الفصل 16 | من 46 فصل

رواية على وطايا الخيل الفصل السادس عشر 16 - بقلم روايات تثريـب

المشاهدات
13
كلمة
8,147
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


اعتذر على التأخير


.
،


الجزء الرابع عشرة


،


عاد بوجه بشوش.. رغم أن حديث عمه القصير قد أفسد قليلًا من سعادته
الا أنه لا زال سعيدًا.. لم يبتسم جيّدًا منذ مدة
شغله أمر هروب سوادة.. الذي تبعه مشاكل أهله فغرق في الهم تمامًا
اضطر للابتعاد عن الشباب هذه الفترة.. ولكن مجالسة حياب القصيرة هذه أبهجته مرة أخرى

فتح الباب.. رأى بعثرة الأشياء في الغرفة.. بعثرة تُنبؤ بغضبٍ عارم، قد انطفئ

رآها جالسة على سجادتها.. بيدها مصحف.. والدموع تنساب على خدها براحة.. ولا تكلّف نفسها عناء مسحها حتى

أشفق عليها.. ذهب وجلس على الأرض بجانبها
قرواش ليس بالرجل القاسي أبدًا.. لطالما كان حنونًا ولبقًا مع الجنس الناعم كائنًا من كان.. والدته.. شقيقاته.. خالاته وعمّاته وجدته وبنات العائلة الصغار.. الجميع يحبّه ويحب مجالسته.. خفة دم.. وخفة ظل.. احترام وذوق ورجولة

طالت جلسته.. وقطعت هي الأمر حين استقامت واقفة.. خلعت لباس الصلاة
ورآها لأول مرة بدون حجاب
كانت ترتدي بنطالًا وقميصًا شتويين.. بشعرٍ ملفوف بشكل دائري يستقر في مؤخرة رأسها

نظر إليها لثوانِ.. ثم قال: ليش شردتي يا سوادة؟

رفعت عيونها إليه.. منذ أن أمسكوا بها.. لم يسألها أحدٌ هذا السؤال.. تلقّت الشتائم والصراخ.. ولكن لم يسألها أحدٌ عن دافعها أبدا
تأثرت بسؤاله.. ونبرته الحنونة.. أغرورقت عيناها بالدموع مرة أخرى ولكنها آثرت الصمت.. مالفائدة من الحديث؟ تعلم بأنها مخطأة.. تعلم بهذا تمامًا.. ولكن الأمر حدث وانتهى
لا فائدة من الخوض في كل هذا مرة أخرى

أعاد سؤاله: ليش شردتي يا سوادة؟

نظرت إليه مرة أخرى: شو فايدة السؤال؟

قرواش: شيء في نفسي

قالت بنبرة مريرة: مافي فايدة.. أنا غلطانة ومافي شي يشفع لي.. لا تدور لي مبرر


يعترف بأنه قد صُدم.. وشعر بدغدغة فرح صغيرة في جوفه.. إذًا هي نادمة على فعلها


قرواش: تعرفين انج غلطانة يعني؟

هزت رأسها والدموع لا زالت على خدها.. همست: أعرف

أعجبه ردها.. على الاقل هذه نقطة بداية.. قد تكون نقطة بداية
ولكنه لا يستطيع كتم الأمر.. افكار الشيطان تُحيط برأسه من كل الجهات.. يريد أن يطمئن
قال: بس ليش؟ من شو تشردين؟

تنهدت: من كل شي.. من السجن اللي كنت عايشة فيه

صُدم من كلامها: الحين بيتكم سجن؟

سوادة: حياتنا بكبرها سجن.. لكن بدون قيود.. سجن على الكل مب علي أنا بس.. حتى انتوا

قرواش: شو هالخرابيط

سوادة: قلتها.. خرابيط


انتبهت إلى صمته.. تعلم بأنه سيُطلق عليها الأحكام أيضًا.. لديكِ كل شيء فلمَ تهربين؟ لديك المال والخدم والجاه والنسب الحسن.. فلمَ؟
كل الافكار مسلطة على المادّيات ولكن ماذا عن الحرية؟ ماذا عن أنها تتنفس يومًا بدون أن تكتم على صدرها قوانين بوالخيول؟
لم يسبق لها أن ذهبت إلى أي تجمّع لصديقات الدراسة، في منزل غير منزلها
لم يسبق لها أن خرجت معهن.. لم يسبق لها أن زارت أحدًا من غير معارفهم
لم يسبق لها أن ذهبت إلى مطعم بدون أن يتم حجزه أو إبلاغ إدارته بأن "ست الحسن والدلال" ابنة بوالخيول قادمة
لم يسبق لها أن عاشت بشكل طبيعي.. لم يسبق لها ذلك


هي متيقّنة.. الهروب ليس حل.. ليس سوى بوابة لمشاكلٍ من نوع آخر
ولكن هذه ليست بحياة طبيعية أيضًا.. على الإطلاق


قال قرواش فجأة: أنتي تكرهيني؟


لم تتوقع هذا السؤال أبدًا.. نظرت إليه بصدمة: شو هالسؤال

قرواش: واضح السؤال.. تكرهيني يا سوادة؟ شردتي لأنج ما تبيني؟

سوادة: أنا مابغي بوالخيول

قرواش: وأنا منهم

قالت بسرعة: بس أنت مب مثلهم


علّق نظره بها.. أطال بالنظر.. لا يُنكر بأن ردّها أرضاه كعاشق كبر على حبها ولطالما كان مناه الأول رضاها.. ولكنه نفض الفكرة من رأسه
لعلّها تريد أن تتمسكن لتتمكن، وحسب
أشاح عنها: تغديتي؟

سوادة: كيف اتغدى وأنت قافل الباب

هز رأسه: الحين بتصل بأم حسام تخبرهم اييبولج الغدا

قالت بتردد: قرواش

كره نفسه.. لمَ يتلذذ باسمه على لسانها؟
قال: لبيه

سوادة: عادي أسير عند صغيرة؟ دام اننا في نفس المكان؟

قرواش يصحح لها: بتسيرين عند حياب؟

صدمها جوابه.. كأنها أفاقت من غفوة.. كيف نسيَت بأن ابنة عمها هي زوجة شقيقها.. والذي إن رآها محال أن يتركها على قيد الحياة
أخفضت رأسها.. وغرقت بصمتها مرة أخرى



.
،
*
.



