الجزء الثاني: قُبلة التلة وظهور عزرائيل
بقيتُ واقفاً في مكاني لثوانٍ بدت كأنها دهر. صرخة ماجد المكتومة: "بدي أبوسها لو ثمنها راسي" ظلّت تردد في أذني وتصطدم بجدران البيوت المهدومة المحيطة بنا. نظرتُ إلى عينيه في الظلام؛ لم يكن فيهما عقل، بل كانتا تشعان ببريق طائش يملؤه التحدي والانتحار. بدلاً من أن أصفعه وأعيده إلى خيمته، تملكتني تلك اللعنة مجدداً.. لعنة الأدرينالين التي تجعلك ترغب في رؤية نهاية الهاوية.
وحانت اللحظة الانتحارية الفانتازية في اليوم التالي. لكي أؤمن لهما اللقاء، تبرعتُ بأقدس مكان يخصني ويخص مطابش؛ "تلة أبو إيهاب" السرية. تلك التلة المرتفعة التي كنا نهرب إليها لنشكو همومنا ونرى غزة من بعيد، جعلتُها مسرحاً لمغامرة ماجد. تآمرتُ مع العتمة، ووقفتُ أسفل التلة أراقب الطريق كجاسوس محترف، نبضات قلبي تقرع صدر بحدة كطبول الحرب.
جاءت "هانية" بخطوات ثقيلة، يتعثر فيها خجل العذارى برعب الموت. كانت تلتف بعباءتها السوداء كأنها طيف هارب. صعدت التلة حيث كان ماجد ينتظرها بجسد يرتجف كقصبة في مهب الريح. التقت العيون لثوانٍ، وفي تلك اللحظة التي تزامنت مع إضاءة السماء بوميض قذيفة تنويرية بعيدة، انحنى ماجد وطبع قبلته الطائشة على خدها. وردت هي بمثلها بسرعة البرق، قبل أن تفر نازلة من التلة كغزال مذعور كاد يقتله الخوف.
وقف ماجد مكانه مذهولاً، يلمس خده ويدور حول نفسه كملك توجوه على عرش من الركام. لكن رفح لا تترك لك مجلاً للاحتفال.
فجأة، انشق سكون المكان بصوت أجش، قادم من عتمة الحاصل والمصلى الملاصق؛ إنه صوت الشيخ الأزهري الأجش الذي كان يراقب كل شيء من خلف ركام جدار مهدوم. صرخ بصوت زلزل سكون الليل وجعل قلوبنا تسقط في أقدامنا:
— "الله يفضحكم! الله يخزيكم! يا كفرة يا فجرة، في هذا الوقت العصيب العصيب؟! الناس بتموت وإنتو بتفسقوا؟!"
تجمدت الدماء في عروقنا. رعب الفضيحة العشائرية كان أشد علينا من الموت بصاروخ. سحبنا أنفسنا وهربنا في زوايا المخيم المظلمة، ملاحَقين بنظرات الشيخ وتهديداته التي لم تنتهِ إلا بعقوبة قاسية: أسبوع كامل من الملازمة الإجبارية في المصلى، نصلي الفجر والظهر والعشاء في الصف الأول أمامه، مطأطئي الرؤوس، نتظاهر بالتوبة والندم بينما عقولنا تغلي بالخوف من أن يصل الخبر لعائلة هانية.
بدلاً من أن يستيقظ ماجد من غيبوبته بعد علقة الشيخ، زاد جنونه. شعر بذنب ديني وأخلاقي، وقرر بنعومة مراهق أن يحول هذا الحب إلى "حلال مستحيل". جلس معي خلف شادر الخيمة، يهمس لي وهو يفرك يديه بوجل:
— "يا مطبوش، أنا لازم أتجوزها لهانية.. هان في المخيم كل شيء رخيص، المهر والوصي بطلعوا رخاص".
بدأ ماجد يحسب "اللوجستيات" بطريقة عبثية كأنه في سوق الخضار. قرر أن يذهب إلى "حسان"، شقيق هانية، ويعطيه رشوة بقيمة 50 شيكلاً ليكون وصي عريسها ويقنع العائلة الكبيرة، ويجعل المهر نفسه 50 شيكلاً؛ لتكون الحسبة كاملة 100 شيكل فقط!
