تقدم فارس بها إلى مقعد خشبي قريب داخل فناء الإسطبل، وجلس على ركبته أمامها بحذر، ثم التقط إبريق الماء الموضوع بجوار الباب، وبلل كفه بقليل من الماء، ورش قطرات خفيفة على وجهها. قال بقلق ظهر لأول مرة في صوته: ـ يا بنت فوقى... سمعاني... افتحي عيونك. لم تستجب. فعاد يناديها مرة أخرى، وهذه المرة كان صوته أكثر لينًا: ـ فوقي يا فرسه يخربيت حلاوتك يابت... ورجع يهمس لنفسه مالك يا فارس إيه اللى حصلك دى كأن البت سحارة بعد لحظات...
تحركت رموش همس ببطء، ثم انفرج جفناها قليلًا. كانت الرؤية أمامها ضبابية، ولم ترَ سوى وجهٍ قريب منها، يملؤه القلق، وعينين سوداويتين تحدقان فيها باهتمام. رمشت عدة مرات حتى اتضحت الصورة. وما إن أدركت أنها تنظر مباشرة إلى ذلك الرجل الذي أفزعها قبل قليل، حتى اتسعت عيناها، واعتدلت جالسة بسرعة. ابتعدت عنه في ارتباك، وأخفضت رأسها وهي تقول بصوتٍ خافت متقطع: ـ أ... أنا آسفة... والله ما كنت أقصد... أنا بس سمعت صوت الحصان...
انا همشى ولسه هتقوم رفع فارس يده مقاطعًا حديثها، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لم يشعر بها. ـ اهدي... يا فرسة كل ده خوف دانا اللى المفروض أخاف منك مش انتى . رفعت همس عينيها إليه للحظة، ثم أسرعت تخفضهما من جديد، وقد تلونت وجنتاها بحمرة خجولة. سألها وهو يتأمل شحوب وجهها: ـ إنتِ كويسة دلوقتي؟ هزت رأسها بخفة. ـ الحمد لله... أنا... شكلي اتخنقت من حر المطبخ. عقد فارس حاجبيه . انتى شغالة هنا
ردت همس . انا قريبت الحاجة خديجة وجيت اقعد عندها فتره فحبيت اجى معاها واساعدها بصلها فارس وسرح في ملامحها وخجلها اتكلم وسحرها بدأ يظهر في صوته . ممكن ترفعى وشك وتبصيلى رفعت همس وتلتقت عنيها بعيون فارس وكأنها سهم اخطرق قلبه اتكلم وهو حاطت أيده على قلبه . اه يابوى ياخربيت حلاوتك ياشيخة همس بقلق . انت كويس اتكلم فارس وهو بيحاول يدارى سحرها عليه . مش عارف ـ المهم ومدام تعبانة... إيه اللي خلاكي تتمشي لوحدك لحد الإسطبل؟
ترددت همس قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تنظر نحو الحصان الأسود. ـ معرفش... أول ما سمعت صهيله حسيت إني لازم أشوفه. التفت فارس إلى حصانه، فوجده يقف بجوارها في هدوء تام، يلامس كتفها برأسه برفق. ابتسم بدهشة وهو يتمتم: ـ غريبة... نظرت إليه همس باستفهام. ـ هو ايه اللي غريبة؟ نظر إليها ثم قال وهو لا يزال غير مصدق ما يراه: ـ اصل الادهام... حصاني ده، محدش بيقدر يقرب منه بالشكل ده غيري...