شعرت بضجرٍ شديد.. ليس لديها ما تفعله.. رأته موجّهًا بصره وجل تركيزه على شاشة الحاسب المحمول

دققّت في شكله.. عيونه الواسعة وأنفه البدوي الطويل "الشيوخي".. علامتان تميّزان ابناء بوالخيول، إضافة إلى الطول الفارع

كان حياب من أوسم شباب العائلة وأكثرهم غرورًا وتعجرفًا

والمصيبة بأنه يعلم بكل ذلك.. يعلم بأنه محط أنظار الفتيات.. كانت تستشعر ذلك من تصرفاته
رغم كونه متكبّرًا.. "وما يعطي حد ويه" إلا أنه لم يكن يتوانى عن الاستعراض في أي مناسبة

هي لم تكن مهتمةً به شخصيًا.. أو بأي شابّ آخر.. ولكن فتيات العائلة كن يتسابقن ببناء الأحلام معه أمامها "حين لم يكن بينهما أى ترابط"

حتى عجرفته تلك، كانت محطًّا للأنظار، وكانت ترى بنات جيلها من بوالخيول، يتغزّلن بها ويلطّفنها بكلمات أخرى، كالثقل، والرزانة

هي الوحيدة التي لم تحلم به يومًا، وهي الوحيدة التي حصلت عليه


حياب بدون أن يحرك نظره عن الشاشة: عن تحسديني

قالت لا ارادي: وع.. على شو؟

ضحك.. وصُدمت هي.. لمَ يضحك؟

اكمل بمرح.. فمزاجه ممتاز اليوم: توج تنتبهين اني مزيون؟

تشكل وجهها بتقزز: مصدق عمرك.. وعع.. أي زين وأي خرابيط.. منو قاص عليك؟

حياب قهقه: ماعليه.. مقبولة منج يا أخت سلطان

ابتسمت على طاري سلطان.. ودعت له في قلبها.. الأخ الحبيب.. والذي أحبّته قبل أن تتعرف عليه جيّدًا

مشت خلف حياب بفضول: شو تسوي؟

حياب: أحل واجب.. الجامعة

صغيرة: اووووه.. اي مادة؟ تبغي مساعدة

رفع حواجبه بتعجّب: تساعديني؟ شو عرفج انتي؟

صغيرة حركت عيونها بملل: تراني شاطرة في المدرسة! وافهم بسرعة لو تشرحلي.. يمكن اقدر اساعدك

حياب: صح.. البنات شاطرات.. تعالي.. حتى لو كنتي حمارة أكيد ما بتكونين أخس عني

صغيرة بغضب: أنا مب حمارة!

حياب قهقه: اوكي يالـ مب حمارة.. أنا طلعت المعلومات بس انتي اكتبيهن في تقرير.. بس عاد لا تخلينه بيرفكت وايد.. آخر مرة وديتها عند واحد وزخني غديّر

صغيرة باندماج: انزين.. تباني اعدل في شو يعني؟

حياب: اممم لا تغيرين المعلومات بس اللغة والكلمات اختاري شي بسيط.. لا تركزين وايد على التنسيق والحروف والترقيم ومادري شو.. خليه مخبوص شوي

صغيرة: اممم اوكي.. للحين غديّر يدرسك؟

حياب باختصار: هي

كأنها تذكرت شي: هييه صح حياب

حياب: آمري

صغيرة: ابا انزل عند الخيول

حياب: مافي حد في الفيلا كيف بتنزلين بروحج عند العمال؟ ماتخافين؟

صغيرة بوزت: لو ما أخاف جان من زمان نازلة

حياب: سيري ويا أم حسام

صغيرة بحقد: قلتلها ما سوت لي سالفة.. مالت عليها

حياب ضحك: ههههههههههه انتي حتى أم حسام ما تسويلج سالفة.. صدق ياهل

صغيرة بتردد: أنت تعال وياي

حياب بكسل: مالي بارض (متكاسل)

صغيرة: بلييييز

حياب: انزين.. لأنج تحلين الواجب بس "وكأنه تذكر" بس مابتركبين ماعندنا مكان مستّر هني

صغيرة: عادي بلبس طويل ووسيع!

حياب برفض: هالمصاخة اللي متعلمينها أنتي وبنات عمج تنسينها عندي.. ماشي ركوب خيول جدام العمال

صغيرة باعتراض: حياب شو فيك أنت ماشفت اللبس! لو شفته احكم.. مثل العباة ساتر وطويل

حياب: كلامي واضح.. تبين تنزلين عند الخيول ماعندي مانع لكن ركوب ماشي

بوزت بس قالت في خاطرها يالله على الاقل أحسن من لا شيء


أغلقت الحاسوب وهو ينظر إليها بفضول

حياب باستغراب: أنتي شعرج ماقصيتيه في حياتج؟

لا إراديًا حركت رأسها تفرد شعرها الذي انسدل على جسمها، ووصل إلى منتصف فخذها: أكيد قصيته!

حياب بانبهار: ماشاءالله شطوله

فتحت عيونها برعب: اذكر الله

حياب: قلت ماشاءالله.. تبارك الرحمن.. يوصل قريب ركبج.. كيف چذي؟

صغيرة جمعته على كتفها: لأني اهتم فيه

حياب بفضول غريب عليه: ما تتعبين انزين؟ وأنتي تسحّينه وتغسلينه؟ شكله ياخذ وايد وقت

صغيرة: لا تعودت خلاص.. امايه تقول شعر البنت عزها ودلالها

أعجبه الكلام: صح لسانها


أما هي فلملمت شعرها وذهبت لترتدي لباسًا ساترًا.. ثم عادت إليه
حرك كرسيه بزر التحكم: يالله

كانا صامتين.. صحيح بأن علاقتهما الآن افضل من السابق.. ولكن فترات الصمت الغريبة هذه لا زالت حاضرة وبقوّة
مثّل الانشغال بهاتفه.. وهي كانت صامتة تنظر حولها.. إلى أن وصلوا مكان الاسطبل فتهللت أساريرها.. وهو بالمثل
فالأمر هنا جيني.. حب الخيول يجري في دمائهم مجرى الدم

هرولت إلى خيلها المفضل وهي تنادي: طوكيووو وااااااي يا عمري

ترك هاتفه وابتسم لا إراديًا لمنظرها الطفولي
قال: بنت لا تصارخين شي عمّال

دخلت داخل غرفة الخيل وكأنها لا تسمعه

قال بتحذير: تحمّلي (انتبهي) عن يرفسج

صرخت من داخل: تتحراني (تعتقد بأنني) أول مرة أشوف خيل؟

صمت.. وعاد يراقب الغرفة من الخارج

حاوطت رقبة الحصان بيديها.. ووضعت رأسها علي كتفه.. احتضنته بعناد وقوة.. بينما كان هو يحرك رأسه يحاول إبعادها.. يبدو بأنها ضايقته

بوّزت: خير خييير ما تباني.. ليش؟

حياب بتسلية: وقت أكله مب فاضي لج

صغيرة: مشكلته "كانت تشد خده" واي فديته أناااا "ثم علا صوتها فجأة" آآخ.. يالزفت

اقترب حياب أكثر بقلق بسيط.. فهو يسمع صوتها ولكنه لا يرى ما بداخل الغرفة
حياب: سلمتي.. شي استوا بج؟

