الفصل 36 | من 37 فصل

رواية "عيال شهلاء " الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم rned 🖤

المشاهدات
16
كلمة
43,129
وقت القراءة
216 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

الأخير بعد مرور ثلاثة أيام، اليوم هو زواج برهان وسمو وحامد والريم. ذبح الشيخ رشيد وضيّف كل أهل الديرة، وبدأت التجهيزات للزفة بعد العصر، والزوليات فرشوها في كل مكان، والي يجيب القدوع والي يطبخ في مكان، والكل يتحرك بدون استثناء. وكذلك الوضع عند الحريم مشابه كثير في بيت حامد وفي بيت فهد.

كانت سلوى في قمة سعادتها أن بنتها كبرت وبتتزوج وبتطلع من دائرة الظلم اللي معيشها فهد. زواج الريم اليوم يعتبر بالنسبة لسلوى التوقيع على آخر ورقة لحريتها! انتهت سنين الصبر وتطمنت أن بنتها بتنتقل إلى حياة أفضل، وبتطلع هي من بيت فهد إلى بيت أمها، مستعدة تتحمل ظلم زوج أمها ولا تتحمل الحياة مع فهد "الساحر". كانوا الحريم منقسمات إلى قسمين، البعض مع سلوى والبعض عند نوره يساعدون في تجهيز الغداء.

أما شهلاء فكانت في بيتها تشوف برهان وتتطمن أن كل شيء جاهز، لكنها ما شافت برهان اللي ما أن عرف أنها جايه طلع من البيت وهو مقهور، توها تتذكر تجيه!!؟ رفض يشوفها وهو عتبان عليها من تصرفاتها معه وتغيرها عليه وتجاهلها له. أما شهلاء فكانت ترتب غرفته ودمعتها على خدها وهي تشوف صده عنها وهجرانه، وكل واحد منهم مصدوم من تغير الثاني!!! تأملت البيت الجديد بهدوء ونظرات حنت للأيام الماضية.

وفهد كان في قلق أن شهلاء تمرض بما أنها في البيت الجديد واللي السحر مدفون تحته! عند عروستنا "سمو" كانت جالسة في غرفتها وأغراضها صاروا جاهزين وكل شيء يخصها. تأملت غرفتها هي وأختها "فرح" وتأملت الدريشة اللي قضت فيها أجمل الليالي. ابتسمت بهدوء وهي تتفكر في كل شيء صار معها، وكيف أنها عانت في حب برهان وتأملت وتألمت، ولكن من بعد هذا كله نالت مرادها وكسبت قلب برهان وحبه وتعلق فيها، وصارت له العوض الجميل عن سود الليالي.

أحبته بفطرتها وحيائها وخبّت حبه بين أوردتها وصانت حبه لسنين بكتمان دون بوح أو سذاجة، كانت في كل مرة تخاف على حبها الرضيع من الناس فتخبئه بين خافقيها. فالحب ليس شيئًا سيئًا ولا حرام، ولكن طريقة الحب هي التي قد تحدد إذا ما كان سيئًا أو جيدًا. وقفت سمو بهدوء وتوجهت للمراية، تأملت نفسها وشعرها الطويل وملامحها المتوردة، برغم محاولتها أنها ما تخجل إلا أن وجنتيها دائمة التورد.

اتسع ثغرها بابتسامة خجولة وهي تتأمل نفسها وجمالها اللي ازداد، وتأملت الكحل والحمرة اللي مجهزين عند المراية ومدت يدها تمررها عليهم ونبضات قلبها متسارعة، وتتخيل لحظة اللقاء مع برهان. نزلت يدها وتوجهت لمكانها وجلست عليه بابتسامة وهي تدعي الله يتمم هذا اليوم على خير. في الجبل

كان محمد جالس فيه وقلبه إلى الآن يحمل الغيض والحقد والقهر على حامد اللي هجم عليه وضربه في هذاك اليوم، إلى الآن ما نسيها له وناوي ينتقم منه في أي وقت، جاهل أن اليوم زواج حامد من الريم. وقرر ينزل للديرة. عند الريم

كانت في غرفتها وأغراضها هي بعد صاروا جاهزين وكل شيء يخصها مرتب ومنظم، ونزلت نظرها ليديها المزينة بالحنى وتنهدت، وبالها مع أمها وحياتهم، مو قادرة تفرح برغم أن قلبها يحمل كل مشاعر الحب لحامد بسبب مواقفه معها، إلا أن في خوف يسري في قلبها قلق من شيء مجهول ما تدري وش هو؟! بالها مشغول من كل شيء وخايفة من كل شيء حولها، خايفة يكون سكوتهم عن الظلم سبب في هلاكهم، خايفة يتأثمون بسبب سكوتهم، خايفة من أشياء كثيرة تدور في بالها.

ومع نسمات الهواء ورائحة العرس مر الوقت سريع وصار بعد العصر وقت الزفة. كان برهان واقف ببشته أمام الرجال جمعًا، ولكن عينه تبحث عن شخص واحد فقط. يتمنى لو يلمح طيفه، يتمنى لو تحدث معجزة ويكون آصف أمام عيونه الآن ويشارك في زفته. يا قساوة الأيام شلون قدرت تبعد أخوه عنه وتتركه في زفته وحيد! شلون ما يكون أخوه الآن يلعب العرضة أمامه؟

تنهد برهان وابتسم بخفة وهو يشوف فرحة حامد وكيف مرتاح أنه تزوج اللي يبيها، اتسعت ابتسامة برهان وهو يستوعب أنه اليوم بيلتقي في سمو وبتصير في بيته وتقدم يلعب بالسيف مع الرجال الباقين. في قسم الحريم صارت الزفة في بيت حامد وراحوا الحريم يشوفون سمو، ومن بعدها راحوا لبيت فهد يشوفون الريم.

كانت سمو تناظر الحريم بخجل وهم يذكرون الله عليها وعلى جمالها اللي ازداد بسبب الكحل والحمرة اللي زينوها أكثر وأبرزوا جمال ملامحها مع ثوبها الأبيض البسيط بعيد عن التكلفة. بنفس وضعها كانت الريم خجلانة من نظرات الحريم لها، وكيف أنهم منبهرين فيها وتشوف نظرات أمها لها من بعيد، وكيف أنها تتأملها بكل حب ودموعها ماليه عيونها.

تبسمت لها الريم بحنية بنت عاشت مع أمها صداقة عظيمة، بحنية بنت كانت لأمها الأهل والسند، بحنية بنت تجرعت الألم بالنصف مع أمها. ردت لها سلوى الابتسامة بكل محبة خالصة من قلبها إلى بنتها، والتفتت للحرمة اللي كلمتها وهي تبارك للريم، ابتسمت لها سلوى وهي ترد على المباركات وكل شوي تناظر بنتها. عند الرجال دخل محمد وهو متلثم وانصدم بشكل كبير أول ما شاف العرسان برهان وحامد وما عرف وش السالفة، ناظر واحد من الرجال وسأله:

"يا الأخو اليوم زواج برهان وحامد؟! أبو خالد عقد حواجبه وقال بانتقاد: "محمد!!!! تلعثم محمد وقال: "هاه" أبو خالد: "أنت صاحي يا ولد؟! أحد يهجر أهله ويغيب كل ذي المدة عن ديرته وربعه؟! محمد: "وو والله الدنيا مشاغل." أبو خالد باستنكار: "مشاغل تشغلك عن أهلك؟ أحد صاحي ما يدري أن اليوم زواج أخته؟! محمد بصدمة: "وشووو" أبو خالد: "هييه عليكم يا الدنيا السلام، وصلنا لزمان الأخت تعرس وأخوها ما يدري." محمد بعصبية:

"وش تحكي أنت، من اللي اعرس وعلى من؟! أبو خالد: "أختك اعرست على حامد! اتسعت عيون محمد بصدمة وقال: "يخسى والله ما ياخذ أختي." أبو خالد بصدمة: "قل لا إله إلا الله وش هالحكي يا حميد؟! محمد ناظر أبوه من بعيد يعرض والابتسامة شاقة وجهه وقال بترقب: "أبوي تزوج؟ أبو خالد: "يهييه يا الدنيا أبوك اعرس على بنت الشيخ رشيد من زمان وأنت توك تدري؟ سكت محمد وهو يناظر الجميع اللي ملتهين والفرحة تعم المكان، سمع صوت أبو خالد يكرر كلامه:

"انهج أنا أبوك غير ثيابك المغبرة ذي وشعرك الأشعث وتعال احضر زواج أختك خل أبوك يرضى عليك." ما رد محمد وعيونه على حامد بحقد، وراح عن أبو خالد اللي ابتسم بهدوء ظنًا منه أن محمد سمع لكلامه وبيروح يغير ملابسه ويحضر الزواج. أما محمد فانطلق طالع من الديرة غايته الخيل والسلاح اللي عليها، وبيرجع لهم بيقهر حامد ويذله مثل ما ذله أمام الرجال في هذاك اليوم اللي طلع من بيتهم وهجم عليه حامد.

بينتقم من الجميع لعدم اكتراثهم بغيابه وعدم اهتمامهم فيه ولا سؤالهم عنه. وبسرعة البرق سحب السلاح من على الخيل ورجع للديرة يحمل في قلبه أطنان من الحقد على الجميع، والسبب قلة الإيمان في قلبه. كان الجميع فعلًا ملتهين وفرحانين بزواج شابين من هذه الديرة وقد يكونوا من خيارها. عيال رشيد وأحفاده كلهم في صف واحد، وكذلك رجال الديرة في صف ثاني ويلعبون السامري.

تقدم حامد وهو مبتسم لوسطهم وهو يعرض معهم ببشته، وبرهان من الجهة الثانية والرجال من حولهم. فكانوا الاثنين مقابلين لمدخل الديرة بشكل جداً جداً واضح. دخل محمد والسلاح في يده وبكل تهور رفعه وهو يناظرهم من بعيد في جو الزواج والعرضة وصوت الطبول والشلات وغيره. وفي لحظة خاطفة خطفت معها بهجة وفرحة عرساننا، انتشر صوت الرصاص مغطي على صوت الفرحة. واتسعت عيون الجميع بالصدمة وهم يشوفون اللي ينحاش بعد ما فعل فعلته.

تحولت الأنظار كلها للعرسان بيشوفون من فقدوا! من منهم مات؟ من منهم خسروه اليوم!!؟ من منهم انتهت قصته عند هذه النقطة! محمد انحاش من الديرة بكل سرعته قبل حتى لا يستوعبون هو وش فعل وقبل لا يدركون من الفاعل. "برهان! "حامد! كان هذا صوت الناس وهم خايفين عليهم، لكنهم زفروا براحة وهم يشوفونهم كلهم بخير ومصدومين مثل الجميع، الكل صار يتلفت ويناظر الرصاصة في من استقرت!!

لكن الله شاء أن لا يصيب أحد منهم مكروه وأن لا تنتهي هذه القصة بفاجعة على أحدهم، والرصاصة كانت مستقرة في أحد الأعمدة الخاصة بأحد الخيام. واستوعب الجميع أن في أحد كان متقصد يفسد هذه الفرحة، وبسرعة البرق تحركوا الشباب لاحقين بالفاعل وهم يتوعدون فيه. بينما رشيد أمر الجميع بإكمال الزفاف ولا كأن شيء صار، لين يعرفون اللي متقصدهم. وعلى أذان المغرب، انتهت مراسيم الزفاف بكل حالاته، وزفوا سمو لبيت زوجها وزفوا الريم لبيت زوجها.

ورجعوا الشباب واجتمعوا عند الشيخ والعرسان لا زالوا مع الرجال ينتظرون خبر عن الفاعل. أدهم بعصبية: "ما قدرنا نلحق عليه ولا شفناه." تلعثم أبو خالد وتذكر محمد لكنه خاف يتكلم ويسبب فتنة! خاف يكون بكلمة منه تشتعل نيران الفتن في ديرتهم فقرر السكوت وهم بيكتشفون بدونه. رشيد تنهد وقال: "الله المستعان بيتضح لنا من اللي عمل هاللون، وصدقوني ردي علاه بيكون قاسي." زفر برهان بانزعاج وهو ما يدري من بيكون له يد في هالشي.

قال رشيد مكمل كلامه: "أنتم يا عيالي توكلوا على الله بيوتكم، أنتم عرسان وحريمكم يحترونكم." برهان: "وين ننهج يا جد وفي أحد يبي لنا بلا؟! أدهم شد على سلاحه وقال: "توكلوا على الله أنتم وحنا مالين الديرة بإذن الله ما بوه قلق انهج لبيتك." برهان ناظرهم بعدم اقتناع وهو ناوي يطلع معهم، لكن أبو سمو قال بمزاح: "أقول يا تنهج لبيتك يا رحت أنا وخذيت بنتي." برهان: "أخو آصف أخوه والله ما تاخذه!

ضحكوا عليه بصوت عالي ومن ردة فعله، وانحرج برهان من تسرعه وضحك معهم، وطلعوا وحامد طاير من الفرحة لملاقاة عروسته، وكذلك برهان اللي ابتسم وهو يعد الخطوات لين بيته، وانقسموا أبو سمو وإخوانها مع برهان، وفواز وعياله وفهد مع حامد. أما رشيد فوصل برهان لباب البيت ولحق حامد يوصله وبعدها يروحون الرجال للمسجد. "سمو" كانت شهلاء عندها تعطرها وتسمي عليها وكذلك منيرة، ويهدون توترها ورجفة يديها.

وما أن سمعت صوت برهان يدخل حتى زادت رجفتها وناظرت عمتها بتوتر. صحيح أن لهم ليالي طويلة يلتقون فيها إلا أن هذه اللحظة تحتفظ بشعورها الخاص وتوترها. دخل برهان من باب الغرفة بابتسامة متسعة، وارتجف قلبه وهو يشوفها جالسة على الفراش بثوبها اللي يحتضن جسدها بنعومته وجماله، وغاب عن باله كل اللي موجودين وعينه ثابتة على جميلته الخجولة.

شهلاء اجتمعت الدموع في عيونها وهي تشوف ولدها كبر وصار عريس، انهمرت الدموع وقالت بصوت انتشل برهان من بحر تخيلاته ومشاعره المنبهرة: "ألف مبروك يمه زواجك." التفت برهان بقوة وارتجفت أطرافه ونبضات قلبه تسارعت وهو يشوف الوجه الحنون، اللي افتقده من مدة. همس برجفة: "أمي! شهلاء بغصة: "برهان! ابتلع ريقه وقال: "الله يبارك فيكِ." شهلاء تقدمت منه وهي تمسح على كتفه وسرعان ما قالت: "كبرت يا أمي كبرت! برهان ابتسم بوجع وصد بوجهه

عنها وقالت منيرة بهدوء: "شهلاء خل نطلع ونترك العرسان." شهلاء مسحت دموعها وناظرت سمو وقالت بابتسامة: "أمانتك ولدي! ابتلعت سمو غصتها وطلعت شهلاء وهي تمسح دموعها اللي تنهمر غصب عنها وبدون شعور منها. أما برهان غمض عيونه بقوة وتمنى لو يقول لا تروحين لفهد وأنتِ بالزينة لا تسمحين له يشوفك وأنتِ بهالجمال!

لكنه ابتلع الكلمات مع غصة اعتاد عليها، وفتح عيونه وابتسم لتلك العيون التي تناظره بقلق، عيون المحبة الحنونة. تقدم بخطوات بطيئة، وعلى وجهه ابتسامة هيام وحب كتمه في قلبه، وصار وقت أن يبوح فيه. حب تمكنت منه من أقصاه. وقفت سمو بتوتر أول ما وصل عندها وناظرته بعيون متوترة متشتتة. تقدم برهان أكثر بصمت واحتضن روحها قبل جسدها، وأحكم عليها قبضته وأخذ أعمق نفس منها، وقال بصوت مبحوح: جعلوه ألف مبروك علينا يا روح وقلب برهان.

كانت مغمضة عيونها ودموعها تنساب على خدها وهمست: يبارك بعمرك يا روح وقلب سمو. ابتسم برهان وهو يحس بدقات قلبه في ازدياد وأنفاسه متسارعة. احتضنها في الوقت الذي كان يحتاجه، احتضنها في اللحظة التي يحتاج فيها إلى حضن. تشتت قلبه مع شوفته لأمه، لكنها لمت شتات قلبه في حضنها وبرائحتها التي أشعلت النيران بجوفه. سمو بصوت راجف: برهان. برهان بهمس: عيونه. سمو سكتت وضاع منها الكلام وغمضت عيونها بضعف في قربه. ابتعد برهان عنها ووجهه

أحمر من فرط مشاعره وقال: الله يجعلني عند ثقتس فيني يا سمو قلبي ويجعلتس خير على هالبيت. ابتسمت سمو بعيون لامعة، وقال برهان بحب: وش هالزين يا سمو وش هالجمال! سمو بخجل رفعت يديها وقالت: عرفت إنك ما تحب الحنى وما عملت ليدي شيء! برهان مسك يديها ورفعها لفمه وقبّلها بكل شغف وقال: أنتي مدري وشلون تفهمين كل شيء يخصني، مدري وشلون جيتي هاللون على ما أتمنى!! عضت سمو شفتها بخجل وطيف ابتسامة لاح على شفتها، مما زاد جنون برهان فيها.

***** "حامد والريم" كانت نورة وعبله عند الريم ويهدّونها، وهي فعلاً كانت ترتجف بشكل مبالغ وواضح، وهي خايفة من اللقاء بينها وبين حامد. عبله: بسم عليتس يا الريم شنوحتس تراجفين هاللون، صلي على النبي لا يصيبتس شيء! ما قدرت الريم ترد وهي ترتجف. عبله تهدّيها وتمسح على ظهرها وتسمي عليها: بسم الله عليتس لا إله إلا الله طالعة مثل القمر. نوره بابتسامة حنونة: ما شاء الله تبارك الرحمن، والله زين ما اختار حامد.

تجمعت الدموع بعيونها من نطقوا باسمه وزادت رجفتها وخوفها، وقالت عبله: لا إله إلا الله شنوحتس يالريم، اهدي وأنا أمّتس لا يجيتس شيء من هالخوف، والله إن ولدي حليل وطيب قلب وأجودي، بيخاف الله فيتس لا تخافين هاللون، صلي على النبي واذكري الله. نوره: إي والله إن حامد طيب وأطيب قلب من عيال فواز، لا تخافين وأنا أمّتس، أنتي بين أهلتس وعند أمّتس وأبوتس الثانين. بكت الريم فجأة من طاري أمها وقالت:

ما عاد ودي أتزوج، تكفون بنكس لأمي. انصدمت عبله وقالت: بسم الله الرحمن الرحيم وش هالحتسي يا الريم؟ اذكري الله كلنا خفنا وتوترنا بيوم الزواج، مير وأنا أمّتس ما انهبلنا، وش فيتس تحتسين تسذا!؟ الريم وقفت وهي تبكي وقالت: خلاص بنكس لأمي، والله مقدر مقدر! نوره شدت على يدها تهدّيها وقالت: اذكري الله وتعوذي من الشيطان، حامد مهوب نذل لأجل تخافين منه، والله إنه راعي واجب وطيب قلب ما بيضرتس! عبله بضحكة:

لا تخافين وأنا أمّتس، حامد آدمي مثلنا والله ما ياكلتس. نوره كتمت ابتسامتها وقالت: لا تخوفينه أكثر. سمعوا صوت حامد وانهارت الريم تبكي بخوف مبالغ فيه، ولكن فعلاً هي تخاف من موضوع الزواج من بعد اللي صار لأمها، تخاف تعيش اللي عاشته سلوى، تخاف تنعاد وتتكرر التجربة! نوره انصدمت من انهيار الريم وضمتها لها تسمي عليها وتهدّيها، وعبله تقطع قلبها عليها وقالت: خلاص يا أمي خلاص، ما بنخليه يدخل، اهدي أنتي واذكري الله.

نوره بتأييد لكلام عبله: خلاص اهدي واذكري الله ماهو بداخل! راحت عبله للباب بسرعة أول ما انفتح، وانصدم حامد ببكاء الريم وارتجف قلبه بخوف وقال: شنوحه؟؟ علامة تصيح! عبله مسكته قبل يدخل وقالت: صل على النبي يا حامد واذكر الله. حامد بخوف: عليه الصلاة والسلام لا إله إلا الله وش قاعد يصير يمه! عبله بهمس: البنية خايفة وأنا أمّك، اطلع لين تهدأ ثم تعال. حامد بصدمة: من وش خايفة!! عبله: خايفة ومتوترة. حامد بخوف: لا يكون ما تبيني؟

عبله: وش اللي ما تبيك؟ لا تستهبل أنت الثاني، البنت خايفة ومتوترة وكل الحريم يخافون، اذكر الله أنت الثاني واطلع لين ترتاح البنت وتهدأ. حامد ناظر الريم وقال بقهر: والله ما اطلع، خير وش ذا! عبله اتسعت عيونها وقالت: حامد وقتوه تصغر عقلك اليوم؟! حامد ناظر الريم وقال: بنت يرضيتس من الفجر أنتظر ذي اللحظة والحين تبوني أطلع!

نوره ما قدرت تكتم ضحكتها وضحكت عليهم، والريم زمت شفايفها تمنع بكاها، وعبله ماسكة حامد على الباب مانعته يدخل. حامد باستنكار أشار على وجهه: ريم في أحد يخاف من هالوجه!! عبله ضحكت وقالت وهي تقابل وجهه: وهي تقابل وجهك كل يوم لأجل تتعود عليه؟ توكل على الله وخل البنت تهدأ. حامد بقهر: قسم بالله ما اطلع، خييير!! يمه اطلعي أنتي وخالتي نوره وأنا بتصرف. الريم مسكت في نوره بدون شعور وقالت عبله برفض:

ما حن طالعين وأنت اللي بتطلع، نص ساعة وانكس. حامد ناظر الريم وقال: ريم! نوره بضحكة: عبله خلينا نطلع أنا وإياك وهم بيتفاهمون. حامد بتأييد: صحيح كلامتس يا خالة. نوره وخرت عن الريم التي حست بأطرافها بردت وجلست وهي تحس إنه بدأ يجيها هبوط، ونوره مسكت يد عبله وقالت: خل نطلع وأنا أختس حامد بيفهم له. عبله: لا أوصيك يا حامد. حامد هز راسه وعينه على الريم وقلبه ينبض بجنون وهو يناظرها.

طلعوا نوره وعبله من الغرفة وغلقوا الباب، وتنهدت نوره بغصة وقالت عبله: بسم الله شنوحتس أنتي بعد؟ نوره بدموع: تهقين سمو حالها مثل حال الريم الحين؟ عبله ابتسمت بغصة وقالت: شهلاء ومنيرة عنده لا تخافين، ما الخوف والوجع إلا لقلبي أنا اللي مدري عن بنتي ولا أدري وشلون حياتها ولا شلون رجلها معه زين ولا يتعامل معه بقسوة، والله إن قلبي ياكلني عليه كل ليلة. نوره وكأنها ما صدقت خبر نزلت دموعها وقالت:

لا إن شاء الله إنه بخير، والله هالبنات خذوا عقولنا وقلوبنا معهم. نزلت دموع عبله وبكت وهي تروح للغرفة، وذكرى بنتها سمق توجعها والشوق لاعب فيها. ونوره لحقتها وهي تبكي معها، وذكريات بناتهم ترجع لهم من طفولتهم لين كبروا وكل وحدة راحت لبيت زوجها وبدت حياة جديدة بعيد عن حضن أهلها. أما فرح فكانت في غرفتها هي وأختها وتبكي من فراقها، وهي تدرك أن أختها خلاص تزوجت وافترقوا وما عادت مشاكلهم على الشغل ولا سوالفهم في فراشهم.

أما حامد.. ناظرها جالسة بدون كلام، وأنفاسها متسارعة وصدرها يعلو ويهبط، ورجفتها واضحة له. رق قلبه عليها وتقدم منها بهدوء وهو يتأمل وجهها وشعرها الذي كان يتشفق على اللحظة التي ليشوفهم فيها. تقدم أكثر بدون كلام، ما يبي يخوفها منه ولا يتكلم معها ويربكها أكثر. وصل عندها وجلس بجنبها على الفراش بصمت وهو يشوفها كأنها ريشة ترتجف أمامه.

ارتجف قلبه غصب عنه وهو يشوفها في غرفته وفي بيتهم وصارت زوجته وحلاله. نزل عيونه ليديها المزينة ورفع يده بهدوء ومسك يدها التي في حضنها وشد عليها بقوة وعينه ثابتة على وجهها الذي ما يشوف غير طرفه، وابتدأت ليلتهم بلمسة يده على يدها. ونزلت دموعها وصدرها يرتجف بخوف. حامد توتر من توترها وخاف يقول شيء يخوفها أكثر! قال بعد تردد: راحت أيام وجت أيام وقلبي متعلق فيتس يا بنت فهد! زمت شفايفها تمنع شهقاتها تطلع وقلبها يرجف بخوف.

حامد ما قدر يتحمل خوفها منه وبكاها ولفها له بقوة وقال برجاء: ريم تكفين!! غمضت عيونها وهي مو قادرة تشوفه، وحامد بلع ريقه ورفع خصلات شعرها التي نازلة على وجهها وقال بهمس: ريم! ما شاف منها رد وقال: ريم وشنوح تخافين مني؟ بفهم ليه كل ما جيتك خطوة تبعدين عشر خطوات؟!! الريم ببكاء: خلاص ما أبي أتزوج، رجعني بيت أهلي. حامد بصدمة: ليه! ريم وأسنانها تتصافق من الرجفة: مـ ما ما ودي خلاص. حامد غمض عيونه يصبر نفسه ويتفهم

أنها خايفة وتوتر لحظي همس: بس أنا ودي. الريم بكت وبدون وعي قالت: كذب أنت ما تبيني، بتجرحني مثل ما يعمل أبوي.

سكت حامد ورمش أكثر من مرة يستوعب اللي قالته، ومر شريط الذكريات قدامه، وتذكر الكدمات اللي كانت على يديها، وتذكر خنق محمد لها، تذكر بكاها في المرعى وسرحانها الدائم، تذكر أبوها وظلمه، تذكر سحره لشهلاء، وفهم كل شيء، فهم خوفها وفهم اللي تمر فيه الحين، وهو بكل حواسه جاي لها مندفع، متناسي خوفها والعقد اللي متسببهم لها أبوها وأخوها وخلوها تكره الرجال وتخاف منهم.

أوجعه قلبه عليها ولأنه يحبها، لأنه يعشقها، لأنه من طفولته يحلم فيها ويتأملها من بعيد ويراقبها في كل وقت، فهم! فهم كل شيء هي تمر فيه، وتقدم منها واحتضنها بكل قوته وهمس: أقسم بالله العظيم إني أحبك وما بيجيتس مني ضرر، أقسم بالله العظيم! الريم بكت أكثر وهي تحاول تبعده عنها لكن حامد شد عليها بقوة وهمس:

حسي فيني يا ريم، حسي بقلبي ولو لمرة، غمضي عيونتس واستوعبي أنتس معي أنا، مع حامد اللي يحبتس، حامد اللي من طفولته يبيتس ويبي راحتس، حامد اللي مستعد ينتزع لتس الراحة من قلبه لقلبتس، حامد اللي مستعد يعوضتس عن كل شيء! ابتعد عنها ومسك وجهها يثبته وقال بهمس: ريمي! حبيبي اهدي وتطمني، أنت عايشة بروحي وقلبي لا تخافين! الريم فتحت عيونها ببطء وشهقاتها تطلع من صدرها كأنها خناجر في قلب حامد.

ناظرت وجهه أمامها وعيونه اللي غصب عن كل شيء شافت الحب فيهم، شافت اللهفة فيهم، شافت حنية العالم كلها فيهم. حست بأن جسدها تخدر من نظراته وحنية قلبه ولطافة كلماته وهمسه لها ولمسات يده الحنونة على خدها. رمشت أكثر من مرة بضياع وهي تحس إن قلبها يرتجف بشكل فظيع. لاحظ حامد سكونها بين يديه وبكل هدوء سحبها لحضنه وخلى راسها على صدره وضمها له وهو يمسح على شعرها بكل حب وحنية.

ودموعها تنزل بصمت وعيونها ثابتة على الفراغ وهي تحس بأنفاسه ولمساته لها. نزل حامد لراسها وهو يقبّله بهدوء وسند خده عليه، وهو يشدها له أكثر وبدأ يقرأ بهمس بعض الآيات اللي يحفظهم لعل روحها تهدأ، خايف يصيبها شيء من نوبة الخوف والرعب اللي صابتها من لحظات. غمضت الريم عيونها وهي تبكي مع صوته وهو يقرأ لها ويمسح على شعرها ويديها في حضنها شادة عليهم. حامد تعمد يقرأ لها بهمس لأجل روحها تسكن وتهدأ.

مرت عليهم دقايق وهم على نفس وضعهم لكن الريم هدئت وما عادت تبكي، لكن شهقاتها بعد البكاء لا زالت إلى الحين، وحامد إلى الحين ساند خده على راسها وضامها لصدروه ويقرأ وهو يحس إنهم في جو من السكينة والطمأنينة كلهم، وحنية الجو اللي هم فيه ما عمرهم عاشوه. وكل ما طلعت منها تنهيدة سمى عليها. حامد بهمس: تنامين؟ الريم أومأت بهدوء.

وبكل هدوء سحبها حامد معه وانسدح على الفراش وهو يضمها رافض إنه يتركها دقيقة، يبيها تتعود على حضنه وقربه. غمضت الريم عيونها وهو بنفس حنيته كان يمسح على شعرها ويسمي عليها، والريم ترتجف بشكل خفيف. همس لها وقال: بردانة؟ هزت راسها بالرفض وهي تغمض عيونها.

حامد ابتسم بخفة وهو يشوف وجهها أحمر من الصياح والكحل نازل من عيونها. رفع يده بخفة وبدأ يمسح دموعها والكحل اللي نازل من عيونها، والريم ساكنة بين يديه بفستانها وهو إلى الحين ببشته. حس في أنفاسها هدأت وانتظمت وارتخت يدها اللي كانت شادة عليها، وعرف إنها نامت وكأنها طفلة صغيرة خايفة من فراق أهلها.

رجف قلب حامد عليها وهو يناظرها، ولأن قلبها طيب وتحملت كثير مع أمها، رزقها الله بحامد اللي مستعد يتحمل كل شيء لأجل راحتها وسعادتها. قبّل جبينها وانسحب بهدوء من عندها وغطاها بالفراش وتأملها وهو يحس إن قلبه بيتوقف من سرعة دقاته وهو يناظر نومتها ولطافة شكلها ونومتها الهادئة.

تنهد بهيام ووقف من عندها وراح يوخر بشته وثوبه، وضحك بخفة وهو يشوف كحلها على ثوبه. عض شفته وهو يحس صدره بينفجر من تزاحم الشعور فيه. ترك أغراضه وتوجه يفرش سجادته بيصلي المغرب ويدعي الله يهديها ويسخر قلبها له ويطمنها في قربه. طلع من الغرفة وأغلق الباب بهدوء وراح يتوضأ، وتفكيره عندها ومعها. أما هي فكانت نايمة من بعد موجة المشاعر والحنية اللي جتها من حامد ورقة تعامله معها، نامت بدون شعور في حضنه.

دخل للغرفة وأغلق الباب وناظر لجهة الفراش وشافها نايمة، تنهد وتوجه لسجادته يصلي المغرب. برهان وسمو كان برهان عند باب البيت ياخذ العشاء من أدهم. أما سمو فكانت جالسة على الفراش ببيجامتها الحرير بريش في آخرها، وخجلانة من برهان وحركاته معها وجرأته. مسكت طرف لبسها تحركه بتوتر وتشغل نفسها فيه. ودخل برهان ومعه العشاء بابتسامة وهو مفتون بجمالها وبجمال لبسها اللي لبسته بعد ما صلوا.

