خارج المستشفى توقفت سيارة عشق. خرجت منها شوق وهرولت إلى الداخل. رمقها عشق وهو يزفر بضيق، ثم غادر السيارة وتوجه خلفها. أما ياري، بعد ما تأكدت أنهم ابتعدوا، أخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا، ولم تمر ثوانٍ حتى أتاها الرد، هتفت قائلة بخفوت: طمنيني، عملتي إيه؟ وعندما استمعت للطرف الثاني حتى اتسعت عيناها في دهشة وهي تقول بصياح: ماتت... ماتت... إزاي؟ أنتي متأكدة من الكلام ده؟
في نفس الوقت كان عشق متوجهًا لدخول المستشفى، لكنه توقف فجأة، وهو يفتش في جيوبه بحثًا عن الهاتف ليكتشف أنه تركه في السيارة، فعاد لأخذه. وبينما كان متوجهًا نحو السيارة، كانت ياري في داخلها دموعها تنهمر بشكل هيستيري وهي ترتجف، وتمتمت بخوف شديد: ما كنتش عاوزاها تموت، ما كانش قصدي تموت. وفي تلك اللحظة كان عشق يفتح باب السيارة، انحنى لأخذ الهاتف، وبالصدفة لاحظ ملامح ياري الشاحبة ودموعها المنهمرة على خديها، عقد
حاجبيه باستغراب وهو يقول: مالك يا ياري؟ حصل إيه؟ بتعيطي ليه كده؟ انتفض جسدها فجأة عندما استمعت إلى صوته، واتسعت عيناها برعب. حاولت أن تتحكم في خوفها، ورجفت يداها اللتان كانتا تقبضان على طرف التنورة التي ترتديها، وهي تجيب على سؤاله بصوت مرتجف بالكاد يسمع: ما... مممما... ما فيش حاجة. نظر لها بشك لثوانٍ قبل أن يقول: متأكدة؟
اكتفت بهز رأسها وابتسامة باهتة. لم يقتنع، لكن لم يكن الوقت مناسبًا ليحقق معها، أخذ هاتفه وتوجه لدخول المستشفى. بينما هي انفجرت في البكاء بشكل هيستيري وهي تقول: يا رب هأعمل إيه دلوقتي؟ أكيد عشق هيقتلني. *** هرولت شوق إلى مكتب موظفة الاستقبال. وقفت أمام الموظفة، وتسند بيديها على حافة رخام المكتب، أغلقت عينيها وهي تأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تقول بصوت متقطع مبحوح بالبكاء: لو سمحتي فين نيلي أختي؟ مالت الموظفة برأسها قليلًا
وهي تقول بعدم فهم: مش فاهمة حضرتك عايزة إيه. رفعت زجاجة ماء من على المكتب وناولتها إليها وهي تواصل حديثها: اتفضلي اشربي واهدي علشان أفهم من حضرتك عايزة مين بالضبط. أخذت شوق زجاجة الماء من يدها، وفي نفس اللحظة التفت الاثنان على صوت عشق يقترب وهو يقول بجمود: لو سمحتي يا آنسة، فين ممكن ألاقي نيل الجوكر، حالة طوارئ؟ نظرت الموظفة إلى شاشة الكمبيوتر، وظلت لحظات تبحث عن شخص يدعى نيل الجوكر. ثم نظرت إليهما من جديد وهي تقول:
مش موجود غير شخص واحد اسمه نيل حازم جلال الجوكر، حالة طوارئ حادث مرور، موجود في قسم الطوارئ الدور الثاني. اتسعت عينا شوق بدهشة وهي تنظر إلى الموظفة قائلة: حادث مرور إيه؟ فين نيلي أختي؟ نظرت إلى عشق بغضب، وصوتها يرتفع شيئًا فشيئًا وهي تشهق بالبكاء: أختي فين؟ عملتوا إيه في نيلي؟ مش كفاية اللي عملتوه في لين، عملتوا إيه في نيلي كمان؟ انطق عملتوا فيها إيه؟
تجاهلها عشق وارتدى قناع البرود، وكأنه لم يسمع شيئًا مما قالته، والتفت إلى موظفة الاستقبال بابتسامة مجاملة وهو يقول بهدوء حانق: تمام، شكرًا لحضرتك. ثم توجه لقسم الطوارئ في الطابق الثاني من المشفى، تاركًا إياها خلفه بالكاد تجن وهي تحدق حيث ذهب، ثم هرولت خلفه وصوتها العالي لفت انتباه المارة من حولها. استنى يا زفت أنت! أنا بأسألك عملتوا إيه في نيلي.
