الفصل 3 | من 3 فصل

الجزء الثالث: غزوة المي ودفاع المخيمات الغزاوية

المشاهدات
15
كلمة
1,032
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

الجزء الثالث: غزوة المي ودفاع المخيمات الغزاوية

تركتُ ماجد منهاراً على الرمل يبكي كرامته وماله الذي ابتلعه حسام الرفحاوي، واستدرتُ عائداً إلى خيمتنا. كانت خطواتي ثقيلة، أجرجر أذيال خيبة مراهقة طائشة. ظننتُ أن الأسوأ قد انتهى، وأنني سأدخل خيمتي لأنام وأهرب من هذا الكابوس. لكنني لم أكن أعلم أن الكابوس الحقيقي كان ينتظرني عند الباب.

بمجرد أن رفعتُ شادر الخيمة، انقضّ عليّ "مطابش" كالنمر الجريح. لم يمهلني حتى لأتنفس؛ أمسك بتلابيب قميصي الممزق، ودفعني بقوة نحو عمود الخيمة الخشبي حتى كاد ظهري ينكسر. كانت عيناه حمراوين ومحتقنتين بغضب لم أره فيه من قبل، غضب يمتزج برعب البقاء.

هزّني بعنف زلزل أركان جسدي، وصرخ في وجهي بصوت مخنوق كي لا يسمعنا الجيران، لكنه كان أعلى من صوت القذائف في أذني: — "ولك إنت وين عقلك؟! هان بتخطط للحلال والحب والهبل وعايش في الأفلام؟ المية انقطعت في الخيمة يا مطبوش! المية انقطعت والعيلة عطشانة من الصبح! أمك وأخواتك ريقهم ناشف، الله يلعن أبو قصصك الهبلة اللي ضمتنا وضيعتنا!"

نزلت كلماته كصاعقة من نار على رأسي. في تلك اللحظة الدقيقة، شعرتُ وكأن دلواً من الماء المثلج قد سُكب على غيبوبتي. انقشع وهم الحب، وتبخرت خيالات الأدرينالين الرومانسية. استيقظت في داخلي غريزة البدائي المطحون؛ تذكرتُ عطش أمي، وشفاه إخوتي المتشققة، وأدركتُ حجم الجريمة التي اقترفتها حين انشغلت بهبل المراهقة عن عصب حياتنا. لم أرد عليه بكلمة، بل ابتلعتُ ريقي الجاف، ونظرتُ في عينيه بعزم، وبدأنا التحرك.

غزوة المي والهروب الأكبر

كان الوقت متأخراً، وحنفيات المخيم كلها تنفث هواءً جافاً وممراً. بدافع اليأس المطبق، مددتُ يدي مع مطابش لفعلٍ لم أتخيل يوماً أنني سأقوم به؛ قررنا سرقة عربة كارو يجرها حمار من أطراف المخيم المجاور، لنتمكن من نقل جراكن المياه الثقيلة من نقطة تعبئة بعيدة جداً.

تحولنا، نحن أبناء العائلات المحترمة، إلى لصوص مياه في جوف الليل. تسللنا وسط العتمة، فككنا رباط الحمار، وبدأنا نجر العربة. لكن الحظ في رفح لا يبتسم للمبتدئين؛ سرعان ما كشفنا أصحاب العربة من المخيم المجاور. انطلقت الصرخات: "حرامية! حرامية!"، ولحقوا بنا بهراواتهم وعصيهم وحجارتهم كأننا لصوص دوليون نسرق ذهباً.

ركضنا بكل ما أوتينا من قوة، والحجارة تتساقط حولنا. كنا على وشك أن نُسحق تحت أقدام الحمار وتُكسر عظامنا، ولولا تدخل عجيب من القدر لما نجونا. فقد خرج "حسام الرفحاوي" ورجاله —نفس العائلة التي ابتزت ماجد قبل ساعات— ليفضوا الاشتباك بمعركة حامية بالهراوات، منقذين إيانا من موت محقق، لا حباً فينا، بل لفرض سيطرتهم على منطقتهم.

انبعاج الجلن ونزيف الروح

نجونا بأعجوبة، وتمكنا من تعبئة لجلن الكبير الوحيد الذي نملكه، وبدأنا نجرها على أيدينا في طريق العودة كأننا نجر أرواحنا. كنا نظن أن التراجيديا قد انتهت بجرعة ماء، لكن رفح دائماً تخبئ المفاجآت في اللحظة الأخيرة.

بينما نحن ندخل زقاق مخيمنا، خرج لنا ولد مراهق صغير يحمل حقداً دفيناً وتنافساً قديماً مع مطابش. لم يقل شيئاً، بل التقط حجراً كبيراً ورماه بغدر. أصاب الحجر كف يدي بقوة؛ شعرت بعظامي تطقطق، وسال دمي الساخن ليمتزج فوراً بتراب رفح المالح.

اشتعلت "طوشة" كبرى في الزقاق المظلم. تلاحمت الأجساد، وارتفعت الأصوات، وتطاير الغبار ليخنق الأنفاس. وفي خضم هذه الفوضى العمياء، تسلل ولد نذل من أقارب المهاجم، واقترب من الجلن الكبير الممتلئ—أملنا الوحيد—وطعنه بسكينة حادة انتقاماً منا.

سمعتُ صوت تمزق البلاستيك. توقف الزمن.