لكن أول ما لمستيه هدي، وكأنه عارفك من زمان. نظرت همس إلى الحصان ثم ابتسمت بعفوية، ومدت يدها تربت على عنقه مرة أخرى، بينما ظل فارس يتابعها بنظرات طويلة، وقد بدأ يشعر أن لقاء هذه الجنيه لم يكن عاديًا أبدًا. قاطع تأمله صوت رجولي مألوف وهو يقترب من الإسطبل: ـ يا فارس... إنت هنا؟ التفت فارس ناحية الصوت، ليظهر حمزة عند باب الإسطبل، وعلى كتفه شوال صغير من العلف، لكنه ما إن وقع بصره على همس حتى توقف مكانه للحظة. وهو يقول:
ـ إنتِ... رفعت همس رأسها إليه، وما إن تعرفت على ملامحه حتى ابتسمت ابتسامة خجولة. ـ السلام عليكم. حمزة وهو يخفض بصره في أدب: ـ وعليكم السلام ورحمة الله. ثم نظر إلى فارس وقال: ـ عقد فارس حاجبيه، ثم نقل نظره بين الاثنين. ـ تعرفها؟ هز حمزة رأسه بهدوء. ـ معرفة سلام بس... الحاجة خديجة عرفتهالى، ولسه جاية تقعد عندها بقالها يومين. نظر فارس إلى همس مرة أخرى، ثم إلى حصانه الذي ما زال يقف ملاصقًا لها في هدوء، وقال
وهو يهز رأسه باستغراب: ـ سبحان الله... أول مرة أشوف الأدهم يطمن لحد بالشكل ده. ابتسم حمزة وهو يربت على عنق الحصان. ـ يمكن حس بطيبتها. خفضت همس رأسها في خجل، وهمست: ـ أنا بحب الخيل من وأنا صغيرة... يمكن عشان كده مخوفتش منه. ابتسم فارس ابتسامة هادئة، وقال وهو ينظر إلى الأدهم: ـ الظاهر إن الحب كان متبادل. وفي تلك اللحظة، سُمعت خطوات سريعة تقترب من الإسطبل، وصوت الحاجة خديجة يملؤه القلق: ـ يا همس! ... يا بتى إنتِ هنا؟
دخلت وهي تلهث، وما إن رأت همس واقفة بخير حتى تنفست الصعداء. ـ خضتينى عليكى يابتى... دورت عليكى فى كل مكان. اقتربت همس منها سريعًا. ـ حقك عليا يا حاجة... سمعت صوت الحصان وجيت أبص عليه، وبعدها دخت شوية. ربتت الحاجة خديجة على كتفها بحنان، ثم التفتت إلى فارس. ـ معلش يا ولدى... البنية أول يوم ليها فى الشغل، وحر المطبخ تعبها. ابتسم فارس باحترام وقال: ـ ولا يهمك يا حاجة... الحمد لله إنها بقت كويسة.
ثم وقعت عيناه على همس مرة أخيرة... كانت تقف بجوار الحاجة خديجة، تخفض بصرها كلما التقت عيناها بعينيه. أما هو... فوجد نفسه يتابعها بصمت حتى ابتعدت، بينما بقي الأدهم يطلق صهيلًا خافتًا كأنه يودعها، الأمر الذي جعل فارس يبتسم في حيرة، وهو يتمتم لنفسه: ـ شكلك مش عادية يجنيه... لا على الأدهم... ولا على صاحبه ابتسم دون أن يشعر... لكن ابتسامته لم تدم طويلًا. إذ شعر بكوع حمزة يرتطم بذراعه بخفة.
التفت إليه، فوجده يبتسم ابتسامة واسعة لا تبشر بخير. قال حمزة وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: ـ خير يا ولد الدمنهورى... سرحان فى إيه؟ تنحنح فارس وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا. ـ سرحان فين؟! أنا واقف أهو. ضحك حمزة ضحكة قصيرة. ـ آه... واقف، بس روحك كانت ماشية ورا البنية. رمقه فارس بنظرة حادة. ـ بطل هبل يا حمزة. اقترب حمزة أكثر وهو يغمز له بمكر. ـ والله؟! أمال كنت باصص لها كده ليه؟
ده أنا ناديت عليك مرتين، ولو ناديت التالتة كنت هجيبلك ميه ورد تفوق بيها. زفر فارس بضيق مصطنع. ـ يا أخى غور من وشى بقى . قهقه حمزة وقال: ـ يعنى طلعت أعرف أخوف الأسود، بس ايه أول مرة أشوف فارس الدمنهورى واقف قدام بنت ومش عارف يقول كلمتين على بعض. رفع فارس حاجبه وقال بثقة: ـ أنا؟! أخاف من بنت؟ شكلك اتجنيت عاد رد حمزة سريعًا: ـ لا... ما خفتش ياخوى... ده إنت قلبك اللى كان هيطلع يجرى وراها.
