تحميل رواية «عكــس الرحيــل ...» PDF
بقلم Misoo
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رن جوال ثريا المتواضع وأتاها ذلك الصوت الهادىء عندما فتحت السماعة: تبين شي قبل لا اجي؟ هزت رأسها كأن من تخاطبها تستطيع رؤيتها: لا.. سلامتك. ختمت تلك مكالمتها بطريقتها المعهودة، لا ايطال ولا تفرع: فمان الله.. سبحان مغير الاحوال. في زواجها الاول عاشت في صخب، مدللة مرفهة من قبل زوجها واهله. ثمرة ذلك الزواج كانت ولدان. انتهى ذاك الزواج بخيبة ثم بضيم، فنفس الاشخاص الذين تعاطفوا لوحدتها استغلوا تلك النقطة في اخذ ابناءها منها. الابناء الذين جاهدت لوصلهم لتقابل بالفتور من قبلهم بعد ان كبروا وصاروا رجالا...
رواية عكــس الرحيــل ... الفصل الحادي عشر 11 - بقلم Misoo
أخبرت طيف زوجة أبيها بكل ما جرى. مررت أصابعها خلال شعرها بتوتر وشيء من العصبية وهي تمشي بين جانبي غرفة الجلوس.
زوجة أبيها ظلت مستمعة لها بصمت، تتبع حركتها بنظرات حيادية.
في النهاية توقفت لتتنهد: مدري ليش قبلت عرضه..
لم تفكر بقول لا، بالإصرار على الحصول على الطلاق. القبول كان على طرف لسانها قبل أن تتشكل الأفكار في ذهنها.
ردت زوجة أبيها: أقولك ليش؟/ التفتت طيف لها وأومأت لها بنعم، لتكمل: لقيتيها فرصة عشان ترجعين له.
فتحت طيف فمها لتعترض، لتقاطعها تلك بحزم: يعني بتقنعيني إنك بتساعديه كذا لوجه الله؟ كلنا ندور على مصلحته حتى إنتي. أدري إنك سويتي ألف سيناريو فبالك عن رجعتكم لبعض. أدري إنك تحبينه حب خلاك عميانة عن الرجال بعده. وأدري إنك مجروحة من رحيله، وناوية تخليه ما يتركك بعدها أبد.
إنلجم لسانها، لم تستطع إيجاد كلمة لتقولها.
مدت زوجة أبيها يدها لتجلسها جانبها وقالت: أدري كل هذا، وأنا معك.
أخيرا ردت طيف بخفوت: لا تتأملي كثير، هو قال إنه ترتيب مؤقت.
امتعضت ملامح زوجة أبيها بعدم تصديق واضح، وبثقة هتفت: خليك منه! إنتي بس اشتغلي عليه وجننيه. خليه ما يتنفس إلا هواك.
لم تستطع طيف منع نفسها من الضحك: من متى وإنتي كذا..؟
ابتسمت زوجة أبيها: فيني خير كثير..
لا تنكر، شعرت براحة غامرة بعد أن تحدثت مع زوجة أبيها وصارحتها. بدأت تشعر بالترقب نحو هذه الخطوة بدل التوجس. بعرفان قالت: مشكورة..
ابتسمت هي بدفء، ماسحة شعرها بحنان: العفو يا بنتي..
:
عرفت ثريا من المتصل قبل أن تنظر إلى الرقم. أتاها صوت ابن أختها عندما قبلت المكالمة: السلام عليكم..
ردت: وعليكم السلام./ لم تزعج نفسها بالخوض في المقدمات لتهتف: وش الكلام الفاضي اللي سمعته من طيف عنك؟
رد بتساؤل كان واضحا فيه التمثيل: أي كلام فاضي؟
أجابت: ترتيب مؤقت ومدري إيش. والله لو ما كنت عارفة إنك تخطط لشي يخليها تتم عندك كنت راح أفضحك عندها. قالي شهور وهو يموت في تراب رجولها ومو صابر عنها دقيقة..!
تنحنح بحرج ليرد: قوليلها كذا طيب! ما غير تنشب طاري الطلاق فحلقي كل مرة أتكلم معاها..
ابتسمت بحب. ما بال هذان الإثنان متعبان هكذا؟: وش تخطط له اللحين؟
أجاب بصراحة فاجأتها وربما فاجأته هو: بخليها تعترف إنها تبغاني وتبغى تتم عندي.. بخليها تنسى طاري الطلاق.
بوسعها أن توضح لهما عدم صحة المعتقدات التي يحملانها عن أحدهما الآخر، لكن ذلك كان درسا يجب عليهما تعلمه بنفسهما. هي فقط ستساعد وتدعم.
بحدة قالت: لا تجرحها وإنت ما تقصد بخطتك ذي..!
ليرد: ومن متى تهتمي بمصلحتها؟
لم تبالي بتلميحه عن الماضي، عن تصرفاتها التي لازالت تندم عليها: من اليوم اللي عرفت فيه كثر غلطاتي.. يمكن صح إني ما ولدت بنت، لكن مو معناته إنه ما عندي بنت.
سكت للحظة ثم قال: لا توصي حريص. بنتك في عيوني.
وجدت نفسها تقول قبل أن يقفل الخط: مالك..
رد: هلا خالتي..
ابتسمت لرده، يشبه ذاك في الماضي عندما كانت تتصل به وهو في أحد أشغاله، لتطلب منه مقاضي للبيت.
نطقت بكلمة تكررت في بالها من اللحظة التي أدار مالك ظهره ليرحل عن حياتها، كلمة شعرت بمعناها طوال سنين: آسفة..
لوهلة، ظنت أنه أقفل الخط، لكنه رد ليفاجئها: سامحتك.. وأنا آسف على سواتي فيك..
شعرت بحرارة الدموع تتشكل في مقلتيها. رددت كلمته بابتسامة: سامحتك يا ولدي..
:
استيقظت طيف على رنين جوالها، لترى أن الساعة كانت تشير إلى الواحدة ليلا وأن المتصل كان له رقم لا تعرفه. تركته وعادت للنوم، ليزداد المتصل إصرارا مرة بعد أخرى. باستسلام ردت ليأتيها صوت مالك بحيوية لا تنتمي إلى هذه الساعة: طيف؟ صحصحي معاي، تراني برى و باب المبنى مقفول.
ذلك كان كفيلا بجعلها تقفز واعية: إيش؟!
كرر إجابته: أنا واقف برى..
وقفت لتنظر من خلال نافذة الغرفة التي تتشاركها مع زوجة أبيها والمطلة على بوابة المبنى، لترى مالك واقفا قرب سيارته ممسكا بجواله. لبست عباءتها بعجلة وهدوء لكيلا توقظ زوجة أبيها ونزلت من السلالم بسرعة خاطفة كان سيشكو منها العم مازن لو رآها. فتحت الباب لتخطو مسرعة إلى مالك.
تكلمت قبل أن يفعل بحدة لاهثة: تبغى تفضحنا؟ ليش جاي ذا الوقت؟
استند مالك على سيارته الفارهة وابتسم بتسلية: واحد ويزور زوجته، عادي..
العم مازن كان ملتزم بقوانين وقواعد يجب على ساكني شققه كلهم أن يطبقوها بحذافيرها، حتى أخته لم تسلم من صرامته. هذا الوضع بأكمله كان خرقا لكل القوانين. ردت: موب بأنصاص الليول.
مال إليها وهمس: والله إنتي اللي مقعدتنا في الشارع بدل ما تدخليني جوا، ومستقبلتني بهواش بدل أحضان..
شعرت بإحمرار وجهها وتسارع نبضات قلبها بطريقة لم يكن لها علاقة بنزول السلالم على عجل. حمدت ربها أن ملامحها كانت مغطاة. أشرت له أن يتبعها ودعت ربها ألا يستيقظ العم مازن ويزداد هذا الوضع خرابا.
تبعها مالك بأريحية لتستقبلهما زوجة أبيها فور دخولهما الشقة. بدا غريبا بين أركانها المتواضعة بلباسه الرياضي واضح العلامات المسجلة. نظرت إلى مالك بإنزعاج متعب: وإنت ما لقيت إلا ذا الوقت؟
هز مالك كتفيه كإجابة، لتوجه نظراتها إلى طيف: جهزيله المجلس ينام فيه..
لم يحتج مالك إلى من يرشده، فالشقة كانت صغيرة وأركانها واضحة. خلعت طيف عباءتها تنتوي إحضار الفرش واللحافات بينما رجعت زوجة أبيها إلى الغرفة.
لم تدرك أن مالك كان يحدق بها إلى أن انتهت من تجهيز المجلس له. نظرت له باستغراب: فيه شي؟
هز رأسه بــلا: أبد بس.. ما شاء الله.
استغربت أكثر ليفسر بابتسامة: أقلدك..
تذكرت ردة فعلها عند رؤية مالك للمرة الأولى، وعندها فقط أدركت أنها كانت بدون عباءة معه للمرة الأولى لسنين. انحرجت وشعرت برغبة غامرة بإخفاء نفسها، لذا نهضت لترجع إلى أمان الغرفة.
لكن مالك كان لها بالمرصاد. أحكم قيد أصابعه حول رسغها، ليمنعها من الذهاب: بتخليني لحالي؟
ماطلت: بشوف شي بالغرفة..
تركها، لتخطو باستعجال إلى الغرفة وتجدها مغلقة. تطرق ولا تجد إجابة، تتصل ولا تجد ردا.
عادت تجر أذيال خيبتها إلى المجلس لتستقر على الكنبة الصغيرة بالزاوية، لتعود إلى النوم، وكعادتها، استيقظت عند الفجر. غريزيا اتجهت إلى مالك توقظه: قم الفجر أذن..
تناول هو يدها ليُقبل كفها ويقلب روحها. كانت عادة طورها في الفترة التي سبقت رحيله، لكن عمق لثم شفتيه لكفها الآن كان غامرا مسرفا. همس بصوت أجش من النوم وربما شيء آخر: تسلمين..
وجدت نفسها ترتعش بأحاسيس مضت سنين طوال من غير أن تحس بها. أجبرت نفسها على الرد متجنبة نظرة عيونه الناعسة: الله يسلمك..
"أجننه؟ كيف وهو يجنني قبل؟"
:
رجع مالك من المسجد ليتعذر عن الفطور: وراي ترتيبات أسويها عشان سفرنا.
رددت طيف: سفرنا؟
بدا كأنه خطر على باله إدراك: إيه ما قلتلك.. حجزنا الليلة إن شاء الله. جهزي نفسك بمر عليك بعد صلاة العشاء.
ردت عليه زوجة أبيها قبل أن تفعل طيف: بتكون جاهزة ما عليك.
لم تدري طيف إلا ومالك قد ذهب. التفتت إلى زوجة أبيها: إنتوا اتفقتوا علي ولا إيش..؟
أبدت تلك استنكارا بالغا: أبد.. يلا بس جهزي نفسك بسرعة!
تبعتها طيف وهي تنظر إليها بشك.
:
سألتها طيف، ربما للمرة العاشرة: بتكوني بخير لحالك؟
أجابت زوجة أبيها بثقة: إيه إيه. إنزلي، مالك له ساعة واقف عند الباب.
لا تدري لما فعلتها، لكنها فعلت. تلك البادرة التي تمنت لو تقدمها منذ الطفولة، تقلد فيها تصرفات بنات مع أمهاتهن.
حضنتها بخفة، وقبلت أعلى رأسها بإحترام. رجعت خطوة إلى الوراء ثم قالت قبل خروجها: مع السلامة.. انتبهي على نفسك..
أكان يُخيل لها رؤية لمعة دمع في عيونها؟
:
ربت مازن على ظهر أخته بمواساة: إذا حالتك بتصير كذا، ليش خليتيها تروح؟
تكلمت ثريا بين شهقاتها المكتومة: لازم يا مازن.. لازم..
أدرك من اللحظة التي عرفت فيها ثريا عن ابنة زوجها الراحل له أنها تعتبرها ابنة لها. والحق يقال، كانت طيف نعم الإبنة رغم عدم ارتباطهما بصلة دم تذكر.
وهاهي الآن تختبر شعور الأم عندما تتركها ابنتها لبيت زوجها.
هتف بمرح يحاول التخفيف عنها: كان اقنعتي طيف بعرضي ورحنا المحكمة وفسخنا عقدها مع ولد مناهل. كانت اللحين بتكون متزوجة ولدي فهد وساكنة تحت نظرك..
ابتسمت ترمش دمعها: ينقال إنت اللي بتسوي شي زي كذا بريحة مناهل..
تأفف: الواحد ما يقدر يتجادل معك..
ربما لم يقابل مالك، لكن يكفي أن يكون ابن مناهل ليكون له معزة خاصة في قلبه. عرضه ذاك كان مجرد اقتراح عابر ليريح ضميره من إصرار ولده على طيف. يحمد ربه أن طيف رفضت ولم يوضع في ذلك الموقف.
قالت بصوت أكثر ثباتا: إذا تعرف ليش تحاول؟
أجاب: أجرب حظي، يمكن أفوز ذي المرة.
[انتهى البارت...]
رواية عكــس الرحيــل ... الفصل الثاني عشر 12 - بقلم Misoo
إذا تقدم شخص إليه قبل أسبوع وأخبره أنه سيجد طيف ويقابلها ويتفق معها، كان سيضحك ويحذر ذلك الشخص من رفع آماله بلا فائدة.
لكن هاهو الآن بعد أسبوع، جالسا جنبا إلى جنب مع طيف في رحلة طائرة سترجعهم إلى الرياض حسب خطة مفصلة الخطوات..
"أوكي.. زيارات أنصاص الليول ما كانت ضمن الخطة.."
لم يستطع منع نفسه. منذ لقائهم في ذلك المتنزه وهو يتحرق شوقا إلى رؤية وجه طيف. لم يستطع النوم إلى صباح اليوم التالي، وربما كان سيكمل سهره المترقب لو لم يتبع أفكاره الهائمة التي قادته إلى ركوب سيارته والإتجاه إلى شقة خالته.
لم يندم.. آه، لم يندم.
هل الشوق جعل ملامح طيف أكثر جمالا، أم كانت السنين كفيلة بذلك؟
اختفت مسحات الطفولة التي عهدها، ليحل محلها تقاسيم أنثوية صارخة. نعومة تخالطها حدة أبهرته حد الصمت، جعلته يراقب أدق وأبسط حركاتها بولع. حتى عندما بدت مرهقة، جديلة شعرها الطويل منفلتة بكسل، بقميص بيت واسع لا يبين تفاصيل ما تحته.. فتنته. فتنته وفتنته وفتنته.
وعندما نظرت إليه بحاجب مرفوع، مستغربة، أسكره تشربه حد الثمالة لذهب عيونها الذي لم يتغير، فقط ازداد حسنا وروعة.
"صادقة خالتي.. قسم إني منتهي.."
أرجعه صوت الطيار يعلن عن الإقلاع للواقع، ليدرك أن طيف كانت تكلمه: بخصوص شغلي..
كرر بتمثيل عدم فهم: وبخصوص شغلك؟
سألت: وش بسوي فيه؟ إنت جريتني بدون ما أعطي فرصة عشان أفسر غيابي.
أجاب: بسيطة، ما يحتاج تشتغلين.
كانت هذه فرصته ليوفي بوعده لنفسه، بتعويض طيف عن كل ما فاتها في الماضي.
أحس الاعتراض في نبرة صوتها: بس أنا أبغى أشتغل..
ابتسم، ليلعب ورقته الرابحة: ما تبغي تكملي دراستك وتأخذي الماجيستير؟
سكتت لتسأل بعد لحظات: كيف عرفت؟
عرف أن سؤاله كان له التأثير الذي أراده: ما يحتاج لها تحقيقات. وحدة بشهادة امتياز مثلك؟ استنتجت إنك كنتي تبغي تكملين بس ما قدرتي.
لا ينكر فخره بالإنجازات التي حققتها، إنجازات لا يمكن أن تفنى بمجال عملها الحالي.
بشك: وإنت اللي بتساعدني؟
ليرد: ليش لا؟
بدت كأنها تفكر بالأمر مليا: تدري إني ما بخلص بستة شهور صح..؟
بثقة محب لم يستطع كتمانها: ما عليك.
أخيرا ظهر في صوتها الرضا: طيب.. يصير خير، ومالك؟
مدت يدها لتطوق يده الموضوعة على ذراع كرسيه، شتته ذلك الملمس المخملي المألوف عن الرد ليسمعها تهمس بامتنان واضح فضح عن رغبتها في نيل تلك الشهادة: شكرا..
ألا تدري أنه مستعد لفعل أكثر من ذلك من أجلها؟: العفو.
:
قد كانت قبل أيام تفكر بعدم تخيلها لركوب طائرة، والآن ركبت واحدة إلى أرض الرياض التي لم تطئها منذ ثمان سنوات.
خطا مالك جانبها بكل أريحية، يوجهها حيث شاء إلى أن وصلا عند سائق ينتظرهما ويقودهما إلى فيلا جاسر السامي التي يسكنها مالك.. أو بالأحرى، قصر جاسر السامي، فهذا البناء الفاره الذي تدخله لا ينفعه وصف آخر.
تعلم أن عائلة مالك فاحشة الثراء، لكن كل يوم تفاجأ بمقدار ما عند تلك العائلة. كان عالما مختلفا عن الذي عاشته طوال حياتها.
وضع مالك يدها في يده يرشدها إلى ما عرف عنه أنه جناحه، أو ربما كان يعني شقة. ما باله يسمي كل شيء بمسمى أصغر؟ نظرت إلى المطبخ التحضيري، إلى ركن الجلوس، إلى الحمام، إلى غرفة النوم، إلى المساحات الفاصلة بينها كلها.. : كل هذا، كنت تسكنه لحالك؟
أومأ بنعم وتنهد: بلا أنيس ولا ونيس../ لم تلحظ نظره الخاطف إليها قبل أن يكمل: بين أفكاري ولوعتي..
أرضاها وأحزنها بنفس الوقت، تلميحه بأنه شعر بالوحدة. أرضاها لأنها شعرت بوحدة موجعة، تشعر بها كل ليلة، تتسلل إلى قلبها كنصل جليدي يدميه بلا رحمة. أحزنها لأنها لا تريد أن يجد الألم له طريقا، حتى الآلام التي تشعر بها. أي تناقض هذا الذي أحدثه فيها؟
سألت وهي تخلع عباءتها: ولقيت ونيسك اللحين؟
سألها بالمقابل: بتظني إيش؟
بثبات أجابته: لقيته.
ابتسم لها بدفء ولم يعقب كلامها بشيء آخر.
لاحظت تفاصيل معينة وهي تتفحص الجناح، لم يبد معدا لشخص واحد فقط: تجهيز ذا الجناح غريب..
بعفوية لم تدرك أنها مُتقصدة فسر لها: جدتي الله يهديها كانت مصرة أعرس، وتحمست مع التجهيزات وهي ما بعد لقت لي عروس..
رددت بطء، مازال ذهنها عالقا في تحليل تلك الكلمات الأخيرة: تلقالك.. عروس؟
رد: وبإصرار بعد..