ضربته بخفة: عضني الخايس

حياب: ما يحبج

صغيرة: منو قالك؟ دوم اذا شافني يركض لي ويلحس ويهي

حياب: خيلي هذا تعرفين؟

صغيرة بزعل: أدري! بس أحبه.. يعني الواحد مايحب الا خيله؟ أصلًا أنا متأكدة إنه يحبني أكثر عنك

حياب: بالغتي

صغيرة بتحدي: تعال نشوف بيختارني والا يختارك؟

حياب يهوى التحديات.. ولكن هذا ليس بتحدّي.. هذه سخافة
ولكن به فضول طفيف.. يودّ معرفة اختيار الخيل بالفعل

اقترب ومد يده.. وفعلت هي بالمثل.. كان الخيل يحرّك أنفه يشتم رائحة اليدين.. ثم قرّب رأسه من يد صغيّرة ووضعها في فمه يلعقها

صرخت بفرح واحتضنته وهي تقفز: وااااااااااي ياااا عمري والله.. حبيبي.. حبيبي.. احبببببك

ابتسم حياب.. لم يتوقّع ردة الفعل القوية هذه
حياب بمزح: يالله نصيبج من الحب خيول بس أما البشر.. يسلمون عليج

قالت بزعل: شو قصدك؟؟؟ تقصد عمرك صح؟

حياب اختفت ابتسامته: ما اقصد شي.. أسولف

غضبت منه: لا تقصد

حياب بتهديد: صغيرة.. أشوف لسانج قام يطول وايد.. تأدبي

رصت شفايفها ورحلت عنه وهي تهمس: هي.. هو يقل أدبه وإذا ردينا يقول لسانكم طويل! وواللله حالة



،
.
*


بعد أيـام


كان يبدو صلبًا من الخارج.. والكل يحسده على تماسكه.. ولكن لا أحد يعلم بشدة توتّره داخليًّا
أهلك نفسه بعمل الاسطبل والسباق.. يُنجز مهامه وزيادة.. وكل ذلك لتفريغ شحنات التوتّر التي يشعر بها ولتشتيت الافكار السلبية

قلقٌ من المستقبل.. يكاد القلق يأكله.. قضّ مضجعه.. زادت كوابيسه.. يشعر بأن عقله يعمل طوال الوقت.. غارق هو.. توتّر.. ارتباك.. خفقان.. غثيان وغيرهم

من شدة معاناته في السنين الماضية.. يشعُر بأن الفرح شعور وهمي
يشعر بأنه سراب.. سيجري إليه بكل قوته وما أن يصل.. يكتشف بأنه وهم.. بأنه سراب

ثم يتذكر الله.. وكيف أنجاه من الغم والكرب العظيم، بطريقة يعجز عن تخيلها، ويستغفره.. ما يدور برأسه سوء ظن.. تعالى الله وتبارك عنه

يتذكر كيف كان متعلّقًا بالأمل.. أحيانًا يغلب أمله سوء ظنه، وأحيانًا يحدث العكس.. ويستسلم لقدره من باب أن الإنسان مخلوقٌ في كبد
ولكن الله كان أقوى، وأبر، وأعظم من كل ظنونه.. وقد أنجاه.. وسينجيه.. سيكرمه وسيُذيقه الفرح
هذاا الله.. رب الكون.. ولا يعجزه أمر

وضع أصابعه على جبهته يحكّها.. لم يتبقّى شيء على زواجه.. سمع بأن عروسه عادت إلى البلاد.. هذا ما أبلغته به أمه
كان آخر عهده بها يوم احتفال السفارة.. وانقطعت الاخبار بعدها.. إلا ما يسمعه من والدته
به فضول شديد تجاهها.. فهو في الواقع لا يعرفها بشكل كبير.. ولكن صفاتها الأساسية أعجبته.. ويراها، ولا يزكّي على الله أحدا، خير زوجة له


أنزل يده إلى جيبه يشعر برنين.. أخذ الهاتف وأجاب: مرحبا قرواش.. حي الله

قرواش: الله يحييك ولد العم.. علومك

سلطان: علوم الخير.. ومن صوبك

قرواش: طيب الله يسلمك.. عندي لك خبر مب زين

سلطان: كله خير باذن الله

قرواش: طلع لي امتحان قبل السباق بيوم.. متفقين على أساس إني بغيب عن كلاساتي هاليوم بس للأسف

سلطان يفكر: كله خير باذن الله.. اهم شي أنت مستمر على تدريباتك؟

قرواش: كل يوم طالع مفاحيم (المفحام هو تدريب قبل السباق ويكون لمسافات طويلة بالخيل)

سلطان: وتبدّل بين الخيول مثل ما وصيتك؟ مابغيك تتعوّد على خيل واحد لا سمح الله لو صابه شي أو غيره، ابغيك مستعد

قرواش: مرة لا تحاتي.. كل مرة خيل، قايل لمحمد يشكّل لي على ذوقه

ابتسم سلطان: كفو والله.. الكاس عندنا عيل السنة؟

قال قرواش: بإذن الله

سلطان: ودراستك؟ مابغيك تقصر ويقولون سلطان السبب

قرواش بمزح: حتى لو بغيت اقصّر ماروم.. أنت شاد من صوب التدريبات وغديّر مب مقصر في الدراسة.. عظمة في البلعوم.. حتى وهو مايدرّسني ناشب لي ادرس وحل واحفظ.. وإن ما شافني في الجامعة اتصل.. مستوي ولي أمري

سلطان قهقه على كلمة ولي أمري.. كانت تُقال له سابقًا
قال: كفو عليه بو سيف

قرواش: هي والله.. مرة مب محصل وقت للعب

سلطان: بسك لعبت وايد.. الحين وقت الجد.. بييكم أنا اليوم في الليل.. أبا اطالع كم شغلة وبرد ان شاءالله

قرواش باستغراب: شو اييبك بو مايد مب باقي شي على عرسك؟

سلطان: لا تحاتي سفرة سريعة ان شاءالله ما بتأثر



.
،



كانت وديمة مستسلمة لوالدتها التي تدهن جسمها بخليط أزرق
حين قالت شقيقتها: امايه اللي يشوفج تدهنين جسمها بنيل يقول إنها بتاخذ واحد من فريجنا مب بوالخيول

أم وديمة: والله عاد بوالخيول ولا غيره.. العروس لازم تتدهن بنيلة وخلطات قبل عرسها "ابتسمت وهي تنظر إليها" عشان مرة تسير عند ريلها ويهها منور وخدودها وردية

ابتسمت وديمة بحب لوالدتها: يعل عمرج طويل يا أم أحمد ولا يحرمنا منج

أم أحمد: الحمدلله اللي بلغني وشفتج عروس يا حبيبتي

مريوم: بس غريبين هذيل كيف عاطينج المهر بدون ملچة.. اتخيلي تاخذين فلوسهم وتشردين

أم أحمد زجرتها: ويدي مريوم.. ليش تشوفينها بنت الشارع تاخذ فلوسهم وتشرد.. عنبوه.. نحن عربهم ومعارفهم