ضحك فارس رغماً عنه، ثم دفع كتف حمزة بخفة. ـ بطل رخمه ياصاحبى. فرك حمزة كتفه وهو يتصنع الألم. ـ أهو... بدل ما تضرب قلبك اللى وقع، بتضربنى أنا. ابتسم فارس وهز رأسه. ـ والله يا حمزة لو ما سكتش، هخليك تنظف الإسطبل كله لوحدك. رد حمزة وهو يرفع يديه مستسلمًا: ـ حاضر... هسكت. وصمت لثانيتين فقط... ثم عاد يقول وهو يضحك: ـ بس بينى وبينك... البنية جميلة ما شاء الله. نظر إليه فارس بطرف عينه وقال ببرود مصطنع: ـ وأنت مالك؟
يابن الشيخ طه اتسعت ابتسامة حمزة وهو يشير إليه بإصبعه. ـ الله! يعنى اهو اعترفت... غيران كمان! لم يتمالك فارس نفسه، فانفجر ضاحكًا لأول مرة منذ مدة، ثم أمسك برقبة حمزة بخفة وهو يهزه مازحًا. ـ والله يا حمزة إنت يومك أسود... هتفضل تزن لحد ما تخلينى أندم إنى صاحبك. ضحك حمزة بصوت عالٍ وهو يحاول الإفلات منه. ـ وأنا سيبك تندم؟ ده أنا لسه هقعد أغيظك كل يوم... الاسد طب ياجدعان ! هز فارس رأسه وهو يبتسم رغمًا عنه، ثم قال:
ـ امشِ قدامى يا حمزة... بدل ما أوريك وش فارس اللى محدش بيحب يشوفه. ضحك الاثنان وهما يخرجان من الإسطبل، لكن حمزة كان يرمق صديقه بين الحين والآخر، وقد تأكد أن قلب فارس دق لأول مرة بطريقة مختلفة. لاحظ فارس الانكسار الواضح في عيني صاحبه، فتلاشت ابتسامته تمامًا. ربت على كتف حمزة برفق وقال بهدوء: ـ مالك يا خوي... حسك شايل هم الدنيا. تنهد حمزة تنهيدة طويلة، وكأنها خرجت من أعماق قلبه، ثم قال بصوتٍ
مخنوق: ـ رحت للحاج عبد الرحيم... وطلبت منه يد بته آيات... لكنه رفض توقف فارس مكانه. ـ رفض؟ وليه؟ كمل حمزة بحزن. الحاج عبد الرحيم أول ما شافني، قال إنه مش هيجوز بنته لواحد كان ماشى معاها قبض فارس على يده بقوة حتى برزت عروقها. ـ كله من ابن الكلب اللى إسمه عباس والله ما هسيبه وهربيه على اللى قاله ده. ابتسم حمزة بمرارة. ـ سيبه يا فارس... اللي حصل حصل. لكن فارس هز رأسه بعناد. ـ لا... وحياتك عندى ياخوى
لهتكون ايات من نصيبك. نظر إليه حمزة وقال: ـ هتعمل إيه يعنى؟ أجاب فارس بثقة: ـ هروح أنا وجدى للحاج عبد الرحيم، وأشهد إنك راجل محترم، وإن آيات عمرها ما غلطت، وإن اللي حصل مكنش فيه أي حاجة تعيبها وهخلى جدى يطلبها لك . وفي الإسكندرية... داخل مبنى إداري فاخر يطل على البحر، كان عز يجلس في مكتبه ، يحاول التركيز في الأوراق المكدسة أمامه، لكن عقله كان بعيدًا تمامًا. منذ اختفاء همس، لم يعد شيء يسير كما يريد. وفجأة...