تعرف هذا الشعور.. شعرته مرة منذ سنوات، في متنزه وتحت مضايقات عابثات. شعور تملكي مدمر، يجتاح كل خلية من خلايا جسمها.
غارت، غارت من مجرد فكرة جمع مالك مع كلمة عرس. سألته بهدوء يخفي تحته عاصفة هوجاء: وصار لها اللي بغته؟
أجاب: لا، ودورك إنك تقنعيها إني ما أبغى غيرك. تقدرين تسويها؟
"وليش ما تكون ذي الفكرة حقيقة؟": إيه.. أقدر.
:
إقترح مالك بأن تأخذ حريتها في جناحه وترتاح، فهي ستقابل أفراد عائلته عند الفطور. امتثلت لنصيحته، فهي تريد أن تكون بأكمل نشاطها في ذلك اللقاء.
اتصلت بزوجة أبيها لتعلمها بوصولهم بسلامة، ثم بمي تخبرها أنها في الرياض قبل أن تنام. لم تتركها مي إلا بعد أن أخذت منها وعدا بالزيارة قريبا.
كان سرير مالك ناعما وثيرا، مريح إلى أبعد حد، يحمل أثرا من رائحته التي اشتاقت إليها. لأول مرة منذ سنوات تنساب بسرعة إلى النوم، من غير قضاء وقت بالتقلب والتململ.
استيقظت قبيل الفجر بساعة، وعلى الرغم من قلة ساعات نومها، إلا أنها شعرت بنشاط بالغ. استحمت ولبست اللباس الذي قال مالك أن عمته هي من جهزه لها، جلابية زيتية اللون، تزينها نقوش وغرز ذهبية. قماشها كان فاخر النوع، وتفصيلها رائع أنيق.
صلت سننها وانتظرت الفجر، وفقط بعد قضاء الصلاة وبداية الشروق رجع مالك إلى الجناح بصحبة امرأة بمنتصف العمر، جميلة مريحة الملامح. أشار مالك إليها: أعرفك بعمتي شيخة. عمتي شيخة، هذي زوجتي طيف.
تقدمت شيخة إليها ترحب بها بحفاوة وابتسامة مشرقة: أجل هذي طيف اللي حكيت لي عنها.. هلا وسهلا فيك يا بنتي. نورتي نورتي! / التفتت إلى مالك لتقول بغمز: ما ألومك. قمر.
احمرت طيف بانحراج. لم تعتد أن يتصرف معها أحد هكذا. ردت بخفوت ناظرة إلى مالك لينجدها: تسلمين..
لكن مالك تجاهل كليا طلبها للمساعدة واكتفى بالابتسام برضا وهو يرى عمته تعصرها حضنا ومديحا.
في النهاية أفلتتها لتذهب وتوصي بألا يتأخرا عن الإفطار: عمتك حبوبة..
وافقها: أذكر إنها كانت أول من رحب فيني لما جيت هنا، ومن ذاك اليوم هي صارت أقرب وحدة لي من عايلة أبوي.
استفسرت: كثيرين هم؟
رد: تقدري تقولي كذا، بس اليوم ما بتشوفي غير عمتي وجدي وجدتي. بتلحقي على الباقين بعدين.
أخبرها عندها نبذة عن عائلة السامي الرئيسية.
الرؤوس الكبيرة، جده جاسر وجدته هديل. ولدا من الأطفال أربعة: زياد، شيخة، سالم، والأصغر عبدالله.
عمته شيخة كان لها زياد، هادي، والجازي.
سألته: يعني سمت ولدها على أبوك؟
أجابها: إيه، كان له معزة كبيرة بقلبها.
عمه سالم كان له زوجتان. من زوجته الأولى مزنة، كان له نور ونوال. من زوجته الثانية سوسن، كان له جاسر، ميار، وسماهر.
عمه عبدالله كان له هديل، سامر، علي، ورد، وسارة.
ابتسم لذكرهم: بيجننوك ذولا الصغار..
بادلته الابتسامة: مو شكلك متجنن مرة معاهم.
أردف عندها بغموض: مشكلتي أحب اللي يتعبني.
لم تتنسى لها الفرصة بسؤاله عن معنى كلامه، فهو قد أخرج علبة مخملية من الكيس الذي كان يحمله ليفتحها وترى طيف طقم مجوهرات مبهر بلونه الذهبي وترصيعاته الخلابة كالنجوم. لم يبدُ ثقيلا متكلفا، يُلبس فقط عند التقاط صورة، بل عمليا للغاية. من نظرة تعرف أنه أُختير باهتمام بالغ.
لم تكد تنطق بالسؤال عن هوية صاحبة الطقم حتى فاجأها بإلباسه الطقم لها، قطعة قطعة قطعة، من العقد إلى الأقراط إلى الأساور. أكمل مسيرته بخاتم وضعه بنفس الإصبع الذي كان يحتوي خاتم والدته، ليكمل الخاتم الجديد حسن الخاتم القديم.
نظر إليها بتفحص ثم برضا غامر: كنت أتوقع إنه بيطلع حلو عليك وما خاب ظني.
لازالت تشعر بدفء قربه، بلمسات أنامله العرضية الخاطفة وهو يلبسها الطقم: ليش تكلف نفسك كذا؟
أجابها ببساطة: لأني أبغى.
:
صدق ناصر عندما قال أن مالك كان له لمحات من أبيه ومنه.
عاطفة أبيه وكبرياؤه، نزعته هو للتخطيط والتحليل.
أحب ذلك الفتى منذ أن عرف بوجوده. رأى فيه وريثا يستحق اسمه ومجموعته. فطنته وموهبته كانت حقلا خصبا حرص على تنميته، ليثمر بزهو يده اليمنى حاليا.
لكن.. كان لمالك نفس أخطاء أبيه، نفس المشاعر الجياشة والتعلق بمن لا يستحق.
يذكر مرة كلمه عن زواجه بتلك التي جاءت من طرف ثريا، أخت زوجة زياد التي تسببت بفقدانه لابنه: تزوجت وإنت صغير. بتغير رأيك لما تمر سنين..
ليجيبه حفيده بعناد واثق: مابغيره.. رأيي وببقى عليه للممات.
يذكر مرة كلمه مالك عن والديه: تدري إن أمي كانت تحاول في أبوي يوصلك؟
لم يبق ليسمعه بعد ذلك.
يذكر ليلة الأمس عندما عاد مالك بتلك التي تزوجها منذ سنين، بمحيا بدا أكثر إشراقا وسعادة: أدري إنك إنت السبب اللي خلاني أقابلها..
لم يكن جاسر رجل أعمال عبثا، لن يُلدغ من نفس الجحر مرتين.
استخدم مصادره الخاصة للبحث عن زوجة مالك ليجدها تعمل في شركة انتهى الأمر بشراءه لها، ليكلف مالك بالإشراف على الإجراءات. وكما كان كالمتوقع، وجد زوجته بين الموظفين.
توقع أن يجلبها مالك إلى هذا البيت. توقع أن يريد بقاءها.
حسنا، سيدعه يفعل ما يشاء. رفضه القاطع وتمنعه جعله يخسر ولده، لن يخسر حفيده أيضا.
سينتظر. سينتظر أن يضجر مالك من زوجته، أن يرى حقيقتها بعد ذهاب نشوة التمرد. سينتظر من تلك الزلة. سيزول الوهم لا محالة، وعندها سيخلي الركام ويعوض حفيده بمرشحة من اختياره وموافقته.
رأى حفيده يدخل ويجلس على مائدة الإفطار بصحبة شابة لم تبد بالمظهر الذي توقعه، لم تبدُ متصنعة ولا مستهترة.. لكن، ربما المظاهر كانت خداعة.
سألتها زوجته بحدة سينبهها عليها لاحقا: وش اسمك؟
رد عليها مالك قبل أن تفعل هي: اسمها طيف يا جدتي.
لطالما كانت هديل بعيدة عن الدبلوماسية، تفصح عما في قلبها بشفافية تامة. يحب صدقها هذا، لكن ليس هو ما يحتاجه في هذا الوضع الحالي.
سألت هديل بدورها بسخرية واضحة: وهي ما عندها لسان؟
قاطعها هو بحزم: خلاص. خلينا نفطر.
بدأوا الإفطار بصمت وأنهوه هكذا، ليفترقوا كل إلى وجهته.
:
امتعضت ملامح عمته بضيق: ما عجبني تصرف أمي مع زوجتك.
تنهد مالك بنفس الضيق: ما كنت أدري إنها بتولع كذا.
سألته: وكيفها زوجتك؟ عساها ما تضايقت؟ أعرف أمي، لسانها يبغاله تعود.
ابتسم لذكرها: لا ما عليك، ما أعطت لجدتي بال.
تنفست عمته براحة: والله كنت خايفة، بس طلعت زوجتك كفو.
رفع نظره بتذكر: إيه، بوديها السوق اليوم وأبغاك تروحي معاها إذا عندك فرصة.
ردت: أكيد، ولا يهمك.
وصاها: اشتري لها غصبا عنها. أعرفها بتقول ما تحتاج شي. طنشيها.
عندها ضحكت عمته: والله إنك رايح في خرايطها يا ولد أخوي!
سأل منحرجا من انفلات مشاعره: واضح لهدرجة؟
أكدت له: ما شفتك معاها إلا اليوم وأبصم لك بالعشرة إنك مستوي خالص!
"وراها طيف ما تحس طيب؟ العالم كلها تدري إلا هي.."
:
رحلة التسوق هذه كانت من أكثر الأشياء إرهاقا التي مرت بها. جرتها شيخة أرجاء مركز التسوق الضخم، تشتري قطعة غالية الثمن وراء أخرى بدون أخذ رأيها أو موافقتها بعدما عرفت قياساتها. في نقطة ما استسلمت طيف لواقعها هذا. لا تدري حتى ماهية ما اشترته شيخة لها، لكنها توقعت أن مشترياتها كانت ذات ذوق رفيع.
بكل صراحة، شيخة فاجأتها. حلاوة طبعها وأريحيتها لم تكن ما توقعته منها. لا تتعجب من ارتياح مالك لها، فهي بدأت تشعر بنفس الشيء.
سألهم مالك عندما أتى ليرجعهم إلى البيت: عسى استنفذتوا موارد السوق؟
أكدت له شيخة الجالسة وراءهم: وأكثر، أبشرك!
نظرت طيف بينهما باستغراب.
أكان هذا أمرا يُبشر الشخص به؟
:
"يا سواد ليلي.. وش ذي الفضايح؟!"
كان من المفترض أن تراقب شيخة عن كثب، ربما عندها كانت ستتجنب مواجهتها لحقيقة ما اشترته لها. عزمها على ترتيبها لملابسها الجديدة في غرفة الخزانة التي خصصت لها أصبح صاعقة.
خبأت الفستان الباذنجاني البالغ في القصر الذي أخرجته وراء ظهرها عندما سمعت حركة تشير إلى دخول مالك الغرفة. سألها بفضول: وش تسوين عندك؟
أجابته: ولاشي،. بس أرتب فأغراضي..
عرض عندها: أساعدك؟
ردت بسرعة: لا!/ تلثعمت عندما رأت اقتضاب حاجبيه باستغراب: أكيد إنت تعبان من الشغل..
هز رأسه بـلا: عادي، إنتي اللي هلكانة حدك. أعرفها عمتي، التسوق معاها مو شي أي واحد يقدر يستحمله.
صدق في ذلك، فهي بالكاد تشعر برجليها. تنفست الصعداء عندما تركها إلى الحمام قائلا: ماله داعي ترتبينها الليلة. خذي راحتك..
حينها أرجعت طيف نظرها إلى أزمتها التي ازدادت سوءا مع أول ظهور لـ"ملابس النوم". بحثت بينها إلى أن وجدت أسترها: منامة زرقاء اللون، حريرية عارية الأكمام وتصل إلى كاحليها، يرافقها روب طويل بنفس اللون.
حمدت ربها أن مالك انتهى من استحمامه بعد ترتيبها لأغراضها الجديدة. ودخلت هي لتستحم بدورها وتلبس المنامة وتخرج، ليراها مالك وهي توجه نظرها إلى الأريكة الوثيرة في ركن الجلوس.
نظر إليها بشيء من.. الغيظ؟: أظن إننا ناس كبار ونقدر ننام بنفس السرير. ما بيكون فيه أي حركات، لا تخافي.
شعرت بالحرج يتغللها إلى أخمص قدميها، ليست هذه المرة الأولى التي يتشاركان فيها سريرا، لكن مضي السنين جدد التردد.. ردت بثبات لم تشعر به: معاك حق.. نقدر.
بقيا كل في ركنه، كل معطي ظهره للآخر، كل واع بأقل حركة يحدثها الآخر.
همست: تصبح على خير.
ليرد بنفس الهمس: وإنتي من أهله.
:
فتحت طيف عيونها لترى أنها كانت ملتصقة بمالك، لتدرك أن وجهها كان مدفونا بين رقبته وكتفه. أبعدت رأسها لتنطق شبه مختنقة، تنظر إلى نقطة معينة في الأفق: مو إنت قلت ما بيكون فيه أي حركات؟
رد بضحكة متسلية، تخفي وراءها إحساسا عميقا: مو أنا اللي قربت.. إنتي.
عندها فقط أحست بتطويقها له، لتشعر بحرارة خجل عارمة: آسفة..
كانت ستهم بالإبتعاد لكنه منعها من ذلك، محكما ذراعه حول خصرها: خليكي كذا شوي.. ما عمري مانعت.
لتستوعب وتنظر إليه بحرج هلع: مو هذي أول مرة أسويها؟
رد بصوت ناعس، واضح فيه قرب استغراقه في النوم مرة أخرى: ياما سويتيها قبل. بس كنت أصحى قبلك عشان ما تنحرجين.
الآن عرفت الحلقة الناقصة. الآن عرفت ما كان ينغص عليها نومها، يجعلها مستلقية لساعات بدون أن يجد لها النوم طريقا.
هو، قربه هو كان ما ينقصها.
همست بعفوية يسوقها إدراكها: اشتقت لذي النومة..
لم يجبها، لكنه نهض فجأة من السرير بعد فترة قصيرة.
:
خرج إلى المطبخ التحضيري، يشرب كأس ماء بارد لعله يثلج حرارة جسده المحموم ويهدئ قلبه المفضوح المتفجر نبضا.
لو بقي ثانية أخرى معها كان سيفسد كل شيء، كان سيريها مقدار شوقه لها ولقربها، كان سيفيض بمشاعره بدل تقطيرها قطرة قطرة كما كان يخطط.
كان سيكشف أوراقه بكل سرور لها، لتفعل به ما تشاء.
أهذا ما أودت به الحال؟ أربما كان أكثر صلابة قبل عشر سنوات؟
نداءها الخافت له أيقظه من غمرة أفكاره المشتعلة، لتزيد حماه بؤسا لرؤيتها تقف عند الباب، تنظر إليه بقلق ناعس، ناسية ارتداء روبها فوق منامتها الزرقاء: إنت بخير؟
تجنب النظر إليها، لعله سيستطيع تمالك نفسه للحظات. أجابها باقتضاب: إيه إيه، ما فيني إلا العافية. ارجعي نامي..
لم يسمع وقع خطواتها المبتعد. عرف أنها لا زالت معه. لم يدري إلا وهي واقفة أمامه، تكاد تلتصق به. تمرر أناملها على صفحات وجهه وجوانب عنقه بتفحص.
قطبت حاجبيها ولمع العتاب في عيونها، مبعدة كأس الماء البارد عن يده: مسخن وتشرب موية ثلج؟
راقبها وهي تتحرك أرجاء المطبخ، تستبدل كأس ماءه بآخر أكثر دفئا، تبحث في الثلاجة عن أقراص خافضة للحرارة. راقبها بقلة حيلة عاشق استبده العشق حتى النخاع.
"والله ما سخنت إلا منك ومن هالطلة.."
ناولته الأقراص بأمر: خذ ذول على بال ما أسويلك كمادات.
منعها من الذهاب: اهجدي.. قلتلك بخير. احتريت شوي وبس.
ضيقت عيونها بشك: متأكد؟
قبل جبينها بامتنان عفوي يخفي وراءه توقا حارقا: متأكد. خلينا نرجع ننام، وراي شغل الصبح.
تجمدت في مكانها، لكنها سرعان ما أومأت بصمت وعادت معه إلى غرفة النوم، لتنام وتعود إلى تطويقه، إلى تلك المعاناة العذبة.
"اللهم أرزقني الصبر والسلوان.. ما حسبت حساب إني بأكل تراب بسبت موالي الردي ذا."
هو فقط يريد أن يجعل طيف تعترف. ما باله يدفع ثمن خطته؟
[انتهى البارت...]
رواية عكــس الرحيــل ... الفصل الثالث عشر 13 - بقلم Misoo
من مكانها في المطبخ التحضيري رأت مالك ينهي مكالمة لم تفهم المصطلحات التي استخدمت فيها وهو يعدل من هندام سترته، ماشيا بعجل اتجاه خارج الجناح. استوقفته: فطرت؟
بدا مشتت الانتباه عندما أجاب: لاء، بفطر بعدين.
بحزم أمرته: افطر اللحين، ماله داعي تأجل.
ظهر على ملامحه الاعتراض: معليش مستعجل.
لترد: وأنا سويت لك شي خفيف وما يأخذ وقت تأكله.
اقترب منها، ربما ليقنعها بأن تتركه يذهب: طيف..
أمسكت بيده لتجره بخفة إلى الجلوس وتضع الصحون على الكاونتر: كل بدل الوقفة هذي..
أخيرا استسلم وأخذ يأكل. ابتسمت بانتصار وهي تعد لنفسها شيئا تأكله، فهي تعرف أن مالك لا يحب الأكل لوحده، كأن شهيته تنفتح برفقة الناس.
احتسى رشفة من قهوته ليقول بصوت إعتراه التفاجؤ: لسى تذكرين كيف أحب القهوة في الصباح؟
سألت بدورها بضحكة حاولت كتمانها: كيف أنسى إدمانك؟
مرات شكت بأن الذي يجري في عروق مالك لم يكن دما بل قهوة من حبه الشديد لها.
شيء ما في الابتسامة التي أعطاها جعل دقات قلبها تسرع، شيء ما في نظرة عيونه جعل الحمرة تكتسيها. سأل: وش تتذكرينه عني بعد؟
"كل شي.."
أجابت بحيادية مصطنعة، تشغل نفسها بشطيرتها: تفاصيل هنا وهناك..
همهم بشيء لم تستطع سماعه، ليقوم بعد إنهاء كوب قهوته: تسلمين، بروح اللحين. تبغين شي؟
تذكرت وعدها لمي بالزيارة لتسأل: بتتأخر اليوم؟
سؤالها كان كفيلا بإثارة فضوله: ما أظن. ليه؟
ردت: وعدت صديقتي أزورها بأقرب فرصة.
أومأ لها بـ قبول: خلاص، كوني جاهزة لما أرجع.
