يحيى وهو لا يزال يمسك ذراع هنا: "إن كنت لا تعرف سبب مغادرتها يا دكتور، فكان الواجب عليك أن تستأذن مني أنا أولاً، ألستَ من تركب بجوارك؟ هذه زوجتي، أم أنك لا تزال تعتبرها زوجتك؟ زياد مقاطعاً: "اهدأ يا يحيى وتفهم الأمر، فحسام ليس له أي موقف في الموضوع من الأساس، ولكن المشكلة عند هنا." ثم نظر لها وقال بهدوء: "لماذا يا هنا تركتِ الحفلة ولم تخبريه؟ يحيى بعصبية: "ولماذا خلعتِ فستانك؟ ولماذا لم تخبريني بما حدث؟
وأخذ نفساً عميقاً وزفره بضيق وقال: "ولكن لعليكِ أن كنتِ الآن قد نطقتِ بالحقيقة وقلتِ زوجتي، إذن فأنتِ أول الناس التي تنكرين صفتك زوجتي وتقررين أنه هي زوجتي، ولهذا سأطلقك يا هنا حتى تكتسبي صفتك الحقيقية." صرخت هنا في وجهه، ومدت يدها وكتمت فمه قبل أن ينطقها. فعلتها هذه هدّأته قليلاً وزادته غباءً فيها، ولكنه أسد ويعرف أن يتحكم في أعصابه، فلم يبين لها شيئاً وقال بكل عصبية:
"تفضل أنت يا دكتور حسام، ادخل للحفلة وأهلاً بك، فقد شرفتني." ثم نظر إلى والدة هنا وقال: "وأنتِ أيضاً يا والدة زوجتي المصون، ادخلي، فالحفلة أنتِ من أصحابها، والعتب عليكي لأنكِ لم تواجهيني وكأني لست بموجود من الأساس، حتى أنكِ تتبعين ابنتك في تصرفها الأحمق." ثم نظر إلى شقيقيها وقال:
"أما أنتم، فأتعجب كيف لم تنهونها عن فعلتها تلك، وكيف لم توضحوا لها أنها ملك يمين زوجها، وهو صاحب القرار الأول في حياتها، ألم تعرفوا قواعد دينكم؟ صمت الجميع أمام ثورة وزئير الأسد. أمر الجميع بالدخول للحفلة في هدوء، وهو لا يزال على نفس وضعه من إمساكه إياها من ذراعها، بينما هي تتأوه من قبضته وتبكي خوفاً منه وضيقاً على حالها. دخل الجميع وتبقى هو وهي، وظلت معلقة عيناها عليه في انتظار عقابها منه.
شد عليها في قبضته وسحبها ودخل بها من الباب الخلفي، ثم إلى السلم الداخلي لغرف النوم حتى لا ينتبه أحد من المدعوين، بينما ظل الجميع تحت قلقين مما سيفعله معها، إلا شهندة التي كانت تطير من السعادة، فكانت هي نجمة الحفلة والكل أخذ يناديها بزوجة قلب الأسد، حتى الصحف صورتها هي على أنها زوجته. ما إن دخل بها غرفتهم إلا ولفها أمامه لتكون في مواجهته، وبكل عصبية صاح بها: "لماذا لم تخبريني بما حدث؟ هنا: "عن أي شيء أخبرك؟
عن أمي التي كانت تعمل كخادمة؟ أم عن زوجتك التي اعترف بها الجميع وأنا نكرة؟ صاح بها أكثر وقال: "أنتِ من أردتِ أن تري نفسك هكذا." أمسكها من كتفيها وأخذ يهزها وينهرها قائلاً: "ألم أقل لكِ لا تدعي ثقتك بنفسك وتزيني بها، فثقتك بنفسك هي منكِ. ألم أقل لكِ خذي قوتك مني، فلماذا استسهلتِ الضعف ولم تتمسكي بقوتي لتقوي؟ ألم أقل لكِ أنكِ زوجتي وهي لا، فلماذا تقررين أنه هي زوجتي وأنتِ لا؟ ألم أقل لكِ أن كرامتكِ من كرامتي وأنكِ مني؟
فلماذا الآن تدنسين كرامتي؟ ألم أقل أنني حقكِ أنتِ وحدكِ، فتمسكي بي ودافعي عني ولا تتهاوني في، فلماذا إذن تهاونتي واستسلمتِ وسلمتيني لها؟ صاح بأعلى صوته فيها وقال: "لماذا يا هنا في كل مرة أشعر أنكِ لا ترشديني وأنكِ تستغنين عني بسرعة؟ لماذا لم تتمسكي بي؟ "كان أهون عليّ أن أراكِ متجبرة عليها ومتمسكة بي، بدلاً من شعوري بالانكسار هكذا وأنتِ لا تعترفين بأني زوجك." "كان أهون عليّ الموت قبل أن أراكِ تطلبين المساعدة من حسام."