انفتح باب المكتب بعنف، ليدخل شريكه مصطفى بوجه متجهم وعينين تمتلئان بالغضب. أغلق الباب خلفه بقوة، ثم وقف أمام المكتب وقال بلهجة حادة: ـ لقيت همس؟ رفع عز رأسه ببطء، وقال ببرود: ـ لسه. ضرب الرجل بقبضته فوق سطح المكتب، حتى اهتزت الملفات. ـ "لسه" دي متقولهاش لي... إحنا كان بينا اتفاق واضح. ظل عز صامتًا، فاقترب منه مصطفى أكثر وقال بنبرة تحمل تهديدًا صريحًا: ـ البنت لازم ترجع...
ولازم الجوازة تتم زي ما اتفقنا ياما هتزعل منى اوى وانا زعلى وحش وانت عرفه. تصلبت ملامح عز، وقال وهو يحدق فيه: ـ انت بتهديدنى يا مصطفى . قهقه الرجل بسخرية. ثم انحنى قليلًا فوق المكتب، وقال بصوت منخفض: -بهديدك دى شويه على اللى هعمله فيك ـ اسمعني كويس يا عز... لو همس مرجعتش، وماتجوزتهاش زي الاتفاق... انسى الشراكة اللي بينا. انعقد حاجبا عز. ابتسم الرجل ابتسامة باردة. ـ لأ... بفكرك بالشرط اللي وافقت عليه بنفسك.
ثم أخرج ملفًا من حقيبته وألقاه أمامه. ـ كل العقود دي هتتلغي... وكل استثماراتي هسحبها وخلى الدنيا كلها تنسى أن كان فى واحد إسمه عز من الاصل. ساد الصمت لثوانٍ. كان عز ينظر إلى الملف بصدمه ، بينما عقله يعمل بسرعة. فقال أخيرًا: ـ اديني مهلة. ابتسم شريكه بسخرية. ـ قدامك أسبوع واحد... أسبوع واحد بس. لو همس رجعت، يبقى الشراكة مستمرة. ولو مرجعتش... اعتبر نفسك خسرت كل حاجة. استدار متجهًا نحو الباب، لكنه توقف قبل
أن يخرج وقال دون أن يلتفت: ـ وعلى فكرة... أنا عندي رجالة بيدوروا عليها في كل حتة. ولو لقيناها قبلك... وقتها هتبقى إنت اللي تتمنى إنك ما عرفتهاش. -انت عارف وكويس انى مش بسيب حاجه عينى وقعت عليها ثم خرج وأغلق الباب بعنف. ظل عز جالسًا مكانه، ويشع ملامح وجه هاله من الغضب. قبض على حافة المكتب بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وهمس لنفسه: ماشى ياهمس رصيدك بقى تقيل اوى معايا وفي عزبة النخيل...
وقفت الحاجة أمينة بجوار الحاجة خديجة تراجع الأطباق وهي تقول: ـ يلا يا خديجة... حطي الجبنة والعسل، والعيش لسه طالع سخن. ابتسمت الحاجة خديجة وهزت رأسها بطاعه وهي بتنادي: ـ يا همس... يا بتي، هاتي صينية الشاي وتعالي ساعدينا. خرجت همس من المطبخ وهي تحمل صينية الشاي بكلتا يديها، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة. في تلك اللحظة... نزل الحاج عبد المجيد درجات السلم بخطوات هادئة، تتبعه هيبته المعهودة. وقف الجميع احترامًا.
