الفصل 2 | من 3 فصل

رواية عمر وزوجته الرابعة الفصل الثاني 2 - بقلم أريا السوهاجية

المشاهدات
15
كلمة
733
وقت القراءة
4 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

لم تكن الصدمة عادية على وجه “فريدة” وهي تقف أعلى الدرج. أنفاسها كانت تتصاعد بغضب حارق وهي ترى “عمر”، الرجل الذي لم يتنازل يوماً ليعاملها كزوجة أو يمنحها نظرة اهتمام، يخر صريعاً ومستسلماً في أحضان هذه الفتاة اليتيمة البسيطة “شهد”.
نزلت فريدة درجات السلم بخطوات واسعة وسريعة، وصوت كعب حذائها يضرب الأرض الرخامية بعنف كأنه طبول حرب. اقتربت منهما وصمتت لثانية من هول المنظر، ثم صرخت بصوت حاد جهوري أيقظ أركان الجناح بالكامل:
“إنتِ بتعملي إيه مع جوزي يا بت أنتِ؟! وازاي تتجرأي وتلمسيه وتقربني منه كدة؟! سيبيه حالاً!”
انتفضت شهد برعب حقيقي، وحاولت بكل قوتها إسناد جسد عمر الضخم والثقيل الذي كان شبه غائب عن الوعي تماماً ولا يشعر بما يدور حوله. كانت دموع شهد تسيل بغزارة على وجنتيها وهي ترتجف قائلة:
“والله العظيم يا أبلة فريدة هو دخل تعبان ومغمى عليه.. أنا ماليش ذنب في أي حاجة، هو اللي توازن اختل ووِقع عليا فجأة، كنت بحاول أسنده بس!”
في هذه الأثناء، وعلى أثر الصراخ الحاد، انفتحت أبواب الغرف العلوية الباقية لتقطع الصمت. خرجت “نادين” وهي ترتدي روباً حريرياً، ووضعت يدها على خصرها وتنظر للمشهد من الأعلى بسخرية مسمومة وغل مكتوم:
“يا حلاوة! يا محاسن الصدف! يعني سيبنا طول الليل في غرفنا مستنيينه، ونازل يترمي هنا في الممرات؟ ولا الهانم الصغيرة المحرمة هي اللي سحبته لغرفتها في خطط الفلاحين والمسكنة دي علشان تلف عليه؟”
ولم تتأخر “يسرا” في النزول والدخول على الخط. كانت تتقدم ببطء، ترتسم على وجهها ابتسامة ماكرة ونظراتها الثعبانية تتفحص ملامح شهد الخائفة:
“تؤ تؤ.. مش عيب برضه يا شهد؟ الحاج كمال جايبك هنا أمانة وفي حمايته بعد وفاة أبوكي، تقومي تستفردي بجوزنا أول ما يرجع سكران ومش في وعيه؟ دي الأمانة اللي صونتيها؟”
تجمعت الزوجات الثلاث حول شهد وعمر مثل حصار من النيران والعيون الحاقدة. كانت شهد تبكي بحرقة وتصرخ فيهم: “حرام عليكم.. اسمعوني وافهموا الأول!”، لكن فريدة لم تكن في وعيها من شدة الغيرة والغل. امتدت يد فريدة وقبضت على خصلات شعر شهد بقسوة وجذبتها بعيداً عن عمر وهي تصرخ فيها.
“بس!! كفاية مرقعة وقلة حيا في بيتي! صراخكم وعمايلكم دي واصلة لآخر الشارع!”
صوت جهوري قوي هبط كالصاعقة من أعلى الدرج ليشُل حركة الجميع في ثانية واحدة. كان هذا صوت “الحاج كمال” كبير العائلة ووالد عمر. كان واقفاً بجلبابه الصعيدي الأبيض وهيبته التي تهز القصر، وعيناه تتطاير منهما شرارات الغضب، وصوته يرتعش من شدة الهول والمفاجأة.
تراجعت فريدة خطوة للخلف ووقفت مكانها بخوف وهي تحاول تبرير موقفها بسرعة:
“يا عمي.. شوف بنتك المحترمة اللي مأمنها في بيتك كانت واقفة مع عمر ازاي وهو مش في وعيه وفي حضنها! ده منظر يرضي ربنا؟ إحنا بنحافظ على شرف البيت!”
نظر الحاج كمال بنظرات ثاقبة إلى ابنه عمر الملقى على الأرض يتنفس بصعوبة وثقل، ثم نظر إلى شهد المنهارة برعب على الأرض، وبكائها يقطع القلب وثيابها مبعثرة بفعل شجار فريدة معها. ساد الصمت لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل، وكان عقل الحاج كمال يدور في حلقة مفرغة من النار: كيف يحمي سمعة ابنة أخيه الراحل وسط هذه الألسنة الشيطانية؟ وكيف يداري هذه الفضيحة قبل أن تخرج خارج أسوار القصر وتصبح لبانة في أفواه الخدم والناس؟
تنحنح الحاج كمال بقوة، وضغط بكل عزمه على عصاه الخشبية في يده، ثم قال بلهجة صارمة قاطعة لا تقبل النقاش أو المراجعة:
“فريدة.. نادين.. يسرا.. اطلعوا على غرفكم فوراً، ومش عايز أسمع نفس واحدة فيكم لحد الصبح، والموضوع ده لو عرفت إنه طلع برة العتبة دي، حسابكم معايا هيكون عسير!”
نظروا إليه بذهول ورغبة في الكلام، لكن أحداً لم يجرؤ على مخالفة أوامر كبير العائلة. صعدت الزوجات الثلاث وعيونهن تشتعل حِقداً وتوعداً لشهد، وكل واحدة منهن تفكر كيف ستنتقم.
التفت الحاج كمال إلى بعض رجال الأمن والخدم الذين تجمعوا على أثر الصوت، وأمرهم بنقل عمر إلى غرفته فوراً. ثم التفت إلى شهد، ونظر إليها بنبرة حزينة ومجبرة، لكنها تحمل قراراً مصيرياً:
“قومي يا شهد.. اعدلي هدومك وامسحي دموعك وادخلي غرفتك اقفلي عليكي. وبكرا الصبح أول ما الشمس تطلع.. المأذون هيكون واقف في وسط الصالة هنا.”
رفعت شهد رأسها بصدمة ألجمت لسانها، واتسعت عيناها بذهول وخوف أشد من الأول:
“مأذون؟! مأذون ليه يا عمي؟ أنا عملت إيه لكل ده؟! والله العظيم مظلومة!”
أشاح الحاج كمال بوجهه عنها بمرارة، وهو يعلم أن هذا هو الحل الوحيد لحمايتها، وقال بصوت منخفض لكنه حاسم:
“عشان أخرس ألسنة الحريم دي يا بنتي، وعشان أحميكِ من شرهم ومن اللي هيعملوه فيكي.. وبدل ما تكوني ضيفة مكسورة الجناح في البيت ده وملكيش صفة، من بكرا الصبح.. هتكوني الزوجة الرابعة لعمر!”
وقعت الكلمات على مسامع شهد كالصاعقة، وجلست على الأرض لا تصدق أن حياتها ستنقلب وتصبح زوجة لرجل لا يعرف الرحمة، وزوجاته الثلاثة يتربصون بها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...