"أهون عليّ أن أموت ولا أشعر أن هناك من هو أمانكِ غيري، ولكن الآن أنتِ من اخترتِ الانسحاب، وأنا لا أعيب عليها، فهي ترى أن بينكما حرب والخدع في الحرب مباح، فخدعتكِ من أجلي، من أجل أن تتمسكي بي، أسمعتِ؟ من أجل أن تتمسكي بي. هي تريدني لها وأنتِ تتخلين عني لها." "ولكن من الآن سأرضخ أنا لطلبك وسأعلن أنها بالفعل زوجتي وسآخذها معي في مقابلة الوفد، ومن الآن ليس هناك كلام بيني وبينكِ حتى تقررين هل ستبقين معي أم لا."
هم أن يتركها ويغادر، إلا أنها تمسكت به وارتمت في حضنه وقالت: "لا، لن أقبل عنكِ بديلاً، ولن أفكر من الأساس في هذا، ولكنني جرحت في كرامتي ولم أعرف كيف أتصرف، فتصرفت بحمق، أرجوك سامحني واغفر لي ذلتي."
يحيى كان من داخله يود أن يحتضنها كما احتضنته، وكان من داخله يشعر بما تعانيه وحزين على حالها ومشمئز من تصرف شهندة، وكانت هناك رغبة لديه في تقبيلها ليبث فيها الأمان ويطمئنها، إلا أنه تمثل لها بالجمود كنوع من العقاب لها، بينما هي مدت يدها وأحاطته بها وأخذت تتململ في صدره وتردد "سامحني"، لكن ظل هو متظاهراً بالجمود، ومد يده بهدوء وأبعدها عنه، وتركها وخرج وهو أكثر منها ألماً عليها.
ظل طوال الحفل شارد الذهن يفكر فيها، فقد تأكد أن روحه متعلقة بها وأنها الوحيدة القادرة على إسعاده أو شقاءه. من غيابك تفوح الأرض شوقاً إليك وتمتلئ السماء بعبق رائحتك وحين تغيب يعم الظلام أركاني ويسكن الخوف عروقي ويدب السكون في قلبي ويشتعل في داخلي الشوق إليك . أحبك لم يخف هذا على والدته، فاقتربت منه وربتت على كتفه وابتسمت له وقالت:
"لا تعاقبها كثيراً، فهي طيبة، وأعطها عذرها، فهي حتى الآن تخشى من فرق المستوى، وعليك أنت أن تبث فيها الاطمئنان والأمان، خاصة أن حبك لها وقلقك عليها واضح على ملامحك يا بني، ومن الأفضل أن تطلع تطمئن عليها." نظر لأمه وهو حزين وقال: "أردت أن تثق في وتثق أني لماكن أوافق على إهانتها وأنها مني، ولكنها استسلمت بسهولة." مداد صفاء: "اطلع لها يا بني، وأنا سأفسر غيابك بأن أحد الصحفيين يأخذ منك حواراً هاماً في غرفة مكتبك."
وكأنما وجد في كلام أمه طوق النجاة، فتركها وصعد إليها بسرعة، وما إن وصل لباب غرفتهم وقبل أن يفتح الباب، وقف يتنهد ليستجمع قواه، فهو يهيم لها شوقاً ولكن يريد معاقبتها، وفي ذات الوقت يريد أن يطمئن عليها، فكان بداخله مشاعر مختلطة كلها منها ولها، وأخيراً فتح الباب فوجدها نائمة في وضع الجنين وهي تبكي، وكانت لا تزال بملابسها. بكى من داخله عليها، ف صغيرته لا تشعر بمدى حمايته لها حتى الآن.
دخل وهو متصنع الهدوء، وإن كانت هنا تعلم أنه مطوق شوقاً لأن يحتضنها لكفت عن البكاء. كانت تشعر به، ولكنها لا تجرؤ على النظر إليه. بدل ملابسه وجاء بجوارها ونام ممدداً، ولكنه ولاها ظهره، وكان يود أن يلتفت إليها ويحتضنها.
بكت أكثر هي عندما وجدته موليها ظهره، فاقتربت منه، وكان هو يشعر بها ووضع يده على قلبه ليهدأ من ضرباته وهي تقترب منه، وفجأة اقشعر كامل جسده عندما وجدها تتشبث فيه من الخلف كما الأطفال وتبكي، وأخذت تتوسل إليه ألا يغضب منها أكثر من هذا وأن يلتفت إليها، ولكنه لم يجيبها، بينما كان هو أكثر منها عذاباً.
