تحميل رواية «عمار وليل قيادة القلوب» PDF
بقلم فاطمة شلبي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ عمار وليل قيادة القلوب بقلم فاطمة شلبي.
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الأول 1 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الاول
_ اجهزي ياليل .. طالعين سيناء اليومين دول..
خدت نفس عميق..وحطت إيدها على وشها وهي بتكمل باعتراض..
= سيناء إيه يا كابتن؟ ما إحنا دايما بنتدرب هنا.. ليه المسافات دي؟ أنا مبحبش السفر وإنت عارف!
كابتن حسام ..بصوت هادي وهو بيعدل نضارته..
_ يا ليل..هما أسبوعين وهنرجع تاني.
ليل ..بمحاولة أخيرة..وملامح وشها كلها رجاء..
= يا كابتن حسام خد فريدة ولا سيف.. اشمعنى أنا يعني؟ اعفيني!
كابتن حسام ..بنبرة قاطعة مفيهاش نقاش..
_ كلنا طالعين يا ليل..مفيش أعذار.. وبعدين فسحة وكلنا هنبقى سوا.
ليل ..بزفرة استسلام..ردت بضيق ..
_ حاضر يا كابتن.. اللي تشوفه.
بعد شوية.. كانت ليل قاعدة في "الكافتيريا" وشها في الأرض وبتقلب في كوباية العصير بملل..لحد ما قربت منها صاحبتها "فريدة".
فريدة ..بابتسامة وميلت راسها عشان تشوف ليل..
_ مالك يا ليل قالبة وشك ليه كده؟!
ليل ..رفعت راسها وبصت لها بضيق واضح..
= شوفتي يا فيري؟ كابتن حسام بيقول مسافرين سيناء.. عرفتي ده؟؟
فريدة ..بهدوء وهي بتقعد قدامها..
_ أيوه عرفت..إيه المشكلة؟
ليل ..بصوت مخنوق وهي بتسند راسها على إيدها..
= إنتي عارفة يا بنتي مبحبش السفر الطويل ده..!
فريدة ..بصت لها بتركيز ..
_ متأكدة يعني ده سبب؟ ولا في حاجة تانية؟!
ليل ...هربت بنظرها منها بعيد..
= لا مفيش حاجة تانية يا ستي.. بس مش قادرة.
فريدة ..ضحكت وحاولت تفك الجو..
_ يا ستي فكي كده إنتي كئيبة أوي.. خلينا نغير جو.
ليل ..قامت ببطء وهي بتلم حاجتها بقلة حيلة..
= حاضر.. هروح أحضر شنطتي وأمري لله.
_______________//_________________//_____________
في مكان تاني ..
حوافر الخيل كانت بتسابق الريح..صهيل عالي وضربات قوية على الرمل بتعلن عن منافسة شرسة.." عمار" كان كأنه جزء من حصانه.. بقلم فاطمة شلبي جسمه مفرود وعيونه ثابتة على هدفه وجنبه " عاصم " اللي بيحاول بكل قوته يلحق بيه.. لكن كالعادة.. "عمار" كان في حتة تانية خالص.
بلمحة ثقة..سبقه عمار وعدّى خط النهاية الوهمي اللي بينهم.. ووقف حصانه ببراعة وسط دوامة من الرمل.
نزل عمار من على حصانه بخفة وهو بيضحك .. وبدأ يطبطب على رقبة الفرس بحب ويهمس له بكلمات تشجيع..
قرب عاصم منه وهو بيسند على ركبه عشان ياخد نفسه..وقال بقلة حيلة..
_ نفسي أكسبك مرة يا ابني.. مفيش أبداً..!
عمار ..بص له بنظرة كلها ثقة وهو بيعدل شاله..
= احلم على قدك بس..
عاصم.. ضحك وهو بيمسح وشه ..
_ طيب يلا بس يا أخويا.. إنت طلعت روحي في الحر ده وبمناسبة إنك كسبتني.. اعزمني على حاجة ساقعة في الجو اللي إحنا فيه ده.
عمار ..رفع حاجبه بذهول وضحك..
= يعني شحات وبيتآمر؟ إيه ده!
عاصم ..وهو بيمشي جنبه وبيزقه بهزار..
_ بعوض الخسارة بقى.. ولا إنت كسبت في الملعب وهتخسر في الكرم؟
عمار ضحك ومشي قدامه ..
_ طيب يا كابتن يلا بينا ..
________________//_____________//________________
طول الطريق كانت ليل ساندة راسها على شباك الأتوبيس..عيونها تايهة في الطريق الصحراوي بقلم فاطمة شلبي الممتد قدامها..وكأن كل كيلومتر بتبعده عن القاهرة بياخد حتة من راحتها...مكنتش بتتكلم.. والسماعات اللي في ودنها كانت مجرد وسيلة عشان تهرب من دوشة زمايلها في الفريق.
فريدة كانت مراقباها من وقت للتاني..وفي كل مرة كانت بتشوف ملامح ليل "مكشرة" ورافضة حتى تبتسم للصور اللي الفريق بياخدها.
لحد ما الأتوبيس هدى سرعته...وصوت الكابتن حسام قطع السكون..
_ يا شباب..استراحة ربع ساعة.. اللي عايز يشرب حاجة أو يفك رجله شوية بس متتأخروش.
بمجرد ما الأتوبيس وقف.. ليل كانت أول واحدة نزلت..مش عشان تشتري حاجة.. بس عشان تهرب من خنقة المكان.. وقفت بعيد شوية..بتتنفس الهوا السخن بضيق.
قربت فريدة منها بهدوء..وحطت إيدها على كتفها..
_ وبعدين يا ليل؟ إحنا لسه في الاستراحة ووشك جايب ألوان.. أمال لما نوصل ونبدأ المعسكر بجد هتعملي إيه؟!
ليل ..من غير ما تبص لها.. وبصوت فيه نبرة مخنوقة..
= مش عارفة يا فريدة.. حاسة إني مخنوقة..السفرية دي مش مريحة قلبي خالص.. حاسة إن في حاجة مستنياني هناك وأنا مش جاهزة لها.
فريدة..بتحاول تهون عليها وبتضحك..
_ حاجة إيه يا بنتي؟ ده معسكر تدريب يعني خيل وشمس ورمل.. إيه اللي هيحصل يعني؟ ما إنتي متعودة على كده فكيها بقى.. انتي اللي قافلة الدنيا كده بصراحة.
ليل..خدت نفس طويل وهي بتبص قدامها..
= يا رب يا فريدة.. يا رب تطلع مجرد أوهام ونقضي الأسبوعين دول ونرجع القاهرة بسرعة.
أول ما الأتوبيس وصل ..
ليل بدأت تفتح عينيها ببطء..وبمجرد ما نزلت..لقت نفسها قدام مكان مختلف تماماً عن اللي كانت متخيلاه.. بيوت صغيرة بسيطة جنب بعضها بتطل مباشرة على شط البحر.. والهدوء في المكان ريح أعصابها.
ليل نسيت كل ضيقها من السفر..وسابت "فريدة" وبقية الفريق وهما بيفرغوا الشنط.. ومشيت ناحية الرمل بخطوات هادية لحد ما وصلت لأول الشط.. وقفت قدام البحر وخدت نفس عميق وغمضت عينيها وهي بتستسلم لصوت الموج الهادي.. كأنها بتغسل تعب الرحلة والخنقة اللي هي فيها .
وفي عز لحظة سكونها .. اخترق الهدوء صوت رجولي هادي..
_ حمدالله على السلامة..
لفت ليل بسرعة وهي حاسة بقلبها بيدق بسرعة لكن ملامحها رجعت تبرد تاني لما لقت" سيف" واقف وراها وباصص لها بابتسامة هادية.
سيف..
_ حمد لله على السلامة.. أنا نقلت الشنط لأوضتك إنتي وفريدة بس شكلك لسه تعبانة من السفر.
ليل ..ردت بكلمتين باقتضاب وهي بتبعد عيونها عنه..
_ أيوه.. تعبانة شوية...عن إذنك هطلع أوضتي.
ومستنتش منه رد.. سابته وطلعت على أوضتها فوراً..كانت محتاجة تقفل الباب على نفسها بقلم فاطمة شلبي وتفصل من كل حاجة..رمت نفسها على السرير واستسلمت لنوم عميق من كتر الإرهاق..محستش فيه بالوقت..
لحد ما صحيت على صوت خبط قوي على الباب.. وصوت فريدة وهي بتنادي عليها بصوت عالي ..
_ قومي يا ليل! كابتن حسام بيجمعنا كلنا تحت حالاً.. بيقول في مدربين جداد واصلين ومحتاجين يتعرفوا على الفريق.
ليل قامت ببطء وهي بتنفخ بضيق.. وقفت قدام المراية تلم شعرها وهي بتقول لنفسها بنرفزة..
= مدربين جداد؟! هو إحنا جايين معسكر ولا جايين نتدرب من أول وجديد..! كمان في ناس هتقعد تتأمر علينا.. حاجة تقرف بجد..!
_________________//_____________//________________
نزلت ليل وملامحها لسه فيها أثار النوم اللي ممزوج بضيق مكتوم...وقفت جنب فريدة وسط الفريق اللي كان كله متجمع ومنتظر "المدربين الجداد " اللي الكابتن حسام حكى عنهم.
كابتن حسام أول ما شاف ليل.. عينه راحت عليها تلقائي بتنبيه مباشر ..
_ ليل.. خلي بالك.. المدربين الجداد أعز أصدقاء ليا.. مش عاوز مشاكل طول الفترة اللي إحنا فيها هنا...وياريت متعمليش شغل ملوش لازمة بالحصان اللي معاكي.. مش عاوز أكرر كلامي تاني.
سيف ...حس بتوتر الجو..فحب يلطف الموضوع ويتدخل ورد بالنيابة عنها..
= متقلقش يا كابتن..مفيش مشاكل إن شاء الله.
الكلمة دي كانت زي الشرارة لليل.. لفت وشها لسيف بنظرة حادة وبعدين بصت لكابتن حسام وردت بنبرة قوية وواضحة قدام الكل..
_ أنا مش صغيرة وعارفة بتعامل ازاي.. لكن محبش حد يتعامل معايا على إنه واصي عليا..إنت عارف إني مش بحب الطريقة دي لا أنا ولا أي حد من اللي واقفين..!
حسام ملامحه اتغيرت وبدأ يضايق من طريقتها اللي كسرت هيبته قدام الفريق.. ولسه جاي يرد ويحط حد للكلام ده..
قطع اللحظة دي وصول " عاصم " اللي ظهر من بعيد بابتسامته الواسعة...حسام أول ما شافه ملامحه لانت وراح سلم عليه بحرارة..
_ أهلاً يا عاصم! نورت يا بطل.
وقف حسام وبدأ يعرف عاصم على الفريق..وليل كانت واقفة مربعة إيدها وبتبص لعاصم بفضول.. هي شايفة " عاصم " بشخصيته المرحة...بس لسه عينها بتدور على "المدرب التاني" اللي حسام وصفه إنه "صعب".
بعد ما عاصم خلص سلامه على الفريق بروح مرحة.. ملامحه أخدت طابع الحماس وهو بيعلن الخبر..
_ يا شباب..بما إننا لسه في أول يوم.. حابين نكسر الملل.. بكره الساعة 4 في مسابقة ودية بيننا..جهزوا خيلكم!
الفريق كله بدأ يتهامس بحماس..وكلهم ردوا في صوت واحد.. "جاهزين يا كابتن!"
إلا ليل.. اللي كانت واقفة بعيد..وصوتها طلع هادي ..
_ بس الفرس اللي معايا محتاج يستريح.
عاصم لف وشه وبص لها باستغراب..وكأنه مش متعود حد يكسر كلامه بالبساطة دي..
= مش فاهم معنى كلامك؟!!
ليل ...ببرود وهي بتبص في عينيه مباشرة..
_ يعني مش حابة أجي المسابقة.. كابتن حسام قال إننا جايين ندرّب ناس...مش جايين نعمل مسابقات...مش فاهمة يعني إيه التغييرات دي؟!!
في اللحظة دي.. فريدة ضغطت على إيد ليل بقوة عشان تسكتها.. بس ليل سحبت إيدها وكملت كلامها عادي بملامح ثابتة.
عاصم.. بص لكابتن حسام بنظرة فيها تساؤل .. " هي مالها دي ؟ "
حسام حس بالإحراج منه.. وحاول يلم الموضوع بسرعة قبل ما الجو يتكهرب أكتر..
_ يا جماعة...دي مجرد لعبة ودية عادي يعني.. اللي حابب يغير
جو يجي.. مش فرض على حد.
________________//_______________//________________
كانت الأوضة مفيش فيها غير ضوء خافت.. فريدة قاعدة قدام ليل اللي كانت بتلم شعرها بضيق.. وبصت لها بعتاب..
_ يا بنتي بطلي العند اللي فيكي ده! هتفضلي كده لحد إمتى؟ وبعدين مالك منشفة الدنيا على الواد سيف ليه؟ ده النادي كله عارف إنه طالب القرب!
ليل ..بصت لها بزهق ونفخت..
= بقولك إيه يا فريدة.. والنبي إنتي فايقة ورايقة وأنا مبحبش الجو ده.. وعاوزة أمشي من هنا أصلاً.. أقولك؟ أنا نازلة.
فريدة ..قامت وقفت بصدمة..
_ رايحة فين يا مجنونة؟ إحنا نص الليل..!
ليل ..وهي بتسحب جاكت خفيف وتلبسه بإصرار..
= هاخد الحصان بتاعي أمشيه على الشط شوية.. محتاجة أشم هوا بعيد عن الأسئلة دي.
فريدة ..بقلق..
_ طيب أجي معاكي؟!
ليل ..فتحت الباب وبصت لها بنظرة أخيرة..
= لأ خليكي إنتي استريحي.. أنا مش هتاخر.
نزلت ليل بخطوات سريعة..وراحت ناحية المكان اللي فيه الخيل. سحبت "جموح" اللي كان هادي بشكل غريب وكأنه حاسس بحالتها...وطلعت بيه على الشط.
البحر كان لونه أسود كحلي..والموج بيخبط في الرمل بصوت منتظم.. ليل ركبت الحصان وبدأت تمشي بيه ببطء
كل ما ليل كانت بتبعد بالحصان..كان صوت الموج بيعلى والضلمة بتزيد..لحد ما لفت وراها وملقتش أي أثر لأنوار البيوت..الرعب بدأ يتسلل لقلبها..مدت إيدها في جيبها عشان تفتح الـ GPS..لكن الصدمة كانت أقوى.. "نسيت الموبايل في الأوضة..!"
نزلت من على ضهر "جموح" وهي بتنهج بضيق.. وبدأت تلف حوالين نفسها وتحاول تفتكر أي علامة..لكن الصحراء بالليل بتبقى ملامحها واحدة وخدّاعة..
وفجأة..! اخترق السكون صوت ..طالع من وسط الضلمة..
_ بتعملي إيه في الوقت ده هنا..؟!
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الثاني 2 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الثاني
_ بتعملي إيه في الوقت ده هنا؟!
ليل اتنفضت من مكانها.. وقلبها كان هيوقف من الخضة..بس كعادتها مبينتش خوفها ورفعت راسها بقوة..
= أنا.. كنت بتمشى شوية بس شكلي ضيعت المكان اللي كنت فيه.
عمار ..وهو بيقرب منها ببطء وملامحه لسه مش واضحة في العتمة..
_ طيب ممكن أقدر أساعدك.. شكلك مش من هنا.
ليل ..بمحاولة للثبات..
= أيوه ده حقيقي.. أنا من القاهرة..جايين إجازة هنا.. أنا فاكرة شكل المكان بس مش عارفة الطريق منين.
عمار فضل باصص لها شوية بنظرة هي مش قادرة تفسرها وبعدين قال ببرود..
_ طيب قوليلي أي علامة للمكان.
بمجرد ما وصفت له شكل البيوت الصغيرة..عرف فوراً المكان
عمار..
_ متقلقيش قريب.. هاتي حصانك ده وتعالي ورايا.
ليل وقفت ثانية مترددة ملامحها كانت بتقول ألف سؤال عمار لاحظ ده فابتسم بسخرية وقال..
_ يلا.. مش حابة توصلي السكن؟ تعالي.
ليل ..بتوجس..
= وأنـا إيه يخليني أثق فيك؟
عمار ..بضحكة خفيفة ومستفزة..
_ مدام خايفة.. إيه اللي خرجك نص الليل في مكان ضلمة لوحدك كده؟!
ليل ..اتنرفزت وردت بحدة..
= إنت بتكلمني كده ليه؟ أنا مش محتاجة مساعدتك أصلا.. وهقدر أرجع لوحدي!
عمار ببرود تام قال لها.." تمام.. براحتك.."
ولف ضهره بقلم فاطمة شلبي وبدأ يمشي فعلا وسابها في قلب السواد.. ليل بصت حواليها برعب.. وحست إنها هتموت من الخوف لو فضلت ثانية كمان..فناديت عليه
= "لو سمحت.."
عمار وقف وضهره ليها..وارتسمت على وشه ابتسامة "غرور" وانتصار..لكنه لف لها بجمود..
ليل..بإحراج
= معلش.. خلاص تقدر توصلني.. أنا حقيقي مش هعرف أرجع لوحدي.
بدأ عمار يمشي قدامها من غير ولا كلمة وليل طلعت ركبت "جُموح" تاني.. لكن الحصان كان بيتمرد ومش راضي يتحرك خطوة.
عمار ..من غير ما يلتفت وراه..
_ طول ما إنتي خايفة كده مش هيمشي.. طمّنيه الأول.
ليل ..باستغراب..
= ده حصاني وأنا أدرى بيه يعني.. أكيد!
عمار ماردش عليها وفضل ماشي بانتظام ولأول مرة ليل تحس إن في حد قدر يفرض كلمته عليها من غير مجهود.. فضلوا ماشيين لحد ما ظهرت أنوار المعسكر..ليل حست براحة كبيرة.. نزلت من الحصان وقالتله بخجل.. "شكراً ليك".
سابت عمار ..ومشيت بحصانها رجعته مكانه وطلعت اوضتها..
في صباح تاني يوم .. على شط البحر..
كانت الشمس لسه بتبدأ تفرش خيوطها الذهبية على موج البحر.. وعمار ماشي بقلم فاطمة شلبي بهدوء بحصانه " غسق " .. وجنبه عاصم بيحكي له بضيق واضح عن اللي حصل مع فريق القاهرة..
عاصم ..وهو بيعدل لجام حصانه...
_ بقولك إيه يا عمار.. فريق حسام ده فيه بنت شايفة نفسها أوي.. بجد حاجة لا تُطاق..!
عمار ..ضحك وهو بيبص للبحر..
= دي أول مرة حد يعلق معاك كده.. ليه.. عملت إيه يعني؟
عاصم ..بنرفزة..
_ أول ما كلمت الفريق عن مسابقة النهاردة..لقيتها وبكل برود بتقولي " الفرس بتاعي محتاج يستريح" تخيل؟ حسام وقتها اضايق جداً وأنا بصراحة قفلت منها.. شكله تدريب يفرح أوي بجد..
عمار ..ضحك على منظره وهو متعصب ..
= ولا يهمك إنت عارف.. سيبك منها دلوقتي.. ويلا بينا نتغدى جدك عازمني وأنا محبش أكسر خاطره.
عاصم ..بص له بيأس..
_ مش فاهم إنت صاحبي ولا صاحب البيت؟ ده إنت قاعد فيه أكتر مني! مش فاهم ماما وجدي بيحبوك على إيه؟
_______________//______________//________________
وصل عمار وعاصم للبيت.. والشيخ" منصور " كان قاعد في ركنه المعتاد.. ريحة القهوة حواليه مالية المكان هدوء..
عاصم ..بضحكة ومشاكسة..
_ إيه يا عم الروقان ده كله؟ جبتلك حبيبك أهو.. أنا بقيت أحس إنه هو اللي حفيدك مش أنا والله..!
الشيخ منصور رفع عينه بابتسامة وقورة وهز راسه.. لسه جاي يرد..قطعت كلامهم الست" آمنة " وهي داخلة عليهم بضحكتها الصافية..
_ يا بني بلاش تبوخ عليه ده عمار واحد مننا وفرد من البيت.. يلا يا حبيبي يا عمار عشان الأكل ميبردش..السفرة جاهزة.
اتجمعوا كلهم حوالين السفرة في جو عائلي دافي.. وكلام عاصم والشيخ منصور بقلم فاطمةشلبي مابيبطلش.. لحد ما تليفون عمار رن.. شاف الاسم.. وملامحه اتغيرت فوراً لهدوء واهتمام.. ساب المعلقة ورد بسرعة
_ أيوه يا حبيبتي.. في حاجة؟!
جاله صوت أخته من الناحية التانية.. نبرتها كانت باين فيها الخنقة..
= عمار.. أنا محتاجة أخرج أغير جو.. القاعدة هنا خنقتني أوي حاسة إني محبوسة.
عمار سكت لحظة.. وبص لعاصم وجده بآسف..وقام من على الأكل وهو بيحاول يهديها..
_ حاضر يا حبيبتي..اهدي بس.. اجهزي وأنا نص ساعة وهكون عندك نتمشى شوية.
عمار قفل السكة وهو بيتنفس بضيق ممزوج بحب..وعاصم بصله بتساؤل..
_ في إيه يا عمار؟ خير؟
عمار ..وهو بيقوم من على السفرة..
= "فيروز" يا سيدي.. الإجازة بقى ومخنوقة وعاوزة تخرج.. هي خلصت ثانوية عامة من هنا ووجعتلي دماغي من هنا..مش بتبطّل زن.
عاصم ..ضحك بصوت عالي وهو بياكل..
_ يا عم معلش.. لسه صغيرة استحملها.. كمل أكلك طيب وأنا هاجي معاك نخرجها سوا.
عمار ..وهو بيلبس الكاب بتاعه وبيتحرك ناحية الباب..
= لا خليك إنت كمل أكلك.. أنا هروح لها بسرعة مش هتأخر.. نتقابل عند حسام بقى عشان معاد التدريب.
________________//______________//_________________
في الأوضة..
كانت ليل قاعدة على طرف السرير.. سانده وشها بإيدها وعينيها ثابتة على البحر من ورا الشباك..
فريدة كانت بقلم فاطمةشلبي واقفة قدام المراية بتظبط لبسها ومتحمسة جداً للخروج..بصت لليل في المراية وقالت بعتاب..
_ يا بنتي يلا بقى قومي البسي وننزل سوا.. اجهزي وهتتبسطي يا ليل.. أنا حقيقي مش فاهمة مالك بقيتي قماصة كده ليه؟
ليل مردتش.. وفضلت في عالم تاني.. ففريدة لفت لها وكملت باستغراب..
_ ده إحنا من شهرين بس كنا في أسوان.. ومعملتيش كده خالص! بالعكس..! كنتي مبسوطة أوي وأول واحدة فينا بتجهز وتسبقنا.. إيه اللي غيرك يا ليل؟
ليل ..خدت نفس عميق وطلعت تنهيدة مكتومة ..وقالت بنبرة هادية..
= معلش يا فريدة.. محتاجة أستريح شوية.. حاسة إني مش قادرة أواجه حد دلوقتي.. انزلي إنتي وغيري جو ومتقلقيش عليا.
فريدة ..بصت لها بقلة حيلة وهي بتسحب شنطتها
_ براحتك يا ليل..بس متغطسيش في السرحان ده كتير..
______________//______________//________________
فتحت ليل شباك أوضتها وهي بتحاول تشم شوية هوا.. لكن عينها وقعت فوراً على الساحة الواسعة اللي ورا السكن.. المكان كان مليان حركة.. الخيل بتتحرك بصهيل عالي..والتراب بيطير تحت حوافرها.
شافت كابتن حسام واقف بيتكلم بجدية..وجنبه عاصم.. بس اللي شلّ تفكيرها بقلم فاطمة شلبي الشخص التالت اللي واقف معاهم بكل ثبات وهيبة.. كان لابس لبس الفروسية..وشمس سيناء عاكسة على ملامحه الرجولية الحادة.
ليل..بصدمة وهمس لنفسها..
_ هو؟! ده الشخص اللي كان معايا امبارح؟!
فضلت واقفة ورا الستارة مراقبة حركاته..في اللحظة دي إيدها راحت تلقائياً على مقبض الباب.. جالها اندفاع إنها تنزل فوراً
لكنها وقفت فجأة.. وراجعت نفسها وكبريائها منعها..
_ لا يا ليل.. تنزلي فين؟
قفلت الشباك نص قفلة..ورجعت خطوة لورا..بس عينيها فضلت متابعاه من بعيد.. كانت عارفة إن المواجهة اللي جاية في الساحة مش هتكون مجرد تدريب.. دي هتكون "معركة تكسير عظام" بينها وبينه.
وقفت ليل ورا الشباك تراقب المسابقة بدم يغلي..شافت الشخص—الي لسه مش عارفة اسمه لحد دلوقتي وهو يكتسح الكل ببراعة مستفزة.. وكأن الرمال ملكه هو بس... مقدرتش تتحمل تفضل في دور المتفرج كتير .. اتحركت جواها غريزة التحدي.. وفي دقايق كانت قد جاهزة ونزلت لساحة زي الإعصار.
الكل تفاجأ.. وسيف فرح جدا بمشاركتها معاهم ..أما كابتن حسام فاتقدم منها بقلق..
_ أهلاً يا ليل.. بس بقولك إيه..مش عاوز مشاكل.. إحنا هنا بنغير جو.
في اللحظة دي ..كان عمار يتابعها بصمت وهدوء.. ملامحه مش موضحة شيء..قرب منه عاصم وهمس له..
_ هي دي البنت اللي قتلك عليها يا عمار.
هز عمار رأسه ببطء.. وعينه لسه مراقباها ..وكأنه بيدرس خصمه الجديد.
ليل ..ردت على حسام بثقة ..
= يا كابتن أنا جاية ألعب.. وبما إني جزء من الفريق فأكيد ليا مكان.
حسام.. شاور على عمار..
_ اتفضلي يا ليل.. كابتن عمار هو اللي فايز.. وكده إنتي اللي هتلاعبيه.
تلقائياً...التقت عينيهم في صدام مباشر..نظرات ليل كانت كلها تحدي وقالت بنبرة حادة..
= "أنا جاهزة."
وفي ثواني كانت على ضهر "جُموح" بخفة مذهلة..حركة رشيقة جعلت الإعجاب يتسلل لعين عمار رغم بروده.
عمار ..بنبرة هادية ومستفزة..
_ "جاهزة؟ "
ليل..بتحدي ..
= " أكيد. "
وقفوا عند خط البداية.. ليل قربت على رقبة حصانها.. رتبت عليه بحنان بس كانت كلها حماس وقالت بصوت هادي..
_ جُموح.. عاوزين نكسب ببراعة..إنت قدها يا بطل..!
كانت ليل على الشمال وعمار على اليمين..عاصم مسك التايمر وحسام أعلن إشارة البداية..
وانطلقوا زي البرق..!
في البداية.. كان عمار هو المتصدر بفضل خبرته بطبيعة الأرض.. كان بيجري كأنه جزء من حصانه "غسق"...بقلم فاطمة شلبي فريدة كانت إيدها على قلبها..فهي عارفة أن ليل لا تقبل مش بتقبل الهزيمة بسهولة.. والهزيمة النهاردة ليها هتكون قاسية جدا .
وفجأة.. الأحداث اتغيرت بشكل مكانش متوقع..!
بصيحة مكتومة من ليل..اندفع "جُموح" بقوة خرافية.. وكأنه طاير من على الأرض...بدأت ليل تضيق الفارق.. وفي ثواني اتقدمت عن عمار! ...وصلت لخط النهاية في وقت قياسي وبشكل مذهل للكل .
سكنت الساحة تماماً.. الكل كان مبهورا...! وحتى عمار نفس.. وقف بحصانه بصلها بعمق.. كانت دي المرة الأولى اللي شاف فيها تحدي بالشكل ده..!
كان الصمت مسيطر على الساحة...والكل مستني رد فعل
"ابن الجبل" بعد ما خسر لأول مرة قدام بنت ومن بره سيناء..! ليل كانت لسه فوق ضهر "جموح".. وعينيها بتلمع بنصر وتحدي وهي بتبص لعمار.
عمار بكل هدوء وثبات..نزل من على ضهر "غسق".. واتقدم خطوات ناحيتها...ليل شدت لجام حصانها بقلق..لكنه وقف قدامها وبصلها بعمق..وابتسامة هادية وحقيقية ظهرت على ملامحه ..
_ برافو عليكي يا ليل.. بهنيكي .. تستاهلي تكسبي.
________________//_______________//______________
في سكون الليل..
كان عمار وعاصم قاعدين في مكانهم المفضل قدام النار..فجأة تليفون عمار نور.. وكانت فيروز كالعادة..
_ يا عمار إنت فين؟ بجد سايبني لوحدي كل ده؟!
عمار ..ضحك من قلبه وبص لعاصم..
= يا بنتي ارحميني شوية..! إنتي لو مراتي مش هتراقبيني وتعرفي تحركاتي كده.. نص ساعة وهكون عندك يا غالية.
قفل عمار السكة وهو لسه بيضحك..بس ضحكته اختفت تدريجياً لما بص لـ عاصم ولقاه سرحان في النار وعينه مليانة حزن ..
عمار ..حاول يلطف الجو..
_ إيه يا بني؟ هتلوي بوزك إنت كمان؟ هي ناقصة نكد ؟
عاصم..تنهد تنهيدة طويلة وطلع نار من صدره..
= ولا حاجة يا عمار.. بس افتكرت اللي أنا فيه.
عمار سكت لحظة..وفهم فوراً عاصم قصده على إيه.. نبرة صوته اتغيرت وبقت كلها جدية..
_ إيه.. لسه ملقتهاش؟!
عاصم ..بص له بيأس وعجز..
= دورت عليها كتير يا عمار.. دورت في كل حتة وإنت كنت معايا وشايف..مش لاقي ليها أثر خالص.. كأن الأرض انشقت وبلعتها.. أعمل إيه تاني؟ قلبي واجعني ومش عارف أرتاح.
عمار حط إيده على كتف صاحبه وضغط عليه بقوة ..
_ الصحراء دي علمتنا إن اللي بنفتكره ضاع..القدر بيرجعه في الوقت اللي منعملش حسابه.. متفقدش الأمل يا عاصم..إن شاء الله هتلاقيها..بس إنت متخليش اليأس يتملك منك.
في الأوضة عند ليل..
كانت فريدة طايرة من الفرحة وهي بتحضن ليل..
_ مش قادرة أصدق يا ليل! بجد كنتي رهيبة..شوفتي نظرة الانبهار اللي كانت في عين الكابتن ده؟
ليل ..بابتسامة انتصار..
= يستاهل.. عشان يبطل برود..كان لازم حد يعرفه إن الدنيا مش ماشية بكلمته بس.
ليل فضلت محتفظة بسرها لنفسها.. مقالتش لفريدة إنها قابلته قبل المسابقة دي بقلم فاطمةشلبي..شوية والباب خبط.. كان سيف اللي عينه راحت لليل تلقائياً بلهفة قبل ما يوجه كلامه لفريدة..
_ الجو برا يجنن يا جماعة.. إيه رأيكم نخرج نشم هوا بدل حبسة الأوضة دي؟!
فريدة وافقت بحماس..وليل وافقت هي كمان..وهم خارجين.. سيف استنى ليل ونده عليها..
_ ليل.. هو في حاجة إنتي مخبياها عننا؟!
ليل ارتبكت ثانية.. بس رسمت البرود فوراً..
= حاجة زي إيه يعني؟ مش فاهمة قصدك..!
سيف ..بشك..
_ بسأل بس.. عشان غيرتي رأيك فجأة ونزلتي المسابقة مع إنك كنتي رافضة تماماً.
ليل ..ضحكت بمحاولة لفك التوتر..
= يا سيدي حسيت إن " جموح " عاوز يلعب فخرجته ده كل الموضوع.. يلا بقى عشان فريدة واقفة لوحدها.
في "القاعدة" وسط الفريق..
الكل كان بيضحك.. لكن تليفون ليل كان بيزن بإصرار مزعج..كل شوية تبص للاسم وتكنسل بضيق..لحد ما كابتن حسام قال بزهق
_ ما تشوفي مين يا ليل؟ ليه الصداع ده كله؟!
قامت ليل بزهق وبعدت عنهم شوية.. وفتحت الخط وجالها الرد كأنه طلقة رصاص..
_ إنتي إزاي متقوليليش إنك مسافرة؟ إيه ملكيش أم ؟!
ليل ..ببرود ..
= والله أنا حرة.
نهال ..بصوت عالي وانفعال..
_ حرة ازاي؟ أرجع مالاقيكيش في البيت ومعرفش إنتي فين غير من النادي؟ إنتي عبيطة يا ليل؟!!
ليل ..انفجرت وماقدرتش تمسك نفسها..
= والله يا ست نهال أنا مقولتلكيش سافري وسيبي بنتك ٣ شهور من غير ما تسألي عليها وقاعدة مع صحابك تقضي إجازتك..! بقولك إيه.. فكك مني بقى.. سلام..!
قفلت ليل المكالمة وهي بتترعش من الغضب..
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الثالث 3 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الثالث
_ إنتي إزاي متقوليليش إنك مسافرة؟ إيه ملقيش أم تسألي عليها؟!
ليل ..ببرود قاسي..
= والله أنا حرة.
نهال بصوت عالي وانفعال..
_ حرة ازاي؟ أرجع مالاقيكيش في البيت ومعرفش إنتي فين غير من النادي؟ إنتي عبيطة يا ليل؟!
ليل ..انفجرت وماقدرتش تمسك نفسها..
= والله يا ست نهال أنا مقولتلكيش سافري وسيبي بنتك ٣ شهور من غير ما تسألي عليها وقاعدة مع صحابك تقضي إجازتك! بقولك إيه.. فكك مني بقى سلام!
رجعت ليل قعدت وسط الفريق تاني وهي بتحاول ترسم ملامح هادية..كأن مفيش عاصفة لسه حاصلة في التليفون.. حسام بصلها بفضول وسألها..
_"مين يا ليل؟"
ردت ببرود تام وهي بتبص في الفراغ..
="حد مش مهم".
فريدة ..فهمت فوراً من نبرة صوت ليل إن المكالمة كانت من مامتها..بقلم فاطمةشلبي فسكتت ومرضتش تضغط عليها قدام الناس.
في الأوضة..
بعد ما طلعو.. ليل كانت بتتحرك في الأوضة بعصبية مكتومة.. ففريدة سألتها بقلق..
_ ليل.. هي مامتك اللي كانت بتتكلم صح؟!
ليل بصت لها بضيق وكأنها مش عاوزة تفتح السيرة..
= أيوه هي.
قربت فريدة منها بحنان.. وقعدت جنبها ومسكت إيدها براحة..
_ ليل.. مامتك ملهاش غيرك.. وإنتي كمان ملكيش غيرها.. حاولي تصلحي علاقتك بيها شوية.. مش كده يا حبيبتي.
ليل سحبت إيدها بسرعة وقامت وقفت..ملامحها اتصلبت وقالت بنبرة حادة..
= مش كل حاجة يا فيري بتتصلح بسهولة كده.. هي طول الوقت محسساني إني مش بنتها أصلاً..! وبعدين في حاجات كتير أوي أنا مش هعرف أحكيهالك لأني أنا ذات نفسي مش فاهماها.. بقولك إيه سيبك من السيرة دي خالص.
سكتت ليل ثانية.. وبعدين بصت لفريدة وغيرت نبرة صوتها تماماً وكأنها شخص تاني..
_ أنا جعانة.. قومي نعمل إندومي..!
فريدة ..بصدمة من التحول المفاجئ..
= إنتي كويسة يا بت؟ إيه التحول ده؟ إنتي كنتي لسه بتزعقي!
ليل ..وهي بتتحرك ناحية الشنطة..
_ يا بنتي بقولك جعانة.. قومي ناكل وبطلي رغي يلا..!
________________//_______________//________________
وصل عمار بيته وهو شايل هم "الوصلة" اللي هيسمعها من فيروز.. أول ما فتح الباب لقاها واقفة ومربعة إيدها وعينيها بتطلع شرار.
عمار ..بصوت هادي وهو بيقلع الكاب..
_ يا ستار يا رب.. إيه يا بنتي؟ هو ليكي عندي تار؟! اهدي شوية.
فيروز ..باندفاع وغيظ..
= ما هو حضرتك مش سائل فيا خالص..وكأن مالكش أخت أصلاً..!
قرب عمار منها وحط إيده على كتفها بحنان بيحاول يمتص غضبها..
_ الشغل يا حبيبتي معلش.. أنا أقدر أنساكي برضو يا زوزة يا قمر؟
فيروز..بضيق..
= إنت عارف إني مش بحب الدلع ده يا عمار..بلاش تضحك عليا.
عمار ..ضحك وباس راسها..
_ حاضر يا ستي من عيوني.. خير يا فيروز؟ أنا جيت وبقيت معاكي أهو قولي اللي عندك.
ملامح فيروز اتبدلت فجأة من الغضب للحزن..وبان في عينيها الوحدة..
= يا عمار إنت عارف إني مليش حد ولا صحاب وإنت طول النهار برا البيت.. أنا مبعرفش أقعد بقلم فاطمة شلبي لوحدي كده والحيطان بتطبق عليا.. حتى أنت مش بترضى توديني عند طنط آمنة أقعد معاها شوية.
عمار قام وقف فجأة وقال باعتراض قاطع..
_ لا.. هناك لا يا فيروز..!
فيروز ..بزعل
= يا عمار ما أنا هقعد مع طنط آمنة بس.. ومحدش بيبقى هناك أصلاً..
عمار ..بعصبية..
_ وعاصم؟ إيه مش جاي في دماغك؟!
فيروز ..كملت بإحباط..
= ما هو بيبقى معظم الوقت معاك إنت.. عشان خاطري يا عمار وافق.
رد عمار برفض ملوش رجعة..
_ مش هيحصل.. بلاش تـزني في الموضوع ده تاني يا فيروز
سكت لحظة لما شاف دموعها هتنزل.. فحب يغير الكلام بهدوء..
_ أنا مأكلتش من الصبح.. عملتي عشاء ولا أطلب أكل من برا؟
فيروز ..بضيق وهي ماشية للمطبخ..
= عملت مكرونة بالبشاميل.. خسارة فيك يا عمار والله..عشان إنت أخ قاسي جداً على فكرة..!
راحت المطبخ وهي بتدبدب في الأرض بطفولية.. وعمار رمى جسمه على الكنبة بإرهاق وغمض عينيه وهو بيقول بقلة حيلة..
_ "يا ربي ارحمني..! "
________________//______________//_______________
في بيت الشيخ منصور..
كانت آمنة واقفة بتديله الدواء باهتمام..ودخل عاصم والضيق مرسوم على ملامحه بشكل غريب.
الشيخ منصور ..بصله بقلق..
_ مالك يا بني؟ شكلك مش زي ما خرجت.. في إيه؟
عاصم ..رمى جسمه على الكنبة جنب جده بتعب..
= مفيش يا حبيبي أنا كويس الحمد لله..جاي مرهق بس شوية من التدريب.
آمنة..بحنان الأم..
_ تحب أحضرلك العشا يا عاصم؟
عاصم..
= لا متتعبيش نفسك.. أنا لو جعت هدخل أجيب أي حاجة آكلها.
الشيخ منصور سكت لحظة وقال بابتسامة..
_ البت فيروز محدش شافها من زمان يا آمنة.. إيه رأيك نبقى نروح نقعد معاها شوية؟
آمنة رحبت بالفكرة جدا.. وبصت لعاصم بطرف عينها وهي بتغمز لعمها..
= والله يا عمي فكرة.. حتى عاصم يوصلنا هناك بالمرة.
عاصم ..اتخض ونطق بسرعة..
_ لا لا.. فككم من عاصم خالص! عمار لو شافني قدام بيته هيرتكب جناية.
آمنة ..ضحكت على منظره..
