الفصل 23 | من 23 فصل

عشق الرفاعي. الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم Shadow Muse

المشاهدات
8
كلمة
8,324
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

بعد دقائق مرت كأنها ساعات، انقطع صوت المياه من خلف الباب المغلق.كان زين يقف مستنداً بظهره إلى الطاولة، عيناه مثبتتان على باب الحمام الذي فُتح ببطء شديد. خرجت جواهر خطوة تلو الأخرى، كأنها تمشي على زجاج مكسور. كان قميص النوم الحريري ذو اللون الأحمر الداكن يلتف حول جسدها بنعومة، مبرزاً رشاقتها وخجلها الطاغي، بينما نسق الدانتيل الشفاف من الأعلى وعلى جانبي الساق يكشف عن توترها الواضح.

كان شعرها المبلل ينسدل على كتفيها، ووجنتيها تشتعلان حمرةً، لكن عينيها كانتا تحملان نظرة عتاب مخفية ترفض الاستسلام.لم تحرك عينيها من على الأرض، وأصابعها كانت تتشبث بطرف القميص بقوة، وتحاول سحبه للأسفل بعناد طفولي لجعله يبدو أطول.ابتسم زين ابتسامة جانبية واثقة، وظهرت تلك النظرة المسيطرة في عينيه. اعتدل في وقفته وتقدم نحوها بخطوات بطيئة ومدروسة، كصياد يعلم تماماً أن فريسته لا مفر لها.

مع كل خطوة يخطوها نحوها، كانت جواهر تشعر بأنفاسها تضيق، وعقلها يصرخ بكلمات والدتها وتأكيد زين المستمر بأنه لم يقترب من زوجته الثانية.. لكن فكرة أن تلك المرأة "حامل" كانت كالجمر الذي يحرق قلبها ويغذي عنادها.عندما أصبح أمامها مباشرة، لم يمنحها فرصة للتفكير.

انحنى قليلاً وهو يضع يديه في جيوبه، وهمس بنبرة أجشة ومستفزة: "اممم.. قولتلك مفيش شنط تانية، بس واضح إن العناد جاب نتيجة حلوة قوي.. الأحمر بياكل منك حتة يا جوجو."

رفعت عينيها إليه فجأة، والغيرة والتوتر يلمعان في حدقتيها، ورغم رجفة جسدها قالت بنبرة حادة حاولت جعلها قوية: "زين.. متفتكرش إني وافقت على المهزلة دي، أو إني نسيت! أنا بس ملقتش لبس تاني، وأول ما الصبح يطلع هصرف..!"

لم تكد تكمل جملتها حتى امتدت يد زين بسرعة مباغتة وقبض على خصرها، ساحباً إياها إليه ليرتطم جسدها بصدره العريض العاري. شهقت بجزع وتجمدت تماماً، بينما كانت دقات قلبها تقرع كطبل حرب يسمعه هو بوضوح.

انحنى برأسه نحو أذنها، وداعبت أنفاسه الحارة عنقها وهو يهمس بمكر يذيب حصونها: "هتتصرفي إزاي يعني؟ وريني هتعاندي إزاي وإنتي بين إيديا كدة؟"
ارتبكت تماماً، وشعرت بركبتيها تكادان تخذلانها من فرط التوتر وسيطرته الطاغية عليها بأقل حركة.

حاولت دفع صدره بيديها الصغيرتين لتخلق مسافة بينهما، لكنه لم يتحرك إنشاً واحداً، بل زاد من إحكام قبضته.

في تلك اللحظة، ومع حركة القميص الحريري القصير وارتفاعه قليلاً بسبب قربها الشديد منه، انحرفت نظرات زين لأسفل تلقائياً. تلاقت عيناه مع بشرة فخذها الناصعة البياض، ولمح شيئاً مميزاً خطف انتباهه.

على الجانب الخارجي لفخذها الأيمن، برزت وحمة واضحة وصغيرة، ذات لون بني دافئ وشكل فريد جداً يشبه نصف هلال.تأملها زين لثوانٍ بنظرة معجبة تائهة في تفاصيلها، مرتسماً على شفتيه ابتسامة خافتة وعميقة وهو يرى هذه العلامة التي تزيدها فتنة،


أعاد نظره إلى عينيها المتوترتين، وتعمقت ملامحه بنظرة تملّك دافئة خالية من المزاح، ثم انحنى وحملها فجأة بين يديه بخفة، لتطلق شهقة خافتة وتتعلق برقبته تلقائياً، مستسلمةً أخيراً لحصاره الذي لا يرحم، لتغلق الستار على ليلة ستغير كل شيء.

꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂

في القاهرة «عند زايد و جوري» •
__________________________________

ساد الصمت داخل السيارة، صمتٌ خانق لم يقطعه سوى صوت أنفاس زايد الثقيلة وصوت بكاء جوري المكتوم وهي تلتفت برأسها نحو النافذة الجانبية،

تراقب أضواء الشوارع السريعة وعيناها تفيضان بدموع القهر.كان زايد يقبض على مقود السيارة بقوة حتى ابيضت مفاصله. شعر بلسعة الصفعة على وجنته، لكنها لم تكن تؤلمه بقدر ما آلمه مرأى دموعها.

الغضب الأعمى الذي كان يقوده بدأ يتلاشى تدريجياً، ليحل محله شعور ثقيل بالذنب جثم على صدره. هو "زايد الرفاعي" الذي لم يخطئ يوماً في حق امرأة، كيف سمح لغيرته أن تعميه وتدفعه لانتهاك كرامتها بهذا الشكل؟

خفف سرعة السيارة ببطء، ثم ركن على جانب طريق شبه خالٍ ومظلم. أطفأ المحرك، والتفت نحوها بجسده.