قال بصوته الوقور: ـ صباح الخير يا أهل الدار. ردد الجميع: ـ صباح النور يا حاج. وما هي إلا لحظات حتى دخل فارس وحمزة من باب الدار بعد انتهائهما من أعمال الإسطبل. قال فارس: ـ صباح الخير. رد الجميع التحية، ثم جلس الثلاثة حول المائدة. اقتربت همس في هدوء، تحمل أول طبق، وبدأت ترتبه أمامهم، لكنها ما إن اقتربت من فارس حتى شعرت بنظراته تستقر عليها. رفعت عينيها دون قصد... فالتقت عيناها بعينيه.
ابتسم فارس ابتسامة صغيرة، لم ينتبه لها أحد غيرها. أما همس، فارتبكت بشدة، واحمر وجهها، وأسرعت تخفض بصرها وهي تضع الطبق أمامه. همس فارس بصوت خافت لا يكاد يُسمع: ـ تسلم ايدك ... يا فرسة. اتسعت عيناها بخجل، وكادت تبتسم، لكنها تماسكت تابعها فارس بعينيه وهي تتحرك بين أفراد العائلة، ولم يشعر بنفسه إلا وحمزة يركله بخفة من تحت المائدة. التفت إليه فارس بحدة. فابتسم حمزة ابتسامة ماكرة، وهمس: ـ بص قدامك يا ولد الدمنهوري...
الناس هتاكل، وإنت عمال تاكل البنية بعينيك. رمقه فارس بنظرة حادة، لكنه لم يستطع إخفاء ابتسامته. وفي تلك اللحظة... عقد الحاج عبد المجيد حاجبيه وهو ينظر إلى همس، فقد كانت وجهًا جديدًا لم يره من قبل. التفت إلى الحاجة أمينة وسأل باستغراب: ـ مين البنية دي يا أمينة؟ ابتسمت الحاجة أمينة وقالت: ـ دي يا حاج همس... قريبة خديجة ، جت تقعد عندها كام يوم، وقالت تجبها معاها تساعدها في شغل الدار . أومأ الحاج عبد المجيد برأسه،
ثم نظر إلى همس وقال بهدوء: ـ أهلاً بيكي يا بتي... اعتبري الدار دارك، وربنا يبارك فيكي. وضعت همس يدها على صدرها في احترام وقالت: ـ ربنا يخليك يا حاج... ده من كرمكم. ابتسم الرجل راضيًا، ثم بدأ الجميع يتناولون الإفطار. أما فارس... فلم يكن يذوق مما أمامه إلا القليل. كانت عيناه تعودان إليها بين الحين والآخر، يتابعان خجلها وهي تتحرك في صمت، وكلما التقت عيناه بعينيها، كانت تفر سريعًا بنظرها، فيبتسم دون أن يشعر.
ولم يغب ذلك عن حمزة، الذي مال نحوه هامسًا وهو يكتم ضحكته: ـ يا ابن الدمنهوري... هتفطر ولا هتفضل تبص للبنية لحد الضهر؟ اختنق فارس بقطعة خبز كان يأكلها، فأخذ يسعل، قربت همس منه بقلق وهى بتناوله كوبايه مايه. أخذ فارس كوب الماء من يد همس، وللحظة لامست أصابعه أطراف أصابعها، فارتبكت هي وسحبت يدها سريعًا، بينما ابتسم هو دون أن يشعر. شرب عدة رشفات، ثم تنفس بعمق وقال: ـ الحمد لله... تنهد الحاج
عبد المجيد براحة وهو يقول: ـ ربنا يحفظك يا ولدي... خضتني عليك. ابتسم فارس وهو يطمئنه: ـ متخافش يا جدي... دي لقمة وقفت في زورى وخلاص. ضحك حمزة وهو يحاول كتم ضحكته: ـ أصل في ناس وهي بتاكل... عينيها بتكون في حتة تانية. رمقه فارس بنظرة حادة، فخفض حمزة رأسه وهو يبتسم بخبث وبعد أن انتهى الجميع من الإفطار... مسح الحاج عبد المجيد يديه بالمنديل، ثم همَّ بالنهوض. لكن صوت فارس أوقفه. ـ جدي...
