_______________
ناهد... بنتي إنتِ كويسة؟!»
خرج صوت أمها مفعمًا بقلقٍ ظاهر، يكاد يكون مبالغًا فيه، وهي تنحني عليها تحاول إفاقتها.
تقدّم الجد بخطوات سريعة، صوته يحمل حزمًا لا يقبل النقاش:
- حد يجيب دكتورة بسرعة... وشيلها على أوضتكم يا زين.
تحرّك الجميع في ارتباك، بينما أسرعت أم ناهد لاستدعاء الحكيمة، التي لم تتأخر كثيرًا حتى وصلت.
مرّت دقائق ثقيلة، وكأن الزمن توقّف داخل ذلك المنزل، حتى خرجت الحكيمة أخيرًا، وعلى وجهها ابتسامة خفيفة، وقالت:
- ألف مبروك يا زين بيه...
ثم أضافت، وكأنها تلقي قنبلة أخرى:
- مدام ناهد حامل.
وقع الخبر على زين كالصاعقة.
حامل؟!
كيف؟ متى؟ أين؟
تشوّش عقله، وتداخلت الأفكار في رأسه، لكن أكثر ما أرعبه لم يكن الخبر نفسه... بل ردّة فعل جواهر.
على الجانب الآخر...
كانت جواهر تقف، تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تخفي الصدمة التي اجتاحت ملامحها.
حامل...؟
إذًا... لقد اقترب منها.
إذًا... كان يكذب.
ذلك القسم الذي أقسمه... تلك النظرات... كل شيء بدا الآن وكأنه خدعة.
شعرت بدوارٍ خفيف، وكادت تسقط، لولا يدٌ قوية ساندتها.
رفعت عينيها ببطء...
لتجده.
عثمان.
السند الذي لم تعرفه إلا الآن.
أما هو، فكان يقف بجوارها، يحاول السيطرة على مشاعره التي تضطرب بعنف، فقد اكتشف للتو أن أخته كانت أمام عينيه طوال تلك الأيام... دون أن يعلم.
وقفت أم جواهر في حالة من الذهول، تنظر حولها بعدم فهم، ثم التفتت إلى جوري:
- هو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!
تنهدت جوري، ثم قالت بسرعة:
- دي مرات زين التانية يا ماما... غير كده بصراحة أنا كمان مش فاهمة... نستنى جواهر تشرح.
قطع الصمت صوتٌ حادّ، زغروطة خرجت من أم زين، وهي تقول بفرحة:
- لوللللللي! ألف مبروك يا ابني!
بينما ظلت الجدة صامتة، لكن نظراتها وحدها كانت كفيلة بالتعبير عن اشمئزازها من تصرفات كنتها.
꧁꧁꧁꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂
خرجت جواهر بسرعة، خطواتها متلاحقة، وكأنها تهرب...
ليس من المكان، بل منه.
كانت تعلم جيدًا...
لو نظرت في عينيه الآن، ستضعف.
وهي... لم تعد تملك رفاهية الضعف تحت مسمى الحب.
- «جواهر!»
صوته لحقها، لكنه لم يتوقف.
أسرع خلفها، حتى أمسك بذراعها، وأدارها نحوه، محاصرًا إياها بينه وبين الحائط.
أنفاسه كانت مضطربة، وعيناه تبحثان عنها بجنون:
- «جواهر... اسمعيني!»
أدارت وجهها بعيدًا، تحاول الهروب من نظراته قبل كلماته:
- «مش عايزة أسمعك يا زين...»
ثم نظرت له فجأة، بعينين ممتلئتين بالألم:
- «مش عايزة أسمع كدبك... كلامك كله كدب... كدب في كدب... وأوهام!»
اهتزت ملامحه، وكأن كلماتها أصابته في مقتل:
- «جواهر... صدقيني أنا مش فاهم حصل إزاي... أنا مش فاكر!»
ضحكت بسخرية مريرة، هزّت رأسها:
- «وأنا مش فارق معايا أصلًا يا زين...»
اقتربت خطوة، وصوتها بقى أقسى:
- «إن شاء الله تخلف منها تسعة...»
سكتت لحظة، ثم أنهت بهدوء قاتل:
- «كده كده أنا وإنت مننفعش لبعض.»
عند تلك الكلمة...
انفلت منه شيء.
شدّ على يدها فجأة، وهزّها بعنف خفيف، صوته خرج مضطربًا:
- «مننفعش لبعض إزاي يا جواهر؟! فهميني!»
اقترب أكثر، وكأنه يتمسك بآخر أمل:
- «أنا هطلق ناهد... صدقيني!»
توقفت.
نظرت له ببطء... نظرة لم يفهمها.
وقالَت بهدوء مؤلم:
- «متأخر أوي يا زين...»
ثم أكملت، وكل كلمة كانت تسقط عليه كضربة:
- «ناهد حامل.»
سحبت يدها من بين يده، لكن دون عنف هذه المرة... وكأنها تسحب نفسها منه:
- «ولو هتطلق... هيكون أنا...»
ابتسمت ابتسامة موجوعة:
- «أنا الهبلة اللي دايمًا بتتساب... واللي أول ما تحتاجها تلاقيها... صح؟»
نظرت له مباشرة، بعينين مليئتين بالتحدي والوجع:
- «إنت عايز إيه يا زين؟»
ثم قالت بنبرة هادئة... لكنها أخطر من أي صراخ:
- «عايزني مطلبش الطلاق؟ حاضر... من عيوني... مش هطلبه دلوقتي.»
اقتربت منه خطوة أخيرة، وهمست:
- «بس وقته جاي... سواء عاجبك أو لا.»
ثم تركته...
ورحلت.
وتركته واقفًا مكانه...
لأول مرة... عاجزًا تمامًا.
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
في الغرفة التي خصصها الجد لابنته•
كانت الأم تجلس على طرف الفراش، شاردة الذهن، تحاول استيعاب كل ما حدث في دقائق قليلة.
فُتح الباب بهدوء...
ودخلت جواهر.
كانت ملامحها ثابتة... متماسكة بشكلٍ مخادع، وكأنها تحارب لتبقى واقفة.
لكن...
ما إن وقعت عيناها على والدتها...
انهارت.