:
عندما جلست جنب مالك في سيارته، فاجأها مده لكيس صغير إياها. بفضول أخرجت من الكيس علبة وبداخلها كان جوال عنابي اللون، فخم أنيق ومكلف المظهر. فقط كلمة واحدة تشكلت في بالها: ليش؟
رد بأريحية وهو يشغل محرك السيارة: ما عجبني جوالك. يضايقني كل ما أشوفه.
قطبت حاجبيها، تعرف أن جوالها متواضع مقارنة مع هذا الذي تلقته، مكسور وباهت من جوانب عدة، لكن حتى ولو..: مو لهدرجة.
أعطاها نظرة تنم عن عدم تصديق: طيف.. ما أبغى أكذب عليك، جوالك يمكن الواحد يسوي عليه قصيدة رثاء.
سكتت بدل الرد عليه، فالصراحة تقال، معه حق. أشغلت نفسها بالجوال الجديد. كان مفعلا ومجهزا للاستخدام، معدلا وفقا لطلبات شاريه. تعترف أنه أعجبها للغاية، خصوصا لونه: ليه إخترت هذا اللون بالذات؟
ابتسم ابتسامة مائلة، مبقيا نظره على الطريق: زي ما إنتي تتذكرين تفاصيل عني، أنا أتذكر نفس الشي عنك.
إذا.. تذكر أن لونها المفضل كان العنابي.
وجدت نفسها تسأل في خاطرها نفس سؤاله ذاك..
"وش تتذكره عني بعد..؟"
تصفحت الجوال أكثر، لتنصدم بما سمى مالك نفسه في لائحة الاتصالات. نطقت به بذهول: مالك قلبي..؟
ليجيبها هو بتسلية: هلا؟
ردت بعجلة: وراك سميت نفسك كذا؟
هز كتفه: بس..
لم تصدقه: ومسميني إيش عندك طيب؟
ليجيب دون تردد: ط./ سأل ببراءة عندما رأى تغير تعابير وجهها: توقعتي شي ثاني؟
كذبت، تخفي خيبتها: أبد..
:
جرت مي صديقتها بيدها داخل البيت، مستقبلتها بحفاوة: ما بغينا نشوفك!
ابتسمت طيف بود لا تظهره عادة: هذاني عند دارك اللحين..
أخذا يتكلمن عن حياتهن بطريقة لا يمكن التكلم عنها بالهاتف، وعندما وصل الموضوع إلى عودة طيف المفاجئة إلى الرياض، واستغرابها من ملابسها مكلفة المظهر، أخبرتها طيف بوضعها الحالي.
اتسعت عيونها، منلجمة اللسان. من بين كل توقعاتها، الواقع الذي حكت عنه طيف لم يكن بالحسبان: وليش ما رفضتي عرضه؟
سكتت، لكن سكوتها كان إجابة كافية.
تنهدت بقلة حيلة: يا إن عشق الهاديين أقشر./ نظرت إلى صديقتها بحدة عازمة: أجل لا تطلعي من ذي السالفة إلا وإنتي معلقته في هواك. أبغى منك تخلينه يهذي باسمك، فاهمة؟
ستدعم طيف في حياتها كما دعمتها هي في الماضي. لا زالت تذكر كيف كان ينظر إليها الآخرون على إنها فتاة كثيرة الهزل، لا تنفع للزواج. تذكر كيف كان الكل يمدح قريباتها بالهدوء والدماثة، ويتجاهلونها بالكلية. تذكر كيف كانت تفكر في كبت شخصيتها لتؤخذ على محمل الجدية، وتذكر كيف كانت طيف من يثنيها عن ذلك، من يذكر محاسن طبيعتها وتعزز ثقتها بنفسها. تذكر كلماتها..
(عسى ربي يرزقك بزوج يحبك على طبيعتك..)
مضى الوقت وتقدم إليها بدر على نصيحة أمه التي رأتها في أحد الأعراس وأعجبتها. حاولت في بادئ الأمر أن تتصرف بآلية كي لا ينفر منها، لكن سرعان ما تصدعت جدرانها وظهرت طبيعتها الحقيقية.. لتفاجأ بتقبل بدر المرحب بها، بمدى إعجابه بكل جوانبها.
كم من المرات همس لها..
(أعشق مرحك هذا..)
تدعو الله بأن تنعم طيف بفرح يفوق فرحها بنصيبها.
:
لم تظن طيف نفسها من النوع الذي تجرفهم العاطفة. تخيلت لنفسها دوما مستقبلا هادئا، بعيدا كل البعد عن الشغف.
لكن.. دخول مالك إلى حياتها غير الكثير، وأصبحت معاني العاطفة والشغف مألوفة إليها، حتى وإن كانت غير قادرة على التعبير عما يخالجها من مشاعر.
رن جوالها الجديد.
*مالك قلبي يتصل بك*
كأنه يعرف أنها لن تغير الاسم، كأنه يعرف مدى قربه من الواقع عندما اختاره.
:
كان في رأس مالك منوال هذه الليلة، منوال سعى إلى تحقيقه من اللحظة التي شعر فيها بصداع.
سألته طيف بقلق عندما عادا: إنت بخير؟
بالغ قليلا في إظهار ألمه عندما رد: مصدع شوي..
راقبها وهي تبحث عن مسكن أرجاء جناحه دون جدوى، فهو يعرف أن العلب التي اشتراها نفذت منذ زمن. أمر كان ذا منفعة لما يريد تحقيقه. استلقى على السرير لتلحقه وتضع رأسه في حضنها، تدلك صدغيه بالطريقة ذاتها التي كانت تفعل في الماضي: معليش ما عندي نفس الزيوت اللي كنت استعملها..
رد بتنهيدة مسترخية، منتشية من هذا القرب: عادي، لسى ينفعلي..
بقيا هكذا بصمت إلى أن سأل: صديقتك هذي اللي زرتيها.. هي وحدة قديمة ولا تعرفتي عليها بجدة؟
من الفترة التي قضاها مع طيف عرف أنها لم تكن بتلك الاجتماعية، لطالما سمعها تذكر أو تتكلم مع صديقة واحدة فقط. أترى السنين وتغير المحيط غير من طبعها ذاك؟
أجابته: وحدة قديمة.. أظنك تعرف عنها..
ليسأل مرة أخرى: ما تعرفتي على ناس جدد؟
سكتت لوهلة ثم تكلمت: يعني، بس ما كان عندي الوقت أتعرف عليهم أكثر. وإنت؟
رد وفكرة معينة تتشكل في باله إثر لمسة أناملها العرضية لجانب فمه: نص ونص. لسى مصاحب صالح واشتغل معاه.
عرف أنها تبتسم من صوتها: مو هذا صاحبك اللي كان يجرجرك لأشغال في أواخر الدنيا؟ المتشفح على الزواج؟
ضحك من الانطباع الذي كونته زوجته عن صديقه: إيه، هو نفسه. أبشرك تزوج الشهر اللي فات وصرت باليالله أشوفه./ استطرد بشيء من الغيظ: غارق بالعسل أكيد. الخاين، ما راعى شعور الناس العايشة بتصحر.
كررت طيف، ربما مستغربة من تغير الموضوع إلى مصطلحات بيئية: تصحر؟
مد يده ليحكم قبضته على يدها الموضوعة على رأسه، قبل باطن كفها بعمق، نثر قبلات صغيرة على أطراف أناملها.
نظر إليها ليقول ببطء متقصد: ناس عطشانة سنين، وما أظن يرتوون بأيام..
رأى جدران برودها المتصدعة. رأى الضياع بظرة عيونها. رأى تلك الحمرة المهلكة بإغرائها تعتري ملامحها الحسناء. رأى ذهبها يشتعل بعمق العاطفة.
لكن.. رغم توقه الصارخ المحموم، فراحته من صداعه مع إرهاقه من العمل بعثت فيه نعاسا صعب عليه مقاومته.
أمرته طيف بصوت لاحظ أنه خافت متهدج.. مبعثر: نم..
كأن جسده كان ينتظر تلك الكلمة منها، ليمتثل لها على الفور.
غفى على لمسة أناملها على تقاسيم ملامحه، بطريقة لم تمت للتدليك بصلة.
:
دعاه ناصر، العم ناصر كما أصر أن يناديه، إلى الغداء بعد انتهاء الاجتماع الذي تضمن مصلحة طرفيهما. لم يفت مالك ازدياد تعامل ناصر مع مجموعة السامي بعد انضمامه هو لها، ولم يخفي العم ناصر ذلك.
ابتسم له بمودة: حالك تغير يا ولدي، ما عهدتك بهالنشاط أبد.. الزواج سوى شي زين فيك.
قضب ملامحه بتمثيل سخط: ماشاء الله، صرت خبر الموسم..
ضحك الآخر: أكيد صرت خبر متداول في السوق، تحسب نفسك واحد سهل؟ من متى التواضع هذا فيك؟/ مال نحوه وسأله بصوت أشبه بالهمس: ما أظن إنك تزوجت بوحدة من اللي جدك يبغاهم لك، معناته لقيتها..
حقا، لا يدري من أين يحصل العم ناصر على هذه المعلومات، كيف يستنتج القصة بأكملها من بضعة تفاصيل مبهمة حكاها في الماضي: إيه، لقيتها..
سأله مرة أخرى، باهتمام أكثر: ومع مين كانت عايشة؟
استغرب مالك اهتمامه، وبدأت فكرة تتجلى في ذهنه: مع خالتي فجدة..
استفسر بطريقة قد تبدو أنها عفوية تلقائية، لا هدف وراءها، لكن مالك يستطيع رؤية شيء مكبوت في لمعة عيونه: ووين أبو البنت عنها؟
أجابه: متوفي من سنين الله يرحمه..
ردد هو وراءه: الله يرحمه..
مضت لحظة صمت بينهما، لاحظ فيها مالك غرق العم ناصر بالتفكير، ليبتسم له بمكر: ترى أساليب اللف والدوران أبد مو لايقة عليك. إسأل اللي تبغاه بالضبط.
ليرد الآخر بغموض: ونلقى مرادنا إذا سألنا؟
هتف هو: إسأل وإن شاء الله ما تخيب..
سأله: خالتك تزوجت بعدها؟
إذا لم يخب ظنه: لاء..
سكت العم ناصر لوهلة، كأنه يأخذ لحظة ليستوعب إجابته، ثم تكلم بثباته المعروف عنه: أجل أنا جايك طالب يدها..
[انتهى البارت...]
رواية عكــس الرحيــل ... الفصل الرابع عشر 14 - بقلم Misoo
ربما لاحظ مالك قلة النشاطات التي يمكن الانخراط بها في جناحه، فهو قد أرشدها إلى مكتبه أو بالأحرى، مكتبته، لتشغل نفسها كلما شعرت بالضجر.
فغرت فاهها بانبهار لرؤية المجموعة المعتبرة من الكتب المصفوفة بترتيب. تتخيل أنها بكل سهولة تستطيع قضاء ساعات طوال في هذا المكان دون الملل للحظة.
كان كنزا، هذا المكتب.
سألته بتأكد: عادي أتعبث فمكتبك؟
ترددت في أخذ راحتها في الحال، فربما يوجد هنا ملفات مهمة خاصة بالعمل لا يجب الاقتراب منها.
لكن مالك أجابها بابتسامة دون تشرط قبل أن يتركها: المكتب وصاحبه حلالك..
ما ألبق لسانه. لوحدها الآن، تساءلت إذا كان يمتلك هذا اللسان الفضي مع الآخرين أيضا. على الأرجح، فأي رجل أعمال ذو قيمة يجب أن يعرف للذوق.
لكن.. كم كانت تمقت فكرة أن تكون شخصا آخرا يتلقى كلام مالك اللبق، المعسول أحيانا.
لوهلة ليلة الأمس.. كادت تفضح نفسها، رامية آخر دفاعاتها عرض الحائط، ناسية غايتها، أن تجعله يقر برغبته في بقاءها عنده.
هو لم يكن خيارها كزوج، وهي بالتأكيد لم تكن خياره كزوجة. لكن، بينما هي تخطت ذاك الحاجز وأصبحت ممتنة لجمع القدر بينهما، لم تكن واثقة من الأمور ناحيته، صحيح أنه قد سامح خالته، لكنه في المقابل قد اقترح تمثيلية مؤقتة بينهما. موقنة هي أنه كان يهدف لشيء، لكن ما هو؟
يالله، يالحالها المزري! أمامها كتب من شتى الألوان وتخوض في تأملات نفسية.
مهما حاولت القراءة، وجدت أفكارها تعود إلى ذاك الطريق، إلى أن استسلمت وعادت إلى غرفة النوم.
نهاية الليلة، سمعته يدخل الجناح ثم الغرفة. كانت مستلقية تعطيه ظهرها، لكنه تكلم مخاطبا لها: أدري إنك صاحية..
استغربت لتسأل: وليه واثق كذا؟
رد:ما عمرك نمتي بوضعيتك هذي./ استطرد: وكمان.. أتذكر وحدة قالتلي إنه صعب عليها تنام وأنا غايب.
ظلت صامتة إلى أن أحسته قد استلقى جانبها: خلاص.. الوحدة ذيك تعلمت تنام لحالها.
لم تدري إلا وهو يحتضنها من الخلف، شادا إحكامه على خصرها، هامسا في أذنها: وأنا مرة ثانية بعلمك كيف ما تنامي بغيابي..
تهدج نفسها، وصوتها بدا خافتا بعيدا عن المرارة التي كان من المفترض أن تحس بها. سألته تستحثه، تستدرجه: إذا هذا ترتيب مؤقت، مو أحسن ننسى بعض؟
أحست بحرارة أنفاسه جانب رقبتها: وش أسوي؟ فيني أنانية..
"أناني.. متعب.. ومؤذي.."
لا يدرك، أليس كذلك؟ لا يدرك أنها لا تحتاج إلى التذكير. حقا تعرف ما تفتقده جانبها.
سيقتلها، هذا الكبت، هذا الحال الذي يجب ألا يدوم. ستجن من أفكارها هذه، من ذاك البعد والقرب المربك.
هي لم تأتي لخوض حرب خاسرة.
:
رأت فرصتها في تغيير السيناريو الحالي في الصباح قبيل ذهاب مالك إلى مقر عمله. مشت معه إلى باب الجناح، لتعطيه لائحة مقاضي: مطبخك فاضي..
ابتسم وهو يقرأ اللائحة: يالله! من زمان عن ذا.
ربما كان يجب عليها طلب مقاضيها من الخدم الكثرى الموجودين في هذا البيت، لكنها لم تستسغ الفكرة، لم تكن متعودة.. لم يبد أن مالك مانع هذا، بل بدا مسرورا إلى حد فاجأها: بشوف اللي أقدر أجيبه..
مالت نحوه لتطبع قبلة على خده، هامسة: في حفظ الرحمن..
لاحظت عندها جدة مالك المتسمرة في مكانها من الصدمة، تتراجع مبتعدة عن هذا المشهد، ليلاحظها مالك بدوره.
همت طيف بالابتعاد خطوة، لكن مالك منعها من ذلك، يسألها بعمق اكتسى صوته: هذا تمثيل؟
ابتسمت طيف بغموض: فكر اللي تحبه..
كم أرضاها رؤية الضياع في عيونه.
:
من بين كل إخوة أبيه، كانت شيخة الوحيدة التي عرفت سيرة زوجة مالك مسبقا، قبل سنة بالضبط من إعلان الأمر على جميع أفراد العائلة. لا عجب، فهي كانت الأقرب إليه، وعلاقتهما كانت عفوية بدلا من الرسمية التي شابت علاقته مع عميه.
تذكر أنه كان بسبب شكوى مالك من تلميحات العائلة له بالزواج، لا يسلم من عم ولا زوجة عم، وحتى جدته كانت مشاركة مخضرمة في ذلك الموضوع: طيب أنا متزوج وراضي بوضعي..
لتصعق حينها: متزوج..؟!
لم يذكر الكثير عن زوجته طيف، فقط بضعة تفاصيل متفرقة مبهمة جعلتها تتساءل ما أبقى ذكراها في بال ابن أخيها، ليجعله صادا تماما عن الارتباط بأخرى.
لا تنكر، أقلقها اعترافه، فعلى حسب كلامه، كان صغيرا بالسن عندما تزوجها، وربما مسيرا بطيش الشباب. ربما تلك الطيف لم تكن بالمستحقة لوفائه، ربما تزوجته على طمع، ربما ستكسر قلبه إذا أتى يوم ووجدها.
لكن، لم تفصح عما بدر لذهنها، وتركته لوحده لإحساسها بأن كثرة التدخل ستؤدي إلى نفوره. كم شابه أباه في تلك الناحية.
لم تمض سنة إلا وقد أصبح أمر زواجه بطيف معروفا، مُقابل بسخط غامر مكتوم من قبل الكل عداها، فالفضول كان ما أعمى بصيرتها عن أي إحساس آخر.
لم تصبر إلا وقد زارت بيت أبويها صباح وصول مالك وزوجته إلى الرياض. لتعرف الإجابة عن كل أسئلتها.
الفرح العارم البادي في عيون ابن أخيها جعلها تتقبل تلك الزوجة قبل أن تراها، فذلك العمق في العاطفة لم تعهده أبدا في مالك.
حينها أتت ساعة اللقاء، ووجدت شابة غاية في الجمال في الجانب الآخر. إذا كان الأمر يقاس بالجمال فقط، فلا يلام ابن أخيها في صده عن الكل غيرها.
لكن.. هناك جوانب أخرى لهذه الشابة، أليس كذلك؟
في رحلة التسوق التي كلفهما بها مالك، لمحت الكثير عن طيف، وما لمحته داوى قلقها على ابن أخيها، جعلها تدرك مدى ولع مالك المضحك المبرر بها.
حازت على موافقتها دون أي جهد يذكر.
:
لم يتطلب الأمر الكثير لتعرف طيف أن بيت جاسر كان مركز اجتماعات العائلة الرئيسي. منذ الصباح الحركة لم تتوقف أرجاء البيت، وحتى الليل ما زال أفراد العائلة يتسامرون.
لم تحب طيف قط جمعات النساء، لم تجد سهرات الكلام والحكايا شيئا تنخرط فيه. ولكونها الزوجة التي ظهرت من العدم، فإن كل الأنظار كانت موجهة إليها، متفحصة لها من الفستان الفوشي الأنيق الذي اشترته مع العمة شيخة، إلى تسريحة شعرها الملفوفة البسيطة، إلى وجهها المعدومة عدا عن الكحل الذي يرافقها على الدوام، وروج وردي جريء.
خفف عنها جلوس العمة شيخة جانبها، معرفة بها بكل من التقت بأعينهن: هذول اللي لابسين كأنهم مطقمات زوجات أخوي سالم، مزنة وسوسن.
رأت طيف امرأتان لابستان لفساتين متطابقة في كل التفاصيل إلا اللون، ولم يبدُ عليهما الرضا عن ذلك.
أكملت تشير إلى إمرأة حامل، و أخرى تخاطبها بحماس: الحامل نورة، زوجة أخوي عبدالله ومعاها مرام، زوجة ولدي زياد.
