رواية عزبة النخيل الجزء الثالث 3 بقلم حنان أحمد ماهر عزبة النخيلرواية عزبة النخيل الحلقة الثالثة أمسكت همس بحقيبتها الصغيرة، ونظرت من النافذة إلى المحطة التي لم ترها في حياتها من قبل. كل شيء كان غريبًا… الوجوه، واللهجة، وحتى رائحة الهواء التي امتزجت برائحة التراب والشمس. وقفت مترددة والقلق يتملك منها . فربتت الحاجة خديجة على كتفها قائلة بابتسامة مطمئنة: ـ يلا يا بتى… انزلى، متخافيش.
نزلت همس خلفها بخطوات بطيئة، وكانت تنظر حولها بحذر، وكأنها تتوقع أن يخرج أحد من بين الزحام وينادي باسمها. كلما اقترب منها رجل، ارتجف قلبها. وكلما سمعت صوتًا مرتفعًا، التفتت بسرعة. لاحظت الحاجة خديجة ذلك، فأمسكت يدها برفق. ـ متبصيش وراكى كتير… اللى ربنا كاتبه هيكون. هزت همس رأسها وهي تحاول أن تتمالك نفسها. خرجتا من المحطة، وكانت عربات الأجرة تقف في صف طويل. لوحت الحجة خديجة لأحد السائقين. ـ يا ولد… عذبة النخيل.
ابتسم السائق باحترام. ـ اتفضلى يا حاجة. ركبت الحاجة خديجة أولًا، ثم جلست همس بجوار النافذة، وما إن تحركت السيارة حتى بدأت تنظر إلى الطريق. كانت الأرض تمتد على الجانبين خضراء، تتخللها ترع صغيرة، وأشجار النخيل تصطف في هدوء، بينما كانت الطيور تحلق فوق الحقول. ولأول مرة منذ هروبها… شعرت أن قلبها يهدأ قليلًا. سألتها الحاجة خديجة وهي تنظر إليها بطرف عينها: ـ أول مرة تيجى الصعيد؟ ابتسمت همس ابتسامة خفيفة.
ـ أيوه… عمرى ما خرجت من إسكندرية. ـ هتحبيه يا بتى… الناس هنا بسيطة، والقلوب لسه فيها خير. أخفضت همس رأسها وقالت بصوت خافت: ـ يارب… خير ياحجة سكتت لحظة، ثم سألتها الحاجة خديجة برفق: ـ هو اللى كنتى هربانة منه… قريبك؟ ارتجف جسد همس كله. وصمتت. فأدركت الحاجة خديجة أنها لم تكن مستعدة للكلام. فابتسمت بحنان وقالت: ـ خلاص… يابتى متجاوبيش. لما تحبى تتكلمى هسمعك. نظرت إليها همس بعينين دامعتين. مر الوقت…
حتى بدأت معالم قرية عذبة النخيل تظهر من بعيد. بيوت متواضعة من الطوب الأحمر. أشجار نخيل شاهقة. وأطفال يركضون في الطرقات الترابية وهم يضحكون. دخلت السيارة القرية ببطء. كان الجميع يعرف الحاجة خديجة. فكلما مرت بأحد، ألقى عليها السلام. ـ حمد لله على السلامة يا حاجة. ـ الله يسلمك يا ولدى. ثم كانت العيون تتجه نحو همس. فتخفض همس رأسها تلقائيًا، وتسحب طرف طرحتها قليلًا فوق وجهها. ابتسمت الحاجة خديجة وهي تلاحظ ارتباكها.
ـ متخافيش يابيتى… الناس هنا فضولها أكتر من شرها تعالى ياله. بعد دقائق… توقفت السيارة أمام بيت كبير تحيط به أشجار النخيل من كل جانب. كان البيت قديمًا، لكنه نظيف، وتفوح منه رائحة الخبز البلدي. قالت الحاجة خديجة وهي تنزل: ـ اهو… وصلنا تعالى يابتى أهلا وسهلا بيتك ومترحك. نزلت همس وهي تنظر إلى المكان بإعجاب ممزوج بالخوف. همست لنفسها: ـ ربنا يستر. وفي تلك اللحظة… فتح باب البيت، وخرجت امرأة خمسينية تحمل صينية خبز ساخن.
ابتسمت للحاجة خديجة قائلة: ـ نورتى يا خديجة… اتأخرتى ليه؟ ابتسمت الحاجة خديجة، البيت منور بيكى ياخيتى ثم أشارت إلى همس. ـ دى بنت قريبتى… هتقعد معايا كام يوم، ولحد ما ربنا يفرجها عليها هتشتغل معايا فى بيت الحاج عبد المجيد. ابتسمت المرأة بحسن نية. ـ أهلًا وسهلًا بيها… البيت بيتها ياحاجه. ابتسمت همس بامتنان .أهلا بحضرتك ياحاجة كملت الحاجة خديجه. وده تبقى اختى الحاجة زينب
ابتسمت الحاجة زينب في وجه همس، ثم مدت يدها وربتت على كتفها بحنان أمومي. ـ أهلاً بيكى يا بنتى… اعتبرى نفسك وسط أهلك، بيتك ومطرحك يضنايا. ارتعشت شفتا همس وهي تومئ برأسها. ـ ربنا يخليكى يا حاجة شكر لحضرتك. دخلت الحاجة خديجة أولًا، وتبعتها همس بخطوات مترددة. ما إن عبرت عتبة البيت حتى شعرت بدفء غريب يحيط بها.
