الفصل 17 | من 46 فصل

رواية على وطايا الخيل الفصل السابع عشر 17 - بقلم روايات تثريـب

المشاهدات
14
كلمة
9,965
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

الجزء الخامس عشرة

.

،

ليل لنـدن

كانا يتمشيان على الأرصفة المبللة.. وكلٌّ منهم غارقٌ بهواجسه.. كان قرواش يختلق بعض الأحاديث، ويصمت أحيانًا أخرى

فرك يديه.. ثم التفت عليها: مب برد عليج؟

سوادة: اممم.. لا عادي

مسك يديها بعفوية تامة: متأكدة؟ "ثم عقد حاجبيه" هي والله ايدينج دافية

اقشعرّ بدنها من لمسته.. قالت بارتباك: ما أبرد بسرعة أنا.. أمي صغيرة تقول من كثر الشحوم اللي على قلبي

ضحك بصوت عالٍ: هههههههههههههه اسميها أمي صغيرة

ابتسمت لضحكته.. وانحرجت قليلًا.. التفتت تتأكد أن ما من أحد يسمعهما

قالت: اممم قرواش

قرواش: آمري

سوادة: ما بتستويلك مشكلة لأنك طلعتني؟ خالي محمد يعني....

قرواش: وشو يخص عمي محمد في الموضوع؟ ريال ومطلع حرمته.. محد له خص

سوادة: ما ابغيك تطيح بمشاكل أكثر بسبتي

وضع يده خلف ظهرها بأريحية.. وانكمشت هي على نفسها

قرواش: ما عليج منهم.. تعالي بناخذ قهوة من هني

سوادة: ما اشرب أنا ماحبها

قرواش: شو تحبين عيل؟

سوادة: اممممم ماحب أي شي مر

قرواش بطنازة: هذا وأنتي يالسة في الدانة وعايشين على القهوة العربية

ابتسمت: القهوة العربية غير!

،

على بعد بضع كيلومترات

دخلت عليها الغرفة: آعدة في البيت هاليومين شو صاير تزاعلتي أنتي والافندي؟

ريان باعتراض: ماما شو هالكلام يعني ما اقعد في البيت الا اذا تزاعلت معاه؟

أم ريان: ايه هاد اللي بشوفوه أنا

ريان: لا لكن راح على البلد.. زواج ولد عمه

أم ريان هزت راسها: ايه ربي يوفئهون.. وعئبال عندك

ريان قلّبت عينيها: طيب

شكّلت أم ريان تعابير عدم رضى على وجهها.. وغادرت الغرفة

بينما ابتسمت هي على ذكراه.. فتحت هاتفها وقلّبت ألبوم الصور

كانت بطبيعتها تعشق توثيق اللحظات.. فتحت أحد المقاطع وهي تبتسم بشوق كبير إلى صاحب هذا الوجه.. إلى ملامحه الحادة.. ووجهه الهادئ بالغالب

هو شخص هادئ ومتزن من الأساس.. عكس شخصيتها تمامًا

ولكنه، رغم اختلافه إلا أنه يعطيها كافة الحرية بممارسة ما تحب

لم يكن متعصّبًا ومتشدّدًا كما تسمع عن البدو.. لم يكن متأمّرًا بل كان متفهّمًا ومراعيًا في كثير من الأحيان

كانت ممسكة الهاتف بالعرض وهي تنادي عليه: بيبي.. شوف الكاميرا

كان مشغولًا بترتيب الأغراض على البِساط: ذبحتينا بهالتصوير

ابتسمت للكاميرا: لازم نصور توثيق للحظة

غديّر: انزين اترييني اخلص وعقب صوري.. اوهوووو وهذا ليش ما يتبطل

ريان: خللص ما تعصب.. مابدنا اياه عادي.. تعال تصور معاي

اقترب غديّر حتى وضع خده قرب خدها: هاه.. زين جذي

ريان: يا مامي خشمك يخوووف ليه هيك طويل

غديّر نظر إلى أنفه.. ثم واجهها وخاشمها: خشمج

ريان: مفكرني رجال؟ ليش هيك بتعمل

غديّر: عادي أنا اخاشم يدتي وأمي وخواتي.. مب بس للرياييل

ريان: والله غريب انت

غديّر: سكري الكيمرا وتعالي ناكل يوعاااان تراني

قالها وسحب الهاتف منها وأغلقه

لا تعلم لم شعرت ببلل في أطراف عيونها

تحبه كثيرًا.. تستمتع برفقته.. وتشتاق إليه

لم تتخيل يومًا بأنها ستحب رجلًا مثله.. ولكن هكذا حدث

.

،

.

كانت تمسح مكياجها بإرهاق واضح.. اقترب منها: تعبتي وايد؟

كان يشعر بها وكأنها في عالم آخر.. عقد حواجبه: عيوني.. وضحى؟

وضحى: هممم

لفّها عليه: حبيبي.. شو فيج؟

لم يكمل سؤاله.. سقطت بين يديه.. خاف.. شعر برعب كبير.. فلم يسبق له أن أغمي على أحدٍ بين يديه

لم يفكر كثيرًا.. ألبسها عبائتها وانطلق بأقصى سرعة إلى أقرب مستشفى.. طوال الطريق وهو يلوم نفسه.. لقد أخبرته بأنها متعبة ولكنه أصر عليها.. وكل ذلك لمَ؟ لأجل المواجيب.. نعم سلطان عزيز على قلبه.. ولكن حتى سلطان نفسه لن يرضى بأن يضر زوجته لأجل حضور زفافه

بدأ اجراءات الدخول والذي صدمه أن الطاقم الطبي يعرفها جيّدًا.. فهذه ليست إغمائتها الأولى.. وكأن الطبيبة قد فقدت الأمل منها

قالت لحامد: هالحالة لو تكررت عليها احتمال كبير تضرر كليتها وعيونها أو لا قدّر الله تموت.. وضحى مهملة الموضوع ولا مستوعبة اهميته.. ياريت لو تقدر تقنعها

حامد: يعني هذا كله عشان السكر؟

الطبيبة: السكر مرتفع لرقم عالي جدًا.. ونحن نقدر نشوف من جهازها ارقامها خيالية.. واضح إنها أساسًا ما تضرب إنسولين ولا تراقب السكر بشكل مستمر

حامد بذنب فضيع: اليوم كان عندنا مناسبة وأنا ضغطت عليها عشان تحضر.. مب هذا السبب؟

الطبيبة: غالبًا السبب الأساسي بيكون السكر للأسف.. يمكن خبصت وايد في المناسبة.. بصراحة نحن حاولنا وايد ويا الأخت وضحى

وحوّلناها على مراكز السكري المختصة لكنها غير متعاونة أبدًا

هز حامد رأسه: يزاج الله خير.. أنا بتصرف ان شاءالله

كانت تتطلع على التقرير كاملًا.. عندما قالت: وضحى كانت حامل.. توها في بداية حملها.. الله يعوّضكم

شعر بغصة في حلقه.. ولكنه بلعها.. تُوفي الابن في اول ايامه.. حمد الله على كل حال.. الاهم أنها ستكون بخير بإذن الله

.

،

جالسة أمام طاولة التسريحة.. تشعر بثقل على رموشها.. وحرقة في عيونها

هي مُتعبة بالفعل، بعد زفاف شقيقها الحبيب

تُريد مسح كل الأصباغ على وجهها وارتداء بجامتها المريحة.. ولكن كلّما تذكرت تغزّل شقيقها بعروسه، دعت لهما بالبركة.. وشعرت بالغبطة

هي أيضًا تريد أن تحصل على بعض المديح.. كحال أي فتاة في هذا العالم

نظرت إلى شكلها.. تبدو جميلة جدًّا.. أجمل من كل يوم.. تبدو مختلفة

شعرها الأسود المعقود خلفها، وغرّتها التي قلّما تغادر جبهتها

مكياجها كان ناعمًا يناسب ملامحها الهادئة

كانت ترتدي فستانًا أخضر غامق.. وذهبها البسيط واقعٌ على نحرها.. على شكل سلاسل ذهبية قصيرة ورفيعة جدًا.. بلونه الأصفر المميز.. والذي لا يزين الحفل إلا به

تودّ مسح كل شيء.. ولكن جزءًا منها يريد انتظاره.. لعلّها تكسب قليلًا من المدح كبقية المتزوجات؟