ارتمت بين ذراعيها، تبكي بحرقة، وكأنها تُخرج كل الوجع بقلبها.
احتضنتها الأم بقوة، ويدها تمر على شعرها بحنان، تحاول تهدئتها رغم ارتباكها:
- «اهدي يا حبيبتي... اهدي... قوليلي بس إيه اللي حصل؟»
وبين شهقاتها... بدأت جواهر تحكي.
كل شيء.
من البداية... للنهاية.
ومع كل كلمة...
كان قلب الأم ينقبض أكثر.
حتى سكتت جواهر أخيرًا...
وبقي الصمت...
صمت ثقيل... مليء بالوجع.
تنهدت الأم بعمق، وهي تمسك وجه ابنتها بين يديها:
- «إنتِ تعبتي أوي يا جواهر...»
سكتت لحظة، ثم قالت بهدوء:
- «بس زين... باين عليه بيحبك.»
رفعت جواهر عينيها بسرعة، وكأن الكلمة جرحتها:
- «حب؟! بعد كل اللي عمله؟!»
هزت رأسها بعناد:
- «أنا عايزة أطلق يا ماما.»
تغيرت ملامح الأم فجأة، وظهر الحزم في صوتها:
- «مش بمزاجك يا جواهر!»
وقفت، تنظر لها بجدية:
- «إنتِ اتجوزتي من ورايا... وأنا لسه محاسبتكيش على اللي حصل! و المفروض تتحملي نتيجة جوازك و تكوني قد المسؤلية انا معرفش زين اتجوز ناهد ليه بس اللي اعرفه انه مينفعش تخلي جوزك يضيع من ايديكي »
ثم أضافت بنبرة فيها عتب وألم:
- «أنا مش هنسى أبداً جوازك من وراء ظهري »
مسحت جواهر دموعها، وقالت بهدوء موجوع:
- «إنتي كمان خبيتي عليا نسبي يا ماما...»
نظرت لها مباشرة:
- «فلو حد هيحاسب ... يبقى أنا.»
ارتبكت الأم للحظة، ثم قالت بسرعة:
- «أنا خبيت عشان أحميكم... مش أكتر.»
في تلك اللحظة، فُتح الباب، ودخلت جوري، ملامحها مليئة بالقلق:
- «جواهر... إنتي كويسة؟»
نظرت لها جواهر بصمت، بينما تدخلت الأم سريعًا:
- «سيبك منها دلوقتي... قوليلي أخوكي الصغير فين؟»
ردت جوري:
- «مع عثمان... مش راضي يسيبه خالص.»
توقفت الأم...
وتغيرت ملامحها فورًا عند سماع الاسم.
عثمان.
انقبض قلبها، رغم كل شيء...
ما زال ابنها.
ورغم أنه لم يسامحها حتى الآن...
إلا أنه... ما زال حنونًا على إخوته.
خرجت جوري من الغرفة لتسأل الأم بشك
«جواهر حبيبتي هو. زين قربلك؟»
جواهر بنفي:
«لا محصلش،، لان الجواز كان من غير علمكم و رفضت لحد ما اعرفكم،، انا كنت ناوية اعرفكم،، بس اتاخرت»
الام بعتاب:
«اتاخرتي اوي،،!!!»
نظرت الأم إلى جواهر مرة أخرى، ثم قالت بهدوء:
- «روحي يا حبيبتي... نامي في أوضتك.»
اقتربت منها، ومسحت دموعها برفق:
- «يمكن الأمور تتحل...»
ثم أضافت بنبرة صادقة:
- «مفيش أم تحب تخرب على بنتها.»
꧁꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
في غرفة عثمان...
كان الباب مغلقًا...
والسكون يملأ المكان، إلا من صوت أنفاسه الثقيلة.
جلس على طرف الفراش، مائلًا للأمام، كفيه متشابكتين بقوة، وعينيه ثابتتان في الفراغ...
لكن عقله؟
كان في مكانٍ آخر تمامًا.
كلامها...
صوتها...
اعترافها...
كل شيء يعاد في رأسه بلا توقف.
مرر يده في شعره بعنف، ثم ضغط على عينيه وكأنه يحاول أن يوقف ذلك السيل من الأفكار...
لكن دون جدوى.
- «ليه...؟»
خرجت منه بصوتٍ مكسور... بالكاد يُسمع.
في تلك اللحظة...
فُتح الباب بهدوء.
دخلت زينة.
توقفت عند الباب، تنظر إليه...
رأته كما لم تره من قبل.
ضعيفًا... مكسورًا... تائهًا.
أغلقت الباب خلفها بهدوء، واقتربت منه بخطوات حذرة:
- «عثمان...»
لم يلتفت.
ابتلعت ريقها، وجلست بجانبه، ثم قالت بنعومة:
- «بصلي...»
ببطء شديد... رفع عينيه لها.
وكانت الصدمة فيهم كفيلة تكسر قلبها.
- «طلعت كل حاجة كدب...»
قالها بصوتٍ خافت، لكن موجوع.
- «كل اللي كنت مصدقه... طلع وهم.»
اهتزت ملامح زينة، لكنها تماسكت، ورفعت يدها تمسح دمعة خانته:
- «مش الاحسن انك تعرف الحقيقة...»
ضحك ضحكة قصيرة... بلا روح:
- «طب أصدق إيه؟!»
صوته بدأ يعلى، لأول مرة:
- «أصدق إن أمي سابتنا؟! ولا أصدق إنه غصب عنها و غصبوها تسيبني عادي...؟!»
سكت لحظة... وصوته اتكسر:
- «أنا كنت محتاجها...»
الجملة دي... خرجت منه كطفل.
وهنا...
لم تتحمل زينة أكثر.
سحبت رأسه بهدوء نحوها...
حتى استقر على حجرها.
في البداية حاول ان يبتعد...
لكن تعبه كان أكبر منه.
استسلم.
أغمض عينيه...
وكأن حضنها كان أول مكان آمن له بعد سنين.
بدأت تمرر يدها في شعره برفق، بصمت...
ثم قالت بصوت دافئ:
- «أنت شوفت الحقيقة النهارده...»
سكتت لحظة، ثم أكملت:
- «وشوفت قد إيه هي تعبانة... وقد إيه ندمانة.»
