في الإسكندرية... داخل فيلا عز... كان الصمت يخيم على المكان، لا يقطعه سوى صوت بكاءٍ خافت يخرج من إحدى الغرف. جلست فاطمة على طرف فراشها، تضم إطارًا خشبيًا بين يديها، تمرر أصابعها المرتجفة فوق صورة همس، وكأنها تحاول أن تلمس وجه ابنتها من خلال الزجاج. خرج صوتها متهدجًا وهي تبكي: ـ يا رب... احفظها يا رب... وردها لحضني سالمة... وحشتيني أوي يا بنتي. وفجأة... انفتح باب الغرفة بعنف، حتى ارتطم بالحائط، فانتفضت فاطمة في مكانها.
دخل عز كالإعصار، وملامحه يكسوها الغضب، وعيناه تقدحان شررًا. اقترب منها بخطوات سريعة، ثم انتزع الصورة من بين يديها بعنف حتى كادت تسقط من فوق الفراش. صرخ بصوتٍ هز أرجاء الغرفة: ـ فين همس؟! شهقت فاطمة وهي تنظر إليه بصدمة. ـ والله... والله ما أعرف يا عز. قبض على ذراعها بقوة، حتى تألمت. ـ متكدبيش عليا... أكيد كلمتك... أكيد بعتتلك خبر. نظر إليها عز بعينين تشتعلان غضبًا، ثم اقترب منها خطوة وهو يقول بحدة: ـ آخر مرة هسألك...
همس فين؟ رفعت فاطمة رأسها إليه، ورغم ارتجاف جسدها، كان في عينيها إصرار لم يره منها من قبل. قالت بصوت متحشرج: ـ مش هقولك... ولو أعرف مكانها، مستحيل أدلك عليها. اشتدت ملامحه قسوة، وقال بغضب: ـ يعني بتتحديني؟ هزت رأسها وهي تمسح دموعها بعنف. ـ أيوه... لأول مرة في حياتي أتحداك خلاص يا عز باشا فاطمة بتاعه زمان مابقتش تخاف منك زى الاول. اتسعت عيناه من بغضب. أما هي، فأكملت والسنوات الطويلة من الألم تخرج مع كلماتها:
ـ كفاية ظلم بقى... كفاية قهر. البنت أخيرًا خلصت من جبروتك، ومش هسمحلك ترجع تكسرها تاني. قبض عز على يديه بقوة حتى برزت عروقها. لكن فاطمة لم تتراجع. قالت والدموع تنساب على وجنتيها: ـ تعرف هي عاشت إيه؟ ... من وهي عندها عشر سنين وهي عايشة كأنها سجينة بين أربع حيطان. اتحرمت من طفولتها، ومن أصحابها، ومن أي إحساس بالأمان. عمرها ما عرفت يعني إيه تعيش بحرية شافت كل أنواع القهر والظلم سرقت طفولتها وحقها وشركتها.
سكتت لحظة، ثم نظرت إليه نظرة امتزج فيها الوجع بالغضب. ـ كل يوم كانت بتدعي ربنا يخلصها من العذاب اللي عاشته... وكل يوم كانت بتخاف منك أكتر. ارتجف فك عز، لكنه لم ينطق. أكملت فاطمة بحزم: ـ همس مش هترجع... وحقها هيرجع سامع ياعز وكملت بصراخ سامع هيرجع ياعز ... هيرجع . ساد صمت ثقيل. اقترب عز منها ببطء، وعيناه تشتعلان بشرر الغضب، حتى بدا وكأنه على وشك الانفجار. انحنى قليلًا نحوها، ثم خرج صوته خشنًا،
كفحيح أفعى تستعد للانقضاض: ـ هترجع يا فاطمة... وحياتك عندى لترجع... ولو اضطريت أقلب الدنيا كلها عليها واظن انك عرفه كويس مين عز ويقدر يعمل ايه. رفعت فاطمة رأسها إليه، ودموعها لا تتوقف، لكنها قالت بثبات: ـ مستحيل... ربنا موجود وهينجيها منك، ومش هيسلمها ليك تاني. اشتعلت ملامحه أكثر، وصاح بغضب: ـ اسمعينى كويس... اليوم اللي هتقع فيه تحت إيدي... ساعتها هتعرف يعني إيه تعاند عز وتهرب منه. وأشار إليها بإصبعه وهو يزأر:
ـ اللي شافته مني قبل كده... هيبقى نقطة في بحر اللي هتشوفه بعد كده. شهقت فاطمة وهي تهز رأسها بعنف. ـ حرام عليك... كفاية بقى انت أيه شيطان منك لله.... منك لله ... ربنا ينتقم منك . لكن عز لم يستمع إليها، بل دفعها بقوة فسقطت فوق السرير، ثم قال ببرود مخيف: ـ ادعي إنها تفضل مستخبية... لأن اليوم اللي هرجعها فيه... محدش هيقدر ينقذها مني. ثم استدار بعنف، وخرج من الغرفة، وصفق الباب خلفه بقوة دوى صداها في أنحاء الفيلا.