صحيح بأنه وغد ذو لسانٍ قذر.. ولكن به بعضًا من الصفات الحسنة.. قد يمدحها.. هنالك احتمال بسيط.. ولذلك قررت الانتظار.. ولكنها لن تُبيّن له ذلك

صحيح بأن جزءًا كبيرًا منها غاضب منه لأنه أفسد مزاجها في يوم مميز كهذا.. ولكن حماسها، ورغبتها بالمدح غلبوا غضبها.. فلم يسبق له أن رآها بلباس غير البيجامات الكرتونية.. الا يوم زفافهم

سمعت صوت باب الحمام فبدأت بالتمثيل بأنها تخلع اكسسواراتها.. وتمهّلت كثيرًا في فعلها.. إلى أن خرج

كان ينظر إليها.. وأطال بالنظر.. ثم أشاح

شعرت بخيبة شديدة.. لم يعقّب.. لم يقُل شيئًا.. شعرت بقهر شديد.. ودت لو تستطيع رميه بأي شيء أمامها

مزعج.. مغرور.. متكبّر.. كل صفاته سيئة.. ودت لو تستطيع فضحه أمام العالم

كل اللواتي تغزلن به لا يعلمن حقيقته

سيء.. رجل سيء جدًا.. ليس به شيء جيد سوى مظهره

تكرهه.. تكرهه كثيرًا

كانت قبضة يدها شديدة جدًا.. حتى أبيضّت أطرافها.. رأته واقفًا خلفها

قال: تصدقين.. أحلى شي فيج هو شعرج

ودت شتمه.. ولكنها كتمت قهرها.. على الاقل لن تبيّن له ضيقها

قالت: شكرًا

حياب: جنه كلامي ماعيبج؟ "قال متأملًا" صدق أنا أشوف شعرج وايد حلو تبارك الله.. أنثوي.. بس أحسج ياهل بصراحة.. انتي كم عمرج؟

صغيرة: كملت 18

حياب: والله الشكل يقول 14.. وبعد هالقصة (القذلة/ الغرة) اللي تنزلينها جدام.. صدق ياهل

اكملت بعدم اهتمام: كل حد يقول.. كلي امتني، اطولي.. ومادري شو

حياب: وليش ماتسمعين كلامهم؟ عايبنج شكلج وانتي جذي جنج فرخ "فرخ بمعنى صبي صغير"

لم تتحمل أكثر.. صرخت بوجهه: أنت الفرخ

شد شعرها بخفة: أنتي اييه.. حشمي وصوني لسانج

صغيرة باندفاع: تسبني بسبك

حياب: لسانج طول اشوف

دمعت عيونها: هي تباني ساكتة واسمعك تسبني طول الوقت.. ولا أقول لك شي.. هاللي تباه.. يوم تبا اتيني تيلس وياي وتاكل اكلي.. ويوم ماتبا تسبني وتسوي عمرك ماتشوفني

"رمت عليه اكسسوارها بغضب" انا الغلطانة اصلا ابا اراويك كشختي

حياب باستغراب: بلاج الحين؟ جي شو قلت أنا؟

قلت اسمعي كلام الحريم وامتني شوي عشان صدق تبينين بنت وتحلوّين مب جذي.. ايدج كبر ايد اليهال

عصبت أكثر: ما بمتن وما بتغير.. أنا عايبني شكلي إذا انت مب عايبنك مشكلتك انا ماطلبتك تتزوجني

شعر برغبة بالضحك.. تتزوجني.. يا كبرها عند الله

مسك ذقنها وكأنه يحاكي طفلة: يا حليلها الكتكوتة.. انا ماشوفج الا اختي يا صغيرة.. شو تتزوجني وشو هالخرابيط اللي تقولينها.. منو مخربط عليج انتي ولاعب بمخج ليكون هالسبالة يزوي؟

انتبه على دموعها.. التي شقّت الطريق على خدها

كسرت خاطره: ليش تصيحين الحين؟

مسحت دموعها بغضب: مب شغلك

قال بصدق: صغيرة أنا اعزج وايد.. ولا اتعمد اغلط عليج والله.. أسلوبي وصخ أدري بس تعودت جذي.. أنتي رقيقة ودلوعة عكس خواتي.. ماتطولين لسانج.. انتي انسانة بريئة.. وتنحبين.. بس أنا وأنتي ما ننفع زوجين.. ننفع اخوان ننفع اصدقاء.. بس مب زوجين.. والله عمري ماشفتج حرمتي.. ولا اعتقد اني بشوفج بهالنظرة في يوم

قالت بعيون محمرة: يعني شو تباني اسوي لك؟

حياب قال بتهور: كوني علي مثل ظهر أمي

عقدت حواجبها باستغراب: شو يعني؟

حياب: يعني انتي تحرمين علي يا صغيرة

نهضت من مكانها بخوف: شو يعني؟ شو تقول أنته!

حياب استند على طاولة التسريحة: ظهار.. الحرمة تحرم على ريلها.. بس تكون مثل أمه أو أخته.. مب أكثر.. يعني تنسين إني ريلج.. تنسين تمامًا

كانت تنظر إليه ودموعها معلقة في عيونها.. ترمش سريعًا.. لا تعلم بجدية ما يقول.. لا تعلم إن كان هنالك أمر أو حالة كما يقول

حياب وغد.. وقد يخترع أمورًا دينيًا من عقله.. لن تستبعد هذا

ولكن وجهه يبدو جادًّا تمامًا.. أهو حق؟ أيستطيع تحريمها عليه؟

هل فعلها بالفعل؟

كانت تشعر بضربات قوية في قلبها.. تتخيل ردة فعل والدتها إن عرفت.. تتذكر سؤال النساء إن كانت قد حملت

كل شيء تدافع في ذهنها.. نصائح.. اسئلة.. كل ذلك

تذكرت وصايا النساء ليلة الزفاف.. "طيعي ريلج.. اطعميه.. اهتمي فيه.. اقرب طريج للريال معدته.. لا تكابرين.. لا تطولين لسانج.. الحرمة السنعة تصبر.. الحرمة السنعة ماتخرب بيتها" والكثير الكثير

شعرت بضجيج في رأسها

حياب هدم كل شيء للتو.. كل شيء

،

تلفّظ بالأمر بدون تفكير.. صحيح بأنه لطالما رآها أختًا صُغرى.. ولكن أن يتخذ قرارًا كهذا بهذه السرعة.. لم يكن موفّقًا

ولكن الأمر حدث، وانتهى

قد يراجع نفسه لاحقًا.. ولكن حاليًا هذا الأنسب لهما

لم يكذب بأي كلمة قالها.. هو بالفعل يراها طفلة.. وليس من الطبيعي لأي رجلٍ طبيعي أن يشعر بالانجذاب إلى طفلة

رأى الخيبة في عيونها البريئة.. ورأى تأثرها بكلماته.. ويتذكر ذلك المنظر جيّدًا.. آلمه أنه السبب في ذلك.. صغيْرة لا تستحق ذلك

لم تُؤذه أبدًا.. لطالما كانت تقابل سيئاته بالإحسان.. كوالدتها بالضبط

قراره كان دسمًا.. وسريعًا.. وعلى الاثنان الحصول على لحظة من التفكير

استأذن منها على عجل.. وخرج.. لا يعلم إلى أين.. ولكن ليس عليه مشاركتها المكان حاليًا


.
،



كان مستلقيًا على فخذ والدته.. حين تجمعن كل شقيقاته
كنَّ يتحدثن عن الزفاف بشكل مستمر.. ويدخلن في نقاشات عديدة.. بدون أن يذكرن محاسن الفتيات بالطبع


قالت حمدة: والله غديّر فاتك.. أمي كل ما شافت وحدة قالت هذي تنفع لغديّر.. بس عاده كلهن صغار.. ماشي وحدة عودة من عمرنا خلصن البنات

عفراء: هي والله.. عاد من سوء حظك بوالخيول كل ذريتهم ذكور ماشي بنات

حمدة: لا من جيلنا بس.. جيل قوم صغور وايدات تبارك الرحمن

غديّر قال يجس النبض: عادي إذا ماشي وحدة من بناتكن باخذ من برع شو المشكلة

حمدة ضحكت: الله يستر علينا.. اسميه سلطان فتح علينا باب

غديّر التفت على والدته: هاه شو الراي اميه

قالت والدته: يصير خير يوم بتقرر تعتزل العزوبية بندور لك بنت

رد بتردد أكبر، مستمرًّا بجس النبض: لا تدورين أنا بروحي بختار

عفراء بصدمة: وييييييه.. أمي هذا ولدج مب خالي صدقيني.. جان ما يكون ماخذله بريطانية