تقدم وترك العشاء على الأرض وجلس بجنبها وهو يتأملها من رجولها لين راسها، وهي تحس إن كل وريد فيها تجمد من الخجل. ابتسم برهان وتقدم منها أكثر ومرر أنامله على كفها مرورًا بذراعها لين كتفها. واقشعر جسدها وبسرعة وقفت مبتعدة من عنده. برهان ناظرها بهدوء وهي واقفة وترتجف، ابتسم بخفة ووقف وقرب منها، شدت على يديها ورجعت على وراها ولكنه بسرعة جذبها له وهمس: وين؟ سمو عضت شفتها بخجل وقالت بهمس: برهان بيبرد العشاء! برهان

بابتسامة تأملها وقال: ماني جوعان. سمو بخجل: أنا جوعانة. برهان بهمس: متأكدة؟ أومأت سمو وبرهان يناظرها بابتسامة، مما زاد من توترها وربكتها. برهان تقدم منها ودفن وجهه بعنقها وأخذ نفس عميق وهمس برجفة: مهوب وقت أكل! سمو تنهدت بتوتر وقالت: برهان. برهان حرك خشمه على عنقها وقال: لبيه يا عروق قلبي، سمّي. سمو غمضت عيونها وبلعت ريقها. برهان بهمس: وش تبين؟ سمو بهمس مماثل: ولا شي. ابتسم برهان وابتعد عنها وقال: تعالي تعشي.

أومأت وبسرعة انسحبت من بين يديه وجلست عند الأكل. ناظرها برهان بابتسامة لعوبة وجلس عندها، وسحبت سمو الخبز وهي نفسها ما تقبل أي لقمة، لكنها تبي تهرب من حركاته وتلجأ للأكل. برهان عض شفته يكتم ابتسامته وقال بنذالة وهو يشوفها تاكل: أفا تاكلين وأنا لا؟ سمو تفشلت ومدت له الخبز، ضحك برهان وأخذه ونزله في الصحن، وسحب يدها اللي فيها اللقمة وقربها من فمه وأكلها وهمس: الحريم يأكلون رجالهم هالون.

سمو ناظرته وهي ترتجف ويدها للحين معلقة في الهواء. برهان ما قدر يكتم ضحكته من شكلها وقال: خلاص خلاص حنا آسف. سمو نزلت نظرها بخجل للصحن وسحبت لها لقمة بتاكلها لكن برهان بسرعة سحبها له وأكلها. سمو بخجل: خلاص الحمد لله شبعت. ضحك برهان وقال: حتى أنا. سمو ابتسمت بهدوء ووقفت ووقف برهان وقالت بتوتر: برهان شنوحك!!؟ برهان رفع حاجب باستغراب: شنوحي؟ سمو بخجل: وش تبي؟ برهان ابتسم وقال: ولا شي. سمو أومأت وقالت: تصبح على خير.

سكت برهان وهو يشوفها تروح للفراش، انتظرها لين انسدحت وتغطت وبسرعة راح لها ودخل معها في الفراش وقال: هذا اللي أبيه. سمو التفتت له بقوة وخوف: وشو؟ برهان بضحكة: إني أنام. زفرت سمو براحة وتغطت بالفراش لكن برهان تقدم منها أكثر وهمس: سمو. سمو برجفة: هاه. برهان: تصبحين على خير. ابتسمت سمو براحة وقالت: وإنـ.. ما خلاها تكمل جملتها وتقدم منها بكل لهفة ومحبة. سلوى دخلت غرفة الريم اللي اعتادت تنام فيها من شهور.

لكن هذه المرة الأولى اللي تدخلها وهي بهذه الظلمة والوحشة، هذي المرة الأولى اللي تحس إن الجدران تكتم على أنفاسها، وتوها ما دخلت لداخلها، توها إلى الحين واقفة على الباب. انسابت دموعها على خدها بغزارة، دمعة تتلوها الثانية، دموع الشوق والحنين وعبرة الموقف، بنتها كبرت وصارت أجمل عروسة وفي بيت زوجها اللي تحملت الظلم عشان توصل له، وصلت له!

تطمنت الحين إن بنتها في خير وسلامة، تطمنت إن بنتها صارت في أمان مع زوجها، وترجوا الله إن حامد يكون العوض الجميل لبنتها. تقدمت بخطوات بطيئة لفراش الريم ومع كل خطوة تخطوها يمر شريط الذكريات من بداية حملها بالريم لين ولدها.

وصار عمر الريم شهور وبدت تحبي وصار عمرها سنين وبدت تمشي وتطلع وتدخل، وكبرت الريم وهي مثل البلسم على قلب سلوى عكس ولدها، صارت البنت هي اللي سندت أمها ووقفت في وجه فهد أكثر من مرة وتحملت الضرب مع أمها وعاشوا الثنتين يواسون بعضهم. انسدحت سلوى في فراش الريم وبدت شهقات بكاها تزداد وهي تحس بغربة المكان بدون طيف الريم. وبدت تدعي في داخلها إن الله يوفق بنتها وييسر أمورها ويعوضها في حامد.

ما في أوجع وأقسى على قلب الأم من ليلة تروح فيها البنت، برغم فرحتها وسعادتها طول النهار، إلا إنها إذا اختلت في نفسها وحل الظلام يمر في بالها شريط الذكريات وتبدأ دموعها تكتب على وجنتيها عبارات الشوق لضناها. غمضت عيونها وهي تدعي بكل قلب صادق إن الله يوفق بنتها ويصبر قلبها على فراقها. فهد ما كان حول بنته ولا متأثر كثر تأثره بجمال شهلاء وزينتها وكيف إن اللي يشوفها يحسبها العروسة من جمالها.

وما ترك كلمة غزل ما قالها لها وهو منفتن بجمالها ولبسها وشعرها اللي تاركته وريحة العطر اللي تفوح منها. أما هي فكان بالها مع برهان وقلبها معه، متجاهلة فهد وحاسة بشي غريب في صدرها وهي تستوعب إن اليوم زواج ولدها وإنه كبر وصار عريس! أدهم والترف

كانت الترف برغم الشعور اللي في صدرها لعدم تقبل أدهم بعد جرحه وكلامه لها، إلا إن فكرة إنها صارت وحيدة في هذي الدنيا بدون عزوة ولا أهل تخليها تتقبله وتحاول تتحرك مع الموج لين ترسى وتستقر، وكانت ملاحظة تغير أدهم للأفضل وكيف صار تعامله معها وأسلوبه وكأنهم غيروا أدهم الأولي وهذا أدهم جديد.

صارت تتعمد تتزين بأجمل زينة وأفخر الملابس لجل تجذبه لها أكثر وتحببه فيها أكثر، وهذا اللي صار وقدرت الترف إنها تسيطر على عقل وقلب أدهم بابتسامتها ولبسها وتعاملها معه وكيف إنها تحاول تتأقلم وتتعود معه لجل تمشي حياتهم وتستمر الحياة. عند حامد صحت الريم على الساعة 11 قبل منتصف الليل. وشافت حامد جالس عندها وعينه عليها، توترت وخجلت وهي تتذكر اللي سوته وتصرفها. ابتسم حامد بمحبة وقال: الحمد لله إنتس صحيتي قبل تفوتس الصلاة.

ناظرته الريم وأومأت براسها وهي ما تدري وش تتصرف. وقف حامد وناظر أغراضها وقال: هذي أغراضتس، أنا بطلع من الغرفة أشوف لتس طريق لين تغيرين أغراضتس وتطلعين تتوضين. الريم هزت راسها وهي خجلانة منه ومن حنيته عليها، وابتسم لها حامد يطمنها وطلع من الغرفة وترك لها الفانوس يضوي لها الغرفة. وقفت الريم وهي تحس راسها ثقيل من البكاء والنوم بعده.

تنهدت وتقدمت من أغراضها وفتحتهم وطلعت لها ملابس وأغراض الصلاة ووقفت وهي توخر الفستان اللي عليها وتغير ملابسها، سمعت صوت حامد برا يستأذن يدخل وقال: ريم؟ أخذت نفس وقالت: فِت (ادخل) دخل حامد وتفاجأ من شكلها بالبس الجديد وقال يخفي إعجابه وانبهاره: هاه بتطلعين تتوضين؟ أومأت الريم وخذت ملابس الصلاة ولبستهم وطلعت معه، وأخذ حامد الفانوس يضوي لهم وتوجهوا للحمام.

شافها حامد تناظر البيت وأشار لها وين تروح ومد لها الفانوس، خذته ودخلت للحمام تتوضأ. أما حامد سند نفسه على الجدار وأخذ نفس عميق وهو ينتظرها تطلع، ناظر بيتهم وهدوئه وابتسم بخفة للهدوء والكل نايم وتاركين العرسان ياخذون راحتهم. سمع الباب ينفتح وطلعت الريم منه وأخذ الفانوس منها وقال: اروجي، برد عليتس. ناظرته الريم باستغراب إن هالإنسان يحمل في قلبه كل هالمحبة والحنية! أكملت طريقها للغرفة وهي تناظر

البيت وقال حامد بهدوء: بتتعودين على هالبيت وبيتعود عليتس وبيحن عليتس ويحبتس مثل صاحبوه. بلعت ريقها ودخلت للغرفة ودخل حامد وأغلق الباب وترك الفانوس في مكانه المخصص وراح يجلس على الفراش، أما الريم وقفت على سجادتها وهي تستغفر بسبب تأخير صلاتها لهالوقت وبدت تصلي وحامد ينتظرها ويناظرها بابتسامة وهو مرتاح كثثير إنها صارت زوجته وفي بيته. ويتذكر كيف كان يسترق لها النظر في المرعى، أما الحين صارت حلاله وأمام ناظريه دائمًا.

سلمت الريم منهية صلاتها وبدت تستغفر بعد ما خلصت وهي تدعي الله يهدي قلبها ويعوضها خير العوض في حامد. وقفت وهي تشيل عنها ملابس الصلاة والتفتت لحامد، شافته مغمض عيونه وواضح إنه نام، ابتسمت بخفة وغيرت جميع ملابسها وتقدمت من الفراش وعينها على حامد اللي كان صاحي ولكن يدعي النوم. دخلت في الفراش وقبل تنسدح ناظرت حامد بهدوء وهي تتذكر همسه لها وحنيته، جتها رغبة كبيرة إنها تحس بنفس الشعور والحنية.

غمضت عيونها وتقدمت منه وهي مغمضة عيونها ما تبي تشوفه وتنحرج. استقرت على صدره ويدها على بطنه وغمضت عيونها بقوة وهي تحس بنبضات قلبه وتسمعها. فتح عيونه ونبضات قلبه فاضحته عندها ومد يده وحاوطها وهمس: ريم. بلعت ريقها وعرفت إنه صاحي وقالت: همم. حامد بابتسامة: أحبتس. أخذت نفس عميق وبلعت ريقها وما ردت. ضمها حامد له بابتسامة وهو يحس إنه على كفوف الغيم من فرحته وسعادته بقربها منه. الصباح.

ومع إشراقة اليوم الجديد، على جميع البيوت طلت الشمس معلنة انتصارها على ظلام الليل. ومباركة لهم زواجهم وانتصار قصة حبهم. صحت الأمهات من الفجر يطبخون ويجهزون الفطور للمعرسين اللي نايمين ومو حول أحد. برهان والسمو إلى الآن نايمين وهم كانوا عايشين قصة حب طول الليل وشهدت ليلة البارحة أجمل مراحل حياتهم واللي تمنوها من سنوات جدا طويلة.

أما حامد والريم فكان طول الليل يسولف عليها ويحكي لها عن أيامه الماضية وكيف كان طول الوقت يفكر فيها، وهي تستمع إليه وخجلانة من كلامها معه ومن بكائها ومن خوفها الغير مبرر! في غرفة حامد والريم: فتح حامد عيونه وشاف الريم كانت الريم واقفة بجنب أغراضها بعد ما غيرت ملابسها بملابس تليق بطلوعها قدام أهل البيت. ابتسم حامد وقال لها بكل هدوء: صباح الخير! ناظرته شوي وقالت الريم وصوتها مليان خجل: صباح النور والعافية. قال

حامد وهو يناظرها بابتسامة: كيف حالتس إن شاء الله إنتس زينة اليوم؟ تبسمت الريم بكل خجل وقالت: الحمد لله اليوم زينة. فقال حامد بضحكة: ها راح الخوف ولا للحين؟ ضحكت بخجل وقالت: لا راح الخوف، أصلا أنت ما تخوف. قال حامد بمزاح: هذا اللي أحاول أفهمتس من البارح إني أنا ما أخوف وشكلي أصلا ما يوحي الخوف! تأملته شوي وتذكرت كلامه لها

طول الليل ووعوده وقالت: لو إن مخاوفي مثلك كانت الدنيا في سلام لكنوه كان خوف لحظي وانتهى في ليلتوه وأنا واثقة فيك كل الثقة إنك بتعوضني عن كل الليالي الماضية وعن كل السنين اللي راحت بدونك وفي ظلم أبوي وحياتنا مع أخوي. سكت حامد ودقات قلبه تسارعت من كلامها ونطق بعد صمت وقال بحب: إن شاء الله بإذن الله إني أكون لتس سند والظهر والحياة السعيدة. قالت الريم بصوت خجول

وهي تسحب الفراش ترتبه: أنا واثقة منك كل الثقة ولو إني مو واثقة ما كنت وافقت عليك. فقال حامد لها بابتسامة اتسعت في ثغره: إن شاء الله بإذن الله ولا تخافين، لكل شي حل ولكل المشاكل اللي نعيشها بنلقى لها حلول وبنعيش كلنا في سلام بعيد عن المشاكل وعن التعب والخوف. الريم ناظرته وقالت بقلق: حتى مشكلة أبوي؟

قال حامد بابتسامة طمأنينة: "أكيد كل شيء له حل وكل شيء بنقدر عليه، أنتِ بس اوثقي فيني وخليّتس معي في كل شيء بقول لتس إياه، وإن شاء الله بإذن الله إنه نلقى حل لكل شيء." قالت الريم بتوتر: "مير يا حامد وشلون بنكشف السحر، ووش بيكون عاقبة أبوي؟ وأمي وش بيصير عليها؟! وقف حامد وتقدم منها وجلس بجانبها وقال: "لا تخافين أنتِ، كل شيء بإذن الله بيمشي بكل هدوء وسلاسة، بنكشف سحر أبوتس لعمتي وبننقذ أمّتس."

تنهدت الريم وقالت: "إن شاء الله، إن شاء الله إن كل شيء يمشي مثل ما خططت له، مير يا حامد قول لي أنت وش بتعمل؟ علمني وش اللي بتعملوه؟ أنت شلون بتعلِّمهم؟ شلون بتقول لهم إن عمتك مسحورة؟ شلون بتنقذ أبوي من الموت؟ شلون بتنقذ سمعة أمي وسمعتي وسمعة أخوي؟! حامد شد على ذراعيها وقال: "ريم ناظريني، أنتِ توثقين فيني؟ توثقين في اللي بعمله؟ تفهمين إن اللي قاعد أعمله هنا هو اللي رب العالمين أمر به؟ مستوعبة إنه يموت بالسحر خلق الله؟

أنتِ مستوعبة إنه هدم بيت كامل! ودمر حياة عمتي وشتت عيالها وغرس في قلوبهم الوجع والضيق والحقد على بعضهم؟! أنتِ مستوعبة إن برهان في كل يوم قلبه يعتصر ألم بسبب إن أمه تزوجت وتركته بكل سهولة؟ أنتِ مستوعبة يا ريم إن النجس هذا ظلم أمّتس طول العمر وظلمتس أنتِ وظلم أخوتس؟! أنتِ مستوعبة إنه بيت عمتي وبيوت كثير انهدمت بسببه؟ أنتِ مستوعبة إن آصف الحين في اليمن بسببه لحاله، بسبب أبوتس هذا؟

ريم أبوتس ظالم وكل ظالم بياخذ جزاته، وما بيصير إلا اللي رب العالمين يريده، فأنتِ لا تشغلين بالتس ولا تقلقين ولا تتوترين هاللون، وتضيقين على عمرتس وتضيعين نفستس."

أكمل حامد وقال: "هذا بالنسبة لأبوتس، أما أمّتس يا الريم فهي أمي، وأنا يشهد الله علي إني بكون لها ولد طايع لها وبارّ فيها وما أزعلها وما أقصر عليها بشيء، وإني لأعتبرها بمقام أمي، ومن اليوم هذا لو تبين الحين بروح وبجيب لها أفضل بيت لتس أنتِ وإياها وتعيشون مع بعض وما أقصر عليكَم بشيء!

مير يا ريم أبوتس لازم يعرفون إنه ساحر، أما أخوتس هذا إحنا ما ندري وين أراضيه بعد اللي سواه فيتس، فإحنا لازم ندور عليه وبخلّي أحد يشوف هو وين وبخليه يرجع، وبإذن الله كل شيء يتصلح، وبإذن الله إن أبوتس هذا يتوب! بكت الريم وقالت: "متأكد إنه أنا وأمي ما بيصيبنا أي ضرر؟! لأن أمي يكفيها التعب اللي عاشته كل هالسنين، لأن أمي يا حامد تحملت كثير عشاني!

لأن أمي كل السنين صبرت على الذل والمهانة بس عشان أكبر أنا وأصير مستقرة في حياتي، تكفى يا حامد، تكفى تكفى كل شيء يصير إلا أمي لا يمسها ضرر." سحبها حامد لحضنه وضمها

وقال وهو يمسح على شعرها: "لا تخافين، بإذن الله ما بيصير شيء إلا اللي ربي كاتبه، أنتِ إنسانة مؤمنة بالله عز وجل وقضائه وقدره، وفاهمة إن كل إنسان يغلط في حياته لابد يجي يوم ويتعاقب، ولابد ما يجي يوم ويحصل له جزاه، لابد ما إن كل إنسان انظلم يرجع له حقه، وكل إنسان ظلم يتجازى ويتعاقب، إذا كان الله عز وجل رايد إن أبوتس يتوب ويرجع لحياته الطبيعية ويستغفر عن اللي سواه ويقلع عن الذنب ويعترف بخطاه ويترك عمتي في حالها ويرجّع اللي هدمه، كل شيء بيتصلح وكل شيء بيمشي في الطريق الصحيح."

"مير إن كان أبوتس مُصِر على اللي سواه وعلى ظلمه، خلاص طلع من دائرة الإيمان لدائرة الكفر! "واستعان بالشياطين وبالشرك وبالسحر عن رب العالمين، فهذا الشيء هو اللي بيدمره، هذا الشيء هو اللي بينهيه وينهي حياتكَم كلكم يا ريم... أنتِ تدرين يا الريم إن زمان كانوا الأنبياء في معارك وحصلت كثير معارك مع الشياطين لأنهم مع السحر والسحرة، وجاء كثير أنبياء يحرمون السحر منهم موسى مع قوم فرعون ومع فرعون!

وانتشر السحر بشكل كبير والعالم كله تضرروا بسببه، لذلك الله عز وجل حرمه، لذلك الله عز وجل جعل كل إنسان يفكر فقط مجرد تفكير في السحر أن يصبح من دائرة الإيمان إلى دائرة الشرك ويصير منهم، يصير كافر بالله عز وجل ومشرك بالله عز وجل، ما عاد مؤمن بالله، ما عاد واثق إن الله عز وجل بيجيب له حقه وبينصفه، صار يبي ياخذ حقه هو بيده، ياخذ حقه بطريقة غير مشروعة وبطريقة تنهي وتدمر حياة الآخرين، فالله عز وجل ما يحرم شيء كذا بدون سبب!

"الله ما يحرم إلا شيء بيضر الناس، فيا الريم أنتِ بتساعديني وبننقذ عمتي من هذا الشيء اللي هي فيه وبترجع لحياتها الطبيعية، أنتِ على سكوتتس وعلى رضايتس له كل هذه الأيام تعتبرين مآثمة!

مير إن صححتي خطاتس إن شاء الله بإذن الله رب العالمين يتوب عليكِ، وتصيرين إنسانة مفيدة ونافعة، لأن إحنا في المستقبل بيصير عندنا عيال وبيصير عندنا حياتنا ومستقبلنا وخصوصيتنا وحياتنا المستقلة عن الناس كلهم، فما نبي تدور الأيام ويجينا شخص من خارج حياتنا ويجي ويسحرنا ولا يعمل لنا شيء وتدمر حياتنا بسبب غلطة بسيطة! "بسبب أنتِ سكتي عن الظلم، ساعديني يا ريم لأجل الله يتوب عليكِ، ساعديني وخلينا ننقذ عمتي وننقذ أمّتس معها!

ازدادت دموع الريم وبكت أكثر وهي تتذكر بكاء شهلاء وتعبها وأيامها السوداوية اللي عاشتها وظلم أبوها من طفولتهم، ودموع أمها في كل ليلة تحطها على خدها، تتذكر ظهر أمها اللي تبكي من وجعه في كل ليلة بسبب خياطتها عشان تأكل بنتها وتأكل نفسها وتصرف على حالها؛ لأن فهد حارمهم من أبسط حقوقهم، فهد كان جداً جداً بخيل ويده قابضة على الفلوس بشكل جداً فظيع، كله بسبب إنه يكره سلوى ويكره كل ذريتها، ما كان يتمنى إلا شهلاء وحياته مع شهلاء...

قالت الريم وهي تحاول إنها تقوي قلبها وتتذكر كل شيء صار لهم وكل الظلم اللي عاشوه وتتذكر إن أبوها على باطل وعلى غلط وإن لابد ما يجي يوم ويتوقف عن اللي يسويه فقالت: "أنا معك يا حامد... وأنا بساعدك وإن شاء الله بإذن الله إنه ننقذ عمتك شهلاء من كل اللي تعيشه هي، وإن شاء الله ترجع لبيتها وترجع لعيالها ويرجعوا عيالها ويفهموا كل شيء صار، وإن شاء الله إن ربي يتوب علي وكل اللي سكت عنه وكل اللي سويته يغفر لي ربي عليه...

ابتسم لها بكل هدوء وقال: "إن شاء الله بإذن الله إن ربي يتوب عليكِ، أنتِ إنسانة قلبكِ طيب وأنتِ نيتكِ طيبة وصافية وقلبكِ طيب، وكل اللي سويتيه لأجل أمّتس ولأجل ما ينخرب بيتها، مير أبوتس هو اللي قلبه قاسي، وإن شاء الله بإذن الله ربي يتوب عليكِ يا حيّي." قالت الريم وهي تمسح دموعها: "طيب أمرني وش أسوي الحين؟ شلون أنقذ عمتك من السحر؟ ضحك حامد بهدوء وقال: "لا مو من الحين عاد... اصبري شوي وبعده نشوف."

قالت الريم: "حامد تكفى ما عاد أقدر، تأنيب الضمير خلّانا! خلّانا من الحين نشوف شلون نعالجه، نشوف شلون ننقذه من هذا اللي تعيشه." تنهد وقال: "إن شاء الله بإذن الله إنه نعيش حياتنا وترجع عمتي عيشتها وحياتها وترجع الحياة كلها طبيعية، بس خلي يدتس في يدي وساعديني بكل شيء." ابتلعت غصتها وقالت: "أنا معك، أنا معك بكل شيء تبيه." ابتسم لها بحنية وقال: "الحمد لله إنكِ صرتي في بيتي وحلال علي."

ابتسمت بهدوء وقالت: "والحمد لله إنك صرت لي العوض، صرت لي العوض عن كل الأيام السابقة... عند بدرية كانت كالعادة جالسة بجانب البئر وماسكة خطها مكان المشاكل اليومية ومضارباتها مع الحريم ومضايقتها لهم! ولكن اليوم وعلى غير العادة كانت هادئة وساكتة! كانت سرحانة وكل تفكيرها في آصف!

كل تفكيرها عند هذاك الضائع، عند هذاك اللي مسافر وعايش حياته مع محبوبته في سفره، وتاركها في نار غيرتها ونار الشوق ونار الحب اللي مهيضة بقلبها، وتفكر شلون بتكون لحظة اللقاء يوم يرجع؟ شلون بيكون آصف عندما يعود؟ شلون بيكون شكله وهل بيعود مبكر ولا بيتأخر؟ هل بتصير سنين لين يرجع ولا بيرجع ذي الأيام؟ هل هو الحين وصل لليمن! ولا للحين ما وصل! أسئلة كثيرة تدور في بالها.

وكل ما زادت مشاكلها مع زوجة أخوها ومع عيال أخوها كل ما زاد تفكيرها في آصف! وكل ما زاد تمسكها في إنها تصير معه وتاخذه وتكون هي في بيته. وإلى الآن لا زالت حركته هو وسمق وتخطيطهم إنهم يتزوجون عشان يخلصون منها حارقة قلبها. وإلى الحين تتمنى تنتقم منهم أشر انتقام! وبالذات من سمق. قطع عليها تفكيرها صوت بنت عمها التي قالت بعصبية: "بدرية خذوا مكاننا وعبوا قبلنا الماء، وإحنا للحين ننتظرتس!

نكزت بدرية وقالت: "وجع إن شاء الله، أنتِ وش بلاتس؟ وش نوحتس أنتِ تحتسين هاللون؟ مهبولة! أنتِ بعقلك شيء؟! قالت بنت عمها بصدمة: "بسم الله الرحمن الرحيم، بدرية أنتِ صاحية؟ فيتس شيء؟ تعبانة! مسخنة! بلاك شيء أنتِ؟ رفعت حاجبها بدرية وقالت بعصبية: "بلاني إن ودي الحين أفرك وجهكِ بذات تراب وأنتف شعركِ على شعرة شعرة وآخذ سطل الموية هذا وأدسه برأسك المربع لين ما يطلعكِ غير مشايخ كل القبيلة!

"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" كانت هذه هي جملة بنت عمها التي خافت من كلام بدرية وعصبيتها فقالت بدرية: "روحي وطسي عن وجهي لأني ماني ناقصتكِ، ماني فاضية لتس، يكفيني حليمة المهبولة في البيت ولا زايد الدب اللي ما منه فود، ما غير يأكل ويحش في معدته وما يدري عنده أخت ولا ما عنده! سكتت بنت

عمها وناظرتها شوي ثم قالت: "بدرية تبين الصدق تراتس أنتِ اللي غلطانة، أنتِ اللي ما تشوفين أحد، أنتِ اللي ما تناظرين لأحد ولا تقولين يا كافي! أنتِ ما أدري وش بلاتس ما صرتي بدرية اللي كنا نعرفها... بدرية بنرفزة: "ليه وشلون كنت وشلون صرت الحين؟

قالت بنت عمها: "يا بدرية كنتي إذا تحتسينا معكِ تحتسين معنا وتفهمينا وش اللي في خاطركِ وإحنا نلاقي حلول ونحل المشكلة مع بعض، أما الحين كل شيء في قلبكِ وكل شيء تكتمينه ولا تتكلمين على شيء، أنتِ فيكِ شيء؟ أحد مضايقتكِ؟ أحد قايل لتس شيء؟ حليمة ذي مزعلكِ بشيء؟ قايلة لتس شيء؟ يعني غير المعتاد! ما ردت عليها بدرية وناظرت الحريم اللي مبسوطات وعبوا الموية وكأن اليوم نازل عليهم مطر، وكل واحدة

توصي الثانية وتقول لها: "بدرية اليوم سرحانة، عبّي لتس أكثر قدر من الموية وخذيه لبيتكِ وروحي جيبي سطولكِ الباقين وتعالي! تنهدت بدرية وناظرتهم كل واحدة منهم تعبي وكل واحدة لها حياتها وعيشتها وكل واحدة مبتسمة مع صباح الله خير، إلا هي اللي وجهها مقلوب من يوم تصحى لين تغمض عيونها، إلا هي اللي ما عمرها ضحك خاطرها... ما تدري السبب هي؟ ولا السبب الأيام وعمايلها!

شافت إنها لو طوّلت بتزيد العبرات فيها وبتدخل في حالة هي في غنى عنها، وما تبي أحد يشوفها فيها، فسحبت نفسها تاركة بنت عمها وراحت متوجهة للديرة، والشايب والصغير والكل مستغرب من هدوءها ونظراتها هذه، والصغار ينتظرونها ترميهم بحجر ولا تجدعهم بشيء، والكبار ينتظرون لهم كلمة من هنا ولا هناك، لكن بدرية لا... بدرية تمشي بهدوء وبالها بعيد بعيد مرة.

وجاءت عينها على الدكان اللي هناك مقفل له أيام ما انفتح، أو نقول له شهور ما شافت فيه ذاك الطيف وذاك الطول الفارع اللي يمشي قدام الدكان، افتقدت كل شيء، افتقدته وما كانت تتوقع إنها للدرجة هذي مولعة فيه! مشت خطوات ثانية مناظرة بيت شهلاء من بعيد وسرحت بتفكيرها: يا ترى الحين آصف مشتاق لأهله، مشتاق لديرته، مشتاق لأخوه ولأمه ولا خلاص وصل لليمن وشاف أهله الحقيقيين واكتفى، اكتفى عنهم وما عاد يبيهم؟!

أرعبتها الفكرة إن بعد كل تفكيرها وبعد كل وساوسها وخططها ما يرجع آصف، حست بالحقد والحسد كله يتجمع في قلبها على سمق، تحسدها على كل لحظة تعيشها الحين في قرب آصف وهي هنا تتجرع المر من شوقها له. شافت إن مالها حل إلا إنها ترجع البيت وتتوسد فراشها وتنام عشان لا تشوف الناس ضعفها ولا يشوفون حزنها، لأنها ما تبي تشوف الناس ولا يشوفونها إلا في حالة قوتها فقط، فانسحبت بكل هدوء راجعة للبيت عشان تنام وتنكد على زوجة أخوها حليمة.

طلعت الريم وحامد من الغرفة. واستقبلتهم عبلة بالفطور والبخور والقهوة والزغاريد، وبابتسامة حنونة وهي تبارك لهم صباحيتهم لأنهم عرسان في هالبيت. ابتسمت الريم بخجل وقالت: صباح الخير يا عمة. قالت عبلة بحب: صباح الرضا يا وجه الرضا، صباح النور يا نور هالبيت، صباح الورد يا وردة بيتنا ويا زهرتوه! قال حامد بابتسامة: الله الله الله الله، كل هالترحيب للريم وأنا وين جيت؟!

ابتسمت عبلة وناظرته وقالت: يا جعلني ما أفقد هالطول يا بعد كبدي وحيي وميتي يا ملي ويا طلبتي شوفتك. ضحك حامد وقال: وأنا ماني صباح الخير وماني وردة ولا شيء! ضحكت عبلة وقالت: أنت الأساس أنت الأساس، أنت اللي جبت لنا الوردة في هالبيت، ومن بعد ما راحت أختك سمق والبيت هذا منطفي نوره والورود مختفية وذبلانة، مير بنتي الثانية الريم جت وبعد تزهر في البيت بإذن الله وتصير هي وردته وهي سعادتوه. ابتسم

حامد وناظر الريم وقال: أكيد أكيد هذه هي الريم، هذا هي الغزال، هذه هي عيوني وزهرة بيتنا ووردته. عاد الحين دوروا الريم اللي ذابت من الخجل. وابتسمت عبلة بكل محبة وهي تشوف ولدها حامد يتكلم ويتغزل بزوجته ويناظرها خجلانة وقالت: عاد تعال افطر الحين وسموا بالرحمن، وعمتس يا الريم بيجي الحين يبي يسلم عليك. قال حامد: إلا صحيح والله أبوي وينوه وإخواني بعد؟

عبلة: من أذان الفجر طالعين، عاد أبوك ذا ما ترك أحد يقعد بالبيت قال في معاريس ونبيهم ياخذون راحتهم. ابتسم حامد وقال: الله يطول لنا بعمره. وجدي ما شفتيه اليوم؟ عبلة: إلا قبل شوي جاء وأكل له لقمة سريعة وراح للخيمة، وعاد قال أول ما تصحى يبي يشوفك في الخيمة الرجال يحترونك هناك. حامد: زين إن شاء الله شوي وبروح.