ما إن اختفى، حتى انهارت فاطمة تمامًا. سقطت على ركبتيها بجوار السرير، والتقطت صورة همس بسرعة، وضمتها إلى صدرها وكأنها تحتضن ابنتها نفسها. انفجرت بالبكاء، وهي تقبل الصورة مرة تلو الأخرى. ـ يا ضنايا... يا نور عيني... متخافيش يا بنتي... ربنا أكبر من أي ظالم . رفعت وجهها إلى السماء، والدموع تغرق ملامحها، وهتفت من أعماق قلبها: ـ يا رب... أنت وحدك عالم بكل اللي عاشته بنتي...
أنت شُفت دموعها، وشُفت خوفها، وشُفت سنين عمرها اللي ضاعت وهي محرومة من أبسط حقوقها. شهقت وهي تضم الصورة بقوة أكبر. ـ يا رب... عوضها عن كل وجع شافته... واحميهالى يارب . وفى عزبة النخيل ..... توقفت سيارة الحاج عبد المجيد أمام بيت الحاج عبد الرحيم. كان البيت متواضعًا، تحيط به أشجار الليمون، بينما جلس الحاج عبد الرحيم في المندرة يحتسي الشاي. ما إن لمح السيارة حتى نهض سريعًا. ـ يا ألف مرحب بالحاج عبد المجيد... نورت الدار.
صافحه الحاج عبد المجيد بحرارة. ـ الدار منورة بأهلها يا عبد الرحيم. ثم دخل الجميع وجلسوا. أمر عبد الرحيم بإحضار القهوة، ثم نظر إليهم مستغربًا. ـ خير إن شاء الله؟ ابتسم الحاج عبد المجيد وقال بهدوء: ـ خير بإذن الله... إحنا جايين النهارده في طلب. ابتسم عبد الرحيم. ـ تؤمر يا حاج. أشار الحاج عبد المجيد إلى حمزة الجالس في صمت. ـ جايين نطلب إيد بنتك آيات لابننا حمزة. ساد الصمت... وانخفضت نظرات عبد الرحيم للحظات،
ثم تنهد وقال بحرج: ـ يا حاج... أنا كنت رديت قبل كده. أومأ الحاج عبد المجيد. ـ عارف... وعارف سبب الرفض كمان. نظر إليه عبد الرحيم باستغراب. فقال الحاج عبد المجيد بحزم: ـ اللى وصلك عن الولد كله كذب... وأنا جيت بنفسي أشهد قدام ربنا إن حمزة راجل يتشال فوق الراس. وأضاف وهو ينظر مباشرة في عينيه: ـ أعرفه من يوم ما اتولد... عمره ما مد عينه على بنت، ولا غلط في حق حد. ولو كان فيه ذرة شك، ما كنتش جيت أطلبه بنفسى.
ظل عبد الرحيم صامتًا. فتدخل فارس وقال بنبرة يغلب عليها الغضب: ـ واللى قال الكلام ده... عباس، ابن عمى. وهو معروف في البلد إنه بيثير الفتن. واظن انك عارفه ياحاج. ساد الصمت داخل المندرة، ولم يتحدث الحاج عبد الرحيم لعدة لحظات، وكأنه يصارع شيئًا بداخله. تنهد تنهيدة طويلة، ثم قال بصوتٍ متردد: ـ يا حاج عبد المجيد... والله أنا ما عنديش كلام يتقال بعد شهادتك ، ولا أقدر أشكك في أخلاق حمزة، وأنا عارف مقامك وقدرك.
نظر إلى حمزة، ثم أشاح ببصره قليلًا وهو يكمل: ـ لكن... اللي اتقال ساب أثر في قلبي، والناس في البلد كلامها صعب، وانا ماليش غير سمعتى وسمعة بيتى. أجابه الحاج عبد المجيد بهدوء: ـ وسمعتك وسمعة بنتك من سمعتنا يا عبد الرحيم، وأنا ضامن لك حمزة برقابتي. ظل عبد الرحيم صامتًا للحظات، ثم أطرق برأسه وقال على مضض: ـ خلاص... طالما إنت بنفسك جيت تطلبها، وأنا مقدرش أردلك طلب... فأنا موافق.
