الفصل 4 | من 6 فصل

الفصل 4

المشاهدات
7
كلمة
1,601
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

أشرقت شمس الصباح على عذبة النخيل، وتسللت أشعتها الذهبية بين سعف النخيل لتوقظ القرية على أصوات الديكة، وحركة الفلاحين المتجهين إلى أراضيهم. استيقظت همس على صوت الحاجة خديجة وهي تنادي برفق من خلف الباب. ـ صباح الخير يا بتى... اصحى ياله، النهار طلع. فتحت همس عينيها ببطء، وجلست على السرير وهي تنظر حولها للحظات، قبل أن تتذكر أين أصبحت. ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ أيام، ثم ردت: ـ صباح الخير يا حاجة...

حاضر، نازلة حالًا. اغتسلت سريعًا، وارتدت جلبابًا بسيطًا كانت الحاجة خديجة قد أحضرتها لها، ثم لفت طرحتها بإحكام، ونزلت إلى ساحة البيت. كانت الحاجة زينب قد أعدت فطورًا خفيفًا. ابتسمت وهي تقول: ـ تعالى يا بنتى... كلى لقمة قبل ما تمشوا. جلست همس إلى جوارهما، وأكلت في هدوء، بينما كانت الحاجة خديجة تراقبها بعينين مليئتين بالحنان. وما إن انتهوا، حتى أمسكت خديجة بطرف عباءتها وقالت: ـ يلا يا همس...

هنروح بيت الحاج عبد الجواد الدمنهوري قبل ما الست الكبيرة تبدأ شغلها. أومأت همس في طاعة. خرجتا من البيت، وسارتا بين طرقات القرية الضيقة. كان أهل القرية يلقون السلام على الحاجة خديجة، وهي ترد عليهم بابتسامتها الهادئة، بينما كانت همس تسير إلى جوارها في صمت، تخفض بصرها كلما مر أحد بجوارهما.

بعد دقائق، ظهرت أمامهما بوابة حديدية كبيرة، تعلوها زخارف قديمة، وخلفها بيت واسع تحيط به حديقة مليئة بأشجار الليمون والياسمين والنخيل. وقفت الحاجة خديجة وقالت بابتسامة: ـ اهو يا بنتى... ده بيت الحاج عبد الجواد الدمنهوري. رفعت همس رأسها تتأمل المكان بإعجاب. كان البيت أشبه بقصر ريفي عريق، بُني بالحجر والطوب الأحمر، وتحيط به شرفات خشبية قديمة تدل على أصالة أصحابه.

طرقت الحاجة خديجة الباب، فلم تمض لحظات حتى فتحته سيدة في أواخر الخمسينيات، تبدو على وجهها ملامح الوقار. ابتسمت فور أن رأت خديجة. ـ أهلًا بالحاجة خديجة... اتفضلى. ابتسمت خديجة وردت السلام، ثم أشارت إلى همس. ـ دى همس يا ست أمينة... بنت قريبتى، قلت أجيبها تساعدنى فى الشغل لحد ما ربنا يفرجها. نظرت أمينة إلى همس بنظرة اعجاب هادئة من جمالها، ثم ابتسمت ابتسامة طيبة. بسم الله ماشاء الله ـ أهلًا بيكى يا بنتى...

الشغل هنا له أصول، لكن محدش هيظلمك بإذن الله. تنهدت همس براحة، وقالت بأدب: ـ ربنا يكرم حضرتك. دخلت الفتاتان إلى فناء البيت، وكانت رائحة الزهور تملأ المكان، بينما كانت الخادمات ينتهين من تنظيف الساحة، وصوت الطيور يملأ الأجواء. همست الحاجة خديجة لهمس وهي تسير بجوارها: ـ متقلقيش... اشتغلى بهدوء، وأنا جنبك، ولو احتجتى أى حاجة قوليهالى. أومأت همس برأسها، بطاعة واصلت همس السير خلف الحاجة خديجة حتى دخلتا إلى المطبخ الكبير.

كان المطبخ واسعًا، تتوسطه منضدة خشبية طويلة، وعلى الجانبين أفران بلدية مشتعلة، وقدور نحاسية كبيرة، بينما تنشغل النسوة كلٌّ في عملها؛ واحدة تعجن، وأخرى تُقطّع الخضار، وثالثة تُخرج أرغفة الخبز الساخنة من الفرن. ابتسمت الحاجة خديجة وهي تربت على كتف همس برفق. ـ تعالى يا بتى... ابدأى معايا. أمسكى الخضار ده واغسليه الأول.

أومأت همس في هدوء، وشمّرت عن ساعديها، ثم بدأت تعمل كما طلبت منها، تحاول أن تتعلم كل شيء بسرعة، حتى لا يشعر أحد بأنها غريبة عن هذا المكان. كانت تنصت لتعليمات الحاجة خديجة باهتمام، تنفذها بحذر، وكلما أخطأت في شيء كانت خديجة تصححه لها بابتسامة حنونة، دون أن ترفع صوتها. لكن مع مرور الوقت... بدأت حرارة المطبخ تشتد. لهيب الأفران البلدية كان يملأ المكان، والبخار المتصاعد من القدور يجعل الهواء خانقًا.