= يا ساتر يا رب..هو إحنا هنعمل حاجة غلط؟ دي زيارة يا بني..!
عاصم ..بجدية..
_ يا ماما عمار مش صاحبي بس.. ده أخويا وأكتر..ومش حابب أزعله مني.. لو سمحتي بقلم فاطمةشلبي..أنا سبق وفتحت معاه الموضوع وهو رفض خلاص مفيش نصيب بقى.
الشيخ منصور بصله بتركيز..
_ ومالك زعلان كده ليه؟ إنت يعني لو لسه حابب البنت تبقى تحاول مرة واتنين وعشرة.. إيه يعني! متستسلمش كده من أول قلم..!
عاصم ..بهدوء..
_ يا جدي والله ما بستسلم..بس أنا عارف دماغ عمار..
منصور ..ضحك ..
= لو عارفه بجد مش هتقول كده.. وبعدين ملكش دعوة إنت بالموضوع ده..أنا هكلمه وهقنعه.. هو كان رافض عشان كانت لسه صغيرة..دلوقتي البنت دخلت الجامعة خلاص..ولو على تعليمها إحنا معاها لحد ما تخلص.
عاصم ..بقلق..
_ "ربنا يستر.."
آمنة ..حبت تشعللها شوية..
= لا اجمد كده..ده لسه الكلام مابتدأش.. عشان بس مترجعش تزعل لو جالها عريس من الجامعة وسبقك..!
مجرد الفكرة خلت دم عاصم يغلي في عروقه..قام وقف فجأة وهو بيحاول يداري غيرته..
_ ربنا يقدم اللي فيه الخير.. أنا طالع أنام.
________________//________________//______________
تاني يوم الصبح وقبل ما المعسكر كله يصحى..فتحت ليل عينها وشافت شكل الجو برا مريح .. حست إنها محتاجة تهرب من جدران الأوضة ..عملت قهوتها بروقان.. ريحتها كانت كفيلة إنها تعدل مزاجها المقلوب..وسحبت كرسي صغير وخرجت قعدت قدام البحر مباشرة.. بقلم فاطمةشلبي الدنيا كانت فاضية..مفيش غير صوت موج البحر والشمس كانت لسه حنينة في أول شروقها.
ليل غمضت عينيها.. وخدت نفس عميق جداً.. وحست ولأول مرة من ساعة ما وصلت سيناء إن في "راحة" بدأت تتسلل لقلبها.. في اللحظة دي.. مكنتش بتفكر في "نهال" ولا في جفاها.. ولا في "عمار" وتحديه.. كانت بتفكر بس في نفسها.. وفي اللحظة اللي هي فيها دي.
فتحت عينيها وبصت للأفق البعيد وهي بتبتسم لنفسها.. وكأن البحر غسل كل الغضب اللي كان جواها بالليل. رفعت فنجان القهوة وشربت أول رشفة وهي بتقول في سرها..
_ "أيوه يا ليل.. والله إنتي تستاهلي الهدوء ده."
وسط الهدوء ده.. ليل سمعت صوت خطوات رملية بتقرب منها.. لفت وشها لقت سيف واقف وابتسامة هادية على وشه.. قعد جنبها من غير استئذان وبص للبحر..
_ عارف إنك بتحبي الوقت ده.. عشان كده قولت لازم أكون معاكي.
ليل ..بهدوء وهي بتبص للفنجان..
= كنت محتاجة أقعد لوحدي يا سيف.. بس منور..!
سيف سكت شوية.. كأنه بيجمع شجاعته..وبعدين بص لها بعمق وقال..
_ ليل.. أنا مش قادر أخبي أكتر من كده... إنتي عارفة أنا جيت الرحلة دي ليه..وعارفة إني جنبك طول الوقت عشان إيه.. أنا بحبك يا ليل.. وعاوز يبقى فيه بينا ارتباط رسمي .
ليل قلبها مدقش من الفرحة..بالعكس..! حست بتقل في صدرها
بصت له بجمود وقالت..
= سيف.. إنت شخص جميل.. وأي بنت تتمنى تكون معاك.. بس أنا مش شايفة بينا اي شي يجمعنا خالص .
سيف ملامحه اتصلبت.. وكأنها ضربته بالقلم..قام وقف وعينه مليانة خيبة أمل وغضب مكتوم..
_ يعني كل اللي بعمله معاكي ده ملوش قيمة؟ إنتي بتدوري على حد قاسي يا ليل مثلا ؟!
ليل ..ببرود..
= مبدورش أصلا يا سيف .
سيف بصلها باستنكار..
_ تمام يا ليل.. بهنيكي على صراحتك المستفزة دي.. بس متزعليش لما تلاقي نفسك لوحدك في الآخر..!
سابها ومشي بخطوات سريعة وهو مش طايق نفسه..وليل فضلت قاعدة مكانها..كملت قهوتها..
رجع سيف السكن ووشه مفسر كل حاجة..كان ماشي مش شايف قدامه من كتر الضيق. فريدة شافته وهو طالع..وفهمت فوراً إن في حاجة بقلم فاطمة شلبي حصلت بينه وبين ليل فقررت تنزل تشوف في ايه ؟
راحت عند ليل ولقيتها لسه قاعدة قدام البحر..
فريدة ..بمرح وهي بتقعد جنبها..
_ يا سلام على الروقان ده كله! طيب كنتي صحيني أقعد معاكي.. شكلك حبيتي الرحلة يا ليل وبدأتي تفكي أهو.
ليل ..ابتسمت لها بهدوء..
= يا ستي بالراحة عليا شوية.. أنا بس حبيت الوقت الهادي ده بس للأسف مفيش حاجة بتمشي صح للأخر في حياتي.
فريدة بصت لها بذكاء وقالت فوراً..
_ سيف مش كده؟ أنا شوفته وهو طالع السكن وشكله بيطق شرار
ليل ..اتنهدت بضيق..
= هو يا ستي.. مش عارفة ماله ومالي؟ بجد مش سايبني في حالي خالص..وأنا أصلاً عمري ما بينتله إن في أي مشاعر من ناحيتي.. إيه ده؟ هو بالعافية؟!
فريدة ..بتحاول تقنعها..
_ طيب ما تديله فرصة يا ليل؟ سيف بيحبك ..ليه قافلة على نفسك كده..؟
ليل ..باعتراض قاطع..
= لا يا فيري.. لا أنا حاسة إن دي خطوة مش جاهزة لها دلوقتي خالص.. والأهم من كده.. إنه مش هو الشخص اللي هقدر أعيش معاه يا فريدة..!
فريدة طبطبت على إيدها بحب وقالت بتفهم..
_ خلاص يا حبيبتي اللي تشوفيه.. المهم تبقي مستريحة ومقتنعة باللي تختاريه.. مش عاوزاكي تظلمي نفسك ولا تظلميه معاكي.
_________________//______________//_______________
تليفون عمار رن.. وكان الشيخ منصور..
_ يا عمار يا بني.. أنا وآمنة جايين نتغدى عندك النهاردة.. ياريت نلاقيك موجود وماتسيبش فيروز لوحدها..إحنا جايين نشوفها هي كمان.
عمار ..بترحاب حقيقي..
= يا أهلاً يا شيخ منصور..تنورونا والله.. ده حتى فيروز كانت لسه بتسأل على الست آمنة وعاوزة تشوفها.
منصور ..
_ طيب وليه يا بني مش بتجيبها وتقعد معانا في البيت؟ إحنا بيتنا مفتوح ليها دايماً.
عمار ..نبرته اتغيرت لضيق مكتوم بس حاول يداريه احتراماً..
= لا يا عم منصور.. معلش..تشرفونا إنت والست آمنة..مستنيكم إن شاء الله.
قفل عمار ونادى على فيروز وقالها الخبر فيروز طارت من الفرحة بس عمار وقفها بصرامة أخوية..
_ بصي يا فيروز.. مش عاوزك تعملي غداء..أنا هطلب أكل جاهز. المهم تروقي البيت..وتلبسي حاجة واسعة.. والطرحة تتلف عدل وماتتفكش طول ما هما موجودين.. أنا قولت أهو!
فيروز ..بابتسامة ..
= "حاضر يا عمار..من عيوني."
في بيت الشيخ منصور..
عاصم كان واقف سامع المكالمة كلها ..
_ برضو مصممين؟ شكلكم عاوزين عمار يولع فيا النهاردة..! أنا مش فاهم إيه الحماس اللي مش في محله ده؟ أنا خارج وماليش دعوة باللي هيحصل.
منصور ..ضحك بصوته وبص لآمنة..
_ شوفي الواد.. مفضوح ومش عارف يداري..
آمنة ..بابتسامة تفاؤل..
= يا عمي أنا متفائلة خير إن شاء الله..وحاسة إن الخطوة دي صح جداً..
عاصم سابهم وخرج وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم.. بس قلبه كان بيدق.. لأنه عارف إن الخطوة دي ممكن تكون "بداية النهاية" لرفض عمار.. أو "بداية خناقة" العمر!
وصل عاصم المعسكر والضيق لسه مرسوم على وشه.. لقى حسام قاعد مع ليل وفريدة بقلم فاطمةشلبي قدام البحر...فريدة قامت بحماس تجيب فطار للكل..وأول ما عاصم قعد.. بدأ يفضفض لحسام..
_ تخيل يا حسام.. جدي طالع في دماغه فكرة جوازي اليومين دول بشكل غريب..ومصمم يروح يفتح الموضوع النهاردة!
حسام ..ضحك وهو بيطبطب على كتفه..
= يا عم ومستني إيه؟ ما أنا عملت الخطوة دي قبلك والحمد لله الدنيا ماشية.. يلا عقبال عمار بالمرة وتبقى كملت الفرحة.
عاصم ..بيأس..
_ يا عم إنت جوازتك جت سهلة.. إنت عارف عمار ودماغه.. الموضوع مش سهل خالص.
حسام..ضحك..
= افطر إنت بس وسمي الله..وكل حاجة هتبقى تمام إن شاء الله.
ليل كانت قاعدة.. عينيها على البحر بس ودنها معاهم..الكلام أثار فضولها جداً وبدأت "تألف" سيناريوهات في دماغها.. مالت على فريدة وهمست لها بشك..
_ فريدة.. إيه رأيك في الحوار ده؟ أنا حاسة إن جد عاصم ده عاوز يجوزه واحدة عمار صاحبه بيحبها..وعشان كده عاصم مرعوب من صاحبه.. تفتكري ده اللي حاصل؟!
فريدة ..بضحكة خفيفة وهي بتفتح علب الفطار..
= يا ستي ملناش دعوة إحنا ؟ إحنا جايين إجازة وكام يوم وماشيين.. بس بجد شكلها هيبقى فيها فرح قريب.. وأنا حابة أحضر فرح هنا أوي.. ادعي بس الجوازة دي تتم بسرعة عشان نفرح ونغير جو .
ليل سكتت..بس نظراتها كانت رايحة ناحية عاصم بتفكير.. كانت عاوزة تفهم "عمار" ده شخصيته إيه بالظبط اللي تخلي كل الناس تخاف منه وتعمله حساب حتى في الجواز..!
_______________//_______________//________________
دخلت آمنة والشيخ منصور بيت عمار.. واستقبلهم عمار بترحاب كبير.. فيروز كانت زي "النسمة".. لابسة دريس واسع ومحجبة زي ما أخوها أمر.. بقلم فاطمة شلبي وأول ما شافت آمنة اترمت في حضنها بلهفة..
_ منورين يا جماعة.. البيت نور بجد.. متعرفيش يا خالة آمنة إنتي وحشاني ازاي.
آمنة طبطبت عليها بحنان وهي بتبص لعمار..
= وإنتي كمان وحشتيني يا بنتي.. ربنا يقرب المسافات إن شاء الله.
بعد شوية..دخل عمار وفيروز يحضروا السفرة..وفجأة جرس الباب رن..عمار راح يفتح وهو مستغرب..وأول ما فتح وشاف عاصم قدامه.. ملامحه اتصلبت تماماً..
_ إيه اللي جابك هنا؟ مش لسه قافل معايا وقايل إنك عند حسام؟
عاصم ..بمنتهى التوتر..
= بص يا صاحبي.. أنا جايلك في حماية جدي! هو اللي قالي إنك عازمنا النهاردة على الغداء.. وأنا مقدرش أكسر كلام الحاج منصور أنت عارف .
عمار ..رفع حاجبه ببرود ..
= لا يا حبيبي.. أنا عازم الشيخ منصور وخالة آمنة بس إنت لا!
هنا تدخل الشيخ منصور بسرعة عشان ينقذ الموقف..
_ معلش يا عمار يا ابني.. أنا اللي قولتله يجي لينا على هنا.. وبعدين عاصم صاحبك يعني مش غريب ده إحنا أهل يا راجل.
عمار وسع الطريق لعاصم وهو عينه بتطق شرار..وبص لفيروز نظرة "تحذيرية" فهمتها فوراً.. فبدل ما كانت بتضحك وتتكلم قعدت ساكتة تماماً وعينها في الأرض.. ودارت ابتسامتها بالعافية.
قعدوا كلهم على السفرة..وعاصم كان حاطط إيده على قلبه من الخوف.. بس في نفس الوقت كان في "قمة سعادته" إنه أخيرا موجود في نفس المكان مع فيروز.
عمار قعد قدامه مباشرة.. وكأنه "بودي جارد" مراقب كل حركة ومستعد يتدخل لو لمحه بيبص في اتجاه فيروز غلط.. الشيخ منصور كان متابع المشهد وهو بيحاول يكتم ضحكته على
"القط والفار" اللي قاعد معاهم دول ..!
بعد الغداء عمار قعد مع عاصم ومنصور في الصالون
وآمنة وفيروز دخلوا الأطباق في المطبخ
وآمنة قالتلها تعالي نعملهم شاي بلاش نقعد معاهم
فيروز سمعت كلامها وعملتلهم شاي .
في الصالون عمار حرفيا مكانش طايق عاصم
بس منصور حب يضرب على الحديد وهو سخن
منصور بجدية ..
_ بدل ما أنت مش طايق صاحبك كده أنا بقول نجوزهم لبعض ونخلص صح ..!
عمار بصله بانتباه..
= تجوز مين يا حاج منصور؟؟؟
منصور.. كمل وهو باصص له
_ عاصم وفيروز يا بني ..أنا جاي النهاردة وطالب إيديها منك لعاصم ..وأظن إنك مش هترفض طلبي ..
عاصم كان قاعد كأن جردل ميه اتكب عليه..مكانش متوقع جده يجيب الموضوع بسرعة كده
وعمار كان في صدمة ..
= بس فيروز لسه صغيرة يا حاج منصور دي لسه عندها جامعة وأنا مقدرش أخليها تقصر في دراستها .
منصور ..بهدوء ..
_ ومين قال إنها هتقصر في دراستها ..إحنا هنخليها تكمل الجامعة زي ما هي حابة وده عهد علينا قبل ما يبقى ليك .
عمار ..بص لعاصم اللي كان مراقب الموقف في سكوت وقاله..
= ما تنطق أنت جايب جدك عشان مكلمكش أنت ..أنت عارف إني رافض الموضوع من زمان تقوم تجيب الحاج منصور عشان عارف إني مش هعرف اختلف معاه وأنت بريئ بقا..!
عاصم ..بهدوء..
_ عمار أنا سبق وفاتحتك في الموضوع بس دلوقتي أنا شايف الوقت مناسب جدا وكمان فيروز مش صغيرة ومش هتبقى بعيدة عنك متقلقش عليها.
عمار بعصبية ..
= ومين قالك إني موافق أجوزهالك..؟
عاصم بصدق ..
_ عشان عارف إني هحافظ عليها ده كفاية إنها أخت الغالي يا صاحبي .
عمار بص لمنصور ..منصور قال بهدوء
_ خد رأي أختك براحتك وفكر بس أنا منتظر موافقتك يا بني وعشان تطمن إحنا هنكتب الكتاب على طول والفرح بعد شهر قولت إيه ؟؟
عمار بصدمة أكبر ..
= ليه الاستعجال بس يا حاج .. سيبني أرتب أموري الأول..
منصور بزعل حقيقي ..
_ أمور إيه يا عمار يابني إنت هتزعلني منك ؟؟ إنت فاكر إني هخليك تغرم جنيه لفيروز ده بنتي يا بني وإحنا البنات عندنا غالية ..عاصم هو اللي ملتزم بكافة الأمور متشغلش بالك إنت عليك تدينا الموافقة .
عمار كان محتار يقوله إيه رد بهدوء..
_ بس محدش يجيب سيرة دلوقتي قدام فيروز أنا هكلمها في الموضوع
وبص لعاصم بغيظ وقاله ..
_ ولحد ما أرد عليك ملمحش خيالك قدامي يا عاصم عشان مرتكبش جناية..!
بعد ما هدي البيت ..ومشي الشيخ منصور وعاصم..
نادى عمار على فيروز ودخلت أوضته وهي بتفرك في إيديها بتوتر.. قعدت قدامه وقالت بصوت مهزوز..
_ خير يا أبيه.. في حاجة؟!
عمار بصلها بجمود وهو بيحاول يقرأ تعبيرات وشها..
= فيروز.. الحاج منصور النهاردة طلب إيدك لـ عاصم.. إنتي إيه رأيك في الموضوع ده؟!
فيروز في اللحظة دي حست إن لسانها اتعقد.. ومبقتش عارفة تنطق بكلمة واحدة.. عمار ضحك بخفة لما شاف ارتباكها وقال بتريقة..
_ إيه يا لمضة؟ فين لسانك اللي مابيبطلش زن؟!
فيروز ..بكسوف وهي بتبص في الأرض..
= اللي تشوفه يا عمار.. أنت أخويا الكبير وأهلي كلهم.. شوف اللي إنت شايفه صح وأنا معاك فيه.
عمار حب يضغط عليها شوية ويختبر مشاعرها ..
_ طيب.. وأنا مش موافق يا زوزة.. أنا شايف إنك لسه صغيرة ومش قادر بصراحة أشوفك بعيدة عني..!
فيروز أول ما سمعت كلمة "مش موافق".. ملامحها اتخطفت فجأة وبان عليها الزعل الحقيقي.. وقالت بنبرة مكتومة وهي قايمة تمشي..
= زي ما تشوف يا عمار.. عن إذنك.
عمار .. ضحك بصوت عالي..
_ استني يا هبلة رايحة فين؟ قلبتي وشك في ثانية كده ليه؟؟
فيروز وقفت مكانها واتكسفت جدا إن أخوها كشفها بالسرعة دي فضلت واقفة ووشها في الأرض.. قرب منها عمار وقال بهدوء..
= أفهم من كده إنك موافقة على جوازك من الواد الرخم ده؟
هزت فيروز راسها ببطء شديد وهي لسه باصة في الأرض.. ملامحها كانت بتقول "أيوه" بكل لغات العالم.
عمار ..بتريقة..
_ يا عيني! من إمتى الاحترام ده؟ ماشي يا ست فيروز.. أديني يومين كده.. وأنا هشوف هرد عليهم بإيه.. روحي إنتي دلوقتي على أوضتك.
خرجت فيروز وهي طايرة من الفرحة.. أما عمار ففضل قاعد مكانه.. بقلم فاطمة شلبي اتنهد تنهيدة طويلة وهو بيفكر في "صاحب عمره" اللي هياخد أغلى ما يملك.. وقال في سره..
_ ماشي يا عاصم.. بقى مخلي جدي يضغط عليا وإنتي يا فيروز موافقة كده بسهولة ؟ مابقاش عمار لو ماطلعتش عينه قبل ما ياخدك..!
________________//_______________//________________
بعد يومين ..
في ساحة المعسكر..كان الغبار بيطير ورا خيول عمار..عاصم.. وحسام ..وهما في سباق كالعادة.. عمار وصل لخط النهاية الأول وبفرق واضح..وكأن حصانه "غسق" بيفهم لغة الأرض أكتر من أي حد.
ليل كانت واقفة بعيد.. عينيها متابعة كل حركة بيعملها عمار من أول ما وصل.. كانت بتحاول تدرس سر ثباته وقوته..بس جواها غيظ مكتوم من تفوقه الدائم ده..!
نزل عمار من على حصانه بخفة.. وبص لليل بابتسابته الواثقة اللي بتستفزها..
_ إيه يا ليل؟ مش ناوية تجربي حظك النهاردة ولا خايفة على (جموح)؟!
ليل استغربت طلبه المفاجئ.. بس غريزة التحدي عندها كانت أقوى من أي تفكير..
= "أنا مابخافش.. جاهزة."
المرة دي، السباق كان مختلف.. عمار مكنش بس بيجري.كان بيقفل عليها الطرق بذكاء.. وبيجبرها تتبع مساره هو.. لحد ما وصل للنهاية بقلم فاطمة شلبي قبلها وبجدارة.. نزلت ليل من على حصانها والضيق باين في كل ملامح وشها..وحاولت تمشي بسرعة وتنهي الموقف بس عمار قطع طريقها ببرود..
_ دي مش روح رياضية على فكرة.. إنك تمشي وإنتي قالبة وشك كده..!
ليل ..وقفت بضيق وانفعال مكتوم..
= أنا مش مضايقة من الخسارة يا كابتن.. أنا متعودة أكسب دايماً ومجتش من مرة يعني!
عمار ..ضحك بصوته كله على طريقتها..
_ على فكرة.. أنا ملاحظ من أول مرة شوفتك فيها إن إصرارك ده بيعملك مشاكل كتير..ولا إنتي مش واخدة بالك؟!
ليل حست إن كلامه بيلمس حقيقة هي بتهرب منها.. فزادت حدتها في الرد..
= محدش طلب رأيك فيا على فكرة خليه لنفسك.
عمار..بص لها ببرود تام ..
_ دي نصيحة مش أكتر.. حاولي تتجنبي الطريقة دي معايا طول الإجازة.. عشان الرحلة تمر بسلام.. لأني مابحبش العناد في مكاني..!
سابها ومشي وهو قاصد يسيبها تغلي من كلامه.. وليل فضلت واقفة مكانها..حاسة إن الشخص ده هو الوحيد اللي قادر يخرجها عن شعورها بكلمتين بس..!
ليل كانت هتمشي بس فضولها خلاها تقف بعيد شوية لما شافت عاصم بيقرب منه ووشه باين عليه القلق..
عاصم ..انفعال
_ مش ملاحظ إنك طولت علينا شوية يا عمار؟!
عمار ..ببرود مستفز وهو بيشرب ميه..
= طولت في إيه مش فاهم..!
عاصم ..بزهق..
_ يا ابني والله فاهمك.. بلاش الطريقة دي.. يا عمار صدقني أنا أكتر واحد هيحافظ عليها وإنت عارف ومتأكد من حقيقة مشاعري ناحيتها.. ليه المماطلة بقى؟!
ليل كانت واقفة بتراقبهم وودنها مع كل كلمة..
عمار ..بجمود..
= بفكر بس..
عاصم رد بقلة حيلة..
_ يا رب.. وتفكيرك ده مش هيتكرم علينا بقا؟!
عمار ..بنبرة حادة..
= لو رديت.. الرد هيبقى عند الحاج منصور مش عندك.. هو اللي كلمني مش إنت.
هنا عاصم فهم اللي مزعل صاحبه..
_ إنت مضايق مني عشان هو اللي كلمك؟!
عمار ..انفجر فيه بنرفزة..
= عشان إنت جبان..! إنت مفكر إني هاجي بالطريقة دي؟ يعني إنت مش عارف غلاوتك عندي يا عاصم؟ إنت لو كنت جيت وقولتلي إنك عاوز تخطبها كنت هموتك مثلاً..؟
عاصم ..بيأس..
_ ما أنا طلبتها منك مرة وإنت رفضت..!
عمار ..بغيظ خبطه في كتفه..
= تقوم تريح دماغك بقى؟ يعني إنت شايفني وحش أوي كده ؟؟
عاصم ..بمحاولة صلح..
_ خلاص يا عم بلاش تزعل مني.. ريح بالي ورد علينا.. وبعدين ما هي هتبقى تجيلك في الوقت اللي إنت عاوزه.. أنا عارفك هتقرفني أصلاً..!
عمار..بابتسامة
= بصراحة.. حابب تتأدب شوية.
سابه عاصم ومشي وهو على آخره..
_ خلاص اللي تشوفه..إنت حر مع جدي بقا.
ليل سمعت الحوار كله.. ودمها غلي.. مكنتش فاهمة إنهم بيتكلموا عن فيروز أخت عمار.. وتهيأ ليها إن عمار بيفصل في "واحدة" وكأنها سلعة.. أو إنه بيبيع إنسانة بيحبها لصاحبه بمنتهى البرود..!
ليل ..في سرها باحتقار..
_ يعني اللي راسم علينا جو الأخلاق والمبادئ ده.. بيبيع حبيبته لصاحبه عادي كده؟ إيه الناس دي؟ بجد مقرفين..!
مشت ليل وهي مش طايقة المكان ولا الشخصيات اللي فيه وقررت إنها لازم تبعد عن "عمار" ده تماماً.. لأن صورته في نظرها بقت أسوأ بكتير من الأول.
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الرابع 4 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الرابع
بعد يومين من "الملاوعة" والمماطلة..رد عمار بالموافقة الرسمية على الشيخ منصور..واتحدد ميعاد كتب الكتاب بسرعة زي ما الجد طلب.. عاصم مكانش سايعه الفرح.. وعزم كل صحابه بما فيهم حسام..فريدة.. سيف.. وحتى ليل..كنوع من الترحيب بيهم في بلده.
في أوضة البنات..كانت فريدة بتلبس فستان رقيق ومتحمسة جداً..
_ ليل.. يلا يا بنتي قومي البسي.. الفريق كله جهز والكل مستني برا.. عاصم أكد علينا نروح كلنا..وشكل الموضوع هيبقى مبهج أوي.. فرح سيناوي بقى ..
ليل ..وهي ممدة على السرير وبتقلب في كتاب ببرود..
= لا روحوا إنتوا يا فريدة.. أنا ماليش مزاج للمناظر دي خالص.
فريدة ..باستغراب..
_ مناظر إيه؟ ده كتب كتاب يا ليل! وصاحب المعسكر اللي إحنا فيه هو اللي عازمنا عيب نكسفه.. وبعدين قومي غيري جو القاعدة هنا هتخنقك.
ليل قعدت ورمت الكتاب من إيدها.. وعينيها كانت مليانة احتقار مكتوم..
= أغير جو في مكان بيحتفلوا فيه بمهزلة؟ بقولك إيه يا فيري.. روحي إنتي وانبسطي ..بقلم فاطمةشلبي أنا مش هروح أبارك لواحد بيبيع ويشتري في مشاعر الناس.. ولا لواحد تاني وافق يشتري.
فريدة ..بصدمة..
_ إنتي بتقولي إيه؟ مين اللي بيبيع ومين اللي بيشتري؟ ليل إنتي أكيد فاهمة حاجة غلط!
ليل ..بحدة ورفض تام..
= مش فاهمة غلط ولا حاجة.. أنا سمعت بودني وشوفت بعيني ومش حابة ألوث يومي بأشخاص زي دول.. قولي ليهم ليل تعبانة ليل نايمة.. قولي أي حاجة المهم أنا مش هتحرك من هنا.
فريدة اتنهدت بيأس لأنها عارفة إن ليل لما بتركب دماغها مفيش قوة في الأرض بتغير رأيها.. سابتها وخرجت وهي بتبرطم..
_ براحتك يا ليل.. بس والله هتندمي..اللمة هناك شكلها يجنن.
فضلت ليل لوحدها في الأوضة.. حاسة بضيق مش عارفة سببه.. هل هو فعلاً كره لعمار؟ ولا فضول قاتل إنها تروح وتشوف "الضحية" اللي عمار جوزها لصاحبه؟!
نزلت فريدة وهي متأنقة جداً..بس يا دوب وصلت لأول السلم وكعب "الهيلز" بتاعها اتكسر.. نفخت بضيق.. "مش وقتك خالص!" واضطرت ترجع الأوضة تاني تغيره.
أول ما قربت من الباب..سمعت صوت ليل العالي وهي بتزعق في التليفون بانفعال..
_ يا ماما قولتلك أنا مش عيلة صغيرة! أنا في رحلة مع النادي.. مش تايهة في الغابة..!
صوت نهال كان جاي من السماعة حاد وواضح..
= سيناء يا ليل؟ تروحي سيناء لوحدك ومن غير ما أعرف؟ إنتي ازاي تتصرفي من دماغك كده؟ بقلم فاطمةشلبي أنا مش هسمح بالمهزلة دي.. يا أما تركبي أول وسيلة مواصلات وتيجي.. يا إما أنا هركب عربيتي وأجيلك حالا آخدك من هناك..!
ليل ..بصراخ مكتوم..
_ تيجي فين؟ إنتي أصلاً تعرفي أنا فين بالظبط؟ وفين كنتي لما كنت بقعد بالشهور لوحدي في البيت؟ فجأة بقيت غالية؟ سلام يا ماما.. سلام!
قفلت ليل السكة ورمت التليفون على السرير وهي بتنهج من العصبية..ودموعها كانت محبوسة في عينيها.. في اللحظة دي دخلت فريدة، وبصت لليل بحزن.
فريدة ..بهدوء وهي بتقلع الكعب المكسور..
_"ليل.. أنا مش هروح"
ليل ..بصت لها باستغراب وهي بتمسح وشها..
= بتقولي إيه؟ والناس اللي مستنياكي برا؟
فريدة..بابتسامة..
_ الكعب تقريبا اتكسر عشان يقولي إن مكاني هنا جنبك.. مش هسيبك لوحدك وإنتي في الحالة دي.. والرحلة دي أصلاً كانت عشان نغير جو سوا.. مش عشان أسيبك تعيطي وأروح أنا أفرح وأغير جو .
ليل..بصوت مخنوق..
= يا فريدة روحي.. هيسألوا عليكي وحسام مش هيعديها بالساهل لو الفريق كله ماراحش وكسفناه قدام صحابه..!
فريدة ..بإصرار..
_ أنا مش هتحرك من هنا...قومي بقى اغسلي وشك..وهنطلب أكل ونشغل فيلم ونقعد سوا.. الفرح مش هيطير.. بس صاحبتي أهم.
________________//________________//_______________
في كتب الكتاب..
عاصم كان قاعد وحاسس إن ضربات قلبه مسموعة لكل اللي حواليه..عينه ملمعتش بالفرحة دي من سنين..أول ما المأذون قال جملته الشهيرة "بارك الله لكما وبارك عليكما"..عاصم غمض عينه وخد نفس طويل.. بقلم فاطمةشلبي وكأنه كان غرقان وأخيراً طلع لبر الأمان.. فيروز بقت مراته رسمي.. والحلم اللي كان عمار واقف سد منيع قدامه بقى حقيقة بكلمة من الشيخ منصور.
على الناحية التانية..عمار كان قاعد وهيبته طاغية على المكان.. لابس عبايته السيناوي ..وإيده على كتف عاصم.. رغم إنه هو اللي جوزهم إلا إن "غيرة الأخ" كانت بتنهش فيه.. كان بيبص لعاصم بنظرات مختلطة..فرحان لصاحب عمره..وفي نفس الوقت حاسس بـ "غصة" إن بنته الصغيرة "زي ما بيسميها" خلاص كبرت وهتخرج من بيته لبيت راجل تاني.
الشيخ منصور ..بضحكة صافية وهو بيطبطب على كتف عمار..
_ مبروك يا أبو عمار.. أهو كبرت وبقيت "حما "يا بطل! وسع صدرك بقى عاصم ابني وهيشيلها في عينه.
عمار ..بابتسامة بالعافية وهو بيبص لعاصم بحدة..
= الله يبارك فيك يا حاج.. بس عاصم عارف..لو فيروز دمعت دمعه واحدة.. صاحبي ده أنا مش هعرفه..وهيكون حسابه معايا عسير.
عاصم ..بضحكة مليانة سعادة وثقة..
_ يا عم اطمن دي في عيني والله.. إنت بس فك التكشيرة دي النهاردة الله يباركلك.
_________________//______________//_______________
تاني يوم الصبح..
ليل كانت لسه بتفوق في أوضتها..وفجأة سمعت خبط قوي على الباب استغربت وقامت فتحت الباب وهي بتمسح عينيها..وفجأة اتسمرت مكانها والصدمة شلت حركتها.. نهال كانت واقفة في وشها..!
دخلت نهال الأوضة بهدوء وثبات عكس كل توقعات ليل.. قفلت الباب وراها وبصت لبنتها بنظرة حادة بس مسيطرة على انفعالها وقالت..
_ ليل.. أنا مش جاية هنا عشان أعمل مشاكل..ولا جاية أتحاسب معاكي على طريقة كلامك في التليفون.. بس السفرية دي مينفعش تكمليها..ولازم ترجعي معايا القاهرة حالاً.
ليل استجمعت برودها وقفت ومربعة إيدها.. وبصت لمامتها
= والله؟ وأنا جيت هنا مع صحابي وهرجع معاهم لما الرحلة تخلص.. تقدري تتفضلي إنتي ترجعي مفيش مانع.. أصلاً أنا معرفش إيه اللي جابك وتعبتي نفسك ليه..!
هنا نهال فقدت هدوئه..وملامحها اتقلبت لخوف حقيقي وعصبية..
_ يا بنتي افهمي وبطلي عنادك اللي هيوديكي في داهية ده! افتكري أنا كام مرة حذرتك بقلم فاطمة شلبي تـهوبي ناحية هنا بالذات؟ إنتي إيه.. عاوزانا ندخل في مشاكل إحنا في غنى عنها ولا إيه يا ليل؟!
ليل رسمت ابتسامة باردة..
= مشاكل إيه؟ معتقدش إن في أي خطر حصل معايا لحد دلوقتي..المكان هنا أمان جداً والناس محترمة.. وبعدين تعبتي نفسك وسوقتي كل المسافة دي عشان تيجي تقوليلي الكلمتين دول؟
قربت نهال منها..ومسكت دراعها بقوة وقالت بنبرة حاسمة مفيهاش جدال ..
_ لا يا ليل.. تاعبة نفسي عشان جاية آخدك من هنا..وهتيجي معايا.. وحالاً! ..شنطتك تتلم وتنزلي معايا للعربية مش هسيبك هنا دقيقة واحدة تانية.
قامت فريدة من على السرير بسرعة على صوتهم العالي ..وراحت وقفت جنب ليل وحطت إيدها على كتفها.. وبصت لـ نهال بابتسامة ومحاولة لامتصاص الغضب..
= خلاص يا طنط.. روقي بس واهدي... السواقة وطريق سيناء أكيد تعبوكي.. أنا هقعد مع ليل وأتكلم معاها براحة ونتفق.. تقدري بس تستريحي دلوقتي في الاستراحة برا..ونتكلم بعدين وكل حاجة هتحل.
ليل أول ما سمعت كلام فريدة.. اتعصبت أكتر وحست إن مامتها بتفرض سيطرتها عليها..فزعقت بانفعال وعناد أعمى..
_ لا يا فريدة..! مفيش كلام بينا أصلاً وأنا مش راجعة معاها في أي مكان.. أنا هفضل هنا ولحد آخر يوم في الرحلة.
بصت ليل لنهال عين في عين..وقالت بنبرة تحدي قوية زلزلت الأوضة..
_ وأقولك الكبيرة بقى يا ست نهال؟ أنا مش همشي من سيناء أصلاً بعد ما الرحلة تخلص! أنا حبيت المكان هنا.. ومش همشي من هنا ووريني بقى هتعملي إيه..!
نهال ملامحها اتخطفت تماماً والاتنين وقفوا يبصوا لبعض بنظرات كلها شرار.. وفريدة واقفة في النص مش عارفة تلحقها منين ولا منين...خرجت نهال من الأوضة ورزعت الباب وراها وهي في قمة غضبها..بس ملامحها بقلم فاطمةشلبي كانت بتقول إنها مش هتستسلم..ومصممة على قرارها إنها لازم ترجع هي وليل للقاهرة في أسرع وقت ومستعدة تعمل أي حاجة عشان ده يحصل.
في الأوضة..ساد هدوء تقيل ومخيف.. فريدة لفت ليل وقعدتها على السرير..وبصت لها بنظرة كلها حيرة وقلق وقالت..
_ في إيه يا ليل؟ فهميني أرجوكي.. ليه مامتك مش حابة وجودك هنا للدرجة دي؟ أنا حاسة إن في موضوع كبير أوي ورا الخوف والعصبية دي كلها.. وإنك مخبية عني حاجة.. ليل إحنا صحاب وعمرك ما خبيتي عليا قوليلي في إيه؟!
ليل أول ما سمعت سؤال فريدة.. سرحت لثواني.. كأنها شريط ذكريات قديم ووجع سنين اتفتح قدام عينيها فجأة..
وفجأة الحصون اللي بنيتها ليل حوالين نفسها اتهدت..البرود والقسوة اتمسحوا..والدموع اتجمعت في عينيها ونزلت زي المطر.. ليل انهارت حرفيا..ودفنت وشها بين إيديها وبقت تبكي بشهقات مكتومة توجع القلب.
فريدة اتخضت من منظرها..دي مش ليل القوية اللي عارفاها..! أخدتها في حضنها بسرعة وبقت تطبطب عليها بحنان ودموعها هي كمان نزلت على صاحبتها..
_ اهدي يا حبيبتي.. اهدي يا ليل..أنا جنبك ومش هسيبك.. بس قوليلي مالك؟ في إيه واجعك أوي كده؟
ليل مكنتش قادرة تنطق.. كانت بتعيط وبس كأنها بتغسل بدموعها وجع قديم.
________________//________________//_______________
في بيت عمار..
كان الصبح غريب ومكتوم.. عمار صاحي ومزاجه مش أحسن فكرة إن أخته الصغيره والوحيدة خلاص بقيت على ذمة راجل تاني وهتفضل معاه شهر وتلم حاجتها وتمشي..كانت خانقاه ومخلياه مش طايق نفسه حتى ..!
وسط الخنقة دي..تليفونه رن ولقى اسم "عاصم" على الشاشة.. عمار نفخ بعصبية وفتح الخط فوراً
_ عاوز إيه يا قدري؟ اخلص وقول اللي عندك..
عاصم ..ضحك على طريقته..
= هعوز إيه يعني يا صاحبي؟ صباح الخير الأول.. إنت عارف إن يا دوب بقلم فاطمةشلبي قدامنا شهر ونعمل الفرح.. فبستأذنك هعدي النهاردة آخدك إنت وفيروز عشان نختار أوضة النوم الجديدة.. إيه رأيك؟!
عمار ..بنفاد صبر وضيق شديد..
_ عاصم! بالله عليك أنا مش فايق للشغل ده خالص النهاردة.. خف عن دماغي شوية.. وفيروز مش هتيجي معانا في حتة.. انسى الموضوع ده دلوقتي!
عاصم ..سكت ثواني بقلة حيلة..
= خلاص.. زي ما تحب يا عمار.. هتيجي المعسكر النهاردة ولا إيه؟
عمار..ببرود..
_ أيوه.. نص ساعة وهبقى عندك.
قفل عمار المكالمة.. ولف وبص لـ فيروز بصرامة ..
_ مفيش خروج من البيت مع عاصم في أي مكان.. أنا بقول أهو عشان لو حصل..هنزعل من بعض جامد يا فيروز..مفهوم؟
فيروز ..بصت له بخوف من نبرته..
= حاضر يا عمار.. مش هتفطر طيب قبل ما تنزل؟
عمار ..وهو بيعدل لبسه..
_لا ماليش نفس.. هاتيلي قهوة بس.
شرب قهوته ..ونزل وراح على المعسكر.. مفاتش ربع ساعة بالظبط.. وتليفون فيروز رن..لقت عاصم هو اللي بيتصل.. فتحت الخط بابتسامة مكسوفة..
_ أيوه يا عاصم..
عاصم..بلهفة وحب..
= صباح الخير والورد على ست البنات كلهم.
فيروز..بخجل..
_ صباح النور..
عاصم .. بسرعة بدون مقدمات..