كان البيت واسعًا على الطراز الريفي القديم، تتوسطه ساحة مكشوفة تتسلل إليها أشعة الشمس، وفي أحد الأركان تناثرت أواني الفخار، بينما كانت رائحة الخبز البلدي تمتزج برائحة السمن البلدي، فتملأ المكان دفئًا وطمأنينة. قالت الحاجة زينب وهي تضع صينية الخبز على منضدة خشبية: ـ أكيد تعبانين من السفر… تعالى اغسلى وشك، وأنا هحضرلكم الفطار. اعترضت همس بخجل: ـ والله يا حاجة متتعبيش نفسك. ابتسمت زينب. ـ تعب إيه بس يا بنتى؟
ده البيت بيتك. تبادلت الحاجة خديجة النظرات مع أختها، ثم قالت وهي تخلع عباءتها: ـ البنت ملهاش حد غير ربنا… وربنا ساقها لحد عندنا. نظرت زينب إلى همس بعطف، لكنها لم تسألها عن شيء، وكأنها فهمت من نظرة أختها أن للصمت حرمة. جلست همس على طرف المقعد الخشبي، وعيناها تتجولان في أرجاء البيت. كان كل شيء بسيطًا… لكن تلك البساطة منحتها شعورًا بالأمان لم تعرفه منذ زمن.
بعد دقائق، وضعت زينب على المائدة أرغفة الخبز الساخنة، وجبنًا قديمًا، وعسلًا أسود، وطبقًا من الفول. قالت بابتسامة: ـ يلا… سموا بالله. ترددت همس قليلًا، ثم بدأت تأكل. كانت جائعة، لكنها كانت تحاول ألا تظهر ذلك. لاحظت الحاجة خديجة، فابتسمت في سرها. همست لزينب: ـ سيبيها براحتها… شكلها من امبارح ماداقتش الذاد ياحبيت عينى. لم ترفع همس رأسها، لكن عينيها امتلأتا بالدموع. منذ زمن لم يعاملها أحد كإنسانه
انتهى الإفطار، فأخذت زينب الأطباق إلى المطبخ، بينما وقفت الحاجة خديجة وقالت: ـ تعالى يا همس… أوريكى أوضتك. صعدتا درجات سلم قديم يؤدي إلى الطابق العلوي. فتحت خديجة باب غرفة صغيرة، تطل نافذتها على صفوف طويلة من النخيل. كان بها سرير خشبي، وخزانة بسيطة، وستارة بيضاء تتحرك مع نسمات الهواء. ابتسمت الحاجة خديجة. ـ دى أوضتك… يمكن بسيطة، بس إن شاء الله ترتاحى فيها. دخلت همس ببطء، واتجهت نحو النافذة.
نظرت إلى أشجار النخيل التي كانت تتمايل بهدوء سمعت صوت الحاجة خديجة خلفها: ـ ارتاحى النهارده يا بنتى… وبكرة الصبح هنروح سوا بيت الحاج عبد المجيد. التفتت همس إليها باستغراب. ـ هو… الشغل هيكون صعب؟ ابتسمت خديجة مطمئنة. ـ لا يا بتى… شغل البيت عادى، وأهل الحاج عبد المجيد ناس محترمين، وأنا معاكى طول الوقت، ومحدش هيقدر يضايقك. تنهدت همس براحة، ثم قالت: ـ حاضر يالحاجة … لكنها لم تكن تعلم… وفي الجهة الأخرى من القرية…
كان حمزة يجلس أسفل شجرة الجميز العتيقة، شاردًا كعادته. اقترب منه صديقه محمود وهو يبتسم ابتسامة ماكرة، ثم قال: ـ يا واد يا حمزة… سمعت الخبر؟ رفع حمزة رأسه باستغراب. ـ خبر إيه؟ جلس محمود بجواره وهو يضحك. ـ بيقولوا الحاجة خديجة رجعت من السفر… وجابت معاها بنت زى فلجه القمر. لم يهتم حمزة كثيرًا، وعاد ينظر إلى الأرض. ـ وربنا يرزقها الستر يامحمود. ابتسم محمود وهو ينهض. ـ شكلك مش فارق معاك. أجابه حمزة بهدوء:
ـ اللى ملوش دعوة بالناس… الناس بتحترمه روح شوف حالك. قام محمود بضيق طيب يا خويا متنساش تودى شكاره الدقيق للحاجه خديجة ياله سلام عليكم غادر محمود وهو يهز رأسه، نهض حمزه من مكانه، واتجه إلى مخزن الغلال، وحمل شوال الدقيق فوق كتفه القوي، ثم سار بخطوات هادئة في طرقات عذبة النخيل متجهًا إلى بيت الحاجة خديجة. وما إن وصل، حتى وقف أمام الباب ونادى باحترام: ـ السلام عليكم يا حاجة خديجة. خرجت الحاجة خديجة من الداخل وهي تبتسم.