وديمة: ماعليج منها أمي تعرفين دمها ثجيل دوم.. وينه بو شوق ياخذها ويفكنا من شرها

مريوم: ماعلييييه يا ودوم.. بتدوريني عقب

أرسلت لها قبلة طائرة: فديت قلبج يعلني مانحرم قولي آمين


.
،



استقبله هزّاع وذهبا إلى شقة غديّر.. كانا يتحادثان بأمور عادية.. الاسطبل.. الخيول.. زواج سلطان.. إلخ

سلطان: عيل وين غديّر؟ ما ينشاف

هزاع: مشغول يقول.. تعرف الصبح جامعة وتدريس وعقب يسير يجابل الاسطبل

سلطان هز رأسه بتفهّم: وأنته ليش ماتسير عند عيال عمك الفيلا؟ مب أحسن لك بدال اليلسة هني بروحك؟

هزاع: لااا وييين أسير هناك جلعة جلاع (كناية عن البعد)

سلطان: بس حد وياك

هزاع: لا يا ريال.. خلني هني أحسن إن بغيت أتونس كل شي قريب مني.. والشباب كل واحد وياه حرمته وفي قسمه أنا شو بسوي بروحي.. عندي شباب هني تعرفت عليهم بعد

سلطان: على راحتك

هزاع: الله يعينك أنت متى قلتلي طيارتك؟

سلطان: برد باجر في الليل ان شاءالله

هزاع: الله يعينك.. لهالدرجة شغلك مهم

سلطان: هي والله عندي كم شغلة مع السفارة لازم اصفّيها وعقب بطالع الاسطبل.. لأن تعرف بعد عقب العرس ان شاءالله على طول عندنا سباق


هزاع: بالتوفيق يارب



.
،
*



كان عائدًا إلى غرفته عندما رن هاتفه.. ابتسم: يا مرحبا والله

أم مطر: حي الله الغالين.. شحالك حبيبي

قرواش: قبل لا اسمع هالحس ولا عقب؟

ضحكت أم مطر: فديت قلبك ياللوتي.. طمنني عنك؟ مسودة الويه لعوزتك؟

اختفت ابتسامة قرواش: بنت بتلعوزني بالله عليج

أم مطر: هذي مب أي بنت.. بنت أبليس هذي

قرواش: ماعلينا منها.. طمنيني أنتي عنج؟ اخبارها وضحوه

أم مطر: حبيبة قلبي بنيتي.. راحت ضحية هالسبالة (القردة) حرمتك

قرواش: يا لييييل امايه ماعندج سالفة غيرها

أم مطر: قوللي بعدك متولع فيها عشان اولع فيك زين!

قرواش: لا متولع ولا غيره.. ارتحتي؟

أم مطر: شو سويت في حياتي عشان ربي يبليني بكم.. انته مبتلي بهذي ووضحى حبيبتي سارت عند ريلها بدون عرس

قرواش تنهد: كله خير بإذن الله

أم مطر: بس الحمدلله إن حامد ريال والنعم.. وضحى تقوللي إنها مرتاحة وياه الحمدلله.. وتقول بيسويلها عرس صغير بيننا

قرواش: الله يوفقهم يارب

أم مطر: آمين.. توني مسكرة عنها أنا.. قلتلها ما تسير عرس الردي

قرواش: منو بعد

أم مطر: منو غيره.. الجني ولد عمك.. اخاف اطريه ويطلع في ويهي اعوووذ بالله من شره

قرواش: امايه ليش؟ خلاص خليها تسير شو بتأثر سيرتها؟

أم مطر: لا والله ما تسير.. عيل هاد بناتنا الخَيْرات بنات الحسب والنسب ساير ياخذلي بنت الجالبوت

قرواش كتم تأففه: ليش بشو تعيبين الجالبوت؟

أم مطر: والنعم فيهم.. لكن مب لدرجة إننا نناسبهم

قرواش: لا حول

أم مطر بتشكيك: وأنت بعد ليكون بتسير؟

قرواش: اكيد! سلطان ولد عمي ولا قصر فيني.. تيمّل فيني (تجمل/مدني بالجميل) وفضله على شنبي

أم مطر بغضب: والله يا انك تهبي يا قرواش.. تحضر عرسه!

قرواش لم يرد أن يصعّد الأمور أكثر: اذكري الله أمي

أم مطر: والله ماتحضر والله.. والله ياويلك لو حضرت

قرواش بغضب: الحين ليش تحلفين.. لا تكبرين الموضوع وهو صغير

أم مطر: الحين هذا موضوع صغير؟؟؟ والله ان حضرت بزوالك.. لا أنت ولدي ولا أنا أعرفك

تنهد: ان شاءالله.. ممكن أسكر الحين؟ مشغول.. مع السلامة

وأغلق بغضب من نفسه.. ووالدته.. وقلة حيلة.. لأن أفضال سلطان بالفعل عظيمة
خلال فترته القصيرة معهم في شقة غديّر.. والفضل الأعظم.. بعد الله عند مشكلة سوادة
كان رجلًا محترمًا جدًّا فلم يعيّره أو يذكره بالأمر حتى لا بكلمة ولا بنظره



،
.



أغلقت الهاتف وخرجت من غرفتها.. لقد أبلغتها والدتها بأن سلطان هنا.. وهي متحمسة جدًا لزفافه
رأته يخرج بكرسيه المتحرك متوجهًا إلى المصعد.. لحقت به راكضة: حياب.. حياااب

لم يعي بها الا وهي تتعثر عليه ببنطالها الطويل.. أمسك بها من خصرها: استغفر الله العظيم.. الواحد مكسر وهذي بتكسره زيادة

رفعت غرّتها بيدها: ههههه آسفة.. كنت بعقك

حياب تعكر مزاجه: شو تبين؟

صغيرة: بتسير المستشفى؟

حياب: شو تبين؟

صغيرة: سلطان ياي هني يومين وبيرد البلاد عشان عرسه.. أنا أبا أرد وياه

ضغط على زر المصعد وهو يقول: أبركها من ساعة

صرخت: حياااب

حياب: خير

صغيرة: أنت ما بتي؟

حياب: ليش أي وياج كفاية اني مجابلنج هني

قالت: كيفك!

ستكذب إن قالت بأنها لم تتأثر.. باتت تتأثر بكلامه ليست كالسابق.. صحيح بأنه لم يعطها سببًا لتحبه كزوج.. ولكنها أحبته.. أو لنقل بأنها حنّت عليه وشعرت بالانتماء له كشخص وحيد يشاركها المكان
أحزنها انه يريد الانفصال عنها بأي طريقة.. ولكنها تتفهمه.. حياب مغصوب عليها.. وبالطبع سيكون هكذا.. متوقع منه أن يعاملها بهذا الأسلوب.. وطوال جلوسها معه هنا لم تشعر معه بأي مشاعر مميزة
حاولت اقناع نفسها.. بكل حال هي لا تريد منه شيئًا.. بالأساس هي لم تكن تفكر بالزواج.. كلها مخططات عائلية كانت هي ضمنها.. والآن هي سعيدة لأنها ستكون مع سلطان وتحضر زفافه.. ولا يهمها أي شيء آخر

اتصلت به: الوووو سلطان

سلطان: مرحب

صغيْرة: قالولي انك هني!