طالع كتفيها اللذين كانا يهتزان من البكاء الصامت، فشعر بوخزة حادة في قلبه.بلع ريقه وصوته خرج متحشرجاً، خالياً من كل جبروته السابق: "جوري..."لم تجبه، بل زادت من التفافها نحو النافذة، وكأنها ترفض حتى النظر إلى وجهه.تنهد بعمق، وامتدت يده المرتجفة لأول مرة ليمسك كتفها برفق، لكنها انتفضت فوراً وأزاحت يده بعنف،


والتفتت إليه بوجه محتقن وعينين حمراوين يملؤهما الشرر: "متلمسنيش! إياك تمد إيدك عليا تاني يا زايد! إنت مفكر نفسك مين عشان تعمل فيا كدة؟ بأي حق تفرض عليا همجيتك وتكسرني قدام الناس؟"

نظر زايد إلى عينيها، ورأى فيهما مزيجاً من الخوف والوجع الذي تسبب فيه هو، فابتلع كبرياءه الصعيدي وقال بنبرة هادئة ومخلصة: "أنا آسف يا جوري.. وعارف إن اللي عملته ملوش مبرر، بس..." سكت لثوانٍ، وعيناه تشعان بصدق غريب: "الدم غلي في عروقي لما شوفتك واقفة وسطيهم باللبس ده وبتضحكي.. عقلي طار ومبقتش شايف قدامي."سخرت جوري بمرارة وهي تمسح دموعها بخشونة: "وإنت مالك؟ ده لبسي ودي حياتي! أنا مش جارية عندك في البيت عشان تتحكم في ضحكتي ولبسي! إنت مجرد ابن خالي، فاهم يعني إيه؟ مجرد ابن خالي!"كلمة "مجرد ابن خالي"

أصابت رجولته وكبرياءه في مقتل، لكنه في تلك اللحظة لم يهتم بكبريائه بقدر اهتمامه بألا تضيع من بين يديه.اقترب منها قليلاً، وعيناه تعلقت بعينيها بنظرة طويلة، عميقة، ممتلئة بلوعة واشتياق لم يستطع إخفاءهما هذه المرة.

لم ينطق بكلمات حب صريحة، لكن نظراته كانت تصرخ بكل ما يخفيه في قلبه: أنتِ لستِ مجرد ابنة خالي، أنتِ ملكي، وأنا واقع في حبكِ حتى النخاع دون أن أملك القدرة على الاعتراف.تلاقت أعينهما في صمت ساحر طال لثوانٍ، صمتٌ تبدلت فيه مشاعر الغضب إلى لغة أخرى يفهمانها جيداً.


جوري، رغم عنادها وقهرها، شعرت بنبضات قلبها تتمرد عليها وهي تقرأ في عينيه ذلك الضعف والخوف من خسارتها، نظرة تملك حنونة جعلت غضبها يهدأ تدريجياً ويسكن في صدرها. عيناه كانت تبثان لها اعتذاراً أعمق من أي كلمة، وتواصلاً روحياً كشف لهما - بدون وعي - عن عمق الحب الذي يربطهما.أشاحت جوري بنظرها عنه ببطء، كأنها تهرب من حصار عينيه الذي كاد يذيب عنادها

، وقالت بنبرة هادئة لكنها ما زالت تحمل بقايا عتاب: "دَوّر العربية يا زايد.. وعايزة أرجع السكن حالا."لم يجادلها زايد، بل ابتسم ابتسامة خافتة لا تكاد تبين، وارتياح طفيف يتسلل إلى صدره لأنها وافقت على الحديث معه ولم تعد تبكي.

أدار المحرك وانطلق بالسيارة بهدوء هذه المرة، بينما بقيت نظراتهما تتلاقى بوعي وبدون وعي عبر مرآة السيارة في طريق العودة، ليعلنا صمتاً أبلغ من كل كلام، وبداية لشرارة حب لن تنطفئ بسهولة.

꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂

عند زين و جواهر.

تسللت خيوط شمس الصباح الذهبية من بين شقوق ستائر الغرفة المخملية، لتنعكس بهدوء على وجه "جواهر" الملائكي. فتحت عينيها ببطء شديد، وشعرت بثقل دافئ يلتف حول خصرها. التفتت بجسدها بحذر، لتجد "زين" نائماً بجوارها بعمق، ملامحه الحادة التي كانت ترعبها بالأمس تبدو الآن مسترخية ووادعة بشكل أذاب قلبها.تذكرت تفاصيل الليلة الماضية... استسلامها، لمساته الحنونة، وسيطرته الطاغية التي جعلتها تنسى العالم بين يديه. توردت وجنتيها بخجل حارق، لكن سرعان ما انقبض قلبها بغصة مريرة هزت كيانها.فجأة، اقتحمت عقلها تلك الحقيقة الباردة التي تنهش روحها ... زوجته الثانية "حامل"!


تلاشت كل مشاعر الدفء، وحلت محلها نيران الغيرة والشك. كيف استطاع إقناعها بأنه لم يقرب تلك المرأة، بينما ينمو طفل في أحشائها؟! هل كان يكذب عليها طوال هذا الوقت؟! هل كانت ليلتهما معاً مجرد جولة أخرى لإرضاء غروره؟!

تحركت بعناد وبدأت تحاول إزاحة يده الضخمة عن خصرها لتنهض، لكن قبضة زين اشتدت عليها فجأة، وفتح عينيه ببطء وعيناه تلمعان بنظرة ثعلبية واثقة تنم عن أنه كان مستيقظاً ويراقبها منذ فترة.ابتسم زين ابتسامة جانبية هادئة، وقال بنبرة صوت صباحية أجشة:"رايحة فين على الصبح كدة؟ مفيش خروج من حضني يا جواهر."حاولت دفع صدره العاري بعنف وعناد، وقالت بنبرة حادة حاولت إخفاء رجفتها خلفها:"سيبني يا زين! ابعد عني.. اللعبة بتاعت امبارح خلصت خلاص،

ومفتكرش إنك محتاج تمثل أكتر من كدة!"تلاشت ابتسامته تدريجياً، وحل محلها الجمود والسيطرة. اعتدل في جلسته وسحبها من معصمها برفق ولكن بقوة جعلتها قريبة من وجهه تماماً، وهتف بعينين حادتين:"لعبة؟ وتمثيل؟ إنتي لسه مصممة تعاندي وتخربي اللحظة بكلامك ده؟"صرخت جواهر بدموع غيرة قهرت كبرياءها:"أنا مش بعاند! إنت اللي كداب يا زين! أنا ساكتة وبحاول أصدق كلامك إنك مقربتلهاش.. بس قولي إزاي مرتك التانية حامل؟! الطفل ده جيه منين؟! من الهوا؟!


جاوبني وريحني بدل ما إنت بتلعب بيا بالشكل ده!"مرر زين يده في شعره بتوتر طفيف، وتغيرت ملامحه المعتادة بثقة إلى تشوش غريب، وقال بنبرة هادئة يحاول بها السيطرة على الموقف:"جواهر.. أنا قولتلك الحقيقة .. أنا مش فاكر حقيقي إيه اللي حصل بالظبط، بس متأكد من إحساسي ناحيتك.