عبلة: وين تروح افطر أول شيء وسمي بالرحمن وادخل ارتاح لك شوي أنت وزوجتك وتكلموا شوي ما عاد بيفكونك الرجال إلا المغرب! قال حامد باستنكار: وين والمغرب! والله ما غير ساعتين أقعد عندهم وأرجع البيت. ابتسمت الريم وقالت: وأنا إذا تسمح ودي أروح أسلم على أمي! عبلة ابتسمت لها وقالت: أبي أطلع أنا وإياك ونروح لهم إن شاء الله نسلم عليهم، وأشوف شهلاء وأسلم عليها ومنه بنمر نورة ونمر سمو ونسلم عليها ونبارك لها.

قالت الريم: زين مثل ما تبين. جلسوا كلهم حول السفرة وبدت عبلة توزع لهم الخبز وصبت لهم القهوة ومدتها لها، وملاحظة عليها كل شيء وكأنها بنتها وقطعة منها، وحامد ملاحظ هالشيء عليهم وحاب إن أمه تعتبر ريم مثل بنتها، والريم كذلك كانت جداً سعيدة بتعامل عبلة معها وحنيتها وتدعي الله إن ها الحنية ما تكون مجرد حنية مؤقتة لأنها لسى عروسة تتمنى إن هالحنية تستمر. • في بيت فهد

كان فهد معصب من بعد سرحان شهلاء المتواصل طول الليلة الماضية. وعدم اعتبار وجوده وصحي الصبح وشافها متأثرة وبالها عند ولدها وتبي تروح تشوفه وهالشيء جداً أزعجه، وفي شيء في داخله يقول له إن ها القصة قربت تنتهي، في شيء داخله يقول له إنه حقيقته بتنكشف قريب! وإنه قربت نهايته وهالشيء كان جداً مخوف له بالذات الأحلام اللي صار يحلمها بشكل جداً متكرر فصار ها شيء مسبب له رعب وخايف من شيء واحد فقط: خسارته لشهلاء.

شاف شهلاء متجهزة وبتروح بيت ولدها فقال لها باعتراض: وين رايحة؟!!! استغربت شهلاء منه وقالت: بيتي بشوف ولدي! فهد بعصبية: في ها الصبح طالعة أنتِ انهبلتِ؟! شهلاء بتفاجئ: فهد شنحك؟ أنا بنهج بيتي لولدي بشوفوه، ولدي عريس بشوف وش يحتاج، بشوف إذا عندهم أكل ولا ما عندهم بطبخ لهم! فهد بعصبية: علي الحرام ما أنتِ طالعة من هالباب وإن طلعتِ ما يصير لك شيء طيب. انصدمت شهلاء وقالت: فهد أنت انهبلت ولا في راسك بلا؟

أقول لك ولدي تزوج ولدي عريس بشوفوه!!! فهد: هذا اللي عندي، طلعة من هالباب ما أنتِ بطالعة، وعنده خوال كان يبون يشوفون ناقصه شيء بيشوفونه، أنتِ ما أنتِ طالعة ارجعي غرفتك. انصدمت شهلاء وهي تناظر بعيون مستغربة ومتفاجئة من العصبية المفاجئة اللي طلعت له. أما فهد فأخذ نفسه وطلع من البيت وصفق الباب بعصبية وراح لدكانه وهو متنرفز منها ليه مهتمة بولدها؟!!!

كل الحوار هذا سمعته سلوى اللي كانت مجهزة الصالة والغرفة وتنتظر جية الحريم لها لمباركة زواج بنتها. تنهدت بحزن وشهلاء كاسرة خاطرها ومقطعة قلبها وقالت بهدوء: صباح الخير. ناظرتها شهلاء وهي متنرفزة من كل شيء وقالت: أي صباح خير أنتِ وش قايلة لفهد وحاشية عقله علي؟؟؟!!! سلوى بصدمة من شهلاء: وش قاعدة تقولين أنتِ! شهلاء نزلت دموعها وقالت: حسبي الله ونعم الوكيل ولدي عريس وما يبيني أروح أشوفه!

سلوى بهدوء: زين وأنتِ لا تسمعين حتسيه، روحي شوفي ولدك وشوفي وش يحتاج! سكتت شهلاء شوي وناظرتها وقالت: تبين تخربين بيتي أنتِ؟ تحسبيني غبية تستهبلين علي تفكريني بصدقك وتقطين علي بكلمة؟ لا يا حبيبتي حركات الضراير ذي مو عندي أنا ماني غبية عشان أسمع كلامك وكلام فهد هو اللي بيمشي! اتسعت عيون سلوى باستغراب من الحالة اللي يعيشونها والتناقض العجيب اللي في شهلاء.

أما شهلاء فسحبت نفسها وراحت غرفتها وصفقت الباب وهي تفكر إن سلوى تبي تخرب بيتها، استغفرت سلوى وخلصت ترتيب الصالة تنتظر الحريم يجونها. وهي جاهلة تماماً إن بنتها جايتها في الطريق مع عبلة. أما عند معاريسنا الحلوين... "سمو وبرهان" كانت ضحكة برهان مالية البيت وهو يستمع إلى سوالف سمو على الفطور. وسمو كانت مبتسمة بخجل وخدودها متوردة من كلامه ومن ضحكته ومن تفاعله مع

كلامها وسوالفها فقالت سمو: يا برهان وش رايك الحين تطلع لجدي يمكن يجون الحريم الحين عشان يشوفوني عيب يجون وأنت للحين في البيت. ابتسم برهان بنذالة وغمز لها وقال: ما تبين يجون ويشوفوني ولا أنتِ تبين تتخلصين مني؟! ضحكت سمو وقالت: شلون أبي أتخلص منك وأنت زينة هالبيت بس أخاف يجون والغرفة هالون ولا سويت شيء! تأفف برهان وقال: وهم وش يبون حنا معاريس! ما احنا فاضيين لهم.

سمو: مير يا برهان الحريم لزوم يجون يشوفوني أنا، يشوفوني إذا مرتاحة ولا لا، إذا ناقصني شيء إذا أبي شيء يعني تعرف توي عروس. تأفف برهان وقال: أوف وهم يوفرون يعني من الصبح كذا جايين. سمو بخجل: خلاص برهان تكفى يلا والله لو يجون الحين والبيت كذا بيمسكونها علي ويقعدون يطقطقون علي ويقولون من أول يوم وبيته مو مرتب. برهان: زين زين أبي آخذ ثوبي وبطلع. سمو: برهان أبي أقول لك شيء. برهان: سمي وش تبين؟

سمو بهدوء: يا برهان إذا جت عمتي سولف معها وسلم عليها واجلس معها شوي، لا تجرح قلبي يا برهان تكفى ولا تصد عنها مهما كان هذه أمك ومبسوطة فيك وفرحانة فيك لأنك عريس! تنهد برهان وقال: هذا إذا جت أصلاً. سمو باستغراب: برهان وش هالكلام أكيد بتجي عمتي أنت توك عريس وأكيد بتجي وتشوفك ذا ناقصك شيء إذا تبي شيء؟ طيب بتشوف زوجة ولدها إذا احتاجت شيء، إذا تبي شيء!

ضحك برهان بسخرية وقال: هذاك أول أما الحين ففهيدان الكلب ما هو سامح لها، وأنا عندي إحساس إنه بيمنعها تجي تشوفني. سمو: برهان وش اللي يمنعها تراك ابنها وهي أمك! برهان: بتشوفين وإن كلامي هو الصح واللي بيصير وإنها ما بتجي. تنهدت سمو ووقفت

ومسحت على ذراعه وقالت: برهان يا روحي أنت ويا عيني خلي عنك الوساويس وتعوذ من الشيطان وهذه أمك وبتجي وأنا متأكدة عمتي مو بهالقسوة صحيح تزوجت وشافت حياتها واستقرت مير ما بتنساك يا برهان ما بتنساك. أومأ برهان وقال: بتشوفين إنه ما بتجي أنا عندي كذا إحساس وإحساسي ما يخيب. ابتسمت سمو وقالت: وبتشوف إنها بتجي وإن إحساسي هو اللي بيصدق وإن عمتي عمرها ما قست قلبها ومهما كان أنت عريس وبتجي تشوفك. هز رأسه بهدوء

هو غير مقتنع بكلامها وقال: المهم الحين لا تتعبين عمرك بالشغل أنتِ توك عروسة استقبليهم في الصالة ولا في المجلس البيت كله نظيف. ابتسمت سمو ابتسامة حنونة وقالت: أنت لا تفكر في شيء ورح للرجال وأنا بستقبل الحريم إن شاء الله وبيتك بيشوفونه في أجمل صورة. برهان غمز لها وقال: قصدك بيتنا. ضحكت سمو وقالت: أي بيتنا. توجه برهان للأغراض وأخذ ثوبه ولبسه. وسحب عقاله ورتبه وضبطه وأخذ العطر وتعطر.

وقال: استودعتك الله أنا بطلع وإذا تحتاجين شيء أرسلي واحد من الوغدان لي. قالت سمو: ماني محتاجة شيء مشكور أنت اقعد مع جدي وشوف وش يبي منك وأكيد إنه مسفهل وفرحان بكم لأنكم عرسان أنت وحامد. برهان ابتسم وقال: يا ويلي ويلاه على اللي ترشدني على طريقي يا ويلي ويلاه على اللي صارت زوجتي. ضحكت سمو وقالت: يلا يلا اطلع قبل يجون الحريم.

برهان تقدم منها وسرق منها قبلة خفيفة وطلع من البيت وهو يضحك وهي توردت خدودها من حركته اللي فاجأتها وراحت تغلق الباب وهي مبتسمة بخجل ورجعت للغرفة ترتبها وتزينها لين يجون الحريم عشان يتطمنون عليها ويشوفونها. تجهزت عبلة والريم ولبسوا عباياتهم. وطلعوا من البيت متوجهين لبيت فهد بعد ما أخذوا علم إن نورة بتلبس هي ومنيرة وبيروحون يشوفون سمو. تحركت عبلة هي والريم متوجهين لبيت فهد وعبلة تسولف على ريم وتكلمها.

والريم تفكيرها عند أمها وعن اللقاء بعد ما صارت هي زوجة حامد. وبعد مدة ماهي طويلة وصلوا لبيت فهد ودقت الباب عبلة وانتظروا لثواني وجاهم صوت سلوى اللي تسأل عن اللي عند الباب. فقالت عبلة: هذه أنا يا سلوى هذه أنا عبلة. ابتسمت سلوى وقالت ترحب: هلا هلا والله هلا ومرحبا. فتحت الباب وانصدمت إن الريم مع عبلة وقالت: هلا هلا بعروستنا هلا والله نور البيت.

ونزلت دموع الريم ودموع سلوى انهمرت ودخلت عبلة وسلوى تسلم عليهم وترحب فيهم واحتضنت بنتها بكل لهفة وشوق وقلبها عليها مثل الجمر وتبارك لها وتحيي فيها وترحب وهي متفاجئة من وجودها في هالوقت في بيت أهلها. أما عبلة فكانت تدري إنهم بيتفاجئون من جية الريم إلا أنها ما حبت تخليها بخاطرها وهي تدري إن الريم خايفة وكذلك تدري بموضوع السحر وموضوع كل شيء صاير.

استقبلتهم سلوى ودخلتهم وهي ترحب فيهم ودخلتهم للمجلس وهي تبخرهم وتصب لهم القهوة وكل شوية تناظر بنتها وتمسح دموعها وهي تشوف بنتها بزينتها ومكحلة عيونها وشكلها جداً جميل. بقت تسأل عن الحال وعن أحوالها وابتسمت عبلة وهي تشوف الريم تقول "الحمد لله" كل ما سألتها أمها على شيء. شوي ودخلت شهلاء وابتسمت لهم وقربت تسلم عليهم وترحب فيهم وجلست معهم، استغربت عبلة وجود شهلاء.

وقالت: شهلاء أنتِ وش تعملين بهاه، المفترض أنك في بيت ولدك تشوفين إذا يحتاج شيء هو ولا زوجته!! انقلب وجه شهلاء وتغير لونه ونزلت نظرها لفنجانها وسكتت شوي! وحست عبلة إن في الموضوع إنّ.

وإن في شيء غلط فبسرعة غيرت الموضوع وبدأت تسولف مع سلوى والريم وشوي وجو الحريم واجتمعوا كلهم عند سلوى واستنكروا وجود الريم في بيت أهلها في صباحية زواجها، لكن الريم ما اهتمت أبداً وهي جاية لهدف واضح واللي هو تشوف أمها وتخطط معها على كشف السحر. التقى حامد وبرهان في خيمة جدهم. واجتمعوا مع الرجال وبقوا في الخيمة والرجال يباركوا لهم ويدعون لهم بالذرية الصالحة.

وإلى الآن الشباب يبحثون عن سبب في إطلاق النار وقت الزفة البارح لكنهم إلى الحين ما شافوا أي أثر ولا عرفوا من السبب. • في اليمن. كان الجو مختلف هذه المرة وكثير، بعد ما كانت سمق مختلية بنفسها فوق سطح البيت، وجالسة بكل هدوء، وتحس الدنيا ضيقة فيها، والشوق بلغ أقصاه لأهلها ولديرتها، وتحس إنها خلاص انكتمت وضاق خلقها. بالذات بعد انشغال آصف في شغله واللي صار نادرًا ما يجلس معها!

من أول ما عرف أن عنده الأراضي والمشاريع والشغل، فلا إرادي منه صار ينشغل فيهم، وصار من بعد الفجر يصحى ويطلع على طول وما يرجع إلا آخر الليل وينام! وما عادت تجلس معه ولا تشوفه ولا تسولف معه مثل قبل، فتحس بانشغاله ذا إنها في غربة حقيقية، لأنها بدأت تشتاق لأهلها وبدأت تشتاق لآصف. تأملت البيوت والناس اللي تمشي، وتذكرت ديرتهم وهدوءها وأهلها وناسها، ونزلت دموعها على خدها، نزلت دموعها تشكي اشتياقها لأهلها.

تشكي وجعها من الغربة اللي بدأت تحس فيها. لأنها فعلًا صارت تحس إنها وحيدة، بالذات بعد انشغال آصف. اللي انشغل بدون ما يحس، وما كان يدري إن سمق بتنأثر! بحثَت سمق عن مكان مناسب فوق السطح، وشافت جدار صغير توه منبني تقدر تجلس خلفه، انسحبت بكل هدوء وراحت لخلف الجدار وجلست وهي تناظر يديها وتناظر السماء وتناظر المكان ودموعها تنزل، ومشاعرها متلخبطة، وتحس بحالة غريبة قاعدة تحسها ما تدري وش قاعدة تحس فيه!

بس اللي تحس فيه إنها خلاص زعلانة من كل شيء موجود حولها، تحس إنها اشتاقت لأهلها. ومقهورة من آصف اللي انشغل وما عاد يجلس معها مثل الأول، وهي فعلًا معه كانت ما تحس بالغربة ولا بالاحتياج بهذا الشكل، لكن الحين صارت تحس إنها وحيدة وتايهة. بدأت دموعها تنزل أكثر وشهقاتها بدأت تعلى، وبكاها بدأ يحتد وهي تحس نفسها في حاجة لآصف، تحس إنها ضعيفة بدونه وبسبب إهماله لها!

هي تعودت على دلاله لها وعلى حبه، تعودت على الكلام الحلو منه في كل وقت، تعودت إن وقتها يكون معه، وبمجرد ما انشغل حست بفراغ كبير بدونه وبوحشة بروحها. أما رضية وبسمة فكانوا يحسبونها نايمة في غرفتها، ما حبوا يزعجوها مع إنهم مشتاقين لها ولسوالفها. تذكرَت سمق أهلها وأمها وأبوها وأخوانها، تذكرت حياتهم وجمعتهم، وتذكرت سمو وفرح وكل شيء في ديرتها، تحس بحنين لذيك الأيام.

اشتاقت لسمو ولكلامها عن برهان، يا ترى إلى الحين وهي تنتظر حبه؟ ولا خطبها! يا ترى أخوها حامد إلى الحين يحب الريم ولا نسيها! وعمتها شهلاء وش بيكون حالها الحين، مشتاقة لهم ولا لا؟ ما تدري إن حياتهم تغيرت مائة وثمانين درجة، ما تدري إن كل شيء تبدل وما عاد مثل ما كان. ما تدري إن سمو انتصر حبها وتزوجت هي وبرهان. ما تدري إن حامد حقق مراده وتزوج الريم. ما تدري إن شهلاء تعبت وعاشت في ظلام بسبب السحر اللي عمله لها فهد.

وما تدري إن خوفها من قطاع الطرق انتهى من زمان وما عادوا موجودين، ما تدري إن ولد عمها تزوج الترف اللي كانت جاسوسة بينهم، كثير أحداث هي تجهلها. وكثير أشياء غايبة عنها، واللي تعرفه إنها اشتاقت لهم حيل.

وحست بالغربة لأن آصف انشغل عنها طول الأيام السابقة بدون ما يحس إن هالشيء بيأثر عليها، كان يحسبها ما بتتأثر بالذات إنها تعرف إنه انشغل بسبب الأراضي والمشاريع اللي قرر يسويها عشان ما يضيع ماله، وكان كل تفكيره عند برهان لو إنه معه كيف بيستثمرون وتصدق لناس يعرفهم فقراء، وبدأ يخلي ناس يبنون بيتين بجنب بعض وهو يفكر في المستقبل يأخذ أمه وأخوه وسمق ويجيبهم زيارة لليمن ويكون عندهم بيت يرتاحون فيه وما ينحرجون في بيت أحد.

ورفض إنه يبيع أو يفرط في أراضي أبوه مهما كان. لو يجور عليه الزمن ما بيكون له إلا أرضه وأرض أجداده ولا يمكن يفرط فيها. استمر بكاها وهي ضامة رجولها لصدرها وتبكي بصمت. ولعل هالإنقلاب المفاجئ لنفسيتها وراه سبب مخفي بنعرفه في قادم الأحداث! عند آصف. كان في دكانه هو وأنور ويجهزونه كالمعتاد بمعداته الخاصة فيه. فتذكر آصف إنه نسي شغلة مهمة في البيت، فقرر إنه يرجع يأخذها ويرجع للدكان، فقال باستعجال:

"أنور شوي وجايك، نسيت غرض مهم في البيت برجع أخذه وبرجع لك". قال أنور باستغراب: "غرض إيش نسيته في البيت؟ قال آصف: "حاجة مهمة شادّيها وبرجع". قال أنور: "طيب تمام، لا تتأخر الرجال عيجوا ذلحين". آصف: "تم". وطلع آصف باستعجال من الدكان راجع للبيت بياخذ غرضه المهم واللي كان عبارة عن أوراق جدًا مهمة ما يبي أنور يعرف عنها، فمشى بخطوات مستعجلة.

راجع للبيت وتفكيره في الأوراق هذه ويتذكر وين تركها بالضبط، فوصل للبيت وفتح الباب الخشبي ودخل وقال بصوت ينبه أهل البيت إنه موجود: "يا سمق يا سمق... طلعت رضية من الغرفة وقالت: "آصف هلا يا ولدي كيف حالك". قال آصف: "الحمد لله بخير يا خالة وأنتِ كيف حالش؟ قالت رضية: "الحمد لله ما تشتي منها، شكلها راقدة لا عاد تداعي بصوت مرتفع تنكزها". قال آصف باستغراب: "نايمة هذا الوقت! ما هي من عوايدها... قالت رضية:

"نايمة من الصبح يمكن إنها تعبانة ولا شيء، ما قد نزلت". خاف آصف وقلق وقال: "كيف يعني من الصبح ما نزلت؟ رضية قالت: "والله إن كان اشتي أطلع أشوفها لكن خفت إننا نكون نزعجها ولا شيء فقلت أتركها على راحتها، وبسمة طلعت مع خبيراتها (صديقاتها) يقضوا حاجاتهم وعترجع بعد شوية". قال آصف بقلق: "أنا أنا بروح أشوفها، خايف يكون فيها شيء ولا تعبانة". رضية بقلق:

"يوه يابه يا عيبتي والخزى لو يكون فيها حاجة وأنا بقصدي إنها راقدة ما حبيت أن أنا أقومها من النوم. مقصدي إنها تشتي ترقد أو شيء! آصف بقلق: "مشي من عوايدها أنا خايف تكون مريضة ولا حاجة". رضية بقلق: "يوه يابه عليها أبصر أمان أمانه لا يكون فيها حاجة تكون تعبانة ولا شيء أبصر ما أفعلها مدي لها". آصف: "تمام شبسَرها ذلحين وإن شاء الله ما يقع إلا خير". أومأت رضية.

وآصف ابتعد عنها وراح للدرج بيطلع يشوف سمق في الغرفة ويتطمن عليها ويشوف إيش السبب اللي يخليها تنام إلى الآن. أما رضية فدخل القلق في قلبها وخافت ليكون في سمق شيء ولا تعبانة وهم من الصبح يحسبونها نايمة.

طلع آصف في الدرج وقلبه يدق بسرعة ودب الخوف في قلبه وخاف لا يكون فيها شيء، بالذات إن ذي الأيام مو كثير وهو يقعد عندها، فاستعجل بخطواته ووصل أخيرًا عند الغرفة وفتح الباب بكل لهفة ودخل، لكن الصدمة كانت لما دخل الغرفة وكانت فارغة ما فيها أحد، وازداد معدل ضربات قلبه! فقرر يسأل عمته رضية إذا كانت سمق مع بسمة طالعة مع صديقاتها.

طلع من الغرفة لكن شاف ضوء من باب السطح نازل على الدرج فعرف إنها أكيد قاعدة في السطح، بالذات إنها دايم تتكلم عن إن ودها تجلس في السطح هي وآصف. على طول رفع ثوبه وطلع الدرج بكل سرعته بيشوفها وش فيها وقلبه ناقزه وحاس إن في شيء أو إن فيها شيء هي أو إنها تعبانة. وصل السطح ودخل بكل سرعة واستعجال لكنه انصدم. إن ما فيها أحد، عقد حاجبينه واستغرب.

تلفت يمين يسار ما شاف أحد، لكن حس إن أعمق نقطة في قلبه تنطعن وهو يسمع شهقات بكائها اللي مستحيل إنه ما يدركه ويعرفها من بين مليون صوت. تقدم لها ورجوله مو قادرة تشيله من الخوف عليها وهو يسمع شهقات بكاها، وشافها خلف جدار صغير في منظر عمره وحياته ما تمنى إنه يشوفها فيه. وهي منهارة تبكي بشكل جدًا فظيع واللي يشوفها يقول مات عليها أحد! انصدم آصف وقال: "سمق!

رفعت راسها بسرعة وهي تشوفه أمامها والدمع قد بل خدودها، ورموشها صارت ملتصقة ببعض من كثر الدموع، وجفونها صارت حمراء وخشمها أحمر من الصياح. جلس آصف بجنبها بكل قلق وخوف ومسكها من ذراعيها وقال: "سمق وش فيش وش اللي يوجعش؟ في شيء تحسين بشيء يوجعش شيء؟ أحد صار له شيء؟ حلمتي شيء؟ جاء شيء يفجعش؟ أحد قال لش شيء يزعلش!! زاد صوتها وبكاها وهي تبكي وتناظره بكل عتاب، مما خلى آصف يحس إنه ارتكب أبشع جريمة بحقها، فقال والخوف متغلب منه:

"سمق أنا سويت لش شيء؟ قلت لش شيء تعبتش بشيء؟ ما ردت عليه وهي تبكي وتحتضن رجولها لصدرها أكثر، وهالحركة زادت من قهره وشبت النار في صدره وقال: "أسألتش بالله فيش شيء؟ أحد زعلش؟ أحد قال لش شيء؟ أنا ضايقتش بشيء؟ وش فيش!! قالت سمق وصوتها رايح من الصياح: "اشتقت لأهلي، اشتقت لديرتنا، اشتقت لحايل، ودي نرجع، خلاص ما عاد أقدر أتحمل أقعد هنا ولا دقيقة". انصدم آصف وقال بخوف وعيونه متسعة: "ليه أحد قال لش شيء؟ أحد ضايقش؟ أحد زعلش؟

أنا سويت لش شيء؟ لا تقعدين كذا تبكين، قولي لي وش فيش؟ قالت سمق: "ما فيني شيء بس خلاص تعبت، ما عاد ودي أقعد هنا ولا دقيقة! ودي أرجع لديرتنا، ودي أرجع لأهلي، تعبت من الغربة ومن التشتت اللي قاعد أعيشه". آصف مسك يديها بقوة وقال: "سمق من متى هالكلام؟ وش قاعدة تقولين أنتِ فهميني! زاد بكاء سمق وقالت بعتاب:

"تاركني هنا ما تدري عني ولا تسأل عني، تروح من الفجر شغلك ذا ولا ترجع إلا بآخر الليل وما تسأل عني ولا تعرف أنا إيش أسوي ولا وش فيني، تعبانة ولا بخير؟ زعلانة ولا راضية؟ ما تدري عني ولا بشيء! آصف بتفاجؤ: "أنا سويت ذا؟ سمق أنتِ تدرين إن الأراضي اللي جت لو أتركها بتضيع وتروح من بين يديني، فأنا كنت بأمن مستقبلي ومستقبلش أنتِ ومستقبل عيالنا". سمق بعصبية: "مستقبل وش؟

أنا ما عاد في أي مستقبل، أنا ما عاد أبيك ولا عاد أبي مستقبل معك ولا عاد أبي ديرتك ولا أهلك، أبي ترجعني لأهلي خلاص". ارتد آصف على وراه بصدمة وقال: "سمق يا بنت الحلال اذكري الله وش فيش أنتِ". زاد بكائها وقالت: "ما أدري ما أدري ما أدري إيش فيني بس اشتقت لأهلي، ما أقدر أقعد هنا، ما ودي أقعد هنا ولا دقيقة خلاص آصف". آصف عرف إنها ما هي في حالتها الطبيعية وإن في شيء!

يا إما إنها حلمت شيء، أو إن أحد زعلها بشيء، لكنها الحين منهارة ومستحيل تعلم بشيء، لذلك بيحاول يهديها لين تهدأ وهي بتعلمه بكل شيء في خاطرها. فسحبها لحضنه وضمها وهو يشد عليها ويهديها ويسمي عليها وقال:

"خلاص اذكري الله يا بنت الحلال سمي بالرحمن، اذكري الله وتعوذي من الشيطان، أبشري أبشري والله إنش تبشرين، لو تبين اليوم نسافر خلاص، ليش كل هالبكاء والانهيار وهالكلام كله، أنا تحت أمرش. أنتِ روحي وعمري وقلبي واللي تبينه بيصير، اهدي أنتِ الحين، ولو تبين من الحين الحين هذا الوقت بلم أغراضنا وناخذ لنا أقرب ناس بيسافرون نسافر معهم". ناظرته سمق وقالت: "من جد بنسافر؟ آصف:

"أكيد وأنا وش جبتش هنا إلا عشان ترتاحين وتغيرين جوش، وهذا مو حلمش؟ مو قلتي إنش ودش إنش تسافرين؟ تتعرفين على الناس! هذا أنا سافرت بش، بس دامش خلاص ضقتي ليش نقعد حتى أنا والله ودي نرجع، خلاص نرجع الحين". سمق ببكاء: "قول والله! آصف: "والله العظيم". سمق: "زين والأراضي ذي والبيوت اللي قاعد تسويها وشغلك هنا تتخلى عنهم؟ آصف:

"ماني متخلي عندهم، لكن خلاص كل شيء الحمد لله ضبطته، ولو تبين الحين نسافر نسافر، ولد خالتي أنور بيتكفل بكل شيء وبيهتم بالأراضي وبالشغل وبكل شيء". سمق: "من جد يا آصف؟ آصف باستغراب: "هو أنا كذبت عليكِ مرة؟ قاعد أقول الصدق! ناظرته سمق شوي وارتمت في حضنه وهي تبكي بانهيار وتشد عليه وقالت: "الله لا يحرمني منك قسمًا بالله ضاقت في الدنيا، أنت ليش كذا تهملني؟ ليش لك ست أيام متواصلة وأنت مهملني؟ ضحك آصِف بصدمة وقال: "سمَق!

وش هو الكلام اللي قاعدة تقولينه أنتي؟ وش اللي مهملني ما مهملني! سَمَق بكت وضربت صدره وقالت: "يعني وش يعني؟ أنا قاعدة أكذب؟ هذا أنت مهملني، قسماً بالله ما عاد تسهر معي ولا تقرا لي كتب ولا تسولف معي مثل الأول، ما غير ترجع تنام والصبح تصحى من الفجر وما عاد أشوفك. هذا وتونا ما لنا كثير متزوجين، أجل لو صار سنتين وش بتسوي؟ ما قدر يتمالك نفسه من الضحكة وقال: "يا بنت الحلال اهدي وش اللي قاعدة تقولينه أنتي!

تدرين وأنا قايل لش أنه الحين أنا قاعد أبني مستقبلي ومستقبلش ومستقبل عيالنا قبل تطير الفلوس والأراضي." سَمَق بعصبية غير مبررة: "الفلوس والأراضي أهم مني أنا؟ شاف آصِف أنها في حالة غير طبيعية وأنها قاعدة تعصب على أتفه الأشياء ومتحسسة، وعرف أنها أكيد مشتاقة لأهلها وتأزمت عليها الأمور وأكيد حلمانة لها شيء حلم يخوفها، فلذلك هو بيكبر عقله وبيقلب الموضوع مزح وضحك فقال لها وهو يمسح على خدها بكل حنية:

"يا بنت الحلال اهدي اهدي، وش اللي أهم منش؟ قسماً بالله أنش عندي أهم من الدنيا وما فيها، لكن يا حبة عيني أنتي، يا قرة عيني أنا، يا بنت الحلال الأراضي هذه والفلوس هذه أبوي ضيع عمره كله وهو يجمعها والحين صارت كلها باسمي، وإن شاء الله في تالي الأيام بتصير لي ولش ومستقبلنا مع عيالنا كله بيتعلق فيها، أنا مالي شيء ثاني غيرها!

أنتي تدرين إنه حتى لو رجعت لحايل ما بيكون لي شيء هناك، أنا ماني هناك موجود إلا إني ولد شهلاء اللي ربته فقط لا غير. ماني من دمها ولحمها استوعبي يا سَمَق، فأرضي وفلوسي وكل شيء بيكون هنا، هذولي هم حلالي، عروقي الأصل متجذرة هنا فكل مستقبلي لو جارت علي الأيام بيكون هنا، مالي مكان وما لي غنى عن أرضي، فلو تركت الفلوس وتركت هذه الأرض والأراضي هذه لغيري بضيع أنا. هذي كلها لي ولش ولعيالي ولعيال عيالي بعد في المستقبل!

لذلك أنا بس أبي أستثمرها عشان لو رجعت أنا وياش لحايل يكون عندنا شيء نرجع له بعدين، عندنا شيء واضح في حياتنا." سَمَق: "قالت يعني كذا قولك؟ يعني خلاص كذا يعني بتنشغل عني طول ذي الأيام؟ قال آصِف: "يا بنت الحلال والله العظيم ما هو قصدي ولا ودي إني أنشغل عنش، وأنتِ تدرين أحب الأوقات لي إني أكون عندش، لكن هذه الأراضي وهذا اللي قاعد أكلمش عليه من الأول يعتبر لش ولش مستقبل مستقبل! كشرت سَمَق وقالت: "يعني وش؟ ابتسم:

"يعني أنتي وش فيش زعلانة الحين؟ خلاص فكيها، ولكن اللي تبين والله لأراضيش باللي تبين وأنا آسف لأني هالايام أهملتش، لكن أوعدش باللي تبينه أمري وأنا مُتم أبيه لش." ناظرته سَمَق بكل نظرات تحايل وابتسمت: "أكيد أي شيء؟ بابتسامة حنونة: "والله لو تطلبين عيوني بجيبها لش! كانت هذه جملة آصِف اللي قالها لها وهو يناظرها بكل محبة فقالت سَمَق: "ما ودي عيونك، ودي تطلعني، طلعني أي مكان، طفشت قسماً بالله طقت روحي وأنا في البيت."