= مش حابة تخرجي تغيري جو النهاردة معايا؟
افتكرت فيروز كلام عمار والتهديد اللي لسه قايله..فاترعبت وردت بسرعة..
_ لا لا مش حابة.. يعني البيت كويس وعندي شغل كتير فيه ومش هينفع أخرج.
عاصم فهم فوراً إن عمار "لقنها" الكلمتين دول قبل ما ينزل . فضحك بذكاء وقال..
= بصي يا فيروز.. إحنا دلوقتي متجوزين رسمي وكتابنا مكتوب صح؟ سيبك من أخوكي ده خالص أنا هعرف أتعامل معاه وأظبطه.. أصلاً أنا بقلم فاطمةشلبي واقف تحت البيت حالاً.. البسي بس واطلعي هاخدك مكان كان نفسك دايماً تروحيه.. يلا مستنيكي ومش عاوزك تقلقي من عمار خالص.. ماشي؟
فيروز قلبها كان بيدق بين الرعب من عمار وبين فرحتها بكلمات عاصم والمكان اللي هتروحه.. ترددت لثواني.. بس حبها لعاصم وفرحتها بجوازهم غلبوا خوفها.. وقالت بصوت واطي..
_"حاضر.. خمس دقائق وهكون عندك."
_________________//_______________//______________
وصل عمار المعسكر وهو مزاجه مش أحسن قابل حسام على السريع ومن غير كلام كتير.. راح سحب حصانه "غسق" وانطلق بيه بأقصى سرعة في الساحة.. كان بيجري عشان يفرغ الكبت والخنقة اللي جواه من فكرة إن أخته خلاص كبرت وهتسيب بيته.
وفجأة.. وهو بيجري.. لمح عربية عاصم داخلة المعسكر..ومكانش لوحده.. فيروز كانت قاعدة جنبه! عمار شد لجام غسق بعنف وعينه بتطق شرار.. والدم غلي في عروقه.
جوه العربية..فيروز لفت وشها وشافت أخوها جاي عليهم بفرسه قلبها وقع في رجليها بقلم فاطمةشلبي وجسمها كله اترعش من الخوف.. لمح عاصم رعبها فمسك إيدها يطمنها وقال بثبات..
_ اهدي يا فيروز مفيش حاجة.. لو قال حاجة أنا اللي هرد عليه متخافيش.
فيروز ..بصوت باكي من الخوف..
= بس إنت جبتنا هنا ليه؟ أنا أيوه كان نفسي أجي أشوف المكان بس مش بالطريقة دي ومن وراه يا عاصم!
وصل عمار ناحية العربية ونزل من على حصانه بسرعة عاصم نزل له على طول عشان يواجهه.. وفيروز نزلت وهي بتقدم رجل وتأخر رجل وعينها في الأرض.. عمار كان بيبص لفيروز بنظرة حادة وغير مفهومة.. فتدخل عاصم بسرعة عشان يبرر..
_ فيروز كانت مخنوقة وحابة تغير جو.. وأنا حبيت أجيبها هنا تشوف المكان الجميل ده ..مفيهاش حاجة يا صاحبي.
دار عمار نظره لعاصم بغضب..
= إنت بتلوي دراعي ولا إيه؟ مش فاهم! جايبها من ورايا وهنا يا عاصم؟ فاكر بالطريقة دي مش هعرف أعملك حاجة؟ وبعدين ازاي أصلاً تركب معاك العربية لوحدكم؟ أنا ماليش لازمة عندكم خالص للدرجة دي؟
عاصم ..حاول يهدي اللعب ويتكلم بمنطق..
= على فكرة يا عمار.. فيروز دلوقتي مراتي على سنة الله ورسوله ومش من حقك الحصار اللي عاوز تعمله علينا ده.. إحنا مش صغيرين..!
عمار.. بعصبية أكبر..
— حتى لو مرأتك! أنا مابحبش شغل السرقة ده.. كنتم كلمتوني وعرفتوني! ولا خلاص مابقاش ليا كلمة عليها؟
بص لفيروز بنظرة استنكار وخذلان وجعت قلبها.. وبعدين سابهم ومشي بخطوات سريعة ناحية شط البحر عشان يهدى..
فيروز ..بقلق ورعب..
_ شايف يا عاصم؟ زعل مني ازاي؟
عاصم ..بهدوء..
= معلش شوية وهيهدى..متقلقيش.
فيروز..وهي ماشية..
_ طيب معلش.. هروح أتكلم معاه وأراضيه عن إذنك.
عاصم..
= ماشي روحي شوفيه مفيش مشكلة.. أنا هروح أجيب الحصان من الإسطبل وجاي ليكم.
في الوقت ده..
ليل كانت نازلة من السكن وعينها لمحتهم.. شافت البنت الرقيقة اللي مع عاصم بقلم فاطمةشلبي وعرفت فوراً إن دي البنت اللي سمعتهم بيتكلموا عليها...شافتها وهي سايبة عاصم وماشية ناحية البحر ورايحة لعمار.. الفضول حرك ليل فمشت وراها وهي بتراقب المشهد..
وقفت ليل مكانها بصدمة واستنكار لما شافت فيروز وصلت عند عمار.. وبدأت تتكلم معاه بدلع طفولي وتراضيه..وعمار ملامحه لانت تماماً وضحك وطبطب عليها.. وفيروز تلقائياً رمت نفسها في حضنه..!
عمار حضنها وقالها بابتسامة..
_ أنا مش مصدق يا لمضة إنك بتاكلي عقلي في ثانية كده وتخليني أصفى.. بس ياريت الحركة دي ميتكررش تاني يا فيروز عشان بجد مش هعديها المرة الجاية.
فيروز ..بعدت عنه وهي بتضحك بفرحة..
= خلاص حاضر.. فك التكشيرة دي بقى..هروح أشوف عاصم عشان هيجيب الحصان وعاوزة أتعلم ركوب الخيل.. وسابته ومشيت وهي طايرة.
ليل هنا مقدرتش تتحمل أكتر من كده.. دمها غلي من
"المهزلة الأخلاقية" اللي متخيلاها في دماغها..!
راحت عنده بخطوات سريعة ووقفت قدامه ووشها باين عليه الاحتقار.
عمار استغرب هيئتها ونظرتها وقال ببرود..
_ خير يا ليل؟ في حاجة؟
ليل ..بابتسامة استهزاء وقرف..
= بجد أنا مش فاهمة إنت ازاي قادر تمثل بالبراعة دي؟
عمار ..عقد حواجبه باستغراب..
_ بمثل ازاي مش فاهم؟ تقصدي إيه؟
ليل ..بحدة وهجوم..
= مكنتش أعرف إنكم هنا بتساوموا بعض على البنات! لا ومش مكفيك اللي عملته.. رايح تخون صاحبك كمان مع مراته؟ أنتم إزاي كده بجد؟! إيه القرف ده؟
عمار حرفياً مكانش فاهم جملة واحدة من اللي بتقولها..
_ بخون صاحبي؟ وبساوم على بنات؟ إنتي بتخرفي وتقولي إيه؟ إنتي واعية لكلامك؟!
ليل ..ضحكت باستهزاء..
= لا بجد.. وعامل نفسك عبيط ومش فاهم كمان!
عمار ..اتعصب وصوته عالي..
_ بقولك إيه! أنا ساكت على طريقتك وأسلوبك من بدري..وأظن إني مش ملزم أسمع كلامك اللي ملوش لازمة ده.. اتفضلي من هنا عشان عندي شغل.
ليل ..بعصبية وتلقيح كلام..
= شغل مع حبيبة القلب طبعاً..!
عمار ..بنفاذ صبر وضيق..
_ اللهم طولك يا روح..
ليل ..باستنكار وقوة..
= إنت ازاي يا أستاذ تسمح لنفسك تحضن مرات صاحبك كده قدام الناس عادي ومش فارق معاك؟!.. لا وكمان بتجوزها له وإنت بتحبها؟ بقلم فاطمةشلبي وهو أصلاً قبل حاجة زي دي على نفسه إزاي؟ بجد مش فاهمة تفكيركم المريض ده.. بتلعبوا بقلوب بعض عادي كده؟!
هنا عمار فك شفرة كلامها كله.. الصدمة شلته لثواني..وبعدين ملامحه اتقلبت لذهول تام من كمية الغباء وسوء الفهم اللي ليل وقعت فيه.. بص لها وقال بنبرة متهكمة..
_ إنتي بجد اتجننتي! راسمة سيناريوهات في دماغك وعايشة الدور.. ما شاء الله عليكي! إنتي كان عندك ماضي أسود مخليكي تشوفي الناس كلها شبهك ولا إيه بالظبط ..؟
ليل ..بعصبية مكتومة ووش أحمر..
= أنا مسمحلكش تستهزأ بيا.. روح علم نفسك الأخلاق الأول!
عمار هنا مقدرش يمسك نفسه، وانفجر بالضحك بصوته كله.. ضحكة رنت في المكان كله وبصلها بمنتهى البرود وعينه فيها نظرة نصر وشماتة..
_ بصي.. إنتي عشان ضيفة وغريبة عن هنا مش هعملك حاجة تندمي عليها.. بس أنا مسمحلكيش تغلطي في أخلاقنا وثوابتنا.. يعني مثلاً.. ليه مجاش في بالك الذكي ده إني بجوز أختي؟!!
مش ممكن برضه؟ تقريبا بتحصل في الدنيا عادي يعني.. صح ولا أنا غلطان؟!
ليل اتصدمت.. الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة.. عينيها وسعت ولسانها اتعقد والدم هرب من وشها..
= أختك؟ يعني.. البنت دي تبقى..!
عمار ..بضحكة مستفزة وشماتة..
_ أه والله تخيلي؟ سبحان الله.. فيروز أختي الصغيرة... وعاصم صاحب عمري اللي كتب كتابه عليها امبارح.. قوليلي بقى السيناريو بتاعك هينزل في السينما إمتى عشان الحق دور في العرض الأول؟؟
ليل كانت واقفة مش عارفة تنطق ولا تودي وشها فين من الكسوف .. حست إن الأرض بتلف بيها بعد ما عرفت إنها ظلمته وظلمت أخلاقه وفهمت كل حاجة بالعكس.
عمار قرب منها خطوة.. وبصلها بنظرة حادة ووعيد يخوف.. وقال بفحيح مرعب..
_ الإهانة والتجريح اللي اتقالوا في حقنا وفي حق أختي وصاحبي دي.. مش هعديهالك على فكرة.. وحسابك معايا تقيل وبعدين يا بنت المدن.
سابها واقفة مكانها زي الصنم مش قادرة تتحرك.. ومشى وهو على آخره.. وترك ليل غرقانة في شبر ميه من الإحراج والصدمة!
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الخامس 5 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الخامس
في أوضة عاصم..
كانت الأوضة مليانة كراكيب وأكياس..وعاصم واقف في النص بيجهز ويرتب حاجات الفرح اللي خلاص مفضلش عليه غير أسبوعين والوقت بيجري...والفرحة كانت باينة في عينه
في اللحظة دي..
دخلت آمنة والدته الأوضة بخطوات بطيئة.. وقعدت على طرف السرير بقلم فاطمةشلبي وهي بتبص لابنها بنظرات مليانة كلام وتردد.. عاصم حس بيها وبنظراتها..وقف اللي في إيده وبصلها بحنان وقرب قعد جنبها..
_ خير يا ماما؟ شكلك بيقول إن في حاجة مهمة وعاوزة تقوليها.. قولي يا حبيبتي سامعك..!
آمنة سكتت ثانية.. وفركت إيديها بتوتر وقالت بنبرة رجاء مكسورة..
= مش هتعزم أبوك على فرحك يا عاصم؟!
السؤال نزل على الأوضة زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة..عاصم بصلها بهدوء تقيل وملامحه اتقيدت بالوجع والتفكير ورد بصوت هادي..
_ تفتكري يا أمي.. جدي منصور هيوافق ويخليني أدخله البيت أصلاً؟ أنا كان نفسي.. كان نفسي أوي يكون معايا في يوم زي ده بس إنتي عارفة اللي فيها وعارفة جدي وقراراته.
آمنة اتنهدت بقلة حيلة والدموع لمعت في عينيها..
_ طيب ما تحاول وتكلم جدك يا بني؟ يمكن يلين ويوافق.. ده ابنه الوحيد في الأول وفي الآخر.. والدم بيحن ومش هيرضى أبداً إنه يكسر بقلبه ويخليه ميحضرش فرح ابنه الوحيد.. كلمه وشوف رأيه إيه..؟
عاصم سكت.. وبص للفراغ ..وبعدين طبطب على إيد والدته وقال بنبرة بيقفل بيها الكلام عشان ميزعلهاش..
= طيب خلي الموضوع ده بعدين يا أمي.. وبلاش تفاتحي جدي في أي حاجة دلوقتي بالذات عشان هو مش ناقص وبلاش تشغلي دماغك بالموضوع ده خالص يا ماما.. اطمني أنا هتصرف.
آمنة هزت رأسها بقلة حيلة وقامت خرجت.. وسابت عاصم في أوضته..الهم زاد على كتفه.
________________//_______________//________________
عدى الأسبوعين.. دول على المعسكر وعلى الأبطال كأنهم سنة .. أسبوعين مليانين مشاعر مكتومة...طول الفترة دي.. ليل كانت عايشة في دوامة من الإحراج والضيق.. كبرياؤها مكنش سامح لها تروح تبرر لـ عمار الجبالي غباء الموقف اللي حطت نفسها فيه..!
فقررت تتبع أسلوب "الهروب الذكي".. كانت بتتجنب تنزل التدريب تماماً في أي وقت عمار موجود فيه..ولو لمحت خياله من بعيد كانت بتلف وترجع السكن فوراً.
وعلى الجانب التاني.. كانت حربها مع مامتها نهال مستمرة ومشتعلة.. نهال مكانتش مستريحة للقعدة في سيناء ثانية واحدة.. الحيطان والجو والناس كانوا محسسينها بخطر غامض عاوزة تهرب منه بقلم فاطمةشلبي بأقصى سرعةظظوكل يوم تفتح السيرة مع ليل.. "يلا نمشي.. يلا نرجع القاهرة"..بس ليل كانت بتعاندها بكل ما أوتيت من قوة وصممت تقعد.. والفرصة جت لليل على الطبطاب لما عاصم وحسام عزموا الفريق كله بشكل رسمي على الفرح.
ليل مسكت في العزومة دي بإيدها وأسنانها..منها عشان تفضل في سيناء وماترجعش لحياتها الباردة مع نهال في القاهرة.. ومنها عشان تلاقي فرصة مناسبة وسط زحمة الفرح تصلح بيها سوء التفاهم الرهيب اللي حصل بينها وبين عمار.
وعدى الأسبوعين بالعافية.. وسط شد وجذب.. لحد ما أعلن الجو السيناوي عن ليلة جديدة تماماً.. ليلة الحنة!
في بيت عمار.. وتحديداً في أوضة فيروز..
الزغاريد كانت مالية المكان... والأغاني السيناوية المبهجة مسموعة من على بعد أمتار.. دخلت فريدة وليل الأوضة وهما متأنقين جداً وبان عليهم الانبساط.. أول ما فيروز شافتهم..وشها نور بابتسامة صافية وقامت من مكانها ترحب بيهم بلهفة..
_ يا أهلاً يا أهلاً.. منورين سيناء ومنورين بيتي بجد! أنا كنت زعلانة أوي إنكم محضرتوش كتب الكتاب..بس بجد فرحتوني جداً النهاردة إنكم جيتوا.
قربت منها فريدة وحضنتها بحب..
= ألف مبروك يا قمر..طالعة زي الملاك الله أكبر عليكي.. معلش بقى ليل كانت تعبانة شوية يوم كتب الكتاب بس أهو جينا نعوضها في الحنة والفرح..!
بصت فيروز لـ ليل بابتسامة رقيقة..وليل قربت منها خطوة وهزت رأسها بابتسامة هادية
_ ألف مبروك يا فيروز.. ربنا يتمملك على خير يا رب..
فيروز ..بسعادة وعفوية..
= الله يبارك فيكي يا ليل.. أنا عاصم وعمار حكولي عنكم وعن جرأتكم في ركوب الخيل..ونفسي بجد بعد الفرح نكون أصحاب وأعلمكوا حاجات عن بلدنا هنا..وانتم تعلموني ركوب الخيل .
في نفس الوقت برا الأوضة.. في المندرة الكبيرة..
كان عمار وعاصم وحسام واقفين وسط رجالة المعسكر والبلد بيستقبلوا الناس.. عمار كان لابس توب فخم وواقف بكل هيبته .
______________//_______________//_________________
بهرجة البيت والزينات السيناوية المعلقة في كل مكان..والأنوار اللي بتتلألأ في الضلمة..خلوا فضول ليل يتحرك.. سابت أوضة فيروز وخرجت تتمشى في الممرات الواسعة بتاعة البيت لحد ما لقت نفسها واقفة في "برندة" واسعة ودورين بتطل مباشرة على الساحة الكبيرة والجنينة اللي متجمع فيها الشباب والرجالة.
وقفت ليل وسندت بإيدها على السور.. وعينيها بدأت تدور وسط الزحمة.. ولحد ما عينها ثبتت على شخص واحد.." عمار الجبالي"
كان واقف وسط رجالة وشيوخ لابس عباية سيناوي بيضاء فخمة مطرزة يدوي.. بقلم فاطمةشلبي وهيبته طاغية على المكان كله.. وطريقة كلامه الواثقة مع شيوخ البلد..خلت قلب ليل يدق دقة غريبة.. دقة خطفت قلبها لأول مرة..!
ليل فضلت متثبتة في مكانها..وعينيها مش قادرة تنزل من عليه وكأنها بتكتشف شخص تاني غير عمار العصبي والعنيد اللي بتخانق معاه دايماً..!
وفجأة.. صوت الأغاني والمزيكا السيناوية والطبول وقف..والكل بدأ يسقف بحماس..وبدأ الشباب يهتفوا باسم عاصم وعمار.. طلبوا منهم بتقاليد الفرح إنهم يرقصوا بالخيل في الساحة على نغمات سيناوية أصيلة.
رحب عمار جداً وابتسامة فخر نورت وشه..وبسرعة فك عبايته ونفس الكلام عمله عاصم اللي كان حماسه ملوش حدود..دخلوا الإسطبل ومفاتتش دقيقة إلا وعمار خارج وراكب على ضهر "غسق" وعاصم على حصانه.
بدأت النغمة تعلى وبدأ عمار يوجّه "غسق" بحركات متناغمة وساحرة.. الحصان كان بيرقص ويرفع رجليه في الهواء وينزل بانتظام وعمار ثابت فوقه زي الصقر بيتحكم فيه بإشارة واحدة من إيده .
ليل فوق في البرندة كانت مبهورة حرفياً ونظرات الإعجاب لمعت في عينيها من جمال المشهد البدوي الأصيل.. سحر الخيل مع هيبة عمار وهو بيرقص بالحصان كان حاجة فوق الخيال مكنتش قادرة ترمش عشان متفوتش ثانية..!
وفي وسط حركة دائرية سريعة بالحصان.. عمار رفع عينه تلقائياً ناحية البرندة.. ولمحها!
شاف ليل وهي واقفة ومنبهرة وعينها بتلمع بالإعجاب وهي بتبص له.. نظرة ليل كانت باين فيها الإعجاب وعمار فهم ده في ثانية.. بس عمار الجبالي بأصله بقلم فاطمةشلبي وشهمته كمل رقص بالحصان عادي جداً ولف وشه الناحية التانية وكأنه مخدش باله من وجودها.. محبش يحرجها ولا يحسسها إنه قفشها وهي بتتأمل فيه بعد خناقتهم الأخيرة..!
سحر الرقص بالخيل لسه مأثر في المكان.. والطبول برة بدأت تهدي شوية والشباب بيباركوا لعاصم.. عمار نزل من على "غسق" عدل لبسه وقرر يطلع يطمن على فيروز ويشوفها لو محتاجة حاجة قبل ما الليلة تخلص.
وهو طالع على السلم..لمح ليل واقفه في الممر القريب من البرندة ليل أول ما شافته جاي بعبايته وهيبته دي حست إنها لازم تتكلم كفاية هروب أسبوعين! وقفت قدامه وثبتت نفسها وقالت بنبرة هادية وبأدب..
_ ألف مبروك يا كابتن.. عقبالك.
عمار.. ملامحه لانت ورسم ابتسامة هادية على وشه ردت ليل فيها الروح..
= الله يبارك فيكي وعقبالك.. بس واقفة لوحدك هنا ليه؟ مش مع البنات جوة ومع فيروز؟!
ليل ..ردت بهدوء وهي بتبص للأرض..
_ معلش ماليش في الدوشة دي.. تعبت شوية فقولت أخرج أقف هنا.
عمار بصلها وقال بترحيب..
= خدي راحتك خالص.. البيت بيتك ومنورة بيت الجبالي بوجودك يا ليل.. بس معلش بلاش تطلعي برا في الساحة عشان في رجالة كتير من برة البلد والوضع مش أمان أوي ليكي.
ليل عقدت حواجبها واستغربت من تحكمه..وردت بسرعة
_ طيب ما أنا كنت في البلكونة وفوق..عادي يعني..!
عمار بصلها بهدوء وثبات..
= ما هو فوق في البلكونة محدش شافك ولا حد ركز معاكي.. لكن لو خرجتي تحت وسط الساحة الناس اللي برة دي كلها هتشوفك.. بلاش.. وبعدين لبسك ده مش شبه لبس البنات هنا خالص.
ليل اتضايقت وبصت للبسها باستنكار..
= قصدك إيه يعني؟ ما في بنات عندكم بتلبس فساتين عادي كده ؟!
عمار حس إن الوقت بيسرقه والناس مستنياه تحت فقالها وهو مستعجل وبينهي الحوار بذكاء..
_ بكره تفهمي يا ليل.. بس اسمعي الكلام وبلاش تخرجي برة البيت كده.. وعن إذنك بقى عشان أدخل أشوف فيروز.. خدي راحتك.
سابها ودخل لأخته..وفضلت ليل واقفة مكانها.. بس المرة دي مكانتش زعلانة من طريقته..!
______________//_______________//_________________
عند نهال ..
تليفونها رن برقم غريب..نفخت بضيق وفتحت الخط.. وجالها الرد بسرعة بصوت خشن ومألوف جداً لدرجة رعبتها..
_ منورة سيناء كلها يا نهال.. بقالك كتير مجيتيش هنا.
نهال اتسمرت مكانها..والدم هرب من وشها..وجسمها كله اترعش والصدمة شلت لسانها ونطقت بالعافية بصوت مبحوح..
= "سالم؟!"
رد سالم.. بنبرة مليانة حرقة وشماتة وغل قديم..
_ أيوه سالم.. إيه..مفكرة إني مش هعرف أوصلك ولا إيه؟ أنا متابعك ومتابع خطواتك بقلم فاطمةشلبي من أول دقيقة رجلك عتبت فيها الأرض دي.. ومستني اللحظة دي من سنين..!
نهال ..بتوتر ورعب حاولت تداريه ورا قناع القوة..
= عاوز مني إيه يا سالم؟ خلاص.. كل اللي بينا انتهى..ومات من سنين طويلة أوي ابعد عني وعن حياتي..!
سالم ..بنبرة تهديد مرعبة..
_ مظنش إنه انتهى.. اللي بينا "روح" يا نهال.. روح وعايشة وسطكم.. وأنا هوصلها.. ومش هسيبها.
هنا نهال فقدت أعصابها تماما وزعقت بعصبية وخوف ..
= أنا مابتهددش يا سالم! أنسى إن ليك أي حاجة عندي أصلاً إنت فاهم؟ أنسى...!
وقفلت المكالمة في وشه وهي جسمها كله بيرتعش من الرعب الشديد.. حطت إيدها على قلبها وبقت تبص حواليها بجنون وهي بتقول لنفسها بفزع..
_ أنا لازم أمشي من هنا حالاً.. مينفعش أخلي ليل هنا ثانية واحدة تانية.. سالم لو لمحها أو قرب منها هتبقى الكارثة..!
في "مندرة" الشيخ منصور..
بعد ما أجواء الحنة هديت شوية استغل عاصم الفرصة ودخل لجده عشان يفتح معاه الموضوع اللي شاغل باله ومقيد فرحته وقف قدامه بقلم فاطمةشلبي وبلع ريقه بتوتر.. وبدأ يتكلم بملامح رجاء..
_ يا جدي.. أنا طالب منك طلب.. وبتمناه منك في ليلتي دي.. أنا عاوز أبويا "سالم" يحضر الفرح.
أول ما اسم "سالم" اتقال..ملامح الشيخ منصور اتقيدت بالجمود وقام وقف فجأة بعصبية ..وزعق بصوت هز جدران المكان..
= لا يمكن يا عاصم..! لا يمكن الراجل ده يدخل بيتي طول ما أنا عايش على وش الأرض.. على جثتي يا بني.
عاصم..قرب منه وبدأ يتكلم بهدوء ومحاولة لامتصاص غضبه..
_ يا جدي عشان خاطري وافق.. أنا عارف غلاوتي عندك..وعارف إنك مش هترفض لي طلب في يوم زي ده.. ده فرحي يا جدي ونفسي يكمل بأبويا.
الشيخ منصور ملامحه اتقلبت لزعل وكسرة حقيقية.. وبص لعاصم بنظرة كلها عتاب..
= أنا كان نفسي يا عاصم.. كان نفسي أفرح بيك وأنا مش ناقصني حاجة..بس مش هيحصل.! بعد كل اللي عمله زمان وإنه خرج من تحت طوعي.. ملوش حاجة عندي خلاص ولا حتى عيال.. وسالم مات بالنسبة لي من يومها..
عاصم ..بنبرة رجاء وإصرار..
_ يا جدي يمكن الأمور تتصلح لما تشوفه وتقعد معاه.. الزمن بيغير النفوس ليه رافض تديله فرصة تانية وتشوفه؟
ضرب الشيخ منصور بعصايته في الأرض بحزم وقسوة تنهي أي نقاش..
= أنا قولت لا يا عاصم يا بني.. خلاص قفل على السيرة دي والموضوع منهي!
خرج عاصم من عند جده والهموم راكبة كتافه.. مش عارف يرضي جده ولا يريح قلبه اللي كان يتمنى أبوه يكون جنبه ..!
________________//______________//________________
رجعوا ليل وفريدة السكن بعد ما ليلة الحنة خلصت.. فريدة كانت طايرة من الفرح ومبهورة بأجواء سيناء وبساطتها..أما ليل فكانت في عالم تاني خالص.. صورة عمار الجبالي بعبايته وهيبته وهو راكب على "غسق" وبيرقص بيه مكانتش مفارقة خيالها ولا بالها ثانية واحدة.
لمحت فريدة سرحان صاحبتها..فقالت بضحك..
_ مالك يا ليل؟ سرحانة في إيه كده وعينك مش معانا خالص؟
ليل ..بتوهان وهي بتحاول تفوق..
= لا.. ولا حاجة بس تعبت شوية من الدوشة والأغاني.
فريدة ..بحماس..
_ أومال هتعملي إيه بكره في الفرح الكبير بقى؟ ده شكلها هتبقى ليلة تحفة وفرح سيناوي أصيل مش هننساه طول حياتنا.
ليل ..بابتسامة هادية..
= فعلاً.. وباين على فيروز دي بنت طيبة أوي وتدخل القلب بسرعة ربنا يسعدهم يا رب.
وفجأة..الباب خبط بسرعة.. قامت ليل فتحت ودخلت نهال بسرعة والتوتر باين على كل ملامحها وبصت لفريدة وقالت بنبرة حادة..
_ معلش يا فريدة.. سبينا لوحدنا خمس دقائق عاوزة ليل في موضوع مهم.
خرجت فريدة مستغربة.. ونهال لفت لليل وبدأت تتكلم بسرعة كأنها بتسابق الزمن..
_ ليل.. وجودك هنا مابقاش نافع خالص ولازم ينتهي.. أنا كلمت عمك"إيهاب"..في القاهرة وقالي إن في عريس لقطة اتقدم لك ومستنينا نرجع عشان نحدد معاه ميعاد الخطوبة ونخلص.
بصت لها ليل باستعجاب واستنكار شديد..
= عمي إيهاب؟ وهو عمي إيهاب ده هو اللي هيحدد مصيري ويتحكم في حياتي ولا إيه؟!..وبعدين ده لا عمي ولا أعرفه.. وأنا أساساً مش بنت أخوه عشان أعتبره عمي..!
نهال ..بلهجة عصبية وصوت عالي..
_ بقولك إيه..العبط والجنون اللي في دماغك ده تسيبك منه حالاً وتفوقي لنفسك..بلاش تضيعينا كلنا بكلامك العبيط ده..!
ليل قعدت على السرير بمنتهى الهدوء والبرود اللي بيخبي وراه بركان وجع..وبصت لعين مامتها وقالت..
= بقالك 10 سنين بتقوليلي نفس الكلمتين دول.. ودلوقتي بقى عندي 25 سنة..وعايشة طول عمري معرفش أهل بسببك.. إنتي ازاي أمي بجد؟ بقلم فاطمةشلبي الراجل اللي رباني وعشت في حضنه.. لما بقى في آخر أيامه وعلى فراش الموت..قالي إنه مش أبويا.. حب يخلص نفسه من الذنب ويريح ضميره قدام ربنا قبل ما يموت.. وإنتي لحد دلوقتي مش راضية تريحي قلبي ولا تقوليلي مين أبويا الحقيقي وعيلتي فين؟!
نهال ملامحها اتخضت بس حاولت تقسي قلبها ومحبتش تكمل النقاش فقالت بحسم وقسوة..
_ الكلام منهي يا ليل.. إنتي بنت "حازم الألفي" يعني بنت حازم الألفي! وهو الله يرحمه قبل ما يموت كان بيخرف من التعب والوجع وملقاش غيرك يسمع خرافاته دي.. بقولك إيه.. عمك رن عليا وقالي العريس جاي بكره.. وبكره هنتحرك من سيناء دي فوراً بعد الزفت اللي إنتي مصممة تحضريه ده..!
سابتها ورزعت الباب وراها ومشت.
ليل رجعت بضهرها على السرير..وغمضت عينيها..ودموعها نزلت تلقائي وهي بتفتكر الـ (فلاش باك) اللي غير حياتها كلها..
فلاش باك ..
ليل كانت قاعدة جنب سرير حازم الألفي وهو في المستشفى.. تعبان جداً ووشه شاحب..وهي ماسكة إيده وبتعيط بحرقة..
_ بابا.. عشان خاطري قولي إنك هتبقى كويس وهتقوم بالسلامة.. أنا مش هعرف أعيش من غيرك في الدنيا دي.
بصلها حازم بحنان كبير.. وطبطب على إيدها بضعف وقال بصوت منهك..
= متعيطيش يا ليل.. متعيطيش يا بنتي ..
سكت شوية وخد نفس طويل بصعوبة وكأنه بيستجمع قوته الأخيرة عشان يزيح جبل من على صدره..وكمل..
= ليل.. أنا عاوز أقولك على سر كاتم على نفسي ومخبيه في قلبي بقاله سنين طويلة.. ولازم أقوله قبل ما أقابل ربنا.
ليل..بانتباه وقلق..
_ سر إيه يا بابا؟ قولي..!
حازم بصلها بتعب وندم..
= ليل.. أنا مش أبوكي.. ولا انتي بنتي من دمي.. أبوكي الحقيقي لسه عايش على وش الدنيا .. بس أنا حبيتك يا بنتي من كل قلبي ومحبتش أفرط فيكي أبداً.. زمان.. لما نهال جاتلي وهربانة وقالتلي إن عيلة أبوكي الحقيقي ناس شداد وعاوزين ياخدوكي منها غصب..واترجتني أتجوزها وأكتبك على اسمي عشان تحميكي..أنا وافقت من حبي ليها وكتبتك باسمي
(ليل حازم الألفي)..بقلم فاطمةشلبي وأخدتها وسافرنا ومرجعتش مصر تاني غير لما إنتي كبرتي وبقيتي آنسة عشان محدش يعرف طريقنا.
ليل الصدمة لجمت لسانها ومكنتش فاهمة حاجة..
_ مش أبويا؟ طيب.. طيب مين أبويا الحقيقي يا بابا؟ وعيلتي الحقيقية اسمها إيه وفين؟
حازم بيأس ودموع مكسورة..
= صدقيني معرفش يا بنتي.. كل اللي أعرفه إن أبوكي وعيلتك الحقيقة من "سيناء" ونهال كانت مخبية كل حاجة وخايفة عليكي بس كل اللي أعرفه وضميري أملاني أقولهولك قبل ما أموت أنا قولتهولك أهو.. وأتمنى نهال تفوق وتعرفك الحقيقة قبل فوات الأوان.. سامحيني يا بنتي.. سامحيني.
(باك..)
فتحت ليل عينيها في ضلمة الأوضة.. ودموعها مغرقة وشها.. وصوت حازم الألفي بيرن في ودنها..ليل حست إن الحقيقة بقت قريبة منها جداً وإن "سيناء" مش مجرد رحلة تبع النادي.. دي المكان اللي فيه أصلها وعيلتها..!
________________//________________//_______________
وعكس كل التوقعات والبراكين اللي كانت بتغلي تحت الأرض.. جه" يوم الفرح" وعدى على خير وعكس المعتاد تماماً..!
مفيش أي خناقات حصلت.. ولا مواجهات كارثية قلبت المكان.. الفرح كان في قمة البساطة والبهجة السيناوية الأصيلة.. الأنوار ملوّنة..الدبكة والزغاريد مالية الأجواء.. وعاصم وفيروز كانوا زي الملايكة وفرحتهم متتوصفش..والكل كان مبسوط وبيرقص.
لكن.. الفرحة دي مكنتش مكتوب لها تكمل.
أول ما الفرح خلص والناس بدأت تتفرق..ساد هدوء مرعب.. فريدة راحت السكن ملقتش ليل..دورت عليها في كل مكان بس ليل اختفت تماماً! مفيش ليها أي أثر وتليفونها مقفول.
الخبر وصل لـ" نهال" اللي أول ما عرفت..الدنيا لفت بيها وحست إن الرعب اللي كانت خايفة منه طول السنين اللي فاتت اتجسد قدام عينيها.. ليل ضاعت! بقلم فاطمةشلبي نهال كانت هتتجنن حرفياً بتدور في كل ركن في المعسكر زي المجنونة.. ودموع الخوف الحقيقي نازلة على وشها..
أول فكرة جت في بالها وصرخت بيها جوة نفسها: "سالم! سالم خطفها..أكيد!"
بس لما قعدت حاولت تبطّأ أفكارها.. سالم كلمها وهددها بالروح اللي بينهم.. بس سالم ميعرفش ملامح ليل..وميعرفش شكلها إيه أصلاً.. ولا يعرف هي أنهي بنت وسط بنات النادي والرحلة.. يبقى ليل راحت فين؟! ومين اللي أخدها؟ ولا هي اللي هربت بنفسها عشان تدور على الحقيقة؟!
عند عمار رجع بيته...
ودخل بقدم تقيلة وبهدوء شديد.. كان متوقع أول ما يفتح الباب تيجى فيروز كعادتها تقف قدامه بقلم فاطمةشلبي ومربعة إيدها وزعلانة إنه اتأخر عليها.. أو تجري عليه تاخده بالحضن.. بس ملقاهاش الأوضة ضلمة والبيت ساكت تماماً.
قعد على الكنبة بيأس وإحباط.. وبص حواليه بحزن وقال بصوت واطي ومخنوق..
_ البيت وحش أوي من غيرها.. ده في أول دقيقة وحشتني والبيت فضي عليا.. هكمل ازاي أنا لوحدي كده بس!
قام بتثاقل دخل أوضته..غير هدومه ولبس لبس مريح..وجات في دماغه فكرة يرخم بيها على صاحبه.. سحب تليفونه ورن على عاصم.
عاصم رد عليه بضيق مضحك وصوت عالي..
= إيه يا بني في إيه؟! مشبعتش رخامة في الفرح ولا إيه؟ ده إحنا لسه مكملناش ساعة!
عمار ضحك بصوت عالي..
_ بصراحة لا مشبعتش.. بقولك إيه يا عاصم.. فيروز في عينك أنا بنبه عليك أهو.. لو جرالها حاجة أو زعلت ثانية واحدة صدقني مش هرحمك وهتشوف عمار تاني خالص.
عاصم اتكلم بجدية تامة ونبرة صادقة..
= في عيني وقلبي يا عمار.. متقلقش عليها يا صاحبي..
عمار ابتسم بهدوء وراحة..
_ عارف يا صاحبي.. خلي بالك منها..
عاصم ..رجع يضحك..
= حاضر يا سيدي.. يلا سلام بقى خليني أشوف مراتي!
وقفل السكة بسرعة قبل ما عمار يلحق يرد عليه.
بص عمار للتليفون بدهشة وضحك..
_ واطي طول عمرك ..!
رمى التليفون وقام دخل المطبخ عشان يعمل لنفسه كبابة قهوة تظبط دماغه..وفجأة.. اتفاجئ بصوت حركة غريبة وخطوات خفيفة في الصالة بره..!
عقد حواجبه بشك..وسحب جسمه وخرج بهدوء عشان يشوف في إيه ومن الحرامي اللي قلب جامد يدخل بيت الجبالي.. بس أول ما خطى عتبة الصالة.. اتسمر في مكانه والصدمة شلت حركته وعينيه وسعت من الذهول التام من اللي شافه قدامه..
_ ليل؟!
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل السادس 6 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل السادس
_ "ليل؟!"
نطق اسمها بنبرة مذهولة وكأنه بيتأكد إن اللي واقفة قدامه دي مش خيال..!
ليل كانت واقفة في نص الصالة.. جسمها كله بيترعش وعينيها اللي دايماً كانت مليانة عناد وكبرياء.. النهاردة غرقانة بالدموع والخوف.
عمار استجمع ثباته.. وقرب منها بخطوات هادية ومحسوبة..وقف قدامها على مسافة قصيرة وبصلها بنظرة حادة ومستفسرة..
_ إنتي جيتي هنا ازاي؟! وازاي دخلتي البيت أصلاً وفي وقت زي ده؟!
ليل بلعت ريقها بصعوبة..وحاولت تداري تداخل صوتها وتوترها وهي بتبص حواليها بخوف..
= دخلت.. دخلت من البرندة اللي ورا البيت.. الباب الخشب مكانش مقفول كويس.. أنا.. أنا أسفة يا عمار.. بس أنا جيتلك ومكانش قدامي حل تاني.. جيتلك مضطرة...أنا بلجأ لحمايتك كام يوم يا عمار.. أرجوك..!.
عمار.. رفض فوراً..وملامحه رجعت حاسمة وقاسية..
_ تفضلي هنا؟ لا طبعاً مينفعش! إنتي واعية بتقولي إيه؟ مينفعش تفضلي في بيتي ثانية واحدة بعد دلوقتي.
ليل..بنبرة مخنوقة من الدموع..
= أرجوك.. مينفعش أرجع القاهرة تاني دلوقتي خالص.. أرجوك هما كام يوم بس لحد ما نهال تزهق وترجع القاهرة وساعتها أتصرف وأشوف مكان تاني .
عمار مشى خطوتين ووقف قدامها بالظبط.. وبصلها بنظرة كلها حيرة..
_ والدتك مستحيل تمشي من هنا وهي متعرفش مكانك ولا واثقة إنتي فين.. وأنا مقدرش أسيبك هنا مينفعش يا ليل.! الدنيا والعادات عندنا مش زي عندكم خالص.. إنتي واخدة على كده في حياتك ولا إيه؟!
ليل ..ردت بسرعة..
= لا والله أبداً يا كابتن! أنا لجأتلك مضطرة.. أنا حاصل معايا مشكلة كبيرة أوي وهحكيهالك كلها بعدين عشان تساعدني..بس دلوقتي.. لو حد سألك عليا قول إنك مشوفتنيش.. اعتبرني.. اعتبرني زي أختك فيروز..!
