الجزء الأول: غيبوبة الأدرينالين ورائحة الحمص
في مخيمات النزوح برفح جنوب قطاع غزة، تنقسم الحياة إلى عالمين لا يلتقيان؛ عالم الكبار الباحثين عن شربة ماء يرممون بها بقايا أجسادهم، وعالمنا نحن المراهقين الذين نسرق الحياة سرقة من مخالب الفناء، لنثبت لأنفسنا أننا ما زلنا نتنفس. أنا "مطبوش" المهندس والتاجر الصغير البالغ من العمر 13 عاماً، وصديق عمري وابن عمي "مطابش" 14 عاماً صوت الواقع الخشن الذي يشدني دائماً إلى الأرض كلما طرت في الخيال. وبيننا، يقف "ماجد" الصغير، الفتى الذي مسّه جنون الحب في توقيت انتحاري تماماً، تحت قصف لا يرحم.
عدتُ في ذلك اليوم من دوام البسطة الطويل. كان جسدي يئن، وقدمي تكادان لا تحملانني من الوقوف لساعات تحت الشمس والغبار. لكن في أعماقي، كانت هناك راحة غريبة ومؤقتة؛ هواء المخيم بدا أنقى قليلاً، ربما لأن القذائف كانت بعيدة ببضعة كيلومترات، أو لأن الروح تشبثت بأي لحظة هدوء مخادعة.
وفجأة، وسط الخيام المتراصة، انبعثت رائحة غريبة على أنوفنا التي اعتادت رائحة البارود والحطب المحروق. كانت رائحة زيت مغلي وحمص مطحون بعناية. تفاجأتُ بقريبي البعيد، "قطاف أبو الشجر"، يفتح بسطة فلافل صغيرة في ساحة المصلى الملاصق لنا
كان مشهد الزيت وهو يغلي وسط الخيام كأنه لوحة من عالم آخر. تكسرت رتابة الموت لعدة ساعات، وبدأ مشروع قطاف يزدهر ويتدافع عليه الناس. فرحتُ له من كل قلبي، تقدمتُ واشتريت منه، ولم أحتمل البقاء متفرجاً؛ بدأتُ أساعده في تنظيم طوابير الجائعين. في تلك اللحظات، تملكتني نشوة غريبة، تملّكني زهو "التاجر" الذي استعاد فجأة بعض هيبته وثقته المفقودة وسط الطين. كنت أتنقل بين البائعين والمشترين وأنا أشعر بالاطمئنان على هيبتي كتاجر وسط فتية المخيم , وحتى وسط بنات المخيم اللواتي نحاول جذب أنظارهم ببعض الحركات (القرعة) الصبيانية
ظننتُ، للحظات طائشة، أننا روّضنا الحرب، وأن المخيم أصبح سوقاً آمناً يمكن هندسته وإدارته بذكاء. لكن رفح لا تمنح أحداً صك أمان طويل.
بينما كنتُ واقفاً عند بسطة قطاف، أتحرك بزهو المدير اللوجستي، لمحتُ حركات مريبة كسرعتي. كان "ماجد"، أصغر أعضاء شلتنا الصغيرة الذي بالكاد اتم عامه الثاني عشر قبل هذه الحرب الطاحنة بعدة اشهر، يتحرك بخفة طفل أصابه مس سحري. لم يكن يقف في الطابور، ولم يكن يبحث عن طعام. كان يستند إلى بقايا سيارة مهدومة تارة، ثم يقفز خلف شادر خيمة تارة أخرى، وهو يبتسم ابتسامة غائبة وينظر إلى الأفق البعيد.
تتبعتُ نظراته الطائرة عبر الغبار، وفجأة، تجمد الدم في عروقي.