فقال آصِف باستغراب: "و أنتي ليش ما تطلعين مع خالتي أو مع بسمة؟ هذا هو ما شاء الله طالعين، أنتِ ليش ما تطلعي؟ سَمَق بعبرة: "ما أدري ما ودي بأحد، ودي بك أنت تطلعني." فقال آصِف: "والله أنش تبشرين أني لأطلعش المكان اللي تبينه، سمي أمري لبيه، وش تبين أنتي وين أطلعش؟ قالت سَمَق: "أي مكان أي مكان، خذني حتى للأراضي وديني بشوفها وبشمها وبمشي معك، قسماً بالله اشتقت لك! تسارعت دقات قلبه من كلمتها المفاجئة وقال لها: "وش قلتي؟

سَمَق بخجل: "وشو وش قلت؟ يعني ما قلت غير إني اشتقت لك، مو من حقي يعني أشتاق لك؟ زوجي وحبيبي وأشتاق لك عادي! عض آصِف شفته وقال: "يا ويل ويلي ويلاه، إلا والله يحق لش، قولي اللي تبين يا جعل ما يقول غيرش." مسحت سَمَق دموعها وقالت: "آخر مرة تهملني كذا." وابتسم آصِف وقال بحنية: "أي والله آخر مرة، أنا آسف. يا ويل ويلي من اللي طلعوا بكايين ويبكون في السطوح وأنا حاسبهم نايمين." ابتسمت سَمَق بخجل وضربت صدره وقالت:

"لا تضحك علي." قال آصِف بحنية: "والله إني آسف، ما كان ودي تنزل دموعش ذي، أنا آسف تكفين لا عاد أبيها تتكرر أبدًا، لا عاد تكتمين الحزن في قلبش مرة ثانية، أي شيء يزعلش جي وحاكيني." أومئت سَمَق وقالت: "زين بس أوعدني أنت بعد إنك ما عاد تغيب مثل ذي المرة وتهملني كذا." آصِف: "وعد والله إنه وعد، أنا آسف." ابتسمت وقالت: "خلاص مقبول عذرك ولكن بشرط." قال آصِف: "وشو الشرط؟ قالت سَمَق:

"أبيك تقرا لي هالمرة كتابين ولا ثلاثة عوضًا عن الأيام الماضية." غمز لها وقال: "كتابين بس؟ والله إن تبشرين بخمسة كتب ومو هنا في بستان ورد بعد." ضحكت سَمَق بفرحة: "قول والله." آصِف بحب: "والله، أهم شيء ذي الدموع لا عاد تنزل." سَمَق بدلع: "لا عاد تهملني وهي مب نازلة." ابتسم آصِف وسند رأسه على رأسها وقال: "ابشري." غمضت سَمَق عيونها وهي تحس بأنفاسه تداعب وجهها.

ونزل نفسه أكثر لها وبدأ يقبل خدودها وجفونها ونزل لثغرها وهو يعبر عن اعتذاره بطريقته الخاصة. والي يرضي فيها قلبه وقلب سمكته ومحبوبته "سَمَق". مر أسبوع كامل عن عرساننا الحلوين. وهم في كل يوم يزداد حبهم لبعضهم الثاني وتعلقهم في بعضهم الثاني. وفي أوقاتهم مع بعض. أما آصِف وسَمَق فكانت أوقاتهم وهم يتنقلون بين أراضيهم اللي صارت ملك لهم حلال عليهم.

وتناظر سَمَق البيوت اللي بدأ الهيكل يطلع فيها والرجال يجهزون بناية البيوت وتقريبًا تناست شوي زعلها وشوقها لأهلها بما إنه آصِف رجع لها ورجعها للجو الأولي وأبعد عنها كل الإحساس بالغربة والضيق والتعب. وكان آصِف متمكن من إنه يخليها تنسى كل شيء بسبب حنيته وعطفه عليها.

أما عند الريم وحامد كان تخطيطهم جدًا متواصل من وقت ما تزوجوا إلى اليوم هذا وكل يوم تدرك الريم أن أبوها فعلًا على غلط ولابد إنه يجي اليوم اللي يتجازى عليه ويتحاسب وتأخذ أمها حقها منه وكذلك شهلاء يرجع لها حقها وترجع لحياتها الطبيعية. لكن القرار اللي صدمها هو قرار حامد في إنه يدخل إنسان جديد على هالقضية يساعدهم في حلها وهالإنسان وجوده في هالقضية بيكون خطير جدًا جدًا على فهد واللي هو "بُرهان".

أيقن حامد إن ماله غير بُرهان يساعده في هالقضية ويحلها لأنه هو صاحب الشأن وهو أكثر إنسان تضرر لذلك لابد إنه يعرف ومن حقه إنه يكون إنسان عارف وش قاعد يصير مع أمه ويساعدها بنفسه. لكن حامد كان متردد وخائف شوي في كيف بيوصل الفكرة لبُرهان وشلون بيعلمه وشلون بيتقبلها بُرهان وكيف بتكون ردة فعله حيال هالموضوع وهو متأكد إن ردة فعل بُرهان بتكون جدًا شرسة لكن اللي مو متأكد منه هو مدى شراستها.

ولكن مع هذا كله لا زال مُصر إن بُرهان يعرف عن الموضوع اليوم قبل بكرة. وقرر إنه قبل لا يكشف أوراق السحر يأخذ سلوى بيت هي والريم وترتاح فيه بعيدًا عن فهد أو أنها تحتاج لزوج أمها أو أنها تتضرر من بعد هالعمر أو تتبهذل عند أحد. فكان هذا قرار حامد واللي جدًا جدًا لامس قلب الريم وحست فعلًا إن حامد إنسان يؤتمن عليه وإنسان همه مصلحتها ومصلحة أمها.

ومستعد إنه يسوي المستحيل عشان يكونوا مرتاحين، فكان قرار حامد إنهم يطلعون اليوم ويشوفون إذا في بيت للبيع بيشتريه وبيجهزوه وبيأثثوه يكون على أساس للريم وله ويسكنون فيه وتكون سلوى معهم لكن بكل تأكيد ما بياخذون سلوى الحين لين ينكشف فهد وما يكون له أي حق في إنه يطالب سلوى بأي شيء من اللي أعطاها في السابق لأنهم لو أخذوها الحين من البيت فبيتناذل. وبيستخدم معاهم طريقة النذالة.

وبياخذ وبيطالب بكل شيء عطاها في الماضي سواء كان من فلوس أو من ذهب أو من أي شيء ثاني. لذلك بيكشفون فهد أول شيء بعدين بتتحرر سلوى بشكل كلي من ظلمه ومن غطرسته، أما بالنسبة للريم فكان حامد متمكن من أعمق نقطة في قلبها وصارت تحبه بشكل جنوني بشكل غير متصور بسبب مواقفه معها وحنيته عليها واكتشفت إن فعلًا حامد إنسان طيب ومستحيل تلاقي مثله لو لفت العالم كله. بالنسبة لبُرهان والسمو.

فكانوا حرفيًا أجمل اثنين بسبب حياتهم الهادئة والروقان اللي كانوا عايشين فيه والحب اللي كان ما بينهم والجو العاطفي والحنان اللي كانوا يخلقونه في الجو اللي يعيشونه، فكانت سمو جدًا مبسوطة في بيتها الجديد. ومرتاحة مع زوجها وبُرهان بدأ يتأقلم مع حياته ويتعود على وجود سمو اللي صارت مكفيته عن الناس كلهم وعوضته عن الجميع حرفيًا، فصار النهار كله يروح في شغله ويرجع الظهر.

يتغدى ويجلس معها شوي وبعدين يطلع على شغله أو يطلع عند الرجال وسمو تجهز بيتها وتنظفها وتبخرها أو تطلع لأهلها أو الحريم يجونها وبما أنها صارت متزوجة فصاروا الحريم يجونها ويقعدون عندها وصارت تقدر تتعود على الجلسة بينهم وتتكلم معهم وترحب فيهم والموضوع جدًا طبيعي بما أنها صارت إنسانة متزوجة بحيث إن عندها حس في المسؤولية جدًا عالي بحيث أنها تستطيع أنها تتحمل مسؤولية بيت كامل ومسؤولية زوجها وتكون امرأة وزوجة بقد المسؤولية.

أما الترف وأدهم. فكانت حياتهم كل مالها في ازدياد وتطور واكتشف أدهم إنه فعلًا الحب هو بعد الزواج. وإن اللي عاشه مع الترف ما كان ممكن إنه يصير له لو تزوج سَمَق بالذات إن سَمَق طبيعتها وعاداتها غير عن الترف فيمكن ما يتناسبون مع بعضهم الثاني فكل يوم يحمد الله على اللي قدره له واكتشف فعلًا.

إن الترف زوجة بكل ما تعنيها الكلمة وإنسانة محافظة على نفسها وتستحق كل الحب والاحترام منه بالذات وإنها تحاول تسوي المستحيل عشان يرتاح أدهم ويكون أدهم مبسوط. أما بدرية فكانت مثل ما هي ما تغير شيء كل تفكيرها عند آصِف. شهلاء. فكل يوم مشاكلها تزداد هي وسلوى وهي تحمل سلوى كل المشاكل اللي تصير بينها هي وفهد. وصارت تتضايق من وجود سلوى وتتمنى طلوعها من البيت اليوم قبل بكرة.

أما سلوى فكانت محتسبة الأجر عند الله عز وجل وكل يوم تحاول أنها تكسب شهلاء وتحافظ عليها وما تنجرف أكثر في اللي مسويه فهد. وهي تعتبر نفسها مسؤولة عن شهلاء وعن اللي يصير في شهلاء. وتبي شهلاء تكون في خير وعافية وجدًا مرتاحة إن بنتها الريم تزوجت وارتاحت وما عاد همها الحين إلا أنها تخلص شهلاء من ظلم فهد وترتاح وترجع لحياتها الطبيعية عشان هي بنفسها تقدر تعيش حياتها في الأيام الجاية براحة وسكينة وأمان.

وكل ما للشيء اللي يجيها من فهد والظلم في ازدياد، سوء في الألفاظ وقذارته معها بشكل فظيع بسبب أنها تضايق شهلاء على قوله! لكنها مع ذلك كله صابرة عشان تنقذ شهلاء. وتساعد الريم في أنها تفك السحر ووجودها في بيت فهد في هذه الأيام بالضبط وبالذات بيساعد شهلاء كثير وبينقذهم وبيساعد في إن خططهم اللي خططوا لها تنجح بأسرع وقت وبما أنها صبرت سنين ما بيضرها أنها تتحمل يومين بعد أو ثلاث أيام لين تصير شهلاء بخير وحرة من قيود فهد.

وفي يوم من الأيام. كانت الساعة بعد الظهر تمامًا خرج حامد من صلاة الظهر وشاف الرجال كلهم يطلعون من المسجد ومن ضمنهم بُرهان اللي كان طالع من المسجد ورايح البيت عشان يتغدى. فناظره حامد وقرر إن في هذه اللحظة يحزم الأمر ويبدأ فعليًا بتنفيذ الخطة لإنقاذ عمته فقال بابتسامة مجاملة: "هلا بُرهان! ابتسم له بُرهان وقال: "ارحب ولد الخال." حامد: "بقيت وحيي ت يا رجال من يوم تزوجنا وأنت لا ضيفتن ببيتك ولا عزمتن! قال بُرهان:

"أخو آصِف أخوه، والله إن غداك اليوم عندي وما يدخل لك لقمة إلا في بيتي." ضحك حامد وقال: يا رجال ما أقصد اليوم. برهان: إلا قسم بالله إن غداك اليوم في بيتي، لا تردني. ابتسم حامد بهدوء، والذي خطط له بدأ يمشي مثل ما يبيه فقال: دام أنك حلفت ما أردك، عاد توكلنا على الله، لكن أنت معلم أهلك؟ يعني ما عندهم علم وشلون ندخل؟ قاطعه برهان وقال:

يا رجال تعال، واللي موجود تغدينا به، واللي ما هو موجود أبشر بالعوض في الأيام القادمة، مير اليوم والله العظيم ما غداك إلا في بيتي. قال حامد: راسك العوض والله، أبد أبشر تم، وكثر الله خيرك بعد. برهان: ما جاك إلا خير، حياك الله. حامد: الله يبقيك ويسلم حالك. مشى برهان وحامد متوجهين للبيت، فتعمد حامد أنه يتباطأ في خطواته عشان برهان يسبقه ويكلم سمو أنها تضبط لهم الغداء والجلسة يعني في المجلس وكذا وما يكون في أي إحراج.

وفعلًا انطلق برهان للبيت وعلم سمو أن حامد بيتغدى عندهم اليوم وأنه ضيفهم، وفعلًا قامت سمو جهزت الغداء في المجلس وضبطت لهم المكان والشاهي والقعدة، وكانت فعلًا ربة منزل بكل ما تعنيه الكلمة، وبدأت تجهز لهم كل شيء وبيضت وجه برهان وبيضت وجه أهلها بعد.

ودخل حامد وبرهان للمجلس وبرهان يرحب فيه، وبدأوا يتغدون وسمو تتغدى في الغرفة الثانية وهي تفكر وش سبب جية حامد، وبالذات أنها أول مرة أو ربما لأنه أول ضيف في بيتها، فعشان كذا تحس الموضوع شوية غريب أو أن في الموضوع شيء. وبعد ما خلصوا غداهم بدأ برهان يصب الشاهي ويقدم لحامد بعد الغداء ويرحب فيه مرة ثانية، لكن حامد نزل كوب الشاهي وقال بلكنة صارمة وجادة: برهان. رفع برهان راسه وقال باستغراب: سم، أمر. قال حامد:

صلي على النبي يا رجال، وقول يا طويل العمر أنا ماني جاي أتغدى ولا جاي أسولف معك سوالفنا المعتادة، أنا جاي أكلمك في موضوع مهم، والموضوع هذا إن كانك بتكبر عقلك وبتسمعني من الأول لين آخر شيء بكل هدوء وروقان قلته لك، وإن كانك بتتصرف بتهورك المعتاد فالله يستر عليك، بروح الحين وبطلع. عقد برهان حواجبه وقال باستغراب: عسى ما شر، أقلقتني، وش موضوعه؟ وش اللي جاي تتكلم به؟ حامد:

اسمعني يا برهان وصلي على النبي، قل لي يا طويل العمر الله عز وجل ما يبتلي إلا الإنسان اللي هو يدري أنه بيتحمل وبيصبر، وإنسان مؤمن بقضاء الله وبقدره، والله عز وجل يقول: "وبشر الصابرين"، وكذلك الله عز وجل يقول: "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس"، والله عز وجل يقول أيضًا: "والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون! ارتجف برهان وحس بخوف وقال بقلق: لحظة لحظة لحظة، صلي على النبي أنت وقل لي وش قاعد يصير؟

أحد صابه شيء؟ أحد مات؟ أحد جاه شيء؟ أمي أمي فيها شيء؟ أمي صابها شيء؟ آصف!!! جاكم خبر عنه؟ جاكم علم جاكم علم عنه؟ صابه شيء؟ فيه شيء؟ تكلم يا حامد، أحد جايبك أنت تعلمني عن خبر شين، علمني يا حامد!!!! وش صاير!! حامد بعصبية:

دامك بتبدأ كذا فالله يستر عليك، أنا بطلع الحين وأخليك بحالك، الموضوع هذا ما حد يدري به غيري، وإن ما خليتني أتكلم معك الحين وأعلمك عنه فما حد داري به ولا أبيك تدري، وخلي الموضوع عندي وعفا الله عما سلف، وليتني ما تكلمت عندك. سكت برهان وقال: وش العلم يا حامد تكلم؟ أخذ حامد نفس عميق ثم قال:

اسمعني يا برهان، الموضوع ما فيه أنه المي قاعدة تمشي من تحت رجولنا، احنا ما ندري بها، حنا ما ندري وش اللي قاعد يصير، حنا ما ندري وش اللي قاعد يصير معنا. قال برهان بقلق: يا حامد أقلقتني، تكلم وش الموضوع؟ وش العلم؟ وش اللي جاك؟ وش اللي قاعد يمشي؟ حامد:

في لعبة كبيرة قاعدة تصير، لعبة دمرتنا دمرتنا ودمرتكم، هذا الله يسلمك تغير عمتي شهلاء عليك ورفضها أنها تسافر مع آصف بهذاك اليوم ما هو شيء طبيعي، وإنما شيء جدًا فضيع وجدًا صدمني أنا بالذات، وخلاني ليالي ما أذوق النوم، خلاني ليالي وأنا أهوجس وما أدري وش أسوي. برهان سكت شوي ثم وقال بهدوء: يا حامد وش العلم تكلم! قال حامد: العلم يا برهان أن عمتي شهلاء مسحورة!

لحظة صمت مرت واستمرت دقيقتين بالضبط، وبرهان ما يسمع أي كلمة غير عمتي "شهلاء مسحورة"، صدى الكلمة يرددها خياله وعقله. ناظر حامد بنظرات ميتة وقال بجمود: وش اللي قاعد تقوله يا حامد؟ وش العلم! حامد بهدوء: اللي أقوله هو الصح، عمتي شهلاء مسحورة وتغيرها وانقلابها المفاجئ ما هو شيء طبيعي، تغيرها بفعل فاعل طول هذه الأيام وعمتي شهلاء تتعذب واحنا ما ندري.

طول هذه الأيام وعمتي شهلاء تحتضر وتستعد للموت واحنا عتبانين عليها ونحسب أنها متغير علينا بيدها. طلع الموضوع هذا كله مو بيدها وطلع أن هذا اللي قاعد يصير كله بغير إرادتها. وأنها مثلنا مستغربة من تغيرنا عليها ومتفاجئة من صدنا وجفانا عنها!

برهان ودقات قلبه شوي وتخترق صدره وتطلع، يحس من هول الكلمة اللي نزلت على عقله أن أذانه ما عادت تستقبل أي كلمة غيرها، ما عاد يسمع أي كلام ثاني وأن الأيام كلها بجورها وبظلمها وبجفاها صنعته أقوى صفعة. قال حامد بهدوء: اسمعني يا برهان، إن خليتني أتكلم معك وأعلمك بدون تهور وبدون حركاتك اللي دايم تسويها بعلمك كل شيء من البداية للنهاية، أما إن تهورت بتهورك المعتاد وتصرفت بتصرف من راسك فيشهد علي الله أن ما عاد لي شغل فيك.

وما عادني مهتم بك وما عادني معلمك أي شيء ثاني أو يخص هالموضوع. سكت حامد يوم شافت برهان مو معه ومو حوله أبدًا وما يتكلم وحتى ما يناظره أصلًا نظره! وواضح أن برهان قاعد الحين في دوامة ما تنتهي من الأفكار، فقال حامد مكرر كلامه:

برهان اسمعني، التهور خله على جنب الحين، الموضوع هذا حساس ويتعلق بحياة أمك أنت وحياتنا كلنا، إن تهورت فيشهد الله أن أمك بتروح في مهب الريح، وإن صليت على النبي وتعقلت وخليتنا نحل الموضوع بكل هدوء فإن شاء الله كل شيء ينتهي على خير ويصير الموضوع بين أيدينا ونقدر نتصرف فيه! رفع برهان راسه وناظر حامد بنظرات لو أنها تخترق كانت اخترقت جوف حامد، قال بكل برود خلى حامد ينصدم صدمة عمره: من اللي سحر أمي؟!

كانت هذه كلمتها الوحيدة اللي قالها في وجه حامد بهدوء! قبل لا يوقف وهو ثاير وعروقه بارزة والدم تجمع في عيونه وكأنه تغير برهان غير البرهان تحول 180 درجة، مما خلى حامد يوقف بقوة ويمسكه قبل يطلع وكتفه وقال بعصبية: برهان صلي على النبي واذكر الله، أنا وش قلت لك؟ هذه حياة أمك متعلقة فيها، هذه المسألة خطيرة ما هي لعب عيال، يا تسكت وتخليني أكلمك الموضوع كله وتفهم وش الحل.

أو قسم بالله لأكتفك وأغلق عليك بذي الغرفة وأحل الموضوع أنا وأخليك تنكوي بنارك وتحرق بنار جوفك. برهان بصرخة هزت البيت: تكلم يا حامد من اللي عمل بأمي هاللون؟ من اللي سوى كذا؟ قسم بالله لأشرب من دمه كلمني علمني منه علمني!! حامد بعصبية: أنا قلت لك صلي على النبي واهدأ وخليني أكلمك وش الموضوع، لا تخليني أندم إني كلمتك وعلمتك وش السالفة. برهان بعصبية: يا حامد وش قاعد تقول أنت!!!

أنا أدري من اللي يسحرها، أنا أدري ما غيره فهد الكلب، ما غيره اللي مستفيد من الموضوع صح صح، ما غيره اللي مستفيد من هذا كله، ما غيره فهد الكلب الرجس الحيوان ما غيره. حامد كتف برهان وشد عليه بعصبية أكثر وقال:

أقسم بالله يا برهان لو تطلع من هالغرفة أقسم بالله وعزة جلال الله ليصير لك شيء ما يعجبك، أقول لك كافر ومشرك بالله ولو هربت أنت الحين ورحت له بينهي أمك بيدمرها بيموتها، أقول لك هذا سحر يا برهان هذا سحر ما هو لعبة، لو أنك الحين تطلع من الغرفة ذي بتدمر أمك، لو تتهور لو يدري فهد مجرد معرفة بسيطة أن عندنا خبر أو أننا ندري عن الموضوع أو أننا نسعى لجل نعالجها الحين أو أنها تطيب بينهيها من على الوجود يا برهان!!!

بيدمرها بيمحيها هذا ساحر كافر ما عاد في قلبه رحمة ولا شفقة!! أنت ما تفهم؟ ما تستوعب؟ هو اللي دمركم هو اللي فرقك عن أخوك وعن أمك هو اللي أخذها غصب عن الكل بشركه ورجسه وكفره. الحين لا تدمر أمك أنت يا برهان لا تدمرها، اصبر اصبر وخلينا نتعقل ونتفهم وخلينا ندري وشلون نتصرف، خلينا نفهم ونستوعب وش نعمل وش نتصرف قبل ما ينهيها من على الوجود.

برهان كان يصارخ من جهة وحامد يصارخ من جهة، وكل واحد يحاول أنه يهدي الثاني وأنه يفهم الثاني. ويستوعب اللي قاعد يحس فيه، لين ما دخل برهان في حالة انهيار شديد وهو يستوعب أن طول الأيام هذيك أمه قاعدة تعاني من السحر والعذاب وهو يحسب أنها تصده وراضية عن كل شيء قاعدة تسويه.

دخل في نوبة صراخ غير طبيعية وهو يكسر كل شيء قدامه ويصارخ ويضرب الجدار، وحامد فقد السيطرة عليه وما عاد يعرف وش يسوي إلا أنه يمسك الباب ويمنع برهان من الطلوع من الغرفة، لأنه يدري لو طلع برهان يعني كل شيء بينتهي تمامًا، فبدأ برهان في حالة بكاء مفجعة!

رجال طول بعرض يبكي بنحيب مثل الأطفال، يبكي وجع وهو يستوعب أن أمه طول هذه الأيام كانت مغطى على عيونها وتتعذب، كان يضرب صدره بشكل يخوف وبكاه مال البيت ولأن صوته كبير فكان الموضوع جدًا مرعب ويخوف. أما حامد فكانت دموعه تنزل وهو يشوف انهيار ولد عمته وما يلومه، ما يلومه على أي شيء يسويه، الشيء اللي هو اكتشفه صدمة صدمة جدًا كبيرة تحل على رؤوسهم أول مرة.

لكل بداية نهاية ولكل ظلم يومًا سينكشف وسينقلب السحر على الساحر ولا بد ما يأتي يوم وتن كشف كل الأوراق التي كانت مغطاة ومخبأة عن الأعين، لا بد ما يأتي يوم ويرجع الحق لصاحبه ولو بعد حين، وهذا الشيء اللي رب العالمين كاتبه الإنسان المظلوم يرجع له حقه. في بيت فهد كانت شهلاء في الحمام _وأنتم بكرامة _ترجع وكبدها حائمة عليها. لها أيام وكبدها منقلبة عليها وكل شوي تدخل ترجع.

دخل فهد وهو خلاص خايف عليها لأن الموضوع صار يتكرر كل يوم وكل شوي والموضوع يزداد وكل مالها وهي ترجع، فالتبس عليه الموضوع ما عاد يدري هل ممكن أن هذا الشيء كله من أعراض السحر اللي هو سواه لها أو أن هذا اللي قاعد يصير لها أعراض طبيعية ومن الممكن أنها تكون حامل! حس بشيء يتحرك في قلبه أول ما تخيل أنه شهلاء تكون حامل منه. وأنه يرتبط فيها ارتباط عميق ووثيق بسبب هالطفل اللي بيجي لو فعلًا هي كانت حامل.

وبكذا لو دار الزمان ولو دارت السنين وجاء في يوم واحد انكشف أو كشف موضوع السحر، شهلاء ما بتتركه ولا بتفارقه لأن بيكون ما بينهم طفل. وهذا الطفل هو اللي بيربطها غصب عنها وغصب عن الجميع. فكان فهد يتمنى من كل قلبه أن هالشيء يكون صحيح وأنه شهلاء تكون حامل، دخل لها الحمام و (أنتم بكرامة) وركض لها بسرعة وهو يمسكها ويرفعها، لكن انصدم من اللي كانت شهلاء ترجعه.

ما كان شيء طبيعي ولا شيء معتاد على الناس، كان شيء مرعب ومخوف، شيء زي الدم وفيه مثل الشعر! فعرف فهد أنها أكيد اشتد عليها التعب والمرض وأن شهلاء بدأ السحر يؤثر عليها كليًا، وإذا ما تصرف في أسرع وقت بينهي حياتها وبيدمرها. جلست شهلاء على الأرض وهي تبكي بكل صوتها من الوجع اللي قاعدة تحسه فيه والكتمة اللي قاعدة تجثم على صدرها وتخنقها كل يوم أكثر من اليوم اللي قبله!

ولاشعورية ناظرت في فهد وابتدت تتوسل فيه وهي تطلبه يبعد عنها الوجع! واهتز كيان فهد وهو يسمعها تترجاه بهذيك الدموع اللي أحرقت قلبه وما كان هو الوحيد اللي يسمع الحوار. كانت سلوى بعد واقفة على الباب وتسمع كل الكلام اللي صار وقلبها يتقطع على شهلاء وتتمنى لو تنقذها في هذه اللحظات، لكن ما في يدها أي حيلة إلا أنها تنتظر تصرف حامد وأكيد أنه بيكون تصرف سديد وحكيم أيضًا.

وللأمانة، كانت سلوى خائفة أن شهلاء تكون حامل، لكن بما أن هذا البكاء والوجع اللي قاعدة تحس فيه واللي رجعته مو طبيعي، بمعنى أن الموضوع أبدًا مو طبيعي، وكله يتعلق باللي فهد الظالم مسويه عليها. انهارت كل قوى سمو وهي تسمع بكاء برهان وصراخه على حامد، وهو مصر إنه يطلع. وهي تدري لو طلع برهان من باب البيت بينهي حياته وحياة فهد وحياتها ومستقبلها أيضًا، فبدون شعور منها، لقت نفسها وقفت وراحت أخذت عباتها ولبستها بسرعة.

وطلعت من البيت تركض وتستنجد في جدها، هو الوحيد اللي بيقدر يوقف برهان ويعرف الموضوع ويصير كل زمام الأمور في يد الشيخ رشيد. وفعلاً طلعت تركض من البيت، وهي لابسة عباتها ومتلثمة، ووجهتها بيت عمها سالم مكان ما جدها رشيد موجود. وصلت للبيت وبكاها ودموعها شاهدين على الخوف اللي عاشته وهول الصدمة اللي تعرضت لها. دقت الباب أكثر من مرة وباستعجال، ولقت عمتها منيرة زوجة عمها تفتح الباب. وقالت باستغراب وخوف أول ما شافت دموع سمو:

"بسم الله الرحمن الرحيم، وش نوحتس يا عيني؟ وش أنتِ؟ وش فيتس تبكين؟ سمو: "جدي وينوه؟ أبي جدي بسرعة وينوه؟ قالت منيرة بخوف: "سمو خوفتيني، وش قاعد يصير وشنوحتس ليه تبكين؟ سمو ببكاء: "أبي أشوفوه، وينوه؟ منيرة بخوف: "جدتس داخل يتغدى." دفعتها سمو من طريقها ودخلت بسرعة للبيت ودخلت لجدها، وانصدم عمها وانصدم جدها، والأطفال الصغار خافوا من بكائها. وعلى طول ركضت لجدها وطاحت عند رجوله وهي تبكي. سمو:

"يا جد، تكفى الحق على برهان، بينهي حياتوه وحياتنا كلنا! انصدم الجد، طاحت جملتها مثل الصاعقة على رأسه وقال: "أنتِ وش قاعدة تقولين؟ وش اللي صار؟ وش فيه برهان؟ قالت سمو: "حامد وبرهان في البيت، جانا حامد وقال لبرهان شيء، روح وبتفهم منهم. ومن بعدها صار برهان يصارخ ويبكي، وصراخوه مالي البيت ومعصب يبي يطلع ومتوعد إنه يقتل فهد! وقف رشيد بخوف وقال: "لا إله إلا الله، من مشاكل برهان اللي ما تنتهي. قلنا بيكبر ويعقل، كبر وما عقل!

قلنا بيتزوج ويعقل، تزوج وما عقل! وش نعمل لوه هالبرهان؟ وش نعمل لوه؟ قالت سمو بانهيار: "يا جد، برهان الحين معصب وأنا خايفة يصيبوه شيء بيدمرنا كلنا." طلع رشيد من البيت باستعجال ومعه سالم، متوجهين لبيت برهان. وطلع ولد سالم يركض وعلم فواز وعياله وعلم حامد وعياله. وقال أدهم: "لا أحد يدري عن الموضوع، يا ويلك." وانطلقوا كلهم لبيت برهان بخوف. أما سمو، فكانت تبكي ومنيرة تهديها وتحاول تفهم منها وش السالفة.

وصل رشيد لبيت برهان، وشاف برهان معصب ويبي يطلع من البيت. صرخ رشيد بكل صوته عليه، مما خلاهم ينصدمون من وجود جدهم. ودخلوا بعده عياله وأحفاده وصرخ عليهم يأخذون برهان للغرفة هو وحامد. وجلس رشيد بتعب من أحفاده اللي كل يوم يزيدون في تعبه، وكل يوم مشاكلهم ما تخلص، وكل يوم مشاكلهم تزداد. كلما قال كبروا وبيعقلون، كلما زادت مشاكلهم أكثر وأكثر. وراح سالم يجيب مويه يهدي أبوه، وحامد يهديه من جهة ثانية.

أما فواز فكان هو والعيال وبرهان وحامد في غرفة ثانية، وواقف والعقال بيده ويناظرهم وقال بعصبية: "يا من تخلس جلودكم بذا العقال إنكم تستاهلون." قال أدهم: "استهدِ بالله يا عم، وش اللي تخلس جلودهم بالعقال؟ هذول رجال ويفهمون، عاقلين! قال حامد: "يبه، اسمعني، الموضوع جدًا خطير، وبرهان بتهوره هذا بيدمر عمتي." قال فواز: "موضوع وش يا حامد؟ وش الموضوع اللي قاعد تتكلم عنه؟ موضوع وش! وش دخل عمتك؟ قال حامد:

"يبه، الموضوع يخص عمتي وفهد." سكت الجميع كلهم، ودخل رشيد وأبو سمو وسالم من باب الغرفة وناظرهم حامد كلهم مجتمعين.