شد على يدها فجأة:
- «بس أنا اتوجعت...»
- «عارفة...»
قالتها بهدوء.
- «اتكسرت...»
- «وعارفة برضه...»
فتحت عينيه قليلًا، وكأنه بيدوّر على إجابة:
- «طب أعمل إيه؟!»
ابتسمت بحزن، وهي تكمل تمسيد شعره:
- «تسامح... مش عشانها... عشانك أنت.»
سكتت لحظة، ثم قربت منه أكثر:
- «أنت طول عمرك قوي... بس المرة دي، القوة إنك تسيب الوجع يمشي.»
تنهد بعمق...
وكأن الكلام لمس حاجة جواه.
- «أنا مش قادر أنسى...»
- «محدش قالك تنسى...»
قالتها بهدوء:
- «بس حاول تسامح... واحدة واحدة.»
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
دخلت جواهر الأوضة...
الباب اتقفل وراها بصوت مكتوم...
كان العشاء على الطاولة و
كأن الدنيا طبيعية...
كأن لم يحدث اي شئ.
ضحكت ضحكة خفيفة... مكسورة:
- «يا سلام... اكل كمان»
في اللحظة دي... دخل زين وراها.
وقف عند الباب، متردد...
مش عارف يبدأ منين.
- «جواهر...»
ما ردتش.
بس إيديها اتحركت...
ومسكت سكينة من على الترابيزة.
زين انتبه فورًا، صوته اتشد:
- «جواهر... حطي السكينة.»
لفتله ببطء...
وعينيها مليانة دموع... وغضب... وغيرة بتاكلها:
- «متقربليش...»
قرب خطوة رغم تحذيرها:
- «إنتي مش في وعيك... سيبيها بس و-»
صرخت فجأة:
- «قولت ابعد!!!»
ورفعت السكينة قدامها...
إيديها بترتعش...
مش عايزة تأذيه...
بس مش قادرة تستحمل قربه.
زين وقف مكانه لحظة...
وبعدين قرر يقرب تاني... بهدوء:
- «أنا مش هسيبك كده...»
خطوة...
خطوة كمان...
- «متخلينيش أندم يا زين...»
قالتها بصوت مكسور.
بس هو ما وقفش.
في لحظة...
حاول يمسك إيديها-
السكينة اتحركت فجأة...
و-
اتغرست في كف إيده.
سكون.
ثانية...
اتنين...
نقطة دم نزلت...
وقعت على إيد جواهر.
جواهر بصّت لإيده...
وعينيها اتوسعت بصدمة:
- «زين...!»
رمت السكينة فورًا...
وإيديها بدأت ترجف أكتر.
- «أنا... أنا معملتش كده... أنا-»
صوتها اختنق...
والدم بدأ يزيد.
كل الغضب... كل الكره اللي كانت بتحاول تصطنعه...
انهار في لحظة.
جريت بسرعة على علبة الإسعافات...
رجعتله وهي شبه بتعيط:
- «إنت غبي؟! ليه مسكتها كده؟!»
قعدت قدامه، مسكت إيده بحذر...
بس أول ما لمست الجرح... إيديها اترعشت.
- «آسفة... أنا آسفة...»
كانت بتطهر الجرح...
بس دموعها كانت بتنزل على إيده أكتر من المطهر.
زين كان ساكت...
بيبصلها بس.
بصّة واحدة...
فيها وجع... وراحة في نفس الوقت.
همس بهدوء:
- «خايفة عليا...؟»
وقفت لحظة...
إيديها ثابتة في مكانها.
رفعت عينيها له... بسرعة...
وبعند قالت:
- «لا...»
بس صوتها خانها.
زين ابتسم ابتسامة خفيفة... موجوعة:
- «طب ليه بتعيطي؟»
سكتت...
حاولت تكمل...
بس مقدرتش.
- «عشان...»
الكلمة وقفت...
بصت بعيد عنه...
وقالت بصوت مكسور:
- «عشان أنا مش عارفة أكرهك....»
الصمت نزل بينهم...
تقيل... خانق...
زين فضل باصص لها...
وكأن الكلمة دي أكدتله كل حاجة عكس اللي قالتها.
ببطء...
مد إيده السليمة... ورفع وشها ناحيته.
قاومت في الأول...
بس المقاومة كانت ضعيفة...
- «بصيلي.»
قالها بهدوء... بس فيه أمر.
رفعت عينيها غصب عنها...
اتحبست في عينيه...
ثواني...
ولا حد فيهم بيتكلم.
أنفاسهم بدأت تقرب...
المسافة بينهم بتقل...
جواهر حسّت...
خطوة واحدة كمان... وهتقع.
حاولت تبعد...
بس إيده كانت لسه ماسكة وشها.
- «سيبني يا زين...»
همست بيها...
بس من غير قوة.
- «مش هقدر اسيبك أبداً.»
قالها وهو أقرب... أقرب بكتير من اللازم.
قلبها بدأ يدق بعنف...
مش خوف...
ولا راحة...
حاجة أخطر.
حاولت تفتكر...
الحمل...
الكذب...
كل حاجة...
بس وهو قريب بالشكل ده...
كل حاجة بتتهز.
غمضت عينيها لحظة...
كأنها بتقاوم نفسها...
زين همس قدام شفايفها:
- «قولي إنك مش حاسّة بيا... وأنا هبعد حالًا.»
سكتت...
ثانية...
اتنين...
ما ردتش.
وده كان أخطر رد.
في اللحظة دي-
خبط على الباب.
- «زين بيه؟!»
الصوت قطع كل حاجة.
جواهر فتحت عينيها فجأة...
كأنها فاقت من حاجة كانت بتسحبها.
بعدت عنه بسرعة...
قلبها لسه بيدق بجنون...
زين شدّ نفسه بالعافية...
وبص ناحية الباب بضيق واضح.
الصوت اتكرر:
- «زين بيه... مدام ناهد فاقت وبتسأل عليك!»
الكلمة وقعت بينهم...
زي حد فوقهم بالقوة.
جواهر ضحكت ضحكة صغيرة... موجوعة:
- «روح... مراتك الحامل اولى..»
زين بص لها...
