبه، علاقتهما قوية متينة جدًا...
لذلك بكل عفوية منه حينما قابله أخذ يقص عليه ما حدث معه ومع أفكار وكيف أنه لم يفهم حقًا ما الذي حدث، فكل الأمور كانت تسير بطريقة جيدة..
ما الذي حدث ليجعلها تأتي وتفعل ذلك؟!...
تحدث سيف بعفوية شديدة منه:
_طب بقولك أيه يا معلم ما تروح كده اشتري ليها هدية حلوة وادخل البيت واتكلم معاها وافهم أيه اللي حصل.
صاح داوود في سخرية أثناء جلوسهما في القهوة:
_عارف يا سيف أنتَ لو نطقت كلمة هدية أو حتى جيبت سيرة حرف الهاء وبعده حرف الدال ورا بعض في أي كلمة تانية انا هلعب في وشك اكس أوه أهو الاقتراح بتاعك ده اللي خرب حياتي كلها والسبب في اللي انا فيه..
ثم توقف عن الحديث مدركًا ما يقوله وشريط الذكريات يمر أمام عينه وبعقله، يحاول تذكر ما حدث بداية من تفكيره في شراء هدية إلى روضة وبعدها بحثه عن مربية لأبناء شقيقه، حقًا مرعب هذا القدر...
كل هذا كان يحدث من أجل أم يقابل ويتعلق بغريبة الأطوار صاحبة الأفكار العظيمة (أفكار)..
لا يصدق هو وصف لصديقه ما حدث بأنه "تخريب" لكن كان الإصلاح كله حدث في حياته، نعم أفكار لا تشبهه في أي شيء، لا يتواجد أي شيء في حياتها قد يعجبه -قبل أن تتغير- لكنه شعر بها بشكل مختلف، شعور هو نفسه لم يفهمه جعله يذهب لخطبتها فهو لا يعرف السبب الذي دفعه لفعل ذلك ولكن يكفي معرفته أنه فعلها برغبة منه وليس رغبة في إنقاذ كلمة والدته، سيكون كاذب لو قال هكذا...
وأيضًا هناك شعور به مُريب..
يشعر بألم شديد وكبير من أعماق قلبه وحزن لا مثيل له لم يشعر به حتى عند انفصاله من روضة، ماذا فعلت به افكار ليكن لها مشاعر مبهمة وغير مفهمومة ولكنها عظيمة، عظيمة كأفكارها...
يا ليته قال أي شيء بدلًا من صدمته..
يا ليته لم يتركها تغادر دون الحديث معها..
لكن قد مر الكثير ومن الصعب أن يشعر بالندم الآن فليس هناك قيمة له....
تحدث سبف باستغراب من شرود صديقه وتوقفه عن الحديث:
_مالك يا داوود روحت فين؟!.
قال داوود بانتباه وبنبرة جادة:
_ولا حاجة بفكر هعمل ايه، لازم اروح وأتكلم معاها وأفهم هي ليه عملت كده، يمكن أنا عملت حاجة من اير ما اقصد ضايقتها..
__________
تجلس أمام هاتفها وهي تتصفحه بحزن شديد وقلب مثقل بالهموم، ما الذي فعلته، دمرت حلمها الجميل بتهور و..
لا لا هي اتخذت القرار الصحيح، داوود لا يشبهها وبيئته تختلف مع خاصتها بالكامل، لا تستطيع أن تستمر في زيجة غير متكافئة، ولا تريد أن تصل للمرحلة التي تتعرى فيها حقيقة ما تعيشه أمامه، ماذا لو علم بفعلة شقيقها ؟؟ لن تتمكن من رفع نظرها في وجهه يومًا ..
تنهدت بتعب شديد وهي تمرر نظراتها بلا اهتمام على الهاتف قبل أن تتوقف أصابعها على إعلان مُمَوّل لطلب عامل في أحد المحلات الضخمة، شعرت بقلبها يقفز وهي تتذكر ذلك الإعلان الذي ألقاها في طريق داوود دون تديبر أو إرادة من ايًا منهما .
حاولت مقاومة دموعها، وهي تنظر للعنوان جيدًا لتقرر وبكل تهور أن تنهض وتذهب لترى تلك الوظيفة، فهي الآن لا يمكنها الجلوس في المنزل بلا عمل، خاصة وقد فسد مشروع التزيين الخاص بها مرتين، والآن فقدت به الشغف ..
تحركت خارج المنزل تعدل من وضعية حجابها :
_ أما أنا رايحة اشوف شغل، مش هتأخر لو مناسب هتفق عليه وهرجع..