ورشيد ناظر عياله وأحفاده، وراحت نظراته لبرهان اللي جالس، ورجفة جسده واضحة للكل وعينه ثابتة على الفراغ وعيونه كأنها جمر، والعروق بارزة في عنقه وفي جبينه وفي يده، ومنظره جدًا جدًا مخيف ومرعب. ناظرهم رشيد عياله وأحفاده كلهم مجتمعين، ثم راحت نظراته لبرهان وعرف من أول نظرة أن الموضوع جدًا خطير، لأن برهان لأول مرة يكون بذي الحالة وذي العصبية وبهالشكل! وانتقلت نظراته لحامد وقال رشيد بهدوء: "وش العلم يا حامد؟

تردد حامد يكلمهم ولا ما يكلمهم، لكنه في الأول والآخر هم إخوانها وهذا أبوها وشيخ قبيلة كبيرة، والديرة دي كلها تحت إمارته وهو اللي يقرر وهو اللي ينهي والكل يستشيره في كل شيء، ما بيجي يتهور ويغلط في شيء يخص بنته، وأكيد بيتصرف بكل عقلانية. لذلك قال:

"عمتي شهلاء مسحورة، واللي يساحرها هو فهد، هو اللي فرقها عن عيالها، وهو اللي خلى آصف يروح لليمن بدون أمه وأخوه، وهو اللي خلا عمتي توافق على الزواج منه، وهو اللي خلاها ترفض مقابلة برهان وكرهها لهم، وهو اللي خلاها تقطعنا وتتغير علينا كلنا. هو اللي سبب كل هالمصايب والمشاكل، فهد هو اللي ساحر عمتي من مدة طويلة!

عم الصمت في الغرفة، وانتقلت النظرات وكل واحد منهم يناظر الثاني بعدم استيعاب للي قال حامد واللي سمعوه، واللي قال هذا هو صحيح؟ ولا ما هو صحيح؟ فهد توصل فيه المواصيل يسوي هالسواة ولا ما توصل؟ حامد يتوهم ولا ما يتوهم! عرف حامد أنهم في حالة عدم تصديق فقال مكمل كلامه وداعم كلامه بأدلة وإثباتات فقال:

"مو أنا اللي جايب هالكلام من عندي، الريم بنته بنفسها هي اللي معلمتني، هي اللي قالت لي بكل شيء. قالت كلنا ندري أنا وأمي وأخوي، لكن خفنا نعلمكم ويكبر الموضوع ويصير الضرر هو فقط على شهلاء!

وكذلك أمي وعمتي نورة كانوا يدرون بالموضوع وكان عندهم شك، لكن ما كانوا يدرون من اللي ساحرها لين ما تكلمت الريم وعلمتنا بكل شيء. والحين هذا العلم بين يديكم، وعمتي مصيرها مرتبط برد فعلنا، لأن والله إن تصرفنا بتصرف حكيم بننقذ عمتي وهذا الشيء هو اللي نبيه، أما إذا تصرفنا بتهور وتركنا ردة فعلنا مثل ردة فعل برهان، فوالله إن عمتي راحت في مهب الريح. وإحنا كلنا ندري دام إن فهد طلع من دائرة الإيمان لدائرة الشرك، فهو مستعد إنه يوجع عمتي وينهيها لو جاله طرف خبر إنه صار عندنا علم بالموضوع، قسمًا بالله لا ينهي عمتي ولا يدمرها. خلونا نطلع يا رجال بحل!

جلس رشيد على الأرض والصدمة متمكنة منه، أما إخوان شهلاء فدمهم صار كأنه براكين يغلي يغلي في أجسادهم وأوردتهم وهم ما هم مصدقين اللي قال ولا اللي قاله لهم حامد، وصاروا يشوفون فهد كأنه الشيطان. مرت ساعة بالضبط.

ساعة كاملة وهم جالسين بنفس القعدة وبنفس الغرفة، وكل واحد منهم يناظر الثاني ويبدي له رأي. أما رشيد فناظر برهان وباله عنده ويدري أن برهان الحين في أسوأ حالة وأسوأ شعور ممكن يمر فيها الإنسان. فوقف رشيد وتوجه لبرهان وجلس بجنبه ومد يده ولفها حول كتف برهان اللي كانت عينه ثابتة على الفراغ بدون أي ردة فعل ثانية من بعد نوبة الصراخ اللي صارت. قال رشيد بنبرة هادئة: "برهان!

برهان وأنا أبوك، أقسم بالله العظيم إن هال قهر اللي في قلبك لأخليك تطلعه من عيون فهد، ولا أخليه يندم على الساعة اللي فكر مجرد تفكير إنه يقدم على مثل هالخطوة، وعلى يديك أنت، أنت اللي بتأخذ حقك وحق أخوك وحق أمك منه، أنت! انتقلت نظراتهم إلى الجد رشيد جميعهم باستغراب من كلامه. ورفع برهان رأسه لجده وناظره بدون أي كلمة. وقال رشيد:

"والحين يا برهان، قم غسل وجهك وصلي على النبي واذكر الله، وتعال اسمعني أنت وخوالك، وبأقول لكم وأعلمكم وش اللي بنسويه ونعمله لأجل ننقذ أمك. قم يا حامد مع برهان، روح غسل وجهك وتعال أنت وإياه." وقف حامد هو وبرهان، وبرهان يمشي كأنه جثة بلا روح. توجهوا إلى الحمام (وأنتم بكرامة) وغسل وجهه وحامد بجانبه، وطلعوا من الحمام بدون أي صوت ورجعوا للغرفة اللي فيها رشيد وفيها عيال الشيخ رشيد.

ورجع وجلس في نفس المكان اللي كان جالس فيه، وناظرهم رشيد كلهم جميعًا ثم قال: "الحين ومن هاللحظة، بتروح يا برهان لبيت أمك، سلم عليها وبتقعد معه وبتسولف معه ولا كأنك تدري عن شيء، وحنا بنروح نأخذ الشيخ يقرأ عليها، وحامد وفواز وسالم بيقعدون مع فهد في المجلس بعدك بدقائق بالضبط، وبعدها أنا بأدخل أنا والشيخ والعيال ونغلق الباب، وبعدها لكل حادثة حديث." ناظرهم برهان وقال بهدوء:

"ما أقدر أشوف أمي، ما أقدر أشوفها بعد ما صديتها وهجرتها كل هذه الفترة، وطلعت مظلومة مثل ما حنا مظلومين، وما تدري هي وش عايشة عليه." قال رشيد بصرامة:

"بتروح يا برهان، والحين بتروح، بتدخل عند أمك وبتسلم عليها وغصب عن كل اللي ما يبي. بتدخل بيت فهد وبتسلم على أمك وبتجلس بجنبها، وخوالك بيلحقونك على طول وبيقعدون مع فهد في المجلس، ومن بعدها بأجي أنا والشيخ وبعدها بنتصرف بالطريقة الصحيحة. فهد بين أيدينا وشهلاء بين أيدينا، ولا يقدر فهد في وقتها إنه يسوي أي شيء إذا جينا له بالخديعة." قال فواز:

"كلام أبوي صحيح يا برهان، بتروح لأمك الحين في بيت فهد وبتدخل وبتسلم عليها وبتقعد معه في الغرفة لين ما نجي احنا وحامد وسالم وندخل فهد للمجلس، ومن بعدها أبوي بيجي هو والشيخ. ويا ويلك إن اعترضت أو قلت لا. الحين بتأخذ عمرك وبتروح، لين متى وأنت جالس هنا؟ لين متى يا إما تتهور وتخرج كل شيء يا إما أنك تكنسل كل شيء وتخرب كل شيء! أنت متى بتفهم يا برهان وبتحط عقلك برأسك؟ وقف برهان بعصبية وقال:

"أنا بأروح، لكن أقسم بعزة الله وجلاله إن ما جيتوني خلال نص ساعة بالضبط لأذبحه ولا أشرب من دمه قدام الناس كلهم ولا أخليه عبرة لمن لا يعتبر." قال أرشد وهو يوقف: "هذا اللي بيصير، نص ساعة إن تأخرنا فهو لك، وإن ما تأخرنا فأنت بتمشي على اللي نقوله لك، ويا ويلك يا برهان لو تخرب شيء." أومأ وقال: "أنا رايح الحين، رايح الحين بأروح." طلع برهان من الغرفة بخطوات واسعة، واللي يشوفه يدري أن هذا مقبل على مصيبة، وطلع من البيت.

واتنهد فواز وقال: "الله يستر." وطلع برهان مكمل طريقه وهو ما يشوف إلا بيت فهد في الأفق البعيد، يشوف كل البيوت ضباب ومو واضحة، وكل بصره شاخص على بيت فهد. وقف رشيد وطلع من البيت يتوجه لمكانه، ووقف حامد وفواز وسالم وعيالهم وطلعوا من البيت رايحين لبيت فهد وبينتظرون دخول برهان دقائق ويدخلون لأجل لا يشك فهد ويهرب ويسبب مصيبة.

وقف برهان على باب البيت ورفع يده ودق دقتين ورا بعض وانتظر وانتظر. كـانتظار الأسد لفريسته، ينتظر فقط أن فهد اللي يفتح الباب ويتمنى إنه اللي يفتح الباب. مرت الدقيقة ورجع برهان يدق الباب مرة ثانية، وانفتح الباب وشاف شهلاء أمام عيونه، شاف أمه بشكل لأول مرة يشوفها فيه!

الحين صار يشوفها بوضوح، الحين صار يشوف الهزل اللي صار بجثتها، الحين لاحظ الهالات السود اللي تحت عيونها، الحين لاحظ أن جسمها صار نحيف، الحين لاحظ الضياع اللي في عيونها. الحين لاحظ نظرتها، الحين كل شيء يتضح له. التقت عيونهم ودار فيها الزمان ومرت فيه الذكريات، تذكر أيام طفولته، تذكر أمه وحنانها عليه، تذكر كيف أنها فعلاً ضحت بحياتها عشانه وضحت بسنين عمرها عشان يكبر ويعتمد على نفسه. حس أن أحقر إنسان في العالم أول ما أدرك أن أمه ضحت بسنين عمرها عشانه، وأول ما طاحت في أزمة مالها يد فيها تخلى عنها هو أول واحد وهو يحسب أنها بإرادتها وبيدها. ما تمعن وما قال أن أمي مستحيل تسوي كذا، ما قال أكيد أن أمي فيها بلا ولا خطر على باله السحر.

نطقت شهلاء بتفاجؤ وبنبرة متذبذبة ملأها الغصة: "برهان! طاحت دمعة من عيونه وقال بهمس: "يمه! وقبل لا يقول كلمة زيادة سمع صوت فهد يجي ويقول: "من عند الباب؟ ناظره فهد وقالت شهلاء بسرعة: "هذا.. هذا برهان! انصدم برهان من خوف أمه من فهد، وحس الحقد يتضاعف أكثر وأكثر في قلبه، ثم سمع جملة فهد يقول: "هلا برهان، حيّاك الله." ناظر برهان فهد بنظرات لو أنها تقتل لذبحت فهد وألقته صريعًا على الأرض. عاد فهد تكرار الجملة وقال:

"حيّاك الله يا برهان، تفضل ادخل، حيّاك الله، فُت فُت يا حيي فُت... ما رد برهان عليه، والنظرات هي الوحيدة اللي تشرح الحال. قالت شهلاء بصوت ضعيف: "يا أمي فوت يا برهان." التفت لها، وهالضعف اللي في صوتها ذبحه وموته وأحرق قلبه عليها، وقال: "جاي اسلم عليكِ يمه." قال فهد مرة ثانية: "حيّاك الله فُت، بتسلم على أمك على الباب؟ ادخل! ما رد عليه برهان، وقالت شهلاء: "فُت يا برهان، فُت يا أمي."

دخل برهان برجله، والرجل الثانية لا زالت برا، ووقف متردد وناظر فهد وناظر البيت اللي أول مرة يشوفه من الداخل، ناظر أمه وسحب رجله الثانية ودخل داخل الحوش وقال بهدوء: "أبي أتكلم معك يمه على انفراد." عقد فهد حواجبه وقال: "عسى ما شر؟ ما رد عليه برهان وقال: "تسمحي لي يمه بدقيقتين أتكلم معك على انفراد ولا أطلع من البيت؟ قالت شهلاء باستعجال: "لا لا وين تروح! أبد يا أمي، تعال لغرفتي بنتكلم أنا وياك فيها."

هز رأسه برهان بالموافقة ومسك يدها ودخل معها وهي تدله على الطريق. أما فهد فما جاز له الموضوع وحس إن في الموضوع "إنّ". وناظرهم شوي وجاء بيلحقهم ويتجسس ويسمعهم وش يقولون. لكن الباب اندق فعقد حواجبه والتفت للباب وراح له وفتح الباب وانصدم أكثر يوم شاف فواز وحامد وسالم وعيالهم فقال: "حيّاكم الله، هلا عسى ما شر؟ وقلبه حس إنه في شيء فقال: "حيّاكم الله." ابتسم له فواز وقال:

"ما شر إن شاء الله، مير جينا نسلم على أختنا، ودنا نسلم عليها." سكت فهد وحس إن في شيء غلط في الموضوع، وين يسلموا على أختهم بعد صلاة الظهر؟ الموضوع فيه شيء لكن بيمشي وراهم ويشوف وش عندهم. دخلهم فهد للمجلس وهو يرحب فيهم ويحيّي ومو منتبه أبدًا لنظراتهم له وعينه على غرفة شهلاء وهو ما يدري وش قاعد يصير فيها.

أما في غرفة شهلاء فكان برهان منهار وحاضن أمه في حضنه ويبكي بشكل يقطع القلب، وشهلاء كذلك تبكي معه وما تدري وش السالفة. أما برهان فكان يبكي ويقبل يديها ورأسها وهو يتأسف منها ويطلب منها السماح. ويضرب قلبه بحرقة ودموعه على خده. قلبه يوجعه على الحالة اللي وصلت لها أمه وشلون إنها طول هالفترة متحملة الألم بدون ما حد يدري عنها، وتصارع الألم بينها وبين نفسها.

شيء جدًا أوجع برهان وهالفكرة خلت قلب برهان ينكسر ويتمزق إلى مليون قطعة. قلبه ضعيف حيل وحيل مرة عند أي موضوع يخص أمه، وسمع صوت أخواله في المجلس وعرف إنهم جو وبدت الخطة تتنفذ فعلاً. احتضن أمه بكل قوته وهو يشد عليها ويحاوطها بذراعه وهو يتأسف لها على إنه طول الأيام الماضية ما كان جنبها ويتأسف لها على الألم اللي بتعيشه بعد شوي.

أما شهلاء فكانت تبكي بكل صوتها، ما تدري هو بكائها بسبب كلامه وبسبب بكائه أو بسبب إنها بدأت تحس بالخطر بسبب اللي جاي. مرة ثلاث دقائق وسمع صوت صراخ فهد وعصبيته وعرف إن أخواله بدأوا يكشفوا الأوراق. أما في المجلس فكان فواز وحامد وسالم كلهم ماسكين فهد بكل قوتهم ومربطينه وهو يصارخ ومعصب ويسألهم وش السالفة وش فيها وش قاعد يصير لكن ما حد يرد عليه وكلهم نظراتهم نظرات شر ويتمنون لو يمزقونه بأسنانهم في أي لحظة.

اندق الباب وراح أدهم بسرعة وفتحه وشاف جده رشيد ومعه شيخ ودخلوا للبيت. وقال رشيد: "وين الكلب فهد؟ قال أدهم: "فهد داخل في المجلس، تعال يا جدي." دخل رشيد ومعه الشيخ اللي كانت لحيته طويلة وفي يده مصحف ويناظر البيت بنظرات ثاقبة، نظرات متفحصة لكل زاوية في البيت ودخلوا هم ورشيد للمجلس وشاف رشيد فهد وهو متربط وقال: "والله وطحت يا فهد والله وطحت."

ارتجفت كل خلية في فهد أول ما شاف الشيخ وعرف إن كل شيء صار على المكشوف في لحظة ما حسب لها حساب وفي لحظة ما كان متخيل ولا متوقع إنها بتصير بهذا القرب فقال بعصبية: "أنتم وش قاعدين تسوون؟ أنتم بكل عقولكم جالسين تربطوني؟! قال رشيد: "اسكت ولا كلمة، اقطع واخس، صوتك ما أبي أسمعه يا الخسيس." قال فهد: "تتهجم علي في بيتي وتربطني؟ هذه آخر مراجلك يا شيخ! تتهجم علي؟ وهذا وأنا زوج بنتك كذا تعاملني! رفع رشيد يده وقال:

"صوتك يا فهد لا أسمعه، آخر تحذير لك لأنك لو نطقت بكلمة بعد هذه الكلمة ما بتشوف نهار بعد ذا النهار." سكت فهد وعرف إن الموضوع صار مكشوف بشكل جدًا كبير وبشكل واضح وعلني، ناظرهم واحد واحد وقال: "أنتم وش تبون مني؟ وش تبون؟ تقدم رشيد منه ورفع يده في لحظة مثل البرق وصفقه بكف خلى وجهه يلف للجهة الثانية وسحبه رشيد من ياقته بقوة وقال: "والله لأخليك تشوف نجوم الليل في عز الظهر!

والله لأخليك يا فهد تعض أنامل الندم يا الحقير. وقفت معك في أكثر من موقف، وقفت ضد حفيدي اللي من لحمي ودمي برهان وقلت له يا برهان أنت الغلطان، ما دريت إني قاعدة أتعامل مع أنجس المخلوقات! والله لأخليك تندم على الساعة اللي فكرت فيها إنك تستغفلني وتستغل بنتي." ابتلع فهد ريقه وقال بشر وقساوة:

"اللي تبونه ما بتحصلونه عندي، والله لو تذبحني وريد وريد وتقطعني قطعة قطعة ما أقول لك عن مكان السحر ولا أخذتوها مني. لأخليها معلقة ما بين السماء والأرض، ما تدري اسمها من قسمها، وما تدري بأصلها من فصلها، والله لأخليكم تتمنون إنها تموت وما تحصل الموت، والله لأخليها تفضحكم في كل شارع وتتمنون إنكم ما أخذتوها من عندي."

ما قدر إخوانها يستحملون كلامه وهجموا عليه يضربونه ضرب لو إنه في صخر كان فتته، والدم صار يطلع من كل مكان منه، صار خشمه كله دم وفمه وآذانه، وجهه صار كله دم لكنه ما زال يستفزهم بألفاظه وكلامه لين وقفهم الشيخ وقال: "استعيذوا بالله ودعوني أنا أتصرف." قال رشيد: "تصرف يا شيخ وخلينا نشوف آخرتها مع هالرجس." قال الشيخ: "اطلعوا لو تكرمتم من المجلس وخلوني أنا وإياه نتكلم." رشيد ناظر عياله وقال: "اطلعوا خلونا نشوف بنتنا."

وقفوا مستمعين لكلام أبوهم وطلعوا من الغرفة متوجهين لغرفة شهلاء وهم يسمعون بكائها وانهيارها في حضن ولدها برهان اللي كان موجوع القلب وتعب ومنهارة أعصابه بسبب اللي صار لأمه. فتح رشيد الباب وأول ما شاف بنته بهذاك الضعف وبهذاك الهلاك اللي صارت فيه نشبت الغصة بحلقه. واجتمعت الدموع بعيونه وتقدم بخطوات بطيئة وفي كل خطوة يخطوها يتمنى إن الأرض تنشق وتبلعه مثل ما إنه زوجها لفهد، تمنى لو إنه سمع كلام برهان ووقف معه وما زوجها، تمنى لو إنه في اللحظة اللي قالت له جملتها إنها ما عاد تطيق تشوف آصف عرف إنها مسحورة. يا ليته فهم كل شيء، يا ليته من هذيك اللحظة استوعب إن بنته مهي طبيعية.

وصل عندها وطاح على رجوله بضعف من كبر سنه وجلس بجنبها وناظر بنته ثم ناظر وجه برهان اللي الدمع مغطيه ووجهه أحمر بشكل لأول مرة يشوفوا برهان بهالضعف. سحبها رشيد وقال بغصة: "اطلعوا من الغرفة وخلوكم عند فهد وخلو الشيخ يجي يعالجها الحين." ارتعبت شهلاء من كلمة "شيخ" ونظرتهم كلهم وقالت: "وش عالجني؟ أنا ما فيني شيء."

عرف رشيد إن بنته بدأت تدخل في حالة ما هي حالتها وإنها ما عادت اللي تتكلم بسبب الخوف اللي صار فيها من أول ما سمعت كلمة شيخ فقال رشيد وهو يقبض بيده على ذراعيها: "فواز خلك عندي وأنت يا حامد خذ برهان واطلعوا عند فهد وانتبه لا يقتل الرجال لين ندري وين مكان السحر."

هز رأسه بالموافقة وسحب برهان اللي وقف بسرعة وهو منتظر اللحظة اللي ينقض فيها على فهد وفعلاً ما ترك لهم أي مجال إنهم يمسكونه وركض بكل سرعته داخل للغرفة اللي فيها فهد وهجم عليه هجوم في اللحظة الأخيرة اللي كانوا بيمسكونه فيها. إلا إنهم ما قدروا وبدأ يضرب في وجهه لين نزيفه صار أكثر ومضاعف أكثر ويضربه في كل مكان فيه لين بدأ يلفظ فهد أنفاسه الأخيرة. بعدها مسكوه أخواله بكل قوتهم مانعينَه من إنه يكمل عليه أو إنه يقضي عليه لين

يعرفون وين مكان السحر. والشيخ انطلق لغرفة شهلاء بعد ما غطاها أبوها وسترها، وطلعت سلوى من غرفتها وهي اللي سمعت كل شيء من بدايته لين نهايته. وعرفت إن الحقائق انكشفت وإن ما عاد في شيء مخبى وإنها لازم الحين تأخذ لها موقف، إما مع الحق وإما مع الباطل، إما مع شهلاء أو مع فهد. إما إنها تساعدهم الحين وتوقف معهم موقف يرضي الله عز وجل ويتوب الله عنها بسبب سكوتها أو إنها تستمر في نفس الغلط لين ما تصير هي وفهد في نفس الدرك.

وفعلاً لبست عباتها سلوى وطلعت من الغرفة وتوجهت للغرفة اللي فيها شهلاء بسرعة، راحت لهم وهي تساعد رشيد وتمسك شهلاء وتحاول إنها تهديها. وفهم رشيد إن سلوى عارفة كل شيء من حامد وإنها بتساعدهم وإنها كانت مجبرة على السكوت. وكان عند شهلاء رشيد والشيخ وسلوى وفواز عشان يعالجونها. أما برهان فكان يسب فهد بكل كلمة يعرفها وهم يحاولون يعرفون مكان سحر ويستخرجون منه أي كلمة لكن فهد رافض إنه يتكلم بكلمة واحدة، رافض إنه يقول مكان السحر

لأنه يدري لو علمهم عن مكانه بياخذون شهلاء منه طول حياته ودامها خربانة خربانة فما بيموت إلا وشهلاء معه. بدأ الشيخ يقرأ عليها وفي الأول بدأت شهلاء تضحك وتحاول إنها تبين الموضوع طبيعي وإن ما في شيء وإنها مو متأثرة باللي قاعد يقولها الشيخ. وبعدها بدأت تتكلم أبوها على إنها طبيعية وخلاص "أنا بخير ما فيني شيء، أنتم وش فيكم؟

" لكن الشيخ صرخ عليها تسكت وبدأ يقرأ عليها لين فعلاً بدأت شهلاء تتأثر وبدأ اللي فيها يتكلم وبدأت شهلاء يغمى عليها وتتغيب عن الواقع تمامًا ويبدأ يسيطر عليها اللي مسوي لها فهد. أما الشيخ فكان مستمر في قراءة القرآن الكريم بعد ما ربط إبهام قدم ويد شهلاء. وهي تصرخ وتبكي وتصارخ بكل صوتها وتبيهم يطلعوا من عندها وتستنجد فيهم وتصرخ باسم برهان يجي ينقذها لكنهم كلهم يدرون إن اللي يتكلم مو شهلاء وإن اللي قاعد يصير هو لمصلحتها فكان الشيخ مستمر في قراءة القرآن الكريم ويقرأ الآيات اللي تساعد على تفكيك السحر ويعالجهم.

في المجلس عند فهد، إلى الحين يحاولون يطلعوا منه أي كلمة لكنه رافض وخايفين يضربونه أكثر فيموت لأنه صار في حالة منتهية تمامًا بسبب الضرب اللي تعرض له. أما سلوى.. فكانت بجنب شهلاء وتساعدهم وكل ما بدت شهلاء تحاول تفك نفسها أو شيء، كانت سلوى عندها وتقرأ قرآن معهم وتحاول أنها تكفّر عن الذنب اللي سوته وسكوتها، بأنها تتحمل هذا الموقف وتقعد معهم وتساعد شهلاء.

ومرت ساعتين وهم على نفس الموضوع، وصار أذان العصر وهم إلى الآن يعالجون في شهلاء، وإلى الآن يحاولون يطلعون من فهد ولو كلمة واحدة، لكن فهد رافض يتكلم أبدًا عن أي كلمة يقولونها، لين بدأت حالة شهلاء تسوء فعلًا واللي داخلها يتوعد إنه يذبحها إذا ما سكتوا عن قراءة القرآن الكريم. فبدأ الشيخ يتوعد إنه ليحرقه إذا ما طلع منها وتركها في حالها، إلا إنه كان يصرخ ويقول له: "مو بيدي هي بيد فهد." فهد الوحيد اللي السحر بيده،

فكان الشيخ يسأله يقول له: "وين السحر؟ لكنه رافض يتكلم السحر وين ويقول: "كله بيد فهد، كله بيد فهد." ويكرر الجملة. وأول ما سمع فهد صراخ شهلاء وأنها بدأت فعلًا تنازع وتدخل في لحظات مشابهة لسكرات الموت، راح فواز وفتح عليهم الغرفة وسحب فهد بكل قوته وسحله لين الغرفة اللي موجودة فيها شهلاء ورماه عندها وقال: "أختي لو تموت لموتك، تكلم تكلم! وين مكان السحر يا فهد؟

خلي في قلبك ذرة رحمة وارحمها، خلي في قلبك ذرة رحمة إذا كنت تحبها فعلًا وارحمها وعلمنا وين مكان السحر، أختي لا تموت! ناظرها فهد وشافها كانت في لحظاتها الأخيرة وقال: "اذبحوني أنا بعد، أما إني أعلمكم على مكانوه ماني معلمكم." صرخ رشيد بكل صوته: "أنت لأي مرحلة وصلت من القسوة؟ أنت أصبحت فاجر كافر، ما يعبد الله وما تخافه، أنت ما تخاف ربك؟ ما تخاف ربك؟ ما تخاف ربك؟! انهار رشيد وهو يشوف حال بنته، وطاح على الأرض ودخل برهان

وهو يخنق فهد ويصرخ عليه: "وين مكان السحر؟ علمني أمي لا يصيبها شيء، وينه يا فهد؟ تكلم تكفى علمني تكفى تكفى يا فهد تكفى هذا أنا أقول لك تكفى علمني أمي وينها؟ علمني وين السحر؟ علمني؟! بدأ فهد يكح بكل صوته وصاح حامد وأدهم وهم يبعدون برهان عنه وقالوا: "أنت انهبلت؟ تبي تقتله؟ تبي وشلون بنعرف وين مكان البلا؟ وشلون بنعرف إذا مات هذا؟! انهار برهان وما عاد قدر يتكلم ولا قدر يتصرف ويشوف حال أمه وطاح عندها وهو يبكي ويترجاها.

رفع فهد نظره لشهلاء وشافها فعلًا تنازع قال بهدوء: "السحر في بيتكم الجديد! التفت الكل وناظروه وهم يتمنون يعيد الجملة اللي قالها مرة ثانية عشان يستوعبون اللي قاله. فقال فهد والدم يطلع من فمه وخشمه: "السحر موجود في بيتكم الجديد! اتسعت عيون برهان وناظره بعدم تصديق وقال: "أنت وش تقول؟ صرخ بكل صوته وقال: "أنت وش تقول؟! قال فهد مكرر كلامه:

"يوم كنتوا تبنون البيت في بداية الأساس أنا دخلت السحر هناك، وأنتم أكملتوا البناء عليه، إذا تبون تخرجون السحر أنتم لازم تهدمون البيت كله." بردت أطراف برهان وحس إن قلبه بيتوقف في أي لحظة وطاح على الأرض بقوة مغمى عليه. أما رشيد فكان في حالة جداً كبيرة من الصدمة، والوحيد اللي كان مصحصح وقادر إنه يستوعب الموضوع هو حامد اللي قوّى قلبه وأجزم وأصر إنه ينقذ عمته لو كان السبب وش ما كان. *** في اليمن

كان آصف وسمق في واحد من البساتين جالسين وعندهم الشاهي وبعض من الفطائر اللي سوتها رضية ومعهم مجموعات كتب والراديو كذلك. وصوت عبد الحليم مالي لهم المكان اللي جالسين فيه، وسمق صارت متعودة على لبس الستارة، فصارت الستارة شيء جزئي من لبسها بسبب دخولها وخروجها مع بسمة ورضية في هاللبس.

كانوا الاثنين في لحظات هادئة بما إنه بعد العصر، وآصف الكتاب في حضنه يقرأ لها بعض أبيات الشعر الغزلية ليتغزل في جمالها وفي مفاتنها وهي تستمع إليه بكل محبة وهدوء، لكن في شيء في نفسها ما تدري وش هو، في شيء متغير عليها، في شيء في رائحة آصف صايرة تجذبها بشكل فظيع، وفي شيء في رضية صار ينفرها من البيت ما تدري وش هالشيء اللي هي قاعدة تعيشه. تلخبط في نفسيتها اللي تدري إنه ما عاد تبي آصف يبعد من عندها ولا لحظة، صارت مدمنة شيء اسمه ريحة آصف، ما تدري وش قاعد يصير معها.

واستمر جوهم اللطيف وهم مع بعضهم الآخر بأشيائهم البسيطة اللي تضيف لمسة مميزة لحياتهم، وليومهم ولساعاتهم مع بعضهم البعض. الراديو وصوت عبد الحليم والكتاب وأبيات غزلية وصوت آصف وابتسامة سمق ونظرات عيونها، أشياء صار لها لذة جداً غريبة عندهم، وأشياء صار لها إحساس ومميزات تخلي يومهم أجمل من اليوم اللي قبله. *** في حائل.. صحى برهان والكل استعاد تركيزه، والآن أصبحوا في مرحلة جداً حساسة تتعلق بحياة شهلاء.

فالكل احتار في بداية الأمر كيف بيهدمون البيت كله ويخرجون السحر وهو ما يدرون في أي مكان بالضبط، هو الموضوع جداً صعب وجداً غريب وما يدرون شلون بيتصرفون. لكن برهان قطع عليهم الكلام هذا كله وقال بقرار صارم: "الحين وفي هذه اللحظة بينهد البيت، الحين في هذه اللحظة الكل بيشارك في هدم البيت حتى لو كان الثمن وش ما كان، أهم شيء سلامة أمي وراحتها وأنها تعود لنا بخير."

طلب رشيد من الشيخ إنه يتوقف عن القراءة عشان ما تتضرر شهلاء أكثر وتتعب أكثر لين يقدرون يخرجون البلاء من تحت البيت، فقرروا أنهم يطلعون من هذه اللحظة بالضبط يهدمون البيت ويخرجون البلا، وبيخلون شهلاء في البيت وعندها سلوى بما أنها منهارة ومغمى عليها فما عليها أي ضرر ولا أي خطورة ولا تشكل أي خطورة.

أما فهد فأخذوه للمجلس وغلقوا عليه وهو مربط وكان أيضاً منهار وتعبان والدم يطلع من كل مكان، واقترفوا غلطة كانت سبب في اللي بيصير في الأحداث القادمة وهو إنه واحد من الشباب يوم ربط فهد شاف إنه تعبان فما أحكم الرباط على يديه وهو يدري إنه ما بيقدر يتحرك.