المرة دي بنظرة مختلفة... فيها إصرار:
- «أنا مخلصتش كلامي.»
- «وأنا خلصت.»
قالتها وهي بتلف وشها بعيد.
وقف لحظة...
واضح إنه مش عايز يمشي...
بس في الآخر...
خرج.
وساب الباب وراه يتقفل ببطء...
جواهر فضلت واقفة مكانها...
ثابتة...
ثانية...
اتنين...
وفجأة...
قعدت على الأرض...
وإيديها اتحطت على قلبها...
- «أنا بضعف ليه...؟»
قالتها لنفسها... بعقل مشوش و صوت مكسور .
꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂꧂
زين خرج بخطوات سريعة...
وشه متشدود... عينيه مليانة صراع.
واقف في الطرقة...
غمض عينيه لحظة...
وبعدين زفر بقوة... واتحرك.
عند ناهد
فتح الباب... بهدوء.
ناهد كانت نايمة على السرير...
بس أول ما سمعت الصوت... فتحت عينيها ببطء.
وبمجرد ما شافته...
رسمت ابتسامة ضعيفة... متعبة باصطناع:
- «زين...»
قرب منها... بس مش بنفس الإحساس.
فيه مسافة... واضحة.
- «عاملة إيه؟»
مدت إيدها تمسك إيده...
وقبل ما تمسكها... سحبها و هنا لمحت الضمادة.
- «إيدك مالها؟!»
ناهد رفعت نفسها بقلق مصطنع:
- «في إيه؟! اتجرحت إزاي؟!»
سحب إيده بهدوء:
- «حاجة بسيطة.»
بس ناهد...
ما سابتش الموضوع.
عينيها ضاقت شوية...
وبصت له بنظرة أعمق:
- «جواهر كانت معاك؟»
السؤال خرج ناعم...
بس تحته شك واضح.
زين سكت لحظة...
وبعدين قال باختصار:
- «آه.»
ناهد قلبها شد...
بس وشها؟ هادي.
- «زعلتك؟»
زين ضحك باستنكار... من غير روح:
- «أنا اللي ظلمتها »
الجملة دي...
كانت كفاية.
ناهد سكتت...
بس عقلها اشتغل بسرعة.
هو لسه متعلق بيها.
وهي كمان...
إيديها اتقبضت تحت الغطا...
لكن ابتسامتها فضلت:
- «طبيعي... بعد اللي حصل النهاردة.»
سكتت لحظة...
وبعدين قالت بنبرة هادية جدًا:
- «بس برضه... أنا مراتك يا زين.»
رفع عينيه لها...
نظرة فيها تحذير خفيف.
كملت بسرعة... كأنها بتصلح:
- «وأنا محتاجة لك... خصوصًا دلوقتي.»
وحطت إيده على بطنها...
- «عشان ابنك.»
الصمت وقع بينهم.
زين بص لإيدها...
بعدين وشه اتشد.
في حاجة جواه...
مش مرتاحة
قام وقف.
- «ارتاحي دلوقتي.»
قالها باختصار.
ناهد بصت له...
وهو بيمشي...
ولأول مرة...
ابتسامتها اختفت.
همست لنفسها بصوت واطي:
- «واضح إن اللعب لسه في أوله...»
عينيها لمعت...
مش بدموع... بشر واضح يبين إن اللي جاي مش سهل.
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
خرج من الغرفة و زفر بضيق. و اكمل طريقه.
- «زين!»
صوت الجد أوقفه في منتصف خطواته.
التفت ناحيته بسرعة...
كان الجد واقفًا في آخر الطرقة، ثابتًا كعادته، عيناه تحملان نظرة لا تُخطئها الهيبة.
- «تعالى يا ابني.»
نبرته كانت هادئة، لكن لا تحتمل النقاش.
فيش
في مكتب الجد
دخل زين خلفه بصمت...
وقف أمام المكتب دون أن يجلس، هيبته المعتادة حاضرة رغم التوتر الذي يحاول إخفاءه.
لاحظ الجد فورًا الضمادة في يده، فارتفعت عينيه ببطء:
- «إيدك مالها؟»
رد زين بهدوء:
- «جرح بسيط.»
اقترب الجد خطوة، ونظر إلى يده بإمعان، ثم قال بنبرة حادة:
- «بسيط إزاي؟ ده مش جرح عادي... حصل إيه؟»
سحب زين يده بهدوء، وكأنه يغلق باب الحديث:
- «قولتلك حاجة بسيطة يا جدي.»
سكت الجد لحظة، يراقبه بصمت، ثم قال بنبرة أهدأ ولكن أعمق:
- «اقعد.»
جلس زين أخيرًا، لكن جسده ظل مشدودًا، كأن أعصابه كلها في حالة استعداد.
جلس الجد أمامه مباشرة بعد أن دار حول المكتب، ثم شبك يديه بهدوء.
مرت ثوانٍ من الصمت الثقيل، قبل أن يتحدث:
- «أنا هسألك سؤال... وعايز رد صريح.»
رفع زين عينيه إليه بثبات:
- «اتفضل يا جدي.»
- «إنت ناوي تعمل إيه مع ناهد؟»
سقط السؤال ثقيلًا في المكان.
لم يرد زين فورًا...
بل تبدلت ملامحه لثانية، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره وسط العاصفة.
كمل الجد بصوت ثابت:
- «البنت دي دلوقتي في بطنها ابنك.»
سكت لحظة، ثم أكمل بحزم:
- «وده مش هزار يا زين.»
ثم أضاف بنبرة أكثر عمقًا:
- «أنا عارف إنك قدّ المسؤولية... وعارف إنك راجل مواقف، ما بتتهزش بسهولة.»
رفع نظره له مباشرة:
- «بس اللي جاي مش قرار عادي... ده حياة كاملة هتتربط بيك.»
شد زين على إيده المصابة دون أن يشعر، ثم قال بصوت منخفض:
- «أنا... مش هسيب مسؤوليتي.»
اقترب الجد قليلًا:
- «كويس.»
ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف:
- «لو في دماغك تفكر تطلقها دلوقتي... تبقى بتستعجل قرار هيكلفك كتير.»
رفع زين عينيه بسرعة:
- «ليه؟»
أجاب الجد بهدوء حاسم:
- «عشان في حتة منك جواها.»