سلطان ابتسم: هي توني واصل وراد باجر ان شاءالله

صغيرة: أبا أرد وياك احجزلي

سلطان: تعالي ويا ريلج.. مايستوي تخلينه

صغيرة: سلطان بليز احجزلي وياك.. توني استأذنت من حياب وقاللي عادي

رد بابتسامة.. حاول أن يقاومها كثيرًا.. ولكن هذه الشقية تأبى أن تجلس بعيدًا عن قلبه: ان شاءالله.. تجهزي.. انا بخلص شغلي باجر وبمر عليج.. اباج جاهزة ان تأخرتي بسير.. مافينا على التأخير

صغيرة: الحيييين بخلص كل شي

ابتسم مرة أخرى: يالله انزين


كان ينهي عملًا أخيرًا في الاسطبل عندما التقى بقرواش.. سلّم عليه بود.. فعلى الرغم من قصر المعرفة بينهما إلا أن قرواش كان أحب ابناء عمومته الصغار إليه

قرواش: والله يا ولد العم عندي خبر مب زين.. ومستحي منك

سلطان: افا عليك بس يا قرواش!

قرواش: هي والله.. مابروم احضر عرسك للأسف

سلطان: افا! ليش عاد

قرواش نزّل راسه: تعرف عاد.. المشكلة الأخيرة اللي صارت لنا

سلطان وكأن فكرةً لمعت في رأسه.. هز رأسه بتفهّم: معذور ومسموح.. چنك حاضر

احتضنه قرواش: مبروك ما دبّرت والله يسعدك يارب

ربّت سلطان على ظهره: الله يبارك فيك ويسلمك يالغالي


.
،


.
،.
،
*







يوم الزفـاف


كانت مستلقيةً على السرير.. عندما دخل عليها هو بكامل أناقته: وضحى وين العود؟

قامت بتعب: دقيقة بلبّق لك فحمة

نظر إليها باستغراب: ليش مب لابسة؟

وضحى: اممم تعبانة.. مابسير

حامد: نعم؟ شو بعد تعبانة وما بسير.. عرس ولد عمج كل العرب حاضرين كيف أنتي ماتحضرين؟

لم ترد أن تخبره بالحقيقة.. فحياتها القصيرة معه علّمتها بأن حامد يقدّم الأصول على كل شيء
قالت: مادري.. تعبانة شوي

اقترب منها.. لمس وجهها.. ثم قبّل رأسها: سلامتج من التعب.. لبسي شي بسيط وتعدلي عدول خفيف
"أعاد تقبيلها وقال بابتسامة" أنتي حلوة أصلًا بدون شي.. لا تتعبين عمرج وايد بنيلس شوي بس وعقب بنطلع.. انزين؟ بس لازم تأدين الواجب


كانت محتارة ما بين إرضاء والدتها أو إرضاء زوجها.. ولكن مما يبدو لها بأن إرضاء والدتها سيكون أسهل بكثير من إرضاء زوجها الذي لم يُعطها فرصة للاختيار من الأساس
انصاعت له وذهبت للاستعداد للحفل كما طلب


حامد: لا تتأخرين وايد

قالت: ان شاءالله



.
،



كان يقف بطوله الفارع، بهيبة وشموخ لا يلقيان سوى بسلطان بوالخيول

كان مبتسمًا، شاق الويه، كما يقال.. يراقب الحضور.. والده كان في مقدّمة المرحّبين.. ويرافقه عمومته اشقّاء والده وبعضًا من كبار العائلة.. كانوا متغنّين بالزفاف ويعلم بأن كل هذا الجُهد لثقل قامة المدعوّين.. لا لسواد عينه

وزع نظره على القاعة.. كانت ممتلئة تمامًا.. شعر بيدٍ تُمسك به وتتحرك على اللحن.. التفت على صاحبها.. كان شملان.. مبتسمًا له بينما كان سلطان يجاريه في الرقصة الشعبية بعيونٍ مدهوشة.. ولا زال يراه بغير تصديق

لم يره أبدًا منذ عاد إلى البلاد.. وتفهّم الأمر.. فشملان هو شقيق حمدان الذي سقط في الوادي

قهقه شملان: متوله على ويهي سلطان؟ بلاك تتطالعني هالكثر

ابتسم سلطان ابتسامة واسعة ونادرة.. بيّنت صف أسنانه: والله مب مصدق عيوني

شملان: افااا بس.. يعرس اخونا العود وما نحضر

انتهت الاغنية واحتضن سلطان، شملان بحب أخوي عظيم: حي الله اخوي

شملان: الله يحييك ويبقيك يالغالي.. يعله زواج مبارك.. عاد سويتها وانشقيت عن الصف أخيرًا

سلطان ابتسم: عقبالك.. والا عرّست وأنا مادري؟

شملان: لا ويييين بعدني.. أنا توني راد من السفر.. ماتدري يمكن الحقك وآخذ وحدة من برع العايلة

سلطان: بالبركة ان شاءالله.. والحمدلله على السلامة.. فبريطانيا والا؟

شملان: لاااا يا أخوي أي بريطانيا.. كنت في أمريكا من كم سنة

نظر إليه سلطان بشك.. فقهقه شملان: بدينا نظرات ولي الأمر

ضحك سلطان بخفة: ههههه والله لك وحشة يا أخوي

احتضنه شملان مرة أخرى بحب عظيم وتقدير

صحيح بأنه ابتعد عن سلطان ولم يحادثه أبدًا منذ الحادثة.. الا مرات قليلة عبر هاتف المصحة.. الا أن شملان له معزة خاصة في قلبه
كان يتصل به ويبكيان سويّة.. يترحمّان على حمدان.. ثم يغلق

لم يكن هذا الانقطاع لكونه يلوم سلطان.. بل على العكس
شملان حضر المشهد ويعلم بصعوبة الأمر على سلطان قبل أن يكون على أي أحدٍ آخر.. بل أن سلطان قد دفع الثمن وعانى أكثر من أي أحدٍ آخر

ولكن وجه سلطان كان يذكّره بشقيقه.. عيونه تذكره بلمعان عيون حمدان وقتها.. كل شيء فيه يذكّره بالحادثة.. وصارح سلطان بالأمر والذي تفهم رغبته تمامًا
والحادثة هذه لم تكن عاديةً أبدًا
لم يكن موتًا عاديًّا ليسلّم الأمر وحسب.. بل كان يتذكر منظر أخيه في كل مرة
وفي الواقع هو أضعف من أن يعيش هذه الذكرى ويمثل القوة كل مرة