لم يكن في صوته فرحة، بل استسلام ممزوج بالحذر. ثم رفع إصبعه محذرًا وهو ينظر إلى حمزة: ـ بس اسمعني يا ولدي... أنا وافقت احترامًا للحاج عبد المجيد وثقةً في كلامه، مش علشان أنسى اللي اتقال بسهولة. ورجع وجه كلامه للحاج عبد المجيد ـ خلاص يا حاج... إكرامًا ليك، ولشهادتك في حمزة، أنا موافق. تهللت ملامح حمزة، لكن عبد الرحيم رفع يده، فأدرك الجميع أن حديثه لم ينتهِ بعد. قال بلهجة حازمة لا تقبل النقاش: ـ بس عندي شرط.
عقد فارس حاجبيه، بينما انتظر حمزة في توتر. أكمل عبد الرحيم: ـ النهارده هنقرا الفاتحة... لكن قدامك شهرين بالتمام والكمال تجهز نفسك فيهم، وتكون جاهز للجواز. ثم إليه نظرة قوية وقال: ـ ولو الشهرين عدوا، وإنت لسه ما جهزتش نفسك... اعتبر الفاتحة ملغية، وكل واحد يروح لحاله، وساعتها متجيش تلومنى ومش هيكون ليك عندى بنات للجواز غير . ابتلع حمزة ريقه، ثم قال بثبات: ـ بإذن الله يا حاج...
قبل ما الشهرين يخلصوا هكون جاهز، ووعد مني إني أكون قد كلمتي. هز عبد الرحيم رأسه وقال: ـ ربنا يوفقك، وأنا هحاسبك على وعدك ده. ابتسم الحاج عبد المجيد وهو يربت على كتف حمزة قائلاً: ـ شد حيلك يا ولدي... شهرين بيعدوا في غمضة عين، وأنا وولدى فارس هنكون في ضهرك لحد ما نفرح بيكم. نظر حمزة إلى الجميع وعيناه تلمعان بالأمل، وقال بامتنان: ـ ربنا يجازيكم عني كل خير... وإن شاء الله هكون عند حسن ظنكم. مع اقتراب غروب الشمس...
كانت همس تسير بجوار الحاجة خديجة في الطريق الترابي المؤدي إلى بيتها، بعد يومٍ طويل من العمل في دار الحاج عبد المجيد. ابتسمت للحاجة خديجة وهي تقول: ـ عارفه ياحاجة الناس هنا طيبين اوى النهارده حسيت إني وسط أهلي. ابتسمت الحاجة خديجة بحنان، وربتت على كتفها. ـ وربنا يا بتي كتبلك المحبة من أول ما دخلتي البلد. لكن... وقبل أن تكمل حديثها، دوّى صهيل حصانٍ قوي، تبعه صوت حوافر تضرب الأرض بعنف.
انتفضت همس من الخوف، وما إن رفعت رأسها حتى وجدت حصانًا يقف أمامهما مباشرة، يقطع عليهما الطريق. شهقت همس، وتراجعت عدة خطوات إلى الخلف، حتى كادت تتعثر، فأسرعت الحاجة خديجة تحتضنها وتضمها إلى صدرها وهي تقول: ـ بسم الله .... متخافيش يا بتي... وأنا معاكي. كان ينظر إليهما بابتسامة مستفزة، وعيناه تمتلئان بالخبث لكن عباس لم يعبأ بخوفها، بل أطلق ضحكة ساخرة، ثم قال بنبرة مليئة بالشماتة: ـ ياااه...
ده صحيح الكلام اللي سمعناه في البلد. ثم نظر إلى الحاجة خديجة باستهزاء وأضاف: ـ طلع عندك حلويات مستخبية يا حاجة خديجة، ومش تقولى على شان نرحب بالضيفه. ازدادت همس التصاقًا بالحاجة خديجة، وقد ارتجف جسدها من الخوف، بينما اشتعل الغضب في عيني الحاجة العجوز. رفعت رأسها إليه وقالت بحدة: ـ عايز إيه يا عباس؟ ابعد من طريقنا، وسيبنا في حالنا. ابتسم عباس ابتسامة خبيثة، ثم مرر عينيه على همس بطريقة جعلتها ترتجف أكثر.