أم غديّر شافت ولدها بحب: فديته ولدي العقل والثقل كله.. ما يسويها

حمدة بمزح: والله زين بعد لو تاخذ وحدة شقرا نحسّن النسل شوي.. عيالنا كلهم طقم.. عنبووه عيونهم حادة تزيغ جنها عيون طيور "صقور"



،
.
،



الماضي


هنا بو سلطان وأخوته.. هنا غديّر ومطر وبقية ابناء عمومته الكبار، كلهم ينظرون إليه.. كان يسحب شعره بعنف ويصرخ: خلاااااااص.. ارحموني.. خلاااص.. والله ما ذبحته طوع.. ما ذبحته وأنا مرتاح.. والله إني ذبحت عمري قبل لا اذبحه.. خلوني.. دخيلكم


اقتربت منه الجدة صغيْرة.. باكية: سلطان.. فديت قلبك.. منو هم؟ حبيبي.. والله نعرف إنك ما ذبحته.. نعرف حبيبي.. ارحم عمرك

دفعها بقوة: قووومي عني

تلقّفها غديّر بينما صرخ والده: سلطان.. يدتك!

قالت الجدة بانهيار: خله يا محمد.. خله.. لو يذبحني أنا راضية بس يرد لي سلطان الأولي
تحمل مسؤولية مب مسؤوليته ريّح ولد عمه وعق عمره في الهاوية


كان بحالة يرثى لها.. لم يستحم منذ أيام.. شعره نابتٌ بفوضوية.. وعيونه محمرة.. كحال أي شخص لم يغفى له جفن
كان يشعر بحرارة كبيرة في جسمه.. وكأن كل خلاياه استنفرت
كأنه مستلقٍ على صفيح ساخن.. لا يستطيع الهدوء.. لا يستطيع الثبات
يريد تهشيم رأسه.. لعله يهدأ
يريد كسر يده.. لعلّ الرجفة تقل
يريد الصراخ بأعلى صوته

حادثها وكأنه يرى الموقف بعينه: كلهم شافوه ولا تجرؤوا "التفت عليهم" تشوفينهم.. هذيل كلهم كانوا موجودين.. ولا حد سوا شي غيري.. أنا بس اللي ذبحته.. أنا

"بكى" ماقدرت اشوف الذيابة ينهشونه.. ماقدرت اسمعه يستفزع بي واخليه.. تعرفين.. مصارينه كانت تنسحب سحب.. وهو حي

رفع يده في وجهها: تشوفين ايدي هذي.. بهالايد ذبحته.. سحبت الزناد وطلقت في ويهه.. تعرفين وين يت الطلقة؟ في راسه.. هيه.. أنا سلطان.. وطلقتي ما تخيب.. يبتها في راسه يا أميه.. في راسه

مسحت وجهه بيدها: لا تعذب عمرك زيادة.. خلاص حبيبي.. الله يرحمه حمدان..

أكمل وكأنه يستذكر الموقف كاملًا: قلتله يا حمدان قر في محلك.. بعدنا مانعرف المكان.. استغفلني.. يوم رقدت طلع يفتش ويغامر مثل مايسوي كل مرة.. وتصدقين.. قبل لا يموت كان يشل لنا شلة "ضحك وسط دموعه" ههههههه الله يرحمه يصلي بنا ويغني لنا

أغلقت عيونها.. لا تستطيع رؤيته بهذا الحال: سلطان حبيبي.. خلاص.. دخيلك

تحوّلت نظرته فجأة إلى نظرة غاضبة: صح.. خلاص.. بسنا عذاب.. مثل ما ذبحته انا بذبح عمري.. خلاص


أمسك رقبته بيديه وبدأ بخنق نفسه.. منع الدماء من العبور إلى قلبه.. تغيّر لون وجهه.. اجتمع عليه الرجال يحاولون فكه عن نفسه.. ولكن كلّما فكوه أعاد القبض على نفسه، محاولًا إزهاق روحها

أتى والده بحبال ورماها عليهم.. فبدأ صراعٌ آخر مع قوي البُنية.. والذي لم يرحم أحدًا أبدا.. إما برفسة في البطن أو بقبضةٍ من يديه

ولكنهم أكثر.. والكثرة.. كما يقال تغلب الشجاعة.. والقوة أحيانًا
احكموا وثاقه بصمت.. وأخذوه إلى اقرب غرفة

كان التواصل بالعيون قائمًا طوال الوقت.. جميعهم ينظرون إليه.. بقلة حيلة.. هذا سلطان الجبل الشامخ.. أمين سرّهم.. وملجؤهم الأول.. أمامهم الآن أضعف من بعوضة.. فاقدًا للعقل غيرَ واعٍ لما يدور حوله

ضرب برجله حافة السرير: خلوني اذبح عمري وارتاح

قال مطر بألم: سلطان.. قول لا اله الا الله

سلطان يحاول أن يمسك به وهو يبكي: خلوني أموت.. قبل لا يذبحني الضمير.. خلوني اذبح عمري وارتاح.. والله مب حياة هذي.. خلوني ارتاح طلبتكم

مسح بو سلطان دمعته والتفت على شقيقه: جهزتوا الطيارة؟

بو مطر: كل شي جاهز.. بس ما بنروم نشله جذي.. ما بيخلينا.. لازم نخدره.. أنا اتصلت بدكتورنا


التفت عليه بو سلطان بنظرة أخيرة، ودموعه لا تتوقف.. ليس من الذين يبكون أمام الناس
ولكن المصاب كبير.. كبير جدًّا
قال بصوت يكاد لا يُسمع: الموضوع عندك

حينها تدخلت الجدة: ياويلكم.. والله يا ويلكم لو تفكرون تسوون اللي في بالي

بو سلطان وهو يمسح دموعه: مافي حل ثاني

صرخت عليهم: ذابح ولد عمه بايده وغصبًا عنه.. شو تتوقع منه يقوم يضحك لك؟ تبونه يعيش طبيعي؟؟؟ أنتوا صاحين؟

بو سلطان كان يكتم الدمعة، ويسحب الأنفاس بصعوبة: أمي لا تصعبينها دخيلج.. هالأعراض شايفينها على مايد الله يرحمه.. والدكتور قايل انها يمكن وراثية.. سلطان ماشي على نفس الدرب.. الله يرحمهم الاثنين برحمته يارب

الجدة وقفت أمام سلطان الذي يصارع نفسه والوثاق: لا والله ما بتودونه.. ما بخليكم.. هذا سلطان.. تعرف شو يعني سلطان؟ والله ماخليكم.. والله.. وهذي حلفة

بو سلطان بوجع عظيم: تشوفينه؟ سلطان في عالم ثاني يا أمي.. المكان هذا أحسن له

الجدة تعلقت فيه: خلوه.. خلوه عندي أنا بجابله.. والله إنه بيرد بخير.. هذا ولدي ورباة ايدي أعرفه أكثر عن عمري

أمسك بها ابنها الكبير رغمًا عنها واخرجها: سامحيني أمي

كانت تصرخ: لاااااا.. خلوني عندي ولدي.. والله لاغضب عليكم.. والله مارضى على ولا واحد فيكم.. خلوني عنده.. خلوني عندي ولدي "كانت تشهق وهي تراه.. وهو يبادلها النظر" خلوني عند سلطان


.
*
.
*
.
*



الحاضــر


فتحت عينيها على صوته وهو يختنق بصوت منخفض: ذبحت حمدان.. ذبحته.. ذبحته

فزعت من منظره.. حاولت تواعيه: سلطان.. قوم.. انته تحلم

شعر بحرارة كبيرة في رأسه وفي جسمه.. ونبضات قلبه سريعة جدًا
فتح عيونه بقوة ونفث عن يساره ثلاثًا: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم

التفت عليها وكأنه للتو يستوعب وجودها
شعر بوجهه يصغر إلى أن لم تتبقى به ملامح.. كل الثقة التي تحلى بها بالأمس.. ذابت في أول ليلة.. بل في أول سويعات من الليلة