.
،




كان صامتًا.. ينظر إلى هاتفه بدون استخدام سمّاعات.. يشاهد مقاطع الزفاف بغصة عظيمة في صدره.. يرى الشباب يؤدون الرقصة الشعبية، المفضلة لديه.. ويبتسم لمظهرهم.. فهو هاوٍ يعشق الرزفة واليولة.. إن شارك في احتفالية يضج المكان بحضوره
يخطف الاضواء باندماجه وادائه المتقن.. ولكن ها هم جميعًا يرزفون وهو يشاهدهم من سريره

بينما كانت هي تستمع إلى الصوت.. بغصة أخرى.. تظن بأنها السبب في كل هذا.. لم يكفِها أن وضحى تزوجت قسرًا بسببها.. وصغيرة بالتأكيد تعاني بسببها مع هذا الزوج المدلل.. والآن قرواش يعاني أيضًا بسببها
تشعر بأنها مرض خبيث.. لا يلمس أحدًا إلا ويهلكه

قالت بغبنة: سامحني

رفع عينه إليها.. ثم قال: على شو؟

مسحت دمعة سريعة: لأنك ماحضرت العرس بسبتي

ابتسم ابتسامة جانبية.. ثم قال بهدوء: مب بسبتج لا تحاتين

سوادة قامت له: لا تقص علي.. أنا أعرف إنك تعاني بسببي.. ياريتني اقدر أفكك من كل هالعذاب.. بس ماقدر للأسف.. سامحني يا قرواش.. إنت ريال وايد زين ماتستاهل وحدة مثلي

أغلق هاتفه ونهض يواجهها.. كان يفكّر بكلامها.. يبدو عليها الصدق.. لا يعرف شيئًا عن دهاء النساء، ولكنه سمع عنه كثيرًا
لا يعلم إن كان ما تطبقه عليه هو كيد النساء، أم هي صادقة في كلامها
قال يهدئ روعها: أمايه حالفة علي ما احضر

انصدمت: صدق! ليش

قال قرواش: مب راضية إنه ياخذ من برع

صمتت.. تعلم مسبقًا بشخصية والدته

قرواش: يعني مب عشانج لا تحاتين

سوادة: بس حتى لو ما حلفت مابتسير.. لأني ممنوعة من الحضور.. مستحيل تخليني وتسير صح؟

قرواش: صح.. فكل الحالات ما كنت بسير

نزلت راسها: سامحني قرواش

قرواش تنهد: تبين تطلعين؟

رفعت عيونها بلمعة: صدق؟

قرواش: ما مليتي؟

بدا صوتها يتحشرج: مليت وبس؟ الا مت في هالحبسة وعشت.. بس استاهل.. وما لي ويه اطلب منك تطلعني

قرواش: يالله قومي البسي


ذهبت بسرعة إلى غرفة التبديل.. لا تعلم بمدى جدية العرض.. قد يكون مقلبًا.. أو يريد الضحك عليها.. قد يكون أسلوب تسلية جديد.. لا تعلم
فقد سمعت كثيرًا عن مزاحه ومقالبه
تشعر بخفقات قوية في قلبها.. أيُعقل بأنها ستغادر هذا المعقل؟ ولو لساعة أو دقائق معدودة؟
قد يظن الناس بأنها تُبالغ.. ولكن بالفعل هي لم تغادر الغرف منذ مدة طويلة
من حبسٍ في منزل خالها بو سلطان.. إلى الطائرة.. ثم حبس هنا مرة أخرى.. ولا تعلم متى ستعود إلى حياتها الطبيعية، إن كانت ستعود يومًا!



.
،
*



جالسة في المنتصف.. جسمها الصغير يتوسّط فستانًا أبيضًا ضخمًا.. وبين يديها مسكة ورد راقية وناعمة.. مثلها
وزّعت نظرها على القاعة.. كان أهل العروس في يمينها وأهل زوجها على يسارها
كانت تقارن ما بين نوعية الحضور، وكان الفرق واضحًا جدًّا
ففي اليمين، بشرات مختلفة، أشكال مختلفة، ألبسة مختلفة، وأكثر جرأة

أما اليسار، فكانت الأشكال شبه متطابقة.. الشعر الأسود.. العيون الواسعة.. والأنف الشامخ.. الفساتين الطويلة، والذهب الأصفر الذي يسود المكان
لأول مرةٍ ترى ذهبًا أصفر على فستان سهرة.. لم يكن سيئًا كما تخيلت.. اممم إذًا الأمر قابلٌ للتنسيق
ابتسمت على فكرتها الساذجة.. ثم عادت للتبسّم.. فقد أتاها سيل آخر من المهنئين للتصوير


رأت جدة سلطان صغيْرة تمشي وحولها اثنتين لا يفارقنها أبدًا.. كأنهن معاونات أو خادمات.. كانت تراهن بعض الأحيان يقرّبن لها الكرسي، أو يأتون لها بالماء وهي تمشي بلا مبالاة بمساعداتهن
ابتسمت لمنظرها.. هذه المرأة لم تسترح أبدًا.. كانت تطوف حول الضيوف منذ بداية الحفلة.. تبدو وكأنها تتأكد من أن الجميع يأكل جيدًّا.. والجميع مستمتع بالزفاف

بكرم عربي أصيل.. وكأنها تؤكد لكل فئات المجتمع بأن الشريف لا يأنف من خدمة ضيفه مهما كانت مكانته



حركت نظرها إلى الأخرى التي اجتهدت كثيرًا في هذا الزفاف.. أم سلطان.. كانت تفعل كفعل الجدة صغيرة، اضافة إلى مهامٍ أخرى، وكذلك سلامة، ولطيفة، والطفلة صغيرة.. لم تصدّق بأنها متزوجة.. هذه الطفلة محال أن تكون قد بلغت الخامس عشرة، فكيف تتزوج؟
نظرت إلى منصة الزفاف والممر الطويل.. كان هنالك عدد بسيط من النساء يرقصن.. منهن شقيقتها مريم.. ولكن لم يكن بينهن أي واحدة من بوالخيول
لعلّه "عيب" عندهم.. هذا ما استنتجته

هذه كانت افكارها وهواجسها بينما كانت تعاني الوحدة وإنشغال الجميع عنها.. فعندما يُقال "عروس" يتخيل الجميع بأن العروس هي محط الاهتمام
ولكن الواقع بأن الجميع مشغول بكل شيء سوى العروس!




،
.