عمار رد بنفي قاطع وعينه بتطق شرار من الكلمة..
_ أختي؟! فيروز لو عملت ربع اللي عملتيه دلوقتي ده ودخلت بيت راجل غريب في نص الليل.. كنت مش هرحمها! معندناش بنات في عائلتنا ولا في بلدنا تعمل اللي عملتيه ده ..!
ليل ..الدموع نزلت على وشها بغزارة..
= أنا عارفة إني غلطانة.. بس الغلط ده مش هيطول كتير وأول ما ألاقي أهلي هبعد عنك وأشيل عنك أي مشاكل ممكن تتسبب فيها.
عمار عقد حواجبه باندهاش واستغراب شديد..
_ أهلك؟! هو انتي ليكي أهل هنا في سيناء اصلاً..؟
ليل..بأمل وتأكيد..
= أيوه.. أنا ليا أهل هنا بس معرفهمش..وأنا جيت السفرية دي مخصوص عشان دي كانت فرصتي الوحيدة أدور عليهم.
عمار مكانش قادر يستوعب كلامها..فضحك بسخرية مخلطة بقلة حيلة..
_ إنتي كده بتدوري على إبرة في كوم قش يا بنتي..؟! هتلاقي أهلك اللي عمرك ما شفتيهم ولا تعرفي عنهم حاجة ازاي بقى إن شاء الله؟!
ليل ..بيأس وكسرة..
= معرفش.. بس كل اللي أعرفه إني مينفعش أرجع القاهرة خالص دلوقتي.. أصلاً أنا لو رجعت بقلم فاطمةشلبي..عمي هناك مستنيني وهيجوزني غصب عني لمجرد إنه يقفل عليا وميخلنيش أتحرك بحرية تاني.
عمار وقف مذهول..كلامها متناقض وفيه أسرار تقيلة هو مش فاهمها..
_ أنا مش فاهم أي حاجة من كلامك ده عمك مين؟ وهيجوزك ازاي غصب؟ ممكن تفهميني براحة عشان أقدر أشوف هعمل إيه في المصيبة دي؟!
ليل سكتت فجأة..وحست إن طاقتها خلصت ومبقتش قادرة تنطق بكلمة تانية تخص حازم أو نهال..وقالت بصوت مجهد..
= أنا مش قادرة أتكلم ولا أشرح أي حاجة دلوقتي.. بستأذنك هطلع أوضة فيروز وهقفل على نفسي بالمفتاح..وكأني مش موجودة في الدنيا.. مش هحسسك إن في حد معاك في البيت خالص صدقني.. بس سيبني هنا النهاردة بس .
سكت عمار لثواني.. مرت على ليل كأنها سنة ..كانت واقفة وهي خايفة يرفض ومكانتش عارفة لو طردها هتروح فين وتلجأ لمين في البلد الغريبة دي دلوقتي..!
لف لها عمار..وقال بهدوء..
_ أخرك هنا بكرا بالظبط.. لحد ما أفهم إيه الحكاية وبعد كده أنا بنفسي هاخدك وأوديكي للشيخ منصور يفهم منك حكايتك.. هو كبير البلد هنا..وأكيد عارف كل عيلة وكل ناس دخلت أو خرجت من سيناء كويس ويقدر يوصلك ليهم.
ليل أول ما سمعت كلامه.. وشها نور ورسمت ابتسامة فرحة وسط دموعها..
= أنا مش عارفة أشكرك ازاي.. صدقني مش هعمل أي حاجة تضايقك خالص.. عن إذنك.
وسابته وجريت بسرعة على السلم متجهة لأوضة فيروز.. قفلت الباب وراها بالمفتاح..وسندت ضهرها عليه وهي بتاخد نفسها لأول مرة بأمان.
أما عمار.. ففضل واقف في نص الصالة..بيبص لأثرها بدهشة..ومش عارف يعمل أي في العقلية دي ؟؟
______________//_______________//__________________
في صباح تاني يوم الفرح..
خيوط شمس سيناء الدافية كانت مفرودة على أرضية الأوضة الجديدة.. والهدوء كان سيد المكان بعد التعب والهيصة بتوع ليلة امبارح.
عاصم صحي من النوم..اتنهد براحة وهو بيبص لسقف الأوضة.. وحس لأول مرة إن الهموم اللي كانت على كتافه طول الفترة اللي فاتت اختفت.. فيروز بقت في بيته وعلى اسمه..التفت جنبه وبص عليها..كانت نايمة بهدوء وملامحها صافية زي الملاك.
قعد عاصم على السرير وسند ضهره لورا..وبص في ساعته لقى الوقت سرقهم..فقرب من فيروز وبنبرة هادية ودافية ..
_ فيروز.. يا فوزة.. اصحي يا حبيبتي.. العصر قرب يأذن..
فيروز بدأت تتحرك ببطء.. وفتحت عينيها بتعب مخلط بابتسامة كسوف أول ما شافت عاصم قاعد جنبها وبيصحيها.. عدلت نفسها وقعدت وهي بتفرك عينيها بعفوية وبتظبط شعرها..
= صباح الخير يا عاصم.. الساعة كام دلوقتي؟ شكلي نمت كتير .
عاصم ..ابتسم بهدوء وبصلها بحنان..
_ صباح النور يا قلب عاصم.. الساعة داخلة على ٣ العصر ولا يهمك نامي براحتك.. إحنا ورانا إيه يعني؟ واخدين إجازة من الدنيا كلها.
فيروز وشها احمر جداً وبصت للأرض بكسوف..وقالت بصوت رقيق..
= أنا هقوم أهو حالاً.. زمان مامتك مستنيانا..
عاصم لسه هيتكلم ويطمنها..وفجأة سمعوا صوت خبط هادي جداً ومنتظم على باب الشقة برا.. عاصم ابتسم وبص لفيروز..
_ أهو شكل أمي حست بيكي.
قام عاصم لبس عبايته وخرج فتح الباب..لقى والدته آمنة واقفة مبتسمة وفي إيدها صينية فطار عاصم ابتسم وباس رأسها..
= صباح الخير يا أمي.. تعبتي نفسك ليه بس..
آمنة ..بابتسامة فرحة..
_ صباح النور يا عريس.. مبروك يا حبيب قلبي.. تعب إيه بس! ده أنا صاحية من النجمة عشان أعملكم الفطار ده بإيدي.. أدخل الصينية ولا فيروز لسه نايمة؟!
في اللحظة دي كانت فيروز عدلت لبست حجابها وخرجت ورا عاصم بكسوف.. وأول ما شافت آمنة ابتسمت برقة وقربت عليها..
= صباح الخير يا ماما.. تسلم إيدك بجد.. تعبناكي معانا.
آمنة دخلت وحطت الصينية وحضنت فيروز..
_ تعبكم راحة يا بنتي.. ألف مبروك يا فوزة يا قمر.. المكان نور بيكي.. يلا اقعدوا افطروا سوا.. وأنا هسيبكم براحتكم.
خرجت آمنة وقفت الباب وراها بهدوء.. وعاصم لف لفيروز وبص للصينية وبضحكة هادية..
= أهو يا ستي الفطار جالك لحد عندك ومن إيد أمي كمان.. يلا بقى كلي بلاش كسوف.
على الناحية التانية.. وتحديداً في المعسكر..
كانت نهال قاعدة وماسكة تليفونها بإيد بتترعش..وعينيها حمرا من كتر العياط بقلم فاطمةشلبي وقلة النوم بقالها يومين.. وفجأة تليفونها رن برقم عم ليل "إيهاب"..فتحت الخط بفزع..وجالها صوته الحاد والمنفعل من القاهرة..
_ إيه يا نهال؟ إنتوا فين؟ على أساس تبقوا هنا النهاردة فينكم كل ده ؟؟
نهال انفجرت في العياط بقلة حيلة وصوت مخنوق..
= مش لاقياها يا إيهاب.. ليل بقالها يومين مختفية.. يومين بندور عليها في كل شبر هنا في سيناء وتليفونها مقفول.. ومعرفش راحت فين ولا مين اللي أخدها..؟؟
وفجأة.. ومن ورا ضهرها.. طلع صوت خبيث ومألوف نطق ببرود غريب..
_ أنا عارف هي فين.. ومكانها فين بالظبط.
نهال ..اتفاجأت ولفت بسرعة والوعيد والخوف في عينيها.. ولقت واقف وراها.. سيف!
واقف وحاطط إيده في جيبه ومرتسمة على وشه ابتسامة لئيمة..
قربت منه نهال بخطوات سريعة.. ومسكت في هدومه بلهفة وجنون وهي بتصرخ..
= سيف؟! إنت بتتكلم بجد؟ ليل فين؟ قولي بنتي فين ؟؟
سيف ..بثقة برود..
_ أنا عارف مكان ليل.. واطمني محدش خطفها..هي اللي رايحة برجليها.. تعالي معايا وأنا هوديكي لحد عندها.
نهال وقفت قدامه وعينيها بتطق شرار وضياع..
= خدني ليها بسرعة.. حالاً..!
_______________//_________________//_______________
وفعلاً خدها لبيت عمار..وطول الطريق نهال كانت هتموت من الأفكار لحد ما العربية وقفت قدام بيت منعزل وله هيبة.. بيت عمار الجبالي.
نهال نزلت وبصت للبيت باستغراب.. فسيف شاور لها بصباعه بشماتة وقال..
= بنتك جوا في البيت ده.. من امبارح مستخبية هنا .
الدم غلى في عروق نهال..ومبقتش شايفه قدامها.. جريت بسرعة على الباب وبدأت تخبط عليه بجنون وبعنف هز الخشب.
ثواني.. والباب اتفتح..وظهر عمار الجبالي بملامحه الصارمة والمستغربة من الخبط ده.. بقلم فاطمةشلبي ولسه هيتكلم ويقول في إيه.. نهال زقته بإيدها بكل قوتها وعصبيتها..ودخلت جوا الصالة زي الإعصار.. وبدأت تصرخ بأعلى صوتها وتنده بنبرة زلزلت الحيطان..
_ لييييييييل!.. أنتي فين يا ليل؟! انزلي حالاً يا ليل!!
عمار وقف في وشها زي السد ..وملامحه اسودت من الغضب وقال بنبرة حادة هزت أركان المكان..
= إنتي ازاي تدخلي بيتي بالطريقة دي؟! وازاي تعلي صوتك هنا؟
نهال صرخت بقلة عقل وجنون وهي مش شايفة قدامها..
_ ملكش دعوة بيا.. أنا عاوزة بنتي.. بنتي فين؟!
في اللحظة دي دخل سيف.. وراها بخطوات بطيئة وهو باصص حواليه ببرود.. عمار أول ما شافه استغرب جداً وعينيه حادت بشك ونظرة استحقار واضحة..!
سيف وقف قدام عمار بتحدي..وحط إيده في جيبه وقال بنبرة مستفزة..
_ إحنا عارفين إن ليل مستخبية هنا بقالها يومين يا كابتن.. ياريت تخليها تنزل وتمشي معانا من غير دوشة وفضايح في البلد.
عمار رفع حاجبه باستهزاء وبص لسيف.. ورد بصوت تقيل وثابت..
= ومين بقى اللي هيخرجها من هنا غصب عنها؟!
وقبل ما سيف يرد.. قطع المشهد صوت خطوات سريعة على السلم.. كانت ليل نازلة وهي مرعوبة من الصوت اللي مالي البيت أول ما نهال شافتها بقلم فاطمةشلبي.. عينيها وسعت من الغل.. وجريت عليها بجنون وهي رافعة إيدها عشان تضربها بالقلم وهي بتزعق بصوت مبحوح..
_ إنتي ازاي تعملي فيا عملة زي دي؟! ازاي تضيعينا وتستخبي هنا في بيت راجل غريب؟!
ليل من كتر الرعب لقت نفسها تلقائياً بتجري وتتحامى بضهر عمار.. استخبت وراه وكأنها لقت أمانها فيه.
وفي لمح البصر.. وقبل ما إيد نهال تلمس ليل..كانت إيد عمار اتمدت ومسكت معصم نهال في الهواء بقوة وثبات مخلتهاش تتحرك..بصلها عمار بعيون صقر وقال بنبرة تحذيرية..
= اهدي بس.. كل حاجة بتتحل التفاهم..وبعدين ليل معملتش حاجة غلط عشان تمدي إيدك عليها وفي بيتي..
نهال اتنفضت وزعقت بنرفزة وجنون..
_ معملتش حاجة غلط؟! قاعدة في بيت راجل غريب بقالها يومين ومعملتش حاجة غلط؟!
عمار ساب إيدها ببرود.. وعدل وقفته بمنتهى الهدوء والبرود عكس الأجواء المشتعلة اللي حواليه..وحط إيده في جيبه وقال بثبات..
= أيوه معملتش حاجة غلط.. واحدة قاعدة في بيت جوزها إيه الغلط في الموضوع بقى؟!
الكلمة نزلت زي الصاعقة على الأوضة.. نهال اتصدمت واتسمرت مكانها.. وكذلك ليل اللي عينيها وسعت وبصت لضهر عمار بذهول تام وهي مش فاهمة هو بيقول إيه ودماغها لفت.. جوزها ازاي؟!
نهال ..بصدمة واستغراب شل تفكيرها..
_ جوزها؟! إنت بتقول إيه؟!
عمار..بصلها بثبات..
= أيوه جوزها.. ليل مراتي.
نهال لفت بسرعة وبصت لليل بعيون بتطالب بتفسير.. ليل هنا لقت نفسها في موقف ملوش مخرج..لو أنكرت..مامتها هتاخدها القاهرة وتسلمها لعمها بقلم فاطمةشلبي وتتجوز غصب والماضي يتقفل،..ولو أيدت كلام عمار هتنجد نفسها وتفضل في سيناء تدور على أبوها.
" ملقتش قدامها حل غير إنها تبلع ريقها وتهز رأسها وتأيد كلامه."
هنا نهال اتجننت أكتر..وبقت تروح وتيجي في الصالة وهي بتصوت بقلة حيلة..
_ الجوازة دي مستحيل تكمل! انتي أكيد اتجننتي يا ليل.. عمك إيهاب لو عرف باللي هببتيه ده هيطربق الدنيا على دماغنا ودماغك! انتي إيه؟! مبتحسيش؟!
سيف واقف وراهم..وابتسامته المستفزة اختفت تماماً وعينيه بقت تطلع شرار وهو بيبص لعمار وليل..وحس إن اللعبة اتـقلبت عليه..!
________________//________________//_______________
نهال مشيت من البيت وهي دمها بتغلي وعينيها بتطق شرار.. لفت وبصت لليل بوعيد وقالتلها بنبرة تهديد ..
_ الجنان اللي إنتي بتعمليه ده مش هخليه يكمل يا ليل.. أنا هكلم عمك إيهاب حالاً..وصدقيني هيبقى ليه تصرف تاني خالص معاكي ومع اللي هنا.. حسابك معايا متقفلش!
ومشيت ورا سيف وهي متوعدة لليل بأشد عذاب..ورزعت الباب وراها بعنف.
أول ما الباب اتقفل وهديت الصالة.. ليل حست إن الحمل تقل عليها.. بصت لعمار وعينيها مليانة حيرة وعلامات استفهام ودماغها مش قادرة تفهم أو تستوعب هو ليه رمى الكلمة دي وليه حط نفسه وحطها في المأزق ده..!
قربت منه ووقفت قدامه بشك وعصبية مخلطة بخوف..
_ إنت ازاي تقول كده؟! إنت مدرك باللي قلته؟ إنت كده وقعتني في مشكلة معاها ومع عمي أكبر بكتير من الأول..!
عمار ملامحه اتغيرت وبصلها بحدة ونبرة رجولية صارمة..
= عندك حل تاني؟! كنتي عوزاني أسيبها تمد إيدها عليكي في بيتي؟ ولا أسيب سيف ياخدك غصب عنك ويمشي بيكي قدام أهل البلد اللي برا دول ؟!
ردت ليل بسرعة وهي بتبلع ريقها بتوتر..
_ بس.. بس إحنا مش متجوزين يا عمار هنتصرف ازاي ؟؟
عمار بصلها بثبات وهدوء شديد..ونطق بكلمة واحدة..
= "نتجوز."
ليل اتصدمت أكتر..وجسمها اتسمر مكانه.. مكنتش متخيلة إن الأمور هتوصل لكده..لكن عمار كمل بنفس الهدوء..
= أنا شايف إن ده الأحسن والحل الوحيد اللي يخليكي تعرفي تفضلي هنا في سيناء براحتك.. وتدوري على أهلك من غير ما حد يجرؤ يمسك بكلمة أو يضغط عليكي.. وطول ما إنتي على ذمتي محدش يقدر يقرب منك.
سكت لثواني وتابع..
= إحنا دلوقتي هنروح عند الشيخ منصور..وهو بنفسه هيجيب المأذون.. أنا هكلم عاصم وأفهمه كل حاجة..
ليل سألته بتردد وخوف مالي قلبها..
_ إنت.. إنت متأكد من اللي بتعمله ده يا عمار؟!
عمار بصلها بعمق وسكت..مردش عليها بالقرارات..نظراته كانت كافية تقولها إن الجبالي لما بياخد خطوة م بيرجعش فيها.
ليل حطت دماغها بين إيديها بقلة حيلة والتفكير بياكل في عقلها.. الأمور بتتشابك.. وعمها إيهاب لو عرف الدنيا هتتقلب.. بس في نفس الوقت، ده طوق النجاة الوحيد ليها.
عمار قام وقف..وبص في ساعته وقال بنبرة آمرة بس هادية..
= يلا يا ليل.. اطلعي فوق الأوضة البسي عباية من عند فيروز وشوفي أي طرحة غطي بيها وشك عشان نمشي.. خمس دقايق بالظبط وهستناكي برا عند العربية.
ليل فضلت واقفة مكانها ثواني.. فكرت في الموضوع من كل الجوانب.. ولقت فعلاً إن ده أفضل حل ليها.. أحسن بمليون مرة من رجوعها القاهرة بقلم فاطمةشلبي وملقتش أي حد في الدنيا دي كلها يقدر يحميها ويساعدها في بلد غريبة غير عمار.
هزت رأسها بهدوء واستسلام..وقامت طلعت بسرعة عشان تعمل زي ما قالها..
في بيت الشيخ منصور.. وتحديداً في أوضة عاصم..
الأجواء اللي كانت هادية من شوية اتقلبت تماماً بعد مكالمة عمار.. عاصم كان واقف قدام المرايا بيلبس هدومه بسرعة والدهشة مش مفارقاه..أما فيروز فكانت واقفة وراه..ملامحها كلها تساؤلات وقلق..ومكانتش فاهمة الجوازة المفاجأة دي إيه أسبابها ولا جات ازاي؟؟
بصت لعاصم وقالت بنبرة حائرة..
_ يا عاصم فهمني.. عمار ازاي خد قرار كبير وزي ده بالسرعة دي؟! هو.. هو كان بيحبها وأنا معرفش؟ دنا لسه سايباه امبارح مكانش في دماغه حاجة!
عاصم ..وهو بيعدل لبسه وبيلف ليها..
= والله يا بنتي علمي علمك.. أنا زيي زيك اتفاجأت بالمكالمة.. ودلوقتي لما يوصلوا هنعرف كل حاجة.. بس هو أكد عليا إن الموضوع لازم يتم الليلة دي ومفيش وقت للتأخير.
فيروز ..بقلق وحيرة..
_ بس أنا حاسة إن في حاجة غلط.. الموضوع مش طبيعي يا عاصم.
قرب عاصم منها.. وقعد قدامها بهدوء وطبطب على إيدها عشان يطمنها..
= يا حبيبتي.. خمس دقائق بالظبط وأخوكي هيبقى عندك هنا في البيت اقعدي واتكلمي معاه براحتكم وافهمي منه كل اللي انتي عاوزاه.. مستعجلة ليه بقى؟ انزلي دلوقتي مع ماما آمنة واستنيهم تحت..وأنا هشوف المأذون وأقعد مع جدي لأنه قاعد مستنيهم في المندرة تحت.. ماشي؟
هزت فيروز دماغها بهدوء واستسلام..ونزلت فعلاً لعند آمنة تستناهم..
_________________//______________//________________
أول ما ليل خطت عتبة البيت.. حست بإحساس راحة رهيب ودفء غريب مالي قلبها.. إحساس أول مرة تحسه في حياتها كلها ..!
استقبلتها الحاجة آمنة بترحاب كبير ووش بشوش.. وأخدتها من إيدها ودخلت بيها البيت عشان توديها عند فيروز.. وفي نفس الوقت..عمار قعد مع عاصم في المندرة برا
ومفاتش غير دقائق معدودة وكان المأذون وصل.. عمار وكّل الشيخ منصور رسمي عشان يبقى هو "وكيل العروسة" ووسط حضور الكل تم كتب الكتاب..
وبقت ليل رسمياً (حرم عمار الجبالي).
ليل ..كانت قاعدة ومستغربة السرعة الرهيبة اللي تم بيها الموضوع ده كله.. بس من جواها كانت مستريحة تماماً وحاسة إنها لأول مرة بتاخد خطوة صح في حياتها خطوة هي اللي هتوصلها لأهلها وأصلها.
بعد ما المأذون خلص و مشي..ساد الهدوء.. والتفت الشيخ منصور وبص لـ ليل اللي قاعدة بعيد وسألها بنبرة مستغربة..
_ إنتي مين يا بنتي؟ وإيه حكايتك بالظبط أنا مش فاهم حاجة؟؟
عمار بصل الشيخ منصور بانتباه شديد وقام وقف وقال بسرعة قبل ما ليل تنطق بكلمة..
= أنا هحكيلك كل حاجة بعدين يا شيخ منصور وأفهمك الحكاية بس دلوقتي معلش نخلي فيروز والحاجة آمنة يأخدوا ليل عندهم جوا على ما أتكلم مع عاصم في كلمتين برا ..
بصله عاصم باستغراب شديد وحس إن في حاجة في الموضوع.. عمار خرج بسرعة وعاصم لحقه على طول..وقعدوا هما الاتنين جوا عربية عمار برة البيت.
التفت عاصم لعمار وقال بقلق..
_ في إيه يا عمار؟ ومتكلمتش ليه جوا قدام جدي؟
عمار ..نفخ بقلة حيلة وبص لعاصم..
= عاصم.. الموضوع ملخبط أوي وفوق ما تتخيل..أنا أساساً مش فاهم أنا بعمل إيه ولا ازاي وافقت على كده.. بس كل اللي بعمله ده عشان أساعد البنت اللي جوا دي وأحميها.
عاصم ..بعقدة حاجب ودهشة..
_ أنا مش فاهم.. انت وليل اتفقتوا مع بعض إمتى على الجواز ده ولحقتوا تظبطوها؟!
عمار ضحك بقلة حيلة..
= ولا اتفقنا ولا حاجة! أنا امبارح روحت البيت بالليل لقيتها مستخبية هناك في الصالة..
وبدأ عمار يحكي لعاصم كل اللي حصل بالتفصيل..من أول ما دخلت بيته لحد ما نهال أمها وصلت ومعاها سيف..وازاي اضطر يقول إنها مراته عشان يلم الموضوع وميحصلش مشكلة أكبر في البلد..بقلم فاطمةشلبي وحد يتكلم في حق ليل وعنه بشكل مش كويس..وبالذات إنه لمح في عين سيف ده نظرة شماتة وغل وكأنه مستني ليل تغلط عشان يفضحها..!
عاصم كان مبسوط وفخور جداً بصاحبه وبشهامته..وبص له وقال بنبرة صادقة..
_ طول عمرك أصيل وابن أصول يا صاحبي.. بس البنت دي مفهمتش منها أي حاجة تانية عن أهلها خالص؟!
عمار ..بصله وتنهد..
= لأ.. هي كل اللي قالته إن أهلها من هنا من سيناء..بس هي حتى متعرفش أبوها اسمه إيه.. ولا تعرف أي معلومة عن عيلتها غير إن أصلهم من البلد دي.
عاصم بصله باستنكار..
_ إنت بتتكلم بجد يا عمار؟! ودي إن شاء الله هتمشي في وسط بيوت سيناء تقول يا أهلي أنتم فين؟! يعني مفيش في إيدها أي خيط ولا معلومة واحدة حتى؟!
عمار ..بضيق..
= معرفش.. ساعدني إنت وقولي أحل الموضوع ده ازاي ونبدأ منين؟!
عاصم بص قدامه للفراغ..وملامحه اتقلبت لحزن وكسرة هادية.. وقال بصوت مخنوق..
_ إنت عارف يا عمار.. أنا ذات نفسي عندي معلومات كاملة ودورت على اللي يخصوني لحد ما طلع عيني وعمري ما لقيت اللي بدور عليه.. ما إنت عارف اللي فيها وعارف البير وغطاه.
عمار حس بالزهق والضغط زاد عليه فقال..
= والله أنا مش عارف بقى.. الحوار شكله دخل في الجد أوي وشكلها حكاية معقدة ومستخبية وراها بلاوي.
عاصم حب يهدي صاحبه ويخفف عنه..فطبطب على كتفه وقال بابتسامة..
_ طيب روق دلوقتي وتعالى نقعد جوا مع جدي وخليك معانا النهاردة اتغدى واقعد معنا.
عمار..برفض قاطع..
= لا لا.. أنا هاخد ليل ونروح بيتنا، وإنت خليك مع عروستك يا عم.. معلش جيت لغبطت لكم الدنيا في صباحيتكم.
عاصم ..بزعل..
_ متقولش كده يا بني بس! وبعدين إنت عارف أمي آمنة مش هتمشيك من هنا أبداً قبل ما تأكل معانا.. يلا حتى نحتفل بيك يا عريس الغفلة..!
عمار.. بصله وضحك بتريقة على روحه..
= حقك.. حقك تتريق عليا وتعمل أكتر من كده كمان.
عاصم انفجر بالضحك وقاله وهو بيفتح باب العربية..
_ طيب انزل انزل.. ده أختك فيروز جوة محضرة لك لستة أسئلة قد كده ومستنياك على نار.. تعالى بقى استلمها..!
دخل عمار البيت وقابل أخته فيروز اللي كانت مستنياه على نار.. وأول ما شافته قربت منه وقالتله بنبرة حائرة..
_ عمار.. ممكن أتكلم معاك شوية لو سمحت؟
في الوقت ده.. ليل كانت قاعدة مع الحاجة آمنة..ورغم ترحاب آمنة بيها..إلا إن ليل كانت حاسة بغربة شديدة وحاسة إنها مرفوضة بقلم فاطمةشلبي من الجو اللي حواليها ومكانها مش هنا.. سحبت نفسها بهدوء وخرجت قعدت برا في المندرة الواسعة وعينيها بتتلفت حواليها.
جوه.. وقف عمار مع فيروز وهي بصتله بشك..
_ عمار.. انت كنت بتحب ليل ومخبي عليا..صح؟! قولي الحقيقة.
عمار ضحك بصوت دافي على طفولية أخته وتفكيرها..وهز رأسه بنفي..
= لا يا فيروز.. الموضوع مش زي ما إنتي فاكرة خالص ولا في حب ولا مخبي عليكي حاجة.
فيروز ..بشك أكبر..
_ أومال في إيه يا عمار؟ فهمني.. أنا بجد مش فاهمة حاجة من اللي بيحصل من الصبح ده..!
عمار طبطب على كتف أخته بهدوء عشان يهديها..وبصلها بحنان وقال..
= سيبك مني دلوقتي.. وعاوزك بس تطمنيني عليكي.. إنتي مبسوطة هنا؟ في حد زعلك أو ضايقك قوليلي لو عاصم ده مرخم عليكي آخدك معايا عادي ..
فيروز وشها أحمر وضحكت بهدوء وراحة..
_ الحمد لله أنا كويسة جداً واطمن عليا.. المهم إنت يا عمار.
عمار مسك إيديها بحنان..
= بصي يا فيروز.. مفيش حاجة في الدنيا دي بتحصل من غير سبب.. بس مش كل حاجة بتحصل ينفع تتقال دلوقتي.. كل اللي عاوزه منك..إنك تعتبري ليل زي أختك بالظبط..وحاولي تقربي منها وتتكلمي معاها عشان متسيبهاش تحس إنها غريبة وسطنا.. اقولك؟ خديها معاكي يلا تحضر السفرة..على ما أطلع أنا أقعد أشرب الشاي مع الشيخ منصور برا.. يلا وريني همتك.
في اللحظة دي..دخل عليهم عاصم وبص لفيروز بضحكة ومشاكسة..
_ ها يا رغاية؟ خلصتي تحقيق ولا لسه؟!
فيروز ..بضيق..
= بقى أنا رغاية يا عاصم؟! ولا أنتم اللي بقيتوا عصابة وبينكم أسرار ومخبيين عني كل حاجة؟!
عاصم بص لعمار وانفجروا هما الاتنين بالضحك..وقال عاصم..
_ شوف يا عم.. أهي عملتنا عصابة ومن أول يوم كمان!
برا في المندرة.. ليل كانت قاعدة ومتابعاهم كلهم بعينيها من بعيد.. الأبواب المفتوحة خلتها تشوف ضحكهم وكلامهم..وكانت مبسوطة أوي من جواها من العلاقة الجميلة والدفء اللي بين عمار وأخته وعاصم.
سرحت ليل لثواني.. وتخيلت لو لقت عيلتها الحقيقية.. يا ترى هتلاقي وسطهم الحب والدفء ده؟ ولا هتتصدم؟
ولفت نظرها جداً طريقة عمار الهادية والحنينة مع أخته..وازاي بيتحول في كلامه لإنسان دافي بيحاول يطمنها دايما ويحميها بأبسط الكلام.. دقة قلب ليل رجعت تاني..وبدأت تحس إن عمار الجبالي وراه شيئ غامض بيشدها غصب عنها!
________________//________________//_______________
وبسرعة الليل ساد المكان...
و عدى اليوم الطويل بضغطه وتفكيره..وأخد عمار ليل ورجعوا لبيت الجبالي تاني.. دخلت ليل من باب البيت.. بس المرة دي وهي حاسة بإحساس تاني خالص.. إحساس غريب ومرتبك.. البيت مابقاش مجرد مكان مستخبية فيه..ده بقى بيت جوزها وهي بقت صاحبته رسمياً..!
عمار قعد على الكنبة بإرهاق شديد وتعب باين على ملامحه من كتر اللي حصل الصبح.. ليل وقفت تبص له..وخدت نفس عميق وغمضت عينيها تحاول تستوعب..وبعدين سألته بنبرة حائرة وخايفة..
_ تفتكر إيه اللي هيحصل بعد اللي عملناه ده كله يا عمار؟!
عمار كان ساند ضهره..وحط وشه بين إيديه بتعب.. ورد عليها بنبرة هادية..
= كل خير.. متخافيش.
ليل كملت كلامها بتردد وصوت مخنوق..
_ أنا.. أنا حاسة إني تايهة أوي..
عمار شال إيده من على وشه.. وبصلها بتركيز وبعمق..
= ليه؟!
ليل..بنرفزة وتوتر من كتر الضغط اللي جواها..
_ ليه إ ازاي يا عمار؟! ..يعني اللي إحنا فيه ده كله وتفاصيله مش يتوهني؟! ..ده غير إني لحد دلوقتي مش لاقية أي خيط ولا معلومة واحدة توصلني لأهلي..!
عمار بصلها بهدوء وثبات غريب امتص بيه نرفزتها.. وحب يطمنها ويشيل الحمل من عليها..فقال بصوت يهدوء..
= بصي يا ليل.. أنا مش عاوزك تشغلي بالك ولا تفكري في أي حاجة دلوقتي خالص بقلم فاطمةشلبي.. اطلعي فوق ارتاحي ونامي.. وبكرا الصبح نقعد ونشوف الموضوع ده سوا ونرتب هنعمل إيه.. ماشي؟!
بصت له ليل بنظرة مليانة امتنان وراحة.. وحست إن كلامه بيطمن قلبها غصب عنها.. لفت وراحت ناحية السلم عشان تطلع أوضة فيروز..بس قبل ما تحط رجليها على أول درجة.. وقفت فجأة..
عمار لمح وقفتها فقالها باستغراب..
= وقفتي ليه تاني؟ في حاجة؟!
ليل ..التفتت له..
_ أنا.. أنا تليفوني مش معايا ومقفول في السكن.. كنت عاوزة أكلم فريدة أطمنها عليا لأنها أكيد هتتجنن.. ممكن..؟
عمار ابتسم وقام طلع تليفونه من جيبه وادهولها..
= أيوه طبعاً.. خدي..اطلعي كلميها براحتك وطمنيها.
ليل أخدت منه التليفون بسرعة وابتسمت برقة..
_ "شكراً "..
وطلعت تجري على السلم متجهة للأوضة..وهي حاسة إن عمار الجبالي بيبني حواليها سور من الأمان مكنتش تتخيله..!
دخلت ليل الأوضة..وقفت جنب الشباك وبسرعة طلبت رقم فريدة اللي ردت من أول ما سمعت صوت ليل ..
_ ليل؟! أنتي فين يا ليل؟ طمنيني عليكي أرجوكي..
قطعتها ليل بصوت واطي ومجهد..وبدأت تحكيلها كل حاجة حصلت من أول ما هربت ولجأت لعمار..لحد الاقتحام اللي عملته نهال الصبح.. والقنبلة اللي رماها عمار لما قال إنها مراته.. وصولاً لكتب الكتاب اللي تم في بيت الشيخ منصور..!
فريدة كانت بتسمع بصدمة ..ومكانتش مصدقة السرعة والجرأة اللي عمار اتصرف بيها بس اتنهدت براحة وقالت..
_ طيب الحمد لله.. الحمد لله إنك في أمان يا ليل وعمار طلع راجل وابن أصول بجد وحماكي.. بصي..أنا هجيلك بكرا الصبح على بيت عمار ده.. لازم أشوفك.
ليل ..باستغراب..
= تيجي فين يا فريدة؟ استني لما الدنيا تهدى..وأنا هقابلك.
فريدة ..بنبرة جادة جداً وصوت واطي..
_ لا لازم أجيلك يا ليل.. أنا جيلك بكرا مخصوص عشان أنا سمعت حاجة مهمة أوي هنا في المعسكر بالصدفة.. وحاسة.. لأ..أنا متأكدة إن الحاجة دي هي الخيط الوحيد اللي هيساعدك وتوصلي لأهلك.
ليل أول ما سمعت جملة "توصلك لأهلك".. ضربات قلبها السريعة رجعت تاني..ونطقت بلهفة وشغف..
= سمعتي إيه؟! أنطقي يا فريدة قوليلي في إيه وريحي قلبي!
فريدة ..برفض قاطع..
_ لا.. مش هينفع في التليفون خالص يا ليل..لما أشوفك بكرا هحكيلك كل حاجة بالتفصيل.. ويا ريت.. يا ريت الكلام ده يكون قدام عمار كمان.
ليل عقدت حواجبها باستغراب ودهشة شديدة، ودماغها بدأت تودي وتجيب.. فريدة عوزة تحكي قدام عمار ليه؟ وإيه علاقة عمار بأهلها؟! وافقت ليل وهي بتجاهد نفسها بالعافية عشان كانت عوزة تعرف في إيه والنار قادت في دمها من الفضول..؟
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل السابع 7 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل السابع
في الاستراحة اللي نازلة فيها نهال..
وصل إيهاب عم ليل..ودخل المكان وعينيه بتطق شرار..والغل مالي قلبه.. أول ما شاف نهال واقفة قدامه بتترعش..قرب منها ونطق بنبرة حادة وغموض مرعب..
_ إنتي عارفة اللي بنتك الشملولة عملته ده.. فيه تمن رقبتها ورقبتك؟! إنتي اتجننتي يا نهال؟!.. بتجوزيها من ورايا لواحد من سيناء عشان تضمني إن كل حاجة تخص أخويا حازم وورثه يفضل تحت إيدك انتي وبنتك صح؟! بس ده بعدك.. مش إيهاب الألفي اللي يتلعب بيه..!
نهال اتعصبت جداً وصوتها اتهز من الخوف والاندفاع..
= أنا مجوزتهاش حد من وراك يا إيهاب..! هي اللي عملت كده من ورايا ومن ورا الكل.. ورمت نفسها في المصيبة دي.. أنا أصلاً كلمتك واستنجدت بيك عشان تيجي تحل الكارثة دي.. وناخدها في إيدنا ونرجع القاهرة حالا ونخلص..!
إيهاب ضحك ضحكة شريرة هزت الأوضة..وبص لها بنظرة كلها قسوة..
_ أحل إيه؟! انتي تعملي المصيبة وترجعي تقوليلي حلها؟! أنا المرة دي بقلم فاطمةشلبي معنديش حلول تاني خلاص.. أنا عندي تنفيذ للي يرضيني أنا وبس.. ومش عامل حساب لأي حد في الدنيا دي.
نهال حست بالرعب حقيقي على نفسها وعلى مصلحتها وسألته بصوت مرعوب..
= تقصد.. تقصد إيه يا إيهاب بكلامك ده؟!
إيهاب مبصش وراه.. وسابها وخطى ناحية الباب..ولف وشه ليها بنظرة وعيد أخيرة وقال..
_ لما أجيب الشملولة بنتك في إيدي.. ساعتها نتحاسب.. وحسابنا هيبقى تقيل أوي.
وسابها واقفة زي الصنم بتموت من رعبها.. وخرج برة الاستراحة.. وشاور لرجاله المسلحين اللي مستنيينه في العربيات.. وركبوا كلهم..واتحركوا كإعصار غاضب متجهين مباشرةً لبيت عمار .
_________________//_______________//_____________
في بيت الجبالي فجأة.. !
زلزل البيت صوت خبط عنيف ومرعب على الباب وكأنه إعصار عاتي ناوي يهد الحيطان.. عمار فتح عينيه بسرعة وقام من مكانه وعلامات الغضب بدأت ترتسم على وشه..وفي نفس اللحظة كانت ليل نازلة من على السلم وهي مرعوبة..وجسمها كله بيترعش من الخوف.. وقفت وراه وقالت بصوت مخنوق ومتحشرج..
_ متفتحش يا عمار.. أرجوك متفتحش..!
عمار لف وبص لها بثبات وصوت رجولي دافي مليان ثقة..
= متخافيش.. طول ما أنا عايش على وش الدنيا محدش يقدر يعملك حاجة ولا يمس شعرة منك.. خليكي أنتي مكانك هنا ومتقربيش ناحية الباب خالص.
خطى عمار بثقة وفتح الباب بقوة.. ولقى إيهاب واقف في وشه وعينيه بتطق شر.. ومن وراه اتنين من رجالته بسلاح.. إيهاب مأعملش حساب للأصول.. ودخل الشقة غصب عنه وهو بيقتحم المكان برجالته..وعينيه دارت في الصالة لحد ما وقعت على ليل اللي كانت واقفة ورا عمار مرعوبة ودموعها نازلة.
عمار وقف في نص الصالة.. وبص لإيهاب بتحدي ..أما إيهاب فكانت عينه عليه بشر وغل لدرجة مرعبة..والتفت لليل واتكلم بنبرة تهديد..
_ بقى أنتي تلوي دراعي يا ليل؟!..أنتي وأمك بتلعبوا عليا ومفكرين إنكم هتهربوا باللي عملتوه وهسيبكم في حالكم؟!
تبقي هبلة وناقصة عقل لو فكرتي إن جوازك من الجدع ده هو اللي هيحميكي مني..؟!
ليل رغم الرعب اللي جواها..إلا إن غلها من عمها خلاها ترد عليه باستهزاء وقهر..
= كل اللي هامك في الدنيا دي الفلوس والورث.. طول عمرك كده ومبتشبعش..!
إيهاب ملامحه اسودت.. وببرود قاتل شاور بإيده لواحد من رجالته وقال.. "هاتها".
الراجل خطى خطوة عشان يجيب ليل..بس في لمح البصر كان عمار قاطع طريقه ووقف قدامه.. وبص للراجل ولإيهاب بصوت هز أركان البيت من قوته..