أشارت عندها إلى شابات أنيقات جالسات في زاوية منزوية بعض الشيء عن باقي النسوة: اللي تبلع في الحلا بنتي الجازي، مخطوبة وما يبين الله يصلحها. الهاجدات جنبها بنات مزنة، نور ونوال. اللي تطقطق في الجوال جنبهم وفي عالم ثاني صديقتهم سعاد، خطيبة ولدي هادي. زواجهم بيكون بعد العيد.
استوقفتها حينها طيف لتهنئها: مبروك..
لترد وكأن العبرة تخنقها: الله يبارك فيك.. آآخ بس، البيت بيصير موحش وكل بزراني في بيوت ثانية. كان مفروض أخليهم كلهم تحت نظر عيني..
ضحكت طيف برقة: مين يدري، يمكن أحسنلهم البيوت المتفرقة..
بدت العمة شيخة كأنها تفكر مليا في الأمر قبل أن تقول: تدرين.. معك حق.. مرام خلقة ما تحب سعاد والعكس صحيح. كل مرة يجتمعوا في مكان واحد تصير كارثة.
قطبت طيف حاجبيها: لسى ما صارت كارثة إلا اللحين..
لتجيبها بوجوم: أعطيهم وقت..
وحقا، لم تمضي نصف ساعة إلا والشابتان تتبادلان الكلام اللاذع، إلى أن قاطعتهما الجدة بحدة أخرستهما.
بقيت طيف بعيدة بعدا تاما عن الدراما الحاصلة حولها، لكنها أحست بالنظرات المزدرية الموجهة إليها.
سألت العمة شيخة: ليش أحس إن الكل يستنى مني الزلة؟
ابتسمت لها، محاولة التخفيف عنها: مو لشخصك، عشان المكانة اللي أخذتيها.
استفسرت: المكانة اللي أخذتها؟
لتشرح: زي ما تعرفين، زياد كان قريب من قلب أبوي، وبما إن مالك ولده، فمعزته من معزة أبوه. وعشان يتقربوا منه، الناس بدت تتكلم عن عرايس عندها، خصوصا زوجات سالم، سالفتهم سالفة./ أشارت إليها لتستطرد: بالنسبة لهم إنتي وحدة دخيلة جاية تخربي خططهم.
شعرت بالغيظ، بالغضب الغيور الكاسح. ثمان سنين والناس تعرض العرائس لزوجها ليختار من شاء.
تركت العمة شيخة جانبها لاستدعاء الجدة لها، لتخرج طيف هاتفها وترسل إلى مالك دون أخذ ثانية لتتمهل وتفكر.
#ما شاء الله، توي أدري إن الكل يبغى يزوجك من عنده.
لم تمض دقيقة إلا وقد رد عليها.
#لقطة أنا مو؟
لم تستطع منع نفسها من الابتسام حتى مع غيظها، فثقته كانت مضحكة.
#مدري، يمكن سعرك في السوق انخفض بوضعك معاي.
رده كان لحظيا كالأول.
#لا تخافي، أنا ماركة خام بجودة عالية.
سألته عندها.
#معناته استثمرت زين، صح؟
ليسألها بدوره.
#بالمنتف والكحيان قبل سنين؟
قطبت حاجبيها بعدم رضا من كلامه، فهي لم تره إلا بصورة واحدة في قلبها.
#الكحيان والمنتف، والهامور.. كلهم إنت. زي ما قلت، ماركة خام بجودة عالية في كل الحالات..
انتظرت رده لوهلة، وحينما مرت عدة دقائق ولم يرد، استسلمت، ليرن الجوال معلنا عن اتصاله بها. وقفت لتمشي بعيدا عن الجموع، ملاحظة لتتبع الجدة لها.
ردت عندها على اتصاله، تضرب عصفورين بحجر واحد: هلا حبيبي..
:
ابتسم له ولد عمته زياد بود وكلام مبطن، ليشغله عن مراسلة طيف للحظة: أشوف وجهك منور هذي الأيام..
"حتى الأخ الغافل هنا لاحظ.. عز الله إني فضيحة." لم ينكر: هذا اللي تشوفه؟
ليضحك الآخر: إيه والله! ما تخيلتك إنت من بين كل الناس بتستريح بالزواج.
قطعت عليهما صغيرة زياد نغم ذات السنتين، تتسلق ظهره وتتعلق برأسه: نفسي أعرف مين اللي دخل فكرة إني شجرة فعقل بنتك؟
حاول زياد فكه منها لتتشبث به أكثر: والله من كثرة الكرتونات اللي تشوفها.. عيب يا بابا، إنزلي من ظهر عمك!
منعه مالك من المحاولة أكثر: خليها على كيفها. هذا موال الأميرة نغم وحنا رعياها..
أخيرا استسلم زياد ليقول بتحذير: والله راحوا فيها عيالك، بتدلعهم دلع..
ليرد: عيالي وكيفي، بدلعهم لين يفطسوا.
أطفال؟ أطفال من طيف؟
كم أعجبته تلك الفكرة..
أتى عمه عبدالله بقطع حلوى، ليفك أسره من قبضة نغم الصغيرة. عندها فقط رأى مالك جواله ينبض برسالة غير مقروءة، ليفتحها ويبتسم بحب صاف لقراءة كلماتها.
#الكحيان والمنتف، والهامور.. كلهم إنت. زي ما قلت، ماركة خام بجودة عالية في كل الحالات..
نهض لقسم معزول من مجلس الرجال واتصل بها، يريد وبشوق سماع صوتها، ليخطف ردها، صوتها الذي خالطه الغنج لأول مرة، أنفاسه: هلا حبيبي..
أتريد الفتك به؟ أتريد نهايته على يدها؟
لم يستطع الرد للحظات بدت كقرون، ليسمع تحلطما مألوفا.. صوت جدته.
أخيرا رد بخيبة أمل يخفيها بنبرة مرح: قاعدة ترفعين ضغط جدتي؟
ضحكت، ليدرك أن جدته تركتها: مرة سهل إن الواحد يرفع ضغطها الله يحفظها لك..
"هو أنا ناقص ضحكتها اللي تدوخني..؟"
أتاه اتصال من جوال العمل ليعتذر منها. يا لحظه أليس كذلك؟ لو لم يتصل به سيكرتيره يخبره عن مناقصة مغلوطة، كان سيأمر طيف بالرجوع إلى الجناح، كان سيريها ما فعلت كلمتها الثقيلة به..
رجع متأخرا إلى الجناح مع إبلاغ سيكرتيره له أنه سيتصل به حالما يتأكد من تصحيح الخطأ. تنهد بضيق، يبدو أنه لن يرتاح الليلة..
ظن أنه سيكون أكثر توازنا عند لقياها. لكن هيهات وهو يراها تفك شعرها من تسريحته، تمشط طوله الفاتن.
حاول أن يكون حياديا بقوله: أشوفه لساته طويل..
ربما كان أطول حتى مما كان عليه في الماضي.
رفعت نظرها إليه خلال سطح المرآة العاكس، لترد: ماكنت أهتم بطوله أبد، وبصراحة، كنت ناوية أقصه مرات كثيرة..
لم يستطع منع نفسه من الإقتراب وتمرير أصابعه خلال شعرها، هذا الغسق الداكن الذي رافقه في هذيان أحلامه. سأل بصوت عميق مفتون: وليش ما قصيته؟
ابتسمت ابتسامة ذات معنى، يبرزها الروج الوردي لأقصى فتنتها: واحد قالي ما أقصه..
تساءل للحظة، فقط تساؤل بريء لحظي، ماذا لو قبلها بكل الشوق الذي يشعر به؟ ليقطع رنين هاتفه عليه قبل أن يُلحق تلك الفكرة بفعل.
خطا بعجلة إلى مكتبه، يخاطب سيكرتيره بحدة لا سبب ظاهري لها.
:
حتى خلال سماعة الجوال، السخرية كانت جلية في صوت خالته عندما سألت: أحوال الخطة؟ ماشية تمام؟
"كيف عرفت؟ كيف عرفت إن حالي مكسور ومجبس؟"
رد: الشماتة مهيب زينة يا خالتي..
تنهدت: زي ما توقعت..
ابتسم بخبث وهو يتذكر شيئا سيغير الموضوع بأكمله: إيه قبل لا انسى أقولك، فيه ناس طالبين قربنا..
كان العجب واضحا في صوت خالته: قربنا؟ كيف؟
كتم ضحكة كادت تفلت منه: يحليلك وإنتي مسوية فيها بريئة وماتفهمي. جاني خاطب لك يا خالتي العزيزة.
سألته بكل جدية: مالك إنت استخفيت؟ جاك شي من أفكارك الخايسة؟
ليجيب: والله أنا بألف صحة وعافية. بس نستنى شورك.. ياعروس..
ظهر السخط في صوتها: ما تستحي؟! لو كنت قدامي ماكنت راح تتجرأ تقول هالكلام بوجهي! تعال زورني بس..!
تكلم كأنه لم يستمع لوعيدها: عريسك توب توب من جميع النواحي. أخلاق وأسلوب وجاه./ أردف يكرر كلماتها في الماضي: الرجال واثق منه ومافي زيه..
أقفلت الخط في وجهه، لكن أين ستفلت منه.
صراحة، لم يتخيل فكرة زواج خالته مرة أخرى، وبالعم ناصر من بين كل الناس.. لكن، ما إن طُرحت الفكرة، وجدها تعجبه، تعجبه للغاية. لديه الاحساس التام بأن العم ناصر سيعوض عن خالته الكثير، طيب أخلاقه المعروف عنه، لهفته الواضحة التي مازال مالك يشعر بالفضول حيالها.. كلها دلائل تدعم احساسه ذاك..
[انتهى البارت...]
رواية عكــس الرحيــل ... الفصل الخامس عشر 15 - بقلم Misoo
إذا بقي شيء على حاله، فإن ذلك الشيء سيكون عادة مالك في إغراق نفسه في العمل.
طيلة ليلة الأمس كانت تسمع للمكالمات والاجراءات التي كان يقوم بها من مكتبه. تفقدت حاله بين الفينة والأخرى، مزودة له بالقهوة التي بدا عليه الحاجة لها، وحينما زاد الأمر عن حده ورأته يقاوم النوم، أصرت عليه إنهاء عمله وأخذ قسط من الراحة، ليماطلها بابتسامة و "بس مكالمة أخيرة". في النهاية وجدت نفسها تغفو على الأريكة، لكنها استيقظت على السرير عند الفجر، لتراه قد ذهب للمسجد.
نامت بعد صلاتها واستيقظت عند الثامنة صباحا، لترى مالك قد عاد إلى مكتبه بدلا من غرفة النوم، غاط في نوم غير مريح بين أوراق ومستندات. اشتبهت أنها لم تكن المرة الأولى التي نام فيها في مكتبه، وأنه قد فعلها مرات عديدة قبيل مجيئها.
عاهدت نفسها بألا يكون لمثل هذه الحادثة تكرار.
تقدمت إليه توقظه: مالك.. مالك قم نام في السرير..
لا تجاوب. دل ذلك على مدى إرهاقه، فهو كان خفيف النوم عادة.
اقتربت أكثر، تهز كتفه بخفة وتهمس في أذنه بنبرة رجاء: يلا يا قلبي اصحى، ما ينفعلك النوم هنا..
فقط عندها تحرك ليجلس باستقامة، يرمش النعاس من عيونه، ينظر لها بغير استعياب دائخ. همس لنفسه عندها بسخرية: أكيد بحلم..
سألته: تحلم بإيش؟/ نظر إليها مرة أخرى بتأكد لتتسع عيونه بصدمة. ما باله يتصرف بغرابة؟ أكل ذلك من إرهاقه؟ أحاطت وجهه بين كفيها، وبصرامة حانية قالت: ما بتروح الشغل اليوم..
أومأ لها بقبول لكنها لم تكتفي بذلك، فأمسكت يده تقوده إلى غرفة النوم. لحسن حظها، فهو قد تبعها دون اعتراض.
بدا عليه التحسن عندما استيقظ وصلى الظهر. سألها، بما أنها أجبرته على أخذ يوم إجازة، إين تريد الذهاب، أصر عليها متجاهلا لتحايلاتها ومماطلاتها دون استسلام إلى أن أجابت المكتبة، فهي كانت تنوي شراء كتب للتحضير لكورسات الماجيستير في تخصصها.
:
طلبت منه المرور بصراف قبل المكتبة، لتستغرب من المبلغ المالي الهائل الموضوع في حسابها.. كان يوجد في حسابها ألف آخر مرة تفقدته فيه، لكن الآن يوجد مضاعفاته بالمئات..
لم يكن هناك إلا مشتبه به واحد..
رفع مالك حاجبه، مستغرب: توك تشوفين..؟
لم يحاول الإنكار حتى: ماعلينا من ذا، وش معنى هالمبلغ اللي في حسابي؟
أجابها بكل بساطة: مهرك مؤخرا.
استنكرت: مهري؟/ لتردف، تستنطقه للمرة الثانية: وش محل هذا المهر من الإعراب في وضعنا؟
أرادته أن يقول أن هذا المهر لم يكن جزءا من صفقتهما، أنه كان بادرة حقيقية منه لبداية جديدة..
لكنه نطق بدلا من ذلك: تعويض عن الماضي..
سألته سؤالا بدر إلى ذهنها من لحظة لقائهما: وش هدفك يامالك؟
ربما كان هذا أقصى ما تصله من الشفافية و كشف الروح. تمنت أن يقابلها بالمثل.
ابتسم ابتسامة مائلة لم يصل ألقها إلى عيونه، مبقيا نظره على الطريق بدلا عنها: عجيب.. كيف إنتي تسألين هذا السؤال بالذات..
لم يعقب كلامه ذاك بشيء، فقد وصلا إلى وجهتهما.
:
أمضيا الوقت في المكتبة بصمت، ليعودا إلى السيارة إلى ذات الصمت.. إلى أن توقف مالك أمام ما بدا كأنه مطعم: خلينا نتعشى قبل لا نرجع..
أبهرها المطعم الراقي. لم تتخيل أنها ستدخل هكذا مكان في الماضي. قادها مالك إلى طاولة معزولة محجوبة عن الناس وطلب طلبه، وعندما سألها عما تريد، أخبرته أنها لم تكن مشتهية لطعام.
كانت سارحة، غارقة في أفكارها لدرجة أنها لم تلاحظ وصول طلب مالك. فقط لاحظته عندما رفع مالك شوكته لها بلقمة من صحنه: كلي..
انحرجت تنظر يمنة ويسرة عن جرسون يقترب ويرى هذا المشهد: قلتلك مانيب مشتهية..
لم يخفض مالك شوكته ولا بدرجة: كلي وإلا بظل كذا.
أخيرا، فعلت ما أراده، ليأكل هو قسطا ثم يعود إلى تقديم قسط لها. إصراره العنيد أودى بهما إلى تقاسم طلبه.
يحيرها مالك قلبها هذا، بين اهتمامه وغموض كلماته.
حسنا، لن تستسلم، ستظل تحاول به إلى أن تسحب منه الكلمات التي تريد.
:
لم يرجع بهما إلى البيت.. هناك محطة يريد التوقف عليها قبل ذلك..
فقط عندما توغلا أكثر في أحد الأحياء لاحظت طيف أن ضواحيها كانت مألوفة جدا بالنسبة إليها: هذا..؟
أجابها دون الحاجة إلى سماع بقية سؤالها: إيه..
أوقفهما أمام بيت تعرفه طيف تمام المعرفة. سألته بصوت أدماه الشجن: ليش جبتني هنا؟ ما عاد هذا بيتي خلاص..
ليسألها بدوره وهو يخرج مفاتيحه من جيبه، يفتح به باب البيت المتماسك رغم قدمه: مين قال؟
حتى مغطاة، يعرف أن ملامحها اعتراها الاستغراب المذهول: كيف..؟
ببساطة: اشتريته.
فعلها لحظة رجوعه إلى الرياض من الخارج. لم يستسغ أبدا فكرة أن يكون هذا البيت لأناس آخرين، وحتى إن لم يجد طيف ويرجعه إليها، سيحفظه لها ولذكراها: بحول الملكية لك بأقرب فرصة إن شاء الله..
سمع صوتها يتهدج بشهقات مكتومة، تخطو ببطء داخل بيتها القديم بعدم تصديق: ما تدري كيف كنت شايلة فقلبي فقد هذا البيت، نار تحترق فصدري.. آخر أثر من أبوي وفقدته لحاجة.. كنت أجمع بجزء من راتبي عشان أرجعه، بس الناس اللي اشتروه كانوا يزيدون في سعره كل سنة..
يذكر خبث الشارين وحيلهم، لكنهم لم يصمدوا أمام المبلغ الذي عرضه عليهم. باعوا البيت بلهفة جشعة، غير مكترثين بمآربه الخاصة..: هذا هو رجع لك..
ضحكت بخفوت مع شهقاتها: تصدق..؟ ماكنت تحتاج تعطيني مهر، سواتك ذي تكفي وزود..
ابتسم بدفء حزين وهو يراها تكشف وجهها المحمر الملطخ بالدموع، يرافقها في مشيها أرجاء البيت، تتحسس جدرانه كأنها تتزود من ذكريات..
همست بأنين عندما وصلت إلى الركن الذي كان يفضله والدها لقراءة أّذكاره وورده..: لسى صوته عالق في بالي..
يذكر حسرته على عدم تواجده لحضور جنازة ذلك الرجل الطيب، يذكر أن أول ما فعله بعد رجوعه هو زيارة قبره: الله يرحمه..
ظل ماشيا جنبها، مثبتا لها بذراعه وهي تكمل مسيرتها، إلى أن وصلت إلى الملحق. أخيرا ظهر شيء من المرح في صوتها: يضحك منظره مقارنة مع جناحك..
ليرد بابتسامة سخرية على حاله: وش رأيك لو قلتلك إني أفضله على جناحي..؟
سألته: من أي ناحية؟
أجابها: الذكريات اللي فيه..
تساءلت بهمس سمعه: مع نفس الأشخاص، يمكن تتشكل ذكريات أحلى فمكان مختلف..؟
في ذهنه، أجابها..
"وإنتي معاي؟ إيه.."
:
ليلتها احتضنته في يقظتها، أحس ببلل دموعها على قميصه، وسمعها تهمس: عمري ما بنساها لك.. مشكور يا مالك، مشكور..
همس بدوره وهو يمسح على شعرها، يهدئها إلى أن غفت: يا سخفك، ما في ديون بين زوجين..
عرف من تلك اللحظة أنه لن يستطيع الاستمرار بخطته بعد ذلك، عرف أنها خطة فاشلة بكل جدارة.
أيعقل أن الشوق يضنيه وطيف أمامه، أن الحنين يدميه وهي أول ما تراه عيناه حين استيقاظه، أن التوق يحرقه بزخم جامح وهي على بعد لمسة ونفس؟
تعجب أنه لم يجن بعد من كثرة ما كبت..
كان هدفه في البداية أن تقوم هي بالبادرة، أن تتخطى حاجز الطريقة التي تم بها زواجهما، ذلك الشعور بالذنب الذي جعلها تنطق بالإذن في طلاقها..
لكنه قليل الصبر فيها، وسيعاملها من الآن كما يهواه قلبه، كما تستحق هي..
سيقوم هو بالبادرة.