ـ إيه بس ياحاجة هو انا غلطان انى برحب بقريبتك؟ صرخت الحاجة خديجة فيه بغضب: ـ غض بصرك يا ولد... واتقي ربنا، دي ضيفة في بيتي وكيف بيتى مايصحش اللى بتعمله ده. قهقه عباس باستهزاء،وهو بيقرب نظره اكتر من همس ثم قال: ـ بيتك ؟! يبقى شكلنا هنطلب القرب منك ياحاجة. وقبل أن يرد أحد... دوّى صوت غاضب من خلفه، جعل الابتسامة تتجمد على وجهه: ـ عباس! التفت الجميع نحو مصدر الصوت...
وكان فارس يقف على بعد خطوات، وإلى جواره حمزة، وقد بدت ملامح الغضب واضحة على وجهيهما، بينما كانت قبضة فارس تنقبض بقوة وهو يحدق في ابن عمه بنظرات لا تبشر بخير. استدار عباس ببطء، وما إن وقع بصره على فارس حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة. قال باستخفاف: ـ خير يا فارس؟! يابن عمي تقدم فارس عدة خطوات، وكانت نظراته مثبتة على عباس، لكن عينيه خانتاه للحظة، فاتجهتا نحو همس.
كانت تقف خلف الحاجة خديجة، شاحبة الوجه، وعيناها تمتلئان بالخوف. شعر بشيء يعتصر صدره... مجرد رؤيته لعباس ينظر إليها بتلك الطريقة أشعل داخله نارًا لم يعرفها من قبل. اقترب أكثر حتى وقف أمام همس مباشرة، وكأنه يحجبها عن نظرات عباس، ثم قال دون أن يلتفت إليها: ـ انتى كويسة؟ هزت همس رأسها بخفة، لكنها لم تستطع الكلام. تنفس فارس بارتياح خفيف، ثم استدار ببطء نحو عباس، وقد تبدلت ملامحه تمامًا.
قال بصوتٍ منخفض، لكنه كان يحمل من الغضب ما يكفي لإرهاب أي شخص: ـ من هنا ورايح... عينيك متترفعش عليها. رفع عباس حاجبه ساخرًا. ـ عليها؟! هى تخصك..... من إمتى يا ولد عمي؟ أما فارس، فشعر بأن السؤال أصابه في مقتل. لم يجد إجابة... لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا فقط. أنه لم يحتمل أن يراها خائفة بسببه، ولم يحتمل أكثر أن يرى رجلًا آخر يحدق بها. اقترب خطوة أخرى حتى أصبح وجهًا لوجه مع عباس.
وقال من بين أسنانه: ـ تخصنى ولا ما تخصنيش... دى حاجة متخصكش. اللى يخصك إنك تبعد عنها، وإلا قسماً بالله هتنسى إن اسمك عباس. ابتسم عباس بسخرية وهو ينظر إلى همس متعمدًا، وقال: ـ يعنى البنية عجبتك للدرجة دى؟ دى لسه جاية البلد من يومين! اشتدت قبضة فارس حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وبرزت عروق رقبته. كان يشعر بغيرة حادة لأول مرة في حياته... غيرة لم يستطع إخفاءها مهما حاول.
وقبل أن يندفع نحوه، أمسك حمزة بذراعه هامسًا: ـ اهدى يا فارس... الناس في الشارع. لكن فارس لم يرفع عينيه عن عباس. قال بلهجة حاسمة: ـ لو راجل... ابعد بحصانك وامشِ من هنا. نظر عباس إلى همس مرة أخيرة، ثم ابتسم ابتسامة مستفزة وقال: ـ حاضر... همشي. ثم أشار إلى فارس بإصبعه وأضاف بخبث: ـ بس خلي بالك... تبقى ليك ويخدها غيرك . غادر عباس وهو يضحك بصوت عالي، بينما ظل فارس يتابعه بنظرات مشتعلة. ساد الصمت... ثم التفت ببطء نحو همس.
كانت ما تزال ترتجف. فقال بصوتٍ هادئ، اختلف تمامًا عن نبرته قبل لحظات: ـ متخافيش... انتى كويسة ... طول ما أنا موجود، محدش هيقدر يضايقك. رفعت همس عينيها إليه، ولأول مرة رأت في نظراته اهتمامًا لم يكن يحتاج إلى كلمات. أما حمزة... فاكتفى بالنظر إلى صديقه، ثم ابتسم بخفة وهو يتمتم لنفسه: ـ خلاص... فارس الدمنهوري وقع ولا حد سمى عليه .و....... لجميع الفصول من هنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!