= أوعى حد من اللي جايبهم تتحامى فيهم دول يقرب خطوة واحدة تانية.. اللي هيقدم خطوة هيدفن مكانه.
إيهاب ضيق عينيه وبص لعمار بتدقيق وتفحص وقرب منه..
_ وإنت بقى اللي هتمنعني ؟؟
عمار قرب وشه منه وعينيه بتطلع شرار.. ورد بثبات زلزل الأرض..
= جرب وإنت تشوف بنفسك.. مجاش لسه اليوم اللي مرات عمار الجبالي تتاخذ من بيته غصب عنه وإنت لسه متعرفش اللي عملته ده تمنه إيه ؟؟
ساد صمت رهيب في المكان..وإيهاب حس إن عمار مش شخص سهل يتلوي دراعه أو يترعب من السلاح..فلف وشاور لرجالته بنبرة آمرة.."اخرجوا برة استنوني".
الرجالة رجعوا لورا وقفلوا الباب وسابوهم.. بس عمار فضل باصص لإيهاب بشر وغضب مكتوم بقلم فاطمةشلبي فكرة إن حد يقتحم بيته ويلوي دراعه بالطريقة دي عمرها ما حصلت في حياته..! ودلوقتي كل اللي مسيطر على عقله وقلبه وحابس أنفاسه هو حاجة واحدة بس.. إنه يحمي مراته ويحافظ عليها لآخر نفس فيه.
إيهاب بص لعمار بهدوء مستفز وبارد.. ومرتسمة على وشه ابتسامة خبيثة وقال..
_ حلو الدور اللي إنت عايشه ده.. عجبني أوي يا عريس.
عمار رد بتحدي أكبر وعينيه ثابته في عين إيهاب بقوة..
= ده مش دور دي أصول..والواضح كده إنك متعرفهاش ومسمعتش عنها قبل كده..!
إيهاب بصله ببرود..ونقل عينيه لـ ليل اللي واقفة ورا عمار..وهز رأسه وقال بنبرة هادية..
_ طيب.. وأنا بقى أعرف الأصول أكتر منك يا ابن الجبالي وبنت أخويا هترجع معايا بيتها في القاهرة..وتيجي إنت هناك تاخدها من وسط أهلها معززة مكرمة زي ما الأصول بتقول.. ولا إنت إيه رأيك؟!
عمار بصله بتركيز شديد وفهم ملعوبه.. ومحبش يظهر قدامه إنه حابسها.. فرد بذكاء وثبات..
= وأنا معنديش مانع في اللي بتقوله.. بس ده هيحصل في حالة واحدة بس..لو ليل هي اللي وافقت على كلامك ده ورضيت تخرج من باب بيتي معاك.
إيهاب دار بعينيه وبص لـ ليل بنظرة أمر.. مستنيها تخاف وتوافق.. بس ليل ردت بسرعة وبنبرة قاطعة هزت الأوضة..
_ أنا مستحيل أرجع معاك.. انسى ..!
إيهاب ملامحه اتقلبت تماماً.. وبصلها بشر ..
= أنتي كده بتفتحي حرب معايا يا ليل.. وأنتي مش قدها وافتكري كلامي ده كويس.
ليل خطت خطوة وقربت أكتر من عمار واتحامت في ضهره وهي بتبص لعمها بكل قوة..
_ لأ.. أنا قدك..وقد مليون واحد زيك طول ما أنا هنا.
إيهاب جز على سنانه وبص لها بنظرة كلها تهديد..
= يبقى أنتي اللي بدأتي يا ليل.. أنتي اللي بدأتي.
التفت وبص لعمار بنظرة تهديد صامتة ومليانة غدر.. ولف وخرج من البيت بخطوات سريعة وهو ناوي على شر .
_____________//_________________//________________
إيهاب مشي من البيت وهو سايب وراه نار قايدة وتهديد صريح بالدمار..والبيت هدي بس هدوء ما قبل العاصفة...ليل كانت واقفة مكانها زي الصنم من الخوف والضغط..وعمار عينيه عليها بيحاول يستوعب خطواتهم الجاية هتبقى إيه..!
وفجأة.. سمعوا صوت خبط هادي على الباب... ليل جريت بسرعة وفتحت الباب.. وأول ما عينيها وقعت على فريدة.. مقدرتش تتحمل ثانية واحدة زيادة.. ورمت نفسها في حضنها وانهارت في العياط بصوت مخنوق.
فريدة اتخضت عليها جداً.. ودموعها نزلت هي كمان وهي بتشدد من مسكتها ل ليل..
_ ليل! مالك يا حبيبتي في إيه؟! إيه اللي حصل؟ أنتي بتترعشي كده ليه؟!
عمار كان واقف من بعيد..حاطط إيده في جيبه.. وعينيه مركزة على ليل.. كان صعبان عليه حالتها أوي..وحاسس بالوجع والخوف اللي هي شايلاه فوق طاقتها،..وعارف إن وجود صاحبتها دلوقتي هو الدوا الوحيد اللي بقلم فاطمة شلبي هيهديها...من غير ما يتكلم ولا يضغط عليهم..سحب نفسه بهدوء وطلع على السلم للدور اللي فوق عشان يسيبهم على راحتهم ومن غير إحراج.
فريدة أخدت ليل من إيدها بهدوء..ودخلوا قعدوا فضلت تطبطب عليها..وتملس على شعرها وتقرأ لها قرآن بصوت واطي لحد ما ليل بدأت تاخد نفسها بانتظام.. وتهدى شوية بشوية.
رفعت ليل راسها وبصت ل فريدة وعينيها حمرا وغرقانة دموع.. فمسحت فريدة دموعها بحنان وقالت بنبرة كلها خوف واهتمام..
_ اهدي يا ليل.. أنا جنبك أهو .. طمنيني عليكي إيه اللي وصلك للحالة دي؟ وعمار عمل معاكي حاجة؟!
ليل هزت راسها بنفي وهي بتشهق..
= لأ.. عمار ملوش ذنب يا فريدة.. ده عمي إيهاب.. عمي إيهاب كان هنا من شوية.
وبدأت ليل تحكي لفريدة كل اللي حصل معاها
وفريدة هدتها
ليل بعد شوية هديت وقالتلها تطمن وأكيد عمها ده مستحيل يعمل حاجة هو بيهددها بس ..!
فجأة ليل افتكرت ان فريدة جاية عشان تقولها حاجة ضروري
قالتلها بتساؤل
_ كنتي جاية تقوليلي إيه يا فريدة ؟؟
فريدة بصت ليل بقلق ..
= اليوم اللي إنتي كنتي غايبة فيه ..مامتك كانت زي المجنونة حرفيا بتلف حوالين نفسها..
وسمعتها بتكلم واحد في التلفون اسمه " سالم " كانت بتقوله إن بنته ماتت من زمان وان اللي خطفها دي مش بنته وحسابه هيكون مش سهل لو مرجعتش .
ليل كانت بتسمعها وهي مصدومة ..مش فاهمة مين سالم ده وهل ده ممكن يبقى أبوها الحقيقي ولا لا ؟؟
مرت شوية وقت..ونزل عمار من على السلم بخطوات هادية ودخل الصالة لقى فريدة وليل قاعدين مع بعض بس كان مسيطر عليهم السكوت التام.. وملامح ليل كان باين عليها الضياع والحيرة.. قرب عمار منهم وبص لوشوشهم وقال بنبرة هادية..
_ الأمور تمام يا جماعة؟!
ليل رفعت عينيها وبصت له بقلة حيلة ونطقت بصوت مخنوق..
= لا يا عمار.. مفيش حاجة تمام خالص.
عمار عقد حواجبه باستغراب وقرب خطوة..
_ ليه بس؟ موصلتيش لحاجة.. أومال فريدة كانت عوزاكي في إيه وقالتلك إيه؟!
فريدة اتنهدت بقلة حيلة وبصت لعمار وقالت..
= أنا قولت لـ ليل على اللي سمعته بالصدفة.. أنا سمعت نهال وهي قالبة الدنيا على ليل.. كانت بتكلم واحد في التليفون اسمه (سالم)..وكانت بتزعق معاه وبتقوله إن بنته ماتت من سنين طويلة..وإن البنت اللي اتخطفت دي مش ينتك ومبقتش عايشة اصلاً..!
عمار أول ما سمع الاسم.. عينيه ضيقت بشك ونطق وراءها بسرعة..
_ سالم؟!
فريدة هزت رأسها..
= أيوه.. قالتله كده لما كانت مش لاقية ليل هنا في سيناء..وشكلها فكرته هو اللي خطف ليل من المعسكر فكانت بتتحامى في كذبتها القديمة.
عمار قلبه بدأ يدق سريع.. وسأل فريدة باهتمام ولهفة واضحة..
_ متعرفيش (سالم) ده مين؟ من عيلة إيه بالظبط؟ مسمعتيش أي حاجة تانية..اسم عيلته ..!
فريدة ردت بيأس..
= لا والله مسمعتش حاجة تانية خالص..
عمار سكت فجأة.. وساد الصمت في الصالة.. بس جوه عقله كان في ألف سيناريو وسيناريو شغالين ورا بعض.. الاسم "سالم" في سيناء كتير..بس في التوقيت ده بقلم فاطمةشلبي كل الخيوط دي كانت بتشير لشخص واحد بس وعمار حاسس إنه واثق منه.. احتمال كبير يكون "سالم منصور" أبو عاصم!
بس عمار قطع تفكيره وسكت..مرضيش ينطق بالاسم ولا يقول حاجة لـ ليل عشان ميعلقهاش في حبال دايبة وهي مش ناقصة صدمات.
ليل كانت بمراقباه بتوجس..ولما لقت سكوته طول..سألته بقلق..
_ سكت ليه يا عمار؟ فهمت حاجة من الاسم؟!
عمار فاق من سرحانه ورسم هدوء مصطنع على وشه ورد بصوت رزين..
= لا مفهمتش حاجة يا ليل.. مفهمتش أي حاجة خالص بس خير متقلقيش.. إحنا كده بدأنا نمسك طرف خيط محترم..وإن شاء الله بكرة كل حاجة تبان.
فريدة حست إن الوقت سرقها ولازم ترجع المعسكر قبل ما حد يلاحظ غيابها..فاستأذنت منهم وقامت مشيت وليل ودعتها لحد الباب ورجعت قعدت تاني بتعب.
عمار بص لـ ليل وبدأ يلبس ساعته ومسك مفاتيح عربيته وقالها بهدوء..
_ ليل.. أنا خارج شوية ورايا كام مشوار مهمين وهتأخر برا.. لو احتجتي أي حاجة كلميني فوراً على التليفون.د ماشي؟
ليل هزت رأسها بالموافقة وهي باصة للأرض..وعمار خرج وقفل الباب وراه.. وهو ناوي يروح حالا يدور ورا الخيط ده.
_________________//_____________//________________
عمار اتصل بعاصم وطلب يقابله ..
وقف قدام عاصم.. وعينيه مركزة عليه بنظرة ثاقبة..وسأله بدون أي مقدمات ولا تمهيد..
_ إنت لسه بتكلم أبوك.. صح يا عاصم؟!
عاصم ..رد عليه باستغراب وعقد حواجبه من مفاجأة السؤال..
= أكيد يا عمار.. إيه السؤال ده؟ واشمعنى دلوقتي؟!
عمار ..بصله وقاله بنبرة جادة..
_ إنت تعرف إيه عن أختك اللي بتدور عليها يا عاصم؟ قول لي كل اللي تعرفه.
عاصم..استغرابه زاد أكتر..وبص لصاحبه بشك..
= إيه لازمة السؤال ده بس يا عمار؟ أنا مش فاهم إنت عاوز توصل لإيه..!
عمار ..واتكلم بحدة..
_ عاصم..! رد عليا وبلاش كتر كلام.. إنت هترد على السؤال بسؤال؟! اخلص وقول لي.
عاصم رد وهو رافع إيديه بقلة حيلة ومش فاهم الغضب اللي حل على صاحبه فجأة..
= ما إنت عارف يا عمار البير وغطاه .. أبويا جالي من فترة وقالي إن ليا أخت اسمها (رحمة)..وهو مش عارف طريقها لحد دلوقتي عشان أمها خدتها وهربت بيها بعيد خالص عن سيناء..
عمار قرب منه وضربات قلبه بتزيد..وقال بتأكيد..
_ يعني أختك اسمها الحقيقي (رحمة)؟!
عاصم رد بتأكيد وثبات..
= أكيد يا عمار.. اسمها رحمة.
عمار رجع خطوة لورا..وحط إيده في جيبه وقال بتساؤل وعينيه بتلمع بالشك..
_ الكلام ده بقاله سنين.. وأكيد أمها اللي هربت بيها دي مش غبية..! زمانها غيرت كل حاجة وبدلت ورقها عشان مفيش خيط يوصلكم بيها.. ولا إيه؟!
عاصم اتنهد بقلة حيلة وضيق..
= طبعاً يا عمار.. ده اللي مجنني.. أنا دوخت وراها وموصلتش لأي حاجة.. السكك كلها مقفولة.
عمار قاطعه بسرعة..
_ طيب.. الست دي.. أمها.. اسمها إيه؟!
عاصم سكت للحظة وبيحاول يفتكر.. ورد بنسيان وعدم اهتمام قديم..
= مش فاكر.. أنا مدورتش على اسمها هي قد ما كان كل همي أدور على اسم أختي وأوصلها.
عمار هنا اتعصب وزعق فيه بغضب..
_ إنت أكيد بتستعبط يا عاصم!! ده شغل عيال مش شغل راجل بيدور على عيلته ..؟!
عاصم ..بص لعمار باستغراب وزعل من طريقته..
= إنت بتنبش في الموضوع ده ليه دلوقتي يا عمار؟ أنا مش فاهم! إنت إيه دخلك في الحوار ده كله أصلاً عشان تتعصب عليا كده؟!
عمار سكت.. وبصله بهدوء..
_ إيه دخلي في الموضوع؟ دخلي إنك أخويا وصاحب عمري وأكيد أمرك يهمني.. وفي موضوع لو اتأكدت منه يبقى إحنا خلاص.. وصلنا لأختك يا عاصم.
عاصم الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة..جسمه اتشنج وبصله بصدمة شلت حركته..
= إنت.. إنت بتقول إيه يا عمار؟! أخت مين؟!
عمار بتأكيد وهز رأسه..
_ زي ما بقولك كده بالظبط.
عاصم قرب منه ومسكه من كتافه بلهفة وسأله بسرعة وصوت مرعوش..
= إنت عرفت حاجة عن الموضوع أنا مش عارفها؟ انطق يا عمار..
عمار سكت ومردش.. فـ عاصم حده صوته زادت وعينيه وسعت بغضب وقلق..
_ عمار! إنت عارف حاجة ومخبيها عليا؟! قولي في إيه؟!
عمار أخد نفس عميق..وشال إيد عاصم من على كتافه وقال بهدوء..
= أنا بس عاوزك تروح تسأل سالم منصور.. إذا كان يعرف واحدة اسمها (نهال)؟؟
عاصم أول ما سمع الاسم.. فجأة صاح بصدمة وتذكر ..
_ نهال؟! أيوه.. نهال! دي الست اللي كان متجوزها زمان وهربت بالبنت! أيوه هي!
عمار بصله بانتباه شديد وتركيز..
= ولحد دلوقتي.. مخك الشغال ده مفهمش حاجة؟!
عاصم بدأ يربط اسم نهال.. بوجود نهال في المعسكر.. بـ ليل اللي مستخبية عند عمار بقلم فاطمةشلبي وبتدور على أهلها في سيناء وما تعرفش اسم أبوها! استيعابه للموضوع صدمه لدرجة إنه تراجع لورا ونطق بذهول..
_ إنت قصدك.. ليل؟! ليل هي رحمة؟! ازاي.. مش معقول ده يحصل بالسرعة دي! ازاي يعني ليل تبقى أختي غايبة السنين دي كلها وفي الآخر قدامي وأنا معرفش..!
عمار قاطعه بسرعة وجدية..
= أنا عاوز أتأكد يا عاصم.. بس خايف.. خايف آخد خطوة وتطلع غلط..وأبقى علقت البنت الغلبانة دي في حبال دايبة وهي مش ناقصة قهر.. !!
عاصم اتكلم بلهفة وخوف وعينيه بتلمع..
_ لأ.. إحنا لازم نتأكد يا عمار..مش هنقعد حاطين إيدنا على خدنا.. أنا هتصل بأبويا حالا وافهم منه كل حاجة..واعرف إيه حكاية نهال دي بالظبط..!
ومن غير ما يتردد ثانية واحدة.. طلع عاصم تليفونه واتصل بسالم..وثواني وجاله الر..
_ أهلا يا عاصم ..عامل اي يا بني ..؟
عاصم رد بلهفة وأنفاس متلاحقة..
= أنا بخير يا أبويا الحمد لله.. بقولك إيه أنا عاوزك تحكيلي حالا كل حاجة تخص أختي رحمة.. افتكر معايا أي حاجة تفيدنا..!
سالم رد عليه بهدوء ونبرة ثقيلة مليانة أمل..
_ أنا تقريباً قربت أوصلها يا بني.. أنا قدرت ألمح خيط لـ نهال.. وأكيد أول ما هوصل لـ نهال هلاقي بنتي رحمة.
عاصم وشه اتقلب وبص لـ عمار بصدمة تامة..وضغط على التليفون ..
= أبويا.. أنا عاوزك تجيلي حالا وبأقصى سرعة! إحنا عارفين مكان نهال بالظبط.. أنا وعمار .. مستنيينك في مكان (***) ..
مفاتش وقت كتير.. والجو كان مشحون بالتوتر.. لحد ما عربية سالم منصور وصلت المكان ووقفت فرملتها بعنف.. نزل سالم من العربية بسرعة بقلم فاطمةشلبي وخطى ناحية عاصم وعمار وكان باين في عينيه لهفة وخوف وشغف سنين طويلة مستني اللحظة دي.. قرب من ابنه ونطق بصوت حاد..
_ قولي يا عاصم.. مكان نهال فين بالظبط؟!
عاصم رد وعينه على عمار..
= نهال موجودة في المعسكر بتاعنا .
سالم بتسرع ..
_ أنا لازم أقابلها حالا.. أنا عاوز أعرف مكان بنتي فين ومستخبية فين..!
هنا اتدخل عمار..وبص لـ سالم بهدوء..
= بنتك معاها هنا في سيناء يا حاج سالم.. مش في القاهرة.
سالم بص لعمار بصدمة لجمت لسانه وعقد حواجبه..
_ هنا؟! هنا فين؟! بس نهال دخلت سيناء لوحدها أنا مراقبها ..!
عمار مستناش.. وبدأ يحكي كل حاجة حصلت بالتفصيل.. من ساعة ما نهال وصلت المعسكر..وهروب ليل ولجوئها لبيت عمار.. واضطرار عمار إنه يتجوز ليل عشان يحميها.. ووصول عمها إيهاب الألفي بشره.. وصولاً لأهم حتة..وهي مكالمة نهال لـ سالم وهي بتصرخ وتكذب عليه وتقوله إن بنته ماتت من زمان ويبطل يدور وراها..!
سالم أول ما سمع سيرة المكالمة..هز رأسه بتأكيد..
_ أيوه.. المكالمة دي حصلت فعلاً وكلمتني وهي منهارة.. بس أنا وقتها فهمت إنها بتدور على البنت وبتصرخ فيا عشان مفكرة إني أنا اللي خطفتها منها..مكنتش أعرف أبداً إن بنتي عايشة وفي وسطكم..!
عمار بص لـ سالم وعاصم..ونطق بنبرة حاسمة ورزينة..
= بس إحنا مش هنقطع الشك باليقين في كل ده.. غير لما إنت تواجه الست دي بنفسك يا حاج سالم.. ساعتها بس هنعرف ليل تبقى بنتك (رحمة) ولا لأ.. ونفهم هي ليه لما كلمتك في التليفون وبتقولك إن بنتك ماتت من سنين؟!
سالم منصور هز رأسه بتأكيد وعينيه بتلمع بوعيد شديد..
_ عندك حق يا بني.. والمواجهة دي هتبقى قريب أوي أقرب مما تتخيل.. بس لحد ما الوقت ده ييجي ليل أمانة في رقبتك يا ابن الجبالي.
عمار رد بمنتهى الثبات..
= مش محتاج توصيني على مراتي يا حاج سالم.. وسواء طلعت بنتك أو طلعت بنت حد تاني.. ليل أمانة في رقبتي لآخر يوم في عمري ولحد ما توصل لأهلها.. بس أنا مش عاوز أحسسها بأي حاجة من اللي بتحصل دي.. ومش عاوزها تتعلق بتخمينات ممكن تطلع صح وممكن تطلع غلط البنت مش ناقصة صدمات..
عاصم بص لصاحبه وسكت...وعينيه مليانة فخر وامتنان لشهامة عمار اللي بيثبت في كل موقف إنه جبل ومبيتهزش.
سالم منصور ودعهم ومشي وعينيه على الجبل وناوي على مواجهة تنهي سنين الكذب...وبعد ما سالم مشي..عاصم رجع قعد في العربية مع عمار.. وساد السكوت لثواني قبل ما عاصم يلتفت لصاحبه ويقوله بنبرة دافية ومثقلة بالرجاء..
_ خلي بالك منها يا عمار.. أختي في حمايتك.
عمار ابتسم هدوء..ومد إيده وطبطب على كتف صاحبه بثقة..
= متقلقش يا صاحبي.. ليل في الحفظ والصون.
_______________//_______________//_______________
في بيت عاصم..
دخل وهو حاسس بهموم الدنيا كلها فوق كتافه..دماغه بتلف من صدمة السر اللي عرفه عن أخته...بس أول ما خطى عتبة البيت. قابلته فيروز.. وكانت ابتسامتها الرقيقة والدافية كفيلة إنها تدوب كل تعبه وقلقه في ثانية.
قربت منه وقالت بحنان..
_ حمد الله على السلامة.. كنت فين كل ده يا عاصم؟ قلقلتني عليك.
عاصم ابتسم وحاول يهدي ملامحه..
= الله يسلمك يا حبيبتي.. كنت في مشوار ضروري خلصته مع عمار وجيت أهو.
فيروز بصت له بتساؤل وقالت..
_ هو مقالكش هيعمل إيه في حكاية جوازه المفاجئة دي من ليل؟
عاصم طمنها وطبطب على كتفها وهو مطمن جواه من شهامة صاحبه..
= يا حبيبتي متقلقيش.. جوازة أخوكي دي أكتر حاجة صح بيعملها دلوقتي ومفيهاش أي غلط.. بس سيبك أنتي دلوقتي من المواضيع دي كلها وقوليلي.. إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي؟!
فيروز حطت عينيها في الأرض بقلق ورقة..
_ قلقت عليك.. معرفتش أنام وأنت برا البيت.
عاصم قلبه دق بنبرة دافية وسألها..
= طيب يا قلب عاصم.. اتعشيتي ولا ناكل سوا؟
فيروز رفعت عينيها وبابتسامة منورة..
_ لا ناكل سوا طبعاً.. أنا مستنياك ومش هاكل من غيرك.
وعلى الناحية التانية.. عند عمار..
وصل البيت ودخل.. ولقى المكان هادي جداً وساكت.. تلقائياً افتكر أخته فيروز لما كانت بتقابله بكل دوشة الدنيا والضحك أول ما يدخل من الباب.. فـ ابتسم وضحك لوحده وهو داخل على ذكرياتها.
لكن ليل كانت قاعدة في الصالة.. وشافته وهو داخل ومبتسم وبيضحك.. وفجأة..قادت نار الفضول والغيرة جواها..مبقتش طايقة تشوفه بقلم فاطمةشلبي مبسوط برا وهي بتموت من القلق هنا..ومن غير ما تحس لقت نفسها بتسأله بتلقائية وحدة..
_ بتضحك على إيه؟!
عمار اتخض لأنه مكانش واخد باله إنها صاحية..وبص ناحية الكنبة لقاها قاعدة وبتبص له بتركيز شديد وعينين بتطق شرار قامت ليل ووقفت قدامه بـ ندية..
_ كنت فين كل ده؟ مش فاهمة يعني إيه المشوار اللي ياخدك للساعة دي!
عمار سابها واقفة..وقعد على الكنبة بإرهاق..
= كنت في مشوار ضروري يا ليل.
ليل سألت بفضول واستغراب..
_ مشوار إيه؟!
عمار سكت ثواني وبصلها..
= كنت مع عاصم.. وبعدين إيه الأسئلة دي كلها؟ هتستفادي إيه يعني لما تعرفي؟!
ليل لقت الكلام بيطلع منها باندفاع وغيرة واضحة..
_ أصلك يعني داخل مبسوط أوي وبتضحك.. قولت يمكن وراك حاجة..!
عمار استغرب رد فعلها جداً.. ورفع حاجبه وبصلها..
= طيب.. وفيها إيه لما أكون مبسوط وبضحك؟!
ليل ارتبكت وحست إنها كشفت نفسها.. فـ تراجعت خطوة وقالت بتوتر..
_ لا.. مفيش حاجة.. أنا طالعة أنام..محتاج مني حاجة قبل ما أطلع؟!
عمار رد بهدوء وهو عينيه عليها..
= لا مش محتاج حاجة.. اطلعي أنتي ارتاحي.
طلعت ليل بسرعة على أوضة فيروز وقفلت الباب..وهو دخل أوضته غير هدومه وتمدد على السرير.. بس مكانش جايله نوم خالص من كتر الأفكار ..!
وفجأة.. سمع صوت خبط خفيف على باب أوضته.. قام بسرعة وفتح الباب لقى ليل واقفة قدامه ملامحها هادية بس مصممة على حاجة.
عمار سألها بقلق..
_ في حاجة يا ليل؟ تعبانة؟!
ليل ردت بنبرة باردة ومصرة..
= أنا حابة أروح النادي.. (جموح) وحشني أوي وعاوزة أشوفه.
عمار بصلها بذهول..ونقل عينه لساعته لقى الوقت متأخر جداً فقالها ببرود..
_ أنتي عارفة إحنا الساعة كام دلوقتي يا ليل؟!
ليل بصت له بتأكيد..
= أيوه عارفة.. وعشان كده بقولك إني هروح الصبح.
عمار سكت لثواني..وقال بنبرة قاطعة ورفض تام..
_ لأ.. مفيش خروج للنادي خالص.. وأصلاً شيلي الموضوع ده من دماغك نهائي الفترة دي.
ليل اتعصبت وصوتها علي..
= وليه بقى إن شاء الله؟! منعني من النادي ليه؟!
عمار بصلها بمنتهى الهدوء والثبات اللي نرفزها أكتر..
_ من غير ليه يا ليل.. قولت مفيش مرواح للنادي يعني مفيش.
ليل رفعت راسها وبصت له بتحدي وعناد..
= وإن قلتلك إني رافضة كلامك ده ؟؟
عمار قرب منها خطوة..وبص في عينيها بنظرة تحدي
_ ارفضي.. بس كلامي هو اللي هيمشي عشان أنا جوزك يا ليل.. وافتكري ده كويس.
ليل زعقت بعصبية وضيق..
= أنا مبحبش التحكم ده ومستحيل أقبله..!
عمار ضيق عينيه وبص لملامحها بتركيز ونبرة تحذيرية..
_ ملاحظة إن صوتك عالي زيادة عن اللزوم وأنتي واقفة قدامي؟؟
ليل بلعت ريقها بتوتر..وخافت من هيبته ونظرته الصارمة.. عمار كمل بنبرة آمرة لا تقبل النقاش..
_ روحي على أوضتك يا ليل.. مش عاوز خناقات على نص الليل.. يلا.
لفت ليل وجريت على الأوضة وهي دماء العصبية والارتباك بتغلي في عروقها..وعمار قفل بابه وهو حاسس إن البنت دي هتقلب حياته..!
_______________//________________//_______________
تاني يوم..
مر الصبح بهدوء رهيب ومريب في نفس الوقت.. عمار صحي بدري وخرج من البيت من غير ما يشوف ليل أو يكلمها.. وراح على النادي يشوف شغله.
وفجأة.. وهو مشغول.. جاله صوت واحد من أفراد الأمن بالنادي وهو بينهج ونبرته مرعوبة..
_ كابتن عمار.. كابتن عمار الحق!
عمار لف له بهدوء وثبات..بس ملامحه انكمشت بشك..
= خير؟ في إيه؟
الأمن بتوتر ورعب وهو بيشاور على ساحة التدريب..
_ الحق يا كابتن.. مدام ليل كانت راكبة على حصانها.. وكانت بتجري بيه بسرعة جنونية الساحة.. ومن غير سرج ولا لجام!
وتقريباً الحصان اتمرد عليها ووقعت من عليه..
عمار مستناش الأمن يكمل باقي الجملة.. الدنيا اسودت في عينيه وقلبه اتنفض من مكانه..ومبقاش شايف قدامه.. ساب كل اللي في إيده وبدأ يجري حرفياً بأقصى سرعة عنده ناحية الساحة والسيناريوهات السودا بتلف في دماغه.
وصل الساحة ولقى ليل واقعة على الأرض.. والناس والمدربين كلهم متجمعين حواليها في حالة ذهول.. عمار زق الناس وبقلق ورعب مداريه ورا ملامحه الصارمة..قرب عليها بسرعة ونزل على ركبه في الأرض وبص لوشها..
_ ليل؟! أنتي كويسة؟!
ليل كانت بتعيط وجسمها كله بيترعش من الصدمة والألم ونطقت بصوت متقطع ومنهار..
= دراعي.. دراعي يا عمار مش حاسة بيه خالص.. مش قادرة أحركه..!
عمار دار بعينيه بسرعة على جسمها.. بص لدراعها اللي باين عليه الإصابة..ولمح جرح في دماغها بينزف دم.. ملامحه اتقبضت وحس بنار قادت في صدره بس تظاهر بالثبات عشان ميخوفهاش أكتر..وبصلها وقال بنبرة آمرة وحنينة في نفس الوقت..
_ اهدي.. متتحركيش.. تعالي نروح المستشفى نطمن عليكي.
وفي ثواني..كان عاصم وصل للساحة بعد ما عرف وفريدة كمان جيت تجري.. والكل اتجمع حوالين ليل .
فريدة قربت من ليل بخوف شديد..
_ ليل! طمنيني يا حبيبتي حصلك إيه؟
عمار وقف وفتح باب العربية.. وبص لفريدة ونطق بصوت حازم وسريع..
= تعالي معانا في العربية يا فريدة بعد إذنك.. عشان تفضلي جنبها.
عاصم بص لعمار بعيون مليانة قلق وخوف على أخته..وعمار بصه بنظرة سريعة طمنه فيها وهداه.. وأخد ليل وفريدة في العربية.. وطار بيهم بأقصى سرعة على المستشفى..وهو جواه بركان غضب من عنادها..وفوق الغضب.. خوف مرعب عليها ..
مرت ساعة كاملة جوة المستشفى كأنها سنة.. ليل دخلت عملت فحوصات والإشاعات اللازمة.. والدكتورة قالت إن دراعها فيه كسر ومحتاج يتجبس فوراً وبدأت تضمد لها الجرح اللي في راسها وتهدي النزيف.
كل ده كان بيحصل وعمار واقف في زاوية الأوضة..مربع إيديه وبيتابع كل تفصيلة بس وهو ساكت تماماً.. سكوت ثقيل ومخيف ملامحه كانت بقلم فاطمةشلبي حادة وزي الحجر وعينيه مركزة على ليل بنظرات عتاب وغضب مكتوم يحرق بلد.
ليل كانت قاعدة على السرير..وبتحاول بكل الطرق متبصش ناحيته ولا تيجي عينها في عينه لأنها عارفة إنها كسرت كلامه واتحدته بس غصب عنها.. وجع دراعها اللي بيتجبس والجرح في راسها خلو دموعها تنزل وفضلت تعيط بصوت مكتوم وهي بتترعش.
فريدة كانت قاعدة جنبها على السرير.. ماسكة إيدها السليمة وبتهديها..
بعد شوية.. الدكتورة خلصت وكتبت لها على روشتة وقالت لعمار
_ الحمد لله يا كابتن عمار.. الكسر اتلم بس لازم الجبس ده يفضل في دراعها لمدة شهر كامل من غير أي حركة عنيفة.. وأنا كتبتلها هنا على مضاد حيوي عشان جرح الراس ومسكن قوي للآلام وخافض للحرارة لأن طبيعي جسمها يسخن .. وتلتزم بالراحة التامة.
عمار أخد الروشتة من الدكتورة وهز رأسه بهدوء..
= تمام يا دكتورة.. متشكر جداً تعبناكي.
الدكتورة خرجت..وفضل عمار واقف مكانه.. وبص لـ ليل اللي كانت وشها في الأرض ودموعها لسه على خدها وقرب خطوات من السرير وصوته كان هادي زيادة عن اللزوم الهدوء اللي يسبق العاصفة ..
عمار خطى خطوتين ناحية السرير..ولم الكيس اللي فيه العلاج والروشتة..وبص لـ ليل بنظرة هادية خالية من أي تعبير وقال بهدوء..
= يلا يا ليل.. عشان نروح وتاخدي علاجك في وقته وترتاحي.
ليل هزت رأسها من غير ولا كلمة..وقامت ببطء وهي سانده بإيدها السليمة..ودموعها لسه مجفتش من الوجع والخوف من اللي جاي
فريدة كانت واقفة جنبها ..
_أنا هاجي معاكم يا عمار عشان أفضل جنبها في البيت النهاردة.
بس عمار التفت لـ فريدة..وبابتسامة هادية بس قاطعة قالها..
= لا يا فريدة متقلقيش عليها.. ليل في بيتها ومع جوزها..ارجعي أنت لشغلك في المعسكر.. أنا سمعت من عاصم إنكم هتسافروا القاهرة بكرة الصبح بلاش نعطلك.
فريدة بصت لـ عمار باستغراب وضيق عينيها حست إن عمار بيقفل الأبواب..بس مقدرتش تجادله قدام نظراته الصارمة فردت بنبرة هادية..
_ أنا كنت عاوزة أطمن على ليل بس مش أكتر.. على العموم أنا هعدي عليها بكره الصبح في البيت قبل ما نمشي ونتحرك على القاهرة.. عن إذنكم.
قربت فريدة باست ليل وطمنتها.. ولفت وخرجت من الأوضة
فضل عمار وليل لوحدهم.. عمار بصلها وقال بكلمة واحدة.. _"قدامي".
وخرجت ليل وراه بخطوات مرعوبة..
أول ما وصلوا البيت..
عمار فتح الباب ودخل بخطوات سريعة وسحابة الغضب محاوطاه.. وليل كانت ماشية وراه بخطوات بطيئة سانده دراعها المتجبس ودموعها مش راضية تقف.. أخدها وطلعوا فوق على الأوضة.. وأول ما دخلت ووهي لسه بتلتفت وبتحاول تتكلم أو تبرر اللي عملته..
عمار..لف ليها وفجأة انفجر فيها بصوت جهوري..
_ أنا مش عاوز أسمع صوتك خالص.. مش عاوز أسمع ولا كلمة..! أنتي إيه الاستهتار والتسيب اللي أنتي فيه ده؟! ها؟! شوفتي آخرة عنادك وصلك لفين؟! شوفتي؟!
ليل اتخضت ورجعت خطوة لورا من هيبته وزعقيه اللي أول مرة تشوفه بالحدة دي..ومقدرتش تنطق بحرف واحد.. الألم والوجع في دراعها وخبطة راسها كانوا خلاص جابوا آخرهم معاها ومبقتش قادرة تتحمل الوجع الجسدي مع وجع الخوف والضغط النفسي.
حطت راسها في الأرض وانفجرت في العياط وجسمها كله بيترعش..ودموعها نازلة بغزارة وهي بتضغط على سنانها من كتر الوجع اللي بياكل في عضم دراعها.
عمار لما شاف منظرها وهي منهارة وبتتألم بالشكل ده..ملامحه القاسية بدأت تتهز.. ونظرة الغضب اللي في عينيه اتمسحت وحل مكانها قلق وخوف حنين حاول يداريه.. أخد نفس عميق عشان يهدي ضربات قلبه.. وبص لكيس العلاج اللي في إيده..
أخد نفس عميق عشان يكبت غيظه.. وجمد ملامحه تاني وبصلها بثبات ونطق هادي ..
_ أنا هنزل دلوقتي أجيبلك حاجة تاكليها عشان تقدري تاخدي علاجك والمسكن.. وبعدين.. لينا حساب تاني خالص يا ليل.. على كل اللي هببتيه ده.
ليل رفعت عينيها وبصت له من بين دموعها بنظرة غارقة بالوجع والخوف..مكنتش قادرة ترد ولا تنطق بحرف واحد من كتر الوجع.
عمار سابها على السرير ولف وضهره ليها وساب الأوضة ونزل.. ورزع الباب وراه سايب ورا ظهره نار قايدة في قلب ليل اللي حست لأول مرة إن عنادها وداها في داهية ..!
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الثامن 8 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الثامن
عمار نزل المطبخ..وبحركة هادية وسريعة حضر صينية أكل خفيفة عشان ليل تقدر تسند طولها وتاخد المسكن..شال الصينية وطلع خطواته على السلم بهدوء.. فتح الباب ودخل الأوضة..
بص ناحية السرير..لاقاها لسه قاعدة في مكانها زي ما سابها.. بس نامت من كتر العياط والتعب والإرهاق اللي هد جسمها.. دموعها كانت لسه ناشفة على خدودها..وشكلها وهي عاجزة بالجبس ولفافة الشاش اللي على راسها كان يوجع القلب.
بصلها بأسف وخوف حقيقي عليها..وحط صينية الأكل على الكنبة اللي جنب السرير.. مكنش هاين عليه يصحيها من نومها وهي مصدومة وتعبانة كده..بس فجأة افتكر كلام الدكتورة وتحذيرها ليه إنها لازم تاخد المضاد الحيوي والمسكن في وقته عشان جسمها ميسخنش.
قرب منها وبأطراف صوابعه بدأ يصحيها بالراحة خالص وهو بينطق اسمها بنبرة دافية..
_ ليل.. ليل قومي يلا عشان تاخدي علاجك.. فوقي معايا.
فتحت عينيها ببطء وبتعب شديد..وأول ما شافته قدامها اتخضت ثواني بقلم فاطمةشلبي وافتكرت كل اللي حصل..ساعدها تتعدل في مكانها وهي وسندت ضهرها على السرير وبتبص للأرض ومبتجيش عينها في عينه.
عمار جاب صينية الأكل وقعد على طرف السرير جنبها بالظبط.. واتكلم بنبرة هادية جداً..
_ أنا مكنتش عاوز أصحيكي خالص وأنتي مرتاحة كده.. بس لازم تاكلي لقمة عشان تاخدي علاجك.. الدكتورة أكدت عليا لازم المسكن عشان متسخنيش وتتعبي زيادة.. يلا.
ليل هزت راسها بهدوء واستسلام تام.. ومن غير أي عناد المرة دي عمار مسك المعلقة وبدأ يأكلها بإيده بحنان واهتمام كبير..
ليل أخدت علاجها والمسكن بدأ يسرى في جسمها..فغمرها النوم واستسلمت ليه تماماً..عمار غطاها بحنان..وسحب نفسه بهدوء وخرج من الأوضة ونزل تحت الصالة.. أول ما قعد بتعب وإرهاق لقى تليفونه بيرن وكان عاصم..
عمار رد بصوت يظهر عليه التعب والإجهاد..
_أيوه يا عاصم..
عاصم سأله بلهفة وقلق باين في نبرته..
= الأمور تمام عندك؟ طمني إيه اللي حصل في المستشفى؟ ليل عاملة إيه دلوقتي؟!
عمار رد بتنهيدة مليانة قلة حيلة..
_ عنادها وصلها لدراعها اللي اتكسر ده.. الدكتورة جبست لها دراعها وهتفضل بالجبس ده لمدة شهر كامل..ده غير جرح في راسها.. بس أهو أكلت وأخدت علاجها ونامت.
