مرّت تلك الليلة ثقيلة كالجبال على قصر آل المنشاوي. لم تذق “شهد” طعم النوم؛ كانت تجلس في غرفتها البسيطة تنظر إلى الفراغ والدموع تجف على وجنتيها لتترك خلفها خطوطاً من القهر والانكسار. كانت تتساءل في سِرها: “كيف تحولت في أسبوع واحد من ابنة عزيزة مكرمة في بيت والدها، إلى متهمة في شرفها، ومجبرة على زواج لا تعلم عنه شيئاً؟”
ومع أول خيوط الفجر، كانت الحركة تدب في البهو السفلي للقصر. أحضر الحاج كمال المأذون سراً ليلاً ليضمن عدم خروج القصة خارج أسوار القصر، وجلس في انتظاره.
على الجانب الآخر، في الجناح العلوي الفخم، بدأ “عمر” يفتح عينيه الحمراوين بصعوبة شديدة. شعر برأسه كأنه سينفجر من أثر الصداع الفظيع بعد ليلة أمس الحافلة بالغضب والخمر بسبب خسارته لصفقة العمر. حاول الالتفات، ليجد والده الحاج كمال واقفاً فوق رأسه بملامحه الصارمة التي لا تبشر بالخير أبداً.
رمى الحاج كمال دفتر الأوراق وقلم المأذون أمام عمر على السرير وقال بجفاء وقسوة:
“امضي هنا يا عمر.. امضي وخلصنا من واعر الحديث!”
نظر عمر إلى الأوراق بجفونه الثقيلة، وما إن وقعت عيناه على خانة الزوجة ورأى اسم “شهد بنت عمه”، حتى انتفض واقفاً في مكانه كالأسد الجريح، وصرخ بصوت أجش غاضب:
“جواز إيه ده يا بوي؟! كيف عاد أتجوز البنت دي ومن وراي وأنا مش في وعيي؟! أنت خابر زين إني مش رادد للجواز واصل، وعندي تلات حريم في القصر!”
ضرب الحاج كمال بعصاه الخشبية العريضة على الأرض الرخامية بقوة أحدثت صوتاً هز أركان الغرفة، وصاح في وجه ابنه مهدداً:
“علشان تحمي السيرة اللي كنت هتنزلها الأرض ليلة إمبارح يا بن المنشاوي! أنت دخلت سكران طينة وضيعت صفقة الملايين، وكنت ه تضيع شرف بنت عمك اليتيمة اللي ملهاش سند واصل غيرنا! الحريم كلهم شافوك في حضنها، وفريدة كانت هتقطع شعر البنت وتفضحنا وسط البلد والخدم! الجوازة دي هتم حالاُ ورجلك فوق رقبتك، عشان أخرس ألسنة الحريم دي، وعشان البنت دي تفضل مصونة في بيتي!”
شعر عمر بإهانة بالغة لكبريائه؛ هو الرجل الذي تهابه الأسواق، يجد نفسه مجبراً على الزواج من فتاة ريفية بسيطة لا يرى فيها سوى عبء جديد وسبب في فضيحته أمام زوجاته. وقع عمر على الأوراق بعصبية شديدة، وضغط بالقلم لدرجة أنه كاد يثقب الورق من كثرة غيظه وغلّه، ثم رمى القلم من يده بعنف.
أعلن المأذون جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، لتبدأ رسمياً حياة شهد كـ “الزوجة الرابعة”.. زوجة على ورق محترق بنيران الغضب.
بمجرد خروج المأذون، انفتحت أبواب الجحيم في القصر. كانت الزوجات الثلاث (فريدة، ونادين، ويسرا) يقفن أعلى الدرج يرمقن شهد المتواجدة في البهو بنظرات حاقدة تقطر سماً. فريدة، الزوجة الأولى ذات الحسب والنسب، بدأت تصفق ببرود شديد وسخرية لاذعة وهي تنزل الدرج وتتجه نحو شهد:
“ألف مبروك يا ست العرايس.. يا محاسن الصدف، أهو نلتي المراد وبقيتي ست البيت في أسبوع واحد! دخلتي القصر بشنطة هدوم مقطعة، ودلوقتي بقيتي هانم وليكي نصيب في جوزنا!”
لم تنطق شهد بكلمة، بل انكمشت على نفسها وضمت ذراعيها لجسدها وهي تبكي بصمت مرير. وفي تلك اللحظة بالذات، خرج عمر من غرفته بكامل أناقته الرسمية وعصبيته المعهودة، ونظر إلى شهد الجالسة بنظرات باردة وقاسية كالثلج، وقال بصوت جهوري مسموع اهتزت له القلوب:
“اسمعي يا بنت الناس.. الجوازة دي على الورق وبس، وعشان خاطر أبويا والحفاظ على السمعة. إياكِ تفتكري إنك بقيتي زوجة بجد، أو إن مكاني ومكانتك هيكونوا واحد.. أنتِ هنا في القصر ده مجرد ‘أمانة’ لحد ما أشوف لك صرفة وأخلص من الورطة دي، ورجلك متبعتش برة غرفتك الأرضية، وملمحش طيفك في طريقي واصل!”
تركها عمر وخرج من القصر بعصبية مفرطة، ضارباً الباب الحديدي الضخم خلفه بقوة تسببت في ارتعاد جسد شهد. التفتت شهد حولها لتجد نفسها وحيدة تماماً، وسط نظرات الشماتة والتشفي والوعيد من الزوجات الثلاث اللواتي بدأن يبتسمن بنصر، وكأن الحرب الشرسة قد أعلنت رسمياً ضد الزوجة الرابعة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!