لو سمحت، كنت عايز أتكلم معاك في موضوع. نظر إليه الحاج عبد المجيد باهتمام، ثم عاد وجلس مرة أخرى. ـ اتفضل يا فارس ياولدى... خير إن شاء الله. تبادل فارس نظرة سريعة مع حمزة، الذي خفض رأسه في توتر، ثم قال: ـ الموضوع يخص حمزة. رفع الحاج عبد المجيد حاجبيه، ونظر إلى حمزة الذي بدا عليه الارتباك. ـ ماله حمزة؟ أخذ فارس نفسًا عميقًا، ثم قال بثبات: ـ حمزة راح يطلب إيد آيات بنت الحاج عبد الرحيم...
لكن الراجل رفضه بسبب كلام كداب اتقاله. عقد الحاج عبد المجيد حاجبيه وقال: ـ كلام إيه؟ أجاب فارس والغضب ظاهر في صوته: ـ عباس... ابن عمي، راح قال للحاج عبد الرحيم إنه شاف حمزة ماشي مع آيات، وفهمه إن بينهم حاجة، مع إن كل ده افترى وظلم. ضرب الحاج عبد المجيد عصاه في الأرض بقوة، وقال بغضب: ـ عباس قال كده؟! هز فارس رأسه. ـ أيوه يا جدي... وهو السبب في رفض الراجل. ساد الصمت لثوانٍ، ثم نظر الحاج عبد المجيد إلى حمزة، وقال بحنان:
ـ ارفع راسك يا ولدي. رفع حمزة عينيه إليه. فقال الرجل بثقة: ـ أنا عارف تربيتك، وعارف أخلاقك، ومستحيل أصدق عنك الكلام ده . وانا ليه صرفه تانيه مع عباس ولد المحروج ده اغرورقت عينا حمزة بالدموع، لكنه تماسك. ثم قال فارس: ـ عشان كده... أنا طالب منك تيجي معايا النهارده للحاج عبد الرحيم، ونطلب منه آيات لحمزة، ونشهد قدامه إن صاحبي راجل محترم، وإن بنته أشرف من إن حد يجيب سيرتها بكلمة. ابتسم الحاج عبد المجيد ابتسامة هادئة، ثم
وضع يده على كتف حمزة وقال: ـ والله لو البنت من نصيبك، محدش هيمنعها عنك. ثم التفت إلى فارس وقال: ـ جهز العربية بعد صلاة العصر... وإحنا الاتنين هنروح لبيت للحاج عبد الرحيم تهللت ملامح فارس، بينما نظر حمزة إلى الحاج عبد المجيد بعينين امتلأتا بالامتنان، وقال بصوت متأثر: ـ ربنا يخليك ليا يا حاج... والله عمري ما هنسى وقفتك معايا. ابتسم الحاج عبد المجيد وربت على كتفه بحنان. دا انت كيفك كيف فارس عندى انت ابن الغالى ياولدى
الله يرحمه جدك كان اخوى مش صاحبى ياله هسبكم أنا دلوقت وانتم جهزوا نفسيكم على شان نروح للراجل نطلب ايد بته هز فارس وحمزة رأسهم بطاعة أما همس، التي كانت تستمع إلى الحديث من بعيد وهي تجمع الأطباق، فابتسمت تلقائيًا، ودعت في سرها أن يجمع الله بين حمزة وآيات على خير، دون أن تلاحظ أن فارس كان يراقب ابتسامتها الهادئة، فارتسمت على شفتيه ابتسامة مماثلة وهو يتمتم في نفسه: ـ حتى فرحتها... داخلة القلب من غير استئذان.و........
لجميع الفصول من هنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!