تحدثت سكر التي كانت تجلس جوار النافذة تراقب القاصي والداني :
_ ماشي، ابقي هاتيلي معاكِ حاجة حلوة بدل المر اللي انا عايشة فيه معاكِ ده .
تمتمت افكار بحنق شديد وهي تخرج من المنزل :
_ أنتِ برضو اللي عايشة في مر معايا ؟؟
خرجت من الزقاق الضيق الذي تسكن به وصوت والدتها الجهوري يصدح خلفها وهي تقول :
_ خد يا بتاع غزل البنات هاتلي واحدة بينك.
ضحكت افكار بيأس من والدتها تردد بصوت خافت :
_ يارب نص روقانك يا سكر.
تحركت خارج حارتها بالكامل واستقلت العديد من وسائل المواصلات حتى وصلت للمكان المنشود أحد محالات البيت الضخمة والتي تطلب فتاة للعمل في المبيعات ..
تنهدت وهي تتوكل على الله ثم خطت داخله :
_ يارب يا معين ..
_________________
بعد ساعة تقريبًا خرجت من العمل الذي ذهبت لأجله متلقية اتصالًا من رفيقتها تدعوها للخروج معها قليلًا لأجل الحديث، رفضت في البداية فما لها من طاقة لفعل ذلك .
لكن وبعد الكثير من الإلحاح وافقت أفكار للخروج أخيرًا مع صديقتها المُقربة جدًا وردة إلى السوق حتى ترافقها وهي تقوم بشراء احتياجات منزلها بعد أن قام والدها اعطائها المصروف، فهي منذ طلاق والدتها من والدها باتت هي من تستلم مهمة تدبير المنزل واحتياجاته، دومًا ذهاب للسوق بالنسبة إلى وردة وأفكار هي نزهة.
وقررت وردة أن تتحدث مع صديقتها بعيدًا عن منزلها وبعيدًا عن "الخالة سكر" كما تسميها التي تقوم بقراءة الفنجان لها مخبرة أياها في كل مرة أن هناك رجل ثري سيقوم بخطبتها، ولكنها لا تجد هذا الرجل من الأساس وتخبرها بأن هذا كله بسبب أمرأة تقوم بالحقد عليها وتحسدها لذلك لا شيء يتم في حياتها، وبسبب جلوسها في المنزل وعدم إيجادها عمل بعد طردها من عملها السابق قررت أن تستمع إلى حديث أفكار وتستكمل دراستها لعل خلاصها يكمن في أن تمتلك شهادة جامعية تستطيع العمل بها في مهنة محترمة ولا يهمها ماذا ستجني من ورائها هي تعمل من أجل اشغال وقتها، فهي لا تحتاج إلى النقود أو أن تعول أحد كأفكار التي دومًا تشفق عليها، وتلعن أشقائها.
ها هي تقف مع أفكار في المتجر الخاص بالعم (أبو محمد) لا تدري حقًا اسمه الحقيقي ولكنها منذ ولادتها وباتت تتعرف على الأشياء مع والدتها تعرف بأن هذا الرجل يُدعى أبو محمد الشهير بأنه صاحب أقدم (خضري) و (فكهاني) في المنطقة وورث هذا العمل من والده ومن عائلته.
تمتمت أفكار وهي تقوم بوضع الطماطم في الكيس البلاستيكي :
_عمالة تقوليلي تعالي أخرجك تغيري جو يا أفكار، انزلي وفُكي عن نفسك وأنتِ منزلاني علشان اشيل معاكِ يا زبالة .
قالت وردة في سخرية:
_ومن امتى ياختي في خروجة جمعتنا غير السوق أو جنينة الاورمان في العيد؟!.
حسنًا حديث صديقتها حقيقي نوعًا ما، فمن مثلهم كتب عليهم الكثير من المسؤوليات ولم يشعرن بالحياة كالفتيات التي تتواجد في أعمارهم.
حاولت وردة تغيير الموضوع متمتمة في حسرة:
_يعني يا غبية فيه واحدة تضيع واحد زي داوود ده من ايديها؟!! الراجل حبك، وقدرك وعمل اللي ميتعملش علشانك، وجه يعوضك بعد الهباب اللي كنتِ مخطوباله تروحي أنتِ بكل غباء تحطي الشبكة قدامه؟! ما مدام أخوكي عرفتي تهدديه وجبتي الدهب ليه تعملي كده؟!.