:
سمعت صوت مالك وراءها وهي تعد القهوة، يعلق على كتبها التي اشترتها: وش ذي الطلاسم؟/ أردف يسألها: حبيبتي، من جدك تقدرين تفهميها؟
كادت القهوة الساخنة تصب عليها إذا لم تتجنبها في آخر لحظة. هرع مالك إلى جانبها قلقا يتفقدها من أي حروق، بينما هي ظلت غائبة عن العالم للحظة، تعتريها الحمرة.
جرها ليبتعدا من المطبخ التحضيري، ليجلسها على أول كرسي في طريقه: خلاص خلينا من القهوة اليوم..
فقط هذا ما أفاقها لتعترض واقفة: ليه؟ مافيني إلا العافية.
ضيق عيونه بشك: واضح إنه فيه شي مشغل بالك. ما راح أخاطر تحرقي نفسك عشان قهوة أقدر أصبر عنها.
أصرت بصدق: بالي موب مشغول بس..
استحثها: بس؟
نظرت إليه بحزم: لا تقول كلام زي كذا لي..
لم يكن مالك من النوع الذي ينطلق لسانه بالمسميات الغزلية، ويالحسن حظها في ذلك، فقد تبين أن كلمة "حبيبتي" منه فقط عاثت في قلبها عواصف هوجاء.
استغرب: أي كلام؟
ردت تمثل عدم التأثر: حبيبتي ومدري إيش..
كرر، ربما ليستوعب: معترضة إني أقولك حبيبتي..؟
لم تنظر إليه عندما أجابت بخفوت، محمرة إلى أذنيها: إيه..
ضحك بخفة، لتراه يبتسم بتسلية خبيثة عندما رفعت نظرها إليه: والله هذا لساني وأقول اللي إبغى.. يعني حلال عليك تقوليلي حبيبي وقلبي، وحرام علي أسوي المثل..؟
أسمعها تلك المرة؟
لم تدرك أنها كانت تتراجع إلى أن تلاقى ظهرها مع الجدار. حبسها مالك بجسده، يلعب بخصلات شعرها المنفلتة من ربطتها. همس بعمق حار: العين بالعين والسن والسن والبادئ أظلم يا طيف./ أردف وابتسامته تزداد بخبث.. مثير: بقولك حبيبتي، بقولك قلبي، بقولك روحي وعيوني وأنفاسي لين ما أشبع..
نظر نظرة خاطفة إلى شفتيها قبل أن يقول: إلا لو خليتيني أسكت..
كانت طيف في حالة يرثى لها أمام هذا الهجوم الكاسح، بقلبها المتسارع نبضا إلى درجة خطيرة، أنفاسها التي لا تستطيع إيجادها، وذهنها الذي اجتاحه هذا الغازي..
ربما كانت ستفعلها حقا، ربما كانت ستسكت ذاك اللسان المدمر لكل دفاعاتها، لكنه ابتعد عنها، يتكلم بحرقة وقهر: خسارة إني لازم أروح الشغل اليوم..
تطلب منها لحظات طوال لتمالك نفسها، حتى تتذكر أنه كان ذاهبا. قالت بصوت مخنوق، ماسحة ظهر عنقها الملتهب حرارة، تفكر بتهوئة وجهها على خفاء..: إيه، صح.. بحفظ الرحمن..
[انتهى البارت...]
رواية عكــس الرحيــل ... الفصل السادس عشر 16 - بقلم Misoo
تنهدت طيف بحسرة وهي تشاهد جموع الحجاج هذه السنة على التلفاز: خسارة، كان نفسي أحج السنة هذي..
ليرد عليها مخففا عنها: بوديك السنة الجاية إن شاء الله..
نظرت إليه بابتسامة مستغربة: من جد؟
ليستغرب هو من استغرابها: إيه، ليش لا؟
ابتسمت بدفء: أجل بخليك عند وعدك..
:
سألته جدته ما يريد على إفطار يوم عرفة، ليعدد كل ما صنعته طيف في ذاك الرمضان الذي قضاه معها ولم يشتهيه في الماضي..
كانت مفاجأة لهم كلهم مساعدة طيف في إعداده، فهي لم تكن تنزل للمطبخ الرئيسي إلا للضرورات القصوى..
كاد يختنق ضحكا عندما سمع جدته تعترف على مضض: تعرف تطبخ بنت الفياض..
:
ابتسمت ثريا لتلقي اتصال من طيف بعد صلاة العشاء مباشرة، تهنئها بالعيد قبل الناس. صراحة، كان لدى ثريا الاعتقاد بأنها ستنساها ببعدها، لكنها لم تفعل، بل واظبت على الاتصال بها يوميا.
أردفت طيف تهنئتها بقول: قالي مالك كلام مهم أمس..
كان لديها شك عظيم بماهية ماحدث مالك به طيف. تنهدت بغيظ: ما لقى إلا إنتي يقوله ذا الكلام..؟
لتسأل طيف: ليه؟ أنا مو معترضة، بالعكس../ استطردت حاكية: تدرين، حتى هو ما بغى يفتح معاي الموضوع بالأول، بس بالأخير قالي عشان أقنعك..
زفرت بضيق: ما بتقنعيني وخلاص، سكري الموضوع..
اكتسب صوت طيف حزما عندما قالت: أرفضي لأي سبب، بس لا تخليني عذر. أبوي الله يرحمه له سنين متوفي، يحق لك تعيشي حياتك. وهذا هو نصيب وجا..
أرادت أن تعترض لتقاطعها بإكمالها: يعلم الله إنك بتبقي فنفس المكانة فقلبي..
سألتها ثريا عندها بمرارة، سؤالا تعرف إجابته قبل النطق به: مجرد زوجة أب، صح؟
لترد طيف بيقين وصدق دافئ: لاء، بظل أشوفك أمي اللي ما ولدتني..
إنلجم لسانها، مصدومة لتلقي هذه الكلمات التي لطالما أرادت سماعها من طيف، كلمات لم تظن قط أنها تستحق النيل بها. ستجهش في البكاء إذا لم تله نفسها عن أفكارها هذه: عجوز وتقوليلي عرسي؟
ضحكت: أما ذي فصراحة أكبر كذبة سمعتها في حياتي. لساتك في الخمس والأربعين وما يبين حتى. غيرك تزوجوا أكبر، وإنتي ماشاء الله من أجمل اللي شافتهم عيوني..
ابتسمت بحرج وسرور لم تستطع إخفاءه: من متى والكلام يقطر منك كذا؟ أعهده ينسحب منك سحب.
أجابتها بكل أريحية، تنبئها أن شيئا تغير بشكل إيجابي في تلك الصغيرة: شكله القعدة مع ولد أختك فكت لساني..
لا تنكر، شعرت براحة أكبر حيال هذا الأمر بعد معرفة شعور طيف، وفضول نامي حيال هذا الرجل الذي أتاها فجأة خاطبا: بستخير وشوف.. إذا صار خير بعطيكم خبر.
تنفست طيف الصعداء: وهذا هو اللي نبغاه..
ابتسمت ثريا، تهز رأسها بعجب من وضعها بعد إنهائها للمكالمة..
"أولادي كبروا وصاروا يخطبون لي.."
:
"صدق إني ما كنت مقدر النعمة اللي كنت فيها.."
يا سبحان الله! ما إن قرر المضي في إظهار ما في قلبه لطيف، حتى جاءت المشاغل تتوالى عليه تباعا دون رحمة. بين المجموعة وأفراد العائلة الزائرة من بعيد وسفرياته التي لا تنتهي..
أحلام يقظته أصبحت عن يوم يقضيه في البيت.
"يبغالي إجازة.. إجازة طويلة وبعيدة عن الكل.."
معظم الناس ظنوا أن كونه وريث جاسر السامي الأرجح كان سهلا، مدلل مُنفذة أوامره لا يتحمل العواقب. لكنهم كانوا مخطئين، فجده كان أكثر صرامة عليه من موظفيه، لا يرضى منه إلا النجاح الكامل، لا يسلمه إلا أصعب الصفقات في أغرب الأوقات، غير مستمع لتدخلات عميه المتوسطة المطالبة بالتخفيف عليه.
لن ينكر، جده علمه الكثير، وصرامته زادته خبرة ومعرفة في زمن قصير.
لكن..
سألته طيف بعد رجوعهما من الصلاة، بغيظ مكتوم فاجأه: مين ينعطى سفرة عمل في العيد؟
تنهد: في أشياء عمرها ما تتغير..
عندها فقط لاحظ النقوش على يدي طيف: متى أمداك تحنين؟
أجابته وهي ترفع أكمام جلابيتها، لتريه امتداد نقوش الحناء الرائع على طول ذراعيها: حلو؟ قعدت الليل كله أنقش فنفسي. ماعمري سويتها..
إذا ذاك كان سبب اختفاءها: يفتن..
أعجبه وبشدة تناقض بياض بشرتها مع حمرة الحناء الداكنة، أعجبته دقة النقوش وتداخلها الملفت مع بعضها.
ابتسمت برضا، لتخطو مسرعة إلى غرفة الخزانة: استنى بوريك نقش ثاني..
الفضول اعتراه لحماسها وما تريد عرضه له، فانتظر رغم أنه كان يجب عليه النزول.
:
دار ما حدثته بها مي ليلة الأمس وهي في خضم نقش يديها في ذهنها، يحثها على فعل ما تنتويه..
(نقشي سيقانك بعد وإلبسي أقصر وأضيق شي عندك. عندك جسم الوحدة تنجلط تحصله، استغليه..!)
"يقطع شر مخك الجهنمي يا مي.."
نظرت للفستان الباذنجاني الذي ظنت أنه سيبقى في غيابات الدواليب، بعيدا عن النور، لينتهي المطاف بها باستعماله كبطل مخططاتها.
لبسته على استعجال، رتبت شعرها لأقصى ما تستطيع، تنفست بعمق، ثم خرجت من غرفة الخزانة.
حانت ساعة الصفر.
:
اختنق عند ظهورها مرة أخرى بعد دقائق، مرتدية فستانا قصيرا يفصل جسمها تفصيلا، لونه الداكن الباذنجاني يزيد مظهرها فتنة، يعرض بكل بذخ ساقيها المنحوتتين وامتداد نقوش الحناء على طوليهما..
"هذي ناوية على دماري.. مافي تفسير ثاني.."
سألها قبل أن تتكلم، مشتعل من منظرها، من فكرة أن ترى عين أخرى ما يراه الآن: بتروحي كذا قدام الناس؟
ضحكت، كأن الفكرة لا يجب أن يُفكر بها حتى: طبعا لا. مافي أحد ثاني بوريه غيرك..
سحبها إليه، محكما قبضته على خصرها، لا يفصل بين وجههما سوى الأنفاس: حذاري يا طيف، الواحد يمكن يفهمك غلط، يظن إنك تبغين تطولين عندي..
رفعت حاجبها، ولمع التحدي في ذهبها: واللي يشوف نظراتك اللحين بيفهم غلط بعد، بيظن إنك تبغاني أطول عندك..
هذا التحدي، هذه الثقة، كسرت آخر قيوده. شدها يقربها منه أكثر، ليرن هاتفه بكل حقد الدنيا قبل أن ينال مراده.
ابتعد عنها ليجيب، ليأتيه صوت سيكرتيره الآلي: الطائرة على وصول أستاذ مالك..
"بسوي منك ذبيحة يا حمد..!"
رد عليه بنفس الآلية: مشكور..
سمع طيف تتنهد وراءه، ربما غير مدركة أنه سمعها: إيه والله، فيه أشياء عمرها ما تتغير..
:
لم تمض ساعة منذ ذهاب مالك إلا وسمعت طيف طرقا على باب الجناح، فتحته بعد تبديل ملابسها وفوجئت من الزائر، جدة مالك، ملامحها ممتعضة كما هي عادتها معها.
دعتها إلى الدخول، لتختار الجدة الجلوس حول كاونتر المطبخ التحضيري.
سألتها: وش تحبي تشربي؟
ظلت صامتة للحظات ثم أجابت: قهوة.
قضيا الوقت مابين إعدادها للقهوة وإعطائها لها بصمت، لتمتعض ملامحها بعدم رضا مما أعدته لها: ذوقي مهوب مثل ذوق مالك.. حالي وقليل نكهة..
لم يغضبها ردة فعلها: وش اللي تحبينه طيب؟
لم تجبها، فقط نهضت من مكانها وغادرت.
:
حكت لمالك عن زيارة جدته لها عندما تأكدت من طيب أحواله، ليستغرب: عجيبة الدنيا الثامنة.
حقا كان غريبا أمرها. حتى حفيدها لم يفدها بسبب زيارتها تلك.
في اليوم التالي زارتها بنفس الوقت، طلبت منها نفس الطلب، وانتقدته نفس الانتقاد.
في اليوم الثالث حصل تغيير. انتقدت قهوتها نعم، لكنها أنهت فنجانها كاملا.
في اليوم الرابع، فقط قالت: أحسن من أمس..
في اليوم الخامس، أنهت فنجانها دون أي كلمة، وطلبت منها صب فنجان آخر.
سألتها ذلك اليوم: وش رأيك في الجناح؟
أبدت طيف رأيها بصراحة: حلو، عجبني. مالك قال إنك إنتي نقيتي فالأغراض.. عندك ذوق جميل.
أتلك ابتسامة رضا مكبوتة تراها؟: قالك هدفي من تأثيث جناحه؟
أومأت لها بنعم، لتبتسم بتلميح: وأظنك حققتيه صح؟
استنكرت: ماكان هدفي إنه يتزوج وحدة مثلك!
لم تلق لاستنكارها ولا كلماتها بالا: بس كان هدفك إنه يتزوج ويستقر ويبقى تحت عينك..
سألتها بنظرة تعجب: ليش إنتي كذا؟
أمالت طيف رأسها باستفهام: كيف.. كذا؟
أجابتها الجدة بصراحة: باردة وما تزعلي من كلامي اللي أرميه عليك في الروحة والجية..
ابتسمت طيف لها: يعني تعترفي إن كلامك شين..
حركت الجدة يدها بحدة ربما كانت من انحراج، تخبرها بأن تسرع في الإجابة. أجابت عليها بنفس صراحة سؤالها: أيام فراقي عن مالك، كنت شايلة هم كيف عايلتكم بتتقبله. كان خوفي إنكم بترفضوه حتى لو جده بغاه.. لكن اللي أشوفه اللحين منكم طمني. مقدر أزعل منك وإنت بس تبغين مصلحته./ رأت ملامح الجدة تنشرح بتفاجؤ مسرور، لتردف بخبث: وصراحة، رفع ضغطك صار شي زي الهواية..
ضيقت الجدة عيونها: يعني تعترفي إنك كنتي متقصدة رفع ضغطي..
قربت طيف إليها فنجانها: خذي قهوتك لا تبرد..
:
كرر مالك سؤاله: وش تقصدين إنتي وجدتي وصلتوا لتفاهم..؟ كيف صارت هذي؟ قوليلي كل التفاصيل.
مقارنة بالماضي، فإن المكالمات المتبادلة بينها وبين مالك في الحاضر أصبحت أكثر عفوية، أكثر أريحية وطولا. أصبحت لا تتردد بالاتصال عليه، تتكلم معه بالحدود الذي يسمح له جدوله المزدحم.
خالط صوته التذمر المرح: فيه أحد يذاكر قبل لا يبدأ؟
أقفلت كتابها بطيب خاطر: لازم أبني معلوماتي اللي تبخرت مع شغلي./ أردفت: ومو كأنك تعطيني فرصة أقرا لي فيها.
استنكر: وش تبغين قراية أكثر من كذا؟ من زين المادة بعد. والله ما غثني في الثانوي إلا كيمياء.
ابتسمت: كأني أشم ريحة غيرة..
ليرد: وعقلك كله مع أحماض الأمين؟ إيه أغار.
كانت تقصد غيرة من إلمامها بتخصصها، لا غيرة من الانتباه الذي كانت تعطيه له. كثرت زلاته هذه الأيام، وأصبحت شيئا فشيئا تستطيع رؤية صورة مبهمة: لاتخاف، مافي شي مشغل بالي أكثر منك..
:
أكان يتوهم أم كلامها أصبح أكثر حلوا في سفره هذا؟ أتريده أن يشتاق أكثر مما هو مشتاق؟
لحسن حظه، فسفره هذا كان على انتهاء. المهمة التي كان عليه تحقيقها اكتملت والآن هو في جدة، يزور خالته ويتفقد أحوالها.. ويقطع الشك باليقين بخصوص خطبتها، فناصر حتى وإن لم يزعجه بالسؤال، كان واضحا عليه انتظاره الأحر من الجمر.
"موب سهلة أبدا خالتي.. خلت ناصر النجم منهلك على قبولها."
نظرت إليه خالته بتعب عندما فتحت الباب له ليلة زيارته: إنت ما تعرف تجي بساعة صاحية؟
مثل التحلطم، مقفلا للباب وراءه: تقولين لي كذا وأنا ذبحني الشوق لك؟
ابتسمت له بسخرية: موب أنا اللي ذبحك الشوق لها. إرجع للرياض بدل ما تتمنظرلي هنا.
حسنا، غلبته هذه المرة. ما بال طيف أصبحت نقطة ضعفه؟
أشرت له بأن يستريح بينما هي توجهت إلى غرفتها: بتكلم معاك في الصبح زي كل الخلق..
وحقا، كان لقاءهم الفعلي في الصباح. لأول مرة قابل خاله مازن، ذلك الخال الذي سمع عنه فقط في حكايا أمه. سره وبشدة وصل فرد آخر من عائلة أمه، بأن يتعرف على جانب جديد منها. لكن.. شيء ما أثار استغرابه وفضوله في ذلك اللقاء.
عندما خرج خاله مازن مع أولاده الثلاثة، سأل مالك خالته: هو أنا اللي متخيل كذا، ولا ولد خالي الكبير فهد كان كاره وجودي؟
تجنبت خالته النظر إليه، مشغلة نفسها بغسل الصحون: مدري عنه..
عرف الآن أن هناك خطب ما: هذي أول مرة أتقابل معه، وشمعنى؟
أخيرا تنهدت خالته، لتلتفت إليه: ما يكرهك لشخصك، بس..
استحثها على الكلام: بس..؟
لتكمل: هو خطب طيف..
لم..
لم يستوعب. سأل بهدوء بارد متجمد، طبقة هشة فوق حمم لاهبة: إيش؟
فسرت له على عجل: ما كان يدري إنها متزوجة، كثيرين غلطوا الغلطة ذي.
بدلا من إخماد النار، لم تفلح خالته إلا في إشعالها أكثر: كثيرين؟ ليه، هو كم واحد خطبها؟
أدركت خالته عندها غلطتها، لتسأله بدورها: أقولك الإجابة اللي تبغى تسمعها، ولا الحقيقة؟
رد: أبغاكي تكوني بمنتهى الشفافية معاي.
بوجوم أجابته أخيرا: عشرة مع فهد..
مضت لحظة صمت بينهما.
كرر: عشرة؟
لتكرر هي: عشرة..