دخل وهو يرقص على اللحن بعكازه بدل العصاة.. حين هرع إليه شباب العائلة يحاولون إعانته ويتحمدون له بالسلامة

حياب: يييييييه خوزوا عني "اشر على نفسه" هاه شوفوني بخييير وسهالة الحمدلله

شملان: هلا هلااا ومرحبا.. المجسح "المكسح/المكسر" بعد ايّول مب هين

ضحك حياب وهو يخاشمه: مرحب حي الله شملااااان يا هلااا وسهلا.. وييين أهل أمريكا والله من زمان عنكم

شملان: والله موجودين.. العلوم عندك المعرس

حياب عقد حواجبه بينما ضحك شملان: ههههههههههههه اسميك انته.. علومك وصلتني.. اونك شردت وفلتت هاه؟

حياب ابتسم: يا ريال.. سكر الموضوع خلني مستانس بيول.. عيل ويين المعرس؟

هزاع: ياي آخر العرس أي معرس بيترياك؟.. دخل القاعة

حياب: الله يوفقه ويسعده يارب



.
،




فُتِحت الأبواب.. ودخل سلطان.. بهيبة وشموخ
شعر بتوتّر بسيط.. زال ما أن سلّط نظره على المنتصف.. تبادت على محياه ابتسامة صادقة
لا يستطيع رؤيتها من هذه المسافة البعيدة.. ولكن يكفيه العلم بأنها هي.. طيف أبيض وحيد وسط كل هذه الإنارة.. الدكتورة العروس!

بجانبه والده، وفي الجهة الأخرى والدها وشقيقها الوحيد.. على نغمات الزفة المخصصة باسم سلطان وعائلة بوالخيول


وصل إليها.. وقبّل رأسها: مبروكة علي يا أجمل عروس


ردّت بصوت لا يكاد يُسمع.. تبعه والد سلطان.. الذي رغمًا عن رفضه الزيجة هذه.. إلا أن فكرة زواج سلطان كانت مذهلة بالنسبة له.. مُفرحة.. سيتزوج سلطان.. سيأتي له بالأحفاد.. سيعيس حياة طبيعية كما تمنى له دائمًا؟


بو سلطان: مبروك عليكم يا بنتي

قبّلت رأسه: الله يبارك فيك

ابتعد واتجه إلى جانب ابنه.. وقابلتها دموع والدها

وديمة: يالله.. ابويه دخيلك لا تصيح وتصيّحني وياك

بو أحمد قبل رأسها وخدها: مبروك يا قلبي مبروك "كلّم سلطان" تراك خذت قلبي يا سلطان.. وديمة قلبي

سلطان نظر إليها وأمسك بيدها: أمانة ومحفوظة بإذن الله


ما أن خرج الرجال.. حتى جاءت أم سلطان تحتضنه وتبكي بكاء شديدًا

حوقل سلطان: لا حول ولا قوة الا بالله.. اماية اذكري الله.. خلاص.. بسج قطعتي عمرج من الصياح

احتضنته أكثر: ما توقعت اني بشوفك معرس.. يالله لك الحمد والشكر.. يارب.. الحمدلله ياربي

قبّل رأسها بتأثر شديد: الحمدلله ياربي.. شفتيني معرس وبتشوفين عيالي قريب.. بس.. لا تصيحين

كانت وديمة ترى المنظر بتأثر شديد هي الأخرى.. انتبه عليها سلطان
قال لأمه: امايه دخيلج لا تصيحين عروسي وتخربين كشختها

قهقهت وديمة: عموه حبيبتي لا تصيحين خلاص.. بتصيحينا كلنا وياج

احتضنتها أم سلطان: يالله يعلج خير وبركة وأمطار وسمية على ولدي سلطان

وديمة: آمين عموه حبيبتي.. دعواتج لا تفارقنا

أم سلطان: دعوة سلطان على لساني قبل لا ادعي لعمري.. وأنتي الحين وياه.. اللي يحبه سلطان كلنا نحبه يا وديمة



.
،




كانت تشعر برجفة كبيرة.. فجأة هي زوجة رجل.. هي عروس.. الشعور هذا أتى مرةً واحدة.. لم يتدرج بها كبقية الفتيات.. فقد عُقد قرانهما اليوم.. في ليلة الزفاف نفسها

صحيح بأنها تعرف سلطان مسبقًا.. ولكن معرفتها به.. ونظرتها له.. حتى حوارهما لم يتجاوز حوار الطبيبة والمريض.. ولكنه الآن زوجها
هي لم تهتم للزواج طوال عمرها.. بل كان تركيزها على عملها.. والزواج سيأتي في وقته.. هذا ما كانت تقوله لنفسها.. ويبدو بأن وقته قد حان

كان هو يشعر بتوتّر طفيف هو الآخر.. فلم يخرج من المصحة الا منذ شهور قليلة.. والآن هو عريس.. لامرأة مميزة ونادرة
لا يعرف بعد الطريق إلى قلبها.. وهو معتمد تمام الاعتماد على مهاراته السابقة في الدخول لقلوب البشر

مد يده لها.. فرفعت عينها.. ثم مدت يدها
قبّل يدها وكرر القبلة على خاتمها: مبروك

همست بدون أن تنظر إليه: الله يبارك فيك

كانت ينظر إليها وهي جالسة بهدوء يطغى عليه الخجل.. كانت ناعمة.. وجميلة.. كانت باختصار عروس
لا يعلم لمَ.. ولكن منذ رآها لأول مرة بالفستان.. وهو لا ينفك يتذكر شكلها وهي بالرداء الأبيض، والحجاب الأسود.. والوجه الخالي من مساحيق التجميل، ويقارنه بهذا المنظر الساحر
وكأنه يحاول استيعاب أن تلك، هي نفسها هذه


قال بمحاولة لجعلها تتحدث: ويين صوتج اللي يلعلع في الاقسام؟

ابتسمت بحياء وصدت عنه

قهقه: آسف.. اول مرة أعرّس

نظرت إليه باستغراب: وأنا كم مرة عرست؟

ابتسم: لا تعصبين.. خلاص خلينا نغير الموضوع.. اممم.. نتكلم عن جمالج مثلًا.. ممكن تقوليلي كيف استويتي حلوة لهالدرجة؟

ابتسمت.. خجلت.. واحمرّت

قال مرة أخرى: اوووووه لا طلع الجمال يزيد بعد اذا استحت.. دكتورة لو سمحتي ممكن توقفين شوي أبا أشوفج

لم ينتظر ردة فعلها بل أوقفها بنفسه ولفّها على نفسها
قال بإعجاب: والله يطلع منهم بعد الدكاترة

ضحكت أخيرًا: ههههههه خلاص سلطان.. كل شوي بتزقرني دكتورة!