"سخرت جواهر بمرارة وأطلقت ضحكة باكية هزت أركان صدرها، ثم نظرت في عينيه مباشرة وقالت بنبرة تحدٍ مباغتة ضربت حصونه:"مش فاكر؟! بالبساطة دي؟! طيب تمام.. وأنا لو سلمت على عدي ونسيت، إنت بتعديها؟!"في تلك اللحظة بالذات، تجمدت الدماء في عروق زين. تحولت ملامحه في جزء من الثانية إلى وحش كاسر، وعيناه اشتعلتا بنيران غضب صعيدي جارف كاد يحرق الغرفة.

انقض عليها كالإعصار، وقبض على فكها بيده بقوة جعلت أنفاسها تتوقف، واقترب من وجهها حتى شعرت بفحيحه الحارق وهو يهمس من بين أسنان متلاحمة بجنون:"إنتي اتجننتي يا جواهر؟! بتنطقي اسم راجل تاني في حضني؟! وإحنا لسه نايمين على سرير واحد؟! عدي مين اللي بتجيبيه سيرة على لسانك في ليلتنا دي؟! قسماً بالله لو شوفتك بتلمحي لاسمه تاني، هتشوفي مني وش عمرك ما تتمنيه!"ارتجف جسد جواهر بالكامل من هيئته المرعبة وسيطرته العنيفة التي تفجرت فجأة، وأدركت أن عنادها هذه المرة قادها إلى حافة الهاوية مع رجل لا يرحم عندما يتعلق الأمر بغيّرته وتملّكه.


꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂

لم تستطع جواهر الحفاظ على قناع القوة أكثر من ذلك أمام فيضان غضبه المرعب. التمعت عيناها بدموع حارقة انهمرت رغماً عنها على وجنتيها، لتبلل أصابعه القابضة على فكها. ارتجفت شفتيها بقهر، وقالت بصوت متحشرج ومخنوق بالبكاء:"إنت بتوجعني يا زين.. سيبني!

"تلاقت عيناها الباكيتان بعينيه المشتعلتين، ورغم خوفها الطاغي من هيئته، إلا أن عنادها أبى أن يستسلم بالكامل، فتابعت بنبرة ممتزجة بالشهقات:"إنت اتعفرتت لمجرد إني نطقت اسم.. ومستكتر عليا أموت من قهري وأنا شايفة كدبك؟ أنا من حقي أنطق وأثور، ومن حقي أوجعك زي ما وجعتني وكسرتني بغموضك ده!"نزلت كلماتها كالمياه الباردة على نيران غضبه الجارف.

تطلع زين إلى وجهها المحتقن بالخجل والوجع، وإلى دموعها التي تسيل بغزارة، فشعر بوخزة ذنب حادة في صدره. تراخت قبضته على فكها ببطء، وتحولت نظرته المرعبة إلى ملامح مثقلة بالأسى
والتشتت.أبعد يده عنها تماماً، وزفر بنفَس حارق وهو ينهض من الفراش بعصبية، ممرراً كفيه على وجهه ليحاول استجماع شتات نفسه والسيطرة على شيطانه الصعيدي الذي ثار لمجرد ذكر "عدي".التفت إليها وجدها قد انكمشت على نفسها في زاوية الفراش، تخفي وجهها بين ركبتيها وتبكي بحرقة هزت أركان الغرفة.أغمض عينيه بقوة يحاول طرد صورتها الباكية من عقله، ثم اتجه نحو خزانة الملابس بخطوات سريعة وعنيفة، والجمود يكسو ملامحه من جديد، ليترك الباب موارباً خلفه خلف علامات استفهام وشكوك لم تزدها هذه المواجهة إلا اشتعالاً.


꧁꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂

في جزيرة منفردة ومنعزلة، حيث تلاطم أمواج البحر الهادئة يحاصر المكان...استيقظت مرام ببطء على وقع أنفاسه المنتظمة التي كانت تداعب وجنتها. تطلعت إلى ذراعه القوية المحيطة بها بإحكام، وشعرت بمزيج من التشتت والارتياح في آن واحد. التفتت بجسدها بحذر شديد حتى لا تفسد نومه، وراحت تتأمل ملامحه الحادة المسترخية.

عقلها عاد بها فجأة إلى الوراء... كيف انقلبت حياتها في ثوانٍ؟ فبعد تلك الليلة العاصفة التي تلاشت فيها حواجز الجفاء بينهما، لم تكن تتوقع أبداً أن يستيقظ في الصباح الباكر ليعلن بحسمه المعتاد كضابط: "جهزي نفسك، إحنا خارجين برا القاهرة كلها!"لم يمنحها فرصة للاعتراض، ولم يترك لها مجالاً للنقاش.

سحبها إلى هذه الجزيرة المنعزلة وكأنه يعيد رسم حدود علاقتهما بشروطه الخاصة. ورغم تلك الشحنات المتوترة التي كانت تطفو بينهما دائماً بسبب عنادها ومحاولاته المستمرة لفرض سيطرته، إلا أنها وجدت نفسها تستسلم بهدوء لهذا الحصار الدافئ.انسلّت من الفراش بخفة، وارتدت فستاناً صيفياً أبيض ناعماً، ثم اتجهت نحو المسبح الخاص بالجناح والمطل على البحر مباشرة، رغبةً منها في استنشاق بعض الهواء النقي وتهدئة أفكارها المتضاربة.