توجه عشق لدخول المصعد وضغط على زر الإغلاق، وقبل أن يغلق باب المصعد أوقفته يد شوق، التي نظرت إلى عشق بغضب جامح ورفعت إصبعها السبابي في وجهه وهي تهدده، بينما كانت تقترب خطوة وهو يتراجع حتى التصق ظهره بجدار المصعد ووقف في مكانه، وهو ينظر إلى إصبعها بهدوء مريب. أنت عارف لو حصل حاجة لنيلي أختي أنا هأعمل إيه فيكم؟ هأجيب أنبوبة غاز وهأولع فيكم كلكم ومش هيهمني أحد، أنت فاهم؟ تنهد بهدوء وهو يقول بملل: خلصتي؟
صمتت للحظة تفكر كالبلهاء إذا كانت تريد أن تقول شيئًا آخر، ثم أجابت بهدوء قائلة بغضب طفولي: آه، بس لو افتكرت حاجة تاني هأقول لك. زفر بضيق وهو يقول: طيب ممكن تبعدي بقى علشان فرمتي رجلي تحتك. عقدت حاجبيها باستغراب وهي تنظر إلى الأسفل، فانتبهت أنها تضغط على قدمه دون أن تنتبه، فتراجعت على الفور وهي تقول بخجل: آسفة ما أخدتش بالي. رمقها بضيق وظل صامتًا. التف الصمت حولهما للحظات، ثم تصاعد صوتها من جديد قائلة وهي تنظر
له وعيونها تبرق بالدموع: لو سمحت طمني، نيلي كويسة صح؟ تأمل ملامحها الذابلة ودموعها المنهمرة على خديها للحظات قبل أن يقول بهدوء مقدرًا حزنها وخوفها على شقيقتها: بصراحة مش عارف، أنا لسه جاي أشوف حصل إيه، بس ما تخافيش إن شاء الله الإصابة تكون خفيفة.
قاطعهم باب المصعد يفتح على الطابق الثاني من المستشفى. نظرت له بهدوء مبتسمة بمجاملة وهي ترفع يديها لتمسح دموعها بدلها الابتسامة، وتحرك ليغادر المصعد متوجهة لقسم الطوارئ وهي تتابعه. وفجأة اصطدم بكتفها شخص مرتديًا قبعة سوداء، رفعت رأسها لتعتذر منه قائلة: أنا آسفة يا عمو ما أخدتش بالي. وقفت مستغربة وهي تنظر لشخص تحاول أن تراه، نظر لها وهو يزيح القبعة عن ملامحه، وعندما رأته اتسعت عيناها في دهشة وذهول
وهي تقول من بين ذهولها: بابا... رفع سامح إصبعه على شفتيه بمعنى أن تصمت، وهو ينظر نحو عشق الذي كان يسير ولم يلاحظ ما حدث، ثم سحبها من يدها ودلف بها إلى إحدى الغرف قبل أن يلاحظ عشق وجوده. *** بينما في الجانب الآخر، كان يقف كلا من قاسم الذي بدت على ملامحه الشحوب والهموم، التي جعلته يبدو أكبر من سنه الحقيقي، على عكس حازم الذي كان يقف بجمود منتظرًا أن يخرج الطبيب بصحبة جثمان جلال من داخل غرفة المشرحة.
نظر حازم إلى ساعته وهو يزفر بملل قائلًا: أنا هأروح أشوف غابوا ليه كده وهأرجع. توجه حازم إلى مكتب رئيس المستشفى ليعرف سبب التأخر في خروج جثمان والده. بينما وقف قاسم كما هو، تنهد بثقل وهو ينظر نحو باب المشرحة، لاحظ أنه مفتوح، تلفت حوله لم يرَ أحدًا، تحرك بخطوات ثقيلة إلى داخل الغرفة.