نظر إليّ ببراءة طفولية وقال مستشهداً بحديث نبوي شريف حوّره لخدمة جنونه:
— "يا مطبوش، الرسول قال: أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة، يعني 100 شيكل بركة كبيرة في الحرب!".
ودار بيننا جدال فقهي واقتصادي عبثي وسط الخيام؛ كنت أحاول إقناعه بأن عائلة هانية لن تبيع ابنتها بـ 100 شيكل، وأن حسان سيذبحه لو سمع هذا الكلام. وفي قمة جدالنا، ونحن غارقون في عالم الخيال العاطفي، انشق شادر الخيمة بعنف.
ظهور عزرائيل المهمات الصعبة
كان "مطابش".
لم يكن مطابش صديقاً عادياً، كان يمثل صوت الواقع الخشن، صوت الجوع والعطش والبقاء. دخل وعيناه تتطاير منهما شرارات الغضب؛ فقد علم بكل ما جرى، علم بـ قُبلة التلة، وعلم بالـ 100 شيكل، وعلم أنني أهملت البزنس مع قطاف وأهملت واجبات الخيمة لأجل هذا الهبل.
لم يتكلم مطابش بكثير من العبارات الفلسفية. هجم على ماجد كالصاعقة، أمسك بتلابيب قميصه، وبقوته الخشنة خنقه ورفعه عن الأرض، ثم سحبه بعنف وعلّقه على مدخل التلة الشرقي، وصاح في وجهه بصوت زلزل الليل وأرعب الكلاب الضالة:
— "والله.. والله يا ماجد لو قربت من مطبوش تاني، أو ضيعت وقته في الهبل تبعك، لتكون نهايتك على إيدي! إحنا في موت وحرب يا سطل، مش في فيلم سينما!"
رمى ماجد على الأرض ككيس من الرمل. وقف ماجد يبكي بنحيب ممرور، يلمم كرامته المهدورة، بينما كنت أنا واقفاً مشلولاً، أنظر إلى مطابش بخوف واحترام شديدين؛ فقد كان كلامه كالسيف الذي قطع حبال الوهم العاطفي التي كنت ألفها حول رقبتي.
لكن الفضيحة كانت قد تسربت بالفعل. في اليوم التالي، واجه ماجد الكابوس الأكبر؛ خلف دفيئات الطماطم البعيدة , وقف وجهاً لوجه أمام "حسام الرفحاوي" الكبير، شقيق هانية الغليظ. كان حسام رجلاً مهيباً، ذو عينين قاصيتين لا تعرفان المزاح.
توقع ماجد أن يسحب حسام سكينه أو يطلق عليه النار. لكن ما حدث كان أشد سحقاً للكرامة. نظر حسام إلى ماجد المرتجف بنظرة استهزاء ودونية، وتحدث بنبرة باردة وابتسامة خبيثة:
— "شوف يا شاطر.. أنا عرفت باللي صار فوق التلة وبقصة الـ 50 شيكل. أنا رح أستر عليك وما أقول للعيلة وتصير دم للركب.. بس هات الـ 50 شيكل اللي في جيبك هان، ضريبة لسكوتي ومسامحتي إلك".
بيدين مرتعشتين، وعينين تفيضان بالدموع المذلة، سحب ماجد الورقة النقدية الوحيدة التي كان يملكها—الـ 50 شيكل التي كان يحلم أن تكون مهراً لحبه—وسلمها لحسام. أخذها حسام ووضعها في جيبه واستدار بظهر متهكم، تاركاً ماجد ينهار على الرمل، يبكي بمرارة وقهر على ضياع ماله، وضياع كرامته، وضياع حبه المستحيل تحت أقدام عائلات رفح الغليظة.
كنت واقفاً على مقربة بصمت، أشاهد المشهد وقلبي يعتصر ألماً على صديقي، لكنني لم أكن أعلم أن الدور قد جاء عليّ، وأن صفعة الواقع الأكبر تنتظرني عند باب خيمتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!