شعرت همس بقطرات العرق تنساب على جبينها، وبدأ وجهها يشحب شيئًا فشيئًا. حاولت أن تتمالك نفسها. مسحت عرقها بطرف طرحتها، وأكملت العمل دون أن تشتكي. لكن أنفاسها أصبحت أثقل، ورؤيتها بدأت تضطرب قليلًا من شدة الحر. كانت الحاجة خديجة تراقبها من بعيد. وبحكم خبرتها، أدركت فورًا أن الفتاة ليست معتادة على مثل هذا العمل، ولا على الوقوف ساعات أمام الأفران. اقتربت منها بهدوء، ثم قالت بصوت منخفض حتى لا يحرجها أحد: ـ مالِك يا همس؟

وشِّك اصفر كده ليه؟ ابتسمت همس ابتسامة باهتة وهي تحاول إخفاء تعبها. ـ مفيش يا حاجة... أنا كويسة متقلقيش. نظرت إليها خديجة نظرة أم حنون، ثم هزت رأسها وهي تبتسم. ـ لا... أنتِ شكلك تعبان . إنتِ أول مرة تقفى فى مطبخ بالشكل ده أصلًا. خفضت همس رأسها في خجل، ثم اعترفت بصوت خافت: ـ أيوه... عمرى ما دخلت مطبخ . ربتت الحاجة خديجة على يدها بحنان. ـ ولا يهمك يا بتى... متقلقيش هتتعلمى الشغل واحدة واحدة، ومحدش اتولد يعرف كل حاجة.

ثم التفتت إلى إحدى السيدات العاملات وقالت: ـ يا أم حسن، خدى بالك من الأكل دقيقتين. التفتت بعدها إلى همس. ـ تعالى معايا... اخرجى بره شمى شوية هوا، بدل ما تقعِى من طولِك. حاولت همس الاعتراض. ـ بس الشغل... الحاجة أمينه لو ملقتنيش هتزعل وممكن تمشينى قاطعتها خديجة بابتسامة حازمة. متقلقيش الحاجة أمينه ست طيبه ـ ياله تعالى الشغل يستنى، لكن صحتك لأ. يلا يا بتى. خرجت همس معها إلى الفناء الواسع.

وما إن لامستها نسمات الهواء القادمة من بين أشجار الليمون والنخيل، حتى أغمضت عينيها براحة، وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها تستعيد أنفاسها لأول مرة منذ ساعات. ناولتها الحاجة خديجة كوبًا من الماء البارد. ـ اشربى... وهترجعى أحسن إن شاء الله. أخذت همس الكوب، وشربت منه على مهل، ثم نظرت إلى الحاجة خديجة بعينين امتلأتا بالامتنان. ـ ربنا يخليكى ليا يا حاجة... والله لو ما كنتيش جنبى، معرفش كنت هعمل إيه.

ابتسمت الحاجة خديجة وربتت على خدها بحنان. ـ متقوليش كده يا بتى... من يوم ما دخلتى بيتى وإنتِ بقيتى زى بنتى بالظبط. وأنا عمرى ما أسيب بنتى تتعب واسكت خليكى هنا شويه ولما تحسى انك بقيتى أحسن تعالى أنا هدخل اكمل اللى ورايه. ابتسمت همس لأول مرة ابتسامة صادقة، وشعرت بدفء لم تشعر به منذ زمن، بينما كانت نسمات الصباح تداعب وجهها، شق السكون صوت صهيل حصان قوي، تردد في أرجاء البيت. رفعت همس رأسها بسرعة، واتسعت عيناها بدهشة.

ثم تبعه صوت حوافر تضرب الأرض في انتظام، كأن الحصان يتحرك داخل مكان قريب. التفتت يمينًا ويسارًا تبحث بعينيها عن مصدر الصوت، فوقعت نظراتها على مبنى حجري يقع في طرف الحديقة، وبابه الخشبي نصف مفتوح. خرج منه الصهيل مرة أخرى. همست لنفسها باهتمام: ـ أكيد ده الإسطبل... كانت همس تعشق الخيل منذ صغرها، وكلما رأت حصانًا وقفت تتأمله بإعجاب، لكن لم تتح لها الفرصة يومًا للاقتراب من أحدها. ترددت للحظات...

ثم نهضت ببطء، وسارت في هدوء حتى لا تزعج أحدًا. كلما اقتربت، كان صوت الحصان يزداد وضوحًا. وقفت عند باب الإسطبل، ومدت رأسها بحذر إلى الداخل. كان المكان نظيفًا وواسعًا، تصطف فيه عدة خيول عربية أصيلة، تتلألأ جلودها تحت أشعة الشمس المتسللة من النوافذ الخشبية. لكن أكثر ما لفت انتباهها كان حصانًا أسود شامخًا، يقف في آخر الإسطبل، يهز رأسه بعنف ويطلق صهيلًا قويًا، وكأنه يشكو من شيء أو ينتظر شخصًا يعرفه.