عاصم حس بضيق ونرفزة صاحبه والضغط اللي هو فيه..فحاول يهديه ويطبطب عليه بكلامه
= معلش يا عمار.. طول بالك واصبر عليها..أنتم الاتنين أصلاً طباعكم مختلفة وناشفة ليل عنيدة وإنت ربنا يعينك على الفترة الجاية.
عمار اتنفس بصعوبة وكأنه بيزيح جبل من على صدره..
_ يا رب يا عاصم.. يارب...المهم سيبك من ده كله واسمعني كويس في اللي هقولهولك ده.. أنا لما ليل كانت بتعمل الفحوصات والإشاعات..خليت الدكتورة تسحب منها عينة دم .
عاصم انتبه لكلامه..وعمار كمل بنبرة حاسمة وذكية..
_ عاوزك دلوقتي حالا تاخد الحاج سالم منصور وتروحوا على نفس المستشفى.. وتخليه يحلل عشان نعمل تحليل الـ (DNA) ونقطع الشك باليقين وبسرعة يا عاصم.. أنا مكلم الدكتورة هناك ومفهمها كل حاجة وهي مستنياكم.
عاصم لسانة اتلجم ومكانش عارف يشكر عمار ازاي على ذكاءه وسرعته في التصرف،د..وشهامته اللي بتثبت كل يوم إنه نعم الأخ والصاحب.. قفل معاه بسرعة ومضيعش ثانية واحدة..أخد أبوه سالم منصور وطاروا على المستشفى.
دخلوا للدكتورة اللي كانت مرتبة كل حاجة بناء على كلام عمار وسحبوا العينة من سالم منصور وعملوا التحليل المطلوب..
عاصم واقف على نار وسأل الدكتورة بلهفة .
_ النتيجة هتطلع إمتى يا دكتورة أرجوكي؟
الدكتورة ابتسمت بطمأنينة وقالت لهم..
= كل حاجة تمام يا جماعة.. أنا هخلص الإجراءات والمطابقة وهبلغ كابتن عمار بالنتيجة النهائية على بليل إن شاء الله.
_________________//________________//____________
وفي وقت الغداء..
الكل اتجمع حولين السفرة في بيت الشيخ منصور كان قاعد عاصم..وجنبه الشيخ منصور..والحاجة آمنة..وفيروز اللي كانت بتراقب ملامح جوزها المستهلكة في التفكير.
ساد الهدوء لثواني قبل ما الشيخ منصور يقطع الصمت..وبص لـ عاصم وسأله بنبرة حكيمة وثقيلة..
_ أخبار عمار إيه يا عاصم مع البنت اللي اتجوزها فجأة دي؟ لسه معرفش حكايتها وأهلها فين بالظبط؟!
عاصم اتعدل في قعدته وحاول يظهر منتهى الثبات ورد..
= عمار مقاليش على أي حاجة من اللي ناوي يعملها الفترة الجاية يا جدي .. بس أنا متأكد إن ليل دي بنت حلال وكويسة جداً وعمار راجل وهيقدر يتصرف في الموضوع ده بحكمته.
الشيخ منصور هز رأسه بهدوء وغموض..وقال..
— مش عارف ليه.. بس حاسس إن فيه حاجة غريبة ومش مريحة في الموضوع ده كله.
عاصم فتح بؤه وكان لسه هيتكلم ويطمن أبو.. بس الحاجة آمنة قاطعتهم وهي بتبتسم بتلقائية وراحة ظهرت على وشها فجأة..
— تعرف يا عاصم يا بني.. أنا أول ما شوفت البنت دي ودخلت بيتنا استريحت لها جداً ودخلت قلبي.. معرفش ليه حسيتها مش غريبة عننا..وكأني عارفاها من زمان!
عاصم أول ما سمع كلام أمه..ابتسامة عريضة وفرحة حقيقية نورت وشه..ومقدرش يداري فؤحته فيروز كانت قاعدة ومركزة عينيها عليه بقلم فاطمةشلبي..واستغربت جداً الفرحة المبالغ فيها اللي ظهرت على وش جوزها أول ما سيرة ليل جت!
عاصم رد بتأكيد ولهفة..
= ما أنا بقولك يا ماما.. ليل دي بنت كويسة ومحترمة أوي ويا بخته عمار بيها والله..ربنا يسعدهم.
هنا فيروز اتضايقت جداً.. والغيرة قادت في قلبها..وحطت المعلقة من إيدها وقالت بنبرة حادة ومستنكرة..
_ أنا مش فاهمة يعني.. إيه اللي مأكدلك إنها كويسة وملاك أوي كده يا عاصم؟ وإيه مبرر الفرحة دي كلها؟!
عاصم بصلها بهدوء وحاول يلم الموضوع..
= عشان اتعاملنا معاها في الشغل والمعسكر وبانت أصلها يا فيروز.. مش أكتر.
فيروز ردت بغيرة واضحة وصوت مخنوق..
— لأ.. فرحتك ولمعة عينك دي متقولش كده أبداً!
عاصم كان لسه هيرد.. بس فيروز مقدرتش تتحمل ثانية واحدة زيادة..قامت من على الأكل وسابت السفرة وطلعت على أوضتها وهي على آحرها.
الشيخ منصور بصله بنظرة عتاب حاسمة وقاله..
_ ابقى خلي بالك وإنت بتتكلم قدام مرتك عن حد غريب يا عاصم.. بلاش تزعلها .
عاصم اتنهد بضيق..
= بس ليل مش غريبة... دي مرات أخوها وعمار صاحبي.. وبعدين أنا مقولتش حاجة غلط عشان كل ده يحصل!
الحاجة آمنة طبطبت على دراعه بحنان وقالتله..
_ معلش يا بني.. قوم وراها وراضيها بلاش تكسر بخاطرها دي لسه عروسة جديدة وبعدين غيرتها عليك دي دليل حبها.. اطلعلها.
عاصم طلع لفيروز بسرعة..فتح الباب لقاها قاعدة على طرف السرير ملامحها باهتة ومجروحة.. قرب منها وحاول يمسك إيدها بحنان..
_ فيروز.. يا حبيبتي.. ليه كل ده؟ أنا والله ما قصدي أضايقك ولا فيه أي حاجة من اللي في دماغك دي.
فيروز سحبت إيدها بسرعة وبصت له بدموع..
= لا يا عاصم.. فيه! فيه حاجات كتير اتغيرت من وقت ما عمار اتجوز البنت دي..وكلامك عنها غريب ومبالغ فيه.. أنت بقيت بتهتم بأخبارها وبتهتم برأيي فيها أكتر مني!
عاصم حس بوجع قلبه لأنه عارف إنها معذورة..كان نفسه يصرخ ويقولها اللي بيحصل ..بس كلمة "النتيجة" كانت مجمداه في مكانه..كان مرعوب يفرحها وبعدين يطلع شكوكهم غلط..أو إن النتيجة تكون عكس اللي بيتمناه.
اتكلم بنبرة كلها رجاء..
_ والله يا فيروز يا حبيبتي إنتي فاهمة غلط.. كل الموضوع إن فيه أمور أنا مش قادر أتكلم فيها دلوقتي.. ثقي فيا ثقي في جوزك..!
فيروز قامت وقفت ووشها احمر من الغيظ..
= لا مش قادرة أثق لما يكون جوزي مخبي عليا وبيلمح بصفات واحدة تانية قدامي!.. أنا مفيش كلام يتقال بيني وبينك دلوقتي.
عاصم حاول يمسك إيدها بس هي زقت إيده بضيق وعصبية وبدأت المشكلة تكبر وتتحول لخناقة ..وصوتهم بدأ يعلى.. عاصم في لحظة غضب وضيق من نفسه ومن الموقف الصعب اللي هو فيه نفض إيده بضيق وقال..
_ تمام يا فيروز.. براحتك، لما تهدي نبقى نتكلم.
سحب نفسه وخرج من الأوضة وهو بيغلي من جواه.. نزل للسلم بخطوات تقيلة..وخرج من البيت كله .
_______________//________________//______________
مرت ساعات الليل ثقيلة وهادية..
بدأت ليل تفوق من نومها ببطء..أثر المسكن كان لسه مخلي جسمها هلكان.. والصداع بينبض في راسها.. فتحت عينيها بتعب،. ودورت بنظراتها في الأوضة لحد ما وقعت عينيها على الكنبة..
لقت عمار نايم عليها بوضعية مش مريحة..وكان باين على ملامحه الإرهاق والتعب الشديد..وإنه منامش بقاله كتير بسببها.. ليل بصلته بوجع وأسف..وحست بغصة في قلبها على شكله وهو مستهلك كده.. بقلم فاطمةشلبي محبتش تعمل أي دوشة في الأوضة أو تصحيه من النوم .. قامت من على السرير بمنتهى الهدوء وسندت دراعها المتجبس بإيدها السليمة.. وانسحبت برا الأوضة ونزلت تحت في الصالة وهي بتتحرك بخطوات خفيفة عشان تسيبه يرتاح.
بعد وقت مكانش طويل..
عمار صحي من نومه فجأة وبشكل تلقائي بص ناحية السرير.. ملقاش ليل! قلبه اتنفض وقلق وخوفه عليها صحيوا في ثانية.. وكان لسه هيقوم من على الكنبة عشان ينزل تحت يدور عليها ويشوفها راحت فين.. بس وقفه في مكانه صوت رنة رسالة سريعة على تليفونه.
عمار مد إيده وسحب التليفون وفتحه بسرعة.. وكانت الرسالة من الدكتورة اللي في المستشفى..وبعتتله فيها ملف "نتيجة التحاليل".. عمار حبس أنفاسه وهو بيفتح الملف.. وعينيه برقت بصدمة لجمت لسانه وثبتت حركته..
الصدمة كانت فوق استيعابه.." النتيجة إيجابية ".. ليل.. ليل فعلاً بنت سالم منصور! يعني ليل أخت عاصم.
عمار دماغه وقفت تماماً عن التفكير..وأفكاره بدأت تخبط في بعضها.. مبقاش عارف يعمل إيه؟ ينزل يصرخ ويقول لـ ليل على الحقيقة حالا؟ ولا يخبي عليها الفترة دي؟!!
دقايق من الحيرة مرت عليه لحد ما عقله الرجولي الحاسم رجعله..وقرر إنه لازم يخبي عليها دلوقتي.. مش هيقولها غير لما يجيب "نهال" قدام ليل ويخليها تعترف بالحقيقة كاملة وبكل كدبها القديم ويكون في إيده الدليل القاطع..وبكده الأمور تبقى واضحة قدام البنت الغلبانة دي من غير ما تتصدم صدمة تانية فوق طاقتها.
بس قطع تفكيره وهدير عقله.. دخول ليل الأوضة فجأة!
عمار قفل تليفونه بسرعة وخباه..وقام وقف وبصلها بقلق حقيقي حاول يداريه ورا ملامحه الجامدة..
_ ليل!.. إيه اللي نزلك تحت؟ أنتي كويسة دلوقتي؟! حاسة بأي تعب؟!
ليل بصتله بهدوء تام.. ونظرات العناد اللي كانت في عينيها اختفت وردت بصوت مخنوق شوية..
= أنا كويسة مفيش حاجة الحمد لله.. بس أنا محبتش أعمل أي إزعاج هنا في الأوضة..شوفتك نايم ..فسيبتك نايم براحتك ونزلت عشان متصحاش.
عمار فضل باصص لوشها ثواني..حس إن النظرة ليها بقا لها طعم تاني..أخت صاحب عمره بقت مراته!.. بلع ريقه بهدوء وقرب منها خطوة وهو ناوي يسرع خيوط اللعبة عشان يرجع حقها .
عمار لما اتأكد إنها كويسة ..اتنفس براحة وبصلها وقال بنبرة هادية...
_ طيب يا ليل.. أنا هانزل دلوقتي حالا أجيب شوية طلبات وحاجات ناقصة للبيت..مش هأتأخر عليكي.. ارتاحي أنتي.
ليل هزت راسها بهدوء..وعمار سابها ونزل.. بس هو مكانش نازل يجيب طلبات..هو كان بيموت في الثانية ألف مرة وعاوز يطير لصاحب عمره.
أول ما ركب عربيته..اتصل بعاصم وطلب يقابله فوراً في نفس المكان..وفعلاً دقايق وكان عاصم واقف قدامه..عمار مد إيده بالتليفون بقلم فاطمةشلبي ووراه نتيجة التحاليل اللي بعتتها الدكتورة.. عاصم عينه وسعت.. والدموع لمعت في عينه وهو مش مصدق.. أخته عايشة ومعاهم في نفس المكان..!
عاصم مقدرش يخبي ولا ثانية..وجري عرف أبوه الحاج سالم منصور الحقيقة.. سالم لما شاف النتيجة..دموعه نزلت بعد سنين العذاب والقهر وحس إن روحه ردت فيه..وقال بصوت حاسم وعين بتلمع بالوعيد..
_ خلاص يا عاصم.. جه الوقت اللي لازم أقابل فيه نهال وأقف قدامها.. جه الوقت اللي أصلح فيه كل حاجة حصلت زمان وبنتي هترجع لحضني.
وفي نفس الوقت.. عمار سابهم ورجع على البيت عشان ميسيبش ليل لوحدها كتير..
أول ما قرب من البيت..فرمل عربيتة بعنف ونزل.. ولمح الصدمة اللي شلت حركته.. باب البيت مفتوح ..!
الرعب دب في قلب عمار وفكرة إن عمها "إيهاب الألفي" نفذ تهديده ورجع خدها وهي مكسورة وعاجزة جننته.. دخل البيت جري زي المجنون..وعينه بتدور في الصالة الفاضية وطلع على السلم وهو بينده بأعلى صوت عنده وهز أركان المكان..
= لـيـيييـل!... ليل أنتِ فين؟! لـيـييـل!
لف البيت فوق وتحت بس الأوض كانت فاضية.. ومجاش أي رد... البيت كان غرقان في صمت مرعب وليل مالهاش أي أثر..!
_______________//_________________//______________
في مكان مهجور..مقطوع وبعيد جداً عن عيون عمار وعن أي حد ممكن يوصلهم في سيناء.. مكان غرقان في السكوت والضلمة ..
بدأت ليل تفتح عينيها ببطء شديد..الرؤية كانت مشوشة قدامها والصداع في راسها كان هيموتها وأثر الخبطة والمسكن لسه مأثر عليها...حاولت تتحرك بس مقدرتش..بصت حواليها برعب وهي مش شايفة غير ضلمة وكأنها في كابوس مش قادرة تصحى منه.
فجأة..! سمعت صوت مفتاح في الباب واتفتح بقوة ودخل منه خيط نور منور ضئيل.. ودخلت معاه نهال!
ليل أول ما عينيها وقعت على ملامح أمها الصدمة شلت لسانها.. برقت عينيها بذهول..ونطقت بصوت متحشرج ومصدوم ومش مصدقة..
_ ماما؟! أنتي.. أنتي جيباني هنا ليه!!! وعملتي كده ليه جايباني في المكان ده ليه؟!
نهال قفلت الباب وراها.. وبصتلها بضيق شديد ملوش حدود.. وملامحها كانت خالية من أي حنان أو شفقة.. وقالت بنبرة حادة وقاطعة..
= أنتي عاوزاني أسيبك تضيعي اللي أنا عملته وبنيته بقالي سنين طويلة؟! ..تبقى بتحلمي يا ليل! بتحلمي لو فاكرة إني هسيبك تتهدي كل حاجة فوق دماغي!
ليل كانت بتترعش من الخوف والوجع..وصرخت بدموع..
_ أنا ضيعت إيه؟ أنا عملتلك إيه عشان تحبسيني في الضلمة وأنا مكسورة وتعبانة كده؟! رجعيني لعمار يا ماما!
نهال جزت على سنانها وقربت منها وعينيها مليانة شر وأنانية..
= عمار إيه وزفت إيه! أنتي هتفضلي قدامي هنا وتحت عيني وانسى.. انسى بقلم فاطمةشلبي خالص إنك ترجعي تاني للمكان اللي كنتي فيه ده ولا هتشوفي وش عمار الجبالي ده تاني لحد ما نغور من هنا ونرجع القاهرة وحسابي معاكي بعدين!
سابتها نهال وخرجت ورزعت الباب وراها.. ورجعت الأوضة ضلمة كحل تاني.. وليل انهارت في العياط وهي بتصرخ باسم عمار في وسط الضلمة.. مش قادرة تستوعب إن أمها هي اللي بتعمل فيها كده!
عمار كان بيلف في نص الصالة زي الديب الجريح..إيديه على راسه وأنفاسه بتطلع بـ حرقان..وعقله مش ملاحق على سيناريوهات الرعب اللي بتتحدف في دماغه.
سالم منصور وعاصم كانوا واقفين معاه في البيت..والكل على آخره.. عمار ضرب الحيطة بقبضة إيده وزعق بصوت مخنوق مليان ندم وكسرة..
= أنا السبب.. أنا اللي غبي! إني سبتها لوحدها ونزلت.. لو كنت فضلت جنبها ومتحركتش مكانش حصل كل ده ومكنش حد لمس شعرة منها وهي كده ؟!!
ا سالم منصور رغم ناره القايدة على بنته اللي لسه عارف طريقها دلوقتي بص لـ عمار بنظرة لوم عاتبة، ونطق بصوت ثقيل..
_ دي الأمانة يا ابن الجبالي.. عطيناك أمانتنا ومحافظتش عليها!
الكلمة نزلت على عمار زي مية النار..حرقت كبريائه ورجولته وعصبته لدرجة إنه ملقاش نفسه غير وهو بيقف في وش سالم وعينيه بتطق شرار.. وزعق بعصبية وتحدي..
= أمانة إيه اللي بتتكلم عنها دلوقتي يا حاج سالم؟! لو مش أنا.. مكنتش أنت أصلاً لقيت بنتك ولا عرفت طريقها ولا شوفت نتيجة التحليل دي! متجيش دلوقتي تلومني وتحاسبني.. دي مراتي! مراتي أنا.. وأنا اللي هعرف أرجعها وأجيبها بطريقتي ومش هستنى كلمة من حد!
الأجواء اتهربت وبقت على شفا انفجار..وعمار وسالم واقفين قصاد بعض والشرار متطاير بين عيونهم..
هنا عاصم دخل في النص بسرعة.. وحط إيده على صدر عمار وإيد على كتف أبوه..وحاول يهدي الأمور بينهم قبل ما تكبر وتتحول لخناقة تخرب الدنيا..وقال بصوت حازم..
_ صلوا على النبي يا جماعة مش كده! مش وقته خالص الكلام ده.. إحنا في مصيبة..وعمار ملوش ذنب!!..وأنت يا عمار طول بالك الراجل محروق دمه على بنته.. تعالوا نفكر ليل راحت فين وبلاش نضيع وقت في الخناق..!
عمار لف وشه بضيق ونفخ بعنف وهو بيحاول يسيطر على شياطينه..وعقله بدأ يرجع يربط الخيوط من تاني.. ويشوف هيتصرف ازاي ..
__________________//__________________//___________
مر شهرين كاملين..
طول الفترة دي... عمار وعاصم قالبين الدنيا.. ومفيش سكة ولا طريق ولا خيط واحد يوصلهم لـ ليل .. فص ملح وداب..ونهال اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها هي والبنت.
طول الشهرين دول..حالة عمار كانت لا يرثى لها مبقاش ينام ملامحه باهتة.. عينه دبلت.. وعاصم مكانش أحسن منه.. كان تايه وشارد طول الوقت.. فيروز كانت قاعدة وشايفة جوزها بيموت قدامها من التفكير والهم.. وبتموت من الغيرة والحيرة لأنها مش فاهمة إيه سر الحالة اللي هو فيها دي.. وإيه سر حرقة دم عاصم المبالغ فيها على "مرات عمار"..!!
في يوم.. فيروز قررت تروح لـ عمار عشان تطمن عليه وتحاول تفهم..!
دخلت الأوضة.. لاقت عمار قاعد وراسه بين إيديه..وشكله يوجع القلب.. قربت منه وبدأت تكلمه بنبرة دافية وبتحاول تهديه..
_ معلش يا عمار..إن شاء الله هتظهر وترجع.. بس أنت لازم تاخد بالك من نفسك حالتك دي متسرش حد أبداً.
سكتت شوية.. وملامحها كلها ضيق وحزن.. وكملت..
_أنا بجد مش فاهمة إيه اللي بيحصل معاكم.. عمار أنت حالتك مش ولابد.. وعاصم كمان بقاله شهرين على طول شارد وساكت ومبيكلمنيش غير وعقله مش معايا خالص.. أنا مبقتش عارفة أعمل إيه!
عمار رفع راسه وبصلها بتركيز.. لمح في عيون أخته ضيق حقيقي..وفهم على طول إن نار الشك والغيرة بتاكل في قلبها من ناحية جوزها عاصم.. عمار محبش يزود الشك في قلب أخته ولا هان عليه بقلم فاطمةشلبي يسيبها محتارة كده فقرر إن جه الوقت اللي لازم ترتاح فيه وتعرف الحقيقة.
بصلها بهدوء ونطق بصوت مبحوح .
= حقه يا فيروز.. حقه يكون شارد وتايه والهم واكله كده.
فيروز بصتله بعدم فهم واستغراب..
_ حقه ازاي يا عمار؟ مش فاهمة.. هو عاصم ماله ومال ليل للدرجة دي عشان يتكسر كده؟!
عمار اتنهد تنهيدة طويلة مليانة وجع.. واتكلم بصوت هادي وحاسم..
= عاصم بقاله فترة كبيرة.. عرف إن ليه أخت غايبة وكان بيدور عليها في السر بدم قلبه.. واللي متعرفهوش يا فيروز وإن الصدمة الكبيرة لينا كلنا.. إن ليل دي تطلع هي أخته اللي كان بيدور عليها!
فيروز كانت الصدمة محتلة وشها ..
= أيوه يا فيروز.. ليل تبقى أخت عاصم وبنت الحاج سالم منصور.. وبعد ما اتأكدنا وعملنا التحاليل وطلع الكلام صح تضيع من قدامه ومن بين إيدينا في نفس الليلة!.. حقه يبقى تايه ودمه محروق دي أخته اللي اتحرم منها سنين.. والمشكلة الأكبر بقا إن عاصم مش عارف يقول الموضوع ده للشيخ منصور لحد دلوقتي عشان أنتي عارفة إن الشيخ منصور مقاطع الحاج سالم ابنه وعاصم خايف من رد فعله..!
فيروز رجعت بيتها.. وخطواتها كانت تقيلة من حجم الصدمة والسر اللي عرفته من عمار.. طلعت السلم وقلبها بيدق بسرعة فتحت باب الأوضة بهدوء..
لاقت عاصم قاعد في ركن الأوضة.. ضهر مفرود بس ملامحه مكسورة وعينيه سرحانة في الفراغ كالعادة..أول ما حس بحركتها..انتبه ليها ورفع عينه وبصوت باهت تعبان نطق..
_ حمد الله على السلامة يا فيروز.. خرجتي ليه لوحدك من غير ما تقوليلي؟ مش قولنا ميت مرة بلاش خروج من غير علمي عشان الأوضاع اللي إحنا فيها؟
فيروز قربت منه..ونظرة العتاب أو الضيق اللي كانت بتعامله بيها طول الشهرين اختفت تماماً... فركت إيدها بتوتر واعتذرت بصوت واطي..
= محبتش أضايقك يا عاصم.. شوفتك تعبان ومهموم فقلت أنزل ومزعجكش.
عاصم بصلها وسكت..رجع اتنهد ولف وشه الناحية التانية وهو مش قادر حتى يجادل أو يعاتب.. فيروز فضلت واقفة قدامه بزعل حقيقي عليه وعلى حالته اللي بتسوء كل يوم دموعها لمعت في عينيها وهي شايفاه بيموت بالبطيئ ونطقت بنبرة كلها رجاء
_ "عاصم.."
رد عليها ببرود وجفاء وهو لسه باصص بعيد..
= نعم يا فيروز.. فيه حاجة؟
فيروز أخدت خطوة وقعدت على ركبتها قدامه.. مسكت إيده اللي كانت ساندة على ركبته.. وقالت بدموع ونبرة حنينة قطعت صمته..
_ أنت ليه مقولتليش الحقيقة يا عاصم؟.. ليه شايل الهم والموضوع الصعب ده كله لوحدك طول الشهرين دول ومخبي عليا؟!!
عاصم اتسمر في مكانه..ولف وشه ليها بسرعة.. النظرة اللي في عيونها.. والنبرة دي.. خلته يفهم في ثانية إن عمار حكى لأخته كل حاجة عشان يريح قلبها وينهي الخلاف اللي بينهم..!
بصلها بتركيز وعينيه لمعت بوجع ماليان قهر وقبل ما يحاول يداري أو يكابر..تنهيدة طويلة ومحروقة طلعت من وسط ضلوعه ونطق بصدق وصوت مبحوح هز كيانها..
= أنا تايه أصلاً يا فيروز.. تايه ومش شايف قدامي..
كلامه كان اعتراف بضعفه لأول مرة قدام مراته..حس إنه خلاص مش قادر يمثل القوة أكتر من كده وأخته اللي ضاعت في نفس الليلة اللي عرف فيها الحقيقة خلته خلاص معدش قادر يسكت.
_________________//__________________//___________
بعد مرور شهرين كاملين في المخبأ المهجور اللي ليل محبوسة فيه..
فتحت نهال باب الأوضة ودخلت لـ ليل ببرود وهي بتشوفها طالبة إيه أو ناقصها إيه من الأكل والشرب..؟
ليل بصت لأمها بتعب شديد وإرهاق هد حيلها ورفعت دراعها المتجبس ونطقت بضيق وزهق..
_ أنتي سايبة الجبس في إيدي بقاله شهرين ..! الدكتورة في المستشفى كانت قايلة لي هو شهر واحد وافكه أنا خلاص مبقتش متحملاه وعاوزة أفك الزفت ده حالا..!
ليل مكانتش عاجزة ولا غبية.. هي كانت تقدر بـ إيدها السليمة وبأي آلة حادة تخلي أي حد يفكه..أو حتى تفكه لنفسها.. بس هي طلبت دكتور بـ خبث وذكاء عشان يدخل المكان حد غريب وتقدر تعمل أي حاجة أو تديله علامة تساعدها تخرج وتطير من السجن ده..!
لكن اللي ليل متعرفهوش.. إن طلبها ده كان هو فعلاً أول خيط في سلامة الوصول ليها..!
عمار طول الشهرين دول كان مخلي رجالة مخصصة في الاتصالات تتابع خط ليل ونهال ليل نهار.. لعل وعسى حد فيهم يغلط ويفتح تليفونه ثانية واحدة يحدد بيها مكانهم..بس للأسف طول الشهرين الخطوط كانت ميتة ومقفولة تماماً.
لكن طلب ليل وإصرارها على الدكتور..خلى نهال تقع في الفخ.. اضطرت تحت ضغط بنتها إنها تطلع تليفونها وتفتحه ورنت على إيهاب الألفي بسرعة عشان تطلب منه يجيب لها دكتور يكون "أمان" وسره في بير عشان ييجي المخبأ يشوف ليل ويفك الجبس.
وفي اللحظة دي بالظبط.. وفي مركز الاتصالات..جهاز المراقبة صفر بعنف!
الإشارة لقطت والشبكة حددت الموقع بدقة متناهية للمكان البعيد والمستخبي اللي ليل موجودة فيه..
عمار فجأة تليفونه رن شاله بسرعة وجاله الصوت من الطرف التاني بلهفة..
= كابتن عمار!.. اجهز الإشارة لقطت حالا وحددنا مكان هبعتلك الإحداثيات فورا.
عمار في ثانية وقف على حيله..وعينيه اللي كان مسيطر عليها التعب طق منها شرار الغضب والوعيد ونبض قلبه رجع يدق بعنف بعد شهرين موت.. الصياد لقى طريقه والجبالي هيهد المكان فوق دماغ اللي لمس مراته!
مفاتش كتير.. الوقت كان بيجري كأنه ثواني معدودة.. والإعصار كان بيمد خطاويه على الأرض.
عمار وعاصم..ومعاهم الحاج سالم منصور ورجالة مسلحة من رجاله اللي بيثق فيهم..كانوا راكبين العربيات وطايرين بأقصى سرعة للمكان البعيد والمقطوع اللي حددته أجهزة الاتصالات لعمار.. الكل حابس أنفاسه.. وعمار إيديه على الدريكسيون بتعصره من فرط الغضب والوعيد.
وفي نفس الوقت ده جوه البيت المهجور..
كان إيهاب الألفي وصل ومعه الدكتور اللي اتفقت معاه نهال.. الدكتور دخل الأوضة وبدأ يفك الجبس من على دراع ليل.. أول ما الجبس اتشال.. بقلم فاطمةشلبي ليل غمت عينيها بوجع.. وأنين مكتوم طلع من بين سنانها.. دراعها كان منمل..ضعيف ومش قادرة تحركه ولا ترفعه بسبب ركنة الشهرين.
بس عمها إيهاب مسابش فرصة واحدة للبنت تتنفس فيها!
أول ما الدكتور خرج من الأوضة إيهاب سحب كرسى وقعد قدام ليل وبمنتهى الجبروت والبرود..طلع من جيبه دفاتر أوراق وتنازلات وحط القلم في إيدها الضعيفة المكسورة ونطق بنبرة فيها تهديد ووعيد..
_ امضي هنا يا ليل.. وعلى كل ورقة هحطهالك قدامك.. مفيش وقت نضيعه ..!
ليل بصت للورق بدموع وبصت لأمها نهال اللي كانت واقفة بعيد بتبص بضيق .. ليل حست بغصة المرار في حلقها دراعها كان بيترعش ومش قادرة تمسك القلم بس جزت على سنانها.. وضغطت على وجعها وقامت ممضية على كل التنازلات.
ليل مكانتش غبية..! بس عملت كده عشان تشتري حريتها.. عملت كده عشان ميبقاش في إيدهم أي سبب يخليهم ياخدوها بعيد عن عمار وبعيد عن أهلها تاني بسببه..!
إيهاب سحب الأوراق وهو بيضحك بانتصار وجشع وعينيه بتلمع بالشر .
________________//________________//______________
عمار كان واقف على بعد أمتار من البيت.. عينه بتفحص المكان كأنه صقر لف وبص لعاصم وقال بنبرة جادة وقاطعة مفيهاش مجال للنقاش..
_ أنا هدخل الأول أخرج ليل.. محدش ييجي ورايا يا عاصم.
عاصم مكانش عاوز يسيبه لوحده يدخل عش الدبابير ده وخوفه على صاحبه وعلى أخته كان هيموته بس إصرار عمار وثقته خلوه يوافق مجبر.. حط إيده على كتفه وقاله
= هستنى منك إشارة أول ما تخلص ليل وتأمنها.. اديني الإشارة وهنجيلك فوراً..وليل هتبقى في أمان معانا بره..روح يا صاحبي ربنا معاك.
عمار هز رأسه بثقة وثبات.. وانسحب بخطوات سريعة وخفيفة زي الضل.. دخل البيت من غير ما حد يحس بوجوده خالص وفضل يفتش في الممرات والأوض الضلمة..لحد ما عينيه وقعت عليها..
ولمح ليل! ..كانت مربوطة في الكرسي ملامحها دبلانة شكلها مجهد من عذاب شهرين.. عمار أول ما شافها في الوضع ده دمه فار في عروقه ونار جهنم قادت في قلبه بس حبس غضبه ومحبش يتهور عشان يخرجها سليمة.
وفجأة.. وقبل ما يوصلها اتفاجئ باتنين من الرجالة اللي كانوا مراقبين ليل وحارسين الأوضة واقفين قدامه!
الرجالة ملحقوش ينطقوا..عمار هجم عليهم كالإعصار ودخل معاهم بقلم فاطمةشلبي في اشتباك عنيف وقاتل.. ضرب تكسير عظام قلب الأوضة ليل سمعت الدوشة والضرب برعب.. رفعت عينيها بتعب وبصت حواليها.. ولقت عمار!
عين ليل لمعت ببريق أمل ملوش حدود بعد شهرين عذاب روحتها ردت فيها لما شافته بس الخوف عليه غسل قلبها في ثانية.. لأنها عارفة إن إيهاب عمها هنا هو ورجالته المسلحين..!
عمار خلص على الاتنين ونيمهم في الأرض غرقانين في دمهم ودخل لـ ليل بسرعة الصاروخ.. وبدأ يفك الحبال من عليها بإيديه اللي بترتعش من اللهفة..عمار كان بيتكلم بسرعة وبأنفاس ملاحقة..
_ متخافيش يا ليل.. مفيش وقت دلوقتي للكلام خالص.. أنا هخرجك حالا لـ عاصم برا هو مستنينا ورجالته معاه.. إياكي إياكي تدخلي تاني هنا مهما حصل اسمعي الكلام واخرجي لحد ما أجيب لك حقك .
ليل مكنتش قادرة تنطق..دموعها كانت بتنزل زي الشلال على وشها من الفرحة والخوف.. هزت رأسها بموافقة وهي جسمها كله بيترعش من الوجع والصدمة.
عمار فكها وسندها وخباها ورا ضهره وبدأ يتحرك بيها بخطوات حذرة عشان يخرجها من الممر المظلم للباب.. بس لثواني الأمل اتبخر!
وقف عمار في مكانه كأنه صخرة.. وعينيه ضيقت بشر.. لقى إيهاب الألفي ورجالته المسلحين..ووراهم نهال واقفين في الممر وسادين طريق الخروج تماماً.. إيهاب كان ماسك سلاحه وبيبتسم بشماتة..
= نورت يا ابن الجبالي.. فاكرها سايبة ولا إيه؟!
عمار في ثانية مفكرش..ومن غير ما حد من اللي واقفين ياخد باله كانت إيديه ورا ضهره و صباعه ضغط على زرار الإشارة لعاصم برا عشان يدخل هو وسالم والرجالة اللي معاهم.
عمار ثبت نظراته القاتلة على إيهاب وبدأ يتكلم معاه ببرود وثقة عشان يشتت انتباهه وميركزش في أي حركة أو صوت جاي من برا رد عليه بتحدي..
_ كنت فاكر إني مش هقدر أوصلكم يا إيهاب؟.. ابن الجبالي لما بيعوز حاجة بيجيبها من تحت طقاطيق الأرض!
إيهاب ضحك بشر وعينيه طق منها الغدر..
= مش هتستفيد حاجة بمجيتك دي يا جبالي.. عشان ببساطة أنتوا الاتنين مش هتخرجوا من هنا عايشين!
عمار بصله من فوق لتحت وابتسم بتحدي وثبات يقهر:
_ بتحلم.. و عشم إبليس في الجنة يا ألفي.
إيهاب ملامحه اسودت وشاور لرجالته بغل..
= خلصوا الموضوع..
بس قبل ما حد من رجالة إيهاب يتحرك خطوة واحدة المكان كله اتقلب جحيم..
الباب الخارجي اتهد وعاصم اقتحم المكان هو واللي معاه وبدأت مجزرة حرفياً.. صوت ضرب نار تكسير.. وضرب متبادل وعنيف قلب البيت المقطوع لساحة حرب.
عمار استغل الهرج والضرب اللي دار وفي لمح البصر شد ليل اللي كانت بقلم فاطمةشلبي بتصرخ وخرج بيها بسرعة الصاروخ من وسط المعمعة لبرا البيت...بس نهال لقطتهم بعينيها وجريت وراهم وهي مشوشة ومش فاهمة حاجة..
عمار كان بيجري وهو عينه بتدور بلهفة في وسط العربيات برا على سالم.. عشان يأمن ليل معاه ويرجع للي جوا... وفعلاً لقاه واقف ورا عربية ومتابع الوضع بحذر..نهال في اللحظة دي كانت بتمد خطوتها وراه وعينها على ليل..
عمار وصل ليل للحاج سالم..وحط إيد البنت الضعيفة اللي بترتعش في إيده وهو بينهج ونطق بقوة..
_ ليل دلوقتي في أمان معاك ..خدها في عربيتك ومتمشيش من غير رجالة!
سالم منصور مكنش شايف قدامه من كتر الغضب..وعينه كانت على الباب مستني عاصم.. وفجأة!
صوت رن في المكان صوت كان كفيل يوقف الدم في عروق الحاج سالم.. سمعوا صوت نهال واقفة وراهم بـ ملامح بيضا زي الأموات ونطقت بذهول وصدمة زلزلت الأرض تحت رجليها..
= "سـ.. سـالـم!!! "
_________________//_______________//______________
جوا البيت..الأصوات بدأت تهدى تدريجياً لحد ما ساد السكون.. عاصم والرجالة اللي معاه كانوا خلاص خلصوا على رجالة إيهاب الألفي تماماً.. ومش بس كده.. عاصم بـكل غل وقوة سحل إيهاب في إيده وخرج بيه برا البيت لعمار..وهو متكتف بين الرجالة زي الديب الجريح اللي فقد كل مخالبه.. وفي نفس الوقت..رجالة الحاج سالم حاصروا نهال ومسكوها ومنعوها من الحركة.
ليل كانت واقفة في النص.. عينيها بتلف بين الوشوش بذهول وتوهان..مش فاهمة أي حاجة من اللي بتحصل حواليها.. بس وسط كل الدوشة دي ليل مكانتش خايفة.. كانت واثقة ومطمنة من جواها إن طالما عمار واقف جنبها وموجود يبقى هي في أمان ومفيش مخلوق هيقدر يمسها.
عمار حس برعشة إيدها.. بصلها بنظرة دافية مليانة حنان وضغط على كف إيدها السليمة بقوة يطمنها.
سالم منصور كان واقف وعينه كانت مصوبة على نهال بـ غل وقهر السنين اللي فاتت كلها..وبص لها ونطق بصوت تقيل..
_ الدنيا ضيقة أوي يا نهال.. في الآخر لفت الأيام وبقيتي واقفة قدام مني.. وبنتي معايا وفي حضني وأنتي واقفة لوحدك مكسورة!
نهال ملامحها اتشنجت بالرعب.. وصرخت بـ غل وحقد هستيري وهي بتهز راسها برفض..
= دي مش بنتك!! قولتلك بنتك ماتت من زمان.. ماتت! ليه مش عاوز تصدقني وتريح نفسك وتفارقنا؟!
سالم منصور ملامحه اسودت من الغضب ورفع إيده وشاور لواحد من رجالته.. الراجل قرب بسرعة ومد إيده بالحفظة اللي فيها نتيجة تحاليل الـ DNA اللي عمار عملها.
ليل شهقت بصدمة وعينيها وسعت وهي بتبص لـ عمار مش فاهمة إيه التحاليل دي واتعملت امتى ؟؟ عمار بصلها وهز راسه بهدوء وهو لسه ماسك إيدها بيطمنها..
سالم مسك ورقة التحليل.. وفردها بقوة وصرخ في وش نهال بصوت زلزل المكان كله..
_ لسه بتكدبي؟! بقالك 25 سنة مكتفتيش من كدبك وظلمك وقسوتك؟! الورقة دي بتقطع لسانك.. ليل تبقى بنتي.. بنتي أنا يا نهال.
الكلمة نزلت على ليل زي الصاعقة..دموعها هربت من عينيها وبصت لـ عمار بذهول وهي مش قادرة تستوعب إن الراجل اللي واقف بقلم فاطمةشلبي قدامها ده.. يبقى أبوها الحقيقي!
ليل بصت لنهال بدموع مغرقة وشها..وصوتها طلع مخنوق ..
_ ليه خبيتي عليا؟..أنا فضلت كام سنة أسألك مين أبويا الحقيقي وأنتي تتهربي وتكدبي عليا.. ليه قسيتي على بنتك كده ليه؟!! عملتلك إيه عشان تحرميني من الأمان ده كله؟!
نهال لقت نفسها محاصرة.. والكل واقف فوق راسها والتحليل قطع عليها كل طرق الهروب.. لقت نفسها خسرت كل حاجة وبقيت في القاع.. فصرخت بغل وحقد هستيري عمى عينيها..
= ومين قالك إنك بنتي؟!!.. أنتي عمرك ما كنتي بنتي أصلاً!