شعرت باحراجه.. وشعرت بأن وجودها يزيده.. لذلك تثائبت بتمثيل واضح: اآآه انا برقد

بينما نهض هو بصمت.. ودخل إلى دورة المياه

عادت إلى جنبها الآخر تحاول النوم.. ولكن أبت الافكار أن تتركها
شعرت بقلبها يحترق.. ما بين مظهره الزاهي بالأمس.. الثقة والابتسامة الساحرة.. وما بين منظره الآن
نظرته الحمراء.. صدمته من وجودها.. وكأنه تعرّى فجأة من كل افكاره السوداء.. وبغير رغبة منه
نزلت دموعها بغير إرادة منها.. وضعت يدها على فمها تكتم صوتها.. سلطان يعاني إلى الآن.. جروحه لا زالت دامية.. ولا أحد يعلم بمعاناته
قضى سنين طويلة في المصحة يتعالج من مرض لم يصب به قط.. وتُركت علته الحقيقية باقية وتتمدد في نفسه



،



فتح الدش الساخن على رأسه.. يريد إحراق بدنه.. يود لو يستطيع سلخ جلده والتخلص من هذه النار التي تلتهمه
نظرة وديمة المرتعبة لم تفُته أبدًا.. كانت خائفة.. تنُظر إليه وكأنه وحش.. مجنون.. وهي التي شهدت له بالبراءة من كل تلك التهم
كان شعوره سيئًا جدًّا.. فهذه ليلته الأولى معها
هي طبيبة نفسية ولا يظنها ستحكم عليه كبقية النساء.. ولكنها ليلتها الأولى "ضرب الجدار بقوة".. هذه ليلتها المميزة
شعر بغصة في جوفه.. باختناق من قوة البخار.. حتى الماء الحار لم يسعفه هذه المرة

خرج من دورة المياه وكان المكان هادئًا.. لم يرغب بالاقتراب.. ولكنه خمّن بأنها عادت للنوم
لو كانت امرأة أخرى لهربت منه.. فلقد كان كالمجنون
أما هذه.. مثّلت عليه السذاجة ونامت
كان ينظر إلى الجزء الظاهر من ظهرها بامتنان شديد.. قدّر لها تصرّفها هذا جدًا

إن كانت به ذرّة شك بالاختيار.. فالآن زالت
زالت تمامًا.. وديمة خير اختيار.. مناسبة ومفصّلة عليه تفصيلًا

قرر الخروج لاستنشاق هواء نظيف لعلّه يطفؤ ما بصدره

جلس في حديقة الفندق يراقب الناس.. رأى رجلان يتمشيان في الحديقة
كان الآخر يحادث الأول بجدية تامة وكأنه يعاتبه أو ينصحه.. والآخر يستمع إليه بصمت

تذكّر أيامه.. ابتسم بقلب موجوع على الذكرى
كان لديه شقيق فريدٌ من نوعه.. ذو دمٍ خفيف.. عبقري بالفطرة.. وصاحب شخصية مميزة جدًا
حتى عندما أُصيب بالمرض.. لم تغب عنه الابتسامة ولا الأمل.. كان ينظر للحياة بإيجابية دائمًا
لا يندب حظه ولا يعيش في الماضي.. مثله

ومنذُ أن توفّي ذاك الأخ.. لم يعُد سلطان، سلطان نفسه
كان مايد يحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية سلطان.. يشاركه الهم.. الفرح والغم
والمعيشة بدونه مرهقة جدًّا.. خصوصًا على شخصية مسؤولة بالفطرة، كسلطان


*
،

*
،



المـاضي


الزمن: شهر مضـان - بعد صلاة المغرب


بطبيعة مكانة بو سلطان، كان مجلس منزله الخارجي، والمنفصل تمامًا عن المنزل الأساسي، وجهةً مفتوحة دائمًا لرجال بوالخيول، وبقية معارفهم أيضًا
وبطبيعة الرجل العربي.. يُكرم ضيفه بخدمته بنفسه.. وعدم الاتّكال على الخدم بشكل كامل

كانا يحملان أواني الفطور متجهين إلى المجلس الخارجي.. عندما حادثه سلطان بصوت منخفض: مايد.. خذت دواك؟

مايد: اوووووه نسيت والله تصدق.. قلت باخذه يوم بطلع من المسيد بس غاب عن بالي.. يالله بنحط الفطور وبسير آخذه

سلطان بجدية: مايد تحمّل لا تتأخر على ادويتك مب زين

مايد: شال صينية والا بدق لك تحية سيدي.. على أمرك

ابتسم سلطان واكمل طريقه


،


بعد الإفطار همس له مرة أخرى: الدوا مايد

مايد ضرب جبهته: يا الله نسيت والله.. يالله بنش الحين

ناداه والده: مايد.. تعال اطّالع سيارة عمك بو سالم ماتشتغل.. أحيدك تعرف في هالسوالف

فز مايد: يالله ياينك أبويه
ذهب مايد إلى السيارة يعبث بها باحترافية
قال: يبالها تبديل قطعة بسيطة بييبلك اياها من الصناعية وبركبها.. إذا مستعيل تفداك سيارتي وسيارتك ان شاءالله بوصلها لك عند بيتك

بو سالم: ما تقصر ولدي.. بعدنا يالسين هني جان بتيب القطعة ومابتطول بترياك

ذهب مايد إلى محل قطع الغيار، أتى بالقطعة وبدّلها.. أتى إليه سلطان مرة أخرى في خضم عمله: ماخذت الدوا صح؟

مايد طفر منه: اوهوووو ان شاءالله يوم اعرس ماتكون حرمتي طفرة شراتك

تجاهله سلطان ومد له الدوا: لا تلعب بأدويتك يا ولد.. الدكتور قايل عقب التمرة على طول تاخذ الحبة

فتح مايد حلجه بتسلية: يلا أكلني بيبي

سلطان بغضب: أنااا وبعدني!!!! تشوفني حرمتك تقوللي بيبي مسود الويه

ضحك مايد: هههههههههههه انزين ايدي كلها خياس ماروم ايودها بايديني

ابتسم له سلطان.. كان مايد الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يجرؤ على المزح بهذه الطريقة مع سلطان.. ورغم كونه لا يبادله المزح الا أنه لا يأخذه بجدية أبدًا

رمى سلطان الحبة في فمه.. وفتح له عبوة المياه وقال بصدق: فيها العافية يارب


،



يوم آخر وموقف آخر


كان يراه مضطربًا.. ويغيّر مكانه باستمرار
ذهب إليه: مايد أنت بخير؟ خذت دواك على الوقت

مايد: مادري خذت الدوا أو لا.. ماذكر

سلطان: اكسر صيامك وخذه.. أنت مريض

مايد باستخفاف: بسس أفتى فضيلة الشيخ

سلطان بنرفزة: مايد! اسمع الكلام

مايد قهقه: لا تحاتي باخذه عقب الفطور على طول

همس له سلطان بقلق: تسمع أصوات؟

تنهد مايد وأغمض عيونه: ما رحموني.. غيرت مكاني كم مرة وحاولت اشغل نفسي ولا فاد

سلطان بجدية: مايد لازم تاخذ الدوا.. هالايام أشوفك مهمل.. صحتك اهم والدين سعة

مايد: مب باقي الا كم ساعة على الأذان ان شاءالله بقدر

سلطان بغير اقتناع: مايد لا تخاطر

مايد: ماعليك "قال بتهرب" بسير اطالع امايه

هز سلطان رأسه: سير وارجع لي.. ماتطلع من البيت اليوم

مايد: بطلع وأنت وياي شو رايك نسير عقب التراويح بيت قوم الحازم عازميني

سلطان: ماله داعي انت تعبان

مايد: كيفك إذا ماييت بسير بروحي

شافه سلطان بنظرة شر

ضحك مايد: ههههههههههه اعوووووذ بالله.. يالله ياخوي بنسير نسلم شوي عقب التراويح ونرد لا تستوي نحيس

تنهد سلطان: على خير يارب


رفع نظره إليهم ثم أعاده.. كان يسمع مقطعًا بصوت عالٍ في هاتفه.. عن علامات قيام الساعة ويأجوج ومأجوج

قال مايد: ابويه الله يهديك شو هالرعب والناس صيّام

بو سلطان: عشان تتعظون.. الواحد لازم يسمع عن اليوم الآخر

مايد: ابويه تصدق.. أنت وسلطان طبق الأصل من بعض.. سبحانه ربي تقول داخل طابعة ومطلع اثنين مثل بعض.. كله نصايح ومواعظ طول الوقت.. خلكم كووول وعيشوا الحياة ترا الدنيا يومين