سكت لحظة، ثم أكمل:
- «والحتة دي مش مجرد حمل... دي مسؤولية عمر.»
تنهد زين، وكأن الصراع داخله يزداد اشتعالًا.
الجد راقبه للحظة، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:
- «أنا عارف إنك قدّها... وقدّ أي حاجة تتقال عليك.»
ثم أضاف بثقة:
- «بس دلوقتي لازم تختار بعقلك... لأن أي اختيار هتاخده، هيغيّر حياة ناس كتير حواليك.»
سكت زين...
لكن عينيه لم تعد كما كانت.
كان هناك شيء يتغير بداخله... ببطء... وبقوة.
꧁꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
في اليوم التالي• تحديداً بجناح زين الرفاعي •
استيقظت جواهر على إحساسٍ غريب...
دفء يحيط بها، وثقل ذراعٍ يلتف حول خصرها بإحكام.
فتحت عينيها ببطء...
لتدرك أنها لم تعد على الأريكة.
بل... في الفراش.
وبجواره.
تصلبت ملامحها فورًا،
وما إن استوعبت الوضع حتى دفعت ذراعه بعنف، محاولة الابتعاد.
لكن-
"آه!"
خرجت منه متألمًا.
تجمدت مكانها لحظة...
عيناها اتجهتا فورًا إلى يده المجروحة.
"إيدك..."
قالتها دون وعي، بقلق واضح.
رفع زين عينه إليها...
ورغم الألم، ظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة... مستفزة.
"غريبة...
من شوية بتزقيني، ودلوقتي بتقلقي عليا؟"
تراجعت خطوة، وكأنها تذكرت نفسها فجأة:
"أنا... أنا ماليش دعوة بيك !"
اعتدل في جلسته ببطء،
وعينه لا تفارقها:
"لا، ليكي."
سكت لحظة... ثم قال بهدوء تقيل:
"زي ما من حقك تقلقي عليا...
من حقي أحضنك وإنتي نايمة."
اتسعت عيناها بصدمة وغضب:
"ملكش حق!"
مال قليلًا للأمام، صوته بقى أوطى... أخطر:
"ليه؟"
ردت بسرعة:
"عشان إحنا أصلًا مش هنكمل! أنا مش هكمل الجوازة دي!"
تغيرت ملامحه لثانية...
لكن رجع هدوءه بسرعة، كأنه يكتم شئ بداخله.
ابتسم بسخرية خفيفة:
"آه؟"
وقف قدامها، قريب... زيادة عن اللازم:
"طيب لما نتطلق بقى... ابقي قولي الكلام ده."
بصت له بعند:
"هقوله... ومش هتردد."
هز رأسه ببطء، وعينه فيها لمعة غريبة:
"نشوف."
ثم أشار إلى يده المجروحة:
"بس لحد ما ده يحصل...
خليكي فاكرة إنك لسه مراتي."
سكت لحظة...
وبعدين قال بنبرة أهدى... بس فيها تملك واضح:
"وحقوقي دي... أنا اللي أحددها."
اتجمدت مكانها،
وقلبها خبط بعنف رغم عنها.
لكنها رفعت رأسها بتحدي:
"أنا مش بتاعتك."
بصلها مباشرة... وقال بثبات:
"يبقى بطّلي تقلقي عليا."
سكتت.
مش لاقية رد.
أما هو...
فاكتفى بنظرة أخيرة طويلة،
ثم تحرك من أمامها، تاركًا خلفه توترًا أثقل من أي كلام.
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
في مجلس الجد داخل السرايا...
وقفت جوري أمامه، ملامحها متوترة لكنها تحاول التماسك:
"يا جدي، أنا لازم أرجع القاهرة... امتحاناتي قربت ومش هينفع أتأخر أكتر من كده."
رفع الجد نظره إليها بهدوء، ثم قال بصوت حاسم:
"وإزاي هتسافري لوحدك؟"
ترددت لحظة، ثم أجابت:
"هتصرف... مفيش حاجة."
هز رأسه برفض واضح:
"لا."
سكتت جوري، قبل أن يتدخل زايد الذي كان يقف على طرف المجلس يستمع بصمت.
التفت الجد إليه فجأة:
"أنت مش عندك شغل في القاهرة الفترة دي؟"
أجاب زايد بهدوء:
"أيوه يا جدي، معظم شغلي هناك."
أومأ الجد برأسه كأنه حسم أمره:
"يبقى تسافر مع جوري."
رفعت جوري رأسها بسرعة:
"أنا مش محتاجة حد يوصّلني!"
لكن الجد قاطعها بحزم:
"لا... أنا مش مطمن إنها تسافر لوحدها."
ثم وجه كلامه لزايد:
"هتكون مسؤول عنها لحد ما توصل وترجع."
أجاب زايد بثبات:
"حاضر يا جدي."
خرجت جوري من المجلس وهي لا تزال غير راضية عن القرار، بينما لحق بها زايد بخطوات هادئة.
قال بصوت منخفض:
"مش أنا اللي فرضت نفسي."
ردت بسرعة:
"وأنا مش عايزة حد يفرض نفسه عليا."
نظر إليها للحظة ثم قال بهدوء:
"أنا ما بفرضش نفسي... أنا بكمّل واجبي."
سكتت، بينما أكمل وهو يسير بجانبها:
"وطول ما واجبي بيقول إني مسؤول عنك... هكمل لحد الآخر."
لم ترد، لكن نظرتها إليه كانت تحمل ارتباكًا واضحًا، كأن الموقف كله أصبح أكبر من مجرد سفر عادي.
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂
بعد مرور يومين •
كان قد جاء موعد حنة راكان و رفيف•
___________________________________
تداخلت أصوات الزغاريد مع دقات الطبول الصعيدية لتعيد الحياة إلى جدران "سرايا الرفاعي"، حيث أُقيمت سرادق ضخمة في الساحة الواسعة، فُرشت بالسجاد اليدوي الفاخر، وتدلت الثريات الكريستالية لتعكس أضواءها على الوجوه المحتشدة.
وقف الجد في صدارة المشهد، يستند إلى عصاه الأبنوسية والابتسامة لا تفارق ثغره؛ فهو يرى في هذا الزواج لم شملٍ جديداً وضماناً لسطوة العائلة.