قالت أفكار بنفاذ صبر وهي تضع الكيس على الطماطم بانفعال:
_علشان اخواتي هيعروني، وبعدين داوود مختلف عني، مفيش أي نقطة مشتركة ما بينا، هو يستاهل واحدة كويسة تشرفه وأهلها يشرفوه أنا مش هكون غير حِمل عليه، ومش هيكون سعيد معايا.
أبتلعت وردة ريقها بأسى وهي ترمق أفكار محاولة الحديث بإيجابية، وق انتبهت أن أصواتهم مرتفعة وحتى أن الرجل الذي يدعى أبو محمد وجميع النساء التي تتواجد بجانبهم قد استمعوا إلى حديثهم:
_بس الحب ميعرفش اختلافات يا أفكار وأنتِ حبتيه، وهو كمان واضح جدًا أنه حبك.
أحمرت وجنتي أفكار، ثم غمغمت نافية في إنكار رهيب:
_لا ياستي هو ادبس في الحوار من الأول علشان حوار امه، لكن هو محبنيش؛ افهميني يا وردة أنا مختلفة عن داوود جدًا.
قالت وردة بجدية وهي تنظر لها، تترك البطاطس هي الأخرى:
_الحب ميعرفش حاجة اسمها فروق اجتماعية يا أفكار، وأنتم حبيتوا بعض.
عقبت أفكار على حديث صديقتها بنبرة عنيدة وحزن واضح :
_لا بيعرف.
بنفس النبرة تحدثت وردة:
_لا ميعرفش.
ثم وجهت حديثها إلى أبو محمد الجالس خلفهم على مقعده الخشبي يدخن أرجيلته:
_مش الحب ميعرفش فروق اجتماعية يا عم محمد ؟!.
تحدث الرجل في نبرة ساخرة، ولكنها مجروحة:
_لا بيعرف يا بنتي أساليني أنا، بيعرف فروق اجتماعية، وبيوجع ويجرح، أحسن حاجة أن الواحد ياخد حد شبهه علشان ميتوجعش قلبه.
تمتمت أفكار بحزن من تأكيد الرجل لفكرتها وخصوصًا أنها تعرف حكايته المشهورة في المنطقة والمناطق المجاورة :
_شوفتي قولتلك؟!.
بعد وقت خرجت أفكار من المتجر الخاص بأبو محمد ثم غمغمت في عتاب:
الله يسامحك يا وردة، خلتينا نفتح جرح الراجل ياستي .
أردفت وردة بعدم تصديق:
_أنتِ بجد مصدقة أن في واحدة من الزمالك وكانت دكتورة اتجوزت أبو محمد وكانت عايشة معاه هنا زمان؟! بجد أنتِ مقتنعة بحكايات أمك وستات الحارة؟!!..
قالت أفكار بجدية وهي تقف في وسط الشارع وكذلك وقفت وردة تزامنًا مع فعل صديقتها:
_أيوة مصدقة طبعًا، وبعدين أنتِ مش شايفة الرجل عينه مجروحه ازاي بعد ما اتكلمنا، أنا متأكدة أنه معاه حق، وافترق عن مراته علشان هما مش مناسبين وخدت منه ابنه محمد زي ما امي بتقول، وبعدين أنتِ مش شايفة الراجل قمور ازاي؟! ده عينه خضراء يا حبيبتي ولغايت دلوقتي وسيم رغم سنه يعني هتلاقيه كان مشيب الستات في زمنه.
_يعني عم ابو محمد الخضري كان متجوز دكتورة من الزمالك، وأنتِ مستصعبة على نفسك أنك تتجوزي داوود بتاع العطور ؟!
نظرت لها أفكار بشر ثم تحركت تقول :
_المهم أن الراجل اتجرح، وأنا مش عايزة اتجرح ولا اجرح داوود هو يستاهل الحب كله ويستاهل واحدة تشرفه، وبعدين هو متعلم وكويس واشطر واحد بتاع عطور، وياريت يا وردة تبطلي تتكلمي في الموضوع ده متزوديش وجعي.
قررت وردة بألا تضع الملح على جرح صديقتها، فهي حزينة من أجلها وتتمني لها الخير على أية حال، وتتمنى لها السعادة لأنها تستحق، وبالرغم من حديثهما العابر عن العم (ابو محمد) إلا أن الحديث في أمره وحكايته تلك التي تعتبرها حكاية أسطورية ظلت عالقة في رأسها.