ابتسم بو سلطان: الحمدلله عايشين منو قالك متنكدين؟

مايد بصوت واطي: والله اللي يشوفكم يقول

بو سلطان: الله يبارك لي في سلطان ومايد وباقي العيال.. الحمدلله مارزقني من الذرية إلا أطيبها



،



بعد ساعات.. كانوا بانتظار مايد ليذهبوا إلى منزل الحازم على الاتفاق
دخل عليهم مايد بثوب أبيض ملطخ بالدماء.. يمشي والدماء تقطّر من ثوبه.. حتى طبعات رجله على الأرض كانت بالدماء

شعر سلطان بهبوط في قلبه.. ركض إليه بخوف: مايد.. مايد.. شو هذا؟ "تلمّس جسمه" بسم الله عليك.. تعورت؟ مسوي حادث؟ شو استوا؟؟

وضع مايد يده على لحية سلطان ولطخها بالدم: ذبحت يأجوج ومأجوج

صرخ بو سلطان بذعر: اعوذ بالله منك يا ابليس.. ذبحت منو؟

مايد بابتسامة: ذبحت رئيسهم.. يأجوج ومأجوج

شعر بالجنون وهو يمسك بوجهه: مايد أنت شو تقول؟؟؟ ذبحت منو؟

مايد: والله ذبحته.. قالولي إنه رئيسهم.. ماصدقت في البداية بس اقنعوني إني لازم اذبحه.. بس الباقي لحقوني.. مارمت اذبحهم

بو سلطان يشعر بأنها كذبة.. ولكن رجليه باتت ترتجف
بو سلطان: مايد ترا هالسوالف مافيها مزوح

مايد مد يديه: ايديني كلها دمه.. أي مزوح؟

سقط بو سلطان في مكانه.. لم تحمله رجله أكثر.. لا يستطيع تحمّل هول الجنون الذي ينطق به مايد


انحنى سلطان على والده: ابويه.. أنت بخير "ثم صرخ على مايد" لا تتحرك من مكانك

بو سلطان بدأت دموعه بالنزول: شوف أخوك شو مهبب.. انا بخير


شعر بالضياع.. يخشى على والده.. ويخشى على مايد أن يتركه هكذا.. ويخشى حتى على والده منه

سحبه بأقوى ما لديه.. وحبسه في الحمام.. خرج بثوبه الملطخ من المجلس.. وضع يديه على رأسه.. الدماء في كل مكان.. والدنيا ضجييييج.. كانت الفوضى تعمّ المكان خارج المنزل
ابناء الحازم على الباب.. يشعر بالانهيار.. اتصل بحمدان: حمدان.. الفزعة دخيلك.. مصيبة وطاح فيها اخوك دخيلك تعال وييب عيال العم وياك.. بس إذا حد استفزكم لاتزيدون المشاكل بنحاول نحلها بالهداوة

حمدان فز: شو مستوي؟

سلطان شعر برغبة بالبكاء: تعال وبخبرك.. الحق علي ياخوي


كانت الطرقات على البوابة الخارجية تتعالى.. حتى الأمن لم يستطيعوا الحفاظ على النظام.. عليه للخروج بنفسه.. كان يشعر بأوصاله تتراعد ولكنه حاول تزييف التماسك.. لم يسبق له أن وقع في موقف بهذه القوة

كانت غترته البيضاء تُظهر بعضًا من شعره بفوضوية.. وأكمام ثوبه مرتفعة.. غسل يديه وبدنه عن الدماء ثم خرج رافعًا يده: اذكروا الله يا اخوان شما

صرخ أحد الشبّان بعين دامعة: طلعه لا احرق البيت باللي فيه

سلطان نظر إليه مباشرةً في عينه ليربكه: اطلّع منو؟ ياخوي أنتوا واقفين على باب بيتي متيمعين ولا أدري شو اللي تبونه
"ثم وزع نظره للجمع" البيوت لها حرمة ونحن عرب لنا سنع ومذهب
إن كان لكم حق عندنا بتاخذونه على هالخشم.. كلكم على الراس من أكبركم لأصغركم.. عيْنوا من الله خير وخلونا نتفاهم

قال أحد الكبار بحسرة: ولدكم ذبح ولدنا وشرد يا سلطان.. ضحّى به مثل اضحية العيد

ضج المكان مرة أخرى

صرخ الشاب: ذبح اخووووي ولدكم المجرم ذبحه


لم يكمل كلامه.. إلا بأصوات مكابح عالية.. وإنارات.. تنفس سلطان الصعداء.. ابناء بوالخيول وصلوا جميعًا
نزل عدد كبير من الرجال.. معظمهم من الشباب.. يهدؤون من روع هذا.. ويجبرون بخاطر ذاك.. تكاتف الجميع هنا ليس دفاعًا عن مايد وحسب.. بل دفاعًا عن اسم ثقيل يحملونه جميعًا
مايد غالٍ على قلوبهم صحيح.. ولكن اسم "بوالخيول" أغلى واهم من أي أحدٍ آخر


،


ذكرى أخرى

كان رمضان هذه السنة مختلفًا عن كل ما سبقه.. كان صعبًا ومريرًا على الجميع
الكل يشعر بكآبة شديدة.. مايد مسجون.. في قضية قتل

كانت سلامة تشاركهم الفطور اليوم: امايه كلي حبيبتي مب زين.. طول اليوم صايمة.. كلي شي على الاقل

نزلت دموعها بحسرة: وين آكل وولدي محبوس.. وين يا سلامة

سالت دمعة والدهم أيضًا.. بصمت

سلطان: لا إله الا الله.. امايه اذكري الله.. يالله كلي عشان خاطرنا.. لبدنك عليك حق.. يالله كلي يا أمي.. صيامج عن الأكل ما ينفع مايد لكن لا قدّر الله إن عرف إنج بهالحال مابيكون بخير صدقيني

مسحت دموعها برجفة وبدأت تغصب نفسها على اللقمة
قالت: عطيتهم تقرير المستشفى إنه مريض؟

سلطان: هيه الغالية عطيتهم كل الأوراق.. والمحكمة عقب كم يوم.. المحامين يقولون إن الأمور بتمشي لصالحه ان شاءالله.. الله يفرّج عنه يارب

همس والدهم: يارب

سلامة تنهدت: حبيبي يا مايد.. الله يفرج عنه يارب ويشفيه.. ويرحم الميت ويصبر أهله.. والله صعبة على الكل.. سلطان حبيبي أنت رمسته؟

سلطان: رمسته ورمست دكاترته.. الدكاترة يقولون ضروري ينتقل المستشفى عشان لا ينتكس أكثر.. لكن الشرطة رافضين أي نقل قبل أمر المحكمة "تنهد" يارب خير

رأى وميض هاتفه أمامه.. اشّر للجميع بالصمت.. ثم رد.. كان يبادل الشخص السلام والسؤال عن الأحوال ثم صمت فجأة
صرخ: شوووووو؟؟؟؟؟

لم يتحمّل أي أحد خبر جديد سيء.. فتح بو سلطان أزار ثوبه.. لا يعلم بالخبر بعد.. ولكن ردة فعل سلطان لا تنبؤ بالخير أبدًا

انهارت أم سلطان من البكاء: ياربي.. احفظ عيالي.. يارب انك تحفظ عيالي.. يارب

سلامة همست: سلطان شو مستوي؟ وقفت قلوبنا

أغلق السماعة ووقف.. لا يعلم مالذي عليه قوله.. أغمض عينيه بقوة يقاوم هطول الدموع من عينه

وضع يديه على رأسه.. كان يمشي بلا هدى
يارب كل شيء الا هذا.. كل شيء الا هذا يارب.. حاول التماسك خلال الأيام السابقة على أمل أنه سيعود.. سيتعالج ويعود.. كان هذا أمله
مايد السند.. مايد الأخ.. توأم الروح
شعر بوهنٍ شديد.. كيف سينقُل الخبر؟ لم يلتفت عليهم ولكنه يستطيع سماع الرعب في أصواتهم.. ليس به قوة.. ليس به صبر