كان راكان في ساحة الرجال كأنه صقر جارح، يرتدي جلبابه الصعيدي من أفخر أنواع القماش، وفوقه "المنْديل" والعمامة البيضاء التي زادته هيبة ووقاراً. أما رفيف، فكانت في غرفتها كعصفور مكسور الجناح، ترتدي ثوب الحناء المطرز بخيوط الذهب، لكن وجهها الشاحب وعينيها اللتين غلفهما الحزن لم تستطع كل مساحيق التجميل إخفاءهما.
دنت منها أمها وهمست بحدة في أذنها:
"اضحكي يا بتي، الناس هتقول إيه؟ افردي وشك ده، بطلي دلع بوظتي الفرحة!"
في ساحة الحريم، ظهرت الجدة الكبيرة وهي تخطو بوقار تجاه ابنتها "أم جواهر". ما إن رأتها الأخيرة حتى ارتمت في أحضانها. ضمتها الجدة بقوة وقالت باشتياق:
"وحشتني قعدتك يا بنتي.. نورتي دارك،
اليوم مكانش هيكمل غير وانتي معانا
و في وسطنا أخيراً"
بينما وقفت ناهد وأمها في ركن قريب، يتبادلان نظرات الغل والانتصار، يرمقان أم جواهر بنظرات متفحصة وكأنهما كسبتا المعركة بوجود جنين في رحم ناهد.
أما بالأعلى في جناح زين الرفاعي...
كانت زينة ورسيل تحاولان بشتى الطرق إقناع جواهر بالتحرك.
زينة بحماس: " لازم تطلعي احلى واحدة و تغيظي ناهد ، دي مفكرة إنها ملكت السرايا بعد خبر الحمل ده!"
رسيل: "أيوة يا جواهر، اطلعي وريهم إنك ست الحسن والجمال ومرات زين الرفاعي."
جواهر ردت ببرود وهي تنظر للمرآة:
"أنا مش فارق معايا ناهد ولا غيرها، ومش محتاجة أثبت حاجة لحد.. مش هنزل."
في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخل زين بهيبته الطاغية، قميصه الأبيض مفتوح الياقة بعد يوم عمل طويل، وعيناه تجولان في الغرفة بحدة. نظر لشقيقتيه وقال باقتضاب:
"سيبونا لوحدنا شوية."
جواهر بسرعة وتوتر: "لا.. خليكم، مفيش داعي يمشوا."
لكن زين لم ينطق بحرف، فقط وجه نظرة واحدة حازمة لزينة ورسيل جعلتهما تنسحبان من الغرفة في ثوانٍ وتغلقان الباب خلفهما.
تقدم زين بهدوء، وأدار المفتاح في القفل "تكة" واحدة كانت كفيلة بجعل ريق جواهر يجف. وقعت عيناها على يده المجروحة، أثر سحبه السكينة بالأمس في لحظة انهيارها، فزاد توترها.
جواهر بصوت مرتجف: "بتقفل الباب ليه؟ افتحه يا زين."
اقترب منها حتى حاصرها تماماً بين ذراعيه والحائط، أنفاسه لفحت وجهها.
زين بهمس أجش: "إنتي خايفة والباب مقفول ليه؟ هو مش أنا جوزك برضه؟"
جواهر بتحدٍّ يحاول الصمود: "لا مش جوزي.. إحنا هنتطلق، بس مستنية الوقت المناسب."
ابتسم زين ابتسامة تذيب الصخر، وقرب وجهه من أذنها هامساً:
"مش هييجي الوقت ده صدقيني.. طول ما فيا نفس، إنتي ملكي."
زين: "هدخل أغير هدومي عشان ننزل.. وبالمناسبة، الفستان ده هياكل منك حتة، ثم غمز لها بمداعبة"
تركتها كلماته في حالة من الذهول، جلست تعد الثواني وقلبها يقرع كالطبول. خرج من غرفة الملابس مرتدياً بذلته الأنيقة، وقف أمامها وأعطاها ربطة عنقه وقال بنبرة آمرة مغلفة بحنان:
"اربطيها لي.."
اقتربت منه بيدين ترتعشان، حاولت جاهدة أن تنهي الربطة لتهرب من قربه، لكن زين لم يسهل المهمة؛ رفع يده المجروحة ومرر أصابعه بنعومة على عنقها، ثم نزلت يده لتمسك خصرها بجنون وتجذبها لتصطدم بصدره العريض.
جواهر بضعف: "لو سمحت افتح الباب.. الناس مستنيانا."
زين بابتسامة ساحرة وهو يميل لتقبيل عنقها بخفة: "إنتي بتتوتري بسرعة قوي ليه؟ خايفة تضعفي قدامي ولا خايفة من حبك؟
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
في محافظة القاهرة تحديداً أمام كلية الحقوق •
__________________________________
كان زايد الرفاعي يقف أمام بوابة الجامعة، يطالع ساعته بضيق مراراً. انتهت المحاضرات، وخرجت أفواج الطلاب، لكن جوري لم تظهر. حاول الاتصال بها، لكن هاتفها كان مغلقاً، مما أشعل نيران القلق والغضب في صدره.
لم يضع زايد وقته؛ وبحكم معارفه وعلاقاته، أجرى بضع مكالمات سريعة، ليعرف أن معظم طلاب دفعتها غادروا إلى حفلة في إحدى الفيلات البعيدة. انطلق بسيارته كالإعصار، وعقله ينسج سيناريوهات لا تبشر بالخير، فغيرة "الرفاعي" لا ترحم.
وصل زايد إلى مكان الحفل، حيث الموسيقى الصاخبة والأضواء الراقصة. دخل كالقضاء المستعجل، يشق الزحام بعينين تبحثان عن فريستهما، حتى وجدها. كانت جوري تتوسط حلقة من الزملاء، تضحك وتتحدث، بملابس لم يعتد عليها في الصعيد، ملابس وجد فيها زايد تعدياً صارخاً على تقاليده وقوانينه الخاصة بها.
بخطوات ثابتة ووجه جامد كالصخر، وقف أمامها مباشرة. صمتت الضحكات فجأة حين رأى الجميع هيبته الطاغية والغضب الكامن في عينه.