التفتُ لأرى الماء يتدفق بقوة من الجلن المبعوج، ينسكب بدم بارد على الأرض. وقفتُ مشلولاً، يدي تنزف دماً، والجلن ينزف ماءً. الرمل العطش كان يشرب كل قطرة بشراهة، يبتلع تعبنا، وقهرنا، وحياة عائلتنا. انهارت ركبتاي، وجلستُ على الأرض بجوار الجلن الميت، أضع يدي على الفتحة في محاولة بائسة ويائسة لإيقاف النزيف، وأنا أصرخ في صمت يمزق حنجرتي: "المي.. العيلة عطشى!".

ليلة القهر في مسجد العودة

تبخر الماء وتبخرت معه أرواحنا. لم يبقَ معنا سوى 20 شيكلاً، كأنها بقايا كرامة متهالكة. قررنا أنا ومطابش أن نركب باص "عودة بلد" نحو سوق العودة في آخر الدنيا، بحثاً عن سباك أو لاصق أو أي جلن قديم مستعمل لنعوض الكارثة.

وصلنا السوق مع غروب الشمس. دخلنا "مسجد العودة" المقصوف لنصلي المغرب وسط الركام. كان الجلن المبعوج معي، أحمله كجثة طفل بين يدي. وفجأة، بينما نحن نسجد والقلن خلفي خوفاً من السرقة فحتى الجلن المبعوط معرض للسرقة في هذه الحرب الطاحنة، هز انفجار عنيف ومرعب أركان المكان. استهدف الصاروخ مبنى بجانب المسجد. تطاير الزجاج، وتناثرت الشظايا، وسقط مطابش بجانبي إثر إصابة بشظية صغيرة في كتفه.

حاولت إكمال صلاتي لكن يبدو ان مطابش مال بسجوده فخفت عليه وقطعت الصلاة , حملته وسط الغبار والدماء إلى مستشفى العودة القريب ولم انس حمل الجلن بطرف اصبعي, في تلك الليلة، لم نعد إلى الخيمة. نمتُ أنا على البلاط البارد للمستشفى، أستمع إلى أنين الجرحى، ودعوات الثكالى، وصراخ المبتورة أطرافهم. والجلن المبعوج ينام بجانبي، يشهد على ليلة تآكلت فيها أرواحنا، ليلة لم ينم فيها القهر، بل ظل ينهش صدورنا حتى العظم.

لحم الحمير وميلاد النسخة الصلبة

في الصباح، استيقظنا في المشفى مفلسين ومحطمين بعد ضياع أموالنا في فوضى القصف. لم يكن أمامنا خيار لتعويض ثمن الجلن إلا العمل الشاق. اشتغلنا في ورشة خشب قريبة؛ حملنا الحديد الثقيل، ورفعنا حطباً من أماكن كان يسكنها شهداء غادروا ولم يعودوا. كنا نشعر أننا مجرد حطب إضافي ينتظر دوره في الاحتراق.

بشق الأنفس، جمعنا ثمن جلن جديد وعبئناة بصعوبة، عدنا الى المخيم ودخلنا الخيمة في منتصف الليل بجسدين مهدودين لا يقويان على الوقوف.

تم مسح بكرامتنا الأرض رسمياً من قبل أبي وعمي حتى تعبئة القلن لم تشفع لنا بسبب اننا نحن سبب بعط الجلن بمشاكلنا الدائمة مع زعران المخيم.

عندما رأت أمي الجلن الجديد، نظرت إلى "الجلن المبعوج" القديم الملقى في الزاوية. أردتُ أن ألقيه في النار لأحرقه وأنتقم من ذكراه، لكنها أوقفتني، وقالت بحنان دافئ كسر ما تبقى من حصوني النفسية وجعل دموعي المحبوسة تفيض بصمت: — "لا يا بني، خليه.. البلاستيك بخنق لما ينحرق. لما يخلص خشبنا، ابقى احرقه لندفي عليه".

في تلك الليلة، مسح الواقع بنا الأرض تماماً. ولنختم مأساة اليوم، لم نجد طعاماً سوى ما يُوزع في التكية المتأخرة، واكتشفنا لاحقاً أن اللحم الذي كنا نمضغه لم يكن سوى "لحم حمير" مغشوش.

جلسنا أنا ومطابش خارج الخيمة، نمضغ ذلك اللحم القاسي بصمت ممرور، نتجرع طعم الخذلان وطعم رفح القاسي. ابتلعتُ اللقمة، ثم التفتُّ إلى مطابش. نظرتُ إلى كتفه المضمد، وإلى يديه الخشنتين، وبعينين تملؤهما دموع جفت، وعزم صلب كالفولاذ، قلت له بمرارة تخرج من قاع الروح: — "يا مطابش.. الجلن اللي انبعط اليوم، والمذلة اللي عشناها، واللحم اللي بناكله.. والله العظيم رح نبني بدالهم مصانع عزة بكرة. إحنا مش حطب يا أخوي".

في تلك اللحظة بالذات، تحت سماء رفح المشتعلة، أحسستُ بشيء في داخلي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وشيء آخر ينبثق من الرماد. أدركتُ أن "مطبوش" القديم—الفتى الناعم، الإداري الحالم، الطائر في خيالات الحب والمراهقة—قد تلاشى كلياً ومات مع ذرات الرمل المتطايرة. وُلدت من بين الشظايا والدم والجلن المبعوج نسخة أخرى؛ نسخة صلبة، عنيدة، لا تكسرها رفح، ولا تنبعط أبداً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...