حادثه والده: سلطان

نظر إليه بعيون محمرّة.. كيف يقولها.. كيف

بو سلطان بتعب: انطق يا سلطان

قال ببطء: مايد.. انتحر في السجن


صمت.. صمت.. صمت الجميع فجأة


حين صرخت: لاااااااا.. لا تقولها.. دخيلك.. لااا ولدي.. واحسرتي عليك يا ولدي.. واحسرتي عليك يا مايد.. "اجهشت بالبكاء" لا تقولها دخيلك

نهض بو سلطان إليه يرتجف: سلطان تأكد يمكن فيه غلط

قبّل رأسه بقوة.. ثم احتضنه.. بصوت متحشرج: ياريته غلط.. ياريت.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى

جلس بو سلطان من الصدمة.. يبكي
أما أم سلطان فكانت منهارة تمامًا.. تصرخ وتولول.. ابنها المحبب إليها تُوفي.. بل انتحر
أمسكت بها سلامة.. ولحقت بها لطيفة.. يحاولون تهدئتها.. وكل واحدة منهن تبكي المصاب
هذا مايد.. هذا مايد الغالي.. الشقي.. المرح.. هذا مايد
كانت صغيرة تنظر إلى الموقف بخوف كبير

لا تعلم مالذي يحدث.. الأمور في العائلة كانت غريبة مؤخرًا.. ولكنها أصغر من أن تفقه شيئًا.. مايد الذي يلاعبها دائمًا ويشتري لها الحلوى.. الأخ الذي علّمها أساسيات الفروسية اختفى فجأة
والآن يبكونه جميعًا.. كانت تنظر إليهم جميعًا بصمت كبير.. ودموع على خدّيها تنزل بغير علم


،


الحاضر


شعر بغصة عظيمة في حلقه.. ارتشف قليلًا من الماء لعلّه يُطفؤ لهيبه
مسح دموعه التي نزلت بغير علم.. ثم نهض يمشي قليلًا.. يستنشق بعض الهواء النقي لعله يعود إلى عروسه بنفسية أفضل


.

،


.
،






كانت مستلقية على جنبها.. تفكّر بالليلة الماضية
حياب أعطاها درسًا دينيًا جديدًا.. الظهار.. وقد طبّقه للأسف عليها
قال بأنهما سيبقيان مع بعضهما البعض مؤقتًا.. كالأخوة.. إلى أن يستطيع إقناع أهله بتطليقها

لم يكن الزواج من أولوياتها في البداية، وليس ذو اهمية كبيرةٍ الآن.. أو لعلّها توهم نفسها بأنه ليس ذو اهمية؟
بأي حال.. ما يؤرقها هو فرق التوقعات عن الواقع.. الناس حولها ينتظرون الحفيد الأول لبوحياب وأم حياب.. بينهما هي وهو....

تتذكر نظرات الغيرة والحسد عندما خطبتها أم حياب.. وكأن الجميع يظُنها غير لائقة به.. يقال بأن حياب، مزيون العائلة.. يستحق فتاة أجمل، وذات شخصية افضل منها
لم تهتم أبدًا.. لا تعلم ما هي معايير حياب ولم تقارن نفسها بأحد قط.. كانت تسبح في عالمها وحسب.. ما بين والدتها، دراستها، والخيول.. هذا كان جُلّ تفكيرها
ولكن دخول حياب القوي في حياتها.. وإن لم يكن دخولها سلسًا
إلا أنه كان ذات تأثير واضح
خصوصًا وأنها قضت الفترة الأخيرة معه هو فقط.. فهي لم تكن ترى سواه، والخدم
دخل قلبها رُغمًا عنها.. وإن لم تكن عاشقة.. ولكنها مُودة.. وشعور النبذ ممن تود.. شعور سيء جدًا


التفتت إلى الجانب الآخر من السرير.. كانت ابنة خالها.. وأخت زوجها بالرضاعة نائمة بعمق.. وراحة بادية على وجهها
تذكّرت أيامها الماضية.. قبل أن تعرف الزواج.. كانت الأمور أسهل.. كانت حياتها على بساطتها افضل
كانت مطمئنة
أما الآن.. فلقد نزع حياب كل ذاك الاطمئنان

غادر المكان هو.. قال بأنه سيذهب إلى مجلس الشباب.. ولم تهتم هي وخرجت إلى غرفة اليازية
فلقد ختم حياب حياتهما بالانفصال.. وقضي الأمر


واجهها غضب شديد من اليازية.. التي تشبه سوادة كثيرًا في الطباع.. ولكنها أشد جرأة.. كانت تريد الذهاب إلى حياب والشجار معه
لمَ أحزن صغيْرة؟ التي لا تؤذي حتى نملة؟
ولكن صغيْرة ردعتها.. أقسمت عليها بأن تعود إلى مكانها وتتركه.. لأنها وكما تقول "لا يهمها"



.
،




في المملكة المتحـدة



دخل الغرفة ورأى وجهها الفاتن بالنسبة له.. والشامة على خدها زادت جمالها جمالًا.. كان شعرها الأسود موزع على أكتافها.. ملامح تضج بداوة.. وحاليًا تضج نومًا

سوادة بكسل: فيك شي؟

قرواش: ماتبين ريوق؟

سوادة: امبلى.. يعت

قرواش: تعالي بننزل نتريق في الحديقة الجو حلو.. خليتهم يغطون المكان بس ييبيلج شي يسترج احتياط

لم ينتظر ردًّا منها.. بل نزل بسرعة
لقد تزوّجا وانقضى الأمر.. ليس كما يريد صحيح.. ولكن عليهما الآن أن يُصلحا ما بينهما ويمضيان بالحياة


أما هي.. قدّرت له هذا التصرّف كثيرًا.. أنه لم يمتنع أن يكون سيئًا وحسب.. بل إنه يُحسن إليها رغم أنها لا تستحق أي ذرة إحسان.. لا من قبل ولا من بعد


ارتدت فستانًا جميلًا.. وتزيّنت زينةً بسيطة.. وإن كانت بخيلة بالمشاعر.. على الاقل ستُكرمه بمظهر حسن.. لأنه يستحق


كان الفطور هادئًا.. وصامتًا بالغالب.. وتخترقه بعض أحاديث قرواش عن الخيول والسباق والاستعدادات
كانت تحاول أن تشاركه الحديث

قالت: أنا أحب الخيول بس مشكلتي اتعايز فترة طوييييلة ما اركب.. وعقب إذا ركبت ما تكون فيني لياقة وينقطع نفسي

قرواش باستغراب: كيف تصبرين عنهم؟ أنا لو ما ركبت فترة أتم متحرقص (متوتر) أحس في شي ناقصني

سوادة: اممم مادري.. اتعايز.. أحس الواحد يوم يكون فاضي على كثر الفراغ اللي عنده إلا إنه ماله خاطر يسوي شي

قرواش: والله الخيول ما ينصبر عنها... غريبة أنتي الا شرات وضحوه

ابتسمت بحزن على طاري وضحى: أخبارها وضحى؟ سمعت شي عنها

قرواش: الحمدلله بخير.. رمستها من كم يوم ماشتكت من شي وكانت تمدح حامد.. الله يوفقهم يارب




.
،
*
.




فتحت عينيها على نور خفيف يتسلل من الستائر.. شعرت بشيء يقرص جنبها.. لفت وجهها إلى الجانب الآخر
كانت باقة ضخمة من الورد الأحمر تغطي النصف الفارغ من السرير.. صغّرت عينيها بتركيز.. رفعت البطاقة.. لا تستطيع قراءة الكلام جيّدًا

فتحت الانارة الجانبية وارتدت نظارتها لتقرأ.. كانت البطاقة شديدة الفخامة والترتيب.. وكأنها كتبت على يد خطاط
"صباحية مباركة يا عروس سلطان"

ابتسمت بحب على المسمى.. عروس سلطان.. يا زينه من اسم.. باقة سلطان هني.. لكن وين سلطان؟



نهضت بكسل.. عليها الاستحمام والبدأ بالتزين.. طوال عمرها كانت منغمسة بالعمل والدراسة.. لم تعتد على ملئ وجهها بمساحيق التجميل في هذا الوقت المبكّر
ولكن عليها إجبار نفسها على ذلك.. فهي الآن متزوجة.. وكما رأت.. قريبات زوجها فائقات في الجمال.. صحيح بأنهن ذوات ملامح موحّدة ومتطابقة.. ولكنها ملامح مميزة جدًّا.. وكلهن شبيهات لسلطان