قال: وانتي مب دكتورة؟
أمسك باصبعها واشر على عقله: دكتورة هذا.. "ثم حركه إلى قلبه" والحين دكتورة هذا.. الله يعينج عاد

لم ترد عليه


كان سلطان ينظر إليها وكأنها لوحة فنية.. وكأنها فيلم حصري أو تحفة نادرة
لم يزح بصره عنها أبدًا.. بينما كانت هي تنظر لليسار غالبًا.. أو اليمين.. أو الأرض
أي مكان.. إلا وجهه.. لأنها تشعر بقوة نظراته وإن لم تكن تراها


سلطان: أنتي من زمان بهالطول؟ تبارك الرحمن ما لاحظت؟

شافت نفسها.. ثم هو: لابسة كعب.. بس بعدني ما اوصل لك

سلطان: طولي 188 أكيد ما بتوصلين

وديمة ابتسمت له: ماشاءالله.. وايد طويل

سلطان: هيه عيال بوالخيول كلهم طوال

وديمة: تتشابهون وايد

سلطان: 5 أجيال مايتزوجون الا من بعض أكيد بنكون نتشابه "ثم حرّك نظره إليها" بس أنا عيالي غير.. بيكونون سبيشل


كان يعبث بأصابعها ويتحدث بانطلاقة تعجّب منها حتى هو نفسه
قال: خلطة سرية بين بوالخيول والجالبوت.. الغربية ودبي.. تعرفين هالمكس كيف رهيب؟


شعرت بحرارة شديدة.. لمَ يتكلم عن الابناء الآن؟
يكفي قوة حضوره.. والحرارة التي تنطلق من جسمه.. لا تعلم إن كانت حرارة حقيقية أم معنوية.. ولكن لحضوره قوة هائلة تشعر بها تخترقها

رغم أنها قاربت الثلاثين عام، ورغم كل علاقاتها وانطلاقتها في العمل والتعامل مع المرضى.. إلا أنها لا تجد نفسها الآن الا فتاة تبلغ من العمر 18 سنة

لا تستطيع التعامل مع الوضع.. كل شيء محرج.. سلطان، حديثه، نظراته، شدة وسامته.. آه يا وسامته.. تودّ لو تستطيع النظر إليه كما ينظر إليها

سلطان: وديمة

كأنها صحت من سرحانها: هلا

سلطان كان يطالعها: حاس بشعور غريب.. دكتورتي هي حرمتي.. وأشوف شعرها وجسمها.. وكل هالجمال لي.. والله مب مصدق

قالت: ولا أنا مصدقة

سلطان: بس اعترفي ما انعجبتي فيني وأنا مريض؟

استحت: لا طبعًا مستحيل انعجب بحد من مرضاي

سلطان رفع ذقنها: عينج بعيني

غطت عينها: سلطان خلاص.. صح كنت ملفت للأنظار بس مب أكثر عن جي

قهقه: عيون سلطان وقلبه أنتي.. تعالي يا وديمة بعد تقربي أقرب "همس" كوني هني دوم بين قلبي والعروق






.
،

*
،





توقّف أمام قاعة الزفاف بنرفزة شديدة.. كان يود إكمال السهرة مع ابناء عمومته وفقرة اللعب بالسيارات في الشارع بطيش تام كما يحب والضحك والمرح.. ولكن كان لوالده رأي آخر.. ما أن رآه يقود السيارة حتى كلّفه مسؤولية إيصال النساء إلى المنزل

كانت تنتظره ثلاثة أطياف سود.. اثنان مكتسحان بالسواد بشكل كامل.. كان سيبدي استغرابه من ذات الهيئة غريبة.. لو لا أن اكتساه الغضب عندما رأى صاحبة الوجه الدائري بدون غطاء.. زفر بغضب.. هذي ما بتصطلب؟

سلّمن الثلاثة: السلام عليكم

حياب: وعليكم السلام.. هاي ليش مب مغطية ويهها عند الرياييل؟

التفتن على الوحيدة التي اكتفت بالحجاب
صغيرة: مغطية شعري

حياب: ارمس عربي قلت ويهج مب شعرج.. ليش كاشفتنه؟ يوم شفتي عمتج وبنتها تغشّن ليش ماتغشيتي وياهن؟؟ من زين ويهج تستعرضينه جدام الرياييل؟


لفت عنه.. تعلم بأنه متخلف.. ومزاجه سريع التقلب.. سلطت نظرها على النافذة وكأنها لا تسمعه
في البداية فرحت عندما رأته يقود السيارة بنفسه.. كانت تعلم بأنه سيودّع الكرسي المتحرّك قريبًا.. ولكنها لم تتوقع أن يكون الأمر بهذه السرعة
كانت ستفرح له وتبارك.. لو لا أن استقبلهم بمزاج سيء جدًّا.. ولسانه القذر كعادته


حياب: وهاي ليش ياية ويانا؟

عقدت أم حياب حواجبها: ويدي.. أختك بالرضاعة وحرمتك شو بعد ليش ياية؟

حياب: الثنتين ليش يايات

قالت اليازية بغياظ: أمي شيخة قالتلي تعالي ولا مب حبا فيك

حياب: اخ يهالصوت الخايس.. أنا مادري أهلج كيف متحملينج.. والثانية تحريتها بتسير عند أهلها

أم حياب: ويدي تسير عند أهلها وبيت ريلها موجود؟ شو ياك تخبلت أنت؟

حياب: ما تخبلت.. بعدين ليش ما خليتيها تغطي ويهها

أم حياب: مبونها (عادتها) صغور ما تتغطى

حياب: والله عاد هذا أول.. الحين هي على ذمتي وتسوي اللي أنا ابغيه

أما اليازية فلم تستطع التحمل أكثر.. صرخت عليه: انته شو فيك على البنت؟ عنبوه لا أسلوب ولا اخلاق اللي يسمعك يقول هي ميتة عليك.. تراها مغصوبة عليك حالها من حالك

أم حياب بصوت واطي: اليازية عيب

لف عليها والشرر يتطاير من عيونه: شو تقولين؟

قالت بلا مبالاة: اللي سمعته.. إذا انته عايف وبايع تراها اخس عنك لكنها محترمة ولا تجرّح فيك مثل ما تجرح فيها

أم حياب التي تعبت من الاثنان اللذان محال أن يجتمعا بلا قتال: خلاص يزّوي.. صخي ولا تتدخلين بين الريال وحرمته

اليازية بغضب: والله صغيرة بنت عمتي ومارضى عليها

حياب: يزوي شو رايج اوقف على اليمين اقطع العقال على ظهرج

اليازية بقوة: والله انك تهبي.. ليش تشوفني يتيمة ولا مقطوعة من شيرة عش...


صمتت فجأة.. لم تكمل كلامها.. مما أثار استغرابه.. التفت.. فرآها.. واضعة يديها على فم اليازية بقوة، تكتم صوتها.. والدموع تسير على خديها باريحية تامة.. كانت تهمس.. خلاص اسكتي الله يخليج


صمت لوهلة.. ثم أعاد بصره للأمام.. حسنًا.. لقد استفاد منها.. فهو جدّيًا لا يستطيع مد يديه على اليازية.. وإن فعلها سيواجه مشاكل لن تنتهي بسهولة.. وفعل صغيْرة أنقذه من خلق مشكلة جديدة في العائلة
آلمه قولها.. صحيح هو مغصوب.. ويعلم بأنه ليس اختيار صغيرة.. ولكن كيف تتجرأ هذه بأن تقول بأن زوجته مغصوبة عليه أيضًا؟ كيف رمت الكلمة هكذا بلا أي تفكير؟


نهاية الجزء الرابع عشرة


ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...