وفعلًا طلعوا من البيت متوجهين لبيت برهان ومعهم الشيخ ومعهم رشيد والكل هناك، ويوم انتبه أهل الديرة للشيخ رشيد وعياله ووجوههم بالمقلوبة وعصبيتهم وحواراتهم مع بعضهم الآخر وهم متوجهين للبيت استغربوا. والكل التم حول الشيخ بيعرف إيش السالفة وإيش الموضوع، فقال برهان: "إن البيت بينهدم الحين بكل ما فيه. ساعدوني يا شباب نطلع اللي داخله." دخلوا العيال كلهم بدأوا يخرجون كل شيء داخل البيت مستعدين أنهم يهدمونه، فقال الشيخ رشيد:

"نادوا لنا عبيد وجماعته اللي بدأوا البيت، هم عندهم خبرة فيعرفون كيف يهدمونه بطريقة سهلة." فأرسل الشيخ رشيد واحد من الشباب وخلاه يروح ينادي عبيد واللي معه من العمال اللي دائماً يبنون البيت وهم اللي يبنون البيت من الأساس. فراح وناداهم هذا الشاب وقال لهم: "الشيخ رشيد يبيكم بموضوع مهم." بكل استعجال أخذوا أغراضهم وراحوا للشيخ رشيد.

وشافوا الرجال كلهم واقفين حول البيت والناس كلهم مجتمعة حول البيت اللي برهان فيه، وانتشر الخبر مثل النار على الهشيم والكل عرف بسالفة شهلاء وفهد والكل عرف بسالفة البلاء اللي تحت بيت برهان، فقال الشيخ رشيد لعبيد: "يا عبيد أبيك اليوم هذا تهدم البيت، ما أبيها تشرق الشمس إلا والحجارة منتثرة في كل مكان." ارتجف عبيد رجفة لاحظها الجميع وقلب وجهه اللون الأسود وخاف وتوتر. وطلع برهان من البيت مقاطع كلامهم وصارخ بعصبية:

"الحين أمي نبيها تطيب." رشيد بعصبية: "اهدا يا برهان أنت ما تشوفنا نكلم عبيد هو بيهدمه هو واللي معه وإحنا بنساعدهم كلنا." قال أهل الديرة: "وإحنا معك يا شيخ باللي تبي آمرنا بس." قال عبيد ووجهه أسود من الخوف برجفة واضحة عليه: "ما له داعي تهدمون البيت." كانت جملته هذه تشكل صدمة أخرى لأهل الديرة ولرشيد وبرهان، فالتفت له برهان بعصبية ومسكه من ياقته وقال: "أنت تستهبل؟

ما حد طلب رأيك، أنا قاعد أقول لك اهدم البيت الحين يعني تهدمه وبيجيك أجرتك وحقك." صرخ عبيد: "قلت لك الساحر معي! لحظة صمت صارت والكل ارتجفت قلوبهم بخوف وناظروه باستغراب. وقال رشيد: "أنت وش تقول؟ عبيد نزلت دموعه من رهبة الموقف والخوف وقال: "يوم بديت من البيت وإحنا نرفع الأساس لاحظت وشيكت على الحجار وشفت واحدة من الحجار مرتفعة عن الثانية، فوخرتها عشان أبلل التربة اللي تحتها لكني انصدمت يوم شفت اللي تحت الصخرة."

قال رشيد بخوف: "وش شفت؟ قال عبيد: "شفت دمية بيضاء صغيرة وواضح إنها ما هي طبيعية وكان فيها مجموعة إبر مغروزة فيها، وهذا الشيء اللي خوفني وأرعبني حول الموضوع." برهان بانهيار: "تكفى وين جبتها؟ تكفى قول إنها معك الحين." عبيد هز رأسه وقال: "معي معي." اختل توازن برهان ومسكوه الرجال يهدونه وقال رشيد وقلبه يتقطع ألم على بنته: "وينه يا عبيد؟ تكفى وينه؟! عبيد: "الحين أجيبه لكم." الشيخ:

"الحمد لله أجل الآن نستطيع إنقاذ هذه المسكينة." سمعوا صوت حرمة جايتهم وتبكي وما كانت إلا سلوى اللي قالت: "فهد أخذ شهلاء وهرب من البيت! صرخ فواز بعصبية وتوعد وكذلك إخوان شهلاء وعيال إخوانها ومعهم برهان اللي سحب سلاحه وهو ناوي على فهد وركضوا كلهم لخيولهم لاحقين في فهد وشهلاء.

أما رشيد فكان يتوعد في فهد بأشر توعد وطلع أغلب رجال الديرة لاحقين فهد لأن اللي سواه خطر على الديرة كلها ولو بقي على قيد الحياة بيدمر الناس كلهم واللي من أمثاله ما يستحق العيش. وطلعوا من الديرة لاحقين فيهم، وعبيد أخذ الشيخ يعلمه على مكان السحر اللي خاف من شكله وقرر دفنه في مكان معين وبيروح معهم يطلعونه ويبدأ الشيخ يفككه ويقرأ عليه. *** وصل فهد مع شهلاء لواحد من القفار الموجودين.

وكانت أنفاسه متسارعة وتعب متمكن منه وبالذات بعد الضرب اللي تعرض له، أما شهلاء فكانت شبه مغمى عليها إلا إنها مرتاحة إنها هربت من الشيخ وإنها الحين قاعدة مع فهد. نزلوا من الخيل وسحب الخيل لواحد من الأماكن وربطه وأخذ شهلاء من يدها وطلعها وياه على الجبل، ناويين يقعدون فيه لين تشرق الشمس ويعرفون أنهم ينحاشون بعيداً عن الديرة في ضوء النهار، أما الليل فما يقدرون يتحركون بسبب كثرة قطاع الطرق. قال بتعب:

"خلينا نريح هنيا وباتسر إن شاء الله نتحرك ونطلع من الديرة." شهلاء قالت وكأنها بدأت تستوعب وضعها وصوتها مبحوح: "وش قاعد يصير يا فهد؟ وش فهمني؟ ماني فاهمة شيء فهمني! فهد بصرامة: "تعرفين كل شيء يوم ننحاش من هنا." ***

استمر بحث برهان المتواصل هو واللي معه لكن ما فيه أي أثر لفهد وشهلاء، وكأنهم فص ملح وذاب، وعصبية برهان كل مالها تزداد لين صار يحس رأسه بينفجر من الجوانب بسبب الصداع اللي داهمه من عصبيته وقهر "وأعوذ بالله من قهر الرجال". استمر البحث لين أذن المغرب والشمس غابت والظلام حل في كل مكان مما زاد صعوبة أنهم يلقونهم. لكن برهان أصر وحلف يمين ما يرجع الديرة إلا وأمه معه ودم فهد!

والرجال كلهم رفضوا يرجعون للديرة وبيقعدون معه لين يلقون المشرك فهد! فالمسألة ليست عادية، المسألة فيها شرك وإجرام بحق الإنسانية. ازدادت ظلمة الليل والجميع إلى الآن في بحث متواصل في القفار والجبال والوديان. أما في الديرة فكانت الريم منهارة في حضن أمها والحزن في قلوبهم، تمنوا لو إن فهد ما وصل للمرحلة هذي، تمنوا لو إنه تاب ولكن يعرفون إنه قسى قلبه وإن اللي عملوه هو الصحيح!

ولكن برغم هذا كله كانوا ضايقين لأجله، في النهاية هو واحد منهم وقطعة من قلوبهم، واللي يصير فاجعة على الجميع ولأول مرة تصير في ديرتهم! كانت الريم وسلوى في بيت عبلة وتحديداً في غرفة الريم وإلى الآن في انتظار أي خبر يجيهم. أما سمو فكانت في بيت أهلها خايفة ترجع لبيتها وحدها وبالذات إنها بدأت ترتعب منه ومن فكرة إن السحر كان تحته. صار الموضوع مرعب! منتصف الليل..

في اليمن كانت سمق في غرفتها منسدحة وحرارتها جدًا مرتفعة وتعبانة، أما آصف فكان بجانبها ويغير لها كمادات عشان تنزل حرارتها. هو خايف عليها بسبب تعبها اللي صاير هالأيام يزداد وما يدري وش السبب، قال لها بحنية: "ها سمق، جوعانة؟ تبين شيء؟ يوجعك الحين شيء؟ قالت سمق وعيونها ما تقدر تفتحها من التعب: "لا، ما فيني شيء، ما أبي شيء." آصف: "يا حبيبي إنتي للحين ما أكلتِ شيء، أروح أجيب لك أي حاجة بسيطة تأكلينها؟ سمق بغصة:

"كبدي حايمة عليّ، ما أقدر، ما أقدر، ما أدري وش فيني." تنهد آصف وقال: "خلني أنادي عمتي راضية تشوف وش فيكِ." سمق: "لا يا آصف لا، لا تقلقهم الحين الناس نامت، خلينا وأنا شوي إن شاء الله وأطيب." قال آصف: "يا سمق إنتي تعبانة من الصبح، خليني أشوف عمتي يمكن تقدر تسوي لكِ شيء، يمكن تقدر ما تدرين." قالت سمق: "لا لا، إذا زاد التعب عليّ الصبح علمناها، أما الحين خليهم ينامون، الوقت تأخر وعيب تصحيهم بذا الوقت."

تنهد آصف مرة ثانية وهو يشوف حرارتها مرتفعة وكل شوي توقف وهي ترجع وحالتها كل مالها تسوء، وما يدري وش هالتّقلُّب في حالتها ومزاجيتها المفاجئ. قالت سمق بنعاس: "ودي أنام خلاص." هز رأسه آصف وقال: "نامي، وإذا حسيتي إنك تعبانة ولا شيء كلميني، ماني نايم." قالت سمق: "نام لا تقلق." آصف: "ما عليكِ، إنتي نامي وأنا إذا حسيت بنوم بنام."

مسكت سمق يده وغمضت عيونها ونامت بتعب، وآصف يمسح على شعرها ويناظرها خايف عليها من تعبها المفاجئ وبدون أي سبب، غيّر الكمادات وخلاهم بين المويه شوي ثم رجعهم على جبينها مرة ثانية، وقرر إنه يسهر على رأسها لين تطيب ويتطمن ويتأكد من إن حرارتها نزلت وإنها صارت نايمة وهي مرتاحة بدون تعب. في حائل..

وبالضبط في واحد من الشِّعب كان فهد قاعد يحاول يشب لهم نار عشان يقدرون يدفون فيه بسبب برودة الجو والجوع لاعب فيهم لعب بسبب إنه ولا عندهم ولا شيء يأكلون وحتى شرب ما عندهم شيء.

لكن الشيء اللي ما حسب بحسابه ولا توقعه فهد إنه يصير في يوم من الأيام هو إن في أشخاص لمحوا النار اللي شبها وبدت عيونهم الحادة تناظره، أما شهلاء فمن برودة الجو ومن تعبها فزاد عليها البرد وراحت لوحدة من الصخور وجلست تحتها وهي تسند ظهرها لين يجيب لها فهد شيء تأكله، ومن شدة تعبها وجوعها والشقى اللي عاشته اليوم غمضت عيونها وطاحت مغمى عليها خلف الصخرة.

أما فهد بقي يلف ويدور حول نفسه لعله يشوف شيء يأكلونه أو يشوف نبع مويه يشربون منها، أما الأشخاص اللي شافوهم فما كانوا غير قطاع الطرق، كلهم متلثمين ويحسبون هالشخص تاجر أو عنده شيء، فبدأت عيون الطمع تناظره وهم ناويين يذبحونه ويأخذون كل شيء معه، شافوه يتنقل من مكان لمكان وعرفوا إن هذا الشخص وراه شيء أو إنه يمكن دافن هنا شيء كنز أو فلوس أو أي شيء ثاني، فقرروا يهجمون عليه.

ورفع واحد منهم سلاحه واللي كان شخص ملثم ما يوضح إلا عيونه، طبعًا فهد ما كان واضح لهم بسبب الظلام بس إنهم يعرفون إنه شخص يتحرك وأكيد عنده شيء، أما وجهه فما كانوا يشوفونه ولا يدرون منهو، فرفع هذا الشخص سلاحه وصوبه ناحية فهد وفي لحظة أطلق النار وطاح فهد صريع! فهمس اللي جنبه: "زيده طلقتين خله يموت! فأطلق عليه طلقتين مرة ثانية واللي كانت واحدة منهم في الرأس وثنتين في البطن! وضحكوا اللي معه وقالوا:

"أحسنت، هذه أول مرة لك تصيد وصِدت بشكل فضيع." ضحك محمد وقال: "والله شغلتكم ذي زينة بس إن شاء الله تكون الصيد دسمة." قال له اللي جنبه: "لا تخاف، واضح إنها دسمة، خل ننزل نشوف وش عنده هالبلية." نزلوا كلهم من على الجبل متوجهين لفهد اللي صار ميت.

وبسبب صوت إطلاق النار انتبه برهان والرجال اللي كانوا يبحثون معه عن شهلاء وفهد، وانطلق الجميع لنفس المكان اللي سمعوا فيه صوت إطلاق النار في نفس اللحظة اللي نزلوا قطاع الطرق من الجبل لصيدتهم الجديدة.

نزل محمد واللي كان مبسوط إنه دخل مع ناس تقدره وتشوف له فايدة، وكانت هذي أول عملية له ونالت على إعجاب أصدقائه بسبب دقته في إصابة الهدف، وصلوا للجثة وقرب محمد بسعادة وهو يحرك الجثة برجله ويقلبها للجهة الثانية لجل يشوف إصابته للهدف هذا. ولكن كانت الصدمة اللي شلت جسد محمد يوم شاف إن الهدف اللي أصابه هو أبوه! صرخ بكل صوته: "يبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــه!!!

فتحوا عيونهم باتساع وهم يشوفون محمد ينهار عند جثة أبوه ويصرخ بكل صوته وهو يهز الجثة: "يبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــه!! سمعوا صوت إطلاق النار وصوت برهان اللي معصب ويصرخ باسم فهد بتوعد، وبسرعة قطاع الطرق رفعوا أسلحتهم وبدأ الاشتباك، ورجال الديرة رفعوا أسلحتهم وبدأ ما بينهم وبين قطاع الطرق اشتباك جدًا عنيف، وهم مصدومين من وين جاءوا هذول الرجال مع فهد؟!

وقدروا قطاع الطرق إنهم ينحاشون باللي بقى منهم، أما محمد فكان إلى الآن منهار عند جثة أبوه ويضربها بقوة ويصارخ وهو يحس إنه بدأ يفقد عقله بسبب الصدمة اللي تعرض لها، وكل اللي تعرض له نتاج اللي كان يعمله ومساندته لأبوه في الجرم والإشراك والدخول في السحر والشعوذة!

وصلوا رجال الديرة وشافوا محمد وفهد وانصدموا من اللي شافوه، أما برهان فأول ما عرف إن فهد مات انطلق يبحث عن أمه ويصرخ باسمها والمكان كله رائحة بارود ودماء وصوت الصراخ في كل مكان، لمح برهان طرف ثوبها وتجمد الدم في عروقه والخوف تمكن منه وهو يظن إنها صابتها طلقة طائشة بسبب الاشتباك اللي صار، ركض لها بكل سرعته وطاح عندها وهو يتفحصها بخوف ولكنه زفر بقوة أول ما تأكد إنها بخير وارتاح من الرعب اللي كان عايشه.

اجتمعوا إخوان شهلاء حولها بخوف وهي في حضن برهان وقال برهان برجفة: "بخير بخير الحمد لله." فواز أخذ نفس وقال برجفة: "أجل خل ننكس الديرة." وقف برهان وحمل شهلاء بين يديه وتوجه لخيله. أخذوا شهلاء ورجعوا فيها على الديرة مع برهان، والرجال راحوا أخذوا جثة فهد وكذلك أخذوا محمد اللي كان منهار تمامًا انهيار. رجعوا جميعهم إلى الديرة.

كانت نورة والبنات إلى الحين صاحين ولا واحدة فيهم نامت، بينتظروا أي خبر يجيهم من الرجال من خارج الديرة، وسمو بالها عند برهان وعند عمتها وخايفة عليهم من بعد اللي صار، تتمنى إن الله يرجعهم بالسلامة بدون أي ضرر لأن يكفيهم الضرر اللي صار لهم طول الأيام والأسابيع الماضية، والترف كانت أيضًا جالسة معهم وهي تنتظر أدهم وقلقانة عليه ليكون يصيبه شيء. كلهم جالسين حول بعضهم الثاني ولكن كل واحدة بالها بعيد ومعها شيء معين وكلهم مشتركين بالقلق والخوف على رجالهم.

وما هي إلا نص ساعة بالضبط وسمعوا صوت صهيل الخيول يدوي في الديرة، فزت قلوبهم بخوف من اللي جاي وكل واحدة منهم قامت بسرعة تستقبلهم وكلها خوف من إنه يكون في شيء خطير صار، وقفت الريم ووقفت سلوى كذلك في بيت عبلة ومعهم عبلة وفزوا متوجهين للباب لعلهم يسمعون طرف خبر عن شهلاء وعن فهد، واقتربت الخيول لين قريب البيوت ونزل برهان وشافوا شهلاء بين يديه وعلى طول توجه لبيت خاله حامد، وركضت عبلة متجاهلة الجميع وفتحت الباب ودخلت تطمن على صديقة عمرها وعلى رفيقة دربها شهلاء، أما الريم وسلوى فكانوا يناظرون جهة الرجال لعلهم يشوفون فهد ويعرفون وش مصيره بعد هذا كله.

لكنهم ما شافوا شيء، دخل برهان البيت باستعجال وقال: "خالتي نورة، خالتي نورة جهزي مكان لأمي، جهزوا مكان." ركضت نورة بكل سرعتها وفرشت البطانية وجهزت الفراش، ودخل برهان وترك شهلاء عليه وركضت لها نورة وقالت: "وش صار؟ ما صابها شيء؟ طمنا يا برهان عسى ما شر وش صار؟

ناظرهم برهان جميعهم وطاحت عينه على سمو اللي كانت واقفة وعيونها عليه وواضح الخوف والرعب وعيونها تتفحصه من رأسها لين رجليه تطمن إنه بخير ودموعها مالية وجهها، راح لها بسرعة متجاهل الكل لأنه شاف الخوف في وجهها وفي عيونها، وبسرعة سحبها لحضنه وضمها بكل قوته وارتفع صوت بكاها وهي تشد عليه وتحمد الله إنه بخير. برهان بهدوء والرجفة متمكنة منه: "أنا بخير لا تخافين." قالت بصوت ماليه البكاء: "وش صار؟ تنهد برهان وقال:

"كل واحد منهم رجع له حقه وأخذ مصيره، أمي إن شاء الله في الطيب وفهد أخذ جزاء." كانت نورة تناظرهم وشدها الكلام وقالت: "فهد قدرتوا تلحقونه؟ شلون مسكتوهم؟ علمنا كل شيء يا برهان ترانا على أعصابنا من يوم طلعتوا من الديرة وحنا في قلق، علمنا وش اللي صار!؟ ابتعد برهان عن سمو وناظرهم وجت عينه على أمه وقال: "فهد مات." شهقوا الحريم كلهم وقالت عبلة: "شلون مات؟ ونطقت سمو برعب: "ليكون أنت اللي ذبحته يا برهان؟ ناظرها برهان:

"كان بودي إني أذبحه لكن سبقني واحد ثاني." تنهدت سمو براحة وقالت: "الحمد لله إن ما هو أنت." قال برهان بتعب: "جيبي لي مويه." سمو نطت بسرعة وقالت: "تبشر، الحين." وهي تشوف إنه بدأ يستوعب الأحداث وبدأت الرجفة تتمكن منه من جديد وصوته بدأ يتعب، طلعت بسرعة من البيت وتوجهت للمطبخ، أخذت له مويه وركضت بسرعة وجلست بجنبه وبدأت تشربه المويه ومد يده ومسك يدها شوي وقال: "وش فيكِ؟ ناظرته سمو ونزلت دموعها وقالت:

"خفت عليك يا برهان، قلبي كان بيتوقف من القلق والخوف." برهان: "ما صار شيء الحمد لله أمي رجعت." جلست نورة بجانب شهلاء وبدأت تصحيها، وبجانبها فرح اللي تمسح على شعر عمتها وهي تبكي، أما سمو فكانت تطمن على برهان إذا يحتاج شيء أو لا. عند الريم نزل حامد من على الخيل وتوجه لبيتهم وهو يدري إنها هناك هي وأمها، فتح الباب وشافهم في وجهها، على طول بكت ريم وقالت: "وش صار يا حامد؟! ناظرهم شوي.

وما يدري شلون يعلمهم الموضوع وشلون يخبرهم إن محمد هو اللي قتل أبوه، نزلت دموع الريم أكثر وقالت بهمس: "مات؟! رأسه حامد بالموافقة وقال: "عظم الله أجركم." أخذت سلوى نفس عميق ورفعت رأسها وقالت: "ربي ما يضيع حق أحد والحمد لله اللي أخذه قبل يزداد في طغيانه أكثر من كذا." دخلت سلوى بكل هدوء بعد جملتها هذه متوجهة للغرفة وتاركتهم خلفها، أما حامد فتقدم من الريم بسرعة وسحبها لحضنه وهو يضمها وهي تبكي وقال لها:

"أبوكِ أخذ جزاته لا أقل ولا أكثر." بقت الريم تبكي بين يديه وهو ضام لها وما حب إنه يعلمهم عن كل السالفة وعن إن محمد هو اللي ذبح أبوه بالذات في هذه اللحظة، يكفيهم صدمة واحدة. ومرت على هذه الأحداث جميعها شهرين كاملة ودخلوا في بداية شهر رجب.

وفي هذه الشهرين استمر علاج شهلاء، وفي هذه الشهرين أيضًا تم دفن فهد في مقبرة بعيدة عن مقابر المسلمين، أما محمد فصار فيه زي الحالة النفسية لذلك كان دائمًا تحت رعاية الطبيب ودائمًا تحت نظره، أما سلوى والريم فطلعهم حامد في بيت مستقل عشان يأخذون راحتهم ويعيشوا حياتهم بعيد عن الإحراجات أو المشاكل، أما بيت فهد فتغلق من اللحظة اللي طلع فيها هو وشهلاء وما عاد انفتح من جديد وما عاد أحد يدخله ولا يقرب منه.

وسمو وبرهان فرجعوا البيت الجديد ودخلوا الشيخ وقرأ قرآن فيه في جميع الأماكن الموجودة فيه، وبالنسبة لباقي الأبطال فكانت حياتهم عادية ومستمرة بشكل روتيني. في اليمن كانت سمق بين فترة وفترة تتعب وكانت ترفض إن آصف يعلم أحد إنها تعبانة ويبقى عندها طول الليل لين النهار تصحى وهي بخير أو متحسنة بشكل بسيط، وهو ما يعرف إيش السبب ولا إيش فيها، وهي كذلك كانت أجهل منه وما تدري وش فيها. الوقت الحالي في اليمن..

كانت في اليمن عادة جدًا جدًا جميلة ولطيفة ولا تزال هذه العادة موجودة حتى اليوم في بعض المناطق وفي بعض الأسر! كانت أول جمعة في رجب، عيد "جمعة رجب" مثلما يسمونها، تمثل قدسية خاصة لدى الناس. يقول الحاج علي السخي من أهالي صنعاء القديمة:

"جمعة رجب بالنسبة لأهل صنعاء تعتبر العيد الثالث بعد عيد الفطر وعيد الأضحى المبارك لفضلها، باعتبار أن جمعة رجب هو أول يوم دخل فيه الإسلام إلى اليمن، وأسلم أهل اليمن فيه جماعة واحدة بدون أي قتال أو اعتراض".

وتقديرًا لهذا اليوم يتم الاحتفال به في صنعاء وضواحيها، وكانت حركة البيع والشراء نشطة جدًا في هذا اليوم. فكان بعض الناس الذين لهم أرحام بصنعاء يأتون في "جمعة رجب" لشراء الزبيب وغيره كهدايا لزيارة أرحامهم بصنعاء تأسّيًا بأهل صنعاء في عاداتهم. فكانت أول جمعة في "رجب" كان لها وقعها الخاص على اليمنيين، وطقوسها المميزة وعاداتها الخاصة فيهم فقط!

وكانت بالنسبة لهم شيئًا يستمدونه من أجدادهم الأولين في عهد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

فكانت أول جمعة في شهر رجب في عهد رسول الله، أرسل الرسول رسالة إلى اليمنيين يأمرهم فيها بالدخول في الإسلام، وأخبرهم بمقومات الإسلام وما هو الإسلام ومن أين أتى. فعندما قرأها اليمنيون دخل اليمنيون كافة في الإسلام برسالة واحدة، فعرف الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخبر، فسجد لله حمدًا وشكرًا أن هذا الشعب هو الشعب الوحيد الذي دخل في الإسلام بدون حرب أو قتال، فقال عنهم: (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، أرق أفئدة، وألين قلوبًا، الإيمان يمان والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» متفق عليه رواه البخاري في صحيحه (4388) ، ومسلم (52) فكانت احتفالاتهم روحانية، يجتمعون الرجال في المقايل (المجالس) . تزخر بالمدائح النبوية وذكر الله عز وجل والمساجلات الشعرية في حب النبي.

وكانت من عاداتهم في جمعة رجب أن أي إنسان مقتدر كان يكسو الأيتام ويفرح قلوبهم. كانت سَمَق مستغربة من عادتهم هذه، وهي تشوف الحريم يجهزون البيوت وينظفونها، وبسمة ورضية كانوا يجهزون الكعك وغيره والقهوة والشاهي، فكانت منبهرة. ويوم سألتهم علموها أن من عاداتهم في جمعة رجب أن الأب يعزم الجميع، خواته وكل أقاربه في بيته، وتصير عزيمة جدًا كبيرة، ويعزم كل أقاربه، وأيضًا يزور البعيدين والقريبين فيها.

كانت سَمَق معهم في المطبخ، لكن رائحة الكعك جننتها بشكل كبير وشهتها، وجلست بدون شعور تأكل منهم وهي تحس أنهم ألذ كعك تأكله في حياتها. رضية ناظرتها، وخجلت سَمَق ووقفت. سَمَق: يا ويلي، نسيت أنهم للضيوف! ابتسمت لها رضية بحنية وقالت: كلي كلي يا روحي مالش! أدي لش أكثر؟ سَمَق بخجل: ما شاء الله طعمهم يجنن! رضية بابتسامة: بالعافية كلي كما اشتيتي! (كلي اللي تبين)

لمحت سَمَق واحدة من الكعك انحرقت، وحست أن ودها تذوقها. جاءت بسمة بتوخرها، لكن سَمَق أخذتها وقالت: أبيها أبيها! بسمة باستغراب: حريقة! سَمَق: أيوه أبيها لنا من حلقة شكلها يشهي. ضحكت رضية وقالت: يو يا سَمَق، إنه مالش اليوم! إنا تكوني واحمه (حامل) أو حاجة. سَمَق انفجعت وقالت: لا بسم الله وين! رضية: من أي حين قد واحد بيشتهي يأكل حاجة حريقة؟ سَمَق انحرجت وقالت: ما أدري والله، هذه الأيام قاعدة أشتهي أشياء غريبة.

قالت رضية وعيونها متسعة: مثل ايش؟ سَمَق: يعني مثلًا اليوم شفت الجدار، يعني شسمه شسمه كان في زي الفتحة الصغيرة فالتراب اللي فيه منظره يجنن، ويوم ذقته طعمه يهبل. ضحكت رضية بصخب ورفعت يدها لفمها وهي تزغرد وقالت: والله إن شكلش واحمه (حامل) سَمَق بخوف: لا تخوفيني لا تخوفيني الحين! رضية قالت: كم قد لش؟ سَمَق باستغراب: كم قد لي وش؟ راضية: يعني متى آخر مرة جاءتك اللي أنت تدرين فيها؟ سَمَق

بإحراج: ما أدري نسيت آخر مرة جاءتني، يعني قبل فترة، يعني آخر مرة يمكن قبل شهرين ونص أو كذا. قالت راضية: يو يا ربي من هذه اللي مش هي دارية بحاجة! والله إن أنتِ حامل دام وقد لش شهرين ونص. تسارعت دقات قلبها وقالت برجفة: شلون يعني؟ ما أدري الموضوع يخوف. قالت رضية: ولا يخوف ولا حاجة، وإن شاء الله إن أنتِ يكون صدق حامل. قالت سَمَق: وكيف يعني؟ يعني شلون بأدري إذا أنا حامل ولا لا؟

قالت لها رضية: معي ليش بنت أخت زوجي ما شاء الله عليها فاهمة في هذه الحاجات، بأخليها تجي تفحصش بعدين والله. واضح فيش الحمل. أسكه أقربي أبصر عيونش. قربت سَمَق وقالت: وش فيهم عيوني؟! مسكتها رضية وفتحت عيونها وقالت: أيوه أبصري والله أنقذ عيونش عيون واحدة حامل، أبصري كيف أنتِ مغورة. ابتسمت بسمة وقالت: ألف ألف مبروك، يووه والحلا قدنا شأوقع عمة. سَمَق بخوف: لا لا يمكن، يمكن في شيء غلط، يعني شلون ما أدري ما أدري!

قالت راضية: قد احنا عنتأكد لو ما يجوا النسوان لا عندنا، بأخليها تفحصش وشأعرف إذا أنتِ واحمه ولا ماشي. هزت رأسها سَمَق بالموافقة وفيها توتر وقلق، وقالت لها بسمة: لا تقولي لآصف لو ما تتأكدي إن أنتِ حامل أو ماشي. سَمَق: زين. سكتت سَمَق وهي تسمع كلام رضية ونصائحها لها عن الحمل وعن أعراضه وغيره. وشافت أن كل الأعراض اللي تقولها رضية فعلًا

موجودة فيها: الخمول وكثرة النوم والتعب، وكذلك الغثيان المستمر والحمى اللي تجيها في الليل كل ما انسدحت بتنام، وكذلك الأشياء اللي قاعدة تشتهيها، أشياء جدًا غريبة، وعمر سَمَق ذا تخيلت أنها في يوم يمكن تشتهيها، وكذلك إدمانها لرائحة آصِف واللي صار إدمان غير طبيعي وغير مبرر، وكذلك نفسيتها اللي صارت دائمًا مستفزة وتبكي على أبسط الأمور وأبسط الأشياء، وتتحسس من أبسط شيء، وكذلك ما عادت تبي آصِف يبعد عنها ولا دقيقة واحدة. كل هذه الأشياء تعتبر أعراض حمل، وكذلك بعض الأحيان تحس ما ودها تسمع كلام رضية ولا تناظرها في وجهها.

لكن برغم هذا تحس بتوتر وخوف أنه تكون فعلًا حامل، لأن الموضوع غريب وتوتر وما في عندها أمها أو أي أحد يعلمها عنها الشيء ويهديها، أما رضية فما كانت تبي تسمع لها ولا تسمع كلامها لأنها تحس بشيء في داخلها رافض أنها هي تسمع كلام راضية، يمكن أنه هذا شيء كذلك من أعراض الحمل.

وجاءت ساعة الظهر وجاء الحريم ومكالف زوج رضية، واجتمعوا كلهم في بيته، وآصِف واللي معه كلهم طلعوا للمجالس اللي مجتمعين فيها الرجال، وسَمَق والحريم جلسوا بعد العصر، وكان يوم جدًا مميز فعلًا، وانبسطوا كلهم فيه، وسَمَق كذلك ارتاحت في هاليوم وحست أنه حاجة غريبة عليها وحاجة جديدة وحبت هالشيء، يعني استكشاف جديد. ***

أما آصِف فكانوا في المجلس مع الرجال، والصلوات على النبي في المجلس وكذلك الأناشيد والمدائح النبوية، وكذلك ذكر الله عز وجل، وكانوا الرجال كل شوي يوقفون ويمر بينهم البخور، وكذلك يمر بينهم شخص يرش على أيديهم ماء الورد، وكل ما جاءت لهم ريحة طيبة يصلون على النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. ***

بدأت شهلاء تستعيد وعيها، وبدأت تفهم كل شيء صار معها، وكيف أنها كانت تحس بأشياء غريبة وتحس بنار تكويها في داخلها، وكذلك كيف أنها كانت مستعدة تسافر مع آصِف وبعدين خلاص غيرت الموضوع. وانهارت من شوقها لآصِف ولحياتهم الماضية، اشتاقت للمة عيالها وحياتهم الماضية. أما برهان فما كان يفارقها إلا وقت جلوسه مع زوجته، وكانت سمو مهتمة في عمتها ومراعية لمشاعرها. *** المساء. في اليمن.