ارتدت لباسًا ناعمًا.. تزيّنت وتعطّرت بعطر هادئ
خرجت إلى الصالة فرأته واقفًا أمام النافذة وبيده كوب قهوة
يبدو سارحًا في خيالاته

كل ما كان يدور ببالها بأن الخطوة هذه متروكة عليها.. عليها أن تتحدى خجلها وتذهب إليه لتكسر الحاجز الذي بُنيَ بالأمس.. تعلم بأنه مُحرَجٌ منها.. ولكن هذا الموقف يجب أن يُقتل الآن.. والا نمت هذه الحواجز وحالت دون السلام


أما هو.. كان ينظر إلى ناطحات السحاب أمامه.. حين فرطت منه ضحكة ساخرة

على حسّاده أن يطّلعوا على أمره.. كيف قضى ليلته وهو عريس
أن يفتشوا في قلبه وينالوا نصيبًا من ذكرياته.. عندها سيعلمون بأن الله وزّع النعم والبلاء على كل عباده
وأن سلطان ليس أسعد شخص لأنه ابن بوالخيول الأكبر، أو لأنه يمتلك كل هذه المزايا، بل هو يمشي مع البلاء خطوة خطوة.. ولكنه موقنٌ بأن البلاء مقرونٌ بالحياة، والدنيا ليست سوى معبر سبيل
تنهد وهو يفكر بأن الراحة في الجنة بإذن الله

حين شعر بأصابع باردة تلمس أصابعه

التفت عليها.. يعترف بأنه لم يتوقع ردة الفعل هذه بعد مشهد الفجر
لم يتوقع أن يرأى ابتسامتها المُشرقة، نعومتها وأنوثتها.. حتى التنبيه بوجودها كان أنيقًا ورقيقًا بطريقة تُشبهها


قبل رأسها: عذبة الصفات وعذبة المبسم، وعذبة المعشر.. كيف اجتمعت فيج كل هالصفات يا سمحة المحيّا؟


شعرت بخجل كبير من هذا الغزل المفاجئ
صحيح بأنها عزمت على عقد الصلح، أو هدم الجدار الذي قد يكون بُني بالأمس
ولكن سلطان قفز بها قفزة عالية


أمسك ذقنها بيسراه: قوليلي كيف؟

التفتت عنه بخجل: سلطان شوي شوي علي

ضحك على منظرها.. احتضنها وقبل رأسها بحب: ههههههه صباحية مباركة.. يا عروس سلطان

بادلته الاحتضان وهي تقول: بصوتك أحلى

سلطان: افا ما عيبج خطي

قالت: كل شي حلو "رفعت نفسها لترى ما بكوبه" ليش تشرب قهوة على معدة فاضية؟ مب زين
"ثم نظرت إليه بشك" ليكون تريقت بدوني!

سلطان ابتسم: مالنا حاية بالأكل.. من شفت الملاك شبعت

عبثت بشعرها بحياء: خلاص سلطان.. قلنالك شوي شوي

سلطان أمسك بيدها: حاضر وتم.. بنطلب ريوق هني مابا أطلع

وديمة: شمعنى؟

سلطان ببراءة: أنتي قلتي لا تغازلني

وديمة ضحكت: يالعيّار.. خبرني الحين فيني فضول

سلطان حرّك بصره عليها ببطء شديد.. من رأسها إلى أخمص قدمها: مابغي أحرم عيوني من هالمناظر

شعرت برغبة بأن تغطي نفسها عنه.. ابتسمت بحياء ومشت عنه: والله إنك عيّار صدق




.
،




كان عند خالته.. على غير العادة.. ولكن المنزل قد خلى من الفتيات.. وأصبح الأمر أكثر راحة بالنسبة له


كان متلذّذًا بفطوره: يووووووه خالوه والله إن النعيم ريوقج

ابتسمت له: بالعافية عليك حبيبي.. والله تولّهنا عليك.. خذتك منا الغربة

غديّر: الله ييسر الأمور يارب.. والله إني تعبت أنا بعد

أم سلطان: بسك حبيبي.. ماشاءالله كم عمرك الحين؟

غديّر: هالسؤال معروف آخره.. عمري 30

ضحكت بخفة: يعل عمرك طويل بطاعته يارب.. هي زين يوم تعرف.. مسكينة أمك عيزت وهي ترمس عن هالموضوع.. متى بفرح بولدي.. ومتى بفرح الولدي
كل ما عرس حد زادت غبنتها.. مب حسد ولكن غبطة
صدقها كل الشباب عرسوا أصغر منك وتبارك الرحمن عندهم عيال.. حتى ولدي سلطان ياالله انك تبارك له وتحفظه وتسعده يارب.. عرس وهو تعرف وضعه كيف كان لكنه من طلع عرس علطول

غديّر: الله يبارك لهم كلهم ويرزقهم الذرية الطيبة

أم سلطان: آمين غديّر فديتك.. وعقبالك ياربي افرح فيك.. يشهد الله إن غلاك من غلا عيالي.. سلطان ومايد الله يرحمه ونهيان

غديّر: الله يرحمه يارب

أم سلطان: هيه.. بعد أنته البچر ولازم تفرح أمك فيك

غديّر: ان شاءالله خالوه.. دعواتج

رفعت يديها بحب عميق.. لهذا الشاب.. ودعت له من قلبها.. دعوات تأثر هو لها.. يعلم بصفاء قلب خالته.. ويعلم بمعزته لديها

قال بعد صمت: خالوه.. في موضوع جديييم مستوي من أيام أبوي الله يرحمه.. وابغي فزعتج فيه لأن محد يعرف عنه من الحريم

أم سلطان شعرت بقبضة في قلبها: الله يستر يارب

قهقه: لا تخافين "ثم أردف باستنكار" ياااالله يالأمهات إن قلنالكن شي على طول خفتن

أم سلطان: شو نسوي بعد أنتوا عيالنا أغلى ماعندنا.. كيف ماتبانا نخاف؟

غديّر: خالوه أنا معرّس

فتحت عينيها على وسعهن بصدمة: غديّر!

غديّر: لحظة لا تحكمين.. أنا بخبرج الموضوع كله.. والله إني ما غلطت ولا بيدي الموضوع

أم سلطان لم تفكر بأي أمر قد يشفع له: قول.. بسمعك

بدأ بقص ذات القصة عليها من الألف إلى الياء.. وهي تسمع بهدوء كعادتها.. ولكن جلّ تفكيرها كان بشقيقتها التي طالما كانت بجانبها ولطالما كانت تدعمها

أم سلطان: الله يقوي قلبج يا أختي.. شو بقول.. والا انتوا ما منكم رجا

غديّر: خالوه أنا مالي ذنب ليش أحسج تلوميني

أم سلطان: شو بعد مالي ذنب؟ عرست وفهمنا ترضي أبوك.. سنة سنتين.. عنبوه عشر سنين ترضيه.. تقص على منو؟

غديّر: لا إله إلا الله.. إذا أنتي تقولين هالرمسة أمي شو بتقول؟

أم سلطان: وأنا صادقة

غديّر: خالوه دخيلج الحين ساعديني في الموضوع.. تيمّلي (تجملي) فيني عند أمي وأمي صغيرة.. مادري شو أقول وكيف افتح الموضوع وياهن

أم سلطان بشك: وأنت تبغيها البنت؟ مبين عليك جذي

غديّر شعر بإحراج طفيف: هي أبغيها

أم سلطان: لبد بينكم شي يا غديّر؟

غديّر: لا والله هي عايشة عند أهلها وأنا في شقتي ويا الشباب.. ولا بيننا شي كبير.. لكن البنت دخلت خاطري وأبغيها.. وهي حلالي من الاساس

أم سلطان تنهدت: الله ييسر ما فيه خير

غديّر: أنا تعرفيني مرتبط بالجامعة وماروم أطول هني.. بس أبغيج تحاولين تلينين راس أمي وتلمحين لها لين أرد باذن الله وارمسها أنا.. هي تسمع كلامج لكن لو رمستها أنا بترفض على طول

أم سلطان: يصير خير



.
،
.