ليل برقت عينيها بصدمة أكبر وجسمها كله اتنفض..وعمار بص لـ نهال بتعجب وذهول وهو مش مصدق الجبروت اللي هي فيه أما الحاج سالم فـ اتصدم من اللي سمعه.. وقلبه انقبض وحس إن نهال كانت بتلعب عليه لعبة قذرة وكبيرة أوي من زمان وهو كان مغفل فيها.
ليل نطقت بصوت يدوب مسموع ومن بين دموعها..
_ "مش.. مش بنتك؟؟؟ "
نهال كملت بغل وحقارة وهي بتبص لـ ليل بـ استهزاء..
= أيوه مش بنتي! أنتي كنتي مجرد طعم في إيدي ودلوقتي بغباءك خسرتيني كل اللي عملته وبنيته من زمان.. لما اتنزلتي عن حقي وورثي لإيهاب يا غبية!
ليل حطت إيدها السليمة على قلبها.. وحست بـ خنجر اتغرس في صدرها مكانتش قادرة تتحمل حاجة تانية تسمعها وعقلها مبقاش يستوعب حجم الكدب اللي عاشت فيه عمرها كله..!
الحاج سالم خطى خطوة سريعة ناحية نهال وعينه بتطق شرار وزعق بصوت زلزل جدران المكان..
_ ازاي ليل بنتي ومش بنتك؟!! انطقي يا نهال.. عملتي إيه من 25 سنة؟ انطقييييي!
نهال بصتله بابتسامة انتصار مريضة ومستفزة رغم حصارها.. وقالت بنبرة تشفي..
= فاكر يا ابن منصور لما طلقتني ورميتني عشان خاطر متخسرش أبوك الشيخ منصور؟.. بس في الآخر برضو خسرته ومقاطعك.. وأنت عارفني كويس نهال مبتحبش الخسارة أبداً!
أنا كنت حامل وقتها زي ما كنت عارف.. بس لما ولدت بنتي ماتت! بنتك اللي أنا ولدتها مااااتت!
أخدت نفسها وكملت بـ جنون..
= وكنت هبقى بطولي لوحدي في الدنيا مش معايا أي حاجة تذلك وأكسرك بيها وأنت كسبان.. كسبت إنك فضلت مع أبوك ومراتك آمنة اللي كانت بتولد في نفس المستشفى .. وعرفت إنها جابت بنت بس بنتها طلعت عايشة..! وقتها أنا مسبتش فرصة.. ودخلت وبدلت البنتين في الحضانة! ما هو أنا مش هخرج من اللعبة دي خسرانة وإيدي فاضية وأنت مرتاح..!
سالم منصور دموعه نزلت بغزارة..وصدمة ممزوجة بـ فرحة رهيبة هزت كيانه من جوه ونطق بصوت مرتعش ومش مصدق
_ يعني.. يعني ليل بنتي أنا وآمنة؟!!
عاصم كان واقف متابع كل اللي بيحصل وهو مش مصدق نفسه.. عينه جت على ليل أخته الشقيقة اللي من لحمه ودمه البنت اللي طلعت من دمه عاشت العمر ده كله مع الست الشيطانة دي!
__________________//________________//_____________
سالم منصور من حجم الوجع القهر والمرار اللي عاشه 25 سنة وعقله مش مستوعب الجريمة البشعة دي.. عروقه برزت وعينيه اسودت تماماً وعمى الغضب بصيرته.. في ثانية سحب سلاحه ووجهه مباشرة لـ راس نهال وهو ناوي ينهي حياتها ويدفن سرها وقسوتها في مكانها..!
نهال شهقت برعب وغمضت عينيها.. بس قبل ما صباع سالم يضغط على الزناد عاصم مسك إيد أبوه بقوة ورفعها لفوق ونطق بنبرة مخنوقة كلها رجاء وتوسل هزت قلب أبوه..
_لأ يا أبويا.. عشان خاطري لأ..! أنا ما صدقت اتجمعنا ولمينا شملنا.. متوسخش إيدك في دم واحدة رخيصة وزي دي وتضيع نفسك وتضيعنا منك تاني! ..سيبها للقانون والعدالة هما يتصرفوا معاها ملناش دعوة بيها.. الشرطة خلاص على وصول وأنا مكلمهم بنفسي.. أرجوك يا أبويا نزل السلاح عشان خاطر بنتك وعشان خاطري!
سالم بص لـ ابنه عاصم.. لقى عينه مليانة دموع ورجاء حقيقي إنه يجمع عيلته تاني من غير دم أو خسارة جديدة.. هيبة الأبوة والوجع هديت جواه وأنفاسه المتلاحقة بدأت تنزل وبتنهيدة شقت صدره.. نزل إيده بالسلاح وسابه في جنبه.
وفي نص المعمعة دي.. ليل كانت واقفة زي الصنم.. من الصدمة مبقتش تنطق ولا تطلع حرف واحد...عينيها مثبتة في الفراغ ودموعها بتنزل بسكوت مرعب... عمار كان بيموت من الخوف عليها ليحصلها حاجة من حجم الصدمات اللي نزلت فوق راسها في دقايق..!
مسكها من إيدها بحنين وأخدها في حضنه ومشى بيها لحد عربية من العربيات وركبها وجلس جنبها.. ومفاتش ثواني معدودة.. وكان المكان كله اتقلب بقلم فاطمةشلبي بأصوات سرينات الشرطة اللي حاصرت المخبأ المهجور وفي لمح البصر تم القبض على نهال وإيهاب الألفي واقتادوهم مكلبشين برة سيناء كلها.
المكان فضي تماماً وساد الهدوء بعد العاصفة..
سالم كان واقف بيبص للفراغ ودموعه نازلة ..التفت لابنه عاصم اللي قرب منه وحط إيده على كتفه وقال بنبرة دافية مليانة أمل..
_ خلاص يا أبويا.. جه الوقت اللي ترجع فيه لبيتك تاني.. وتصلح كل اللي انكسر زمان مع جدي الشيخ منصور.
وفعلاً.. عاصم وسالم ركبوا عربيتهم عشان يرجعوا لبيت العيلة الكبيرة والمواجهة المنتظرة..
أما في العربية التانية.. عمار كان قاعد جنب ليل..ومكتفاش بنظرة طول الطريق كان ماسك إيدها السليمة وبيدفيها بين كفوفه وبيقويها.. وليل كانت ساندة راسها التعبانة على شباك العربية.. وعينيها بتتابع الطريق وضلمة سيناء في سكوت تام.. لا بتعترض ولا بتتكلم ولا بتقول أي حاجة.. مستسلمة تماماً لوجود عمار الجبالي اللي بقا هو خط دفاعها الوحيد عن العالم.
وصلت العربيات قدام بيت الشيخ منصور الكبير.. المكان اللي شهد على كسرة وعناد سنين طويلة...عمار فضل واقف برا مع ليل في العربية عشان يدي مساحة لعاصم وسالم وعاصم أخد نفس عميق ودخل البيت الأول..
أول ما خطى عتبة الصالة.. شكل عاصم كان يوجع القلب.. هدومه متبهدلة.. وفيه آثار كدمات في ملامحه من أثر الاشتباك العنيف والمجزرة اللي دارت في المخبأ.
أول ما شافوه...الحاجة آمنة وفيروز والشيخ منصور وقفوا كلهم في نفس الثواني.
آمنة جريت عليه بلهفة وخوف أم هز كيانها..ومسكت وش بإيدين بترتعش..
_ عاصم!! مالك يا بني؟ كنت فين وشكلك عامل كده ليه؟! جرالك إيه يا قلب أمك؟!
الشيخ منصور قام وقف وسند على عصايته..وبص لـ حفيده بقلق ونطق بصوت حازم بس مرعوب..
_ مين عمل فيك كده يا عاصم؟ أنت كنت في خناقة ولا إيه؟!!
فيروز كانت واقفة وراهم..مرعوبة من منظر جوزها المبهدل وضامّة إيدها لصدرها..وصرخت بدموع..
_ ما تتكلم يا عاصم طمنا؟ فيه إيه وإيه اللي بهدلك كده؟!
عاصم مكنش قادر ينطق.. كان بيبص لـ جده ولأمه بنظرة مليانة شجن ودموع محبوسة أخد خطوة على جنب.. وفجأة..!
وبخطوات ثابتة وتقيلة ومليانة هيبة مكسورة ظهر من وراه.. سالم!
الشيخ منصور اتسمر في مكانه وعصايته كانت هتقع من إيده.. ونطق بصوت هز أركان البيت من كتر الصدمة..
_ "سااالم ؟؟! "
وآمنة حطت إيدها على بؤها بصدمة شلت حركتها.. والدموع جرت في عينيها وهي مش مصدقة إن سالم قدامها بعد السنين دي كلها ..؟!!
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل التاسع 9 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل التاسع
_ سااالم؟؟!
الشيخ منصور ملامحه اسودت في ثانية خبط بعصايته في الأرض بكل قوته وزعق بصوت جهوري طرد كل ملامح الذهول..
_ الراجل ده إيه اللي جابه هنا..؟؟ أنا قولت ميدخلش بيتي طول ما أنا عايش مش عاوز أشوف وشه! اخرج برا يا سالم.. برا ..
عاصم بص لجده بتعب وقرب خطوة وهدى صوته وهو بيحاول يستعطفه..
= أبويا مجاش من غير سبب.. إحنا جينا نصلح اللي فات يا جدي أرجوك عشان خاطري في حاجات كتير لازم تعرفها ودلوقتي ومينفعش تتأجل.. أرجوك اهدى!
جده التفت له بعصبية ..
_ اهدى؟؟ بعد ما ضيعنا جاي تقولي اهدى؟؟ لولاك ولولايا مكناش قدرنا نقف على رجلنا وسط البلد ولا كنت هعرف أحط عيني في عين حد! الراجل ده كسر ضهري.. كنت فاكره عكازي في الدنيا بس يا خسارة!
سالم بص لأبوه بأسف حقيقي النظرة دي فيها مرار الـ 25 سنة غربة وفراق...قرب بهدوء من أبوه وبحركة هدت كل كبريائه نزل على الأرض بقلم فاطمةشلبي وقعد على ركبته قدام رجل الشيخ منصور.. رفع عينيه المليانة دموع وبص لوجه أبوه العجوز وقال بنبرة مرتعشة ومكسورة..
= أنا جيلك النهاردة ومستعد إنك تعمل فيا كل اللي إنت عاوزه بس ترضى عني.. كفاية اللي ضاع من عمري وأنا بعيد عنك ومكانش في إيدي حاجة أعملها.. بس دلوقتي خلاص كل حاجة هتتحل .
الشيخ منصور بصله باحتقار وبعد عينه بعيد عنه ..
_ إيه اللي هيتحل...؟؟؟ هترجعلي هيبتي وسط الناس؟ ولا أرضي اللي بعتها لأعدائي عشان كلام واحدة ست خربت بيتك.. وخدت من مراتك وعيالك؟ ولا الناس اللي كنت شغال معاهم ولا هامك أي شيء؟! ولا بنتك اللي ماتت بسببك ؟؟ ولا مراتك؟؟؟ اللي كسرت قلبها واتجوزت عليها وجبتلها الشيطانة اللي اتجوزتها دي تعيش معاها في بيت واحد!
الشيخ منصور سكت ثانية يبلع ريقه المر وبص لـ سالم تاني وهو بيموت من الوجع
_ أنت دمرت بيتك ومن زمان ومعدش في حاجة تتصلح.. لو عرفت تصلح كل ده ابقى تعالى دور على أبوك ورضاه.
سالم قام بتثاقل من على ركبه قدام أبوه جسمه كان تقيل بهم السنين وعينه جت في عين آمنة اللي كانت بتبصله بحزن حقيقي وكسرة قلب عاشت معاها عمرها كله.. سالم مقدرش يستحمل نظرة العتاب اللي في عينيها.. بعد عينه عنها بندم.. وبص لأبوه الشيخ منصور تاني وثبت نظراته وقال بثبات..
= " أنا جايلك بأحفادك يا أبويا..."
الشيخ منصور بصله باستغراب ..
_ أحفادي إزاي ؟؟
سالم كمل بثبات..
= "عاصم وليل.."
الاسم نزل زي السكينة في الصالة..اللي قالتها كانت آمنة.. نطقتها بدموع واستغراب.. وصوتها طلع بصدمة فيه..
— ليل؟؟
سالم رد بتأكيد ..وعينيه بتلمع بدموع الانتصار والحق..
= أيوه ليل.. ليل بنتي يا آمنة.
سالم أخد نفس طويل وبص لـ آمنة اللي ملامحها اتخطفت وكمل بتأكيد وصوت جهوري..
= مش بنتي بس.. دي بنتنا إحنا يا آمنة! بنتنا اللي قالوا لنا إنها ماتت في الحضانة من خمسة وعشرين سنة!
آمنة حطت إيدها على قلبها.. وهي مش مصدقة اللي سمعته والشيخ منصور سند بكل قوته على عصايته وهو مش قادرك يستوعب الكلام اللي بيسمعه..
وفي اللحظة دي.. الباب الخارجي اتفتح بالكامل.. وظهر عمار وهو ساند "ليل".
ليل كانت داخلة زي خيال المآتة وشها مخطوف لونه زي الأموات وعينيها تايهة ودموعها ناشفة على خدودها من كتر الصدمات اللي عاشتها في الكام ساعة اللي فاتوا.
أول ما ليل خطت عتبة البيت.. عيون الكل اتجهت ليها..
آمنة بصت لملامح ليل.. بصت لعينيها لتقسيمة وشها وللشبه اللي كان بيصرخ في الوشوش بس مكانش حد شايفه!
ليل ..عينيها كانت عبارة عن بحر دموع ووجع بتبص حواليها بتوهان وزي ما تكون مش مصدقة إنها وسط عيلتها الحقيقية.
عمار دخل وهو ساندها بكل حنية ووقف بيها في نص الصالة
منصور مكانش فاهم في إيه عينيه برقت وبص لـ ليل بشك وذهول وعصايته اتهزت في إيديه وهو بينطق بصوت خافت ومشحون..
— انا مش فاهم حاجة يا عاصم ..اي الكلام اللي بيقوله أبوك ده ؟؟
عاصم أخد نفس طويل ..وبص لجده ولأمه آمنة اللي كانت وبدأ يحكي لهم كل اللي حصل بالتفصيل..
= يا جدي.. الحكاية بدأت من وقت ما عمار الجبالي جالي وقابلني وقالي على المكالمة اللي نهال الشيطانة كانت بتتكلم فيها واللي فريدة سمعتها بالصدفة وقالت لنا عليها كانت وقتها بتكلم أبويا وبتقوله ينسى بنته وانها ماتت .. ومن هنا بدأ الشك يلعب في قلبه.. شكينا إن في حاجة مرعبة تربط ليل بأبويا سالم
عاصم بلع ريقه المر وكمل وعينيه بتلمع بدموع الانتصار:
= مكدبناش خبر.. عمار عرف ياخد عينة دم من ليل وعملنا تحليل الـ DNA.. والنتيجة طلعت الليلة اللي ووجعتنا كلنا قبل ما تفرحنا.. لما ليل اتخطفت .
آمنة شهقت شهقة مكتومة وحطت إيدها على صدرها وهي بتسمع ابنها.. وعاصم كمل وعينه في عين جده اللي ملامحه بدأت تتزلزل..
= لما عرفنا مكان ليل وأنقذناها ..ونهال عرفت ان ابويا عرف كل حاجة حست انها خسرت ..اعترفت بكل حاجة بلسانها وقالت ازاي بدلت البنات في المستشفى زمان عشان تنتقم من أبويا ومنك يا جدي!
كل ده.. وآمنة ومنصور واقفين مصدومين ومذهولين من كل كلمة بيسمعوها.. الصدمة شلت لسانهم..والكلام نزل عليهم زي الصاعقة اللي بقلم فاطمة شلبي هزت كيان بيت آل منصور كله.. آمنة بتبص لـ ليل بدموع ونظرة أم لقت حتة من قلبها بعد ٢٥ سنة والشيخ منصور واقف وعينيه متبتة في ملامح ليل وهو بيحاول يستوعب إن حفيدته اللي بكى عليها زمان واقفة قدامه لحم ودم!
آمنة قامت قربت منها بحنين جارف..رفعت إيدها اللي بتترعش ومشت صوابعها على وش ليل.. بتتحسس ملامح بنتها وعينيها غرقانة دموع وفجأة سحبتها وأخدتها في حضنها بسرعة وقوة .
ليل كانت واقفة جامدة في مكانها.. زي الصنم.. ثابتة ومش بتبدي أي رد فعل لا رفعت إيدها تبادلها الحضن ولا نزلت دمعة واحدة.. عينيها كانت مفتوحة بتوهان وباصة للفراغ كأن روحها غايب عن جسمها ومش مستوعبة إن الست اللي بتبكي في حضنها دي هي أمها الحقيقية!
عمار كان واقف قريب منها عينيه منزلتش من عليها كان متابع كل حركة منها وخايف عليها ..هو أكتر واحد عارف ليل مرت بإيه الليلة دي.
عاصم حس إن الأجواء مشحونة وليل مش قادرة تقف على رجلها بص لهم وقال بنبرة حاسمة..
= خلوها تطلع تستريح شوية.. ونكمل كلامنا بعدين ..
عمار أكد على كلام عاصم وهز راسه وأخدها من إيدها عشان يطلع بيها لفوق ويبعدها عن التوتر ده كله..
ولسه ليل بتاخد أول خطوة مع عمار.. فجأة، رجليها خانتها وعينيها غيبت وجسمها ارتخى تماماً ووقعت بين إيديه مغمى عليها زي الوردة الدبلانة!
عمار صرخ بلهفة ورعب هز البيت..
= "لييييييييل!!!"
______________//_________________//________________
بعد شوية..
اتفتح باب الأوضة وخرجت الدكتورة الكل كان واقف على أعصابه مستني كلمة تطمنهم وبدأت تتكلم وهما بيسمعوها باهتمام وقلق ملوش حدود..
_ يا جماعة واضح إنها اتعرضت لضغط كبير أوي.. ضغط عصبي ونفسي فوق طاقتها وده اللي سببلها الانهيار ده غير إن بنيتها ضعيفة جداً .. أنا كتبتلها شوية مقويات وإن شاء الله مش هيحصل أي مضاعفات بس أرجوكم.. بلاش نعرضها لأي ضغوطات تانية الفترة دي خالص البنت محتاجة راحة تامة.
في الوقت ده جوة الأوضة ..كان عمار في عالم تاني خالص.. قاعد على كرسي جنب السرير متبت في إيدها بكل قوته كأنه خايف لو سابها تضيع منه تاني.. عمار كان موجود بجسمه بس روحه غايبة عنه وبتلف في بركان الأحداث اللي حصلت عينيه منزلتش من على ملامحها البيضا ونفسه كان بيطلع محروق مع كل نفس ليل بتاخده.
الدكتورة مشيت..وعاصم دخل الأوضة قرب من عمار اللي مكنش حاسس بأي حد حواليه وطبطب على كتفه براحة وقال
_ عمار.. أنا هنزل أجيب الدوا اللي الدكتورة كتبته خلي بالك منها.
عمار هز راسه بهدوء مريب حركة تلقائية من غير ما يشيل عينه ثانية واحدة من عليها.
فيروز كانت واقفة تتابع المشهد بقلب موجوع قربت من عمار بخطوات هادية وقالت بصوت واطي..
_ عمار.. أنا برا لو احتجت أي حاجة في أي وقت كلمني.. أنا موجودة.
عمار رد عليها بنبرة خافتة ومن غير ما يلتفت..
= حاضر يا فيروز.. تسلمي."
تحت في الصالة..
كان الصمت أتقل من الجبال.. قاعدين الثلاثة..
( سالم، الشيخ منصور، آمنة ) كل واحد فيهم شايل في قلبه بركان من الوجع والذكريات.
سالم مكنش قادر يستحمل النظرات الميتة دي اتنفس بصعوبة واتكلم بقلق مالي نبرة صوته..
= وجودي مرحب بيه وسطكم يا شيخ منصور.. ولا أمشي؟؟
آمنة رفعت عينيها المليانة عتاب وبصت للشيخ منصور مستنية منه إجابة لكن الشيخ منصور كان باصص للفراغ قدامه ساند إيديه الإتنين على عصايته وساكت تماماً كأنه مسمعش السؤال..!
الثواني مرت كأنها بقلم فاطمةشلبي سنين ..وسالم أول ما شاف السكوت ده اتأكد إن أبوه مستحيل يوافق برجوعه تاني بعد كل الخراب القديم..لف وشه بكسرة قلب وتحرك ناحية الباب عشان يخرج من البيت..
بس وقفه صوت الشيخ منصور الجهوري الصارم لما قال..
_ هتفضل هنا.. بس عشان خاطر اللي عملته النهاردة.
جملة واحدة كانت كفيلة تخلي الدم يرجع في عروق سالم لف بسرعة وراح لأبوه بلهفة الدنيا كلها وطى على إيد الشيخ منصور وباسها بقهر وندم..
لكن منصور بصله بنظرة حادة وسحب إيده بالراحة وكمل بقسوة
_مش معنى كده إني سامحتك يا سالم..
التفت وبص لـ آمنة اللي كانت بتبكي في صمت ورجع كمل كلامه لابنه..
_ عمري ما قلبي هيرضى عنك غير لما تراضي الكل يا سالم..
يا إما كده يا إما ملكش مكان وسطنا.. أنا مش بيقعد في بيتي حد مزعل أهله منه.. وقلبه أسود.
الشيخ منصور سابه وقام بهيبته المعتادة وطلع على فوق.. وسالم بص لـ آمنة بنظرة رجاء واستعطاف بس هي نزلت عينيها في الأرض ومقدرتش تبص في وشه وقامت بخطوات تقيلة وطلعت أوضتها وسابته لوحده.
في نفس اللحظة..
كان عاصم نازل من على السلم لقى أبوه سالم واقف لوحده في نص الصالة.. سالم أول ما شاف ابنه قرب منه بسرعة ولهفة..
= طمني يا بني.. أختك كويسة ؟؟
عاصم اتنهد بتعب وإرهاق وهز راسه..
= الحمد لله.. اطلع اطمن عليها وأنا هروح أجيب الدوا.
سالم هز راسه بتفهم وامتنان.. وطلع السلم بخطوات و قلبه بيدق بخوف ولهفة إنه يشوف بنته قرب من الأوضة وفتح الباب بهدوء ودخل..
لقى عمار قاعد زي ما هو على الكرسي جنب السرير متبت في إيد ليل ومش حاسس بالدنيا.
سالم قرب منه وبص لـ ليل الشاحنة وقال بصوت واطي..
= لسه مفاقتش؟
عمار هز راسه بلا.. من غير ما يلتفت.
سالم حس بحجم التعب اللي عمار فيه فقال بهدوء..
= طيب اطلع ارتاح شوية وأنا جنبها لو احتاجت حاجة.
عمار رد بتقل ونبرة صوت ماليها الإصرار وروحه مشحونة..
= لا.. أنا هفضل جنبها لحد ما تفوق.
سالم بصله بنظرة تقدير كبيرة سكت ثانية وكمل بنبرة دافية ومليانة صدق
= "شكراً يا عمار.."
عمار لف وشه لأول مرة وبص لـ سالم اللي كمل كلامه بهدوء وامتنان حقيقي..
= شكراً إنك كنت سبب بعد ربنا إني بعد السنين دي كلها أرجع لعيلتي.. وألاقي بنتي.
عمار بلع ريقه..ورد بصعوبة ونبرة حاسمة تطلع من راجل لراجل..
= كان ممكن أعمل أي حاجة في الدنيا.. عشان ليل توصل لأهلها.
سالم ابتسم ابتسامة خفيفة فيها راحة وطبطب على كتف عمار بقوة ودعم ولف وشه وخرج من الأوضة وقفل الباب وراه.. عشان يسيب عمار وسيل في عمارهم الخاص مستني اللحظة اللي عين ليل تفتح فيها وتشوفه متبت في إيدها.
_________________//_______________//______________
عاصم رجع البيت ومعاه الدوا سلمه لعمار في الأوضة واتحرك بخطوات تقيلة ومستهلكة تماماً ناحية أوضته.. أول ما فتح الباب لقى فيروز قاعدة مستنياه وعينيها منزلتش من عليه.. عاصم دخل بتقل وهم السنين كله فوق كتافه ومن غير ما ينطق بكلمة واحدة رمى نفسه في حضنها كأنه طفل لقى أمانه بعد غربة طويلة.
فيروز تلقائي ومن غير تفكير لفت إيدها حواليه وحاوطته بكل قوتها وحنيتها وبقت تطبطب عليه بحنان.. عاصم اتكلم بصوت مبحوح ومليان تعب ووجع..
= أنا مش مصدق إن كل ده حصل النهاردة.. حاسس إني بحلم يا فيروز.. بس بتمنى الحلم ده ميخلصش.
فيروز ردت عليه بهدوء ونبرة دافية وهي بتشدد من ضمتها ليه..
_ لا يا عاصم مش حلم.. أخيراً قدرت تجمع عيلتك تاني حواليك.
عاصم بعد عنها شوية.. وبص في عينيها بتعب وإرهاق..
= المشوار لسه طويل يا فيروز.. لسه في حاجات كتير مكسورة ومحتاجة وقت عشان تتصلح.
فيروز بصت له بابتسامة صافية ومليانة دعم..
_ متقلقش.. كله هيتصلح وأنا معاك وجنبك مش هسيبك..المهم دلوقتي قوم غير هدومك دي واستريح..وأنا هروح المطبخ أجيبلك حاجة تاكلها تسند طولك.
عاصم مسك إيدها بسرعة يمنعها..وعينيه كانت بتقفل من كتر الإجهاد..
= لا.. أنا مش عاوز أكل مش عاوز غير إني أنام بس.. أنام وبس يا فيروز.
عند عمار..
الأوضة كان مسيطر عليها هدوء غريب وصوت أنفاس ليل المنتظمة بتعب...عمار كان قاعد مكانه وعينيه بتحفر ملامح ليل الدبلانة دي في عقله حفر.. كان بيتأمل وشها الأصفر الخالي من الروح وشفايفها الباهتة.. بقلم فاطمةشلبي ومكانش قادر يتخيل كم العذاب والوجع النفسي والجسدي اللي اتعرضتله طول الشهرين اللي فاتوا وخلاها بالشكل ده!
دي مكانتش ليل القوية اللي عينه شافتها لأول مرة دي كانت نسخة دبلانة ومكسورة من صدمات الدنيا.
عمار بلع غصة واقفة في حلقه.. وقرب إيده من وشها براحة متناهية كأنه خايف يلمسها فتتوجع.. ومسح على خدها بحنان جارف..وقام بهدوء من غير ما يعمل أي صوت طفى الأنوار وساب إضاءة خافتة جداً ورجع نام مكانه على الكرسي جنب السرير.. وهو متبت بإيده في إيدها ومغمض عينيه وهو بيقرر جوا نفسه إن الليلة دي هي آخر ليلة ليل تتوجع فيها طول ما هو عايش.
عند آمنة..
كانت قاعدة في ضلمة أوضتها.. عينيها باصة للفراغ ودموعها منشفتش من صدمة رجوع بنتها وجوزها سالم في ليلة واحدة..!
فجأة..!
قطعت السكون ده دقات خفيفة وهادية على باب الأوضة..
قلبها دق وكانت عارفة مين اللي ورا الباب.. قامت بخطوات تقيلة وفتحت وطبعاً كان سالم.
واقف قدامها بملامحه اللي غطتها تجاعيد الزمن ووشه كان خالي تماماً من التعبير بس عينيه كانت شاحنة بنظرة رجاء.. آمنة بصت له بثبات مصطنع وقالت بنبرة هادية ومجهدة..
— "خير يا سالم ؟؟"
سالم رد بصوت ثابت بس فيه بحة تعب..
= تسمحيلي أتكلم معاكي شوية؟
آمنة بصت له لثواني طويلة.. وبعدين اتحركت بعيد عن الباب وسابت له مساحة يدخل.. سالم دخل الأوضة بهدوء وقفل الباب وراه وهي فضلت واقفة مدية له ضهرها مش قادرة تبص في الوش اللي وحشها بس وجعها فوق طاقتها.
سالم أخد نفس عميق واتكلم بصوت هادي...
= من ساعة ما دخلت البيت لحد دلوقتي.. وأنا كنت خايف من رد فعلك أنتي بالذات يا آمنة.. أنا عارف إني ظلمتك وجيت عليكي.. وإنك أكتر واحدة اتجرحت بسببي ومع ذلك عمري ما شوفت في عينك نظرة كره ليا.. كانت دايماً نظرة عمري ما عرفت أفسرها بس مكنتش كره .. ونفس النظرة دي شوفتها منك النهاردة.. ولسه مش فاهم تفسيرها إيه..؟
آمنة كانت بتسمعه وضهرها ليه، والدموع نزلت بحرقة من عينيها صوته وكلامه بيفتحوا جروح قديمة اندفنت بس منسيتش الوجع
سالم قرب خطوة وكمل تاني بهدوء ورجاء..
= آمنة.. أنا مش عاوز منك غير إنك تسامحيني.. ساعديني يا آمنة أصلح أي حاجة ضاعت مني زمان.
هنا آمنة مقدرتش تسكت أكتر من كده لفت له بهدوء وقربت منه وعينيها بتلمع بدموع القهر،وبصت له باستغراب ومرارة وقالت
— أسامحك !! أنت عاوزني أسامحك بعد كل ده؟! أنت بتحلم يا سالم.. مستحيل.
سالم بص لملامحها وقال بنبرة بيبرر بيها..
= أبويا إداني فرصة تانية أراضي الكل.. وأولهم أنتي يا آمنة.
آمنة ضحكت بمرارة وسخرية وجعت قلب سالم..
_ ما هو كل حاجة بتعملها معايا بتكون عشان أبوك يا سالم.. مش عشان أنت عاوز ده!.. والنهاردة جاي تراضيني عشان أبوك طلب منك ده.. مش عشان أنا فرقاك معاك في حاجة!
سالم هز راسه بنفي سريع ولسه هيفتح بؤه يتكلم ويقولها إنها غلطانة وإنها وحشاه بس هي قاطعته بحسم..
_ لو سمحت.. أنا محتاجة أنام اتفضل.
سالم وقف مكانه.. كان لسه هيرد ويحاول يدافع عن نفسه بس هي لفت وشها بعيد عنه تاني وقفت كل لغة للكلام بينهم
سالم اتنهد بقلة حيلة ولف وخرج من الأوضة بخطوات مكسورة وهو حاسس إن أول باب وأهم باب في حياته.. اتقفل في وشه بقفل من حديد.
_______________//_________________//_______________
الشمس بدأت تفرش خيوطها الدافية على البيت بعد ليلة مرت بتقل رهيب على الكل..
ليل بدأت تفتح عينيها ببطء شديد الرؤية كانت مشوشة في الأول لحد ما وضحت وأول حاجة شافتها كان عمار اللي نايم جنبها على الكرسي ومتبت في إيدها..ليل لفت عينيها وبصت حواليها بتدقيق لقت نفسها في أوضة غريبة وواسعة مش أوضتها ولا المكان اللي متعودة تصحى فيه.
ملامحها اتقلبت باستغراب وقلق وقامت بسرعة من على السرير وهي بتشد إيدها.. عمار حس بحركتها المفاجئة وفتح عينيه بسرعة وخوف قام وقف وبص لوشها المخطوف واتكلم بقلق..
= ليل.. مالك في إيه؟!
ليل بصلته بخضة ونبرة صوتها مرعوبة..
_ أنا فين يا عمار؟؟
عمار أخد نفس طويل وقرب منها خطوة واتكلم بنبرة كلها هدوء وأمان عشان يطمنها..
= اهدي.. اهدي يا ليل إحنا هنا في بيت الشيخ منصور.. في بيتك ومع أهلك.
ليل فضلت قاعدة لثواني طويلة ساكتة وعقلها بدأ يجمع ويفتكر شريط الأحداث اللي حصلت معاها امبارح.. اتنهدت بتعب وإرهاق شديد وسندت راسها لورا على السرير وعينيها دبلانة.
عمار بصلها بقلق وحط إيده على كتفها براحة..
= أنتي كويسة؟ حاسة بأي تعب ؟؟
ليل هزت راسها بهدوء من غير ما تطلع صوت عمار فهم حالتها وكمل كلامه بابتسامة دافية..
= طيب.. أنا هنده لك فيروز تدخل تساعدك وأنا خارج برا الأوضة دلوقتي.. لو احتاجتي أي حاجة في أي وقت أنا موجود معاكي ومش هبعد.
عمار لف وفتح الباب وخرج وأول ما خطى برا الأوضة لقى فيروز طالعة على السلم وفي إيدها صينية فطار عمار اتنفس براحة وقالها..
= كويس إني لاقيتك يا فيروز.. ادخلي لـ ليل ساعديها تغير هدومها وتفطر وشوفي لها طقم مناسب من عندك عشان لسه حاجتها وهدومها كلها في البيت.
فيروز بصت له بابتسامة صافية وقالتله بنبرة حنونة..
_ أنا كنت جاية عشان كده أصلاً يا عمار.. أنا جهزت لها طقم مريح من عندي وجايبة الفطار ده ليها.. خد دخلهولها على ما أروح أجيب الهدوم وأجي وراك على طول.
عمار أخد منها الصينية، ولف رجع الأوضة تاني ودخل لـ ليل.. حب يلطف الجو ويخفف عنها التوتر فابتسم واتكلم بضحك وهو بيحط الصينية قدامها..
= وآدي يا ستي الفطار كمان وصل لحد عندك.. فيروز جاية لك في الطريق دلوقتي عاوزك تاخدي دش دافي يفوقك كده وتفطري كويس عشان ننزل تحت سوا ونشوف الشيخ منصور.
في اللحظة دي دخلت عليهم فيروز الأوضة بابتسامتها الهادية.. وكانت شايلة الهدوم في إيدها قربت من السرير وقالت بحفاوة..
_ صباح الخير يا ليل.. طمنيني عنك عاملة إيه دلوقتي؟؟
ليل بصت لها.. ولأول مرة تبتسم ابتسامة خفيفة باهتة وردت بهدوء..
= الحمد لله كويسة.. معلش يا فيروز هتعبك معايا .
فيروز ضحكت من قلبها وقربت طبطبت عليها..
_ ياستي اتعبيني براحتك ومكيش دعوة .
عمار بص لـ ليل بنظرة أخيرة يطمنها بيه ولفت وخرج وسابهم مع بعض وهو بيدعي في سره إن اليوم ده يعدي على خير.واللقاء اللي تحت في الصالة يلم الشمل بجد من غير وجع جديد.
بعد فطار مر على الجميع في صمت تام ورهيب صمت مفيش فيه غير صوت الأفكار اللي بتطحن في عقول الكل.. ليل فطرت وخدت علاجها بمساعدة فيروز بقلم فاطمةشلبي وغيرت هدومها ونزلت تحت بخطوات هادية ومترددة .
الشيخ منصور كان قاعد في ركنه الهادي والمعتاد في المندرة..
دخلت عليه ليل بهدوء.. أول ما عينه جت عليها ولمح ملامحها ابتسم بابتسامة مليانة حنين..
ليل لقت رجليها بتاخدها ناحيته قربت وقعدت جنبه على الكنبة وفضلت ساكتة مش عارفة تنطق ولا تقول إيه.
الشيخ منصور بصلها وعينيه قرت كل التشتت والخوف اللي جوا قلبها قطع الصمت ده وقال بصوته الدافي والوقور..
_ متخافيش يا بنت سالم.. أنا عارف كل اللي بيدور في عقلك دلوقتي.
ليل رفعت عينيها وبصت له باستغراب ودهشة كأنه كان بيقرا كتاب مفتوح وهو كمل كلامه بنفس الصوت الهادي المطمئن..
_ عاوزة تعرفي أنا متقبلك وسطنا ولا لأ.. مش كده؟
أول ما قال الجملة دي ليل مقدرتش تمسك نفسها وحواجز الصمود اللي كانت عاملاها انهارت وعينيها اتملت دموع ..
الشيخ منصور..مال عليها وشدها لحضنه وطبطب على كتافها بحنان أب وجد وقال بنبرة هزت كيانها..
— مش هقبلكِ ازاي وأنتي حتة من روحي يا بنتي؟ أنتي غالية وبنت غالين على قلبي.. أنا سامحت أبوكي بس لأجل إنه ردلي روحي تاني لما جابك .
ليل وهي في حضنه لأول مرة تحس بأمان حقيقي من ساعة ما الكابوس ده بدأ وعرفت إن ورا الهيبة دي كلها قلب كبير هيحميها من الدنيا كلها.
_______________//________________//_______________
في جنينة البيت..
كان الهوا الصبح فيه نسمة برودة خفيفة.. عاصم وعمار كانوا قاعدين مع بعض الصمت كان تالتهم لحد ما عاصم قرر يقطعه وبص لـ عمار بتمعن ونظرة فاحصة وقال بنبرة هادية..
_ مالك يا ابن الجبالي.. حاسس عقلك فيه أمور مش واضحة ليا..!
عمار بصله وفضل السكوت وهو عينه سارحة في الأرض..
عاصم كمل بنفس النبرة الهادية وعينيه منزلتش من على وش عمار..
= هتعمل إيه مع ليل ؟؟
عمار رفع راسه وبص له باستغراب وعقد حواجبه..
_ هعمل إيه ازاي !!
عاصم أخد نفس طويل واتكلم بجدية كاملة ونبرة حاسمة كأنه بيحطه قدام الأمر الواقع..
= ناوي ترسى على إيه في الجوازة دي يا عمار ؟؟
عمار هنا فهم عاصم بيلمح لإيه بالظبط..قام وقف فجأة وعينيه وبص لـ عاصم بعصبية ..
_ أنت أكيد بتستهبل يا عاصم.! أنت بنفسك كنت واقف وسامع الدكتورة وهي بتقول إن ليل تعبانة وبلاش نعرضها لأي ضغط تاني الفترة دي.. أومال لو مكانتش أختك ومن دمك كنت عملت إيه؟! جاي دلوقتي تسألني عن أمور زي دي ؟؟
عاصم فهم اللي عاوز يوصله ومبينش على وشه ..وقف قدامه بثبات وقوة وحط إيديه في جيوبه وقال ببرود مصطنع..
= أنا مقولتش حاجة تستاهل العصبية دي كلها على فكرة.. أنا بسأل سؤال طبيعي من حقي كأخ.
عمار نفض إيده بزهق وضيق..وبص لـ عاصم بنظرة أخيرة وقال
_ عاصم.. أنا مش فايق لأي حاجة من الكلام ده دلوقتي.. أنا همشي.
ومن غير ما يستنى رد.. لف وشه وسابه وخرج من باب الجنينة والبيت كله ركب عربيته وطار بيها وهو حاسس إن في براكين وعواصف شغالين جوا دماغه..
خرجت ليل من المندرة بخطوات سريعة وراحت لـ سالم بلهفة الدنيا كلها ووقفت قدامه وعينيها بتلمع بدموع الفرحة.. سالم أول ما شافها مستناش ثانية واحدة وفتح لها دراعاته الإتنين على آخرهم بقلم فاطمةشلبي وفي ثانية رمت ليل نفسها في حضنه بكل قوتها ضمته ليها ولأول مرة في حياتها.. حست إنها أخيراً لقت ليها وجود وأمان حقيقي في الدنيا دي إن ليها ضهر وسند مش هيميل.
آمنة كانت واقفة من بعيد بتتابعهم.. ورغم الوجع اللي بينها وبين سالم إلا إن عينها كانت فرحانة بفرحة بنتها اللي رجعت لحضن أبوها.
ليل بعدت عن حضنه شوية وبصت لملامحه وقالت بنبرة مخنوقة بالدموع..
_ أنا كنت خايفة أعيش عمري كله بدور عليك ومش عارفة أوصلك يا بابا..