وعندما دلف رأى أكثر من جثمان لأشخاص مختلفين. نظر إلى الأسماء المعلقة على أقدام الأموات حتى رأى اسم والده، اقترب منه، وانهمرت دموعه بحسرة وهو يرفع الغطاء عن وجهه بيد مرتجفة، ليتراجع خطوة بفزع وضع يديه على فمه عندما شعر بالغثيان من مظهر جلال المرعب وللونه المخضر بسبب قوة التسمم الذي تعرض له. تمتم بحزن وندم شديد قائلًا محدثًا جثمان والده:
نفسي أعرف بس أنت أخذت إيه من الدنيا غير اللي عملته فيها. يا ريتك عامل حاجة واحدة بس ترضي ربنا في حياتك. أنا مش مسامحك يا بابا، مش مسامحك على أي حاجة عملتها أو خلتني أأعملها. أنت بسبب طمعك حولتني لمجرم، قتلت وسرقت أغلى صاحب على قلبي. أنا ما كنتش عايز كل الفلوس دي، ما كنتش عايز غير أعيش حياة هادئة مع بنتي ومراتي. بس لا، أنت دائمًا عايز اللي في يد غيرك، ومش مهم إزاي، المهم أنك تحقق هدفك، ودخلتنا في لعبة قذرة ثلاثين سنة وإحنا بنلعبها، أنا فاكر كل حاجة زي ما تكون كانت لسه امبارح.
أغلق عينيه بألم شديد، ودموعه كالشلال تتسابق على خديه، وعقله يسترجع ذكريات مؤلمة من الماضي حارب أن ينساها، لكن مرّ ثلاثون عامًا عليها وهو ما زال يتذكرها لتذكره بجريمته في حق أغلى صاحب على قلبه، الذي وثق به أكثر من نفسه، لكن عندما وسوس له شيطان أجبره على خيانة الثقة والغدر بصديق عمره. (ذكريات قاسم / ما قبل ثلاثين عامًا) ***
في شركة الجوكر ما قبل ثلاثين عامًا، في ذلك الوقت لم تكن قد حققت نجاحًا مبهرًا، وليس هناك شيء يذكر باسم الجوكر، لا نفوذ ولا ثروة. كان جالسًا جلال على كرسي مكتبه الهزيل مع قاسم، الذي كان شابًا ثلاثينيًا من عمره. نظر قاسم إلى والده بدهشة وهتف معارضًا: أنت إيه اللي بتقوله ده يا بابا؟ أنا لا، مستحيل أأعمل حاجة زي دي. سيف ده مش بس صاحبي، ده أخويا، وبيثق فيّ، وأنا مستحيل أخون ثقته. أجاب جلال بحنق ونبرة لا تحمل نقاشًا:
اللي أنا قلت عليه هيتنفذ. ثم أنت فاكر لما المشروع ده ينجح باسم سيف هيعرف أحد بعده؟ ده مش بعيد يشغلك خادم عنده. ده مشروع لو نجح هيحقق عشرة مليار دولار، أنت عارف يعني إيه عشرة مليار دولار؟ صمت قاسم يفكر بحيرة للحظات قبل أن يقول: أنت يا بابا ما تعرفش سيف تعب قد إيه على المشروع ده، ومش بس كده، ده ساهم بكل ممتلكاته، ولو نجح هيكون بفضل ذكائه وتعبه طول السنين اللي فاتت. أجاب جلال بحد وهو ينظر إلى ملف على سطح المكتب:
أنا ما يهمنيش الكلام ده، كل اللي يهمني صاحبك يوقع الملف ده، أنت فاهم؟ صمت للحظة يتأمل ملامح قاسم الشاحبة قبل أن يقول بخبث: على فكرة أنا بأعمل كل ده علشانك أنت، وخواتك وعيالكم. عايز عيالكم لما يجوا يعيشوا حياة محترمة، وما يكونوش عيال سيف أحسن منهم في حاجة. ثم لو على سيف أنا مش هأسيبه، وما تنساش إنه ابن أختي في النهاية، كل اللي أنا عايزه المشروع يكون باسمي أنا.
ظل قاسم شاردًا يفكر بحيرة في حديث والده وهو ينظر إلى الملف أمامه. وبعد للحظات رفع نظره إلى جلال قائلًا: أوعدني ما تحاولش تأذي سيف. *** وفي اليوم التالي في مكتب سيف... كان جالسًا سيف شابًا وسيمًا، ملامحه قريبة من ملامح عشق، جالس معه سامح صديقه في العمل وابن عمه أيضًا، كان سامح شابًا وسيمًا. نظر إلى سيف بحيرة وظل صامتًا للحظات قبل أن يقول بهدوء: سيف، في حاجة كده عايز أأقول لك عليها بس أتمنى ما تفهمنيش غلط.