ان شعرتي كم كنت أتمزق شوقًا عليكِ لمجرد غيابكِ عن عيني للحظات، لتأكدتي أن عيني لن ترى غيركِ وأن قلبي لن ينبض إلا لكِ. وبكى، وإن كنتِ عرفتي مدى كلمة "أني حقكِ أنتِ"، لحاربتي العالم كله لأجلي. حبيبتي التي عشقتها من دون النساء. يا ابتسامة صافية جميلة تعرف معنى النقاء. يا روح تتدثر داخلي، يا حبًا سكن بقلبي واستقر حتى الفناء. يا ساعة غالية عرفتكِ فيها وضميتكِ، وفضلت بقائكِ بين أضلعي.
ابتسمت له فمد يده ومسح دموعها، وهي على نفس وضعها دافنة رأسها بصدره، ثم ألصق جبينه بجبينها وهمس لها وقال: تنهدي. ابتسمت له ولم تعارضه، فاستنشق عبيرها وقال: وما الحل الآن؟ أنا أريد أن أراكِ بالفستان وأعيش ليلتي معكِ. ابتسمت هي وقالت: حالًا سأرتديه لكِ. وهمت أن تقوم، فجذبها إليه وقال: بل سأساعدكِ أنا. عاش الحبيبان ليلتهما في سعادة، حاول كل منهم أن يسعد الآخر، وانتهت ليلتهما بأن صارت هنا زوجة شرعية ليحيى.
في الصباح، أيقظها يحيى بابتسامته العذبة وقال: أشعر وكأني سأصبح رجل أعمال فاشل، فأنا لا أريد الابتعاد عنكِ، فما الحل إذن؟ ابتسمت هنا له وقالت: بل أنا التي سأصبح دكتورة فاشلة ولن أكمل رسالة الماجيستر، فلن أستطيع التركيز في شيء وأنا كلي مشغولة بكِ. ابتسم لها وقال: أنا آسف يا هنايا. مرتين، مرة لأني شغلتكِ عن عملكِ، والأخرى لأني لمستكِ قبل موعد زفافنا، وقد أخليتُ بوعدي مع والدتكِ، وهذا ليس من شيمي.
ابتسمت هنا له وقالت: لا تعتذر، فأنا زوجتكِ أمام الله. يحيى: لا يا هنايا، أنا لازلت عند وعدي، وهذا حقكِ علي. سأعلن زواجنا بفرح يتحاكى عنه، ولكن اعذريني، سأؤجله حتى أقابل تلك الأوغاد وأصفي كل شيء معهم. هنا بخوف: لم أصدق حتى الآن ما قلته لي، ولكن ما الأمر إن لم تذهب إليهم؟ يحيى بضيق: هم عصابات كبيرة وحياتي عندهم ليس لها أي ثمن. المهم عندهم هم نجاح صفقاتهم، وأنا لابد أن أبلغ عنهم وأرتب مع الشرطة. هنا: لكنني قلقة عليك.
يحيى ضمها له وقال: لا تخافي علي يا صغيرتي، فالأعمار بيد الله. أم نسيتي أنني كنت ميت وعدت بمشيئته؟ ولكن ما يجعلني أخوض معهم هو أنني أريد أن أعرف ما مداهم لحكاية بلدي منهم. ثم استطرد قائلًا: المهم عندي، لا تفكري أنتِ في أي شيء واجعلي كل همكِ في رسالتكِ، فسوف أصنع لكِ حفلة بمناسبة مناقشة الماجيستر كبيرة. ومن اليوم أنتِ زوجتي أمام الجميع حتى يوم حفلة زفافنا الكبيرة.
ابتسمت له وقبلته، ثم دخلت لتأخذ حمامها، بينما هو شرد ذهنه، فهو خائف عليها وعلى صغيره وعلى أمه، فقد يصيبه أي مكروه من تلك الأوغاد. وبعد أن كان مسؤولًا عن أمه فقط، وهذه كانت ملقبة بالمرأة الحديدية، أي أنها تستطيع أن تدير شؤونها بنفسها، ولكن الآن لديه طفل لا يعي للدنيا شيئًا وزوجة لا تشعر بالأمان إلا معه. فدعا ربه أن يحميه لأجلهم. وشرع في تبديل ملابسه وذهب لعمله ليبعد تفكيره عن الأفكار المخيفة ويرتب أفكاره.
مرت الأيام بسرعة بسعادة على يحيى وهنا، وأصبح يوسف أكثر تشبثًا بهنا، بينما أصبحت شهندة تخرج بحرية أكثر، فلم يعد هناك من يمنعها، فقد ظهر يحيى للجميع. ولكنها كانت بين الحين والآخر في انتظار طلاق يحيى لها. جاء اليوم الموعود للمقابلة، ولم ينم يحيى في تلك الليلة، وظل ناظرًا على تلك المتشبثة في صدره، وأخذ يحادث نفسه: ماذا ستفعل وكيف ستكون حياتها إن أصابني سوء؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!