سالم رفـع إيديه وطبطب على وشها بحنية ومسح دموعها وقال بصوت مرتعش..
= وأنا بحمد ربنا إنه خلاني أقابلك وأضمك بعد العمر ده كله.. كنت خايف العمر يخلص وأنا معرفش طريقك ولا أموت قبل ما أشوف وشك .
ليل قطعت كلامه بسرعة وخوف وهي بتمسك إيده..
_ بعد الشر عنك يا حبيبي.. ربنا يخليك ليا ويمد في عمرك.
في اللحظة دي.. ليل لمحت آمنة واقفة ومركزة معاهم ومن غير أي تردد أو تفكير ليل سابت إيد أبوها وراحت قعدت قدام آمنة مباشرة بصلت لملامحها الأصيلة وقالت بصدق..
_ "أنا أسفة.."
آمنة بصت لها باستغراب ودهشة وسألتها..
= أسفة على إيه يا بنتي؟
ليل ردت بنبرة هادية ..
_ إني معرفتش أحضنك امبارح وأعبر لك أد إيه إني كنت محتاجة أم حنينة عليا زيك..
أول ما سمعت آمنة الكلمة وشها نور وضحكت وسحبت ليل لحضنها بسرعة وطبطبت على ضهرها بقوة وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت وقالت..
= تعرفي.. أنا من أول يوم شوفتك فيه حسيتك قريبة ليا وحتة مني ومكنتش عارفة ليه..
في وسط اللحظة الدافية دي.. دخل عاصم عليهم الصالة بخطواته السريعة وبص لهم بضحك وهزار عشان يفك المشهد المشحون بالدموع ده وقال..
= يا عيني على الحنية يا جماعة! بقا هتقلبوها أحضان وعياط من غيري؟ أنا برضه ابنكوا على فكرة!
ليل بعدت عن حضن آمنة وضحكت من قلبها على منظر عاصم.. وآمنة ردت عليه بسرعة وهي متبتة في ليل..
_ وإنت مالك إنت؟!!
عاصم حط إيده على صدره وعمل نفسه مصدوم ومظلوم..
= جرى إيه يا ست الكل؟ دلوقتي اتركنت أنا على الرف وبقيت تكميلة عدد؟ ماشي.. مقبولة منك بس البت ليل دي شكلها هتاكل الجو مني!
الكل ضحك في الصالة.. وسط الضحك ده كانت ليل عينيها بتلفت ناحية الباب بتدور على عمار ..!
بيمر اليوم بضحك وجو جميل وهادي خلقته ليل بوجودها وسطهم.. اندمجت مع عيلتها الحقيقية بطريقة حلوة ودخلت القلوب بسرعة.
لحد ما الليل ليل.. والضلمة فرشت سترها على سيناء والهدوء رجع يسيطر على المكان.
ليل كانت قاعدة وسط أبوها سالم وأمها آمنة وفيروز.. بس بالرغم من الدفا اللي حواليها كان بالها مشغول.. فجأة..عينها بدأت تدور في أنحاء الصالة وبصت ناحية البا بتدور على عمار اللي مظهرش من الصبح خالص ومحدش سمع صوته.
أول ما شافت عاصم داخل من باب البيت لوحده سألته بلهفة وقلق حاولت تداريه..
= أومال عمار فين يا عاصم ؟؟ مشفتوش من الصبح.. تقريباً فكرته معاك برا؟!!
عاصم بصلها..وافتكر خناقة الصبح وعصبية عمار لما سابه ومشي.. ورد بتلقائية وهدوء..
= لا.. عمار مكانش معايا هو خرج من بدري أوي من الجنينة.
ليل بصدمة
_ ولسه مجاش لحد دلوقتي ؟؟!
فيروز حست بقلق ليل فقالت لها عشان تطمنها..
= طيب رني عليه يا ليل شوفيه فين تلاقيه مشغول في حاجة
عاصم كمل كلامه وبرضه بنفس نبرة الهدوء بس ملامحه بدأت تقلق
= أنا رنيت عليه من شوية.. بس مردش عليا.
ليل قلبها انقبض..وسحبت تليفون فيروز بسرعة من جنبها وبدأت ترن هي عليه.. حطت التليفون على ودنها وهي بتسمع دقات قلبها بتعلو على صوت الرنين وفجأة الصدمة ظهرت على وشها.
بصت لعاصم بقلق وخوف حقيقي ونطقت بصوت مرتعش..
_ تليفونه مقفول يا عاصم..!!
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل العاشر 10 - بقلم فاطمة شلبي
رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل العاشر
بعد شوية من القلق والتفكير اللي كان هياكل عقلها.. ليل وقفت فجأة واتكلمت بنبرة ماليها الجدية واليقين..
_ عمار أكيد مراحش في مكان غريب.. عمار في بيته وأنا هروح أشوفه بنفسي.
عاصم أول ما سمعها..وقف في طريقها بسرعة وحط إيده على كتفها يحاول يمنعها..
= لا يا ليل متروحيش لوحدك دلوقتي والدنيا ليل.. وافرضي كمان مراحش هناك ومش موجود هتعملي إيه؟ استني الصبح وأنا هروح معاكي.
ليل بصت في عين أخوها بثبات..وقالت بنبرة قاطعة مفيش فيها مجال للنقاش..
_ أنا متأكدة إنه هناك يا عاصم.. أنا هروح لوحدي لو سمحت محدش ييجي معايا.
وسابته من غير ما تستنى منه رد.. وخرجت من البيت بخطوات سريعة وقلبها هو اللي بيمشيها ودليلها في الضلمة
وصلت بيت الجبالي.. وزي ما توقعت وقلبها حس.. لقت عربيته واقفة برا.. قربت بقلم فاطمةشلبي من عتبة البيت وتفاجأت إن باب البيت كان مفتوح لأول مرة..! كأن عمار كان عارف إنها هتيجي أو كأنه كان مستني جيتها بفارغ الصبر.
خطت لداخل البيت بهدوء.. وأول ما دخلت الصالة لقت عمار قاعد.. وكان محضر شنطة هدوم كبيرة جنبه على الأرض وحاطط كل حاجات ليل الشخصية لبسها وأغراضها اللي كانت معاها طول الشهرين اللي فاتوا قدامه على الترابيزة.
ليل وقفت مكانها.. وعينيها جت على الشنطة والحاجات.. وفي ثانية فهمت إن دي شنطة هدومها وحاجتها..
عمار حس بوجودها وبخطواتها الهادية رفع عينه ليها.. نظرته كانت ماليها الشوق والوجع في نفس الوقت اتنفس ببطء وقال بنبرة خافتة..
_ "كنت مراهن نفسي إنك هتيجي.."
ليل بصت له باستغراب ودهشة من قعدته وشنطتها وقالت بنبرة قلقانة..
= "في إيه يا عمار ؟؟"
عمار قام وقف وقرب منها بخطوات بطيئة..شاور بإيده على الشنطة والأغراض اللي قدامها وقال بهدوء..
_ أنا حضرت لكي حاجاتك كلها هنا في الشنطة دي.. تقدري تعيشي مع أهلك يا ليل خلاص مكانك الحقيقي رجع لك.
ليل مكانتش فاهمة إيه اللهجة الباردة والغريبة اللي بيتكلم بيها دي.. مكانتش مبسوطة باللي بيقوله.. سألته بقلق وخوف ظهر في عينيها..
= "هعيش معاهم.. لوحدي ؟؟"
عمار رد بسرعة وكأنه بيهرب من نظرة عينيها..
_ أكيد مش لوحدك.. كلهم جنبك وحواليكي يا ليل عيلتك الكبيرة، عاصم، وفيروز، والشيخ منصور.. وأنا كمان هبقى معاكي مش هختفي.
ليل لسه قلقها بيزيد.. سألته وعينيها متبتة في ملامحه..
= طيب ليه مشيت الصبح بالشكل ده وقفلت تليفونك؟!
رد بثبات وقوة مزيفة وهو بيحط إيديه في جيوبه..
_ عشان ده اللي المفروض يحصل.. والحمد لله أنا طريقي معاكي وصلتك فيه لأهلك واطمنت عليكي إنك في حمايتهم وفي أمان.
ليل بصت له بنفس الثبات ورغم دموعها اللي كانت هتخونها صمدت وقالت بوجع وعتاب..
= بس ده مكانش كلامك معايا.. قولت لي مش هتسيبني لوحدك وهتفضل في ضهري.. إيه اللي اتغير؟!
عمار اتنهد بزهق وضيق.. ولفت وشه عنها وقال بقسوة عشان ينهي الحوار..
_ طريقنا من الأول مكانش واحد يا ليل.. ومينفعش يبقى واحد! وخلاص أنا عملت اللي عليا ورجعتك لأهلك.. الحكاية خلصت لحد هنا خلاص!
الكلمات دي كانت كفيلة تفوق ليل وتصحي كبريائها المكسور.. فهمت كلامه سكتت لثواني طويل وهزت راسها بهدوء مريب مسح كل علامات الخوف من على وشها وبعدين نطقت بصوت تقيل ومبحوح..
= شكراً.. شكراً إنك وقفت جنبي وكنت ضهري في يوم من الأيام.. عن إذنك.
وقبل ما ينطق بكلمة ثانية..وطت سحبت أيد الشنطة ولفت وشها وخرجت بيها من باب البيت كله.. تحت نظرات عمار .
__________________//_____________//________________
ليل رجعت البيت تاني بخطوات تقيلة..شايلة في شنطة هدومها وجواها خيبة أمل جديدة عليها تماماً.. مكانتش قادرة تفهم إيه اللي مضايقها في الموضوع بالظبط ولا إيه اللي وجعها أكتر هل كلام عمار وجفاؤه؟ ولا فكرة إنه استغنى عنها بالسهولة دي أول ما لقت أهلها؟ عقلها كان مشوش وقلبها كان واجعها ورافض يستوعب.
دخلت الصالة وهي جارة حاجتها وراها أول ما شافتها آمنة قربت عليها بلهفة وقلق ..
_ طمنيني يا بنتي.. خير إيه اللي حصل ؟؟
فيروز هي كمان سألتها بقلق وعينيها على الشنطة..
_ لقيتي عمار يا ليل؟!
ليل هزت راسها بهدوء مريب وثبات مصطنع..
= أيوه لقيته.. كان بيجهز لي حاجتي وهدومي في الشنطة دي عشان آجي أعيش هنا.
عاصم اللي كان متابع ملامح أخته بدقة.. سألها باستغراب..
_ طيب وهو مجاش معاكي ليه؟!!
ليل ردت بهدوء تام ونبرة قاطعة قفلت بيها أي نقاش..
= لا.. ومش هييجي.. عن إذنكم هطلع أوضتي أرتب حاجتي.
سحبت الشنطة وطلعت السلم بخطوات هادية وسابت وراها الصالة مقلوبة بقلم فاطمةشلبي بعلامات الاستفهام..سالم بص لـ عاصم بنظرة ماليها الغموض والشك وسأله بصوت واطي..
_ فهمت حاجة يا عاصم من اللي حصل ده؟؟
عاصم بص لأبوه بعدم فهم وهز راسه وقال بقلة حيلة..
= لأ ما فهمتش.. بس واضح ومؤكد إن في حاجة تقيلة حصلت بينهم في بيت الجبالي.
هنا تدخل الشيخ منصور وقال بهدوءه المعتاد
_ كل واحد يروح يشوف هيعمل إيه خلاص.. سيبوا ليل في حالها تستريح شوية..البنت مش حمل كلام.
عاصم اتنهد وأخد فيروز في إيدها وطلعوا على أوضتهم فوق.. والشيخ منصور بص لـ آمنة وقالها عشان يفض القعدة..
_ تعالي يا آمنة معايا عشان تديني علاجي.
آمنة مشيت مع الشيخ منصور وعينها وقلبها فوق مع بنتها اللي حاسة بوجعها..
في أوضة الشيخ منصور..
منصور كان قاعد على سريره وعينيه كانت بتراقب آمنة اللي واقفة وسرحانة تماماً..ملامحها شايلة هموم تهد جبال وعينيها باصة للفراغ.
منصور بصلها بنظرة دافية وقطع السكوت وسألها بهدوء ..
_ مالك يا بنت أخويا.. خير..! في إيه شاغل بالك؟!
آمنة انتبهت لصوته..واتنهدت بتقل ورتبت ملامحها وهزت راسها بهدوء..
= مفيش حاجة يا عمي.. قلقانة على ليل بس خايفة ليكون في حاجة تانية مكسورة جواها.
منصور رد عليها بنبرة كلها ثقة ويقين..
_ متقلقيش واطمني.. أنا واثق إنها هتبقى كويسة وبنت أصول وهتقف على رجلها بس ساعديها أنتي..بس أنا هنا بتكلم عنك أنتي يا آمنة.
آمنة بصت له بعدم فهم واستغراب وحطت إيدها على صدرها..
= عني أنا ازاي يا عمي؟ مالي ما أنا كويسة وزي الفل قدامك أهو.
الشيخ منصور بصلها بأسف حقيقي ونظرة ماليها العتاب على الزمن اللي جار عليها.. وقال بصوت حنين..
_ حاسس إني بزود عليكي همك وتعبك.. بوجود سالم هنا في البيت بعد كل السنين دي.
آمنة أول ما سمعت اسم سالم سكتت تماماً.. الكلام وقف في زورها وعينيها هربت من نظرات عمها
منصور شاف سكوتها فكمل كلامه بهدوء وحسم عشان يريح قلبها..
_ لو مش عاوزة وجوده في البيت يا آمنة ومسبب لكس ضيق أو قوليلي بس كلمة واحدة وأنا أمشيه من هنا فوراً رضاكي عندي بالدنيا.
آمنة رفضت بسرعة ولهفة من غير ما تفكر ورفعت عينيها لعمها..
= لا يا عمي.. أبداً.. بلاش تمشيه.
الشيخ منصور ابتسم ابتسامة خفيفة وودودة.. وسند على عصايته وقالها بخبث الشيوخ..
_ طيب.. أفهم من كده إيه يا بنت أخويا؟!
آمنة ردت بتردد والدموع لمعت في عينيها بصعوبة..
= مفيش حاجة يا عمي.. كل الحكاية إني مش عاوزة ولادي يتِحرموا من أبوهم تاني كفاية السنين اللي ضاعت من عمرهم وعمرنا في البعد .. أنا قادرة أستحمل عشانهم.
منصور هز راسه بتفهم وإعجاب بأصلها وقالها..
_ وأنا كمان سامحته ودخلته بيتي عشان كده.. وعشان خاطر ليل وعاصم...بس افتكري يا آمنة.. لو فضل مزعلك أنا هرجع في كلامي معاه ومالوش قعاد وسطنا.
آمنة ردت بهدوء ورضا وهي بتنسحب بخطواتها..
— "اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا عمي.. عن إذنك."
وقامت خرجت من الأوضة.
_________________//______________//________________
بيمر شهر كامل..
شهر بحاله عدا على الأبطال.. والكل بيحاول يتعايش مع الواقع الجديد...عمار كان دافن نفسه بالكامل في الشغل النادي.. والتدريبات.. كان بيطحن نفسه في الجري والرياضة عشان يهرب من شكل عينيها الدبلانة وصوتها وهي بتقوله
"شكراً إنك وقفت جنبي".
عمار كان قاطع رجله عن بيت آل منصور تماماً ومبيشوفش عاصم وفيروز غير في بيته أو في النادي وبس.. ومبيجيبش سيرتها بكلمة بس عينيه كانت بتفضح شوقه في كل مرة بيلمح فيها عاصم.
أما عند ليل.. فمكانتش بتخرج كتير من البيت قفلت على نفسها وحصرت وقتها كله مع جدها الشيخ منصور معظم الوقت بتسمع لكلامه وحكاويه اللي بتطمن قلبها المشوش.. سالم من ناحيته كان دايماً بيحاول بشتى الطرق يرجع حبال الود والوصل بينه وبين أبوه منصور و آمنة.. الشيخ منصور بقلب الأب صفي لابنه ومال له تاني لكن مشوار سالم مع آمنة كان لسه مكملش.
وفي يوم.. كان عاصم قاعد مع عمار في إسطبل الخيل الخاص بالنادي..
الجو كان هادي وصوت صهيل الخيل مغطي على المكان..بس "جموح" (حصان ليل) بقلم فاطمةشلبي كان باين عليه الزعل والهم واقف مش طايق حد يقرب منه..ورافض تماماً إن أي فارس تاني يقوده خلاف ليل.. كان بيهيج ويرفص بقوة والوحيد اللي كان مستسلم له وبيتجاوب معاه بهدوء هو عمار.
عاصم كان ساند ضهره على الخشب.. وباصص على عمار وهو بيطبطب على رقبة الحصان وبيهديه فابتسم وسأله بنبرة هادية..
_ مش ملاحظ إن حصان ليل عنيد زيها بالظبط يا عمار؟!
عمار رد من غير ما يلتفت له.. وعينيه سارحة في عيون الحصان وبيمسح على شعره بحنان..
= وليه ميبقاش أصيل.. أو وحشه القائد بتاعه مش أكتر؟!
عاصم بص لـ عمار بتمعن.. ولقى إن عمار هو الشخص الوحيد في المكان كله اللي "جموح" مش بيتعانف معاه ولا بيرفض لمسته كأن الحصان حاسس بريحة صاحبته في إيد ابن الجبالي.
عاصم ضحك ضحكة خفيفة ماليها المكر ..
= أي حاجة من ريحة الحبايب بقا.. بتصبر!
عمار بصله فجأة وانتبه لكلامه.. عقد حواجبه بضيق مصطنع وقال بصوت عالي ..
= نعم ؟؟ قصدك إيه وبتلمح لإيه بالظبط؟ مش فاهمك يا عاصم.
عاصم قام وقف ونفض الهدوم من التراب وبص لصاحبه بابتسامة مرسومة بذكاء وقال..
= ولا حاجة يا صاحبي.. ركز بس في اللي بتعمله أنا رايح أشوف شغلي عندي تدريب .
وسابه وخرج من الإسطبل بخطوات هادية وساب وراها عمار واقف مكانه ساند راسه على جسم "جموح" وهو سارح في أفكاره
كانت جامعة فيروز بدأت وبقت تروح وتيجي هلكانة حرفياً بين المحاضرات والمذاكرة والطريق..ليل مكانتش بتسيبها كانت دايماً بتساعدها هي وأمها آمنة في شغل البيت عشان يخففوا عنها التعب.. وفي وسط ده بقلم فاطمةشلبي كله ليل مكانتش بتقطع اتصالها بـ فريدة صاحبة عمرها اللي فرحت من كل قلبها باستقرار ليل وأخيراً لقت عيلتها..ووعدتها إنها جاية سيناء تزورها قريب جداً عشان تطمن عليها بنفسها.
وفي يوم.. كان سالم راجع من شغله.. والجو كان حر نار ..دخل البيت بخطوات مجهدة وتقيلة.. ومكانش في حد في الصالة خالص.. فيروز كانت في الجامعة.. وعاصم وليل خرجوا سوا بالعربية عشان يجيبوا طلبات ومستلزمات للبيت والشيخ منصور كالعادة قاعد في هدوء المندرة.. مكانش فيه في البيت جوا إلا آمنة.
آمنة سمعت صوت الباب الخارجي.. فخرجت من المطبخ تشوف مين اللي وصل بدري كده..! أول ما خطت في الصالة لقت سالم.
كان نايم على الكنبة.. مرجع راسه لورا ومغمض عينيه وملامحه كانت مجهدة وشاحبة بشكل يقلق والنفس طالع منه بصعوبة
نسيت آمنة كل العتاب والخصام وبصت له بقلق وخوف حقيقي ظهر في نبرة صوتها..
_ سالم.. مالك؟ أنت كويس؟ فيك إيه؟
سالم فتح عينيه بتعب شديد وبص لها بنظرة باهتة ورد بصوت مبحوح..
= لا.. مفيش حاجة شوية تعب وإرهاق بسيط من الشمس تقريبا مش أكتر.. هبقى تمام.
سند بإيديه على الكنبة وقام عشان يروح أوضته يستريح بس أول ما وقف على رجليه الدنيا لفت بيه.. وخطواته خانته وتوازنه اختل وكان هيقع على الأرض..
آمنة صرخت بخوف ..وتحركت بسرعة وسندته بكل قوتها قبل ما يقع ..وحطت دراعه حوالين كتفها وقالت بنبرة كلها قلق ..
= كويس فين بس وأنت مش قادر تقف على رجلك؟! ده أنت مش قادر تمشي خطوتين على بعض يا سالم!
سالم بصلها وهو ساند عليها وحس بدقات قلبها الخايفة عليه.. فقال بصعوبة..
_ محتاج أستريح شوية بس.. هروح الأوضة وهبقى تمام متقلقيش.
آمنة من غير أي تردد ولا تفكير.. شددت من مسكتها ليه وقالت بحسم..
= طيب تعالى.. هوديك أنا..
وبخطوات بطيئة وتقيلة.. أمنة أخدته أوضتها مساعدة آمنة اللي كان ظاهر بقلم فاطمةشلبي عليها القلق والرعب بشكل كبير عينيها كانت بتتحرك عليه بخوف كأنها خايفة يسيبها تاني بس المرة دي مش هجر.. المرة دي تعب ومرض.
آمنة ساعدته يمدد على السرير براحة.. وغطته بحنانها الفطري اللي عجزت الأيام تغيره.. ولما اطمنت إنه ارتاح لفت وشها وجت تخرج بسرعة عشان تروح المطبخ تعمل له حاجة دافية أو تجيب له حاجة تقويه .
في اللحظة دي نده عليها بصوت.. مبحوح ضعيف ومليان تعب وشوق...
= "استني يا آمنة.."
آمنة وقفت مكانها.. ولفت له بانتباه وعينيها بتتحرك عليه بقلق..
_ محتاج حاجة تانية يا سالم؟!
سالم بص لها لثواني.. وعينيه الدبلانة من التعب بدأت تلمع بنظرة صافية نظرة كلها حب ندم ورجاء.. نظرة عاشت آمنة عمرها كله بتتمنى تشوفها تاني.. اتنفس ببطء وقال بنبرة هادية وراجية لمست أعمق حتة في قلبها..
= "لو مش هتعبك.. خليكي جنبي."
آمنة اتـسمرت مكانها..لقت رجليها بتاخدها وتتحرك ناحية السرير تاني من غير إرادتها وقعدت على طرف السرير ..وعينيها متثبتة في وشه وعاجزة عن الكلام.. بس دموعها الخايفة عليه كانت بتقول كل حاجة.
سالم ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة مليانة راحة أول ما لقاها قعدت جنبه.. ومد إيده وحطها فوق إيدها وغمض عينيه وهو حاسس إن روحه أخيراً ردت فيه.. وإن التعب ده كان أحسن حاجة حصلت له عشان يرجع آمنة لحضنه تاني.
_______________//________________//_______________
آمنة بصت لإيده التعبانة اللي ماسكة إيدها بتمسك رهيب كأنها طوق النجاة اللي اتعلق بيه بعد سنين من الغرق .. نظرها كان مثبت عليه لاقت البهتان والتعب بدأ يختفي بالتدريج وحل مكانهم راحة وهدوء غريب أول ما حس بأمان وجودها جمبه وسندة إيدها ليه.
المرارة والوجع اللي في قلب آمنة دابوا في ثانية قدام ضعفه وحبه ليها ومقدرتش تمنع نفسها.. ابتسمت ابتسامة هادية وصافية من بين دموعها وقلقها عليه وسابت إيدها مستسلمة جوا كفه وقررت في اللحظة دي إنها مش هتسيبه.
آمنة من كتر تعبها وهلكة اليوم والحر غلبها النوم وهي قاعدة.. مالت براسها ونامت جنبه براحة وهدوء على طرف السرير.
في الوقت ده..
كانت ليل وعاصم وصلوا البيت ومعاهم الطلبات.. ليل دخلت المطبخ بخطوات خفيفة تدور على أمها عشان تساعده بس ملقتهاش فخرجت للصالة وقالت لعاصم فرد عليها بمرح..
_ تلقيها في أوضتها فوق اطلعي شوفيها.
ليل هزت راسها وطلعت السلم بهدوء... راحت ناحية الأوضة وفتحت الباب ببطء شديد عشان متصحهاش لو كانت نايمة.. بس أول ما الباب اتفتح لقت بقلم فاطمةشلبي المنظر اللي دخل قلبها ونوّر عينيها.. أمها نايمة على طرف السرير جنب أبوها وإيديهم في إيد بعض وملامحهم هادية وصافية..
ليل محبتش تعمل أي صوت يفسد اللحظة دي فانسحبت في ثانية وقفلت الباب براحة .
نزلت السلم بخطوات سريعة وهي مبتسمة ابتسامة عريضة من قلبها...أول ما شافها عاصم.. سألها بمرح وهو بيشيل الطلبات..
_ مالك بتضحكي على إيه كده؟ لقيتي ماما؟!
ردت ليل بضحكة صافية ماليها الفرحة..
= أيوه لقيتها.. بس نايمة شوية.
عاصم استغرب وبص في ساعته.. وقال بعقدة حاجب..
_ نايمة الساعة ٤ العصر ازاي؟! هي تعبانة ولا إيه؟ هروح أشوفها واطمن عليها.
ليل وقفته بسرعة وحطت إيدها على دراعه تمنعه..
= لا استنى بلاش تطلع دلوقتي خالص.. أصل...
عاصم سألها بعدم فهم..
_ أصل إيه مش فاهم؟ خضيتيني في إيه؟
ليل ردت بنبرة هادية ودافية..
= بابا فوق.. وتقريباً كان جاي تعبان من شغله وماما فضلت جنبه لحد ما نامت هي كمان.. بلاش تطلع تقلقهم وتسيبهم براحتهم.
عاصم فهم اللعبة وضحك ضحكة عالية من قلبه وقال بغمز..
_ اممممم.. عشان كده نازلة مبسوطة والضحكة من الودن للودن!
ليل هزت راسها بأمل كبير..واللمعة رجعت لـ عينيها تاني وقالت بصوت ماليها الرجاء..
= نفسي يا عاصم ميبقاش في أي حاجة معكرة علينا حياتنا تاني.. أنا ما صدقت لقيت بيت وأمان أعيش فيه وسطكم.. عاوزة بابا وماما الأمور تبقى كويسة بينهم والماضي ده يتمسح خالص.
عاصم اتقلب ملامحه للحنان..وضحك على كلامها وطبطب على كتفها بحب أخوي كبير.. وفجأة افتكر الساعة وصرخ بخضة ومرح..
_ يا خبر!.. كده هتأخر على فيروز جداً زمانها واقفة مستنياني وممكن تاكلني! هروح أجيبها من الجامعة بسرعة وأجيلك.. سلام!
وجري على برا يلحق مراته.. وساب ليل واقفة في الصالة لوحدها بس المرة دي الابتسامة مفارقتش وشها.. والأمل بدأ يدب في قلبها من جديد.
عاصم طار بعربيته على الجامعة عشان يلحق فيروز.. وهو راجع بيها في الطريق..عينيه لقطت وش مألوف واقف على جنب جارة شنطتها.. كانت فريدة!
عاصم فرمل بسرعة ووقف على جنب ونزل هو وفيروز يسلموا عليها بحفاوة وترحيب كبير.. فريدة ضحكت وقالت لهم إنها لسه واصلة سيناء حالاً..وكانت ناوية تروح لهم من غير ما تقول عشان تعمل لـ ليل مفاجأة..
عاصم ضحك وقالها بترحاب..
_ خلاص يا ستي، ملوش لزمة التعب ده كله تعالي في طريقنا يلا اركبي معانا .
وفعلاً.. ركبت فريدة معاهم.. وخلال دقايق وصلوا البيت.
في الوقت ده.. ليل كانت واقفة في المطبخ بخفة.. بتجهز الغداء للكل بنفس صافية..والابتسامة لسه على وشها فجأة سمعت صوت حركة برا ودخول عربية عاصم.
عاصم دخل الصالة هو وفيروز وفريدة وحب يعمل جو وهو بينده على ليل من المطبخ..
_ يا ليل.. يا ليل اخرجي بسرعة! أنا عامل ليكي مفاجأة هتقلب يومك كله!
ليل مسحت إيدها في الفوطة وخرجت بسرعة من المطبخ وهي مستغربة.. وأول ما خطت في الصالة شافت فريدة واقفة بتبتسم لها..!
في ثانية..ليل حست بفرحة كبيرة أوي ومن غير أي تردد جريت عليها بكل قوتها ورمت نفسها في حضنها..وضمتها بشوق كبير أوي واحتياج لصاحبة عمرها اللي وحشتها.. الحضن ده كان فيه شكوى من غير كلام وفرحة باللقاء بعد كل الوجع اللي عاشته ليل الشهر اللي فات.
فيروز وعاصم كانوا واقفين بيبصوا عليهم وفرحانين جداً بالفرحة اللي نورت وش ليل من جديد .
__________________//_________________//____________
خيوط المغربية الهادية بدأت تدخل من الشباك.. آمنة فتحت عينيها ببطء.. واتفاجأت إنها نامت على طرف السرير جنب سالم لسه بتتسحب براحة عشان تقوم.. حس سالم بحركتها وفتح عينيه.
ملامحه كانت رايقة وأحسن بكتير وبص لإيدها اللي بتتسحب من إيده ولقى إن دي الفرصة اللي مستنيها بقاله شهر ومينفعش يضيعها من إيده تاني تحت أي ظرف.
سالم قعد على السرير بسرعة وثبت نظراته في عينيها وقال بنبرة ماليها الإصرار والجدية..
_ أحنا لازم نتكلم يا آمنة.. ومينفعش نأجل الكلام ده دقيقة واحدة تانية.
آمنة بصت له ولقيت في عينيه نظرة قوية وصادقة هزت قلبها.. ولأول مرة من ساعة ما رجع تستسلم وتوافقه.. سكتت وقعدت مكانها وهي مستنية تسمعه.
سالم أخذ نفس عميق وقرب منها واتكلم بصوت دافي طالع من أعماق قلبه..
_ أنا عارف إني ظلمتك زمان..وجيت عليكي كتير.. بس برضا أبويا أو من غير رضاه..أنتي غالية عندي أوي يا آمنة..أنتي مش بس بنت عمي وأم عيالي ومراتي.. أنتي..الست الوحيدة اللي دخلت قلبي وعاشت فيه..بس غلطتي الكبيرة.. وعمايا.. إن مكانش في إيدي أعرف قيمتك ولا أصون الجوهرة اللي معايا.. أنا أسف على كل ليلة نمتي فيها ودموعك على خدك بسببي.
الكلمات دي نزلت على جروح آمنة الحية زي البلسم.. مشاعرها غصب عنها خانتها وقوتها انهارت..وملقتش نفسها غير وهي بتعيط بدموع حرقة وقهر السنين اللي فاتت كلها.
سالم أول ما شاف منظر دموعها اتخض عليها بجد.. وقلبه وجعه.. وبتلقائية ومن غير ما يفكر..مد دراعاته الإتنين وأخدها في حضنه وقفل عليها بكل قوته كأنه بيخبيها من الدنيا جوا ضلوعه.
آمنة في اللحظة دي نسيت كل الخصام..استسلمت لدفا حضنه اللي وحشها ومدت إيدها هي كمان وحاوطته وبكت في صدره..
سالم ابتسم بفرحة الدنيا كلها وأخيراً حس إن روحه رجعت لجسده والبيت اتفتح له بجد.. مال على ودنها وهمس بصوت مرتعش ودافي
= وحشتيني.. وحشتيني أوي يا أم عاصم..
نزلوا هما الإتنين تحت للصالة بخطوات هادية وملامحهم كانت منورة والابتسامة الرايقة مرسومة على وشوشهم وباين عليهم التصافي والراحة بعد عمر من الجفاء.
الشيخ منصور كان قاعد في المندرة وباصص عليهم من بعيد.. وأول ما لمح شكلهم وهما نازلين سوا ومبسوطين.. اتنفس براحة كبيرة وابتسم بقلم فاطمةشلبي بقلب الأب لللي ارتاح من جواه وأخيراً اطمن إن مركب عيلته هترسى على بر الأمان وهيبته وعيلته رجعوا يلمعوا تاني وسط البلد.
بعد ما قعدوا كلهم على السفرة في جو ماليها الدفا لأول مرة.. واتغدوا سوا في لمة عيلة تفتح النفس البنات استأذنوا وقاموا يقعدوا مع بعض في الجنينة برا وسط الخضرة والهواء الرايق.. فيروز، وليل، وفريدة.
فريدة وليل كانوا قاعدين بيتكلموا ويضحكوا بيعوضوا الأيام اللي فاتت..وفي الوقت ده جت فيروز وفي إيديها أطباق كيكة شكلها يفتح النفس.. فريدة أول ما شمت ريحتها اتكلمت بلهفة وسعادة..
_ امممم.. ريحتها تحفة يا فيروز..! تسلم إيدك بجد باين عليها خطيرة.
ليل.. بتشجيع وفخر بيها..
= فيروز نفسها حلو أوي في الأكل والحلويات يا فريدة..رغم إن سنها لسه صغير.. ده أنا ساعات بقف وأتعلم منها.
فيروز حطت الأطباق وقعدت جنبهم وهي بتضحك بكسوف من كلامهم..
_ كتير أوي الكلام ده يا بنات والله.. ده أنا على قدي وبجرب فيكم مش أكتر!
فريدة مالت عليها وسألتها باهتمام..
= صحيح يا فيروز.. أخبارك إيه في الدراسة والجامعة؟!
فيروز اتنهدت بزهق وتعب طفولي..
_ متعبة أوي.. مكنتش أعرف إن هندسة بالصعوبة دي المذاكرة واللوحات مبيخلصوش!
ليل بصت لها بمشاكسة وغمزة..
= أومال أنتي كنتي مفكرة إيه يا لمضة؟ باشمهندسة قد الدنيا يعني تعب وسهر..معروفة..!
فيروز ضحكت من قلبها أول ما سمعت الكلمة وعينيها لمعت بذكرياتها وقالت بتلقائية..
= لمضة دي.. عمار دايماً بيقولها ليا لما بفضل أجادل معاه.
ليل أول ما سمعت سيرة عمار الضحكة هديت على وشها وسكتت لثواني الشوق حركها من غير ما تحس فبصت لـ فيروز وسألتها بهدوء ونبرة فضولية..
_ صحيح يا فيروز.. كنتوا عايشين ازاي أنتي وعمار طول السنين اللي فاتت لوحدكم؟!
فيروز ابتسمت ابتسامة دافية مليانة فخر بأخوها.. وعينيها حنت للمواقف اللي بينهم وقالت..
= أنا عمار مش بس أخويا يا ليل.. عمار ده أبويا وصاحبي وكل حاجة ليا في الدنيا دي.
فريدة اتنهدت بحب وتأثر من كلامها وقالت بخفة دمها المعتادة
_ يا سيدي يا سيدي.. بتقولي شعر في ابن الجبالي يا ست فيروز! حقك والله.
فيروز اتكسفت بس كملت بجدية وعينين مدمعة من الامتنان..
= دي الحقيقة.. عمار من صغره وهو شايل همي ومسؤوليتي.. من وقت ما بابا وماما عملوا الحادثة وسابونا.. وهو شغال وتعبان مع الشيخ منصور عشان ميزعلنيش ولا يخليني محتاجة أي حاجة في الدنيا.. كبّرني وعلمني وبقى ضهري.
ليل سمعت الكلام.. وابتسمت ابتسامة خفيفة وصافية.. وحست بفخر كبير أوي مالى قلبها من جوا ..
_________________//________________//______________
وفي نفس الوقت.. جوا البيت كان مشهد عاصم وسالم في الصالة ماليها الراحة..
سالم كان قاعد على الكنبة بيشرب كباية الشاي بمزاج رايق وعاصم كان قاعد قدامه وباصص له بنظرة فيها غموض ومكر..
سالم خد بوق من الشاي ولمح نظرات ابنه فقال له بضحكة خفيفة وعقدة حاجب..
_ مالك يا واد بتبص لي كده ليه؟ في إيه في وشي؟!
عاصم ضحك بصوت عالي وقال بمشاكسة..
= مفيش يا حاج.. بس حاسك كده النهاردة مزاجك في العالي والروقان باين عليك.
سالم بصله بنظرة كلها انتصار.. نظرة راجل رجع له بيته وروحه بعد طول غياب.. وقال بنبرة دافية..
_ عشان لأول مرة في حياتي كلها أحس إني صح يا عاصم.. وإني في مكاني الحقيقي وسطكم.
في اللحظة دي دخلت عليهم آمنة الصالة بخطواتها الهادية وكانت شايلة طبق فيه كيكة من اللي فيروز عملتها وبصت لهم بشك
_ بتتكلموا في إيه من ورايا ومن غيري؟!
عاصم اتعدل في قعدته وقال بسرعة ومكر وهو بيبص لأبوه..
= ولا حاجة يا ست الكل.. أصل الحاج كان لسه بيقولي إن نفس آمنة في الأكل ملوش مثيل ..
آمنة عرفت فوراً إن عاصم بيكدب .. لأنها أصلاً مكانتش في المطبخ ومطبختش ..قربت منه وضربته خبطة خفيفة على كتفه وهي بتضحك...
_ يا بكاش!.. دي أختك هي اللي عاملة الأكل ..بتضحك عليا وفاكرني عبيطة ومش هفهمك؟
عاصم قام وقف بسرعة وهو بيضحك ورافع إيديه بالاستسلام..
= خلاص يا ستي.. أنا هقوم من هنا فوراً وأمشي عشان مطلعش كداب وكمان بقلم فاطمةشلبي عزول بين الأحباب!.. أسيبكم بقا على راحتكم..وسابهم وهو بيضحك ومبسوط بالروح الجديدة اللي دخلت بيتهم.. وسالم وآمنة بصوا لبعض بابتسامة رايقة ماليها الرضا.
الشيخ منصور كان قاعد في المندرة..عينه على الصالة وجوه البيت الرايق.. ولمح عاصم وهو خارج برا ومبتسم ومبسوط باللمة.. نده عليه ..
_ عاصم.. تعالى يا ولدي هنا.
عاصم سمع صوت جده فغير اتجاهه وراحله المندرة بخطوات هادية وقعد قدامه على الكرسي باحترام وسأله..
= خير يا جدي؟؟ في حاجة ..!
منصور اتنهد.. وعدل قعدته وبص لـ عاصم بملامح جدية وحاسمة جداً واتكلم بصوته الرزين..
_ إحنا الحمد لله أمورنا بقت كويسة زي ما أنا شايف وأبوك وأمك حبال الود رجعت بينهم والبيت اتلم.. بس أنا حال أختك ليل مش عاجبني يا عاصم.
عاصم قطب حواجبه بعدم فهم وقلق..
= مالها ليل يا جدي؟ هي اشتكت لك من حاجة؟ حد في البيت زعلها؟!
منصور بصله وقال..
_ يا ابني هي مشتكتش.. وعزة نفسها مخلياها ساكتة وبلعة وجعها.. بس جوازتها دي مينفعش تفضل متعلقة كده... عمار بقاله شهر كامل قاطع رجله..والبيت اللي تطلع منه لازم تطلع مكرمة ومتستناش لما حد يستغنى عنها.
عاصم فهم قصد جده واللهجة اللي بيتكلم فيها ونزل عينه الأرض بقلة حيلة ووجع على حال أخته..وبصلُه بيأس..
هنا نطق الشيخ منصور بأمر حاسم ..
_ كلم عمار يطلق ليل يا عاصم.. وكل حي يروح لحاله!
عاصم اتـسمر في مكانه..وعينيه اتسعت من الصدمة والكلمة نزلت عليه زي الصاعقة..ورد بصوت مشحون بالذهول..
= يطلقها؟! يطلقها ازاي ياجدي بعد كل ده .
منصور بتأكيد..
_ زي ما سمعت.. أختك متفضلش معلقة على ذمة راجل مش عاوز يخطو خطوة ناحيتها.. كلمه وبلّغه بكلمتي وخليه ييجي ينهي الموضوع ده فوراً..!