نزلت مرام إلى مياه المسبح الدافئة، وأخذت تسبح ببطء وهي تتأمل أفق البحر الساحر. غاصت لثوانٍ، وعندما رفعت رأسها لتمسح حبات الماء عن وجهها، تفاجأت بتموج عنيف في المياه خلفها.وقبل أن تستوعب ما يحدث، شعرت بقبضة قوية تلتف حول خصرها من الخلف، ليرتطم ظهرها بصدره العريض العاري الذي كان يرتفع وينخفض بانتظام.شهقت بجزع والتفتت برأسها، لتلتقي عيناها بنظراته الثاقبة والواثقة التي لم تترك لها مفرّاً. تحدثت بنبرة متوترة حاولت جعلها هادئة:"إياد! ابعد شوية.. إنت صحيت إمتى؟"ابتسم إياد ابتسامة جانبية خفيفة تحمل التحدي، وأحكم قبضته على خصرها أكثر وهو يهمس بصوته الأجش القريب من أذنها:"صحيت ملقتكيش جنبي، وعرفت إنك هربتِ هنا.. بس واضح إنك لسه متعلّمتيش إن مفيش مكان في الدنيا دي ممكن يخبّيكي مني."ارتبكت تماماً من قربه الطاغي، وحاولت وضع يديها على صدره لتخلق مسافة بينهما، وقالت وهي تلتفت برأسها يميناً ويساراً:"إياد.. نزلني أرجوك، لو حد من العمال أو الخدم عدا من هنا هيشوفنا بالشكل ده!"تلاقت عيناه بعينيها في نظرة تملّك طويلة أذابت ملامحها الخجولة، ثم رفع يده ببطء ليمسك ذقنها برفق ويجبرها على التركيز معه وحده، وقال بنبرة حاسمة وهادئة:"محدش هنا غيري أنا وإنتي وبس.. المكان ده كله محجوز لينا لوحدنا، يعني مفيش أي قوة على الأرض هتنقذكِ من تحت إيدي النهاردة.. لا عيانين، ولا مستشفيات، ولا شغل.. إنتي ملكي ومسؤولة مني أنا وبس يا دكتورة.


"أغلقت مرام عينيها لثوانٍ مستسلمة لنبرته التي تحمل أماناً يغلف سيطرته، وشعرت بنبضات قلبها المتمردة تعلن الرضوخ لحصاره وسط مياه المسبح الصباحية الدافئة

꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂

عند زين و جواهر •

___________________________________
بعد تلك المواجهة العنيفة التي كادت أن تحرق الغرفة ببركان غضبه، غادر زين المكان لتهدئة ثورته الصعيدية المكتومة. مرت ساعة كاملة كانت بمثابة دهر على جواهر، قبل أن يفتح الباب من جديد ويعود.كانت جواهر تقف أمام المرآة الكبيرة، وقد خرجت للتو من الحمام.

كانت ترتدي ثوباً قطنياً أبيض ناصعاً يلتصق بجسدها بنعومة، وشعرها المبتل ينسدل كالحرير على كتفيها، بينما كانت قطرات الماء لا تزال تداعب بشرتها الندية. تلاقت عيناها مع انعكاس وجهها الشاحب، لتتأمل تلك العلامات الوردية الداكنة التي تركها زين على عنقها؛ علامات كانت تفضح تفاصيل ليلتهما، وتذكرها في كل ثانية بضعفها الطاغي أمام جاذبيته.

سمعت صوت خطواته الواثقة تقترب، فتجمدت يداها وتلاحقت أنفاسها. انعكس طيف جسده العريض خلفها في المرآة، هيبته الطاغية ملأت المكان، وعيناه الحادتان تفحصتا ملامحها بنظرة غامضة، دافئة ومسيطرة في آن واحد.تقدم بخطوات بطيئة ومدروسة حتى أصبح خلفها تماماً. شعرت بحرارة جسده تقترب من ظهرها، ليفصل بينهما إنشات قليلة جعلت قلبها يقرع كطبل حرب.

رغم كل كبريائها وعنادها، ورغم الخوف الذي زرعه فيها قبل قليل، شعرت بجاذبيته القاتلة تنهش حصونها.. شعرت بضعف مألوف يتسلل إلى ركبتيها، وعقلها يصرخ بأنها لا تزال أسيرة لأقل حركة منه.وضع زين يديه في جيوبه، وانحنى قليلاً نحو أذنها، لتمتزج أنفاسه الحارة برائحة عطرها الصباحي المنعش. قال بنبرة صوت صباحية أجشة، هادئة ولكنها تحمل أمراً حاسماً لا يقبل النقاش:- "جهزي نفسك.. ربع ساعة ونكون في العربية وراجعين السرايا."التفتت إليه بجسدها فجأة، لتجعل ظهرها يستند إلى حافة طاولة الزينة محاولة خلق أي مسافة بينهما، ونظرت إليه بعينين تلمعان بالتوتر والغيرة، وقالت بصوت متقطع حاولت جعله قوياً:- "أنزل السرايا إزاي بالمنظر ده يا زين؟ قولي هداري العلامات دي إزاي قدام الناس.. وقدام مرتك اللي هناك؟!"تحركت عينا زين ببطء لتقعا على عنقها الناصع البياض،


ولأول مرة، رأت جواهر ملامحه تتصلب بطريقة مختلفة؛ لم يكن غضباً، بل كانت غيرة عاصفة وتملكاً أعمى يشتعلان في حدقتيه وهو يتأمل أثره عليها.

اقترب منها خطوة واحدة كانت كافية لتبتعلها هيبته، وامتدت أصابعه الخشنة لتتحسس بشرة عنقها بنعومة حارقة أذابت ثباتها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية حملت مكراً ورومانسية طاغية وهو يهمس:- "اممم.. طيب فكريني المرة الجاية أعملهم في مكان مداري، عشان متحتاريش كدة على الصبح."توردت وجنتاها بحمرة حارقة من جراء قوله، لكن عنادها انتفض فجأة ليدافع عن كبريائها الجريح، فقالت بنبرة حادة وهي تحاول دفع صدره العريض بيديها الصغيرتين:- "متعشمش نفسك قوي كدة.. مفيش مرة تانية يا زين!

"تلاقت عيناهما في مواجهة صامتة، وتغيرت نظرات زين في لمحة ليحل محل المزاح حصار مستبد لا يرحم. لم يتحرك إنشاً واحداً أمام دفعاتها، بل أحكم إمساكها وقبض على رسغيها الصغيرين بيد واحدة وضغطهما برفق ولكن بقوة ثبتتها مكانه. التفت بيده الأخرى ليلتقط الوشاح الحريري الطويل الموضوع بجانبه، وبحركات بطيئة ومدروسة زادت من نبضات قلبها التي كادت تفضحها، بدأ يلف الوشاح حول عنقها بنفسه، محكماً إغلاقه بعناية فائقة حتى اختفت كل علامة تحت الحرير.انحنى وقبّل جبينها بقوة تملك دافئة، ثم همس أمام شفتيها مباشرة بنبرة رجولية حاسمة تذيب الصخر:- "الوشاح ده أنا اللي لفيته بإيدي.. وكدة محدش هيشوف علاماتي غيري أنا وبس. اجهزي.. مستنيكي تحت."