نظر له سيف باهتمام قائلًا: خير يا سامح، قلقتني، في إيه؟ تنهد سامح بعمق قبل أن يقول: بصراحة يا سيف أنا مش مرتاح لقاسم ولا خالك جلال، ده عايزك تأخذ بالك منه ومن عياله. هز سيف رأسه بحركة يأس وأجاب قائلًا وهو يرجع ينظر إلى الملف أمامه: أنا والله مش عارف في إيه بينك وبين خالي جلال يا سامح. سامح بعتاب: وأنا هيكون في إيه بيني وبين خالك؟
بس هو مجرد تحذير، وأنت حر. أنا رايح المستشفى أطمن على أختي، ثم مش عيب عليك مراتك تكون والدة في المستشفى وأنت جاي الشغل. تنهد سيف بحزن ثم قال: والله على عيني يا سامح، بس أنت شايف بعينك المشروع ده حساس أوي، وأي غلطة أنا هأروح في داهية. روح أنت اطمن عليها وطمني على عشق، على ما أخلص حاجة في يدي وهأروح لها، وبلاش تسخنها علي وحياة أبوك. ضحك سامح عليه قائلًا وهو يتحرك ليغادر: ده أنا هأولعها مش بس هأسخنها، بس اصبر علي.
وعندما فتح سامح باب المكتب حتى صادفته كوثر، متوجهة لتدلف إلى المكتب. نظر له سامح بحنق بينما هي رمقته بغرور وهي تزفر بملل. تركها سامح وذهب، فتحركت ودلفت وهي تقول بغيظ: أستاذ سيف، ممكن أعرف أنت مش بترد علي ليه؟ نظر لها سيف ببرود قائلًا: كوثر، أنا مش فاضي دلوقتي، اتفضلي دلوقتي وهأبقى أأجي لك. أضافت بحد وهي تقترب منه: هو قلبك حن للمدام بعد ما ولدت ولا إيه؟ زفر بضيق وهو يقول:
كوثر، أظن لا ده الوقت ولا المكان المناسب للكلام ده. اتفضلي روحي مكتبك. نظرت له بحنق وهي تقول دون مقدمة: سيف، أنا حامل... ترك سيف ما في يده وانتفض واقفًا أمامها وهو يصرخ في وجهها بغضب: نعم يا روح أمك؟ هو إيه اللي سيف أنا حامل دي؟ فجأة دلف قاسم عليهم دون استئذان، تجمد في مكانه عندما استمع إلى ما قاله سيف، فهتف بغضب قائلًا: هي مين دي اللي حامل؟ ابتلعت كوثر ريقها وهي تنظر له بخوف. بينما تراجع سيف خطوة قائلًا
وهو يمسح وجهه من العرق: قاسم، هو أنا... اقترب قاسم منه وفجأة صفعه بقوة وهو يقول بغضب ودهشة: معقولة إنت يا سيف تعمل فيّا كده؟ نسيت إن كوثر أختي؟ نظر إلى كوثر بغضب ثم صفعها هي الأخرى وهو يقول بغضب جامح: وإنتِ يا محترمة حامل؟ حامل إزاي وإنتِ مش متجوزة؟ طأطأت كوثر رأسها بخجل وخوف وظلت تبكي، بينما اقترب سيف من قاسم قائلًا بهدوء:
لو سمحت يا قاسم، اهدي، الموضوع مش زي ما إنت فاكره. اللي حصل بيني أنا وكوثر كان غلطة، وأنا مستعد أصلح الغلطة دي وأتجوزها، بس لو سمحت اهدي علشان خاطري وبلاش فضايح. نظر قاسم لهم بغضب قائلًا وهو يضع بعض الأوراق على سطح المكتب: طيب يا سيف، اتفضل امضي الورق ده، ملف الصفقة الجديدة محتاج توقيعك، وبعدين نشوف المصيبة دي. تنهد سيف بقلق وهو يأخذ قلمًا ويمضي على الورق دون أن ينظر ما في داخله. هتف قاسم بحزينة قائلًا:
طيب مش تقرأه الأول؟ أجاب سيف تلقائيًا وهو يمضي على الأوراق: وأنا من إمتى بقرأ حاجة بعدك؟ *** الحاضر... استيقظ قاسم من ذكرياته على صوت أحد العاملين يضع يده على كتفه وهو يقول: يا أستاذ، يا أستاذ، إنت كويس؟ نظر قاسم حوله باستغراب، وعندما عاد إلى وعيه رفع يده ليمسح دموعه وهو يقول: أيوه، أيوه، أنا كويس الحمد لله. نظر بكره وقرف إلى جثمان ولده قبل أن يتحرك مغادرًا الغرفة دون أن يقول شيئًا آخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!