ربما كانت هذه طبيعة لم يظهرها غالبا، لكنه غيور، غيور وبشدة. فكرة أن عشرة رجال فكروا باسم طيف فقط تحرقه، فما بال من فكروا بها كزوجة؟
لاحظت خالته تعبيره القاتم لتقول: ترى فهد لساته ولد خالك، لا تذبحه..
كأنه لم يسمعها: وله وجه عين يناظرني كذا! مفروض أنا أشرب من دمه مو هو!
تنهدت خالته بقلة حيلة: على باله إنك واحد ظالم معلق طيف عالفاضي.. ما يدري عن حقيقة وضعكم.
يريد أن يضحك حتى يتقيأ كل الدم المغلي في جوفه: وما شاء الله، يظن إنه بيصير بطلها اللي بينقذها من ظلم أسري.. حلم إبليس في الجنة!
أكبر غلطة ارتكبها هو مشيه شبرا واحدا خارج البيت الذي جمعه بطيف. سحقا سيموت من غضبه!
راقبته خالته الآن بتسلية: إذا بتستخف كذا روح لها أحسنلك./ استطردت وهي تعود إلى غسل الصحون: إيه، ترى تكلمت مع مازن ينشد عن ناصر النجم وما لقى شي عليه.. قوله إني موافقة..
هذا فقط ما جعله يخرج من عتمة أفكاره السوداوية للحظة: من جد؟
أكدت له: إيه من جد..
[انتهى البارت...]
رواية عكــس الرحيــل ... الفصل السابع عشر 17 - بقلم Misoo
ما زال في صدمة من تلقي مكالمة مالك الأخيرة..
(جهز نفسك لسفر، ترى خالتي وافقت عليك..)
لا يصدق، لا يصدق.
أتختم حكايته بوصل؟
أفعلا سينال مراده؟ بعد سنين وسنين من الخيبة؟
في ذهوله بدأ يسترجع الأحداث إلى نقطة البداية، وصية صديقه زياد الأخيرة له قبل أن تنقطع عنه أخباره، خشية أن يستدل أهله على مكانه عن طريق صلته بناصر.
(زوجتي شايلة هم أبوها وأختها. أبغى يكون لك خبر عنهم وترسلي على العنوان اللي بعطيك).
العنوان الذي أعطاه كان بمكان عام، لا يمكن تتبع المصدر منه.
لم يكن ناصر بالمخلف للوعد، حتى وهو في الثانية والعشرين من عمره. بدأ على الفور بتنفيذ وصية صديقه. أصبح كل يوم يمر جانب بيت أهل زوجة زياد، عائلة الصقر، يستقصي بخفوت عن أحوالهم. يحكي جيرانهم له عنهم، عن الأب الذي لا يُرى، المتهم جورا بجريمة قتل، وابنته ذات السنين الستة عشر التي هي فقط من كان يخرج من ذلك البيت المتهالك.
لم يظن ناصر أنه سيُلاحظ، لكنه فوجئ بالفتاة تتقدم إليه، تقول له بحدة تتضح في عيونها الظاهرة مع النقاب وصوتها المبحوح: إذا ناوي كلام مع أبوي، أبوي ما يستقبل ناس. إذا ناوي تتصدق، فيه بيوت ثانية أولى. إذا ناوي نية شينة فبيتنا، قسم بلم عليك الحارة كلها..!
تركته مدهوشا، منلجم اللسان من الصدمة. هو، بكر عائلة النجم ذائعة الصيت، تأتي صغيرة مثل هذه وتتجرأ عليه بالكلام؟
سرعان ما لاحظ السبب الذي جعل زوجة زياد تقلق على عائلتها، وربما ما جعل أختها تنبهه بعد أن لاحظت تتبعه لبيتها.
كل بضعة أيام يقف ثلاثة من الرجال عند باب البيت، يطالبون برؤية سليم الصقر، ليرجعوا خائبين دون لقاء. حكى لناصر جار أن الرجال كانوا من طرف القضية التي ظلم فيها سليم وسٌجن بسببها، ليصبح منزويا عن العالم، لا يعتب خطوة خارج بيته.
كل بضعة أيام أيضا لاحظ أفرادا مختلفين يقفون عند البيت، بيدهم مؤونات وطعام. قيل له أن هؤلاء فاعلوا خير سمعوا عن أحوالهم.
سمع عن إحباط أفراد من الحارة لمحاولات سرقة للبيت. لم يظن أنه سيصادف أحدها، لكنه وقع على واحدة أصبحت فيها ابنة سليم رهينة. لسوء حظ السارق أن ناصر كان متواجدا. جعله يندم بحرقة على تعديه لحرمات الناس.
في أحد الأيام بعدها صدف وأن تلاقى مع ابنة سليم في الطريق، ليسأل دون توقع جواب: بتلمي علي الحارة قريب؟/ ابتسم لرؤية الغيظ في عيونها، ليردف: أهم شي إنك بخير..
رأى التفاجؤ يكسو نظرتها قبل أن تكمل مسيرتها..
لكن..
أكان يخيل له سماع شكرها الخافت وهي تمشي مبتعدة؟
مضت سنة على هذا الوضع، عرف أخيرا اسمها من حديث الجيران.
"ثريا.. حلو اسمها.."
أصبح هو يحرسها دون وعي، مسير بدوافع لم تكن لأجل زياد فقط.
لاحظ لأيام وأسابيع عدم خروج ثريا من البيت. أراد السؤال عنها لكنه لم يرد أن يقابل بالشك. بصدفة، عرف سبب غيابها.
تزوجت.
لسنوات، لم يعرف سبب الضيق الخانق الذي شعر به عند سماعه لذاك الخبر.
ظل يتفقد بيت سليم، يطمئن على أحواله، متجاهلا لظلها الزائر بين الحين والآخر.
وفجأة، بعد خمس سنين من خروجها، عادت. عرف أنها تطلقت من زوجها، لكنه لم يبق ليستمع لما حاكه الجيران من أسباب ذلك.
لم تمض أيام بعد عودتها إلا وهو يراها تخرج مسندة رجلا أهلكه الغبن.. سليم. أخذه مسرعا منها، يسنده عليه بدلا عنها.
في المستوصف وقف بعيدا، يراقبها غير قادرة على الجلوس، يرى الدمع يتشكل بصمت في مقلتيها. لم ينظر إليها عندما قال بصوت تسلل إليه الدفء والحنو رغما عنه، محاولا التخفيف عنها: بيطيب بإذن الله، هدي من روعك..
لحسن الحظ أفاق سليم ليعيد الفرح إلى عيون ابنته، وما أجمل عيونها تلك. سينكر، لكنه لاحظ عيونها النجلاء من اللحظة التي تقدمت إليه لتنذره.
أوصل الأب وابنته إلى بيتهم، ليشكره سليم على استعجال بينما تأخرت ابنته عند الباب. خفق قلبه بإسراع لاهث لسماع صوتها، تتكلم باحترام وتهذيب مختلف تماما عما قوبل به قبل سنوات، لا تلقي له نظرة واحدة حتى: مشكور أخوي. بيكون هذا معروف ما ننساه لك.
دخلت البيت دون انتظار جوابه، غير دارية باليقين الذي بعثته في روحه.
عرف عندها عمق مشاعره اتجاهها، عزم لحظتها على الزواج بها. لم يكترث بكونها مطلقة، لم يكترث بمستواها الاجتماعي.
لكن.. كأن والده أحس بما كان سيقدم عليه، ربطه بابنة صديقه من نفس مستواهم، حالفا متنذرا عليه. فقط رؤية ما آلت إليه حال زياد من قطيعة ووحدة أخضعته.
لم تمض شهور إلا وسمع بزواج ابنة سليم مرة أخرى، ليصبح التفكير بها حراما مرة أخرى..
صدق من سماها ثريا..
ذكرها ظل يلاحقه لسنين، من حضوره لجنازة والدها، إلى لقاءاته مع جاسر إلى مصادفته لمالك، ابن صديقه وابن أختها. كل مرة منع نفسه من الاستفسار أكثر، من الإسهاب في التفكير بها أكثر.
سعى في المضي في حياته، تزوج وتطلق مرتين بعد طلاقه من زوجته الأولى، لتثمر تجاربه تلك ولده البكر محمد، وصغيرته سعاد التي ستتزوج قريبا وتتركه، ليبقى وحيدا في بيته.
عندما سمع بزواج مالك، تبادرت الأفكار دون استئذان إلى ذهنه، تنشئ احتمالات شتى.. يعرف بأن مالك عنيد، ولن يخضع لسطوة جده بالزواج ممن يريد، متحايلا منتظرا إيجاد تلك التي تزوجها وتعلق بها. إعلان حالته كمتزوج دل على شيء واحد، وجدها.
هل وجد الثريا معها أيضا؟
سحقا، ما زال في هواه القديم، في الواحدة والخمسين من عمره، ومازال قلبه يخفق لذكرها، يدفعه للسؤال عنها للمرة الأولى بعد امتناع سنين..
لتأتي المفاجآت تتوالى عليه.
أيعقل، أيعقل وصل الثريا بعد رضاه في البقاء على الثرى؟
(جهز نفسك لسفر، ترى خالتي وافقت عليك..)
اتصل بسيكرتيره يأمره: إحجزلي على أقرب طيارة لجدة..
[انتهى البارت...]
رواية عكــس الرحيــل ... الفصل الثامن عشر 18 - بقلم Misoo
أتاها صوت مالك يقول بغيظ مكتوم خلال السماعة: توني عرفت إن كان عندك صفوف خطاب فجدة.
قطبت طيف حاجبيها: أي صفوف؟ كلهم عشرة..
رد عليها بحدة: وعشرة مو كثيرة؟
ارتسمت على شفتيها ابتسامة، لم تظن أبدا أنها سترى مالك مغتاظا هكذا. أكانت هذه غيرة؟: ما جو ورى بعض، وأصلا يا إما أمهاتهم أو أخواتهم اللي كانوا يسألوا، ولا أنا مافي أحد يدري عني..
أكانت تتوهم أم سمعته يتمتم "في واحد منهم كان يدري عنك.."؟: وذولي ما لقوا يخطبوا لعيالهم غيرك؟
هزت كتفيها، كأنها تراه: صارت كذا.. ما أعطيتهم بال بأية حال، كنت أرفضهم قبل لا يتكلموا..
سألها عندها بصوت لم يخالطه الغيظ، بل فضول مترقب مستدرج: وليه ترفضين؟ ليه ما شفتي نصيبك وإنتي مو دارية حتى ويني فيه؟
احمرت بخجل، كان يجب عليها توقع مسار هذه المحادثة. لم تجد شيئا تجيب به سوى: متطلباتي كانت عالية..
لم يبد في صوته التصديق، لكنه في نفس الوقت ظهر في صوته الرضا الغامر: متطلبات عالية، هاه..؟
فاجأها عندها تركه للموضوع وخوضه معها في موضوع آخر مختلف بالكلية.
:
لم تكن هديل فظة حانقة عادة، لكن رغما عنها وجدت قلبها يقسو للقيا تلك التي ذكرتها بمرارة فقد ولدها البكر. لن تسمح لها بأن تكون سببا بفقدان حفيدها، أثر ولدها الغالي، أيضا.
لكن رغما عنها، لاحظت أشياء كثيرة عن تلك الطيف مع مضي الأيام.
لاحظت اهتمامها بمالك. لا تتركه يخرج دون إفطار، حال مغاير لما كان عليه قبل مجيئها، فقد كان مالك يفطر معهم في الأوقات القليلة التي يكون فيها جده حاضرا البيت. كانت تغسل ملابسه بنفسها، مستغنية عن الخدم. كانت تحرص على راحته، على عدم إغراق نفسه في العمل كعادته.
لاحظت إنعزالها، لا تخرج من جناحها إلا لضرورة. في بادئ الأمر ظنت هديل أنه كان تكبرا منها، ترفعا عن الاختلاط بهم. لكن بعد زياراتها لها، لم تعد تظن ذلك. أصبحت ترجح أن السبب كان عدم تقبلهم لها، وفي هذا.. لا تلومها على إنطوائيتها.
لاحظت طبعها الهادئ المريح الذي جعل هديل تكمل زيارتها، تتطلع لها حتى، الذي جعلها تنطق مصارحة لها، تنخرط في أحاديث متنوعة. عرفت ما علق حفيدها بها.. هادئة صامتة تلك الشابة، لكن عندما تنساب في الكلام، فكلامها يسحر.
لاحظت مدى عمق مشاعر تلك الطيف لمالك وهي تحكي عنه، تعطيها قصة مختصرة عن زواجهما. ليست تلك بنظرة من تزوجت عن طمع. ذكرتها بنفسها في صغرها، ليس بطبعها وتصرفاتها، بل الحب الصارخ في عيونها.
لاحظت تعاملها اللطيف مع أطفال العائلة عند زياراتهم، حنانها معهم رغم شغب بعضهم.
لاحظت الضياء الذي بعثته في روح حفيدها بعودتها له.
رغما عنها، وجدت هديل نفسها تتقبلها، تكف عن السؤال عن مرشحات أخريات لحفيدها، أمر قد أثار عجب أفراد متفرقين من العائلة.
تذكر ما قالته لمزنة عندما مدحت لها ابنة أحدث صديقاتها: خلاص، مادام مالك ورط نفسه بهالزواج، خليه لقراره. أنا رفعت يدي منه.
رمشت عندها مزنة بعدم تصديق من تغير موقفها المفاجئ.
:
لكونها ابنة الزوجة الثالثة لأبيها، فلم تختبر سعاد زواج أبيها مرة أخرى كأخيها محمد. لذا حتى بعد طلاق أبيها من أمها، لم تحب فكرة أن يتزوج الرابعة، لم تحثه على ذلك قط كما يفعل محمد.
لكن.. ما إن خُطبت ودنى أجل زواجها، أدركت أن أباها سيعيش وحيدا في بيتهم دون اهتمام أنثى. كرهت تلك الفكرة أكثر من فكرة الرابعة.
عندما أفصح لها أبوها عن رغبته بالزواج، تنهدت بارتياح وسألته بابتسامة وفضول: ومين سعيدة الحظ؟
فاجأها اختياره، خالة حفيد جاسر السامي.
لم يفصح أبوها عن كثير، لذا بطبعها الفضولي، قررت استقصاء القصة والتعرف على من ستنضم إلى عائلتهم. ومن كان أفضل من زوجة ذلك الحفيد، تلك التي عاشت مع من طلب أبوها يدها.
لم تكن طيف بتلك التي تفكر بالاختلاط معها عادة، تستطيع ملاحظة طبعها الانطوائي من بعيد، لكن الآن ستربط بينهما صلة أقوى. لا ضير من التعرف، أليس كذلك؟
زارتها في جناحها، تبتسم لتعابير وجهها المتفاجئة بحضورها الغير متوقع. عرفت عن نفسها بعد احتساءها لرشفة من الشاي الذي صادف تحضيره حضورها: أبوي اسمه ناصر النجم، ومن اللي انقال لي، فهو طلب قربكم.
قد كان ذاك ما كسر حاجز البعد بينهما، لينخرطا بالحديث.. أو بالأحرى، انخراطها هي بالحديث، واستماع طيف المنصت لها.
عرفت تفاصيل كثيرة عن تلك الرابعة. اسمها ثريا. كانت في أواسط الأربعينيات، ومن الصورة الوحيدة التي عرضتها لها طيف في حفل تخرجها من الجامعة، فإنها كانت حسناء بجمال بدوي ساحر، لا يظهر عليها عمرها أبدا. الحق يقال، انبهرت.
لم يكن زواج أبوها فقط ما تكلما عنه، زواجها أيضا دخل ضمن المواضيع، بطبعها الثرثار، أفصحت لطيف عن توترها من زواجها، لتهدئ تلك من روع ذعرها..: عندي صديقة قعدت تبكي وتصايح إنها بطلت وما تبغى تتزوج قبل ليلة من حفلتها، واللحين تضحك من طاري ذيك الليلة. شعور ويعدي إن شاء الله..
صراحة، لم تتوقعها بتلك الطيبة أو بهذا الطبع.
أمها كانت من النوع المخطط الطامع، دائمة النظر إلى ماعند غيرها. سمعت سعاد في المجالس التي أقامتها الكثير عن عائلة السامي، وعظم حظ من ستتزوج بمالك السامي، فبالإضافة إلى كونه ابن ولد جاسر الأكبر، فإنه الحفيد الذكر الأكثر أهلية لوراثة المجموعة بعد تنحي جاسر عن القيادة، فالحفدة الذكور الآخرون إما كانوا غير مهتمين بمجال عمل العائلة كأبناء شيخة، فولدها الأكبر زياد طبيب والأصغر هادي مهندس.. أو صغارا غير مؤهلين، كأولاد سالم وعبدالله.
رسمت أمها بحسد فكرة عما ستكون عليه زوجة مالك، أنثى متجبرة متكبرة ستلعب في أموال السامي لعبا..
الحقيقة كانت مغايرة إلى درجة تضحك، ويالها من مفاجأة سارة.
:
بعودته قبل يوم من زواج هادي، سيفوز بالتحدي الذي قام بينه وبين زياد، فهو رجح أنه لن يستطيع الرجوع قبل الحفل، ليقع ضحية طبع هادي المعاكس تماما لاسمه.
وجد مالك جدته في استقباله عند دخوله البيت قبل منتصف الليل بنصف ساعة. استغرب من نظرتها الصارمة، عهد منها الحنو والسرور وربما بعض العتاب اللطيف في كل رجعة من سفر. مهما بحث في سجلات ذاكرته، لا يذكر أنه فعل شيئا يغضبها.
بتعابير وجه أكثر صرامة، تكلمت: كان تأخرت أكثر..! أظن يا مالك إنك تقدر تنظم شغلك بطريقة تقلل فيها سفراتك. تراك رجال متزوج إذا ناسي..
تركته منلجم اللسان من عجب ما سمعه..
إذا فهم بشكل صحيح، فإن جدته وبخته على تأخره في سفره.. من أجل طيف..
"أنا بحلم ولا بعلم؟ مين اللي خطف جدتي وبدلها بالإنسانة اللي كلمتني قبل شوي؟"
ظل مستغربا وهو يمشي إلى جناحه، ليتبدل الاستغراب بالشوق لحظة دخوله له.
رأى حبيبته نائمة بوضعيتها المعهودة. عرف أنه لم يكن ليجدها في هذا الحال إذا عرفت بعودته الليلة، ولهذا جعلها مفاجأة لم يعرف أحد بها سوى جده وجدته. لم يرد أن تظل ساهرة تنتظره.
جلس على طرف السرير يتأملها بعشق، يمسح بعيونه على تقاسيم وجهها بحثا عن أي تغير حصل في أيام سفره. أبعد خصلة خلف أذنها، لتفترق شفاهها بهمس اسمه..
للحظة ظن أنه أيقظها، لكنه لاحظ أنها مازالت مغلقة لعيونها، غارقة في النوم.. أربما كانت تتكلم في نومها؟
اقترب منها أكثر، يريد سماع كل ما تقوله، ليسمع اسمه مرة أخرى.. ثم: اشتقت لك..
:
قطبت طيف حاجبيها: كيف يجي الليلة؟ هو قاللي إنه بيرجع بعد يومين..