تعلقت عينا همس به في انبهار، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تخطو خطوة صغيرة إلى الداخل، وعيناها لا تفارقان ذلك الحصان الجميل. تقدمت همس بخطوات مترددة نحو الحصان الأسود. كان شامخًا، قوي البنية، يضرب الأرض بحافره بين الحين والآخر، لكن ما إن اقتربت منه حتى هدأ فجأة، وانخفض صهيله شيئًا فشيئًا. وقفت أمامه وهي تنظر إليه بإعجاب، ثم رفعت يدها ببطء شديد، وكأنها تستأذنه. لامست أصابعها الناعمة عنقه برفق...

ولدهشتها، لم يبتعد الحصان، ولم يبدِ أي نفور، بل حرك رأسه قليلًا، وأخذ يشم كفها في هدوء، ثم مال برأسه نحوها كأنه ألف وجودها منذ زمن. ابتسمت همس لأول مرة بعفوية، وراحت تربت على عنقه وهي تقول بصوت خافت: ـ إنت جميل أوي... ما شاء الله عليك. أغمض الحصان عينيه للحظات، وكأنه يستمتع بلمساتها الحانية. ضحكت همس بخفة، وبدأت تداعب مقدمة رأسه، بينما كان هو يبادلها الهدوء بطريقة أدهشتها. وفجأة... قطع ذلك الهدوء صوت

رجولي عميق خرج من خلفها: ـ إنتِ مين... وبتعملي إيه مع حصاني؟ انتفض جسد همس بقوة، وتجمدت يدها في مكانها. تسارعت أنفاسها، وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها. استدارت ببطء شديد... وما إن وقعت عيناها على صاحب الصوت، حتى شحب وجهها تمامًا. كان يقف عند باب الإسطبل، طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي جلبابًا صعيديًا بسيطًا، وقد عقد ذراعيه أمام صدره وهو ينظر إليها باستغراب. أما همس... فلم تسمع شيئًا بعد ذلك.

تلاشت الأصوات من حولها، وبدأت الرؤية تتشوش أمام عينيها. حاولت أن تتمالك نفسها، لكنها ترنحت خطوة إلى الخلف. ثم أغمضت عينيها، وسقط جسدها الصغير فاقدًا للوعي. اتسعت عينا فارس بصدمة، واندفع نحوها بسرعة قبل أن ترتطم بالأرض، فالتقطها بين ذراعيه في اللحظة الأخيرة ،قبل أن يلامس جسدها الأرض، كانت ذراعاه قد احتضنتاها بحركة غريزية سريعة. استقرت بين ذراعيه كريشةٍ خفيفة، بينما انعقد حاجباه بقلق لم يعرف سببه.

نظر إليها للحظات طويلة... كانت ملامحها ساكنة كأنها لوحة مرسومة بعناية، وخصلات شعرها البنية انسلت من تحت طرحتها لتلامس وجنتها الوردية، أما أنفاسها فكانت هادئة، لكنها متقطعة من شدة الإرهاق. لم يكن يدري لماذا عجز عن أن يشيح بنظره عنها. توقفت عيناه عند وجهها، وكأنه يحاول أن يحفظ كل تفصيلة فيه...

عيناها المغمضتان تحيط بهما رموش طويلة، وشفاهها الوردية ترتجف ارتجافة خفيفة، بينما ارتسم على ملامحها براءة جعلتها تبدو كطفلة أرهقها الطريق. همس دون أن يشعر: ـ سبحان اللى خلق... ظل يحملها بين ذراعيه لحظة أخرى، وقد شعر بخفة وزنها على نحو أقلقه. هز رأسه بضيق وهو يتمتم: ـ معقول تكون تعبت للدرجة دى؟ اقترب الحصان الأسود منهما، وأخذ يشم يد همس الملقاة في هدوء، ثم أطلق صهيلًا خافتًا، وكأنه يطمئن عليها.

نظر فارس إلى حصانه بدهشة، وقال وهو يربت على عنقه: ـ حتى إنت... ارتحت لها؟ كان ذلك الحصان لا يسمح لأحد بالاقتراب منه، حتى بعض رجال البيت كانوا يخشون الاقتراب منه حين يثور، لكنه وقف أمام تلك الفتاة مستسلمًا، وكأنه عرفها منذ سنوات. أعاد فارس بصره إليها مرة أخرى... شعر بشيء غريب يجتاح قلبه، إحساس لم يختبره من قبل، فهز رأسه سريعًا وكأنه يطرد تلك الأفكار. وقال بلهجة حازمة يخفي بها اضطرابه: ـ فوق يا فارس...

دى بنت غلبانة أغمى عليها من التعب، مش وقت السرحان. لكن عينيه خانتاه... فعاد يتأملها مرة أخرى، وكأن الزمن توقف للحظات، ولم يعد يسمع سوى دقات قلبه، وهي تتسارع على غير عادتها. همس لنفسه.... -يابوي على الحلوه إيه البت البسكوته دى دى تتاكل دى البت فتنه ومشيه على الأرض و........ لجميع الفصول من هنا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...