كان يراقب من بعيد لبعيد "هانية"، شقيقة حسام الرفحاوي , حسام الرفحاوي هو (زلمة رفح) الذي يروضنا انا ومطابش على تحمل قسوة المخيم وتقشير رقة المدن عنا. مشيتُ نحو ماجد بخطوات سريعة، سحبتُه من كتفه خلف إحدى الخيام الممزقة، وضغطتُ عليه بحدة ونظراتي تخترقه:
— "ولك يا ماجد، إيش مالك؟ بتلف وتدور زي المجنون ليش؟"
التفت إليّ، وكانت عيناه تلمعان ببريق طفولي غريب، بريق انتحاري لا يملكه إلا من عميت بصيرته عن الموت المحيط بنا. نطق بالحقيقة التي نزلت على رأسي كالقذيفة:
— "يا مطبوش.. أنا بحبها. أنا بحب هانية".
تسمرتُ في مكاني. في أجزاء من الثانية، مر شريط مرعب أمام عيني؛ تخيلتُ وجه حسام الرفحاوي، أو شقيقه الأكبر حسان، أو والد هانية الغليظ لو شموا فقط خبر أن هذا الفتى "الخانيونسي" النازح يجرؤ على النظر إلى شقيقتهم. الرفحاوية دمهم حامي، والمنطقة لا ترحم في قضايا الأعراض.
قلت له بلهجة حازمة وهامسة، وأنا أهز كتفيه بعنف لعله يستيقظ:
— "يا ماجد، استهدي بالله! إنت عارف مين هذول؟ هذول بياكلونا أكل لو عرفوا! اقلب وجهك وسيبك من هالهبل، إحنا في موت وحرب!"
لكنه لم يستمع. كانت كلماتي ترتطم بقلبه وتتحول إلى هباء. وبدلاً من أن أنقذه، سحبني ماجد معه بوعي أو بدون وعي إلى داخل الدوامة.
مرسول الغرام تحت القذائف
بدأت الرحلة قبل المغرب بقليل، ولم تنتهِ. وجدتُ نفسي، أنا الذي أعتبر نفسي المهندس العاقل والمدير الوقور، أتحول في لحظات إلى "مرسول غرام" سري يتسلل بين أزقة المخيم الضيقة. وبجكم معرفتي السابقة بهانية من خلال مشاريع الخياطة التي كانت تجمعها مع والدتي، كنتُ الشخص الوحيد الذي يمكنه العبور دون إثارة الشبهات.
كان ماجد يمسك بيدي خلف السواتر الترابية، ويهمس لي بوجل وصوته يرتجف:
— "أمانة يا مطبوش.. روح قول لها، ماجد بيسألك إيش رأيك نلتقي عند البيت المهدوم الفلاني؟"
وكنتُ أذهب بخطوات مذنبة، كالمجرمين، ألتفت يميناً ويساراً، أنقل الكلام دقة بدقة. وكانت هانية تستمع إليّ بخجل شديد يمتزج برعب قاتل، تلتف بعباءتها وترد بصوت كاد لا يُسمع:
— "قُلّه.. أي ساعة؟"
وعندما كانا يلتقيان في الزاوية الميتة عند الركام، كانت تهرب هانية سريعاً بوجل بعد ثوانٍ معدودة كأنها تفر من حبل مشنقة. وأبقى أنا هناك، مع ماجد الذي يصغرني بسنتين، أهز رأسي بحسرة وأقول له:
— "يا هبيلة، إيش ناوي تعمل؟ خلص سيبك وانسى الموضوع، الدنيا قايمة قاعدة وإنت بتدور على حب؟"
لكن ماجد كان في غيبوبة كاملة. وفي ذلك اليوم، نسينا البزنس تماماً، ونسينا مطابش، ونسينا كل مهام الخيمة الثقيلة التي تنتظرنا. ظللنا من الظهر وحتى آخر الليل نتسكع في أزقة النزوح الضيقة. كان صوت صواريخ خان يونس القريبة يهز الأرض تحت أقدامنا بعنف، والانفجارات الكبرى تضيء الأفق بوضوح مرعب من فوق تلة مخيمنا، كأن السماء تحتفل بموت قادم.