كانت سَمَق جالسة في غرفتها وسرحانة بتفكيرها من بعد كلام الحرمة لها، واللي أكدت لها أنها فعلًا حامل. كان آصِف متوجه إلى غرفته هو وسَمَق من بعد يوم جميل ولطيف، وكذلك كان قلبه جدًا سعيد بسبب الخبر اللي بيقوله لسَمَق الحين والمفاجأة اللي يحملها لها، جاهل أنها تحمل له مفاجأة أيضًا.

وصل باب الغرفة وفتحه بهدوء ودخل وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، وشافها مثل كل ليلة كل تآسره بجمالها وبلبسها المتجدد وأناقتها اليومية برغم تعبها الواضح عليها واللي ما يدري وش سببه. دخل وقال: مساء الخير. ابتسمت له بهدوء وقالت: مساء النور. أغلق آصِف الباب وتقدم منها وجلس بجنبها ومسكها وقال لها: عندي لش مفاجأة بتسعدش. ابتسمت سَمَق وقالت: وأنا بعد عندي لك مفاجأة بتسعدك. اتسعت ابتسامته وقال: من يبدأ أنا ولا أنتِ؟

فقالت سَمَق: ابدأ أنتَ لأني لو تكلمت أنا بتنسى وش اللي بتقوله. ضحك آصِف وقال: شكل الموضوع كبير! قالت سَمَق: يعني... يلا قول وش اللي عندك. آصِف بابتسامة حنونة: أوعدش أنه بنرجع في هذه الأيام لحايل، ولقيت في ذا اليومين قافلة بتمشي من نجران، وبعدها بنشوف لنا قافلة ثانية وبنروح حايل. تلاشت ابتسامة سَمَق وناظرته بتفاجؤ وقالت: أنتَ وش تقول! قطب حاجبيه وقال باستغراب: وش فيش ما عجبتش المفاجأة!؟ سكتت سَمَق

شوي وناظرته ثم قالت: بس المفاجأة اللي عندي بتمنع المفاجأة اللي عندك! سكت آصِف شوي ثم قال: سَمَق وش عندش! سَمَق وهي تشد على يده: آصِف أنا..... أنا حامل. اتسعت عيون آصِف بتفاجؤ وقال: ها!؟ نزلت سَمَق رأسها وقالت بخجل: أنا حامل ومن شهرين بعد! تسارعت نبضات قلبه وحس أن الدنيا لا تسعه من الفرحة وقال لها: من جد يا سَمَق ما تمزحي معي؟!

قالت سَمَق: هالموضوع ما ينمزح فيه، وأنا أمثلك بعد متفاجئة، مو مستوعبة لين قالت لي الحرمة إني فعلًا بأصير أم. تجمعت في عيونه الدموع وهو يناظرها بعدم استيعاب، ونزل نظره لبطنها ومرر يده بكل حنية على بطنها، وبعدها سحبها له يضمها لصدره بكل قوته. غمضت سَمَق عيونها وهي تستنشق من رائحته ما يملأ رئتها، وهي تحس أنها تنتشي في كل مرة تشم ريحته اللي صارت دواء لروحها وتنعشها في كل مرة.

بدأ آصِف يوزع قبلاته على خدها وعيونها وثغرها. ومن بعدها نزل لبطنها وقال بصوت راجف من الفرحة: أنتَ هنا يا روح أبوك؟ يا ويل حالي ويلاه. بدأ آصِف يقبل بطنها ويمسح عليه. وسَمَق دموعها تنزل على خدودها وهي فرحانة من فرحته وهي تشوف اللمعة القوية في عيونه ورجفة يدينه وهو يمسح على بطنها بكل حنية. رفع رأسه ومسك وجهها وناظرها بعيون لامعة وقال لها: الله لا يحرمني منش يا فرحة سنيني وحياتي.

تقوست شفتاها وهي تتقدم منه وتضمه وتدفن وجهها في عنقه تستنشق رائحته اللي صارت بالنسبة لها إدمان يمشي في عروقها. وانتهت هذه الليلة بالفرحة اللي عاشتها قلوبهم وحنان وزعوه على بعضهم الآخر، وتشاركوا الفرحة مع قطعة من قلوبهم صارت في أحشاء سَمَق. وقرر آصِف أنهم يؤجلون السفر لبعد ولادة سَمَق. *** ومر شهر رجب وشهر شعبان. وأقبل عليهم شهر رمضان المبارك.

في رمضان كانت في عادة حلوة وجميلة في حايل، وهي أنه يتم تغيير رمل المسجد وتجديده وتزويده بقرب الماء. وأضاف أن الاستعداد الآخر كان متعلقًا بالعادات، وأبرزها كان شراء حبوب القمح التي كانت تعد منها عدة وصفات وأكلات مختلفة، وتقدم على الإفطار وتوزع كذلك لعابري السبيل. كما كان هناك عادة جميلة في صنعاء أيضًا في رمضان، وفي عاداتهم الاهتمام باليتيم اقتداءً برسول الله صلى الله

عليه وآله وسلم القائل: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة.. الخ". ويسعون إلى مساعدة الفقير فيعطونه من أفضل ما لديهم عند كل وجبة لكسب الأجر، وإذا أعسر أحدهم ساعدوه بقدر استطاعتهم، وإذا مرض زاروه وخففوا عنه، وإذا غاب شخص عن فرض من فروض الصلاة سألوا عنه، واطمأنوا عليه.

مرت أيام شهر رمضان لطيفة على الجميع، وكانت شهلاء من بداية شهر رمضان المبارك معتكفة على سجادتها تدعي الله وتذكره وتدعي الله أن يرجع لها ولدها آصِف بالسلامة ويحنن قلبه ليرجع، لأن الشوق بلغ مبلغه عندها. أما سَمَق فكان شهر رمضان هذا من أثقل الشهور عليها، بسبب حملها ولأنها أصبحت في شهرها الخامس فكان متعبًا عليها جدًا، لكن آصِف ما تركها ولا لحظة وكان يبحث عن راحتها في كل شيء ويوفر لها كل حاجة تحتاجها.

أما رضيه وبسمه كانوا شايلينها على كفوف الراحة فعلًا ومهتمين بأدق تفاصيلها وخايفين عليها وعلى اللي في بطنها، وكل شيء تتمناه أو تشتهيه كانوا على طول يطبخون لها محبة فيها ومحبة في ولدهم آصِف. كانت سَمَق مشتاقة لأهلها شوقًا كبيرًا، وكانت تشوف آصِف كيف يدعي لأهله في كل صلاة وفي كل فرض ويدعي لأمه ويدعي لبرهان ويدعي الله أنه يحفظ له سَمَق، ويقومها بالسلامة هي واللي في بطنها وييسر لهم طريق السفر والعودة إلى حائل.

والشوق بلغ مبلغه الكبير في قلوبهم لبعضهم الآخر ومع أهلهم في حائل ولأجوائهم هناك، برغم محبتهم لأهل صنعاء وبرغم راحتهم عندهم، إلا أن الشوق إلى حائل ازداد فيهم وفي كل مرة يتمنون أنهم يرجعون في أقرب وقت. لكن الحمل كان هو الوحيد العائق أمامهم واللي موقفهم عن السفر!

ومرت ليالي رمضان المبارك والليالي الفضيلة وصارت الأيام الأخيرة في شهر رمضان، وشهلاء أصبحت في حالة جيدة لكن الشوق لآصِف هو الشيء الوحيد اللي متعب لها ومضيق حالها. أما برهان فكانت حالته هو وسمو في استقرار ومرتاحين مع بعضهم الثاني، لكن الشوق لأخوه كان هو الشيء الوحيد اللي مخرب عليه ومنغص عليه حياته، فكان ما يقدر يجلس على سفرة دون ما يتذكر آصِف ويحس بغصة في قلبه، لأن آصِف غير موجود معهم لأول مرة في هالرمضان.

وراحت ليلة وجت ليلة بعدها، لين صارت الليلة الأخيرة في شهر رمضان وبكرة "عيد الفطر المبارك." تجهيزات العيد في صنعاء: فقبل العيد بدأوا تزيين البيوت المعروفة بطرازها المعماري الفريد وتطلى بالجص الأبيض إذا لزم الأمر أو بالخضر (وهو خلاصة القضب مع الماء بعد دكه) ، ويتم طلاء الدرجان (جمع درج)

والقيعان بأسلوب منظم وتغسل المفارش وتنظف البيوت من الغبار، وتهتم الحرمة بإخراج حاجة البيت من الحنطة في شهري ذي القعدة والذي يسمى شهر الطحين، ويتم إعداد الكعك والكبان وهو من الذرة الشامية، والتوهم الشبيه باللوز بعد غليه بالماء لإزالة قبابته، ثم تذهب النساء مع البنات إلى الحمامات الشعبية للاستحمام في أيام خاصة بالنساء، وفي ليلة العيد تنظف أبواب البيوت وترش الأرضية بالماء، ثم تتخضب النساء بالحناء في الأيدي والرجول وتنتقش الصغيرات بالخضاب، وبالنسبة للرجال يقومون بشراء اللوز والزبيب والدخش والسكريات وكذلك التوابل والبهارات الخاصة بالأخاصي، ثم يذهب الآباء مع أبنائهم إلى الحمامات الشعبية للاستحمام في الأوقات الخاصة بهم.

كانت سَمَق تتحنى مع رضيه وبسمه ويتجهزون، أما الحمام البخاري فرفضوا ذهاب سَمَق معهم لأنها حامل وممنوع تدخله. خلصوا يجهزون سَمَق وانسدحت بتعب وهي تمسح على بطنها اللي كبران وهي تحس باللي في بطنها يرافس. تنهدت منه وهمست: "يا وَغَد اهجد! ضحكت بسمه وقالت: "من الآن أقول لش الله يعينش شكله مشاغب مثل أبوه." ضحكت سَمَق بخفة وهي تمسح على بطنها تهدي حركة الجنين. لكن سرعان ما اتسعت عيونها وهي تسمع الأطفال وينشدون في الشارع:

"العيد عيد العافية عيد السعادة والقبول والعيد عيد العافية عيد الهريش الدافية" سَمَق بتفاجأ: "وش ذا! بسمه بفرحة: "بيطلقوا مدفع العيد يا سَمَق." سَمَق فزت بسرعة مع بسمه وراحوا للدريشة يشوفون إطلاق المدفع إعلان بأن العيد بكرة. وبدأوا الأطفال يشعلون النار من مخلفات الحطب التي جمعوها، وقرعوا الطبول وداروا حول النار فرحين مرددين أهازيج معينة خاصة في العيد. لمعت عيون سَمَق وقالت: "يا عمري أنا." بسمه مسحت

دموعها من الفرحة وقالت: "يا ليت وعاد احنا صغار نخرج معهم." ابتسمت لها سَمَق وناظرت الصغار اللي صاروا يتنقلوا من شارع إلى آخر وبأيديهم المباخر المصنوعة من الطين وعليها بعض الجمر والبخور وينشدون: "العيد عيد العافية عيد السعادة والقبول والعيد عيد العافية عيد الهريش الدافية" بعدها رجع كل منهم إلى بيته يجهزون ملابسهم لبكرة. ورجع آصِف ومعه ثوبه الجديد وباقي ملابسه اللي توه ياخذهم، أما سَمَق تجهزت مع بسمه في نصف رمضان.

استقبلته سَمَق بابتسامة وقالت: "شفت الوغدان يا آصِف؟ آصِف بابتسامة: "أيوه شفتهم." سَمَق ناظرت أغراضه وقالت: "هات خل أعلقهم." آصِف بابتسامة قال: "غمضي عيونش." سَمَق عقدت حواجبها باستغراب: "شنوح؟ آصِف بابتسامة: "غمضي وبتعرفي." غمضت سَمَق عيونها وطلع آصِف غرض من بين أغراضه وقال: "افتحي عيونش." فتحت سَمَق عيونها واتسعت عيونها وابتسامتها وهي تشوف ثوب صغير الحجم وقال آصِف بضحكة وعيونه تلمع: "أول كسوة عيد لابني."

ضحكت رضيه وبسمه بمحبة له و سَمَق سحبت الثوب الصغير وهي تحضنه وتقبله: "يا عمري يا بعد حيي وميتي يا ويل قلبي وش ذا الصعنون يا آصِف." ابتسم آصِف بمحبة وهو يقبل رأسها وقال: "عيب كل العيال يتكسوا وابني ماشي! ضحكت سَمَق بحب وهي تحضن الثوب لصدرها. أما في البيوت الثانية فكانوا بعض الأطفال ينامون وهم لابسين الثياب من الفرحة، والبعض الآخر ينام وملابسه بجواره من شدة الفرح. أما في حايل:

فكان الوضع مشابه والتجهيزات سارية. وكانت في حايل عادة أن النساء يغسلن رؤوسهن بورق الطلح قبل العيد والكل أخذ ملابسه اللي فصلها، وينتظرون صباح العيد. ولما أصبح العيد: تجهز الجميع بملابسه وانبهر آصِف بـ سَمَق ولبسها وبطنها اللي كان مخليها بشكل آخر، وسلم عليها آصِف بمحبة ونزل يصلي مع الرجال صلاة العيد.

صلى الناس صلاة العيد، وسلم كل منهم على الآخر بعد صلاة العيد وعادوا إلى بيوتهم وشربوا القهوة وأكلوا السبايا المرشوش بالسمن البلدي وبعض الكعك والزبيب، ولبس الأطفال ملابسهم وسلموا على آبائهم "في الركبة" احترامًا وطاعة، وتسالم الأخوة وأعطى الأب العيدية لكل منهم "العسب" لأطفاله باعتبار ذلك فاتحة خير وبركة للأطفال وإسعادهم، ثم انطلق الجميع لزيارة الأقارب والأرحام، وتقديم العيدية اللازمة، وبعد ذلك عاد الأطفال وهم في قمة السعادة من العيدية اللي جتهم، ومما امتلأت جيوبهم من الكعك والزبيب والسكريات.

ومن ضواحي صنعاء جاءت بائعات الورد البلدي والرياحين والشذاب والمشاقر يفترشن الأسواق الشعبية في باب اليمن وباب شعوب وباب السباح، وغيره من أسواق صنعاء بنظام فطري عجيب، وكذلك بائعات البلس بنوعيه العربي والتركي، والفرسك بنوعيه الحلاسي وغيره، والمشمس والسفرجل الهندي وغير الهندي، والعمبرود الصغير "الكمثرى" والعنب واللبن، والسمن، والدجاج، والبيض البلدي موضوعة في سلال وأغطية من القش والحصير حفاظًا على البيئة.

وبدت أجواء العيد تشتد في الحماس. في حايل: كانوا كلهم مجتمعين في بيت حامد "أبو سمو" بما أنه الكبير والشيخ رشيد موجود فيه. وطلع الشيخ رشيد لصلاة العيد ومعه عياله وأحفاده، وبعد ما انتهوا من صلاة العيد طلع الشيخ رشيد وبدأ يوزع العيدية على كل الأطفال الموجودين في الديرة. ودخل برهان باللحمة لبيت خاله وطلعت له سمو تاخذها منه ومسك يدها وهمس لها: "وش هالزين يا سمو؟ تبين تهبلين فيني أنتي!

ضحكت سمو بخجل وقالت: "برهان البيت مليان ناس لا يشوفونا توكل على الله رح للرجال." برهان غمزلها: "عيديتي باخذها بعدين." ضحكت سمو وقالت: "رح رح الله يستر عليك." طلعت شهلاء وهي مبتسمة وقالت: "برهان! رفع برهان نظره لها بابتسامة وابتعد عن سمو وتقدم من أمه يحتضنها ويقبل رأسها: "لبيه سمّي؟ شهلاء بابتسامة حنونة: "أبيك تذبح وتتصدق فيهم على نية إن الله يرجع أخوك لنا في هالأيام." ابتسم برهان بحنين وقال: "أبشري أبشري."

شهلاء تنهدت وقالت: "الله يرجعه بالسلامة هو و سَمَق ويحفظهم." برهان: "الله يحفظهم، يالله أنا طالع تامرون على شيء؟ سمو: "سلامتك يا حيي." شهلاء بابتسامة: "سلامتك يا أمي لا تنسى اللي قلت لك علاو." برهان: "على خشمي والله إن تبشري." شهلاء: "الله يطول لي بعمرك." برهان: "ويّاتس." ناظر سمو وقرص خدها بابتسامة وطلع برهان من البيت وهو راجع للرجال. وشهلاء ناظرت سمو بمحبة ودخلوا الثنتين راجعين للحريم. اليوم التالي:

في اليمن بدأوا الناس يتجهزون للسفر للحج، وجاء سَمَق خبر عنهم وجلست وهي تبكي وهي تحس أنها اشتاقت لأهلها وما عاد تقدر تتحمل أكثر بعدهم، فقررت تصر على آصِف يسافرون مع اللي بيحجون. وأصرت سَمَق بشكل كبير على آصِف وبرغم رفضه خوفًا عليها لأنها حامل، إلا أنها كانت مصرة بشكل كبير وتبكي وتترجاه مما خلاه ما يقدر يرفض وأعلن للجميع أنهم مسافرين مع الحجاج.

وحزنت بسمه ورضيه على فراقهم وأنهم بيتركونهم ويسافرون لكن ما يقدرون يعترضون لأن من حق سَمَق ترجع وتشوف أهلها. ولكن الجميع خائف عليها وعلى اللي في بطنها. وخلال يومين قدر آصِف أنه يشوف لهم جيب يسافرون فيه لين نجران، ومن نجران بيشوفون أحد هناك يوصلهم لين وادي الدواسر وبياخذون الناجد وبيطلبون من فيصل أنه يوصلهم لين حايل وأكيد ما بيرفضون لأن سَمَق حامل وأكيد بيقبلون بسرعة.

وجاء وقت الوداع "لليمن السعيد" وصار وقت الرجوع إلى "عروس الشمال" اللي غابوا عنها كثير، واشتاقوا إليها مثل ما هي مشتاقة إليهم.

ومع شروق يوم السبت كان آصِف وسَمَق واقفين في وسط البيت يودعون رضيه وبسمه وهم مستعدين للانطلاق في رحلة سفرهم الثانية عودة إلى أرض المملكة في شمالها إلى عروس الشمال. كانت رضيه تبكي وهي تودعهم وتتمنى لو يطول الوقت أكثر ويبقون عندها لأنها تعلقت فيهم بشكل فظيع، وما عاد تقدر تفارقهم وكذلك متلهفة أنها تشوف النونو الصغير، ولكن مثل ما شاءت الأقدار أنهم يجونها ويزورونها كذلك شاءت الأقدار أنهم يعودون إلى أرض حائل.

قالت رضيه وهي تحتضن سَمَق: "انتبهي على نفسش أنا فدالش واهتمي بروحش قوي وانتبهي على اللي في بطنش لا يوقع فيه شيء، الله يهديك ليت والله وأنتي جلستي لو ما تولدي بعدين تخطوها براحتكم!

قالت سَمَق: "كثر الله خيركم يا خالة ويشهد الله إنكم ما قصرتوا معي ولا مع آصِف طول الأيام الماضية، مير يا خالة الشوق زاد عندي وما عاد أقدر أفارق أهلي أكثر اشتقت لهم اشتقت لأمي وأبوي إخواني وديرتنا ما عاد أقدر على فراقهم أكثر، وأنتوا يشهد الله إن لكم مكانة في قلبي ما أنساها لين أموت، والأيام اللي قضيتها معاكم إنها من أسعد أيام حياتي وشرفني كثير إني عرفتكم وكانت من أجمل الأيام ومن أجمل الصدف في حياتي إني شفتكم وتعرفت عليكم."

قالت بسمه بدموع: "والله احنا اللي تشرفنا بمعرفتش وليت والله وأنتي تجلسي معانا أكثر ومع ننساش أبدًا والله يوفقش أنتي و آصِف ويحفظش ويقومش بالسلامة إن شاء الله، أنا أفدالكم ارجعوا لنا مرة ثانية عنفقدكم قوي والله! احتضنتها سَمَق وهي تبكي وقالت: "وأنا والله إني بشتاق لكم كثير يا ليت المسافات تصغر ويا ليت المسافة اللي ما بيننا تختفي! تقدمت رضيه من آصِف وهي تسلم عليه وتودعه وقالت:

انتبه عليها يا آصِف، انتبه عليها من البرد ولا تخليها تخطى قوي وتمشي، لا عاد تصير تنزل هذا اللي في بطنها. وانتبه لها لا تجوع ولا تعطش، أنا فداك، انتبه عليها في الطريق. قال آصِف: أبشري ولا يهمش، والله إني بنتبه لها أكثر من روحي. قالت رضيه وهي تبكي:

استودعتكم الله حافظ كل وداعة، ودعتكم الله الذي لا تضيع ودائعه، ودعتكم الله هو حافظ حفيظ. ودعتكم الله، الله يعينكم في طريقكم ويحفظكم ويوصلكم بالسلامة، أنا في جوار رب العالمين يحفظكم ويخليكم لنا.

بكت سَمَق من بكائها وتقدمت تسلم عليها وتحتضنها وتودعهم، وكانت هذه اللحظات جدًا صعبة على آصِف وعلى سَمَق وعلى رضيه وعلى بسمة، وودعوهم وطلعت سَمَق متوجهة للجيب اللي صار جاهز وصارت كل أغراضهم فيه، وسَمَق تبكي ورضيه وبسمة يناظرونها من الباب ويلوحوا لهم بيدهم ويبكون. توجه آصِف لزوج خالته وعيالها وهو يودعهم ويسلم عليهم، وهم يوصونه على نفسه وعلى زوجته، وأنه ينتبه لعمره في الطريق ويهتم بنفسه ويعيد الكرة ويجيهم مرة ثانية.

ودعهم آصِف جميعًا وألقى بنظرة أخيرة على بيوت صنعاء وعلى الجامع الكبير وعلى الأزقة الضيقة وعلى البيوت الشاهقة الطول، وتنهد وتوجه للجيب وهو يودعهم بيده. دخل آصِف للجيب وأغلق الباب وناظرهم نظرة أخيرة وهو يودعهم بيده وبنظراته، وأغلق الباب وتحرك الجيب طالع من صنعاء القديمة. وطلعوا من صنعاء القديمة.

ويد سَمَق على بطنها وهي تناظر من الدريشة للبيوت وللأماكن والأراضي اللي عاشت فيها أجمل الشهور، أما آصِف فكان ساكت ويناظر مثلها ويتأمل هذه الأرض. والرجال اللي يسوق كان يسولف مع آصِف ويكلمه، بس آصِف ما كان حوله أبدًا. عينه على الأراضي ويفكر في لحظة اللقاء ما بينه وبين أخوه وأمه. في حائل. كانت سمو وبرهان طالعين للمرعى يتمشون ويغيرون جو من جوهم في البيت وكتمته.

وشافوا واحد قاعد يراكض بين البيوت، هو يمشي حفيان وحالته متبهدلة ويضحك ويصفق وحالته جدًا مزرية. تنهدت سمو وقالت: هذا محمد؟ قال برهان: إيه هذا هو، من يوم ما قتل أبوه وهذا حاله. قالت سمو: حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا جزاه اللي يتصرف تصرفات خارج عن دينه وعن اللي كتبه له الله عز وجل.

برهان سكت وهو يتذكر اللحظات اللي عاشها في بُعد أمه وكيف كان يتعذب ويشوف شلون هو الحين مرتاح أنها صارت بخير ورجعت شهلاء القديمة اللي ملتزمة ومحافظة على صلاتها وعلى وردها اليومي، وكذلك رجعت شهلاء الطيبة الحنونة الكريمة اللي تبدي الناس على عمرها.

أما بالنسبة لسلوى والريم فكانوا مرتاحين جدًا في بيتهم الجديد، بغض النظر عن اللي صار كانت سلوى دائمًا تحاول تلاحظ ولدها وتحاول أنها تأخذه عندها، لكنه يرفض يقعد في أي مكان مغلق ودائمًا يمشي بين البيوت في الأماكن. حمدت الله وشكرته على كل شيء وعلى كل اللي قدر لها.

وشافت في حامد الولد البار اللي ما يرفض لها طلب واللي ما يقصر عليها ولا على بنتها بأي شيء، وفعلاً عوضهم عن كل الأيام الماضية، ودائمًا ما يجيب محمد ويجيبه عندها ويحاول أنه يخليه معاه ويخليه يلاحظ عليه ويخلي عينه عليه إلا أنه صار ما عاد فيه عقل أبدًا وصار إنسان مريض، وبرغم هذا كله إلا أن سلوى تحمد الله لولدها أنه ينجن ولا يوصل للحالة اللي وصل لها أبوه ويدخل في الشرك والظلم.

أم الترف فكانت في بداية حملها وكان أدهم مهتم فيها كل الاهتمام وفرحان فيها، وقلبه صار متعلق فيها بشكل غير طبيعي وما عاد صار يقدر أنه يفارقها ولا يجرحها بأي كلمة ولا ينقص عليها بأي شيء. أما بدرية. فكانت في بيتهم وكل تفكيرها كان في فهد وفي محمد وفي اللي صار لهم بسبب ظلمهم وأنانيتهم وتفكيرهم السوداوي، فصار هذا الشيء مصدر رعب لها وصارت تراجع حساباتها كل ما فكرت بشيء.

وتذكرت شلون أنها فكرت في يوم من الأيام أنه أول ما يرجع آصِف تعمل له سحر وتأخذه من سَمَق. إلا أن اللي صار مع فهد أرعبها وأفناها عن اللي بتسويه ومسح الفكرة من بالها تمامًا وصارت تحاول أنها تتأقلم على الحياة اللي هي تعيشها، وحاولت كثير أنها تبتعد عن المشاكل وعن أنها تضر الناس.

خوفًا من أن اللي صار مع فهد ولده يتحول عليها، وأخذت اللي صار لهم عبرة ودرس عشان تستفيد هي منه، وكانت من الناس اللي تستفيد من العبر وانثنت عن الشيء اللي كانت تبي تخطط له واللي كانت تبي تسويه، وقررت أنها تمسح هذه الأفكار السوداوية من نفسها وتعيش حياتها مثل أي بنت حياة طبيعية وتتعايش مع صديقاتها ومع أهل الديرة لين يجيها نصيبها وتطلع من بيت أخوها.

ومر ثلاث أيام على سفر آصِف وسَمَق، وكان السفر جدًا جدًا متعب لـ سَمَق بسبب الحمل وكان مرعب كذلك. لأن آصِف منعها تنزل من الجيب مهما كان خطورة الجبل عشان ما تتعب وتنزل اللي في بطنها، فكانت تتغمض عيونها من وقت ما يطلعون جبل لين ما ينزلون منه، وآصِف جنبها وحاضنها عشان ما تخاف أكثر. وأخيرًا طلعوا من حدود اليمن داخلين لحدود المملكة. وسَمَق تعبانة كثير بسبب السفر واللي في بطنها كل ما له يزيد في حركته أكثر ويتعبها أكثر.

قدروا أنهم يرتاحون في نجران لمدة يومين تستعيد فيها سَمَق قدرتها على السفر مرة ثانية. وقدر آصِف أنه يجهز لهم سيارة توصلهم لين وادي الدواسر لعند الخالة جوهرة ويأخذون الناجد ويكملون طريقهم إلى حائل، وهم مو مستوعبين أنهم ما بقى بينهم وبين حايل إلا عدة أيام ويشوفون أهلهم وترجع حياتهم الأولية بزيادة الأفراد فقط.

وفي طريقهم إلى وادي الدواسر كان آصِف جالس بجنب سَمَق ومحتضنها ويده على بطنها اللي كانت توجعها بسبب حركة النونو اللي مو راضي يوقف حركته وكأنه يشاركهم سفرهم مشين على الأقدام. همس لها آصِف وقال: وش فيه بن أبوه مو راضي يوقف حركته؟ ابتسمت سَمَق بتعب وقالت: هذا أنت قلتها ولد أبوه، طالع على مين غير على أبوه!؟ قال لها آصِف بنفس الهمس: دام أبوه آصِف وأمه سَمَق فلا تتوقعي يكون هادئ وراكد. ضحكت سَمَق بخفة وقالت:

في ذي صدقت والله. احتضنها آصِف مرة ثانية وهو يحاول أنه يسولف عليها ويكثر في السوالف عشان تلتهي بسوالفه عن التعب ويروح الطريق وينطوي بسرعة ويوصلون لوادي الدواسر ويرتاحون فيه عند الخالة الجوهرة اللي بتهتم في سَمَق وباللي في بطنها. وعلى أذان المغرب. وصلت السيارة لوادي الدواسر. وسَمَق خلاص وصلت لتعب كبير ورجولها ورمانة -وأنتم بكرامة وقال آصِف: وصلنا وصلنا تحملي تحملي وصلنا. سَمَق نزلت دموعها بتعب وقالت:

ما عاد أقدر أتحمل يا آصِف خلاص وقفوا. آصِف: ما بقى شيء وصلنا يا سَمَق، اهدئي شوي وبتوصلين وترتاحين على كيفش. سَمَق ببكاء: رجولي رجولي ما عاد أحس فيهم وبطني خلاص بينفجر. آصِف تنهد بحزن وهو يتمنى لو أنه يشيل عنها التعب قال: خلاص يا حبيبي اهدي وصلي على النبي، هذا احنا وصلنا داخل ديرتهم، اهدي شوية لا عاد يسمعش الرجال. هزت سَمَق رأسها بالموافقة ورجعت رأسها للخلف وهي تغمض عيونها بتعب ويدها على بطنها تمسح عليه.

وآصِف ماسك يدها وشاد عليها وهو يهديها ويطمنها أنهم وصلوا لديرة الجوهرة. وقف صاحب السيارة وناظرهم وقال: هنا؟ آصِف ناظره بحدة فانتبه الرجال وصد بوجهه بسرعة واعتذر من آصِف ونزل آصِف من السيارة وساعد. سَمَق تنزل وشكر الرجال وحاسبه بكل مستحقاته ونزل الأغراض وانتبهوا لهم الرجال وعرفوا آصِف على طول. وبدأوا يرحبوا فيه وجاء فيصل بسرعة وهو يحتضن آصِف ويرحب فيه ويتحمد له على السلامة.

استقبلهم استقبال حافل وكان استقبال جميل وبعدها قال لهم آصِف أن زوجته تعبانة وبيدخلها للحريم فركض سويلم وهو ينادي على عمته الجوهرة بيعلمها أن بنت الشمال جاءت وطلعت الجوهرة غير مصدقة ودموعها تنزل من الفرحة وشافت سَمَق واحتضنتها ورحبت فيها وتفاجأت أول ما شافتها ببطنها الكبير ودخلتها للبيت وجاءت زوجة فيصل شهد وجاءوا الحريم يسلمون على سَمَق ويرحبوا فيها من جديد ودخلت البيت الجوهرة وجلست وهي تعبانة ومع ذلك تحاول أنها تجامل وتكمل معهم في السوالف برغم تعبها.

لين قالت الجوهرة: خلاص الله يسلمكم البنت تعبانة ما تشوفونها، خلوها شوي ترتاح. شهد وأنا أمك يا شهد روحي جيبي لها شيء تاكله وجيبي لها مويه. فزت شهد وقالت: أبشري يا عمة الحين جاية. قالت سَمَق بتعب: تسلمون ولا تتعبون حالكم ولا تزعجون أعماركم ما ناقصني شيء الله يسلمكم ويعافيكم. الجوهرة: يا بعد عمري أنتِ يا سَمَق، شلونك يا بعد تسبدي، أخبارك يا أمي عساك بخير وطيبة وألف مبروك ما شاء الله تبارك الرحمن هذا أنتِ حامل!