امتعضت ملامح الجدة بعدم رضا: أكيد يبغاها تكون مفاجأة. ما يدري إن أكره شيء عند الحريم رجعة أزواج من سفر بدون علم ولا تجهيز..
ابتسمت لطرافة حكيها: تتكلمين عن خبرة..؟
تنهدت الجدة: الله يهدي جاسر بس..
حسنا إذا، سيعود ذلك الظالم الليلة. أخيرا اكتفى من قسوة الغياب.
تشكلت في بالها فكرة، تستغل فيها هذه الفرصة: كيف أرد جميلك ذا؟
تظاهرت الجدة بالتفكير للحظة قبل أن تجيب: أبغاكي تحني لي.. من زمان عن نقش زين..
توقعت طيف ذلك الطلب من اللحظة التي رأت الجدة تتفحص النقوش على يديها وتسأل عنها: بسيطة..
تركتها عندها الجدة لتفكر طيف بالفكرة التي خطرت لها حال سماعها بعودة مالك المبكرة. وحينما قرب وقت عودته، استلقت على السرير تتظاهر بالنوم، حرصت على إتخاذ وضعيتها المعهودة، على إبقاء تعابيرها مسترخية ثابتة.
سمعته يدخل، أحسته يجلس جانبها، ثم يمد يده ليبعد خصلة شعر عن وجهها.
عندها همست اسمه، ثم مرة أخرى لتحس به يقترب ليسمع ما تقول. همست كبداية: اشتقت لك..
لم تدري إلا وهو يلثم شفتيها بشغف محموم، يبتعد ليثنر قبلات على كل ما وصله من وجهها ورقبتها ونحرها ليعود إلى نقطة البداية مرة أخرى. خدرها بعاطفة جارفة، ليبتعد ملسوعا قبل أن تشد عليه.
رأته واقفا معطيا ظهره لها، يمرر أصابعه على شعره محاولا تمالك نفسه، يتنفس بلهاث واضح قبل أن يخرج من غرفة النوم. لم يدرك أنها كانت تتنفس بنفس اللهث، تشعر بنفس الضياع..
:
وجدت الجدة تنتظرها في ركن الجلوس عندما خرجت من غرفة النوم في الصباح. ربما ظهرت الخيبة في وجهها بوضوح، فالجدة ابتسمت لها، تعرف من تدور عيناها بحثا عنه: فتح لي الباب وراح لجده لما قلتله إنه يبغى تقرير عن سفرته./ أردفت سائلة: جاهزة تحني لي؟
أومأت لها بنعم، حتى مع خيبتها، لم تحب إخلافها بما وعدته.
رجع مالك وهي تبدأ في النقش، ليسلم عليهما. سألته طيف عن وقت رجوعه بتمثيل براءة، لاحظت محاولات الجدة لإخفاء ضحكتها بطرف عينها.
لحسن حظها، لم يكن مالك منتبها لها وهو يجيب: جيت أمس بس كنتي نايمة.. ما بغيت أصحيك ونمت على الكنبة..
"وبس كذا؟ متأكد..؟" تورد وجهها للذكرى وشردت، وسألها: فيك شي؟
هزت رأسها بــلا: حلمت بشي حلو بس..
سأل بصوت بدا كأنه مقطوع الأنفاس: وش كان الشي الحلو ذا؟
ابتسمت له بغموض: سر..
قطع عليهما صوت الجدة الغارق بالضحك، غير قادرة على الاستحمال وهي تراقب بصمت تبادل النظرات بينهما. استأذن مالك باستعجال منحرج، لتعود هي للنقش بنفس الانحراج.
هتفت الجدة لها بابتسامة مشرقة، بفخر: منتيب سهلة والله!
زارتها سعاد كما وعدتها، لتراها في خضم إنهائها نقش يد الجدة اليمنى. نظرت إليها بدهشة: تعرفي تنقشين؟
أومأت لها بنعم: أنا اللي حنيت لنفسي..
هتفت سعاد بحماس، الانبهار يشع في محياها: والله كنت أبغى أسألك عن اللي حنى لك ومن وين، طلعتي إنتي!
زفرت الجدة بضيق: بس خلاص انكتمي! لا تشتتي انتباهها.
لم تلق لها سعاد بالا وهي تصر: الله يعافيك حنيلي بعد! تعبت أدور على وحدة تعرف تنقش زي كذا!
تنهدت طيف بقلة حيلة: طيب طيب، بشتغل عليك بعد ما أخلص..
نظرت سعاد إلى الجدة بغيظ طريف: ما تقدرين تعطيني دورك يا أم زياد؟
نظرت إليها الجدة بازدراء: دورك وتنتظريه.
أصرت سعاد أكثر: بس أنا اللي بعرس بكرة!
ردت عليها الجدة بعدم مبالاة: وإذا؟ مو أول وحدة بتعرس..
ظلت طيف صامتة تحاول منع نفسها من الضحك وهي تستمع لجدالهما، ليهتز هاتفها برسالة ويشتت انتباهها.. كانت من مالك يسألها عن الوقت الذي ستنهي فيه حناء جدته. ردت عليه تخبره بالتطورات التي حصلت منذ لحظات.
#بحني للعروس بعد.
رده كان فوريا.
#جدتي وقلنا أوكي، بس وش دخلها ذي؟ قوليلها تدور وحدة ثانية غيرك.
ردت.
#أصرت وما قدرت أقولها لاء..
سألتها الجدة باهتمام: هذا مالك؟
أجابت منحرجة من القبض عليها بالجرم المشهود: إيه..
بيدها الحرة، أخرجت الجدة هاتفها تجري اتصالا، لتبدأ تتحدث بعد لحظة انتظار: وراك مزعج البنت برسايل وهي تشتغل علي؟.. تحني لحريم العايلة كلها وش دخلك؟.. نعرف إنها زوجتك ما قلت شي جديد.. أهجد وإثقل فشلتني قدام زوجتك!
تساءلت طيف ما قاله مالك لجدته ليتركها تتحلطم بعد إقفالها الخط..
همست لها سعاد بغمز: واضح إنه ميت عليك يا شاطرة..
إحمرت هي لتنهرهما الجدة بحدة، آمرة طيف بالعودة إلى عملها وسعاد بالصمت.
:
قال مالك بيأس: أبد مافي مراعاة للمشاعر هنا.
تنهدت خالته بقلة حيلة: ورى حالتك صارت أردى من قبل؟ أذكرك أثقل في العشرين.
تكلم يفضفض عن نفسه: جيت مسافر ويأخذوها بكل برود. وجدتي! جدتي اللي بتذبحني بحبها اللي الله أعلم من وين ظهر لطيف.
قالت خالته، تنظر إلى الأمر من ناحية إيجابية: على الأقل تقبلوها وصاروا يعتبروها منهم..
تنهد: والله فرحان لهالشيء، بس..
أكملت عنه: بس مشتاق، أعرف..
لم يكن يريد استراق قرب طيف كلص في نومها، لذا كان مواله أن يعيد الكرة في الصباح وفي يقظتها، ليخيب ظنه بشدة.
سأل يغير الموضوع: أخبار النجم؟
أجابته بأريحية: جا وتكلم مع مازن واتفقوا يخلوا السالفة تتم بعد أربع شهور، يقول وراه مشاريع لازم يخلصها بذيك المدة..
تذكر مالك المشروع الضخم الذي بدأ به العم ناصر قبل فتح موضوع خالته بينهم: إن شاء الله خير..
لتكرر وراءه: إن شاء الله.
:
لم تكتشف طيف ما قصدته سعاد برد الجميل إلا يوم حفل زفافها. وجدت نسوة يرتدين زيا موحدا بانتظارها عند فتحها لباب الجناح، يحملن حقائب صغيرة عديدة عرفت لاحقا أنها تحتوي على معدات التجميل. أخبرنها أنهن أُرسلن من طرف سعاد بهدف إعدادها لحضور حفل زفافها.
لم يعطينها فرصة للإعتراض قبل أن يبدأن بالعمل عليها.
:
دخلت شيخة جناح مالك لتعلم طيف بالنزول، لتتوقف الكلمات عند حلقها لرؤية طلعتها..
كانت ترتدي فستانا طويلا أسودا عاري الأكمام، حريري مطرز بنقوش إلى أسفل الصدر، ضيق في الأعلى ومنساب بسلاسة المياه في الأسفل. بشعرها المسرح على طوله، البارز لونه المحمر بفعل سواد الفستان، وبزينة وجهها التي أبرزت تقاسيم وجهها ولون عيونها، و بالأحمر القاني على شفتيها، وبنقوش الحناء الممتدة على طول ذراعيها البيضاء.. كانت صورة للجمال والفتنة.
"رحمة الله عليك ياولد أخوي، ما أظن بتظل عايش بعد ما تشوفها كذا."
سألتها هي بفضول منحرج من طول تحديقها: حلو؟
ابتسمت شيخة برضا غامر، تستعجلها للبس عباءتها وتقرأ عليها: حلو كلمة بسيطة بحقك! يلا يلا عجلي والبسي عباتك، والله لو يشوفك مالك ما بيخليك تعتبي خطوة برى ذا الجناح، وأنا مو ناقصة صياح سعاد وهي ملزمة على حضورك..
:
لم تحضر طيف سوى حفل زواج واحد، حفل صديقتها مي الذي لحسن الحظ أقيم في جدة لكون عائلة زوجها ساكنة فيها.
لكن، ذلك الحفل كان بسيطا مقارنة مع الذي تراه أمامها، من القاعة إلى الديكور إلى الحضور إلى الطعام.
تقدمت تسلم على سعاد، مادحة للجمال الذي ظهرت به، لينتهي المطاف بها بتهدئة روعها مع الحاضرات..
تجاهلت النظرات المتفحصة الفضولية التي تلقتها وهي تبحث عن مكان تجلس فيه، الهمس الذي بدأ يصدح كلما مرت عند مجموعة نسوة، الإشاعات والثرثرة التي سمعت أجزاء متفرقة منها، كلها تندمج لتشكل كلمة واحدة..
(دخيلة)
استوقفها صوت الجدة، يسحبها من عتمة أفكارها: لي ساعة أناديك، تعالي إجلسي.
قبل أن تسألها أين، أشارت الجدة إلى المقعد الخالي جنبها، غير مكترثة بنظرات الاستغراب والعجب والاتهام التي وجهت إليها..
ابتسمت طيف بارتياح وفعلت كما طُلب منها: ناوية تقهري سعاد أكثر؟
بدت الجدة بقمة الأناقة بجلابيتها الفخمة وذهبها الرنان. كأنها تريد إغاظة سعاد التي طلبت منها عدم الإسراف في التزين كي لا تسرق الأضواء منها. يكفيها حسرة أن الحناء ظهرت بشكل رائع على يديها.
ردت الجدة بغرور: خليها تنقهر، أنا انولدت على حب الزين وطلب الغيورين ماراح يغير طبعي./ تفحصتها بنظرة قبل أن تردف: كان مفروض تطلب منك نفس الشي، إنت ناوية على حفيدي ولا إيش؟
ضحكت طيف، صحيح أنها شعرت بالرضا عن هيئتها، لكنها تظن أن ما تلقته من كلمات مديح كان فيه مبالغة.
:
في جهة مقابلة وجدت مزنة نفسها تهمس لضرتها سوسن، غير مكترثة للحظة بالتحفظ القائم بينهما: الصراحة تنقال، زوجة مالك عندها جمال يذبح..!
ردت عليها سوسن بنفس الهمس: إيه والله. شوفيها أخذت عقل العجوز حتى جلستها جنبها. عمرها ما سوتها معانا.
تنهدت مزنة بحسرة: والله شكلنا بناكلها، العجوز صارت بصفها خلاص، ماعاد في فايدة ندور على عروس لمالك تنفع مصالحنا..
قطبت سوسن حاجبيها: والله شكله حتى لو كانت العجوز بصفنا مالك ما أظن بيتغير موقفه. فيه رجال عنده مثل هذي ويروح يدور على ثانية؟
هزت مزنة كتفها: يمكن.. الرجال مامنهم أمان..
نظرت لها سوسن بحدة قبل أن تقف تاركة جنبها: تصدقي، أعطيتك وجه..
:
سأل طيف عندما ركبت سيارته نهاية الليلة: كيف كان الحفل؟
أجابته بصدق وشيء من التسلية: حلو، القعدة مع جدتك تونس.
تنفس الصعداء، فقد قلق لما سُتقابل به زوجته في تجمع هائل كهذا: الحمد لله..
طول طريق العودة، ظل يتساءل عن المظهر الذي بدت به طيف، عمته أشعلت فضوله بتلميحاتها وكذلك جدته. تمنى لو استطاع أخذ لمحة قبل بداية الحفل، لكن إصرار هادي على مساعدته له منذ الأمس وحضوره المبكر منعه من ذلك.
عندما عادا إلى الجناح ورأى طيف قد خلعت عباءتها، عرف ما سبب التلميحات التي تلقاها..
أوجعته، أوجعته بحسنها الخاطف للأنفاس..
أعطته ظهرها، تلفت نظره إلى أزرار الفستان الممتدة على طوله: ممكن تفكها؟
بصمت تقدم نحوها ليبدأ بفك الأزرار، ليلثم بشفتيه طول ظهرها المتكشف شيئا فشيئا، سامعا لوقع نفسها المتسارع.
أدارها نحوه ليهمس بحرارة في أذنها: قوليلي أبعد..
للحظة خاف عليها من لهيب ما يشعر به، وفقط تلك الكلمة منها ستردعه، ستوقف هذا الجنون.
رأى اشتعال ذهب عيونها بكل فتنة، بكل ضراوة، وهي ترد لتكتب نهايته: قرب..
تلعب بالنار، فاتنته هذه، تستفز عواطف رجل صائم لسنين..
حسنا، سيريها، سيريها ما فعل عشقها به، سيغرق نفسه حد الثمالة بقربها الذي طال شوقه إليه..
:
حسنا تعترف، كاد الخجل يقتلها عندما استيقظت، وبصمت وتجنب عنيدين، خاضت في روتينها اليومي من إيقاظ مالك لصلاة الفجر لصلاتها لصنع الفطور..
لاحظت أن مالك لم يذهب إلى عمله حتى الآن. مضت نصف ساعة منذ الوقت الذي كان من المفترض أن يخرج فيه. سألته وهي تغسل الصحون، كلماتها الأولى منذ إيقاظها له: ما بتروح الشغل اليوم..؟
احتضنها من الخلف، مسندا ذقنه على كتفها: أخذت إجازة..
سألته بصوت يتهدج من قربه: ما يحتاجوك؟
ليجيب بلا مبالاة واسترخاء: مدري عنهم، قفلت جوال الشغل../ استطرد بهمس محموم، يفك شعرها من ربطته ليلعب فيه: خليني أتهنى فيك اليوم..
[انتهى البارت...]
رواية عكــس الرحيــل ... الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Misoo
كل شيء خطط له، لم يكن يجري كما خطط له.
مضى شهران منذ أن أحضر مالك زوجته إلى بيته، والتغير الوحيد الذي لاحظه جاسر بينهما كان تغيرا إيجابيا. استشاط غضبه، ازدياد تعلق مالك بزوجته بدلا من النفور الذي توقعه. ذكرته نظرته بنظرة زياد قبل أن يترك جانبه. لم يرد لكلمات مالك تلك أن يكون لها وقع قريب من الحقيقة..
(ما بغيره.. رأيي وببقى عليه للممات)
وكنثر الملح على الجرح، لاحظ تعلق آخرين بزوجة مالك.. ابنته شيخة، زوجة حفيده سعاد، ويالغيظه، زوجته..
الحق يُقال، لم ير من طيف الفياض ما يغضبه، ما يستطيع إمساكها عليه. لكنه كمبدأ، للذكريات التي ارتبطت بها ولو من بعيد، لكون حفيده قد تزوجها دون علمه، دون أن يعرف عنه غير وجوده في هذه الدنيا.. جعله غير قادر على تقبلها.
إذا لم يستطع إقناع مالك على تركها، سيُحول انتباهه عليها.
استدعى ابنة الفياض إلى مكتبه بحضور زوجته، أمر فاجأ هديل لكونها أول مرة يفعلها، لكون مكتبه منطقة محظورة للكل عدا عن قلة مقربين. سألته هديل بفضول متوجس: وش تبغى فيها هنا؟
لم يجبها، فقط رد "أدخل" على الطرق الخافت الذي قاطع سكون مكتبه.
دخلت ابنة الفياض بهدوء وسلمت عليهم. أشار إليها بالجلوس وفعلت، ناقلة نظرها بينه وبين هديل بتساؤل، ليقرب إليها الأوراق الموضوعة على طاولة المكتب الفاصلة بينهما.
راقبها بصمت وهي تأخذها لتقرأها. رأى بطرف عينه النظرة التي وجهتها له هديل، يستطيع معرفة معناها بدون أي جهد يذكر، لعُشرة سنين، لأنها كانت نفس النظرة التي وجهتها له قبل أن ينطق بالكلمات التي آلت برحيل زياد عنهم.
"لا تسويها.."
أخيرا، رفعت ابنة الفياض نظرها عن الأوراق، لتسأل بجمود تعابير ونبرة صوت، بعدم تصديق: تبغاني أطلب الإنفصال عن مالك؟
شهقت هديل بصدمة، ليرد هو بذات الجمود: بتستفيدين من قبولك.
ابتسامتها كانت ساخرة، مريرة: شفت المبلغ.. وعندي لك سؤال، بتظن إن المليون ذي بتنفعني؟ بتخليني أنسى اللي في قلبي؟ أنساه؟ ما أظن.. / أردفت وهي تنهض من مكانها، ترتجف غضبا، تمزق كل ورقة ببطء لتلقي أجزاءها على الأرض: لعلمك قلوب الناس ما تنشرى. جربت فراق مالك مرة، يمكن طلبته حتى، ومابعيدها وأنا عايشة، إما افترق عنه بموت أو كلمة طلاق منه. غيره ما يصير..
مشيت مبتعدة عنهم، خارجة من مكتبه، تاركة له مصدوما من ردة فعلها، من غضبها الذي لم يلمح له طبعها الهادىء الذي سمع عنه. كان مصدوما لفشل خططه بما يتعلق بها.
أكل ذلك كان من أجل حفيده..؟
السخط كان واضحا بصوت هديل عندما هتفت باسمه، مستنكرة لفعله: ماتوقعتها منك!
ليهتف صوت آخر.. صوت مالك: ولا أنا..
بعكس زياد، لم يظهر على مالك ذات الغضب الكاسح الهائج، بل الجرح والخيبة.. وربما كان هذا أسوأ: مشكلتك إنك حطيت الذنب على الكل إلا اللي يستاهله.. أبوي. مو ذنب أمي إن أبوي تزوجها، ولا ذنب طيف إني تزوجتها. أبوي هو اللي عصاك، هو اللي كسر كلمتك، هو اللي قطعك زي ما قطعته من حياته.. وأشهد إن كل يوم كان يندم، يمسك سماعة التلفون يتصل عليك بس ما يسويها../ رأى جاسر الحرقة في عيون مالك، عظم الجرح الذي أحدثه في روحه، الجروح التي جددها: كنت أشوف الحسرة فعيونه كل ما سألته عن أهله. كان يغار من أمي لأن أهلها يوصلوها.. إقتص من أبوي، إقتص مني حتى.. بتحمل مسؤولية سواياه.