ومع ذلك، أكملنا اليوم الثالث ونحن نخطط للحب وسط هذا الفناء. كان مطابش يأتي إلى الخيمة، يأكل بصمت، يصلي، ويرجع إلى مهامه، وأنا كنتُ هناك.. في العالم الموازي. تملكتني متعة أدرينالين غريبة وغير مفهومة، شعرتُ بنوع من التحدي البشري البدائي للموت؛ لدرجة أنني كنتُ أؤخر صلاتي أحياناً وأنا غارق في حكاية ماجد وتأمين مواعيده السرية. تناسيتُ تماماً أن الحرب فوق رؤوسنا، ولم أنتبه إلى أن مطابش بدأ يلاحظ غيابي المريب، وبدأت نظراته تشحن بزعل وعتاب صامت كاد يقتلني.
بحلول ليل اليوم الثاني من هذه "الملحمة العاطفية"، كانت شمس رفح تنسحب بخجل وخوف خلف التلال المشتعلة في خان يونس، تاركةً وراءها صقيعاً مرعباً ينهش العظام ويدخل تحت جلود النازحين في الخيام الممزقة. بدأت الخسارة المالية تلوح في الأفق بسبب غيابي عن البزنس مع قطاف، لكن عقلي كان معلقاً بخطوات ماجد الطائشة.
تعذرتُ بأي عذر لأبي لكي أخرج في الليل. كنا نسير أنا وهو بين الأزقة، والظلام الدامس يلف المخيم ككفن، لا يقطعه إلا ومضات الصواريخ البعيدة التي كانت تنفجر فتكشف ملامح وجوهنا المتعبة والمتسخة بالتراب. كان ماجد يتحدث بحماس طفلي لا ينتهي، يخطط لسرقة لحظة حياة من مخالب الموت. كنا نصادف حسام الرفحاوي في طريقنا، فنتجمد في أماكننا كالتماثيل، ونحبس أنفاسنا، ثم نغير مسارنا بضربات قلب متسارعة تكاد تسمع من صدورنا.
وفي لحظة سكون غريبة، على قارعة طريق ترابي موحش، وبينما كان ماجد يشرح لي خطته القادمة، لمحنا طيفاً يتحرك في البعيد وسط العتمة.
كان مطابش. كان عائداً من "نقطة النت" في وقت متأخر، مستعيناً بضوء هاتفه الضعيف جداً ليتجنب الحفر المليئة بمياه الأمطار. وفجأة، رأيناه يقفز برعب هرباً من كلب عجوز نبح في وجهه فجأة. لم يلاحظ وجودنا في الظلام، وسحبني ماجد من قميصي بقوة وهو يهمس بذعر:
— "أمانة يا مطبوش، لا تنادي عليه.. لا تخليه يشوفنا هنا!"
سألتُ ماجد بضيق شديد ونبرة مخنوقة بعدما ابتعد مطابش:
— "ليش خايف منه هالقد؟ مطابش صاحبي وأخوي الكبر".
رد ماجد بنبرة حادة ومليئة بالغل الطفولي:
— "أنا أصلاً بحبوش لمطابش! دايماً ببهدلني وبقلي إني بضيع وقتك في الهبل.. هو شو عرفه إيش بنسوي وإيش يعني الحب؟"
وقفتُ بصلابة، واستيقظت في داخلي نبرة المهندس المسؤول، فصددتُه بقسوة:
— "إلزم حدك يا ماجد! ما بسمحلك تغلط في مطابش.. هو خايف عليّ وعلى مصلحتي وعارف إحنا وين عايشين!"
سكت ماجد للحظة. تراجعت خطواته إلى الخلف في الظلام. وفجأة، وبدون أي مقدمات، صرخ وسط الليل صرخة مكتومة ومروعة، صرخة اختلطت بعواء الكلاب البعيدة وفراغ الطريق الموحش، كأن البركان الذي في داخله قد انزاح غطاؤه تماماً ولم يعد يرى القذائف: — "بكفي! بدي أبوسها يا مطبوش! والله لو ثمنها راسي ما رح يمنعني عن ذلك إلا الموت!"
تسمرتُ في مكاني، وشعرتُ ببرودة قاتلة تسري في أطراف جسدي، برودة لم تكن إطلاقاً بسبب ريح يناير القارصة، بل من وعي فجائي مرعب: هذا الفتى لا يمزح، إنه مستعد للمقامرة برأسه ورؤوسنا جميعاً من أجل قُبلة مسروقة تحت ضوء القذائف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!