ابتسمت لها سَمَق وقالت: إيه والله ما ندري وشلون كذا فجأة. ضحكت الجوهرة وقالت: والله الله يعينك ويقومك بالسلامة يا بعد روحي أنتِ. سَمَق: وأنتِ الله يسلمك والله العظيم اشتقت لك وحشتيني يا خالة. قالت الجوهرة: يا جعلني ما أذوق ضيمك. والله إني اشتقت لك من بعد ما رحتي وفقدتك وطول وقتي ومع كل فرض أصلي وأدعي لكم أن الله يسهل أموركم. سَمَق:

الله يسلمك يا خالة ويطول بعمرك، والله إن احنا تيسرت أمورنا أبشرك وسفرتنا كانت سهلة الحمد لله، وصلنا اليمن وكان أهلها طيبين وحليلين وعشنا معهم طول ذا الشهور الحمد لله وكأننا انولدنا بينهم. الجوهرة: الحمد لله الحمد لله عاد أن سفرتكم تيسرت وما شاء الله عليهم، والله أنهم حنينين ووصيتهم في كل مكان واللي يعيش بينهم كأنه بين أهله ما كأنه بين ناس ما يعرفهم يرحبون فيك ويخلونك بعيونهم. قالت سَمَق:

إيه والله إنك صادقة يا خالة وأنا جربت الشيء وما قصروا علي بشيء الله يسلمهم ويذكرهم بكل خير. الجوهرة: أنتِ طمنيني عنك وشلونك، هذا شهرك الكم؟ قالت سَمَق: توني داخلة بشهري السادس. قالت الجوهرة: يا بعد عمري أنتِ الله يقومك بالسلامة ويحفظك ويحفظ مولودك، ما كانكم طولتوا جيتوا بسرعة؟ قالت سَمَق: إيه والله إني اشتقت لأهلي عاد وما عاد قدرت أصبر أكثر، وآصِف بعد اشتاق لعمتي واشتاق لأخوه برهان وخلاص طالت المدة.

جو وغيرنا جوّنا واكتشفنا ناس كثير وأماكن كثيرة وسافرنا والحمد لله الحين عاد نبي نرجع. قالت الجوهرة: الحمد لله وما شاء الله عليكم الله يخليكم لبعض وييسر أموركم ويطول بأعماركم ويحفظكم ويحفظ لكم هالصغيرون عسى الله يطول بعمرك ويقومك بالسلامة ويخرجه الخرج الصحيح وسالم. قالت سَمَق: اللهم آمين وأنتِ الله يطول لنا بعمرك يا خالة، والله إني من يوم وصلت نجران وبالي عندك أنتِ والله إني اشتقت لك وتمنيت لو أنك هناك وتلاقينا.

الجوهرة: يا بعد عمري أنتِ والله لأخليك في عيوني، هذا أنتِ وصلتي وإن شاء الله ما يجيك إلا كل خير وترتاحين وتطولين بالك ومن بعدها كملوا طريقكم، لكن والله المهم الحين أنكم تقعدون عندنا وترتاحين لا عاد يصير بولدك شيء. سَمَق: الله يكثر خيرك ويطول بعمرك يا خالة. قالت الجوهرة: خليني أجيب لك شيء تأكلينه وتريحين ومدي رجلك يا بعد روحي مدي رجلك شوفيها كيف ورمانة. سَمَق مدت رجولها وهي تمسح على بطنها اللي صار يوجعها.

قامت الجوهرة وطلعت وهي تجهز لسَمَق شيء تأكله، وتجلب القهوة وترحب فيها أشد الترحيب. أما آصف، فكان الاستقبال عند الرجال كبيرًا جدًا، وفرحوا فيه وتحمدوا له على السلامة، إلا سويلم الذي كان ضائقًا لأنه سيفارق الناجد الذي صار جزءًا منه وتعود عليه. وقف فيصل وطلع ليجلب العشاء والقهوة وهو يرحب بآصف ويتحمد له بالسلامة.

جلسوا معه يسألونه عن سفره وكيف كان، وآصف يشرح لهم ويعلمهم عن كل شيء عاشه هناك، وعن الطريق وعن تجارته، وهم جدًا مستمتعون له وفرحون لرجعته. علمهم آصف أنه سيصبح أبًا عن قريب، وفرح له فيصل وبارك له، وبارك له الرجال وتقدموا كلهم على العشاء. كان بال آصف عند سَمَق، وهو قلقان عليها وخائف أن يصيبها شيء هي ولا الذي في بطنها.

بعدما خلصوا عشاءهم، نامت سَمَق وهي تعبانة، وما أحبت الجوهرة أنها تطول عليها بالسوالف وتركتها ترتاح وتنام وهي تدعي لها أن الله يحفظها ويحفظ لها ولدها. أما آصف، فما قدر ينام وهو قلقان عليها، كان يبي يتطمن عليها بس ما عرف وشلون. *** في حائل، كانت شهلاء في غرفتها القديمة جالسة على سجادتها وتدعي الله أنه يحفظ عيالها ويجمعهم عندها، ويطول بأعمارهم ويبعد عنهم كل شر ويخليهم لها ولا يفجعها عليهم.

وكلما تذكرت فهد والذي سواه فيها، تحس أنها ودها تدعي عليه بكل دعوة، لكنها تتراجع وتقول: "الله أعلم فيه وهو اللي بيجازيه." عند برهان وسمو، كانوا في غرفتهم سهرانين يقرأون الرسائل التي كان برهان يكتبها لسمو، ويضحكون على المواقف التي صارت بينهم، وكل واحد منهم يعلم الثاني عن شعوره كيف كان في لحظتها.

وسمو تشرح له عن كيف كانت في طفولتها تراقبه، وكيف كانت عينها عليه في كل لحظة، وبرهان يحس أنه في سعادة كبيرة تغمر قلبه بسبب كلامها. *** اليوم التالي، صحى آصف من النوم وتقهوى هو والرجال وأفطروا، وطلب من فيصل أنه يشوف الطريق عشان يتطمن على سَمَق ويشوف كيف حالها اليوم. راح فيصل لبيت عمته الجوهرة وقال لها إن آصف يبي يشوف زوجته، وعلى طول بدأت الجوهرة تجهز لهم مكان يجلسون فيه في واحدة من الغرف.

بينما راح فيصل يشوف لآصف طريق، طلب آصف من سويلم يأخذه للناجد. وهو يحس أنه اشتاق له. أخذه سويلم لمحل الإسطبلات، وكانت الغصة في قلب سويلم أنه سيفارق الناجد، ولاحظ هالشيء آصف، ولاحظ سويلم متعلق بالناجد بشكل كبير من حزنه على مفارقته. وصل آصف للإسطبل وأول ما شاف الناجد صفر له بصوت مرتفع والناجد رفع راسه. ضحك آصف بفرحة وقال: "هلا هلا بالناجد الملبّي، هلا والله."

ضرب الناجد بحوافره في الأرض وانطلق بسرعة متجه لآصف، وآصف يضحك بفرحة وركض له بسرعة واعتلى ظهره وبدأ يتحرك فيه حول المكان، وسويلم يناظرهم ويحس بغيرة أن ناجد عرف آصف بسرعة. نزل آصف من على ظهره واحتضن رأسه بشوق كبير وهو يحس أنه اشتاق له شوق ما يعلم به إلا الله، وطول الأيام الماضية تمنى لو أنه معه لأن الناجد هو رفيقه من طفولته إلى الحين.

اعتلاه مرة ثانية وبدأ يتحرك فيه وهو يحس أنه مشتاق للحركة عليه وأنه يدخل في سباقات مع برهان. بعد مدة بسيطة جاءهم فيصل وهو يضحك أول ما شاف وجه أخوه مكشر، وعرف أنه تضايق أن آصف تذكر ناجد، بعدها قال وهو يأشر لآصف: "تعال طريقك جاهز." نزل آصف من على الخيل وهو يضحك وقال: "يا إني اشتقت له والله العظيم شوق غير طبيعي." ابتسم فيصل وقال: "أنا أشوف والله أن في ناس تضايقوا من الموضوع ومن شوقك ذا للناجد." ضحك آصف وقال:

"يبشر بالعوض مير والله إن الناجد غالي علي وما أقدر أفارقه." ربت فيصل على كتف آصف وقال: "والله إن راسك هو العوض، خلك منه يا رجال، الإسطبل مليان خيول يختار له أي واحد وينقي." ابتسم آصف وناظر سويلم الذي ركض للناجد واعتلاه وتحرك فيه، وكمل طريقه ماشي مع فيصل متجه إلى بيت الخالة الجوهرة.

وصلوا بيت الخالة، دق آصف الباب وسمع صوت سَمَق تسمح بالدخول. ابتسم آصف وتذكر الموقف الذي صار ما بينهم قبل يسافرون إلى اليمن، وكيف أنهم كانوا يستحون من بعضهم الآخر وكانت علاقتهم جدًا سطحية وما بينهم أي شيء. دخل آصف وناظر سَمَق واقفة، وتقدم منها آصف بخطوات سريعة وجذبها لحضنه وهو يضمها. ابتسمت له سَمَق ودخلت معه للغرفة، وقبل ما تقول أي كلمة حصرها آصف على الجدار وتقدم من ثغرها يروي عطشه بقبلة طويلة.

ابتعد يوم حس أنها تحتاج أنها تتنفس، وناظرها بابتسامة وهمس: "هذه كانت في خاطري من زمان، من أول ما دخلت لهالبيت وجيت وسرقت منك واحدة من جبينك وبس." ضحكت سَمَق وتذكرت الموقف الأول وكيف أنهم كانوا خجلانين من بعضهم، وجلسوا الاثنين في الغرفة وقال لها: "شلونك اليوم إن شاء الله إنك بخير؟ قالت سَمَق: "أبشرك الحمد لله بخير، مير ولدك ذا بسم الله عليه حركي بزيادة." ضحك آصف وقال:

"الله يوصله بالسلامة ويطلع ويتحرك في كل مكان وين ما يبي." ابتسمت سَمَق وهي تمسح على بطنها وهي تحس بحنية كبيرة للي في بطنها، بعدها قالت: "أنت شلونك أكلت ولا لا؟ قال آصف: "ما عليه كل شيء الحمد لله، المهم أنتِ اهتمي في نفسك وفي ولدنا، وأنا بشوف شلون نضبط وضعنا نوصل لحايل في هالّيومين وإن شاء الله ما يصير إلا كل خير." قالت سَمَق:

"إي آصف تكفى حاول بقدر الاستطاعة إنه نروح بسرعة، لأني والله ما عاد أقدر أصبر، اشتقت لهم بشكل كبير ودي نرتاح وخلاص ونقعد." ابتسم لها آصف وهو يمسح على بطنها: "يومين شوي كذا ونتوكل على الله." قالت سَمَق: "لا تخاف علي أنا إن شاء الله إني بخير، والتعب هو كذا كذا قاعد، لذلك خلينا ننجز يا آصف، ونوصل بسرعة لحايل ونستقر ونرتاح مرة واحدة." قال آصف:

"خلاص أجل والله إنك تبشرين، بكرة إن شاء الله الصبح نتحرك لحايل، وأنا قسم بالله إني اشتقت لأمي وبرهان ولحايل ولجدي والخوالي واحد واحد كل الديرة كلها ولدكّلنا وكل شيء فيها." ابتسمت وقالت: "تتخيل معي وش بتكون ردة فعلهم لو شافوا بطني؟ قال آصف بابتسامة: "يا ويل ويلي والله إن هذا الشيء هو اللي قلبي متشفق عليه يوم أشوف فرحتهم فينا." قالت سَمَق: "تتوقع لو كان ولد وش بنسميه؟ قال آصف بضحكة: "لا ولد سميناه."

ابتسمت سَمَق وهي تمسح على بطنها بمحبة وفرحة، وآصف كل شوي يسحبها لحضنه ويضمها. قالت سَمَق بفرحة: "تحرك تحرك شوف! ابتسم آصف ونزل لمستوى بطنها وانسدح في حضنها وأذنه على بطنها، وأحس بحركة الجنين وهو يرافس، وابتسم آصف بمحبة وبدأ يمسح على بطنها ويقبلها بين الفترة والثانية، وكل شوي يسولف عليه وكأنه يسمعه: "يا ولد ارقد يا ولد، وجعت أمك وتعبتها خلاص صلي على النبي واهدأ، لا طلعت تحرك كيف ما تبي."

وصادف أن بعد انتهائه من جملته رفس الولد رفسة قوية مما خلى سَمَق تصيح وهي تضحك. فقال آصف بضحكة: "تعاندني يا ولد أبوك؟ تعاندني أنا أوريك، خلك تطلع بس." ضحكت سَمَق من حوارهم ونزلت يدها وهي تمسح على شعر آصف وتلعب فيه وتخلل يدها وأصابعها داخل شعره، وهو مبتسم ومحتضنها بكلتا يديه، وكل شوية يقبل بطنها ويسولف على الجنين وكأنه يسمعه، وسَمَق تضحك عليه وعلى مزحه المتواصل المحبب لقلبها. ***

وجاء وقت الظهر، وتغدوا عند الرجال وجلس آصف هو وفيصل، وخطرت في بال آصف فكرة وقال لفيصل: "يا فيصل تقدر تشوف لي سيارة منا ولا مناك أبي أشتريها هالّيومين؟ قال فيصل: "والله لو تبيها الحين إنك تبشر." قال آصف: "وشلون؟ فيصل بهدوء: "أبد أنا وياك ناخذ الجيب ونتوكل على الله، الرياض هي قريبة مننا ما بينا وبينها إلا شوي، وصلت أخذت لك السيارة اللي أنت تبيها واللي في خاطرك، ورجعنا لوادي الدواسر وتعلمت عليها." قال آصف:

"لا، إلا أبي آخذ أهلي وأغراضنا ونتوكل على الله معك للرياض، ومن الرياض أبي آخذ لي سيارة وبتعلمني عليها وشلون أتصرف فيها وأحركها، ومن بعدها أبي آخذ أهلي ونتوكل على الله لحايل على طول إذا ما عليك أمر." قال فيصل: "أبد والله إنك تبشر بالّلي تبيه." قال آصف: "الله يطول عمرك ويخليك يا رجال ما تقصر والله والنعم بك، من يوم جيناك وأنت ما تقصر." قال فيصل: "أبد والله إنه واجبنا، ولو تبي أجيب لك اللي تبي لأنك والله تستاهله."

قال آصف: "كثر الله خيرك ويطول بعمرك ما تقصر، أبيض وجه." قال فيصل: "ودك نتوكل على الله الحين ولا بكرة؟ قال آصف: "لا والله إن ودي هالحين إذا ما عليك أمر، ولا بنزعجك ولا بنعطلك عن أشغالك." قال فيصل: "يا رجال ما بيننا، والله إنك تبشر، الحين بجهز الموتر وأشيك عليه وأجهزه، وأنت جهز أغراضك وأهلك وتوكل على الله، ما تصير الساعة 5:00 إلا وإحنا في الرياض." آصف:

"بيض الله وجهك وكثر خيرك ويطول بعمرك يا رجال ما تقصر، عسى الله يطول بعمرك، وأبشر إن شاء الله بالعوض وإنها مردودة لك يوم تزورنا حايل نحطك في عيوننا." فيصل بابتسامة: "كثر الله خيركم." آصف: "في أي وقت نورنا وتشرفنا." وقف فيصل وقال: "أجل أنا بضبط أمورنا ووضعنا وأشيك على الأمور ونتوكل على الله." وقف آصف وقال: "وأنا بشوف أهلي وأغراضنا وإن شاء الله ننطلق في الوقت المحدد." هز فيصل راسه بالموافقة وطلع يجهز وضعهم.

وآصف راح لبيت الخالة الجوهرة ونادى على سَمَق وطلعت له. سَمَق: "هلا." آصف: "قولي يا طويلة العمر بننطلق أنا وياك بعد ساعتين جاهزة؟ ابتسمت سَمَق حماس وقالت: "أكيد جاهزة متى بننطلق؟ قال لها آصف: "بعد ساعتين، وإذا أنتِ جاهزة الحين خلاص بنجهز الموتر ونتوكل على الله للرياض." سَمَق بحماس: "جاهزة جاهزة أغراضي للحين ما فتحتها." آصف: "أجل يلا جهزي نفسك أنتِ وأنا بشوف فيصل إذا جهز أغراض." هزت راسها ودخلت بسرعة للبيت.

راح آصف متجه لفيصل وشاف إن فيصل صار جاهز وجهز الموتر ومستعدين أنهم ينطلقون في سفرهم، فتوجه هو الثاني لسمق وشاف أنها بدأت تتجهز وأغراضهم صارت كلها جاهزة فبدأ ينقل الأغراض كلها لموتر فيصل ويجهزهم ويربطهم زين.

وبعدها طلعت سَمَق وهي تودع الخالة الجوهرة وتطلب منها أنها تزورهم في حائل، ووافقت الجوهرة أنها تزورهم في يوم من الأيام ووصتها تهتم بنفسها وباللي في بطنها، وودعتهم بدعواتها وطلعت سَمَق متوجهة لآصف وطلعت في الجيب وهي ماسكة بطنها بابتسامة، وتحركوا كلهم طالعين من وادي الدواسر متوجهين للرياض. وسَمَق مبسوطة أنها بتوصل لأهلها عن قريب وبتشوفهم وبترجع لحياتها طبيعية قبل في ديرتها وبين أهلها.

أما آصف كان متحمس جدًا لشوفة أمه وبرهان، وكان متحمس أيضًا للمفاجأة اللي بيسويها لبرهان وهي شراء سيارة لهم الاثنين. كانت الشهور الماضية بعنوان: "قد تكونوا بعيدًا عن نظري لكنكم لستم بعيدين عن فكري." وصلوا آصف وسَمَق وفيصل للرياض ونزلوا فيها، وشاف لهم فيصل بخبرته مكان يقعدون فيه ويرتاحون فيه لين يضبطون موضوع السيارة وموضوع السياقة يتعلمها آصف. ***

ومرت يومين واشترى آصف السيارة وبدأ يتعلم عليها وفهم كيف الطريقة، ورجع فيصل بعد ما تطمن أن آصف وسَمَق بيكونوا بخير. أما آصف وسَمَق فتحركوا في سيارتهم، ناويًا أنه يرجع مرة ثانية يأخذ الناجد من عند سويلم. مع شروق الشمس، كان آصف وسمق متحركين متوجهين لحايل وقلوبهم تسبقهم بنبضاتها، والتوتر ازداد للحظة اللقاء ما بينها وما بين أهلهم من بعد الغياب الطويل.

جاهلين عن أشياء كثيرة حصلت في حائل، وأهل حائل أيضًا جاهلين عن أشياء كثيرة صارت في اليمن. كانت سَمَق متوترة؛ لأن آصِف للمرة الأولى في حياته يسوق موتر، وأي غلطة منه بتؤدي بحياتهم الثلاثة هم وولدهم اللي إلى الحين ما شاف نور الدنيا. ولكن كان آصِف يسوق بكل حذر وعينه على الطريق بتمعن، ويسوق بكل تركيز، وسَمَق جالسة بجنبه في الأمام. في حايل: كانوا عايشين اليوم بكل هدوء في حياتهم الروتينية، ما يدرون عن اللي جايينهم.

أما سَمَق فكانت دقات قلبها متسارعة وهي منتظرة لحظة اللقاء مع أهلها. وآصِف ما كان أقل منها في شعوره وإحساسه، كان جدًا متوتر من اللقاء، ومثله بشكل فظيع لشوفة أمه وأخوه وديرته. وسَمَق تتأمل كل مكان مروا منه في رحلتهم الأولى، وكيف كان متعب الطريق بسبب أنهم مع قافلة وكل شوي يوقفون وكل شوي يوقفون في مكان، لكن السفر في السيارة أسهل بكثير وقطع لهم مسافات في وقت قياسي وسريع.

ما بين تأملهم للجبال والأراضي اللي يمشون فيها، فجأة صرخت سَمَق وقالت: "وقف وقف وقف يا آصِف بسرعة، بطني بطني يوجعني." وقف آصِف بخوف ولف لها وقال: "بسم الله عليكِ، وش فيكِ؟ سَمَق بتوتر: "ما أدري بطني توجعني! فقال آصِف: "جوعانة؟ تبين شي؟ شلون يعني توجعكِ؟ قالت سَمَق: "ما أدري ما أدري! تقدم آصِف منها وناظر بطنها وبدأ يمسح عليه: "وين يوجعكِ بالضبط؟ قالت سَمَق: "هنا من الجنب." آصِف بخوف: "لا يكون بتولدين بعد! سَمَق برعب:

"لا لا وين، توني في آخر الخامس." آصِف بقلق: "أجل وش فيكِ؟ سَمَق بلعت ريقها وقالت: "خلاص راح الوجع." تنهد آصِف براحة: "خوفتيني." سَمَق: "اكتنوه من التوتر." آصِف: "لا تتوترين، اهدئي." سَمَق هزت رأسها وقالت: "يلا توكل على الله." رجع آصِف لمكانه، عدّل جلسته وشغل السيارة وأكمل طريقه ووجهته ديرة الشيخ رشيد. في حائل:

جلس الرجال مع الشيخ رشيد في الخيمة وهم يسولفون مع بعض ويتقهون، والموضوع جدًا طبيعي وما يدرون من اللي جايينهم في الطريق. منخبصين مع السيارة الجديدة اللي فيها سَمَق، وكل شوية تصرخ يوقف. وآصِف بدأ يتوتر من صراخها، وكل شوي يوقف السيارة ياخذ نفس ويرجع يكمل سياقة من جديد مكملين طريقهم. وعلى الساعة 1:00 ظهرًا، وصل آصِف وسَمَق إلى مشارف الديرة. وبكت سَمَق لا شعوريًا وهي تشوف ديرتهم.

وآصِف توتر وبدأت يدينه ترجف، لذلك وقف السيارة وما قدر يكمل سياقته للسيارة. نظرته سَمَق وقالت: "هو صحيح يا آصِف وصلنا! "هو صحيح يا آصِف ما بيننا وبين ديرتنا إلا كم خطوة؟! ناظرها آصِف بابتسامة والدموع تجمعت في عيونه غصب عنه وقال: "أي والله صار صحيح يا سَمَق، أي والله إنه صحيح." زاد بكاء سَمَق وقالت: "وش تنتظر؟ حرك خلينا ندخل الديرة." غمض آصِف عيونه ورجع على وراه وتنهد وقال:

"رجولي رجولي ما عاد قدرت تتحرك، ما أدري وش فيني." سَمَق ببكاء: "خلينا يا آصِف ندخل، خلينا نشوفها ونرتاح من الشوق والتعب اللي عشناه، خلينا نرتاح يا آصِف مع أهلنا، خلنا نشوفها ونستقر." ناظرها آصِف وشد على يدها وقال: "توكلنا على الله." حرّك السيارة من جديد ومكملين طريقهم داخلين للديرة، وسَمَق تبكي وتتأمل كل حاجة، وكأن الشهور اللي مرت وهي بعيدة عن ديرتها سنين طويلة. ودخلوا من باب الديرة.

وكانت الديرة هادئة بما أنه الوقت بعد الظهر، فكلٌّ في بيته يتغدون. وقف آصِف في وسط الديرة بسيارته وناظر الديرة يمين ويسار، وسند نفسه على الدركسون وهو يغمض عيونه بقوة يستوعب أنهم فعلاً صاروا في وسط ديرتهم. أما سَمَق فكانت شهقتها كل ما لها تعلى، وكلها لهفة لشوفة أهلها. ناظرها آصِف وقال: "ننزل؟

هزت رأسها بالموافقة، وفتح آصِف الباب ونزل وتوجه لبابها وفتحه، ونزلت سَمَق وهي تستند على آصِف ويدها الثانية على بطنها وتناظر الديرة وهي تبكي. وقبل ما يخطون أي خطوة ثانية داخل الديرة، سمعوا صرخة هزت الديرة كلها: "سَمَــــــــــــــق! بكل قوتها التفتت وشافت أخوها الصغير اللي كان يبكي ويصيح بكل صوته، وركض لهم بسرعة وهو يرتمي عليهم ويحضنها. وطاحت سَمَق على الأرض تبكي وهي تحتضن أخوها الصغير.

وآصِف متأثر كثير بمنظرها، وعينه على بيتهم من بعيد وهو منصدم من البيت الجديد اللي صار متلاصق في البيت الأول. وابتعد أخو سَمَق الصغير عنها وناظر آصِف، وقبل أي شيء ركض بسرعة متوجه للبيت يعلمهم وهو يصرخ بكل صوته: "آصِف رجع! آصِف رجع! وآصِف يضحك بفرحة منه. طاحت اللقمة من يد شهلاء اللي كانت جالسة هي وبرهان وسمو على سفرة الغداء أول ما سمعت صراخ "آصِف رجع". ورفع برهان رأسه بصدمة ووقف كأنه مقروص وقال:

"أنتم سمعتوا اللي أنا سمعته ولا لا؟! وقفت شهلاء والدموع تنزل من عيونها وقالت: "معقول آصِف رجع؟! برهان ما ترك أي مجال للتساؤل وركض بسرعة للباب وفتحه بقوة وطلع يركض حفيان بدون شيء على رجوله، وهو يتلفت يمين ويسار ويركض في كل مكان يدور على الصوت اللي يقول آصِف رجع! لكن رجوله انشلت وتوقفت عن الحركة والدم اتجمد في عروقه وهو يشوف آصِف واقف بعيد وبجنبه سَمَق. كانت بينهم مسافة ما هي بذاك الطول ولكنه يشوفها طويلة وما تنقطع.

التقت نظراتهم، وكل واحد نظر الثاني بعدم تصديق أنه أمامه! ولا واحد فيهم مستوعب أن أخوه صار أمامه فعلاً! لين رفعت سَمَق يدها وهي تدف آصِف على الخفيف تحثه على أنه يتقدم نحو أخوه اللي واقف بعيد ويناظره. نزلت دمعة من عين آصِف تمر على خده، وتحركت رجوله وركض بكل سرعته في نفس اللحظة اللي ركض فيها برهان. والتقوا في الوسط، وكل واحد ارتمى بثقله على الآخر في حضن طويل يعبر عن شوقهم إلى بعضهم الآخر.

وبسرعة ابتعد برهان عن آصِف، وقبل يتكلم آصِف أي كلمة سدد له برهان لكمة قوية على وجهه خلته يطيح على الأرض. وشهقت سَمَق بصدمة، ورفع آصِف رأسه بسرعة ووقف مرة ثانية وهو يهجم على برهان ويلكمه لكمة ثانية. وهجم عليه برهان ودخلوا في موجة صراع طويل غريب عجيب، واللي يشوفهم يقول مجانين.

وبعد ما ضربوا بعضهم الثاني وصار الدم ينزل من خشومهم، ارتموا في حضن بعضهم الثاني وهم يضحكون بفرحة غير طبيعية أنهم رجعوا لبعضهم ثاني، وأنهم رجعوا لبعض، وأن المسافات اللي كانت بينهم اختفت تمامًا وما عاد بينهم أي مسافة تقطع بينهم، والشهور اللي انقضت راحت وصارت في الماضي. والآن هم في لحظة جديدة وفي حياة جديدة مع بعضهم الآخر.

طلع فواز وطلعوا عياله وطلع رشيد بعدم تصديق من بعد كلام دحمان الصغير، وطلعوا وشافوا فعلاً آصِف وبرهان في وسط الديرة حاضنين بعضهم الآخر ودموعهم تنزل وهم يضحكون. ابتعد آصِف عن برهان وناظر جده وخواله اللي واقفين بعيد. وركض لهم بسرعة وهو يرتمي في حضن جده ويضمه ويقبل رأسه، والتفوا عليه كل الشباب وهم يضمونه بفرحة وسعادة غير طبيعية، وصوت ضحكهم مالي الديرة من سعادتهم.

أما سَمَق فتحركت تاركتهم وركضت لبيتهم بتشوف أمها لين يدخلون الرجال من الشارع، وأول ما دخلت من باب الحوش شافت أمها على الأرض جالسة وتبكي بفرحة. طاحت دموع سَمَق أكثر وناظرت أمها وقالت: "يمه! وقفت عبلة وهي تفتح يديها وتبكي، وركضت سَمَق لأمها وهي تحتضنها وتبكي بكل صوتها. وما هي إلا ثواني ودخلوا إخوانها وأبوها وهم يسحبونها لحظهم وعيونهم متسعة بصدمة من بطنها الكبير، وزاد بكاء عبلة وهي تشوف بنتها كبرت وبتصير عن قريب أم.

كانوا يسألونها عن حالها، وكل واحد من إخوانها يقبلها في رأسها من السعادة، وكل شوي واحد منهم يحضنها. أما آصِف فركض بكل سرعته متوجه للبيت بيشوف أمه بيروي عطشه من ظماه بشوفتها. مسكه برهان وقال: "أمي في البيت الجديد! وتوجه آصِف وبرهان متوجهين للباب يتسابقون من يدخل الأول، وانحشروا الاثنين في الباب وهم يضحكون بصوت عالي ودموعهم تنزل.

وكل واحد يبي يدخل، ورفعوا رؤوسهم وشافوا شهلاء واقفة ودموعها على خدها وهي تشوفهم منحشرين في الباب، وطاحت على رجولها وهي تفتح يديها لهم الاثنين يجونها. ركض آصِف بكل سرعته، ومسكه برهان في اللحظة الأخيرة وقال: "التسبيّر أول! آصِف ودموعه على خده: "ما بيننا إلا سنة! قال برهان بغصة: "السنة هذي تفرق." قالت شهلاء ببكاء: "تعالوا قلبي بيتوقف!

ركضوا لها الاثنين ونزلوا على رجولهم وارتموا في حضنها وهم يحضنوها بكل قوتهم، وارتفع صوت بكائهم الثلاثة. وشهلاء كل شوي تضمهم لها في لحظة يكتبها ويسجلها تاريخهم، لحظة اللقاء من بعد الغياب الطويل. ومرت ثلاثة سنوات صار فيها أحداث كثيرة، منها أن آصِف وسَمَق رزقوا بولد سموه (برهان) وبرهان وسمو جاهم بنت (أميرة) وأدهم وترف جاهم اثنين توأم (غيث وليث) أما حامد وريم فجاهم بنوته (غزال)

تزوجت بدرية من رجال من برا الديرة وطلعت منها بخيرها وبشرها. وعرف آصِف كل شيء صار مع شهلاء في غيابه وانقهر، ولكن ما في يده شيء لأن كل شيء انتهى وراح. وفي هالـ ثلاث أعوام انتشرت السيارات في ها ثلاث سنوات في المملكة، وصار الجميع يستخدمها. وسافر آصِف وسَمَق وبرهان وشهلاء وسمو إلى اليمن، وعرفوا مناظر كثير وتنقلوا من مكان لمكان مع عيالهم الصغار أحفاد شهلاء.

وصداقة سمو وسَمَق لا زالت موجودة وصاروا أكثر متعلقين ببعضهم الثاني. لأنهم في نفس البيت وصاروا كلهم أسرة واحدة والسعادة ماليتهم، وغامرت قلوبهم من بعد كل شيء صار معهم في الماضي. كان جميل أن أتركك تجوب عالمًا داخل عقلي، ولكن لا تنسى يا عزيزي القارئ أن لكل رحلة نهاية وهذه هي نهاية رحلتك في عالمي! ختام الأمر افتح تلك العصبة التي أغلقت بها عينيك وانطلق نحو الحياة الواقعية.

إلى جميع من شارك معنا في هذه الرحلة الزمنية وعاش معنا كل اللحظات بحلوها وبمرها، لكم مني كل الحب والتقدير. ولكن مثل ما كانت لنا بداية، ها نحن نصل إلى النهاية. انتهت الرحلة وحان وقت الرحيل، وداعًا حائل وداعًا صنعاء. وداعًا برهان وداعًا آصِف وداعًا سمو وداعًا سَمَق. وداعًا عيال شهلاء. النهاية. بقلم/ الرنيد ابتدأت 7 نوفمبر 2023 وانتهت 13 فبراير 2024. دمتم في أمان الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...