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… أهلاً يا ولدى. ابتسم حمزة وهو ينزل شوال الدقيق عن كتفه. ـ ده شوال الدقيق اللى كنتِ طلبتيه. ـ ربنا يبارك فيك يا ولدى، تعبتك معايا. هز رأسه في هدوء. ـ تعب إيه بس يا حاجة… ده واجب. خرجت همس من غرفتها بعدما سمعت صوتًا يأتي من ساحة البيت، ونزلت السلم بخطوات هادئة وهي تنظر باستغراب. وفي تلك اللحظة، لمحت الحاجة خديجة همس وهي تقف عند آخر درجات السلم، فابتسمت لها وأشارت بيدها.
ـ تعالى يا بتى. اقتربت همس في هدوء، وعيناها تتحركان بين الحاجة خديجة والشاب الواقف أمامها. قالت الحاجة خديجة بابتسامة: ـ يا حمزة… دى همس، بنت قريبتى، هتقعد معايا كام يوم لحد ما ربنا يفرجها عليها، وهتشتغل معايا فى بيت الحاج عبد المجيد. ثم التفتت إلى همس وقالت: ـ وده حمزة… ابن الشيخ طه، زى ابنى بالظبط، من أحسن شباب البلد وأخلاقه يشهدلها القاصى والدانى. رفع حمزة عينيه للحظة قصيرة، وألقى السلام باحترام: ـ السلام عليكم.
ابتسمت همس بخجل، وردت بصوت منخفض: ـ وعليكم السلام ورحمة الله. وما إن انتهى من السلام، حتى أنزل حمزة بصره في هدوء، ولم ينظر إليها مرة أخرى، ثم حمل الشوال إلى داخل المخزن كما طلبت منه الحاجة خديجة. وفى الليل وقوف همس خلف نافذة غرفتها، وأسندت جبينها إلى إطارها الخشبي، بينما كانت نسمات الليل الباردة تعبث بخصلات شعرها التي أفلتت من تحت طرحتها. كان الليل في عذبة النخيل مختلفًا… هادئًا بصورة لم تعهدها من قبل.
لا صوت سيارات، ولا صخب شوارع، فقط صوت صراصير الليل، وحفيف سعف النخيل، ونباح كلب بعيد بين الحقول. وفجأة… شق سكون الليل صوت حوافر حصان تضرب الأرض بقوة. اتسعت عينا همس، ونظرت في اتجاه الصوت. رأت فارسًا يمتطي حصانًا عربيًا أسود، ينطلق به بين الطريق الترابي الممتد وسط الحقول بسرعة كبيرة، حتى كانت عباءته السوداء ترفرف خلفه مع الهواء. لم تستطع تمييز ملامحه من شدة الظلام…
ظل الحصان يعدو حتى اقترب من شجرة الجميز الكبيرة عند مدخل القرية، فأبطأ الفارس من سرعته، وربت على عنق حصانه بحنان وهو يهمس له: ـ خلاص يا “الأدهم”… هدى. توقف الحصان مطيعًا، ونزل فارس عنه بخفة، وربط لجامه في أحد جذوع الأشجار. في تلك اللحظة… خرج رجل مسن من أحد الحقول وهو يحمل فانوسًا صغيرًا. ابتسم عندما رآه. ـ لسه راجع من الغيط يا فارس ياولدى؟ ابتسم فارس بهدوء. ـ أيوه يا عم رجب… كنت بطمن على الزرع بعد الرى.
هز الرجل رأسه بإعجاب. ـ ربنا يباركلك يا ولدى… زى أبوك الله يرحمه، عمره ما نام قبل ما يلف على أرضه. خفض فارس رأسه احترامًا. ـ ربنا يرحمه ويغفرله. ودع الرجل، ثم أمسك بلجام حصانه من جديد، وسار به في هدوء نحو بيته. أما همس… فكانت لا تزال تتابع المشهد من بعيد. ابتسمت دون أن تشعر. كانت تلك أول مرة، منذ أيام طويلة، تنشغل بشيء غير خوفها. لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها، وعادت الذكريات تطاردها.
أغلقت النافذة برفق، وجلست على طرف السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها. همست بصوت اختنق بالدموع: ـ يا رب… انا مليش غيرك . ثم تمددت فوق السرير، بينما كان ضوء القمر يتسلل إلى الغرفة من بين شقوق النافذة. وبعد دقائق… غلبها النعاس، لتنام للمرة الأولى منذ فترة طويلة نومًا هادئًا، لا يقطعه صراخ، ولا كوابيس… وكأن عذبة النخيل بدأت تضمّد شيئًا انكسر داخل قلبها. و….. …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!