________________
طالت جلسة سكر جوار نافذة منزلها وهي تتحدث لهذا وذاك، قبل أن تبصر فجأة ابنها يقترب من المنزل لتقول وهي تناديه من النافذة :
_ خد يا واد ياراضي، تعالى هنا يا حرامي يا نصاب ياللي مشوفتش ثانية رباية .
ركض رامي بجزع صوب والدته وهو ينظر حوله بخوف أن يكون هناك من انتبه لها، توقف أمامها يقول برعب :
_ أيه يا ما حرامي ايه ؟؟ هتفضحيني في الحارة انا ما اخدتش حاجة دي بنتك هي اللي بتتبلى عليا .
نظرت له سكر باستنكار تقول :
_ والله ايه ؟! خش في عبي يا واد .
وفجأة أمسكت به من تلابيبه تجره جرًا صوب النافذة وهي تصرخ في وجهه بغضب شديد :
_فين الشاحن بتاع اختك يا واد ؟! والله أما قبيت بيه لأكون مسيطاك في الحتة كلها .
قبل راضي يد والدته وهو يقول بصوت منخفض :
_ طب سيبني وانا هدخلك البيت الله يكرمك مش ناقص فضايح كفاية اللي بنتك عملته .
تركته سكر بالفعل ليركض راضي ويتحرك داخل المنزل يتنفس الصعداء أن والدته لا تعي ما يحدث ولم تتذكر أمر الذهب، ابتسم وهو يقترب منها يقول بمهادنة :
_ هروح جري اجبلك الشاحن ياما بس قوليلي أنتِ تعرفي افكار بتحط الورق بتاعها فين ؟!
نظرت له سكر دون فهم قبل أن تقول :
_ ورق ايه ؟! أنت عايز ايه بالضبط .
_ أنا عايز بس ورقة بتاعتي كنت قايل لأفكار تخبيها معاها، تعرفي هي بتخبي الحاجات دي فين ؟؟
نظرت له سكر ثواني في شك قبل أن تتذكر فجأة أمر سرقته للذهب فاتسعت عيونها بقوة، وقبل أن تتحدث سمع كلاهما صوت أفكار يصدر من خلفهما بكل هدوء وبرود :
_ ولو عرفت هتعمل ايه يا راضي ؟؟ هتسرقها زي ما سرقت دهبي ؟؟
استدار راضي برعب ينظر صوب افكار والتي يبدو على ملامحها الإرهاق الشديد، تلقي حقيبتها على الأريكة تحاول أن تتنفس من صعوبة الطريق، الحمدلله وفقها الله وحصلت على الوظيفة وجاءت تزف الاخبار لوالدتها لتجد ذلك الوقح يحاول أن ينبش بين أوراقها.
نظر لها راضي ووجد أنه لا بد من المواجهة :
_ فين وصولات الأمانة اللي مسكاهم عليا يا افكار ؟؟
رفعت افكار حاجبها وقالت :
_ ليه إن شاء الله ؟! معاك فلوسهم عشان تسدهم ؟؟
تحرك صوبها راضي يصرخ بعصبية :
_ هو مش أنتِ اخدتي الدهب امبارح وخلتيني اروح ارجعه من الصايغ ؟؟ فين بقى الوصولات .
_ أنا مشوفتش في بحاجتك، يعني فوق ما أنت سرقت دهبي وروحت بيعته، جاي تتكلم كأنك عملت فيا جميلة لما رجعته ليا؟
نظر لها راضي بشر لتقول هي مبتسمة بتشفي :
_ وعلى العموم يا راضي عشان ترتاح لا فيه وصولات ولا يحزنون .
بُهت وجه راضي بصدمة :
_ يعني ايه ؟!
_ يعني الوصولات أنا مقطعاها من زمان اساسا، اصل انا مش قليلة الأصل زيك عشان امسك على اخويا وصولات .
شعر راضي بالصدمة مما قالت، وهي رمقته بوجع وحزن لمعرفتها أن صدمته تلك لأنه فقد الذهب وليس لأنه صدم مما فعلت..
بلعت ريقها وهي تحاول أن توقف دموعها، تبعد وجهها عن شقيقها لتتنفس :
_ اطـ..
وقبل أن تنطق بكلمة واحدة اتسعت عيونها بصدمة حينما وقعت على ذلك الذي كان متصنمًا على باب منزلها بملامح شاحبة، لا يا الله ليس هو، لا ليس هو ..
همست بصدمة وقد كاد قلبها يتوقف :
_ داوود ؟؟؟
___________________
احيانًا فقط نحتاج لتربيتة صغيرة و ( أنا معك ) لتلتئم جروحنا ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
فاطمة طه