كانت صامتة.. دموعها تهطل وتمسحها.. ثم تعيد يدها إلى بطنها تمسحه.. وكأنها تودّع ما كان فيه

قبّل رأسها بحنان: خلاص يا وضحى.. بسج صياح يا عيوني وقلبي.. الياهل بداله عشرة ان شاءالله.. هلكتي عمرج من الصياح

وضحى بصوتٍ باكٍ: قلبي يعورني.. مات كله من إهمالي

حامد: لا إله الا الله.. هذا أمر الله حبيبي.. أهملتيه أو لا هذا رزق من الله.. إن شاء تممه وإن شاء أخذه.. يكتبه متى ما يريد

صمتت.. تعلم بأن كلامه صحيح.. ولكن بها حرقة لا تنطفئ

حامد: لكن هذا ما يعني إنج تستمرين بالإهمال.. أنا غلطتي إني كنت أعرف عن مرضج ورغم هذا ما تأكدت من التزامج بالعلاج

وضحى هزت راسها بالنفي: أنت ما لك ذنب

حامد: ما عليه.. من اليوم كل شي بيتغير.. بنتابع السكر أول بأول.. ومب عشان العيال بس.. عشان أم العيال بعد.. والا شو رايج؟

ابتسمت بخجل وسط دموعها

صحيح بأنها لم تكن تخطط للإنجاب حاليًا.. أو لنقل بأنه لم يكن ضمن اهتماماتها.. ولكن شعور أنها كانت أمًّا.. ولو لأسابيع معدودة.. أعطاها شعورًا مختلفًا.. لا يقارن بأي شعورٍ آخر
شعور جديد.. وعظيم.. وكأنه ضوءٌ بها.. واشتعل
لا تستطيع تجاوز فقد الجنين وكأنه لم يكن.. فقط لأنها لم تراه بعينها


قالت: خبرتج قوم امايه؟

حامد: لا ماخبرت حد.. مابغيت اخوفهم قلت اترياج تصحّين ونسير لهم بنفسنا

وضحى: زين سويت




.
،



كانت تتغدى بصمت.. بينما كان هو يسرُق النظر بين الفينة والأخرى

قالت أم حياب: حياتي صغور چنج ضعفانة زيادة؟ عنبوه يا حياب ما تأكلها؟

بو حياب: مسكينة وين بتشوف العافية وهي عايشة ويا ولدج

حياب: افاااا بس يا بو حياب.. الحين أنا آكل العافية.. بالعكس اللي يعيش وياي قلبه يخضر وتورّد حياته.. والا شو رايج صغّور؟


ابتسمت في وجهه بسخافة وأعادت النظر إلى صحنها


قهقه بو حياب على حركتها الطفولية: هههههههه ما عليه بنيّتي.. ساعات يكون البلا على شكل ريال وساعات عيال.. أنا الله بلاني بالعيال وأنتي الله بلاج بالريل.. تحملي

فرطت ضحكة عالية من اليازية التي كانت معجبة بكلام والدها من الرضاعة.. قالت بصوت منخفض: والله صدقه أبويه

أما حياب فلم يهتم لها.. كان مركّزًا على وجه صغيْرة يحاول تبيان شعورها بعد ليلة أمس.. ولكنها كانت صامتة كالعادة

بو حياب: صغيْرة بنتي.. شو رايج تخاويني المزرعة اليوم براويج حلالج وحلال عيالج ان شاءالله

صغيرة قال بخجل: ما تقصر عمي.. بس أنا بسير عند أمي مواعدتنها العصر

بو حياب: افا.. ليكون زعلانة؟

صغيرة: لا بس لأني برد بريطانيا قلت أيلس وياها شوي

بو حياب: على خير يارب

حياب بسخرية: ابويه من الحين سلّمتها الحلال كله؟

بو حياب: يفداها وهي بنت محمد.. وتستاهل كل خير



.
،





رآها وهي تُغلق حقيبتها: على كيفج تقررين إنج بتسيرين عند أهلج؟ تتحرين عمرج ماخذة طرطور؟

لفت عليه باستغراب: مب أنت قلت بنيلس مع بعض فترة.. تمثيل؟ وكل واحد يعيش حياته مثل ما يبا لين نتطلق؟

حياب: بس هذا ما يعني انج تقررين تطلعين وتنفذين وتحطيني في الأمر الواقع وخصوصًا جدام أهلي

صغيرة بعدم اهتمام: اوكي.. ما كنت اقصد افشلك عند أهلك

حياب لم يُعجبه عدم اكتراثها به: ليكون اانتي صدق مغصوبة علي؟

التفتت عليه بتعجب.. قالت بنبرة جديدة: لا ما انغصبت ولا اني كنت ميتة عليك لا تحاتي.. الزواج بكبره ما يهمني اصلا

اقترب منها: تكلمي عدل.. عنبوه ليلة ويا يزوي عادتج بلسانها الطويل!

صغيرة: تمام.. بتكلم عدل من اليوم.. ممكن توصلني عند أهلي؟

خرج من الغرفة: اترياج



نظرت إليه وهو يخرج من الغرفة بعكازه.. هي ليست من اللذين يسابقون الريح.. وليست من اللذين يحاربونها.. بل إنها تمشي مع الرياح بانسجام.. أينما كانت الوجهة.. وإن كان يريد تطليقها.. فليكن.. لن تسعى لإرضائه أبدًا


نادت الخادمة لتُنزل حقيبتها.. بينما ركبت هي معه بهدوء تام.. إلى أن وصلت منزل والديها
استقبلتهم والدتها الغالية المُخلصة.. المختلفة عن كل الأمهات من وجهة نظرها
ترى أمها شعلة حنان يضيء بها الجميع
لا تفتأ أن تغمر الكل بحبّها

قالت لحياب: يالله عقبال ما نشوفك بدون عكاز تربع ورا عيالك قول آمين

ابتسم حياب وهو يشعر بنغزات في قلبه: آمين عموه.. اسمحيلي استأذن

وخرج بسرعة.. وهو يفكر بالظهار ومخططه بتطليق صغيْرة.. كل هؤلاء سيتأذون من الأمر.. حتى هذه السيدة الطيبة
نفض رأسه.. لينفض الافكار هذه ويذهب إلى مجلس ابناء عمومته.. عليه بالترفيه عن نفسه قبل أن يعود إلى بريطانيا


أما هي فقد رمت نفسها بحضن والدتها الحنونة.. ومشت معها خطوة خطوة.. وهي ترى كل ملامح البهجة عليها

قالت: حياتي امايه.. عمري ما شفتج فرحانة هالكثر

ابتسمت أم سلطان: الحمدلله رب العالمين.. دام ان عيالي كلهم بخير أنا بخير يا أمي.. كيف ما تبيني مستانسة ومرتاحة؟
يعل ربي يهنيكم ويسعدكم ويفرحكم بنفوسكم وذريتكم.. ويرحم مايد حبيب قلبي ويتجاوز عنه يارب

صغيرة: آمين حبيبتي

أم سلطان: خواتج الثنتين هني.. والحين أنتي الثالثة.. الله يزيدكن بالخير ولا ينقصكن

صغيرة: آمين يارب

كنّ سلامة ولطيفة شبه مستلقيات على الغنفات.. خلعت عبائتها وسلمت عليهن

قالت سلامة بتعب: ياااالله صغور حياتي ليش جي ضعفانة؟ ما تاكلين انتي شو؟؟ امايه رمسي أم حسام تهتم ببنتنا.. روحها يابسة بعد تيبس زيادة

صغيرة تربعت بجانبها: آكل بس مادري ليش ما امتن شسوي

لطيفة: اماية سويلها هالدواوير اللي كنتي تسوينهن لي.. اللي بالسح والسمسم والدهن بيفيدها تمتن شوي

أم سلطان: هي والله يبالها.. اسميني أنا انشغلت بعرس سلطان ربي يحفظه وما خطر ببالي

صغيرة: لا شو هذا مابغيه.. أكيد يرفع السكر

أم سلطان زجرتها: صخي.. مب على كيفج.. انتي ما في شي مرضج الا هالسكر اللي تتبعينه ليل نهار.. لو إن جسمج طبيعي بقول ماعليه.. لكن أنتي مرة تقول وحدة طالعة من مجاعة.. تتحرين هذي صحة؟ هذي مب صحة ولا عافية
الا يوم فقر دم والا يوم مادري شو.. الصحة في قوة البدن مب في الضعف الزايد هذي صحة بالله عليج؟


صغيرة احتضنتها: انزييين امي لا تعصبين



نهاية الجزء الخامس عشرة



ودي اقرا تحليلاتكم للجزئية وآرائكم بتسعدني أكيد

دمتم بخير


*

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...