زايد بفحيح غاضب: "قدامي على العربية.. مش عايز أسمع صوت."
جوري، محاولة استجماع شجاعتها أمام زملائها: "زايد؟ إنت جيت هنا إزاي؟ و بعدين الحفلة لسه مخلصتش و عايزه اقعد مع أصحابي.
لم ينتظر زايد رداً؛ وبحركة خاطفة لم تتوقعها، انحنى وحملها على كتفه بقوة وسط ذهول الحاضرين وصيحات الاستهجان. كانت تضرب ظهره بيديها وتصرخ بانهيار: "نزلني يا زايد! يا متخلف نزلني!"، لكنه لم يعبأ، وخرج بها من القاعة إلى الحديقة الخارجية الفاضية.
أنزلها أمام سيارته بعنف، فاندفعت نحوه وهي تصرخ بوجع وقهر:
جوري: "إنت فاكر نفسك مين؟ إنت مجرد ابن خالي، لا جوزي ولا خطيبي عشان تفضحني بالشكل ده قدام الناس!"
كان زايد يتنفس بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط من فرط الغيرة التي أعمت بصيرته. وفجأة، ودون مقدمات، جذبها من خصرها بقوة، وأطبق شفتيه على شفتيها في قبلة عنيفة، قبلة صامتة تحمل كل لوعته وغضبه الذي كتمه طويلاً.
في هذه اللحظة، خرجت صديقتها من باب الفيلا، لتتجمد مكانها و هى ترى هذا المشهد.
أفاقت جوري من صدمتها، وبكل ما أوتيت من قوة، رفعت يدها وهوت بها على وجه زايد بـ "قلم" دويّ صوته في المكان.
جوري بدموع القهر والوجع: "إنت اتجننت؟ إزاي تجرؤ تعمل كدة؟
تركها زايد وهو يضع يده على وجهه، ونظراته تحولت من الغضب إلى انكسار غلفه بكبريائه، ثم سحبها ناحية سيارته و اركبها بالباب الامامي ورزع الباب خلفه بقوة.
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
انتهت مراسم الحناء الرسمية لـ رفيف، وبدأ الصخب يملأ أرجاء السرايا، بينما كانت العيون كلها معلقة بـ جواهر وهي تهبط درجات السلم بطلة ملكية خطفت الأنفاس بجمالها الصعيدي الأصيل
. خلفها مباشرة كان زين يخطو بهيبته الطاغية، وقد أحكم قبضته على خصرها بوضوح أمام الجميع، يرسل رسالة تملك صامتة لكل من تسول له نفسه النظر إليها.
عند ركن الدرج الداخلي، كانت زينة تقف بجوار زوجها عثمان (أخو جواهر)، تتابع الموقف بحذر. وفجأة، رأت عدي يقترب من زين وجواهر، ولاحظت تبدل ملامح شقيقها زين فور رؤيته. مالت زينة على أذن عثمان وهمست بقلق:
زينة: "عثمان، إلحق.. زين شكل أعصابه هتفلتمن كلام عدي وجواهر، والنظرة اللي في عينه دي وراها مصيبة، اتصرف وخد عدي بعيد."
انتبه عثمان وتحرك بسرعة قبل أن يتفاقم الموقف. كان عدي قد وقف بالفعل أمام جواهر بنظرة يملؤها الذهول التام، وقال بصوت خفيض يحمل صدقاً لم يستطع إخفاءه:
عدي: "عمر ما تخيلت إننا نطلع من دم واحد يا جواهر.. الظاهر إننا كلنا كنا مغميين، بس دلوقت عرفت ليه قلبي كان بيميل لكِ من أول لحظة شوفتك فيها غريبة.. الحقيقة دي كانت تايهة عننا كلنا."
تشنجت قبضة زين على خصر جواهر بقوة آلمتها، وبرقت عيناه بشرر الغضب الجارف. أرادت جواهر أن تذيق زين من مرارة الغيرة التي سقاها لها ببروده، فابتسمت لعدي بتمهل وقالت بنبرة ناعمة أحرقت أعصاب زوجها:
جواهر: "الصدف ساعات بتبقى أقوى مننا يا عدي.. وأنا زيي زيك، مكنتش أعرف إننا قرايب للدرجة دي، بس الظاهر إن في كلام كتير كان لازم يتقال من بدري."
في تلك اللحظة الحرجة، تدخل عثمان بذكاء ليقطع هذا الحوار الذي بدأ يشعل فتيل كارثة، ووضع يده على كتف عدي قائلاً بلهجة ودودة يحاول بها امتصاص غضب زين:
عثمان: "عدي! نورت يا ولد عمي، وصلت ميتى؟ معلش الوقت سرقنا والناس مستنية تسلم عليك بره، والجو هنا بقى زحمة قوي.. تعالى معايا."
وعلى مقربة منهما، كان منصور الرفاعي (والد زين) يقف مع أم عثمان (والدة جواهر). نظر منصور لابنة أخته بإعجاب شديد، وقال لأم عثمان بابتسامة وقار:
منصور: "جواهر دي ست البنات يا أم عثمان، وزين مش هيلاقي زيها واصل، وأنا مش هسمح لأي حاجة تفرقهم مهما حصل، كفاية اللي فات."
،ذهب زين ناحية أم جواهر وقال بنبرة حادة تخفي بركاناً من الغيرة المكتومة:
زين: "يا حماتي، أنا ورايا مصلحة ضرورية في القاهرة وهتحرك الليلة، وجواهر لازم تيجي معايا."
ردت جواهر بتحدٍ وهي تنظر لعينيه: "أنا مش هروح في مكان يا زين، أنا تعبانة وهقعد هنا في السرايا."
أومأت الأم لزين، وقالت له وهي تدفعه للخارج لينهي ترتيباته:
أم عثمان: "روح جهز العربية يا زين.. سيب الموضوع عليا،.
جواهر: انا مش هروح يا ماما معاه مكان.
الام: لا يا جواهر لازم تروحي لان جوزك مينفعش يروح لوحده.
جواهر: خليه ياخد ست ناهد.
الام: هتروحي و انا هطلع اجهزلك شنطة هدومك و لو مروحتيش هزعل منك يا جواهر.