تركها والتفت ليغادر الغرفة بخطواته الواثقة، تاركاً إياها تلتقط أنفاسها الضائعة، وجسدها لا يزال يرتجف من أثر قربه الطاغي

꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂

في المنيا عروس الصعيد•
__________________________________

كانت سرايا "الرفاعي" العتيقة تبدو من بعيد كقلعة شامخة، ترتدي حُلة الفرح رغماً عن الصراعات التي تغلي داخل جدرانها الكبيرة. الحركة لا تهدأ في الساحة الخارجية؛ الخدم يهرعون في كل اتجاه، الأضواء الملونة تُعلق على الجدران الحجرية، والموسيقى بدأت أصداؤها تتردد في الأفق استعداداً لليلة زفاف رفيف وراكان. فرحٌ صُنع بمخطط خبيث، ليزف عروساً مكسورة لـ "شرير القصةدون أن يدري أحد أن هذا الزفاف قد يكون بداية لنهاية الجميع.


وعلى بُعد مسافة من تلك الأجواء، كانت السيارة الفارهة تقطع الطريق في صمت مطبق. كان زين يمسك بعجلة القيادة ببرود وثقة، لكن عينيه لم تتركا جواهر للحظة واحدة؛ كان يتابع كل حركة تصدر عنها، يتأمل ملامحها وعنقها الذي طوقه بالوشاح الحريري بيده، محتفظاً بآثار تملكه لنفسه.شعرت جواهر بنظراته المصوبة نحوها كالسّهام، فكانت تهرب بعينيها عن عمد، مثبتةً نظرها على زجاج النافذة الجانبية وتتظاهر بمتابعة الطريق. كانت دقات قلبها تضطرب كلما لمحت انعكاس عينيه الحادتين في مرآة السيارة، والتوتر بينهما كان ملموساً كشحنات كهربائية؛ عنادها يمنعها من الالتفات إليه، وسيطرته تفرض حضورها في السيارة دون أن ينطق بكلمة.أخيراً، وبعد ساعتين من السفر والتوتر المكبوت، انفتحت البوابات الحديدية الضخمة لتعلن وصولهما إلى سرايا الرفاعي.

أوقف زين السيارة في منتصف الساحة، والتفت إليها بنظرة حاسمة وهتف بنبرة رجولية منخفضة وصارمة:- "وصلنا.. انزلي، وزي ما قولتلك.. الوشاح ده ميتشالش من على رقبتك طول ما إحنا برة الأوضة."نزلت جواهر من السيارة ببرود مصطنع تحاول به إخفاء توترها،

وفي تلك اللحظة، كانت "ناهد" تقف فعلياً في الشرفة العلوية، تضع يدها على بطنها بنوع من الفخر المزيف. ضاقت عيناها الصقريتان بغل وحقد دفين وهي تتأمل تفاصيل وصولهما، ولتستشف من طريقة وقوف زين وجرأته، والوشاح الملتف بإحكام حول عنق جواهر، أن هناك خطباً ما قد حدث بينهما في تلك الليلة.ارتسمت على شفتي ناهد ابتسامة خبيثة ومظلمة، وتمتمت بفحيح حاقد وهي تراقب صعودهما:- "اممم.. واضح إن ليلتكم كانت عامرة قوي والوشاح ده وراه حكايات.. بس اتبسطي يا جواهر، اتهني باللي باقي لك.. لو تعرفي بس أنا مخبيالكِ إيه! ده أنتي ياعيني نهايتك هتكون على إيد زين و بسبب أمك يا حرام."


وفي ذات الوقت، في الجانب الآخر من السرايا، كانت "رفيف" تقف خلف زجاج نافذتها بفستانها الأسود، وعيناها الباردتان الخاليتان من الحياة ترقبان الساحة بيأس تحول تدريجياً إلى وعيد؛ فهي ليست ملاكاً يستسلم للكسرة، وحتماً ستجعل من هذا الفرح مسماراً في نعش راكان وناهد معاً.

꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂

على الجانب الآخر من الطريق، كانت سيارة "زايد" تشق طريق العودة إلى السرايا مسرعة، بعد ذلك الاتصال الحاسم الذي تلقاه من جده الكبير. كان صوت الجد صارماً وهو يؤكد عليه: "لازم تيجي أنت وجوري يا زايد.. الفرح بكرة، وبلّغ زين إن إياد كمان لازم يحضر، مفيش حد من رجالة العيلة يغيب عن ليلة زي دي."

داخل السيارة، ساد هدوء دافئ يختلف تماماً عن صخب العالم الخارجي. التفت زايد بنظرة حنونة نحو "جوري" الجالسة بجواره؛ كانت قد استسلمت للنوم تماماً، ورأسها يميل برقة على كتفه. تأمل ملامحها الهادئة وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه. شعرت جوري لأول مرة منذ زمن طويل بأمان مطلق يغلف روحها، أمان جعلها تنام بعمق طفولي وهي بين يديه وفي حمايته، واثقة أن وجود زايد بجانبها يعني ألا يمسها سوء.

بعد ساعتين، كانت السرايا قد اكتملت لمتها. وفي بهو الطعام الكبير، التف الجميع حول طاولة الطعام الضخمة التي امتلأت بأشهى الأطعمة الصعيدية. جلس الجد في رأس الطاولة، وتأمل الوجوه المحيطة به بعينين تلمعان ببريق دافئ، وقال بنبرة صوت جهورية تحمل حنين الأيام:- "بقالي كتير محسيتش باللمة دي يا ولاد الرفاعي.. السرايا كانت واجعة قلبي وهي فاضية، وزينتها النهاردة كملت بوجودكم."كانت جواهر تجلس بجانب زين، والتوتر لا يزال يطوق صدرها. ومع حركتها العفوية لتناول كأس الماء، تحرك طرف الوشاح الحريري قليلاً عن عنقها دون أن تنتبه. في تلك اللحظة الخاطفة، التمعت عينا والدتها التي كانت تراقبها؛ لمحت الآثار الوردية الداكنة،