تركه هو الآخر، لتسأله هديل تمسح دمعه الذي لم يدرك أنه بدأ يسيل. ترجته بخفوت شجن: لا تكرر نفس الغلطة..
:
مضى يومان منذ آخر مرة دخل فيها مالك بيته، لم يتصل ولم يرد على اتصال، وكل من سأل أجابوه بعدم المعرفة..
الماضي تكرر أمام عينيه من جديد.. باختلاف واحد.
وجده جاسر غريبا، كيف كانت ابنة الفياض هي الوحيدة التي لم تنبض قلقا وخوفا من مسارات الماضي.
أجابت جاسر بيقين عندما سألها على مضض: أعطيه وقت.. إذا فيه شي تعلمته عن مالك، هو إنه ما يقطع.
كم تمنى أن تكون كلماتها تلك صحيحة.
في اليوم الرابع، اقتحم مالك مكتبه في مقر المجموعة بوجوم، باديا عليه الإرهاق والسهر، مشيرا إليه أن يتبعه إلى سيارته. بصمت تبعه، يتساءل ماذا يريد حفيده منه رؤيته، هل كان له علاقة بغيابه؟
استغرب جاسر عندما توقف مالك عند وجهته.. مقبرة.
أخذ يدعو بالدعاء المأثور ماشيا جانب حفيده، ليتوقف هو أمام قبر من القبور.
تكلم مالك بهدوء ماثل محيطه: ماعمرك أعطيتني فرصة أتكلم عن أبوي، وش كان يشتغل، وش كان يتكلم عنه، وش كانت أمنياته.. كيف كانت حياته، كيف مات ووين إندفن.. اللحين اسمع لي..
أنصت جاسر لحفيده يحكي عن والده، كل الذكريات التي يحملها عن صاحب هذا القبر أمامه، المؤلم منها والسعيد. لم يدرك جاسر أنه انهار جالسا، موجوعا نازف الجروح من قهره وحزنه، تحكي دموعه عنه.. لطالما عزل نفسه عن واقع موت ابنه، والآن قد أتاه هذا الواقع يذكره بكل ما حاول تناسيه..
هنا يرقد ابنه..
سكت مالك، ووضع يده على كتفه شادا عليه، يقف جانبه إلى أن نهض جاسر يلملم نفسه بعد انكسار. أعطى ظهره لمالك قبل أن يقول: إنت غلطان.. قدر يتصل أبوك علي..
كانت تلك المرة الوحيدة، وكانت قبل أيام من وفاته وفق ما حكى له مالك. يذكر جاسر نبرة ابنه المتألمة التي كان يخفيها، يخبره عن حفيده. لم يطلب منه السماح، وعرف جاسر أنه ظن أنه لا يستحقه.
غبي، ابنه ذاك. ألا يدري أنه رضي عليه من اللحظة التي اتصل فيها؟
بدا على صوت مالك الراحة الغامرة لمعرفة اتصال أبيه: طول عمري.. كنت أتساءل إذا مات وإنت مو راضي عليه.. الحمد لله، الحمد لله..
"الحمد لله.."
:
طريق العودة كان صامتا، إلى أن قطعه جاسر باعتذار، شيء لم يكن عادته، ليرد عليه حفيده بالسماح، شيء لم يتوقع نيله.
(.. هو ما يقطع..)
فكر عندها جاسر أنه ربما، ذاك ما رآه مالك في تلك الشابة، ذاك اليقين.. لأول مرة أخذ طيف الفياض باعتبار أنها زوجة حفيده، قارنها بمن أراد استبدالها بهن، ووجد أنها تفوقت بالكثير. أدرك غلطته في رغبته بالتخلص منها، فشخص مثلها كان أشد ما يحتاجه وريثه في تولي أعمال مجموعة ضخمة كمجموعته.
كم أخطأ في حكمه: زوجتك.. معدنها أصيل..
ابتسم مالك له بفخر: ما ظلت في بالي سنين عبث..
:
عرفت وقع الخطوات المتجه ناحية غرفة النوم، لتضع الكتاب الذي كانت تقرأه على المنضدة. تفقدت أثر غيابه عليه، إرهاقه الواضح من سهر.. تقدمت لتحتضنه بكل القوة التي أوتيت لها، تتكلم بصوت مكتوم من قميصه: كان على الأقل رديت علي مرة..
ضحك وهو يلف ذراعيه حولها: والله الناس قالتلي إنك كنتي ماخذة السالفة ببرود..!
شدت عليه أكثر قبل أن تتركه ليستلقي، فهو بدا عليه الحاجة الماسة إلى الراحة: كنت أعرف إنك بترجع قريب..
ورغما عن ذلك اشتاقت إليه بشجن جارف.
في غيابه فسد جدول نومها، وأصبحت لا تستطيع النوم إلا بعد أن تصلي الفجر. ظلت جالسة على السرير تفكر إلى أن وصلت الساعة إلى الواحدة نصف. عندها أحسته مستيقظا على الرغم من إعطائه لها ظهره. أمرته: إرجع نام.. لساتك هلكان تعب..
ظل صامتا للحظات، ثم قال بهدوء ونبرة حيادية: سمعتك في مكتب جدي، كل الكلام اللي قلتيه.. سمعته.
شكت في ذلك، فهي عندما فتحت باب المكتب لتخرج، وجدته واقفا أمامها.
شعرت براحة غريبة، كونه يعرف عن موقفها، كأن حملا ثقيلا رُفع عنها. لم تفكر أبدا بالإنكار عندما ردت: عارفة../ استطردت بابتسامة عجب من حالها المتغير، فهي لم تعتقد أن لسانها سينطلق بما قالته مردفة: أحبك حب ما ظننت إني بحس فيه لاحد، ولو الود ودي ظليت معك ما بقى لي من عمر..
سأل، يكرر بعدم تصديق: لو الود.. ودك؟ لو الود ودك؟
لم تدري إلا وهي مستلقية على ظهرها ومالك فوقها، ينظر إليها بنظرة مشتعلة حملت عواطف شتى..: ليه؟ فيه إحتمالية فبالك إني بتركك؟
لثم فمها قبل أن ترد بعنفوان جامح خطف أنفاسها. أحاط وجهها بيديه عندما تركها، ليعود يقبلها مع كلمة نطقها بلهث: أحبك، أعشقك، وميت فيك ألف مرة..! سنين وأنا متلهف عن أبسط خبر عنك، سنين وأنا أهذي فيك، وبتظني إني بكل سهولة أتركك كذا؟/ أردف بخبث مسرور مرتاح، يتتبع طول عنقها بشفتيه: إنتي أعطيتني الخيار كل مرة، وكل مرة بقولك إن نجوم السما أقرب لك من كلمة فراق مني.. فاهمة؟
أجابت مذهولة، مبتهجة، ومنتشية من فيضان مشاعره هذا: فاهمة..
:
وبهذا، رسما بداية جديدة، كشفا عن خفايا روحهما لبعضهما، عن كل ما شعرا به في فراقهما، تصارحا.. وما أجمل من شفافية في جٌن الليل؟
سألته وهي تحكم قيد ذراعيها عليه، طامعة بقرب أقرب من النفس: بصراحة، وش سميتني فجوالك؟
ابتسم لها بتسلية: يعني مو مصدقتني لما قلتلك ط.؟/ أردف قبل أن ترد، معطيا لها جواله الشخصي: خذي وشوفي..
فعلت كما قال، لترى أن رقمها كان مدرجا تحت اسم "هوسي طيفك".
سألها بدوره: ها؟ عجبك ولا بغيره؟
ابتسمت له وهزت رأسها بـلا: عاجبني.. يا مالك قلبي..
ظهر في ابتسامته الانتصار المُغتر، لتقترب وتلثم شفتيه تشتته.
همس لها بحرارة راضية: يا خبثك..!
:
كلما عرفت أكثر عن ناصر النجم، كلما شعرت ثريا بالفضول حياله أكثر.
تعرف أنه رجل أعمال مشهور من عائلة مرموقة، تعرف أنه كان صديق زوج أختها في الماضي، لكن تلك التركيبة كان يجدر بها إبعاده عن سبيلها، فما باله تقدم إليها بخطبة؟
عجيب، أمر هذا الرجل..
منذ اتفاقه بموعد عقد قرانهم، وهو يرسل لها النفيس من الهدايا. كلها ذات ذوق رفيع نال إعجابها بجدارة، لامس جانبا مدفونا فيها، جانب أحب التدليل والاهتمام، جانب فقدته بتغير حال أبيها ووفاة أمها ثم لسنين طوال بعدها..
سألته في المرة الوحيدة التي كلمته على الهاتف عن سبب تكليفه نفسه. وكم كان صوته ذاك مألوفا عندما سألها بدوره بغموض ودفء، كأنه مرتبط بذكرى قديمة..: الأحلام لها أسعار؟
أجابته مستغربة من سؤاله: لا..
ليرد: مهما حاولت، فهدية مني ما راح تماثل قيمة كلمة القبول منك.
للحظة، لم تستطع إيجاد ما تقول. غريب، وهي من كان لسانها لا يجد صعوبة بالانطلاق برد.
لم تتلقى غزلا صريحا كهذا في فتوها.. أتتلقاه في عمرها هذا؟
شكرته على كرمه وأنهت المكالمة على عجل.. كان لديها الشك بأنه عرف ما سبب عجلتها، فضحكته الخافتة وهو يودعها بسلام دلت على ذلك.
حسنا إذا، صدق مالك عندما قال أن ناصر كان لديه أسلوب لبق ساحر في الكلام..
مضت الأيام والشهور سراعا إلى أن أتى اليوم الموعود، يوم تزف فيه إلى الرجل الذي لم تشعر بمثل هذا الفضول المُلح حياله لاحد قط.
لم تحب التجمعات الضخمة، فسألت إذا كان بالإمكان إقامة حفلة صغيرة بين أفراد العائلة المقربين، وكان لحسن حظها ما أرادته..
من يرى إشراف وحرص مالك وطيف على هذا الحفل سيظن أنهما كانا أبويها. لم يتركا لها تفصيلا إلا وهما يتوليانه. ابنة ناصر اشتكت بمرح لها عن ذلك: ما خلولي شي يا خالة..!
لترد عليها طيف وهي خارجة بعجلة لتنظيم أمر ما: توك جيتي من شهر العسل وتبغين تشتغلين؟
نظرت سعاد إليها بقلة حيلة: شفتي؟
لتؤيدها بابتسامة، تحاول منع دموعها من التشكل من تأثرها.
حتى وإن لم ترتد فستانا أبيضا وتسرف في الزينة، فإن ما كانت عليه من التزين فاق ما بدت عليه منذ دهر. بجلابية فخمة متنوعة النقوش، متدرجة الألوان بين الأحمر والأسود والذهبي.. بطقم ذهبها الرنان.. بشعرها الأسود الطويل المموج حر الانسدل.. بالكحل وحمرة الشفاه المماثلة للدم بحمرتها..
بدت بصورة أرضتها، أرضت غرور الأنثى فيها.
هتفت سعاد بإعجاب: يا إن أبوي بيروح فيها الليلة!
ضربتها طيف بخفة على رأسها: قولي ما شاء الله!/ التفتت إليها لتبتسم بدفء وتبدأ بالقراءة عليها.
:
أخيرا زُفت لتدخل إلى بيت زوجية جديد..
عند انتهائهما من الصلاة والدعاء، جلسا بصمت، ينظر كل واحد منهما للآخر. ربما لاستيعاب فكرة ارتباطهما الجديدة، ربما لتخمين أطباع أحدهما الآخر قبل الكلام.. بمقابلته الآن وجها لوجه، رأت ثريا رجلا لم يبد عليه عمره، بملامح جذابة سمراء، يخالط أبيض الشيب الأسود ليضفي عليه وقارا فخما ساحرا.
نظر ناصر إليها بانبهار سرها للغاية ولكن في نفس الوقت حيرها، فنظرته حملت شيء ماثل الشوق في جموحه، كأنه أخيرا وصل لغاية طال سعيه لها.
سألته السؤال الذي فكرت به من اللحظة التي طلب يدها للزواج: ليش أنا بالضبط؟
ابتسم، وغريب أكثر.. كيف كانت ابتسامته تلك مألوفة لها: توقعت بتسألي ذا السؤال../ استطرد، يحكي عن ذكرى: بدا كل شيء من وحدة هددتني بكلمات عمري ما بنساها.. "إذا ناوي كلام مع أبوي، أبوي ما يستقبل ناس. إذا ناوي تتصدق، فيه بيوت ثانية أولى. إذا ناوي نية شينة فبيتنا، قسم بلم عليك الحارة كلها..!"
اتسعت عيونها، ونطقت بذهول..: إنت..!
تذكرته.. ذلك الشاب الغريب الذي لم تفهم أبدا غايته. لم يفدها أفراد الحارة بشيء عنه، فقط أنه مستثمر يريد تفقد أراض في الجوار.
في بادئ الأمر كان سؤالها عنه تخوفا من أهدافه، ثم غضبا.. فهي قد ضاق الذرع بها بتلك العائلة التي ظلمت أباها في مقتل ولدهم. حتى بعد أن بٌرئ اسمه ورُفعت التهم عنه، ما زالوا يترددون عند بابهم يطلبون الصفح، غير داريين بأن لقياهم تسببت في تجديد الجراح، في تذكير أبيها بكل ما فقده في سعيهم وراءه خطئا على الرغم من وجود متهمين أكثر استحقاقا. ما نفع الاعتذار بعدما دمروه؟
عندما تبين أن ذلك الشاب لم يكن من طرف تلك العائلة، ولم يكن يريد شرا ببيتهم، انزعجت، أيكون من أولئك المشفقين على حالهم..؟
لكن لا.. لم يكن منهم أيضا.. عندها اعتراها الفضول، الفضول والفضول والفضول.. وربما، إعجاب صبية من بعيد. مزحت جارة لها مرة بأنه يمكن لذاك الشاب أن يتقدم لها خاطبا، ولا تنكر.. نالت تلك الفكرة استحسانها في السر.
لكن ذاك الشاب لم يأت لخطبتها، وهي تزوجت في نهاية الأمر بآخر.
نسته وعاشت حياتها قُدما إلى أن طُلقت، لتتلاقى طرقهم من جديد.. لم تمني نفسها بالزواج منه تلك المرة وتزوجت مرة ثانية، ليصبح هو ذكرى دفينة بين طيات الماضي..
قبل هذه اللحظة، على الأقل..
راقب وجهها يضيء باستيعاب لهويته: الدنيا غريبة، تتلاقي بناس بطريقة ما تتوقعيها أبد..
همست بالكلمة الوحيدة التي تشكلت في ذهنها: كيف؟
ليخبرها بحكايته، وعن مسار الأحداث من جهته، لتكون هي المستمعة له، تتفاجأ وتتأثر وتنفعل من كلماته..
قالت بهدوء بعد انتهائه من حكاياه، بعد لحظة صمت، تنظر إلى نقوش يديها بتشتت: يمكن ما أكون الإنسانة اللي رسمتها فبالك يا أبو محمد، يمكن يخيب ظنك بالشخص اللي صرت عليه بعد كل ذي السنين..
أدار وجهها برفق ناحيته، ليقول عند التقاء عيناهما: هذي الفرصة نشوف ونعرف../ تناول عندها كفها، ليقبله بعمق، وياللعجب، أخجلها: لكن الصراحة تنقال، اللي سمعته عنك عجبني، واللي أشوفه اللحين يسحر..
ربما هذا ما دلت عليه راحتها بعد استخارتها في أمر هذا الزواج..
هذه الطمأنينة.
:
تنهدت طيف بتعب بعد ركوبها سيارة مالك، ليبتسم لها وهو يشغل المحرك: اشتغلتي كأنك أم العروس الله يهديك..
ابتسمت: تستاهل أكثر، بس هي ما بغت حفل كبير../ سمعته يتنهد لترى ملامحه ممتعضة بضيق. سألته قلقة: وش فيه؟ صار شي..؟
أجابها بصوت اكتساه الغيظ المشجون: أولاد خالتي جو وفي موالهم مصايب عشان يوقفوا الزواج.. تكفلت أنا فيهم وطردتهم. ما راح يقربوا صوبها إلا لو هي طلبت.
أثار الأمر غيظها أيضا: ليه اللحين بعد كل ذي السنين؟ الاثنين تركوها، ما رضوا يكلموها ولا مرة مهما حاولت هي، واللحين ناويين يقطعوا نصيبها؟/ سألته قلقة: قلتلها؟
هز رأسه بــلا: ما بغيت أخرب عليها ذي الليلة، بقولها بعدين..
تنفست طيف الصعداء تؤيده، لتلحظ أخيرا أن الطريق الذي كان يسلكه مالك لا يؤدي إلى البيت: وين رايح..؟
أجابها: بما أن بعض الناس رفضوا حفل زواج ثاني مهما حاولت أقنع فيهم، قررت أسوي شي ثاني..
أوقفهما أمام فندق فخم وأرشدها إلى جناح رائع جميل. أجاب على سؤالها الصامت: بنريح هنا الليلة وبكرة بنروح نسافر لشهر عسلنا./ أكمل غير معطيها الفرصة لتتكلم: كلمت عمتي شيخة ترتب فأغراضك ما عليك..
سحبها قربه، ليبتسم لها بمعنى: زي ما تشوفين، المكان مرتب حده، فما في شي يمنعك تقضي الليلة جنبي..
احمرت بإحراج وخجل من ذكرى ليلة زواجهما الأولى، عندما كانت الفوضى التي أحدثها مالك في الملحق ما استخدمته عذرا لعدم البقاء فيه..
تناول وجهها بين كفيه برقة، ليقول: وعدت نفسي أعوضك بكل شي قصرت فيه في الماضي، وبإذن الله بكون عند ذاك الوعد..
ابتسمت له بحب: ما يحتاج يا مالك، وجودك معانا يكفي..
استغرب وكرر: معانا..؟/ اتسعت عيونه، ليسأل بذهول: إنتي..؟!
ضحكت من تعابير وجهه المنصدمة وهي تومئ له بنعم، استيقاظه من ذهوله ليبدأ بالانتقال ما بين الفرح وشكر الله إلى الصرامة والهلع، تارة يكاد يخنقها حضنا، وتارة أخرى يبتعد لينظر لها باستيعاب: ولك وجه عين تهلكي نفسك في الشغل؟!.. استني، استني.. تقدري تروحين بطيارة ولا هو خطر عليك؟ لا لا، بلغي الحجز أحسن ما بخاطر..
(تذكرت مرة في صغرها كان أبوها يعلمها فيها مضادات الكلمات. أول سؤال سألها في ذلك كان: وش عكس الرحيل؟
لتجيبه بحماس: العودة!)
في هذه اللحظة، شعرت بكل معاني إجابتها تلك.
[تمت بحمد الله..]