رضخت جواهر لامر والدتها باستسلام ووقفت باعين فارغة تراقب الاجواء من حولها.
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂
انتهت ليلة الحنة و كان زين يستعد للسفر.
ذهب جلال ووضع الحقائب بالسيارة و اخيرا ترجل كلاً من زين و جواهر السيارة.
__________________________________
كان زين يقود بهدوئه المعتاد، يده المجروحة تضغط على المقود بصلابة، وعيناه تلمعان ببريق غامض خلف نظارته الشمسية رغم سواد الليل. بجانبه، كانت جواهر تجلس كتمثال من رخام، توليه ظهرها وتنظر من النافذة إلى الأشجار التي تمر بسرعة، كأنها تحاول الهروب من حقيقة وجودها معه في مكان واحد.
زين بهدوء مستفز: "هتفضلي باصة للشجر كتير؟ على فكرة الطريق لسه طويل، والسكوت ده مش هيغير حاجة."
جواهر ببرود وهي لا تلتفت إليه: "أنا مش عايزة أتكلم يا زين، أنا جاية معاك بس عشان خاطر ماما .. غير كدة مفيش بيني وبينك كلام."
ابتسم زين ابتسامة جانبية حملت الكثير من المعاني، لكنه لم يعلق، بل زاد من سرعة السيارة وكأنه يسابق الزمن للوصول.
بعد ساعات، توقفت السيارة أمام فيلا فاخرة في أحد أحياء القاهرة الراقية. كانت الفيلا غارقة في السكون، والحديقة تحيطها كأنها سور يحمي أسرار من بداخلها.
ترجلت جواهر من السيارة، ونظرت حولها بقلق:
"فين الخدم والحرس؟ المكان فاضي ليه؟"
زين وهو يترجل ويحمل حقائبها: "الخدم في إجازة، والحرس على البوابة بره.. ، مفيش داعي للقلق."
ابتلعت جواهر ريقها بتوتر، وشعرت بأن قلبها بدأ يقرع كطبول الحرب. صعدت خلفه للداخل، وكان ديكور الفيلا يجمع بين العصرية والفخامة، لكنها لم تكن في حالة تسمح لها بالإعجاب بشيء. صعدت إلى الجناح العلوي، ووضع زين الحقيبة في منتصف الغرفة واتجه للحمام ليأخذ "شاور" سريعاً بعد عناء الطريق.
دخلت جواهر الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بتنفس متهدج. فتحت الحقيبة لتبحث عن ملابس مريحة للنوم، لكنها تجمدت مكانها. عيناها اتسعتا بذهول وهي ترفع قطعة تلو الأخرى.. لم يكن هناك بيجامات قطنية ولا ملابس واسعة،
بل كان هناك "حرير، دانتيل، قمصان نوم قصيرة وجريئة" اختارتها والدتها بعناية فائقة.
في تلك اللحظة، فُتح باب الحمام وخرج زين، لم يكن يرتدي سوى شورت قطني أسود، وقطرات الماء تلمع على صدره العريض وشعره المبلل ينسدل على جبينه بجاذبية قاتلة.
تجمدت نظراته وهو يرى جواهر تمسك بقميص نوم "أحمر" من الدانتيل الشفاف وهي في حالة صدمة.
اقترب منها بخطوات هادئة، وصدره يرتفع وينخفض بانتظام، حتى وقف خلفها مباشرة، وشعرت بحرارة أنفاسه تداعب عنقها.
زين بهمس أجش وهو ينظر لانعكاسها في المرآة: "واضح إن حماتي بتعزني قوي.. ومركزة في أدق التفاصيل."
ارتبكت جواهر، وحاولت إخفاء القميص خلف ظهرها بسرعة، والتفتت إليه بوجه محتقن بالخجل:
"دي.. دي أكيد شنطة غلط! أنا مستحيل ألبس الحاجات دي، أكيد الشنطة دي مش بتاعتي!"
زين بابتسامة واثقة وهو يخطو خطوة أخرى ليحاصرها بينه وبين الطاولة: "مفيش شنط تانية يا جواهر، والشنطة دي اللي مامتك جهزتها ."
جواهر بتوتر: "أنا.. أنا هنزل أشوف ممكن الاقي شنط تانية تحت.."
زين وهو يمسك يدها برفق ويقربها منه: "مفيش شنط تحت، ومفيش خروج من هنا.. ادخلي خدي شاور و غيري هدومك عشان تنامي ."
دخلت جواهر الحمام بسرعة وأغلقت الباب بالمفتاح، وأسندت ظهرها عليه وهي تلهث.
أخرجت هاتفها وأرسلت رسالة لوالدتها: "يا ماما إيه اللي إنتي حطاه في الشنطة ده؟ أنا مش هقدر ألبس كده!"
جاءها الرد فوراً: "يا بنتي ده جوزك وحبيبك، والوقت بيجري منكم.. حافظي على بيتك وبطلي عناد، اللبس ده عشانك وعشانه، كوني ست يا جواهر و كفاية انه صبر ما فيه الكفاية.."
استسلمت جواهر للامر الواقع، ونظرت للقميص الذي في يدها بتردد، بينما في الخارج، كان زين يقف أمام النافذة، يراقب أضواء القاهرة، وعقله يخطط لكل ثانية قادمة.. ليلة لن تنساها جواهر، وليلة سيثبت فيها أن ما يملكه لا يمكن لأحد أن يشاركه فيه.
____________________________________
يتبع............
اعتذر جداً عن التاخير بنشر الفصل.
و اتمني أن الفصل يعجبكم؛؛؛؛
حاولت قدر المستطاع اكبر الفصل تلبية لطلبكم.
لو عجبكم الفصل متنسوش تعملوا ليه ڤوت و تكتبولي بالتعليقات رايكم فيه مستنية رايكم بفارغ الصبر و سيبولي توقعاتكم للفصول الجاية.
مين أكثر كابل حبيتوه في الفصل ؟
مين اكثر شخصية حبيتوها في الفصل؟
بالنسبة لمرام و إياد البارت تقيل جداً عشان كده مقدرتش احطلهم مشاهد بالفصل.
بس إن شاء الله هعوضكم الفصل القادم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!