فارتسمت على وجهها ابتسامة نصر وراحة، ظناً منها أن ابنتها امتلكت قلب زين تماماً. وعلى العكس تماماً، التقت نظرات "أم زين" بذات البقع؛ اتسعت عيناها بصدمة وذهول من جرأة ابنها الذي لم يراعِ وجود أحد في السرايا وطبع وسم تملكه على عنق زوجته بهذه الطريقة الصارخة.
لم ينطق أحد بحرف، وساد صمت متحفظ، لكن "الجدة" بعينها الحكيمة ونظراتها الثاقبة استطاعت قراءة كل شيء. نظرت إلى زين وجواهر، ولمحت التوتر الرومانسي المكتوم بينهما، ليرتاح قلبها العجوز أخيراً وهي توقن بداخلها أن ثليج العناد قد ذاب، وأنهما أخيراً وجدا طريقهما للحب، دون أن تدري ما يخبئه الغد لهما.
وفي زاوية أخرى من الطاولة، كانت "راسيل" تجلس بقلب منكسر، وعيناها معلقتان بـ "علي" الذي كان يجلس في الجهة المقابلة. حاولت جاهدة أن تلتقط نظرة واحدة منه، لكنه تعمد تجاهلها تماماً،

موجهاً حديثه للرجال وكأنها لم تكن يوماً نبض قلبه، مما جعل الدموع تتحجر في عينيها قسوة.قطع هذا الصمت صوت وعاء تحرك، عندما اعتدل "راكان" في جلسته، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الفضفاضة والمزيفة التي يتقنها كبار الممثلين. نظر إلى الجد وإلى الجميع بنظرات تقطر براءة مصطنعة، وقال بنبرة شكر خبيثة تهكمت بها روح رفيف الجالسة كالصنم:- "أنا حقيقي مش عارف أشكركم إزاي يا جماعة.. وقفتكم جنبي وجنب رفيف فوق رأسي، وأنا حقيقي فرحان قوي إني وسطكم .. واطمنوا، رفيف في عنيا.


"انقبضت يد رفيف تحت الطاولة بقوة حتى ابيضت قسوة أصابعها، بينما التقت نظرات ناهد وراكان في لمحة سريعة؛ لمحة تحمل وعيداً وشراً يتدفق خلف الكواليس، فالجميع يأكل ويفرح، والسم يُطبخ على نار هادئة ليدمر السرايا بالكامل بعد انتهاء الفرح.

꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂

بعد أن انفضت تلك الجلسة العائلية المشحونة، صعد الجميع إلى غرفهم. أغلقت "زينة" باب الغرفة بهدوء، والتفتت لتجد زوجها "عثمان" قد ألقى بجسده على الفراش بتعب شديد، واضعاً ذراعه فوق عينيه من فرط الإرهاق بعد يوم طويل من العمل الشاق في شركة الرفاعي للاستيراد والتصدير، بجانب متابعة تجهيزات الفرح.كانت زينة ترتدي ثوباً منزلياً ناعماً يبرز بطنها المنتفخ بشكل واضح إثر حملها الذي انتصف؛

تقدمت نحوه بخطوات بطيئة، والابتسامة تزين وجهها وهي ترى ملامحه المجهدة. جلست على مقعد مجاور للفراش، ومدت يدها الرقيقة لتزيح ذراعه عن عينيه، وبدأت تمرر أصابعها في شعره بنعومة لتخفف عنه تعب اليوم.فتح عثمان عينيه ببطء، ونظر إليها بنظرة مليئة بالدفء والامتنان، ثم قال بصوت متعب ولكن حنون:- "ياااه يا زينة.. أنا كان مهدود حيلي بجد، بس وجودك جنبي ومراعاتك ليا دي اللي بترد فيا الروح."في تلك اللحظة، أضاءت شاشة هاتف عثمان الموضوع على الطاولة الجانبية معلنة عن وصول رسالة. التقطت زينة الهاتف بعفوية، وقرأت الاسم المكتوب ليتغير وجهها فوراً؛ كانت الرسالة من إحدى موظفات شركة الرفاعي للاستيراد والتصدير، تتحدث بنبرة فيها اهتمام زائد وتدعو له بالراحة بعد عناء العمل.


ضيقت زينة عينيها بغيرة واضحة، وأعادت الهاتف إلى الطاولة، ثم سحبت يدها وتراجعت قليلاً وهي تنظر إليه بنبرة حملت عتاباً طفولياً:- "اممم.. بترد فيك الروح؟ طيب والرسالة اللي جاية من ست الهانم في الشركة دي على بليل؟ أنت مبقتش تحبني يا عثمان.. وشكلك كدة بتخوني وعينك لبرة عشان بقيت تخينة من الحمل وبطني كبرت!"اعتدل عثمان في جلسته فجأة،

وانفجرت ضحكة هادئة من قلبه على مظهرها الطفولي وهي عاقدة حاجبيها وتحاول اصطناع الغضب والدموع. نظر في عينيها مباشرة بنظرة صادقة تقطر دلالاً وعشقاً، وقال بنبرة رجولية حنونة:- "أنا أخونك أنتي؟ وبسبب رسالة شغل؟ ده أنتي كل ما بطنك بتكبر كل ما غلاوتك وحبك في قلبي بيزيدوا يا أم ابني. وبعدين مين دي اللي أبص عليها برة وأنا معايا زينة بنات السرايا كلها؟ أنتي عندي بالدنيا وما فيها.

"تلاقت عيناهما في نظرة طويلة مليئة بالأمان، وتلاشت كل دفاعات زينة أمام عذوبة كلماته واهتمامه الصادق، فارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة ودافئة، ليعود الهدوء والسكينة إلى غرفتهما، بعيداً عن كل صراعات السرايا.

꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂

مع إشراقة الصباح، تحولت سرايا "الرفاعي" في قلب المنيا إلى ما يشبه خلية النحل التي لا تهدأ. فالأعراس في الصعيد لها مهابة خاصة وطقوس لا يمكن التخلي عنها. في الساحة الخارجية الشاسعة، أُقيمت المضايف الكبيرة واستعد الرجال لمراسم "المرماح" ورقص الخيل على أنغام المزمار البلدي، بينما كانت قدور الطبخ الضخمة قد وُضعت فوق النيران لإعداد ذبائح الفرح التي ستُوزع على أهل البلدة جميعاً كعادة كبار العائلات.داخل السرايا، كان الصخب لا يقل عن الخارج. الطابق العلوي شهد تحركات مستمرة؛ فالنساء يسرعن بالفساتين، وزينة العروس تُنقل إلى جناحها. كانت جواهر تتحرك بين الغرف لتشرف على اللمسات الأخيرة، محاولةً جاهدة إشغال عقلها عن التفكير في نظرات زين أو حقيقة وجود ناهد.أما "جوريفكانت تجلس في غرفتها والابتسامة لا تفارق وجهها وهي تتذكر أمان ليلة أمس في السيارة مع زايد، مما جعلها تقبل على مساعدة بنات العائلة بروح مرحة ونشاط ملحوظ. وعلى العكس تماماً،
كانت "زينة" تتحرك ببطء ودلال مستندة بوشاحها على بطنها المنتفخ، وعثمان يتابعها بعينيه من بعيد كلما مر في الردهة بنظرات تفيض حناناً وخوفاً عليها من الإرهاق.وفي وسط هذه البهجة المفتعلة، كانت العروس "رفيف" تجلس أمام مرآة جناحها كتمثال من رخام.
الفستان الأبيض الفخم يستقر بجانبها، لكن وجهها كان خالياً من أي تعبير ينم عن الفرح. كانت تنظر إلى انعكاسها بعينين باردتين، وتستمع إلى أصوات المزامير في الخارج وكأنها طبول حرب تُدق لزفافها من جلادها "راكان". كانت رفيف مكسورة من الداخل، لكن ملامحها لم تظهر الضعف؛ بل كان صمتها هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، والوعد الصادق بأن ليلتها لن تمر بسلام على من ظلمها.


꧁꧁꧁꧁ﷲ꧁꧂꧂꧂꧂꧂

رغم الأجواء المشحونة المحيطة بالفرح، وطوفان المعازيم الذين لم يتركوا زين للحظة واحدة طوال النهار، إلا أن عقله وعينيه كانا يبحثان عن جسد واحد فقط. مرت ساعات طويلة لم يلمح فيها طيفها، وكان الشوق والتملك ينهشان صدره الصعيدي بعنف.وفي تلك الأثناء، كانت جواهر تسير في الممر الجانبي المؤدي إلى الركن المخصص للحريم. كانت تبدو كحورية هبطت من السماء؛ ترتدي فستاناً أقل ما يُقال عنه إنه تحفة فنية، يلتف حول جسدها المتناسق برقة ويبرز أنوثتها الطاغية، بينما كان الوشاح الحريري لا يزال يطوق عنقها بإحكام بناءً على أمره الصارم.وفجأة، وأثناء سيرها بخطوات هادئة، امتدت يد ضخمة وقوية من خلف إحدى الأبواب المواربة. وقبل أن تستوعب ما يحدث أو تطلق صرخة واحدة، سُحبت بسرعة مباغتة إلى داخل غرفة واسعة ومظلمة، وأُغلق الباب خلفها بقوة.شهقت بجزع حقيقي، وارتجف جسدها بالكامل وهي تحاول التراجع في الظلام، تضرب صدر من يمسك بها بيديها الصغيرتين وتصيح بنبرة خائفة ومرتبكة:- "أنت مين؟! سيبني.. هصوت وألم عليك السرايا كلها!"انطلقت ضحكة رجولية أجشة ومنخفضة تملأ عتمة الغرفة، واقترب منها ذلك الجسد العريض حتى حاصرها تماماً بينه وبين الحائط. استنشقت جواهر رائحة عطرها المفضلة، لتتلاشى دقات قلبها المرعوبة وتحل محلها دقات من نوع آخر... دقات مضطربة من أثر قربه.خرج صوته دافئاً ومسيطراً، يحمل بحة اشتياق لم تستطع نبرته الصارمة إخفاءها:- "تلمي مين يا بنت الالفي؟ هو في حد يقدر يدخل ورايا هنا؟"التقطت أنفاسها بصعوبة، وحاولت استجماع عنادها المعتاد رغم أن ركبتيها كادتا تخذلانها من فرط التوتر، فقالت بنبرة حادة حاولت جعلها قوية:- "زين! أنت اتجننت؟ خضيتني! سايب برة المعازيم والفرح وجاي تسحبني في الضلمة زي الحرامية؟ ابعد عني عشان أرجع للحريم."لم يتراجع إنشاً واحداً، بل انحنى قليلاً لتلفح أنفاسه الحارة وجهها المشتعل في الظلام. امتدت أصابعه الطويلة لتتحسس قماش فستانها بنعومة، ثم ارتفعت لتستقر عند طرف الوشاح الحريري، وهمس بمكر ورومانسية طاغية أذابت كل حصونها:- "حرامية إيه؟ أنا داخل أسرق حقي.. بقالي طول النهار مش شايفك، وعيني كانت هتطلع من كتر التدوير عليكي.. والفستان ده؟ الفستان ده حسابه معايا بعدين لما نطلع أوضتنا، لأنه تحفة زيادة عن اللزوم ومكنتش عايز حد يلمح طولك بيه."ارتبكت تماماً وشعرت بضعف شديد يتسلل لقلبها أمام هذا الغزل الصريح الجريء، فحاولت دفعه برفق وهي تقول بصوت خافت تائه:- "زين.. أرجوك بلاش طريقتك دي، الناس برة هتلاحظ غيابنا.. سيبني أمشي."ابتسم في الظلام ابتسامة واثقة، وطبع قبلة حانية وسريعة على جبينها أخرست كل كلماتها، ثم قال بنبرة تملك حاسمة:- "هسيبك تمشي المرة دي عشان الفرح.. بس افتكري إن الوشاح ده ميتفكش، وجوجو ملكي أنا وبس.. يالا، اطلعي قدامي ومن غير ولا كلمة."ابتعد عنها هدوء وفتح الباب موارباً لتتسلل خيوط الضوء وتكشف عن وجنتيها اللتين اشتعلتا حمرةً، لتسرع بالخروج بقلب يخفق بشدة، تاركة إياه يتأمل طيفها بنظرة عشق عميقة، دون أن يدري كلاهما أن هذه اللحظة الدافئة ستكون آخر طوق نجاة لقلبيهما قبل أن ينقلب كل شيء رأساً على عقب.


꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
تصاعدت أصوات المزامير والطبول في ساحة سرايا الرفاعي، وعلت الهتافات ترحيباً بكبار الضيوف، لكن بالنسبة لـ "رفيف"، كانت كل هذه الأصوات تتبخر في الهواء. كانت تقف في ركن مخصص للعروس، محاطة بالزينة والمهنئين، تبتسم بآلية وبرود يخفيان بركاناً من الوجع.وفجأة، تاهت نظراتها وسط الحشود، وتجمدت الدماء في عروقها تماماً.

انفتحت البوابة الداخلية ليدخل "إياد" بهيبته الطاغية وخطواته الواثقة التي تحفظها عن ظهر قلب، ولكن... لم يكن وحده. كانت تقف بجانبه "مرامتبدو في غاية الأناقة والرقة، ويدها تستند برقة على ذراعه، في مشهد يقطر تناغماً وأماناً.في تلك اللحظة، شعرت رفيف بنيران الغيرة والهوس تنهش صدرها وتُحرق بقايا كبريائها. كانت لسنوات طويلة تظن أن إياد خُلق لها وحدها، كانت مهووسة بكل تفصيله فيه، والآن تراه يحضر ليلة زفافها ليس كعاشق هارب ينقذها، بل كمهنئ يشاركها "واجب عائلي" وبصحبته امرأة أخرى استولت على المكان الذي طالما حلمت به رفيف.

اقترب راكان منها، ولاحظ جمود نظراتها ومتابعتها لإياد، فابتسم ابتسامة خبيثة ومستفزة، وانحنى نحو أذنها يهمس بنبرة تقطر شماتة ودناءة:- "مبروك يا عروسة.. شايف عينك رايحة بعيد قوي، بس فوقي يا رفيف.. إياد خلاص مبقاش شايفك، ومعاه اللي تنسيه اسمك.. والنهاردة أنتي دخلتك على راكان، يعني بقيتي تحت رحمتي أنا وبس."نظرت إليه رفيف بعينين اشتعلتا فجأة بنيران الحقد والانتقام، ورغم المرارة التي تحرق حلقها، خرج صوتها حاداً كالشفرة وهي تجز على أسنانها:- "متفرحش قوي يا راكان.. إياد لو مش ليا، فأنت عمرك ما هتوصل لحاجة مني.. والفرح اللي أنت فرحان بيه ده هقلبه على دماغك ودماغ ناهد اللي ساعدتك."أشاحت بوجهها عنه لتعود وتنظر نحو إياد ومرام اللذين كانا يتقدمان لتهنئة الجد وزين، وعقلها يصرخ بوجع وهي ترى طيف حبها الضائع يتبخر أمام عينيها في الليلة التي سُجنت فيها مع أسوأ رجال الأرض.


꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂

مع انتصاف الليل، بدأت أضواء الفرح الصاخبة تخفت تدريجياً، وحلّ الهدوء على ساحة سرايا الرفاعي بعد أن غادر معظم المعازيم. كانت الأجواء تبدو مستقرة، لكن تحت الرماد كان هناك بركان يوشك على الانفجار.في الشرفة العلوية المطلة على الساحة، كانت "ناهد" تقف في الظلام، تسند بكلتا يديها على بطنها المنتفخة قليلاً، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تحمل شراً مستطيراً. لم تكن هذه الليلة وليدة الصدفة، بل كانت نتائج أيام من التخطيط الصامت والترقب.

تذكرت ناهد ذلك اليوم الذي وقفت فيه خلسة خلف باب غرفة الجدة، واستمعت بإنصات شديد لحديث والدة جواهر وهي تبكي وتتحدث مع الجدة بعين حكيمة عن تفاصيل تخاف عليها وتخص ابنتها، ذاكرةً تلك العلامة الفريدة: "الوحمة الصغيرة التي على شكل نصف هلال في فخذ جواهر الأيمن". منذ ذلك اليوم، قررت ناهد أن هذه التفصيلة ستكون السكين التي تذبح بها كبرياء جواهر.لقد طبخت مؤامرتها على نار هادئة، وجهزت كل شيء بدقة؛ ادعاء صاعق مدعوم ببعض الصور المفبركة باحترافية على الهاتف، صور تظهر جواهر في أماكن مشبوهة، لتبدو وكأنها كانت تعمل في وكر للدعارة قبل زواجها، وقامت بعملية تصحيح عذرية لتخدع العائلة.علمت ناهد أن زينالرفاعي رجل صعيدي قاسي، ذكي ولن يصدق مجرد صور قد يظنها ملعوبة؛ لذلك كانت تنتظر هذه الليلة بالذات لتضغط على زر النهاية. لقد أرسلت الرسالة الحاسمة إلى هاتفه، رسالة نصية تدميرية تشتمل على الادعاء والصور، ومزيدة بالسم القاتل: "لو مش مصدق الصور ومفتكر إنها متفبركة.. اسأل مرتك المصونة عن الوحمة اللي على شكل نصف هلال في فخذها الأيمن.. وشوف مين فينا اللي كداب وعارف تفاصيل جسمها قبل ما تلمسها أنت!

"تلاشت الابتسامة الخفيفة لتتحول إلى ضحكة مكتومة وشريرة تملأ الركن المظلم وهي ترى هاتفها يضيء معلناً نجاح الإرسال. نظرت ناهد نحو الجناح الخاص بزين وجواهر، وتمتمت بفحيح حاقد يقترب من الجنون:- "مبروك عليكي الليلة يا جواهر.. اتهني بآخر لحظاتك في السرايا. زين الرفاعي هيموتك في مقتلك، وغضبه الصعيدي هيحرقك لما يقرأ الرسالة دي بالذات.. لأن تفصيلة زي دي هتخليه يشوف الدنيا سواد، وهو بنفسه اللي هيطردك برة السرايا وبرة حياته كلها. اللعبة خلصت خلاص.. ونهايتك بدأت الليلة."

كااااات يتبع.........

عارفة إني غيبت عليكم أوي و بعتذر كتير بس كان غصب عني و إن شاء الله مواعيد النشر بعد كده كل يوم جمعة من كل اسبوع.... 🥳

المهم تعالوا بقى يا حلويين تعليقاتكم الجميلة بجد هي اللي خلتني انزل تاني رغم فقدان الشغف مستنياكم تفجروا البارت تفاعل عشان اقدر انزل في ميعادي 💛

لو البارت عجبكم متنسوش تعملوا ليه ڤوت و تكتبولي رأيكم في التعليقات مع توقكعكم للفصل القادم... سلااااام🤍❤

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...